شذرات في معالم البناء وآليات التفعيل
د. محمد المهدي
أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بتازة
من الملاحظ أن جميع الأنظمة القضائية في العالم أصبحت تعاني من مشكل كثرة القضايا الرائجة أمام المحاكم، وتراكم الملفات بسبب تعدد الإجراءات، وتعقد المساطر، والبطء في البت في النزاعات، والتأخير في إصدار الأحكام، وقصور النصوص التشريعية عن الاستجابة للحاجيات والمتطلبات بسبب التغيير الذي عرفته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وفرضته سياسة العولمة والانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي، وهو ما خلق نوعا من التذمر والملل في نفوس المتقاضين وأدى إلى فتور الثقة لديهم، خاصة على مستوى سير الإجراءات المسطرية، الشيء الذي دفع المهتمين بإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية إلى التفكير مليا في إحداث وسائل أخرى بديلة للبت في النزاعات[1]، من أجل الوصول إلى حلول توفيقية وملائمة لإنهاء الخلاف بشكل رضائي في أقرب وقت وبأقل تكلفة[2]، قبل أن تتطور إلى خصومات ومن تم إلى عداوات[3]، وهو ما سبق أن أكدت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1985 من خلال قرارها عدد 34/40 الذي جاء في مادته السابعة أنه:”ينبغي استعمال الآليات غير الرسمية لحل النزاعات بما في ذلك الوساطة والتحكيم والوسائل العرضية لإقامة العدل أو استعمال الممارسات المحلية عند الاقتضاء لإرضاء الضحايا وإنصافهم”، وفي ذات السياق نصت المادة 32 من الاتفاقية الأوربية لممارسة حقوق الطفل لـــــ 25 يناير 1996 على تطبيق الوساطة الأسرية في النزاعات التي تهم الأطفال.
وهذه الطرق البديلة لتسوية المنازعات ليست آلية جديدة، كما قد يعتقد البعض، وإنما هي قديمة جدا قدم الإنسانية، لكن الجديد فيها هو ضرورتها، التي أملتها الظروف المشار إليها، ولعل النظام المغربي لم يكن بمنأى عن ذلك، ولذلك نجده يحذو هو الآخر حذو غيره من التشريعات، في اهتمامه بتلك الوسائل البديلة التي تقع الوساطة في قلبها[4]، وإذا كان آخر ما جادت به قريحته هو القانون 08.05 المتعلق بالوساطة الاختيارية[5]، المتمم لقانون المسطرة المدنية (الفصول من 327-55 إلى 327-69)، الذي قصره على عدد من المجالات المعينة كالمجال المدني والتجاري دون المجال الأسري، فإن التفكير أخذ يفرض نفسه في الآونة الأخيرة لاعتماد الوساطة حتى في حل النزاعات الأسرية مع مراعاة خصوصيتها، خاصة بعدما أبانت بقية الوسائل المعتمدة في مدونة الأسرة عن فشلها في تحقيق فلسفة المشرع الرامية إلى الحفاظ على تماسك الأسرة باعتبارها الخلية الأساس في المجتمع.
وفي هذا السياق، تأتي المبادرة التي قامت بها وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية مؤخرا، من خلال تنظيم مؤتمر دولي بقصر المؤتمرات بالصخيرات، يومي 7 و8 دجنبر 2015، أملا في تراكم أفكار مفيدة ومقترحات سديدة في هذا الباب عساها تسعف في إماطة اللثام عن خفايا هذا الموضوع، من أجل وضع تصور متكامل وجريء لما ينبغي أن تكون عليه الوساطة الأسرية ببلادنا، غير أن ما يلاحظ على هذه المبادرة هو أنها أثقلت كاهل برنامج المؤتمر بمتدخلين جلهم أجانب، متناسية أن المغرب له خصوصياته التي تميزه عن غيره، كبلد عربي مسلم، له عاداته وأعرافه، التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من التركيبة الثقافية للمجتمع المغربي.
وفي اعتقادنا الشخصي، أنه لوضع تصور سليم ومتكامل لمقومات الوساطة الأسرية الناجحة، ينبغي أن ننطلق لزاما من تقييم المؤسسات الحالية لحل النزاعات الأسرية المنصوص عليها في مدونة الأسرة، والنظر في مكامن الخلل في استعمالها، وأخذ كل ذلك بعين الاعتبار، لوضع تصور آليات للوساطة تكون قادرة على الوفاء بمقاصد المشرع وأهدافه خير وفاء، وسبيلا لتحقيق عدالة تصالحية بين الأطراف، مع التنبيه إلى أن الخلل ليس في تلك الوسائل في ذاتها، لأنها وسائل تجد سندها في الشرع الحكيم[6]، ولطالما آتت أكلها بشكل ريادي وفاعل عبر التاريخ الإسلامي، وإذا لم تعد لها نفس الفاعلية على مستوى النتائج حاليا فلأنها وضعت في ظروف غير مناسبة وفي بيئة غير ملائمة، يطغى عليها كم الملفات وقلة الأطر، مما أثر على مفعولها، فضلا عما يكرسه الحكم القضائي الصادر في الدعوى من ضغائن بين الأطراف المتنازعة، قد تصل إلى حد التلكؤ في تنفيذه، لأنه إذا كان يرضي طرفا فإنه قد لا يرضي الطرف الآخر.
فما المقصود إذن بالوساطة الأسرية ؟، وما الذي يميزها عن غيرها من الوسائل البديلة ؟، وما الأهمية التي تكتسيها على مستوى إدارة النزاع ؟، وما هي المقومات الواجب مراعاتها لنضمن وساطة أسرية ناجحة تفي بالغرض المنشود ؟.
للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها، نقسم مقالتنا هذه إلى مبحثين، نتناول في أولهما مقومات الوساطة الناجحة على مستوى البناء، ونتناول في ثانيهما مقومات الوساطة الناجحة على مستوى آليات التفعيل، على أن نمهد لكل ذلك بتبيان مفهوم الوساطة تمييزا لها عن غيرها مما يمكن أن يلتبس بها في أذهان البعض، دون إغفال أهميتها في هذا الباب مزيدا لها من التمييز والتميز.
تمهيد: مفهوم الوساطة وتمييزها عما يلتبس بها.
إن تصور معالم معينة لجهاز الوساطة يتطلب ضبط المصطلح رفعا لكل التباس له مع غيره (أولا)، بل وتمييزه عما يمكن أن يشابهه من المصطلحات (ثانيا).
أولا: مفهوم الوساطة.
الوساطة (Mediation) لغة، تعني التوسط بين أمرين أو شخصين، والوسيط هو المتوسط بين المتخاصمين[7]، وقد يشمل كل توسط بين اثنين، جاء في الصحاح: “التوسط بين الناس من الوساطة”[8]، أما في الاصطلاح القانوني، فهناك من يعرفها بأنها: آلية لتسوية المنازعات القانونية بشكل ودي بين فريقين أو أكثر، بمعاونة شخص ثالث، محايد، يلعب دور الوسيط، بتوجيه المفاوضات، وصقلها، والمساعدة على إعطاء حلول وتفريغها في عقود[9]، وهناك من يعرفها بأنها آلية بديلة للتقاضي تهدف إلى فض النزاع عن طريق تدخل شخص محايد يسمى الوسيط، يعمل على مساعدة أطراف النزاع على التفاوض من أجل الوصول إلى تسوية للنزاع[10]، والبعض الآخر يعرفها بأنها: “آلية للتصالح بين طرفين متنازعين تتم تحت إشراف شخص محايد في اجتماع سري، وأساسها الرضا والاختيار”[11].
ومن هذه التعاريف وغيرها، وبالنظر إلى أن موضوع الوساطة في المجال الذي نحن بصدده هو النزاع الأسري، يمكن القول بأن الوساطة الأسرية هي في نهاية المطاف: عملية لحسم النزاع بين الزوجين أو بين غيرهما من أفراد الأسرة، تقوم على الإرادة الحرة للأطراف، وتتم بصورة طوعية، وودية، ولا يكــون للوسيط فيها دور في فرض الحلّ عليهم، وإنما يقتصر دوره على مساعدتهم على الوصــــول إلى حل متفق عليه من شأنه ضمان استمرار العلاقة الأسرية وحفظها من التفكك والانهيار.
ثانيا: تمييز الوساطة عن الأنظمة المشابهة.
نميز بداية بين الوساطة والقضاء ، ثم نميزها عن التوفيق (ب)، وبعده عن الإصلاح (ج)، ثم عن التحكيم (د)، ثم عن التسوية القضائية (ر).
أ: الوساطة والقضاء.
يمكن القول بأن الوساطة والقضاء يشتركان في أن كل منهما عملية ودية تسعى إلى حل النزاع، ولكنها في الوساطة تختلف عنها في القضاء من حيث:
– إنها عملية طوعية تحتاج إلى موافقة طرفي النزاع، في حين أن القضاء يحتاج إلى موافقة طرف واحد فقط وهو عملية ملزمة؛
– الوساطة عملية غير رسمية في حين أن القضاء عملية رسمية؛
– في الوساطة هنالك تعاون ما بين أطراف النزاع، في حين أن القضاء يمثل سلطة أعلى وغالبا ما تكون الحلول لصالح طرف واحد فقط؛
– كما أن الحل في الوساطة نابع من الأطراف ويحقق مصالحهم، أما الحل في القضاء فإنه ينبع من القاضي ويحقق مصالح طرف على حساب طرف آخر[12]، ولذلك فإن العدالة المبنية على أساس الاتفاق تكون أكثر إيجابية ولها آثار فاعلة من العدالة التي يطبقها القاضي اعتمادا على نصوص قانونية مجردة[13].
ب: الوساطة والتوفيق
هناك من يفرق بين الوساطة والتوفيق، فيرى أن الوسيط له دور إيجابي أكثر من دور الموفق، على اعتبار أن هذا الأخير يقتصر دوره على التوفيق بين الطرفين، دون إعطاء رأيه، في حين أن الوسيط قد يقترح بعض الحلول، ويمتد دوره إلى إقناع أطراف العلاقة بها، ليخلص إلى أن الاختلاف بين التوفيق والوساطة هو مجرد اختلاف في الدرجة على نحو يسمح باعتبار الوساطة شكلا من أشكال التوفيق[14].
وهذه التفرقة لا تتمتع حسب ما يبدو بدرجة كافية من الأهمية للقول باختلاف النظامين بصورة جوهرية، خاصة وأن صاحب الرأي نفسه، يعود ويتحدث في موضع لاحق، عن التوصية والقرارات التي يصدرها الموفق[15]، واقتراح الحلول البديلة التي يمكن الاختيار من بينها[16]، وهذه القرارات أو التوصيات أو الاقتراحات، لا تنهي التوفيق، بل يمكن مناقشتها مرة أخرى من قبِل الأطراف، وإبداء الرأي حولها، مما يستدعي من الموفق اقتراح حلول جديدة، فدور الموفق ليس دورا ميكانيكياً، بل يفترض فيه هو الآخر أن يكون دوراً فعالا في توجيه الأطراف، نحو حل يرضيهم.
وبناء عليه، فإن الاختلاف في درجة تدخل الوسيط، أو الموفق، غير كاف لاعتبار التوفيق نظاما مستقلا عن الوساطة، فكلاهما يقومان على المبادئ نفسها، وأهمها أن الوسيط أو الموفق، لا يملك صلاحية فرض حلول على الأطراف.
ج: الوساطة والإصلاح.
يفيد الإصلاح التدخل من قبل شخص من الأغيار ولو قاضيا لأجل نقل حالة النزاع، كما لو كان أسريا مثلا، إلى حالة السلم الذي يوفره استمرار ميثاق الزوجية باستقامة حال الزوجين دون عوض، بل ولو كان بعوض، مادام الإصلاح في هذه الحالة لا يكون قاطعا للنزاع على النحو الذي يحول دون تمكن المتصالحين من إعادة رفع دعوى الإذن بالطلاق أو من إعادة طلب التطليق، إن الإصلاح في هذا الصدد يقف عند حد وقف النزاع دون قطعه نهائيا[17].
وعلى هذا فالوسيط حسب ما مر بنا يتمتع بفعالية وإيجابية أكثر من المصالح، على أساس أنه يقدم اقتراحات ويلائم المصالح والمواقف، ويتوفر على وسائل عديدة لتقريب وجهات نظر أطراف النزاع، أما المصالح فدوره أكثر تحفظا واحتشاما ولا يتوفر على الصلاحيات الواسعة التي يتوفر عليها الوسيط في ممارسة الوساطة، وذلك كله على أساس أن الصلح في الغالب ما يباشره قاض يكون ملزما باحترام مرجعيته والضوابط التي تحكم عمله القضائي، عكس الوسيط الذي هو شخص متحرر من كل القيود، وهو يمارس الوساطة للوصول إلى صلح، والقيد الوحيد على عمله هو التقيد بالأسرار والخصوصيات التي راجت أمامه ومنع الأطراف من استعمالها ضد بعضهم البعض في حال فشل الوساطة، وهو ما يجعلها تتسم بالمرونة وتخول الأطراف إمكانيتي التقدير والتمكين من أجل الوصول إلى حل منصف لهما معا[18].
د: الوساطة والتحكيم.
تختلف الوساطة عن التحكيم من حيث بساطة إجراءاتها من جهة، ومن جهة أخرى، من حيث إن الوسيط فيها يلعب دورا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين للتوصل إلى تسوية[19]، على خلاف المحكم الذي لا يمارس هذا الدور غالبا، كما أن أحكام وقرارات المحكم ملزمة للأطراف[20]، أما قرار الوسيط، فليس له صفة الإلزام، بل ولا يتمتع الوسيط بصلاحية إصدار أحكام في النزاع المعروض عليه، وإنما يقدم فقط اقتراحات للحل، كما أن الاتفاق على التحكيم غير قابل للرجوع عنه بالإرادة المنفردة لأحد الطرفين، وهذا بعكس الوساطة التي يستطيع الشخص الرجوع عنها، فإذا اتفق الأطراف على اللجوء إلى التحكيم، وجب عليهم السير فيه حتى النهاية، ولا يمكنهم الرجوع عنه قبل انتهائه بصدور حكم فيه.[21]
ه : الوساطة والتسوية القضائية
تعني التسوية القضائية، مشاركة قاضي- غير معين للفصل في النزاع- في محاولة إقناع الأطراف على التوصل إلى تسوية رضائية، في قضية مدنية.[22]
والتسوية القضائية بهذا المعنى، تختلف عن المحاولات التي يجريها قاضي الدعوى للتقريب بين وجهات نظر الخصوم، ومحاولة حث الأطراف على الصلح، فهذه الإجراءات لا يمكن اعتبارها تسوية بالمعنى المبين أعلاه، لكونها تندرج ضمن السياق العادي لسير الدعوى، ولا تمنع القاضي عن نظر الدعوى، ولا يطلع خلالها القاضي على أسرار الأطراف، كما أنه يمتنع على القاضي أن يبدي رأيا في النزاع، وإلا كان ذلك سببا لرده عن نظر الدعوى، وإنما يقتصر دوره على تقديم النصح للأطراف، دون بيان رأيه القانوني في النزاع المعروض عليه، كما لا يجوز للقاضي عند عرضه لتسوية على الخصوم، أن يتحدث إلى كل طرف على حدة، بل تتم جميع إجراءات الصلح بحضور الخصمين.
وفي المقابل، يجوز للقاضي المنتدب للتسوية، تقديم رأيه للخصوم، كما يجوز له الاجتماع بكل خصم على حدة، ويمنع القاضي المنتدب للتسوية من نظر الدعوى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مصالحة بين الأطراف.
ولا تتميز التسوية القضائية بهذا عن الوساطة، سوى في كون الشخص الذي يقوم بالتوفيق بين الأطراف قاضيا، وإلا فهما يتشابهان ويلتقيان في كون القاضي الذي يقوم بالتسوية لا يفرض حلولا على الأطراف، لأن الاتفاق الذي يتم التوصل إليه لحسم النزاع ينبغي أن ينبثق من رحم الإرادة الحرة للأطراف، وكذلك مهمة الوسيط، تقتصر هي الأخرى على تقريب وجهات النظر، وتوجيه الأطراف إلى حل يرتضونه[23]، دون فرضه عليهم، مما يمكن معه القول، بأن التسوية القضائية هي في نهاية المطاف إحدى صور الوساطة، وهي ما يعرف بالوساطة القضائية، أي الوساطة التي تتم بواسطة قاض.
ثانيا: أهمية الوساطة كخيار ودي في فض النزاعات.
الوساطة في نظرنا ليست بديلا، بقدر ما تمثل خيارا وديا آخر في حقل التعامل بشكل إيجابي وبناء مع مواقف النزاع، وهي تكتسي أهمية بالغة، لما تحققه من مزايا، وما تتوفر عليه من إيجابيات، يمكن رصد بعضها في ما يلي:
1- الوساطة تخدم المصلحة العامة، بالنظر إلى ما تقوم به من دورٍ إيجابي في تقليل عدد المنازعات المعروضة على المحاكم[24] .
2- الوساطة طريقة سريعة في حسم النزاع وبأقل التكاليف مقارنة بوسائل حل النزاعات الأخرى، ولذلك فهي تؤدي إلى اختصار الوقت، والجهد[25]، خاصة وأن حل النزاع بهذه الطريقة، لا يتقيد بشكليات معينة، بخلاف التحكيم والتقاضي، اللذين يستوجبان استيفاء إجراءات معينة.
3- تجنب البطلان، حيث يؤدي البعد عن الشكلية في إجراءات الوساطة، إلى عدم الوقوع في فخ البطلان الإجرائي، وهو ما يلاحظ كثيرا في قرارات التحكيم، وفي عدد لا بأس به من الأحكام القضائية الفاصلة في النزاعات.
4- المحافظة على العلاقات الودية بين أطراف النزاع، ذلك أن التوصل إلى حل ودي يؤدي إلى استمرار العلاقات بين الأطراف في المستقبل، لأن الوساطة بعيدة عن منطق الربح والخسارة، الذي يظهر في الوسائل الأخرى لحل النزاعات، كالتقاضي، أو التحكيم[26]، إذ ليس هناك غالب ولا مغلوب، وليس فيها مخطئ أو مصيب[27]، وإنما فيها خصمان ولكن رابحان.
5- تحكم أطراف النزاع في الإجراءات وفي النتيجة ، وهو ما يعرف بسيطرة الأطراف على الوساطة[28]، وهذا يجعلهم في الغالب يرتضون آثارها، ويعملون على تنفيذ مضمونها دون مماطلة[29].
6- سرية الوساطة، حيث تضمن الوساطة سرية الإجراءات، بصورة تقلل من الضرر الذي تحدثه علانية المحاكمة.
وهذه المزايا وغيرها، مما يفتقر إليه اللجوء إلى وسائل حل النزاعات الملزمة، كالتقاضي، أو التحكيم، هي سبب من أسباب نجاح الوساطة في حل النزاعات، وفي هذا الصدد أظهرت الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية، بأن ما نسبته 80 % من القضايا التي عرضت على الوساطة من أطراف النزاع، قد تم التوصل بشأنها إلى تسوية، ونظرا لهذا النجاح الذي حققته وسيلة الوساطة، فقد أعطت المحكمة الفيدرالية في ولاية تكساس لنفسها الحق في تحويل القضايا إلى الوساطة حتى لو لم يرض أصحابها، على أساس أنها لن تمس حقوقهم[30].
المبحث الأول: مقومات الوساطة الناجحة على مستوى البناء.
بناء الوساطة ينبغي أن يقوم على ثلاث ركائز أو أعمدة أساسية، يهم أولها الجانب الهيكلي للوساطة (أولا)، ويهم ثانيها الجانب العضوي للوساطة (ب)، ويهم ثالثها الجانب المؤسساتي للوساطة (ثالثا).
أولا- البناء الهيكلي للوساطة الأسرية: أي وساطة نريد ؟.
لتحديد الوساطة المناسبة لحل نزاعات الأسرة (ب)، ينبغي الانطلاق من البحث في أسباب فشـــــــل أو محدودية الوسائل الحالية المعتمدة في مدونة الأسرة لفض النزاع .
أ: مدى محدودية الوسائل الحالية.
إذا كانت مدونة الأسرة قد أوجبت على القضاء القيام بمحاولة الصلح بين الزوجين قبل البت في الدعاوى المتعلقة بإنهاء الرابطة الزوجية، فإنها حددت طريقة إجرائها، على النحو المذكور في المادة 82 التي جاء في فقرتها الأولى أنه:”عند حضور الطرفين، تجري المناقشات بغرفة المشورة، بما في ذلك الاستماع إلى الشهود ولمن ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه”، وفي فقرتها الثانية أنه:” للمحكمة أن تقوم بكل الإجراءات بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين…”، وهذا يعني أن الأمر للسلطة التقديرية للمحكمة، فلها أن تكتفي بالوساطة القضائية المنصوص عليها في الفقرة الأولى إذا ارتأت أن ذلك كاف في تحقيق المراد، ولها أن تستعين بغيرها من مؤسسات الصلح، خاصة إذا ما باءت محاولتها بالفشل، وهذا هو الذي دأب عليه العمل القضائي في معظم المحاكم المغربية[31]، على أن هذه الإجراءات المتبعة في الصلح هي واحدة تطبق في جميع دعاوى الطلاق والتطليق خلافا لمن يرى غير ذلك[32]، على اعتبار أن الغرض من الصلح واحد، هو إصلاح ذات البين عن طريق رفع الخلاف بين الزوجين وكسر شوكته من أجل إرجاع المياه إلى مجاريها.
لكن من الملاحظ أن تفعيل مؤسسات الصلح في قضايا الأسرة لم يحقق الغاية المبتغاة منه، حيث يلاحظ أن نجاح الصلح في طلبات الإذن بالإشهاد على الطلاق بلغت نسبته سنة 2006 فقط 17.48 % من الملفات المحكومة، ولم تتعد سنة 2013 ما معدله 27.81% ، أما بخصوص الصلح في قضايا التطليق، فقد كانت نسب النجاح أقل ضعفا، ففي سنة 2006، وصلت نسبة النجاح إلى 17.61 % فقط، دون أن تتعدى سنة 2013، ما معدله 14.67 % من الملفات المحكومة[33]، وهذا مؤشر سلبي يدعو مليا إلى التفكير في البديل.
ومن خلال استقراء أسباب هذا الفشل، نشاطر بعض الباحثين[34] فيما ذهب إليه من أن هذه الأسباب كثيرا ما يكون وراءها القضاء نفسه، بإرادته أو بغير إرادته، وبيان ذلك في ما يلي:
– كون قاض الصلح هو القاضي المكلف بالفصل في جوهر النزاع بحكم قد يرضي طرفا دون آخر، إلى جانب بطء إجراءات التبليغ وعدم ربط تجهيز الدعوى والفصل فيها بآجال معينة، يضعف من إمكانية الاقتناع لدى الأطراف بجدوى الصلح ومنافعه من حيث الكلفة والزمن ومن حيث سهولة التنفيذ، مما يدفعهم إلى التحفظ في الكشف أحيانا عن بعض التفاصيل الدقيقة الكفيلة بتسهيل مسطرة الصلح، خاصة مع وجود المحامين الذين يؤازرونهم.
– اكتفاء أغلب القضاة بالنظر إلى كثرة الملفات، بجعل الصلح عبارة عن إجراء روتيني فحسب[35]، فالقاضي عوض أن يخاطب إرادة الخصوم ويستحثها على إنهاء المنازعة صلحا، فإنه يكتفي بمجرد طلب الصلح من الطرفين أو إلقاء سؤال عابر عن مدى استعدادهم للصلح، دون أن يحيط بأسباب الخلاف أو يبذل جهدا حقيقيا وكافيا لمحاولة إيجاد سبل إزالة هذه الأسباب.
– صعوبة توفيق وملاءمة القاضي بين قيامه بدور المصالح بما يقتضيه من دور إيجابي وبين التزامه الموضوعية والحياد في عملية إصلاح ذات البين، مع التنبيه إلى أن الإخلال بواجب التجرد والاستقلال أصبح مكرسا في دستور 2011، تحت طائلة اعتباره خطأ جسيما (الفصل 109)، فضلا عن صعوبة تخليه عن عقلية وتشدد وهيبة القاضي في تعامله مع المتنازعين مما قد يخلق في أنفسهم رهبة تجاهه.
– بالرغم من أن حق التقاضي مكفول دستوريا (الفصل 118)، إلا أن جر أحد الطرفين إليه، مع ما يقتضيه ذلك من إجراءات ومساطر، يزيد من تعميق الخلاف وتوسيع هوة النزاع، ويزكي روح الحقد والبغض والضغينة لدى الأطراف المتنازعة، مما لا يستطيع معه الصلح القضائي استدراكه في ظل الظروف المزرية التي يعيشها الجسم القضائي بالمغرب.
وإذا كان القضاء، بإرادته أو بغير إرادته، يسهم بحصة الأسد في فشل الصلح، فإنه لا ينبغي أن ننسى نصيب هيئة الدفاع في هذا الصدد، فقد تسهم هي الأخرى بدورها في تأجيج النتيجة، بحكم عدم تنصل بعض المحامين من قميص الدفاع أحيانا، وبحكم تقديم المصالح المادية الشخصية والاعتبارات الضيقة على مصالح الأطراف ومصلحة العدالة العامة في فض المنازعات بالصلح، ووضع حد للضغائن وتحقيق السلم الاجتماعي، فالتصور السائد لدى بعضهم هو أنه كلما تم حسم النزاع بين الأطراف في ظرف وجيز وبطرق سلمية كلما قلت مداخيلهم، مما يفضي بهم إلى التشدد في شروط الصلح وبنوده، وعدم تقديم التنازلات الضرورية لنجاح مساعي الصلح.
وإذا كانت هذه الأسباب التي هي مجرد غيض من فيض، إنما سقناها للتدليل فقط على أن التصور السليم للوساطة المنشودة، يتوقف على تجاوز الأعراض المذكورة والحيلولة دون الوقوع فيها، فما هو البناء الذي يمكن تصوره لها إذن لتفادي هذه الأعراض ؟.
ب: الوساطة الأسرية الملائمة.
لتحديد الوساطة بالشكل الذي يجنبنا الوقوع في الأعراض السابقة، يجدر بنا تبيان صور الوساطة، من أجل وضعها في الصورة، ومن تم تحديد المناسب منها في ضوء ما مر بنا، مما من شأنه أن يستجيب للأهداف المتوخاة، حتى نضمن نتائج إيجابية على مستوى فض النزاع تبدو معها العدالة التصالحية أكثر فاعلية.
وقد جرت عادة الباحثين في هذا المجال على التفرقة بين صور الوساطة، تبعا للجهة التي تؤدي دور الوسيط، فإذا تمت الوساطة بواسطة شخص معين من قبل الأطراف، اعتبرت وساطة اتفاقية، وإذا كان الوسيط قاضيا اعتبرت الوساطة قضائية.
* الوساطة الاتفاقية.
تعد الوساطة اتفاقية إذا تم تعيين الوسيط باتفاق الطرفين[36]، وتتحقق هذه الصورة من الوساطة، سواء تم الاتفاق قبل اللجوء إلى القضاء، أم بعد ذلك.
والملاحظ أن التوجه العالمي اليوم يسير نحو تكريس العمل بهذه الوساطة، لابتعادها عن مساطر وعقلية وإكراهات وتعقيدات وبطء وكلفة التقاضي إلى غيرها من المميزات المارة بنا، ليخلو المجال أمام سلطان الإرادة ورغبة الأطراف في حل نزاعاتهم وفق الكيفية التي يرتضونها من خلال الوسيط في جو من التفاوض والبساطة والمرونة، فضلا عن عدم إلزامية التوصل فيها إلى حل[37]، فالاتفاق الصادر عن الأطراف غير ملزم ما لم يوقعه الأطراف، وهذه الخصيصة، هي ما تمنح للوساطة الاختيارية خصوصيتها، وتميزها عن وسائل حل النزاعات الملزمة، حيث تبقي للخصوم سيطرة على مجريات الأمور، فلا يتفاجأ الخصم بالنتيجة التي يتم التوصل إليها.
* الوساطة القضائية.
إذا كانت الوساطة القضائية حسب البعض هي التي تتم بواسطة قاض معين لهذه الغاية، فإننا نرى انطباقها حتى على الحالة التي تتم فيها الوساطة تحت إشراف المحكمة، ذلك أن النص القانوني في مدونة الأسرة يسعف في تحقيق هذا المعنى، جاء في الفقرة الثانية من المادة 82 أنه يمكن: “للمحكمة أن تقوم بكل الإجراءات بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين…”، بما في ذلك الوسيط.
لكن من الملاحظ، أن الوسيط الذي تعينه المحكمة قد لا يتم الأخذ فيه بعين الاعتبار رغبة الأطراف في قبوله أو عدم قبوله، مما يفقد الوساطة بعض ملامح هويتها وخصائصها المميزة، فضلا عن أن النزاع في هذه المرحلة يكون قد تطور إلى خصومة وربما إلى عداوة، مما تضعف معه الآمال في تحقق نتائج إيجابية من وراء الوساطة المذكورة، هذا ودون أن نغفل أن تكليف القاضي بالوساطة في إطار الوساطة القضائية ولو لم يكن هو الذي سيبت في النزاع، من شأنه أن يزيد من أعبائه.
ولذلك نرى أن الصورة المناسبة التي تراعي خصوصيات المنازعات الأسرية، وتراعي عوامل فشل الصلح في ضوء مدونة الأسرة المارة بنا، هي صورة الوساطة الاختيارية، التي تتم بعيدا عن أروقة المحاكم، خلافا لمن يرى غير ذلك[38]، خاصة وأنها لا تحول في حال فشلها دون الرغبة في اللجوء إلى التقاضي، باعتباره حقا مكفولا دستوريا كما مر بنا، ولعل هذا ما قصده سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال:”ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن”[39].
وإذا كنا قد رمنا هذا الاختيار، فإن التساؤل أو الإشكال الذي يدق في المسألة، هو هل يمكن الاستعانة بالمقتضيات القانونية الواردة في القانون 08.05 المتعلق بالوساطة الاختيارية، المتمم لقانون المسطرة المدنية، المشار إليه قبلا ؟.
إذا رجعنا إلى الفصل 327-56 من القانون المذكور نجده ينص صراحة على أنه:”لا يجوز أن يشمل اتفاق الوساطة[40]، مع التقيد بمقتضيات الفصل 62 من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود[41]، المسائل المستثناة من نطاق تطبيق الصلح…”، التي نص عليها الفصل 1100 من هذا القانون، بقوله:”لا يجوز الصلح[42] في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام أو بالحقوق الشخصية الأخرى الخارجة عن دائرة التعامل، ولكنه يسوغ الصلح على المنافع المالية التي تترتب على مسألة تتعلق بالحالة الشخصية….”، ومنه يفهم أنه لا مجال لتطبيق الوساطة الاختيارية المنظمة في القانون 08.05 على نزاعات الأسرة عموما، وإن كانت النزاعات الأسرية ذات الطابع المالي تبقى قابلة لتطبيق القانون المذكور عليها، كما لو كان هناك نزاع يتعلق بالنفقة، فإنه يجوز الصلح على طريقة أدائها أو أداء أقساطها التي استحقت فعلا، أما الصلح على التنازل مثلا على حق النفقة، فلا يجوز (الفصل 1102 من ق.ل.ع)، كما هو الشأن بالنسبة للصداق، إذ لا يجوز هو الآخر الاتفاق على إسقاطه (المادة 13 من مدونة الأسرة)، وكذلك بالنسبة للخلع، إذ:”لا يجوز الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال أو بنفقتهم إذا كانت الأم معسرة”، ونفس الشيء يقال بالنسبة للاتفاق على التنازل عن الحق في الإرث (المادة 329 من نفس المدونة)، لكن بعد ثبوت الحق فيه يمكن التنازل عنه.
ويمكن أن نتفهم موقف المشرع هنا لأنه في مجال الأموال يحضر سلطان الإرادة بشكل كبير، وهو ما ينسجم مع أسلوب الوساطة الاختيارية القائمة هي الأخرى على الإرادة، أما في مجال الأسرة فسلطان الإرادة يضمحل، خاصة وأن الإجماع منعقد في التشريع والفقه والقضاء على أن القواعد المضمنة في مدونة الأسرة هي كأصل عام قواعد آمرة ومن صميم النظام العام[43].
ومراعاة لهذه الجوانب، يمكن العمل بنظام الوساطة الاختيارية في مجال الأسرة بشرطين:
– مراعاة خصوصية النزاعات الأسرية، لكونها تتعلق بعلاقات ذات حساسية وخصوصية بين أفراد الأسرة خاصة بين الزوجين والأبناء، وتقتضي الكثير من الكتمان والسرية والحكمة والتروي في معالجة جوانب منها، لأنها تكون على درجة من التعقيد وتمتاز باختلاف طبائع الناس والتقاليد والمحيط الذي نشأ فيه أطرافها، بالإضافة إلى تداخل ما هو قانوني وما هو اجتماعي ونفسي في النزاع، وغير ذلك مما لا تراعيه الوساطة المنظمة في قانون المسطرة المدنية.
– فرض حق الرقابة القضائية على مضمون الاتفاق المتمخض عنها، تفاديا لأن يكون الحل المتوصل إليه من أطراف النزاع على حساب حقوق الأطفال أو يمس النظام العام، على اعتبار أن الدولة: “مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتها طبقا للقانون”، طبقا لما نصت عليه المادة 54 من مدونة الأسرة، أو أن يكون قد حصل التنازل عما لا يجوز التنازل عنه قانونا.
ثانيا: البناء العضوي للوساطة الأسرية: محاولة في تحديد صفات الوسيط.
يعتبر الوسيط القلب النابض في جسد الوساطة، فهو الذي تعلق عليه الآمال الكبيرة في نجاح أو فشل محاولة الوساطة، ولذلك يتعين لكي يؤدي مهمته بنجاح، أن يتحلى بأخلاقيات المهنة، وهي أخلاقيات يمكن استلهامها من التجارب المقارنة أخذا بعين الاعتبار طبيعة المجتمع المغربي وعقيدته.
ويمكن في هذا الصدد اقتراح حد أدنى من الشروط يتعين توافره في الوسيط، في ما يلي:
– انعدام السوابق القضائية؛
– عدم ارتكاب أفعال مخلة بالشرف والاستقامة والأخلاق الحميدة؛
– الحصول على خبرة وممارسة عملية تؤهله لكي يصبح وسيطا؛
– أن يكون ذا مروءة وسلوك حسن.
لكن هل نشترط فيه فضلا عن ذلك أن يكون مغربيا مسلما ؟.
نعتقد ذلك، على اعتبار أن الجنسية المغربية مطلوبة لأنها مظنة العلم بواقع الأسرة المغربية وواقعها المعيش ونمط تفكير المغاربة، وأما اشتراط الإسلام، فلأن المسلم بمبادئه الإسلامية وقيمه الشرعية أكثر إقناعا من غير المسلم، لاسيما وأن تحقيق غايته قد تعتمد على نصوص شرعية وعبر من تاريخنا الإسلامي، وهو ما لا يمتلكه غير المسلم، فضلا عن أن المسلم سيكون محط قبول وارتياح من طرف المتنازعين.
وضمانا لتوفر الاستقلال والتجرد والحياد في ممارسة الوساطة، يتعين بداهة استبعاد من سبق:
– أن كان شاهدا أمام القضاء في نزاع بين نفس الطرفين؛
– من سبق أن تولى عن نفس الطرفين أو عن أحدهما النيابة أو الوكالة في خلاف سابق، سواء أمام جهة قضائية أو إدارية؛
– من كان من أصول أو فروع أحد الطرفين، أو من ارتبط به بعلاقة نسب أو قرابة أو مصاهرة، أو كانت له مصلحة شخصية في موضوع النزاع[44]، خاصة وأنه قد تبين من خلال تطبيقات الصلح في مدونة الأسرة أن انتداب الحكمين أو مجلس العائلة لا يؤتي أكله، حيث تبين أن العائلة في كثير من الأحيان هي التي تؤجج النزاع.
وإذا كانت العناصر الجوهرية والحساسة للوساطة ترتبط بميثاق الأخلاق للوسطاء، باعتباره الضامن لثقة الأفراد في هذه الآلية، فإن ذلك لا يكفي، بل يتعين الحرص على اعتماد معايير أخرى في حسن اختيار الوسيط، تكون مرتبطة أساسا بالثقة في شخصه وبتكوينه وكفاءاته التقنية وبمعرفته الجيدة بالميدان والمحيط والعقلية السائدة في الوسط الذي يتدخل فيه.
* وبعد هذا يبقى التساؤل عن ما هي طبيعة الجهة التي ستقوم بدور الوساطة ؟.
مهما تباينت التطبيقات المقارنة وتضاربت المقترحات في هذا الباب، فإنه في نظرنا ينبغي إبقاء الحق في ممارسة الوساطة مفتوحا في وجه كل من يفرض وجوده كوسيط متمرس، محنك وذي مهارة، حاصل على تكوين دقيق وتأهيل متخصص، ويحظى بثقة الأطراف، المهم أن يكون مرخصا له في ذلك من الجهات المعنية، على اعتبار أن الوساطة هي وسيلة موازية أو مكملة للوسائل القانونية الأخرى، ولا يهم بعد ذلك أن يكون مهنيا أو غير مهني، وإن كنا نفضل أن تحدث مراكز للوساطة تابعة للدولة تضم متخصصين في المجالات التي يمكن أن تكون سببا للنزاع، فقد يكون النزاع ناشئا عن اختلاف في وجهات النظر حول حق من الحقوق القانونية، وقد يكون ناشئا عن تصرفات يعتقد صاحبها أنها طبيعية، وقد يكون ناشئا عن غير ذلك، حيث بعد تبين طبيعة النزاع يتم عرضه على المتخصص في المجال، أخصائيا كان أو محاميا أو رجل دين.
ثالثا: البناء المؤسسي للوساطة الأسرية: دعوة إلى مأسسة الوساطة.
نقصد بمأسسة الوساطة هنا، وضع إطار قانوني منظم لها، يضبط قواعدها وأصولها، حتى لا تصبح حرفة يمتهنها كل من هب ودب، يستغلها المسترزقون في الحصول على منافع مادية على حساب أطراف النزاع.
لكن السؤال المطروح، هو هل يفرغ هذا القانون في قانون المسطرة المدنية ؟، أم يفرغ في قانون الأسرة ؟، فيكون متمما لهما، أم يلزم أن يكون مستقلا عن كليهما على غرار المهن الحرة ؟، هناك ثلاث فرضيات تتجاذب هذا الموضوع.
فلو كنا أمام وساطة عامة تنسحب على مختلف النزاعات، أسرية ومدنية وغيرهما، لكان من الأنسب وضع قانون مستقل لها، كما هو الشأن في خطة العدالة وقانون التوثيق، أما وأننا نحن أمام وساطة خاصة بنزاعات الأسرة، فإنه من غير المستساغ وضعه في تقنين مستقل.
أما وضعه متمما لقانون المسطرة المدنية، فهو الآخر نراه مستبعدا، لأن هذا القانون يشكل النظام الإجرائي العام، الذي ينسحب على معظم القضايا، ولذلك كان المشرع موفقا في إلحاق القانون 08.05 المتعلق بالوساطة الاختيارية، لأنها وساطة تكاد تكون عامة، ولا يستثنى منها إلا بعض القضايا ومنها قضايا الأسرة كما مر بنا.
وبناء عليه، يكون المكان المناسب لإفراغ مقتضيات الوساطة الأسرية فيه هو قانون الأسرة، باعتبارها وساطة خاصة.
المبحث الثاني: مقومات الوساطة الناجحة على مستوى آليات التفعيل.
إذا انتهينا من تصور البناء الهيكلي للوساطة من حيث تحديد الوساطة المناسبة لحل نزاعات الأسرة، ومن حيث تحديد الصفات العامة للوسيط، نبين الآن بعض الآليات المفيدة في التفعيل، الممكن رصدها في الحرص على هوية الوساطة من جهة (أولا)، فضلا عن اعتماد إجراءات سليمة في الوساطة تراعي هوية هذه الوسيلة من جهة ثانية (ثانيا)، دون إغفال أهمية التوعية والتحسيس ضمن آليات التفعيل (ثالثا)، لأنه بدون وعي بأهمية الوساطة لن يكون لمحاولة التفعيل أي جدوى، لأن المواطن هو المستهدف أولا وأخيرا من العملية.
أولا: الحرص على هوية الوساطة عند الممارسة.
أ: من حيث السرية.
تعد السرية أحد أهم الركائز الأساسية للوساطة، ومن أهم المبادئ التي تقوم عليها، في مقابل مبدأ العلنية الذي تتميز به الإجراءات القضائية، وخاصية السرية هذه قد تكون سبباً جوهرياً للجوء الأطراف لتسوية الخلاف بهذه الطريقة[45]، خاصة وأن المتنازعين يرحبون بعدم معرفة النزاعات الناشئة بينهم وأسبابها ودوافعها، نظرا لما قد تؤدي إليه هذه المعرفة بالمساس بمراكزهم، بل وتكون دافعا وحافزا على الكشف/ التعبير بكل حرية عن الأسباب الحقيقة للنزاع.
وفي هذا الصدد أكدت التوصية الأوربية رقم 98 الصادرة بتاريخ 21 يناير 1998 حول الوساطة الأسرية على أن المجال الذي تمارس فيه هذه الوساطة يجب أن يتضمن احترام الحياة الخاصة، وأن المناقشات التي تتم خلال فترة الوساطة يجب أن تبقى سرية، ولا تفشى إلا بموافقة الأطراف وفي الحالات التي يجيزها القانون.
ومن تجليات ذلك ما جاء في القضية الأمريكية الشهيرة:hudson v. hudson ، من أنه عندما توصل أطراف النزاع إلى اتفاقية تسوية في نهاية إجراءات الوساطة، وبعد تدوينها، رفض أحد الأطراف التوقيع عليها، مصرا على إحــــالة النزاع إلى القضاء، ولدى المحكمة تم تقديم الاتفاقية، وتقديم الوسيط للشهادة على أن هذه الاتفاقية هي تدوين لما تم الاتفاق عليه شفويا، وبالرغم من اعتماد محكمة الدرجة الأولى هذه الاتفاقية، إلا أن محكمة الاستئناف قررت أن ذلك يشكل خرقا لعنصر السرية في الوساطة، وأضافت أن كل ما يتم من إجراءات الوساطة أو خلالها بما في ذلك الاتفاقيات الشفوية، التي لم تدون أو لم يتم التوقيع عليها من قبل الأطراف يعد سريا، ولا يجوز الاحتجاج به أمام القضاء. [46]
وعلى هذا ينبغي على الوسيط عدم الإخلال بهذا الالتزام، وإلا كان عرضة للمساءلة الجنائية، بتهمة إفشاء السر المهني، المنصوص عليها في القانون الجنائي[47]، وهو نفس صنيع القانون 08.05، الذي نص في الفصل 66-327 على أن:”يلتزم الوسيط بوجوب كتمان السر المهني بالنسبة إلى الأغيار وفق المقتضيات وتحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي المتعلق بكتمان السر المهني..”،كما أنه لا يمكن للأطراف – في غير حالة اتفاقهم- الإدلاء بأي تصريحات أو اقتراحات تمت أمام الوسيط، أو استعمالها لاحقا في أي إجراءات قضائية أو تحكيمية، تحت طائلة المسؤولية بناء على المقتضيات الواردة في الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود[48].
ب: من حيث المرونة.
لتحقيق هذا الهدف، ينبغي عدم تقييد الوسيط أثناء اضطلاعه لمهمته في تذويب الخلاف القائم أو المحتمل بين أطراف النزاع، باتباع سلوك مسطرة معينة، كأن يلزم بإتباع الأصول القانونية في الجلسات، من قبيل تحليف الأيمان مثلا، لأن من سمات الوساطة أن تكون غير مقيدة بإجراءات أو شكليات، ولذلك ينبغي ترك المجال لاجتهاده وقدرته على التفاوض في اختيار الأسلوب المناسب يستخلصه من الظروف المحيطة بكل نزاع، فلكل نزاع خصوصيته، وهذا ما عليه الأنظمة الأنجلوسكسونية، التي تبقي للوسيط حرية واسعة ومجالا أرحب لاتخاذ الإجراء المناسب.
ج: من حيث السرعة.
باتت السرعة تشكل سمة من سمات العصر الحديث، ولا شك أن العدالة البطيئة هي صورة من صور إنكار للعدالة كما ذهب إلى ذلك غير واحد، لذلك نجد أن الوساطة تخدم وبشكل كبير هذا الاتجاه، أي سرعة الفصل في النزاعات، ولعل هذه الخصيصة التي تدخل في تشكيل هوية الوساطة، هي من أحد الأسباب التي جعلت مختلف تشريعات العالم تتبنى نظام الوساطة، خاصة وأن النزاع قد يمكن التوصل فيه إلى حل يرضي الأطراف في جلسة واحدة، لأنهم قاموا بأنفسهم بتقييم الوسيلة الناجحة للاتفاق والمصالحة في مرحلة مبكرة، إيمانا منهم بأن البحث عن الحل أفضل من ضياع الوقت للحصول على حق بكامله[49]، وهذا بخلاف ظاهرة البطء الذي يعرفه سير القضايا، بسبب تعقيد المساطر، والتعسف في استعمال الضمانات وحقوق الدفاع، والتقاضي بسوء نية، وتعدد أوجه الطعن، وارتفاع التكلفة وغير ذلك من العوامل، التي تتوج في نهاية المطاق بحكم مخيب للآمال على الأقل لأحد الأطراف.
وتفاديا لإطالة أمد التقاضي في حال فشل الوساطة[50]، يستحسن أن يتم تحديد مدة لإنجاز الوساطة خلالها، مع إمكانية تمديد الأجل بشكل معقول.
د: من حيث تقليل التكاليف.
وهذا يقتضي أن تكون أتعاب الوسيط غير مرهقة، وإلا سيكون ذلك سببا لنفور الأطراف من اختيار الوساطة، واللجوء إلى التقاضي، وحتى إذا تم تحمل هذه النفقات وفشلت محاولة التوصل إلى اتفاق يقبل به الأطراف، فسيزداد الأمر سوءا مع زيادة نفقات التقاضي، الشيء الذي سيزيد من تعميق هوة الخلاف وحدة النزاع.
ولذلك نفضل أن تكون المراكز التي تقوم بالوساطة تابعة للدولة، يتقاضى العاملون بها أجورهم من الخزينة العامة، مع إعفاء الأطراف المتنازعة من الأتعاب، أو على الأقل تكون أتعابا رمزية.
ثانيا: أجرأة الوساطة.
من المهم الإقرار بداية أن النزاع جزء أصيل في حياتنا اليومية، لا يمكن التهرب منه أو تجاهله، غير أن القول بحتمية النزاع وتعدد أبعاده ومستوياته لا يلغي حقيقة أن دراسته والتعامل معه أمر ضروري ومهم، والمشكلة لا تكمن في وجود أو عدم وجود النزاع بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتم التعامل فيها مع النزاع، فإذا ما أحسن التعامل، كان النزاع ونتائجه أمرا محمودا ومحبذا، وإلا كان أمرا سلبيا غير محمود[51].
ولما كانت الوساطة تقوم بالأساس على ثقة أطراف النزاع بهذه العملية حيث يقومـون بعرض رواياتهم وأسباب نزاعهم هادفين التوصل إلى حل مرض يحقق مصالحهم، ويدفع عنهم مغبة التناحر، فإن من مقومات تحقيق ذلك أن تتم إجراءات الوساطة وفق منهجية من شأنها أن تفضي إلى نتائج ملموسة، وهذه الإجراءات تختلف بحسب المراحل التي تمر منها عملية الوساطة، وهي مراحل تتباين بحسب تباين الأنظمة التي تأخذ بالوساطة، إذ ليس هناك نموذج محدد، ولكن القاسم المشترك بينها، هو أنه يتعين مرورها من مرحلة الإعداد ثم مرحلة التفاوض ثم مرحلة الاتفاق.
1- مرحلة الإعداد للوساطة.
ويمكن تسميتها أيضا بمرحلة الترتيب لخدمة الوساطة، حيث بمجرد اتصال أحد الطرفين بالوسيط، يقوم هذا الأخير بالاتصال بالطرف الآخر بريديا أو هاتفيا لعرض خدمة الوساطة عليه، وفي حالة استجابته وإبدائه الرغبة في حضور جلسات الوساطة، واعتبار الأمر ملائما للوساطة يتم الترتيب للجلسات في الزمان والمكان الذي يناسب الطرفين.
وفي هذه المرحلة يقوم التعارف بين الوسيط وأطراف النزاع[52]، ومن خلاله يتم خلق جسر للتواصل، بشكل يسمح باستمرار الوساطة، ليتم وضع خطة العمل، مع شرح دور الوسيط (وأنه ليس قاضيا ولا محكما)، والأهداف المرغوب في تحقيقها، وتحديد وقت محدد لعملية الوساطة حتى لا تبقى من حيث التوقيت عملية مفتوحة، ليتم الانتقال إلى إظهار الموضوع محل النزاع والذي دعا الأطراف إلى طلب الوساطة والقبول بها.
أما إذا تبين أن خدمة الوساطة غير ملائمة، كوجود مخاوف أو مخاطر كبيرة من لجوء أطراف النزاع إلى العنف، فهنا يتم الاستغناء عن هذه الوساطة لتعذرها، كما تتعذر في حالة عدم حضور أحد الأطراف، أو عدم رغبة أحدهم في التفاوض، أو لجوء أحدهم إلى المساومة بسوء نية.
2- مرحلة التفاوض/ إدارة النزاع.
في هذه المرحلة من الوساطة يتم تبادل المعلومات وتحديد المواضيع، حيث يعطي الوسيط المجال لأطراف النزاع الفرصة لتوضيح وجهات نظرهم من النزاع القائم بينهم، ويكون دوره الاستماع والإنصات الفعال[53]، قصد فهم الأسباب الخفية التي تقف وراءه، وهذا يقتضي الارتكاز على رواية الأطراف المتنازعة وتوضيح القيم والتوجهات الخفية التي تكون عادة دافعا قويا للنزاع، وبالتالي استخلاص أجندة بمواضيع النزاع، مع حصر مجالات الاتفاق والاختلاف بين الأطراف، تحضيرا للانتقال إلى مرحلة النقاش والحوار بين الأطراف.
وفي سبيل ذلك ينبغي أن يتحدث كل طرف عن وجهة نظره بشكل حر دون تدخل أو مقاطعة من الطرف الآخر، مع إمكانية توجيه الأسئلة التي تساعد كل طرف من أطراف النزاع على أن يعي بمصالحه وفي ذات الوقت أن يعي بمصالح الطرف الآخر، مع مساعدتهم على التركيز على المصالح وليس المواقف، ولذلك فهو قد يحتاج في سبيل ذلك إلى جلسات منفردة، ثم يفتح باب الحوار المباشر بين الأطراف، وهو الأمر الذي يتم تحت أنظار وتوجيهات الوسيط، ومن المفضل أن يكون الحديث الأول المباشر في القضايا التي يمكن أن تخلق جوا ايجابيا، ومن ثم الانتقال إلى المواضيع الأكثر سخونة، على أن يتم التركيز على المصالح (الرغبات، الحاجات، مخاوف الأطراف)، وليس المواقف المتعارضة، وإذا ما كان ممكنا البدء بمواضيع مشتركة من خلالها يتم التأكيد على المصالح المشتركة، نكون قد بدأنا بداية جيدة، تعطي لأطراف النزاع الفرصة للاتصال والتواصل بشكل بناء وفعال.
وإذا كان دور الوسيط هو تهييئ الظروف المناسبة لإنجاح الحوار، ويمرر في نفس الوقت نصائحه للأطراف المتنازعة، دون أن يلزمهم بأي شيء[54]، فإنه لا بأس من أن يستعين ببعض الموجهات المعتمدة في باب الصلح، نظرا لأهميتها، خاصة إذا طبقها بإيمان وصدق ولباقة وبعد عن التعالي أو رفع الصوت، ومن ذلك[55]:
– استصغار الخلاف بين الزوجين: حتى ولو كان كبيرا، والتقليل والتنقيص من شأنه، ووصفه بأنه عادي بين الزوجين، ولا تكاد تخلو منه أسرة، مع تنبيههما إلى أن هذا الخلاف قد يكون أمرا طبيعيا وظاهرة صحية لتكسير الرتابة في الحياة الزوجية، فهذا الأسلوب من شأنه أن يشحذ الهمم نحو الصلح.
– التذكير بقيمة التسامح: على اعتبار أن مما يبقي العلاقة الزوجية مستمرة هو التحلي بشيم الكرام، كالصبر والتسامح والتغافل وغض الطرف على صغائر الأمور، مما يجد سنده في كتاب الله عز وجل: “فمن عفا وأصلح فأجره على الله”[56]، وقوله سبحانه:”وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم”[57]، فمثل هذه التوجيهات من شأنها إثارة العواطف وشد القلوب.
– الاستشهاد ببعض نصوص الشريعة: سواء كانت قرآنية أو حديثية، كقوله صلى الله عليه وسلم:”إن أبغض الحلال الطلاق”، وفي رواية:”ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق”[58]، وقوله:”استوصوا بالنساء خيرا”[59]، وقوله:”خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”[60]، وقوله: “اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم”[61].
– استعمال بعض مرققات القلوب: يستحسن في الوسيط استخدام ما يلين النفوس ويرقق القلوب ما أمكن، لما له من تأثير في نجاح المحاولة، كقصة الرجل الذي جاء إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه خلق زوجته، فوقف ببابه ينتظره، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها وهو ساكت لا يرد عليها، قائلا: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين فكيف حالي، فخرج عمر فرآه موليا، فناداه: ما حاجتك ؟، فقال: يا أمير المؤمنين، جئت أشكو إليك خلق زوجتي واستطالتها على، فسمعت زوجتك كذلك فرجعت، وقلت إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي ؟، فقال له عمر: إني أحتملها لحقوق لها علي، إنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسالة لثيابي، مرضعة لولدي، وليس ذلك بواجب عليها، ويسكن قلبي بها عن الحرام، فأنا أحتملها لذلك، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي، فقال: فاحتملها يا أخي، فإنما هي مدة يسيرة”، وفي مثل هذه القصة عبرة، قال الله تعالى:”لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب”[62].
– التذكير بالآثار الوخيمة للفرقة الزوجية: ليس عليهما فحسب، بل حتى على أولادهما، وكيف أن هؤلاء الأولاد قد يعيشون في ألم ومرارة، وقد ينحرفون، على اعتبار أن من أسباب الانحراف التفكك الأسري[63].
فإذا مر الحوار بشكل جيد، يتم الانتقال إلى الاتفاق، حيث يتم بذل جهد ذهني بين أطراف النزاع بهدف البحث عن الحلول الممكنة وكذلك الخيارات المتاحة والتي تحقق مصالح أطراف النزاع، على أنه من المهم حين اكتشاف الخيارات المتاحة أن يتم تركيز الوسيط في البداية على أكبر عدد ممكن من مشاريع الخيارات ومن ثم تقييم هذه الخيارات.
3- مرحلة تحصيل النتائج.
وهي المرحلة الحاسمة لجهود الوساطة، فإذا تم التوصل إلى حل يرتضيه الطرفان معا، حل جدير بتطبيقه، يمكن للوسيط أن يكتب مسودة الاتفاق الذي تم توصل إليه، ومن ثم يعود ليفحص هذا الاتفاق مع الأطراف للنظر في مدى انسجامه ومصالح الأطراف، وكيف أنه أفضل من أي بديل آخر غير الوساطة، إضافة إلى إمكانية تنفيذه عمليا من قبل كل طرف أو من يرتبط به، بعد عملية الفحص هذه تقوم الأطراف بالتوقيع عليه وكذلك الوسيط كشاهد.
على أن هذا الاتفاق يستحسن أن يكون مكتوبا، حتى لا يقوم أحد أطراف النزاع بتغيير أقواله والتراجع عنها، أو يتم نسيان بند أو بنود الاتفاق، خاصة إذا ما كانت فترة التنفيذ طويلة والبنود متعددة[64]، وحيث إنهم من صاغ الاتفاق فعلى الأرجح أن يلتزموا به وهذا من طبيعة البشر، على أن هذا لا يمنعهم بمحض اتفاقهم من جعل الاتفاق المذكور ذا طابع إلزامي يكون نافذ المفعول، وذلك بإضافة عبارة إلى الاتفاق تفيد رغبتهم في أن يكون الاتفاق ملزما قانونيا، وفي هذه الحالة يمكنهم الاستعانة بمحامي لصياغة الاتفاق المذكور.
ثالثا: التوعية الشاملة والتحسيس بأهمية الوساطة وجدواها.
وهذه التوعية ينبغي اشتراك جميع الفعاليات فيها، رسمية وغير رسمية، من أجل نشر ثقافة الوساطة الأسرية وتعزيزها لدى المواطن المغربي، لاسيما وأن من أولى الصعاب التي يواجهها تطبيق أي قانون في الواقع الاصطدام بعقلية المواطن المغربي، فضلا عن الجهل والأمية المتفشية ببلادنا، فنشر القوانين بالجريدة الرسمية للمملكة غير كاف على الإطلاق، ولا يفيد العلم بها بالضرورة.
وهكذا يمكن إشراك الإعلام، بشتى أنواعه، السمعي والبصري والمقروء، وهيئات المجتمع المدني والمؤسسات الجامعية والمجالس العلمية والقضاة والمحامين وغيرهم، حتى يعي الناس هذه الآلية ويستوعبوا امتيازاتها مقارنة مع القضاء الرسمي.
ولعل هيئة الدفاع يمكن أن تضطلع بدور كبير في هذا الباب، على أساس أنهم البوابة الأولى التي يلجأ إليها المتنازعون، ولعل هذا من واجباتها، جاء في الفقرة الرابعة من المادة 43 من ظهير 20 أكتوبر 2008 المتعلق بمهنة المحاماة، أن المحامي:”يحث موكله على فض النزاع عن طريق الصلح، أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء”، ونعتقد أن هذا يدخل في إطار الالتزام بالتبصير، وعلى هذا الاتجاه سارت بعض القوانين المقارنة، كالقانون البريطاني مثلا، الذي أوجب على المحامين اللجوء إلى هذه الطرق قبل التوجه إلى المحكمة[65]، وأن يناقشوا مع زبنائهم الإمكانات المتوفرة في الوساطة، وذلك تحت طائلة اعتبار المحامي مخلا بواجبه المهني، ولا يعذر المحامي بجهله لهذا المقتضى[66].
خاتمة:
كانت هذه إذن رؤية متواضعة، تراءت لنا في حدود ما أتيح لنا من وقت، نحو تصور وساطة أسرية، قائمة على الحرية والاختيار في سلوكها، والسرية في إجراءاتها، ستنضاف إلى باقي التصورات التي ستجود بها من دون شك قرائح الباحثين، نامل أن تشكل في مجموعها ومضات تنير الدرب أو الطريق إلى تصور موحد ومتكامل لمشروع الوساطة الأسرية.
وإذا كان هناك شبه إجماع على التأكيد على أهمية الوساطة كوسيلة بديلة لحل النزاعات وأداة فعالة لترسيخ أسس العدالة التصالحية المتفاوض من أجلها، من أجل تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي، فإن الوساطة في صورتها الاختيارية تبدو في نظرنا أكثر أهمية من سواها، خاصة في مجال الأسرة لما يعرفه من خصوصيات لا توجد في غيره.
ومن منطلق اقتناعنا الكبير بهذه الأهمية، وبالنظر إلى ما ستسهم به آلية الوساطة خاصة على مستوى التخفيف من عبء جانب مهم من القضايا التي تثقل كاهل القضاء بطول الإجراءات وتعقد الشكليات، فإننا نرى:
– ضرورة التعجيل بتنظيم الوساطة الأسرية احتواء لبعض تلكم الإكراهات التي يعرفها القضاء الرسمي، خاصة وأن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي أكد الدستور الجديد لسنة 2011 في تصديره على سموها فور نشرها على التشريعات الوطنية، تركز على الحلول الحبية في فض النزاعات، كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقية الثنائية المغربية الفرنسية (ف2 من الفصل 20).
وإذا تعذر ذلك في المستقبل القريب، فيمكن على الأقل تغيير نمط الصلح القضائي وتعويضه بنظام الوساطة، خاصة وأنه قد أبان إلى حد ما عن فشله، على أن لا يقوم بها القاضي الذي ينظر في الدعوى، وإلا بقيت دار لقمان على حالها.
– ضرورة وضع ميثاق سلوك وقواعد أخلاقيات تضبط ممارسة الوساطة، حتى لا تنقلب وبالا على المواطنين، وحتى لا تتخذ مطية للسطو على أموالهم أو التلاعب بمصائرهم وبمستقبل أطفالهم.
– إنشاء مراكز تكوين الوسطاء تكون تابعة للدولة، يكون هدفها تأهيل أشخاص لممارسة الوساطة، مع ضرورة إبرام شراكات مع خبراء في المجال، أملا في ضمان جودة وسلامة ونجاعة الوساطة.
– خلق تخصصات في الوساطة على مستوى الجامعات، وذلك من أجل إعداد أجيال في المستقبل تكون قادرة على الاضطلاع بهذه المهنة.
ونؤكد في الأخير، أنه بدون توعية مدروسة وشاملة بنظام الوساطة، من شأنها توضيح الرؤية لدى المواطن المغربي، لن يكون من السهل تفعيل هذا النظام على فرض وجوده، وسيبقى مجرد حبر على ورق، أو مجرد حلم يراودنا في أذهاننا، أو مبتغى بعيد المنال.
انتهى بحمد الله.
[1] النزاع هو:”حالة من عدم الانسجام في الأهداف بين الأطراف أو/والسلوك”، أو حسب البعض:”تباعد في المصالح ووجهات النظر بين الأفراد”(دليلك في الوساطة: كيف تكون وسيطا ناجحا، خالد سليم، نشر مؤسسة تعاون لحل الصراع، فلسطين، دون طبعة أو تاريخ، ص: 12).
[2] وفي نفس السياق نظمت وزارة العدل يومي 4 و5 أبريل 2003 بتعاون مع كلية الحقوق وهيئة المحامين بفاس ندوة حول الطرق البديلة لتسوية المنازعات، كان من بين محاورها عرض تجربة وزارة العدل مع معهد الدراسات لتنمية الأنظمة القانونية. وقد توصل المشاركون إلى أن إدخال الوسائل البديلة للمغرب يتطلب إضافة إلى الإطار القانوني الملائم، نشر ثقافة قانونية تعرف بفلسفة هذه الطرق وأهميتها؛ وأكدوا على ضرورة مراعاة الخصوصيات الثقافية المغربية في تنظيم وضبط هذه الطرق، مركزين على أهمية وضع استراتيجية إعلامية هادفة وتوفير الموارد المادية والبشرية اللازمة لها، وتم الإلحاح خلال هذه الندوة على التعجيل بأجرأة العديد من تجليات الطرق البديلة في العديد من النصوص القانونية المغربية.
[3] الفرق بين المعاداة والمخاصمة يكمن في أن المخاصمة تكون من قبيل القول، والمعاداة من أفعال القلوب (هلال العسكري: الفروق اللغوية، دار الكتب العلمية ببيروت، دون تاريخ، ص: 107).
[4] نذكر منها: الصلح بمقتضى ظهير 12/8/1913 بمثابة قانون الالتزامات والعقود (الفصول من 1098 إلى 1116)، والتحكيم المنظم لأول مرة بمقتضى ظهير المسطرة المدنية الملغى الصادر في 12 غشت 1913 الذي خصص له الفصول من 527 إلى 543، ثم قانون المسطرة المدنية الصادر في 28 شتنبر 1974 الذي خص التحكيم بالفصول من 306 إلى 327.
[5] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 169-07-1 في 30 نوفمبر 2007 (ج.ر عدد 5584، ص: 3894 وما بعدها).
[6] خاصة وأن السلام ونبذ الخلاف وفض المنازعات بين الناس غاية مثلى يسعى إلى تحقيقها العقلاء في كل زمان ومكان، قال الله تعالى:”وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير” (سورة النساء، الآية 128)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:”الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا” (رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة)، وعلى ذلك إجماع المسلمين.
[7] مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي: القاموس المحيط، مادة: وسط- ابراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، مادة وسط.
[8] اسماعيل الجوهري: الصحاح، مادة وسط.
[9] عادل سالم اللوزي: الوساطة لتسوية النزاعات المدنية وفقا للقانون الأردني، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، المجلد الحادي والعشرون، العدد الثاني، 2006، ص: 253.
[10] أيمن مساعدة: الوساطة كوسيلة لتسوية النزاعات المدنية في القانون الأردني، مجلة أبحاث جامعة اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية، المجلد العشرون، العدد الرابع، 2004 ، ص:1937 .
[11] الحسن بويقين: مدى إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب، مجلة المرافعة، العدد 14 و15، السنة 2004، ص: 16.
[12] دليلك في الوساطة: مرجع سابق، ص 49.
[13] امحمد برادة غزيول: دور المحامي في إنجاح الوساطة القضائية، مجلة المحامي، العدد 36، دجنبر 2006، ص: 13.
[14] محمد إبراهيم موسى: التوفيق التجاري الدولي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2005، ص: 49-53.
[15] نفس المرجع، ص 103-107.
[16] نفس المرجع، ص 176-177.
[17] محمد شيلح: قراءة ميتودولوجية لمفهوم الصلح في قضايا الطلاق والتطليق، من خلال مدى فاعليته بين إكراهات مدونة الأسرة وطموحات مدونة لليسرة، ضمن كتاب: قضايا الأسرة، إشكالات راهنة ومقاربات متعددة، ج1، جمع وتنسيق زكرياء العماري، منشورات مجلة القضاء المدني، مطبعة المعارف الجديدة بالرباط، دون تاريخ، ص: 20.
[18] بنسالم أوديجا: الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض المنازعات، تقديم محمد ليديدي، مطبعة دار القلم بالرباط، الطبعة الأولى، دون تاريخ، ص: 83-84.
[19] فوزي محمد سامي: التحكيم التجاري الدولي، الطبعة الأولى، عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2008، ص: 15.
[20] أحمد أبو الوفا: التحكيم الاختياري والإجباري، الطبعة الخامسة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1988 ، ص: 259.
[21] محمد إبراهيم موسى: مرجع سابق، ص:38 – 39 .
[22] ناظم محمد عويضة: الطرق البديلة في حل النزاعات،1995 ، ص 3.
[23] أحمد سليم نصرة: الوساطة لتسوية النزاعات المدنية في القانون الفلسطيني، ضمن أشغال مؤتمر الوساطة في فلسطين، نشر مؤسسة تعاون لحل الصراع، ص: 29.
[24] اللوزي: مرجع سابق، ص: 254.
[25] محمد إبراهيم: مرجع سابق، ص: 56-61 ــــ اللوزي: مرجع سابق، ص: 255.
[26] عويضة: مرجع سابق، ص: 12 ـــ اللوزي: مرجع سابق، ص: 256.
[27] امحمد برادة غزيول: دور المحامي في إنجاح الوساطة القضائية، مرجع سابق، ص: 14.
[28] إيمان أزناي: الحلول البديلة لفض النزاعات في المادة التجارية، الوساطة الاتفاقية كنموذج، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، وحدة قانون الأعمال والمقاولات، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السويسي الرباط، السنة الجامعية 2010-2011، ص: 6.
[29] مساعدة أيمن: مرجع سابق، ص : 1940.
[30] صدرت إحصائية عن المحكمة الفيدرالية في ولاية تكساس تفيد بأن % 95 من القضايا التي سجلت في المحاكم قد تم حلها من خلال الوساطة، بينما لم تنظر المحاكم سوى ب % 5 فقط. (عويضة: مرجع سابق، ص: 1).
[31] الفاخوري: واقع الصلح في العمل القضائي الأسري، مداخلة ضمن أشغال الندوة الدولية التي نظمها مختبر البحث في قانون الأسرة والهجرة بكلية الحقوق بوجدة في موضوع:”تطبيق مدونة الأسرة في المهجر”، وذلك بتاريخ 9 و10 أبريل 2010، سلسلة الندوات 4، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ص: 106.
[32] اعتبر البعض:”انتداب الحكمين إجراء جوهريا في دعوى التطليق للشقاق على خلاف باقي دعاوى التطليق الأخرى، والتي اكتفى المشرع فقط خلال إجراءاتها بالتنصيص على القيام بمحاولة الصلح دون تفصيل وتحديد”، بعد أن اعتبر في الوقت ذاته:”أن إجراءات الصلح في دعاوى الطلاق لا تختلف عن مثيلاتها في دعاوى التطليق”(سمير آيت أرجدال: الصلح في دعاوى الطلاق والتطليق وفق مدونة الأسرة، ضمن أشغال الندوة الوطنية التي نظمتها شعبة القانون الخاص ومركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق بمراكش وهيئة المحامين بمراكش يومي 27 و28 يناير 2006 تحت عنوان:”مدونة الأسرة بين النص والممارسة”، منشورات الكلية ضمن سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 25، ص: 260 و261).
[33] القضاء الأسري: الواقع والآفاق، عشر سنوات من تطبيق مدونة الأسرة، دراسة تحليلية إحصائية، 2013-2014، إعداد وزارة العدل والحريات، ماي 2014، ص: 65.
[34] بنسالم أوديجا: مرجع سابق، ص: 79.
[35] محمد الشتوي: الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق الزواج، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى 2004، ص: 217.
[36] اللوزي: مرجع سابق، ص 260 – 261.
[37] اللوزي: مرجع سابق، ص 257.
[38] أوديجا: مرجع سابق، ص 271 و303.
[39] رواه الحاكم في المستدرك.
[40] أي الوساطة الاختيارية.
[41] ينص الفصل 62 المذكور على أن:”الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن، يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون”.
[42]الصلح حسب الفصل 1098 من ق.ل.ع عقد:”بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه، وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه، أو بإعطائه مالا معينا أو حقا”.
[43] محمد الكشبور: الوسيط في شرح مدونة الأسرة، الكتاب الأول: عقد الزواج وآثاره، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الثانية 2009، ص: 63.
[44] أوديجا: مرجع سابق، ص: 329.
[45] عويضة: مرجع سابق، ص: 7-8.
[46] مساعدة أيمن: مرجع سابق، ص:1950 – 1951.
[47] الملاحظ أن القانون 08.05 المتعلق بالوساطة الأسرية يضرب في العمق مبدأ سرية الإجراءات وطوعية تنفيذ الاتفاق، من حيث إنه يفرض إجراء تقديم طلب إلى رئيس المحكمة بتذييل الصلح الذي يتم التوصل إليه في الوساطة بالصيغة التنفيذية.
[48] ينص الفصل 77 المذكور على أن:”كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنوبا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر، وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر”.
[49] امحمد برادة غزيول: دور المحامي في إنجاح الوساطة القضائية، مرجع سابق، ص: 27.
[50] أيمن مساعدة: مرجع سابق، ص: 1940.
[51] دليلك في الوساطة: مرجع سابق، ص: 5.
[52] كأن يقول الوسيط مثلا: مرحبا السيد فلان، مرحبا السيدة فلانة، أنا اسمي فلان، وأنا موجود اليوم بناء على طلبكم من أجل أن نتعاون في إيجاد حلول لبعض القضايا العالقة بينكما، أنا أعمل كوسيط، ولدي تجربة جيدة في مساعدة الناس للخروج بحلول مشتركة تساعد في حل الخلاف القائم.
أنا سعيد جدا بحضوركما ورغبتكما في التوصل إلى اتفاق لحل الخلاف القائم، وأؤكد لكما أن دوري يقتصر على مساعدتكما فقط وأنني لست حكما أو قاضيا إنما مساعدا لكما في البحث عن حلول مشتركة ترضيكما، كما أؤكد لكما بأنني سأكون حياديا تجاه المواضيع المطروحة، ولن أنحاز لأي طرف ، وأؤكد لكما أيضا أنني سألتزم بالسرية التامة، وإذا شعرتم في أي وقت بأنني لم أعد قادرا على البقاء حياديا، فإن بإمكانكما أن توقفوني وتبحثان عن أي وسيط آخر أو أي وسيلة أخرى لتسوية خلافاتكم.
[53] لأن من شأن هذا الإصغاء أن يفضي بالوسيط إلى الفهم الجيد للنزاع المعروض، كما أن حسن الاستماع يجذب ثقة الأطراف، فأطراف النزاع لن يبوحوا بما يخالج صدورهم ويكبس على أنفاسهم بكل تحرر وتلقائية إلا إذا اطمأنوا إلى الوسيط، ولمسوا فيه الحكمة وآنسوا منه العزم على كتم أسراهم، ولذلك فإن أول ما يتعين على الوسيط المبادرة به هو طمأنتهم على أن أسرارهم لن تتجاوز جدران الغرفة أو المكان الذي تتم فيه الوساطة، وستبقى طي الكتمان، وأنه مستعد للاستماع إلى كل واحد منهما بشكل أخوي وجدي، وأنه لا داعي لأن يقاطع أحدهما الآخر، ويتركه ينهي كلامه ويفضفض عما يخالجه.
[54] امحمد برادة اغزيول: دور المحامي في إنجاح الوساطة القضائية، مرجع سابق، ص: 23.
[55] عمر لمين، قضاء الأسرة، أهمية محاولة الصلح بين الزوجين في استقرار الأسرة وكيفية إجرائها، مجلة قضاء الأسرة، العدد 3، ص: 58 وما بعدها.
[56] سورة الشورى، من الآية 37.
[57] سورة التغابن، من الآية 14
[58] رواه أبو داود وابن ماجة.
[59] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح.
[60] أخرجه الترمذي وأبو داود والدرامي في السنن.
[61] رواه مسلم وأبو داود.
[62] سورة يوسف، من الآية 111.
[63] محمد المهدي: فلسفة نظام الأسرة، مقاربات في ضوء الفقه والقانون والعمل القضائي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى 2011، ص: 129.
[64] مجلة الشاب الوسيط، العدد 2، أغسطس، 2009، ص: 3.
[65] امحمد برادة غزيول: تجربة المملكة المتحدة في مجال الحلول البديلة لفض النزاعات، مقال منشور بمجلة المعيار، العدد 37، يونيو 2007، ص: 13.
[66] أوديجا: مرجع سابق، ص: 284.


