الدكتور/ حسين فريجه
أستاذ محاضر بكلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة المسيلة – الجزائر
ملخص:
إن القاضي الإداري له علاقة وثيقة بالإدارة فهو يعتبر أداة الرقابة، وجهة مقومة لأعمال الإدارة. غير أنه لا يملك أن يحل محل الإدارة ويقوم بعمل من أعمالها يدخل في صميم اختصاصها، فلا يملك أن يمارس السلطة اللائحية التي تملكها الإدارة، كما لا يملك إصلاح قراراتها المعيبة أو تعديلها أو إصدار قرار جديد بدلاً من القرار الذي قام بإلغائه، أو إصدار قرارات في حالة امتناع الإدارة عن إصدارها، وإنما تقف سلطته عند إلغاء القرار الباطل، أو تقرير الحقوق المتنازع عليها أو ترتيب التعويضات.
والقاضي الإداري يحاول دائما إرضاء نزعة الاستقلال عند الإدارة بالوقوف عند مجرد الإلغاء، وترك ما يترتب على ذلك الإلغاء للإدارة تحققه بنفسها. والحرية التي يتركها القاضي الإداري للإدارة في عملية إجراء التنفيذ هو نوع من السياسة القضائية التي تكشف عن حكمة القاضي الإداري وحسن تقديره للأمور. وبدون شك في أن هذا الاحترام الذي يبديه القاضي الإداري للإدارة يجعلها تبادله نفس الشعور بحيث تلتزم وتحترم حساسيته، ويحفزها على الامتثال لتنفيذ ما صدر عنه. كما أن الإدارة الرشيدة ترحب – إذا ما تعثرت في تطبيق القانون – أن يبين لها القاضي الإداري السبل الصحيحة لإعلاء كلمة القانون.
تمهيد:
تتمثل العلاقة التي تحكم القاضي الإداري بالإدارة في الرقابة القضائية لأعمال الإدارة، وهي رقابة قانونية تقف عند الفصل في المنازعات التي تكون بين الإدارة وأحد الأفراد. والحكم بإلغاء القرارات غير المشروعة، أو الاعتراف بالحقوق الثابتة وإقرارها بتقرير التعويضات المناسبة، ولا يحق للقاضي الإداري أن يتدخل في أعمال الإدارة، وذلك باقتحام مجال الإدارة والتدخل في اختصاصها.
وتعود قاعدة عدم تدخل القاضي الإداري في أعمال الإدارة بما يفرضه استقلال الإدارة بوظائفها، وامتناعه عن القيام بأي عمل يتصل باختصاصها ([1]) وهذا المبدأ يعود إلى قاعدة الفصل بين الإدارة والقضاء ([2])، كما صمم رجال الثورة الفرنسية على وجود نظام يمكنون فيه الإدارة من قاضيها الخاص ([3]).
وسنتعرض في هذه الدراسة إلى العلاقة التي تربط القاضي بالإدارة، والحالات التي لا يجوز للقاضي أن يتدخل في أعمال الإدارة، أو بما يسمى عدم تدخل القضاء الإداري في أعمال الإدارة، كما نتناول دراسة تقدير ملاءمة الأعمال الإدارية من طرف القاضي الإداري، واحترام الإدارة لأحكام القضاء الصادرة منه، ومبدأ تنفيذ هذه الأحكام، لنصل في النهاية إلى المسؤولية التي تتحملها الإدارة عن عدم التزامها بتنفيذ الأحكام القضائية الإدارية.
المبحث الأول
عدم تدخل القاضي الإداري في أعمال الإدارة
وهنا لابد من التأكيد على أن القاضي الإداري يمنع عليه أن يتدخل في أعمال الإدارة، وذلك بامتناعه عن إصدار الأوامر والنواهي إلى الإدارة أو الحلول محلها، وسنتعرض في هذا المبحث إلى المطالب التالية:
المطلب الأول
امتناع القاضي عن إصدار أوامر إلى الإدارة
إن القاضي الإداري لا يقف من الإدارة على درجة من درجات السلم الرئاسي ([4]). والقاضي الإداري في رقابته لأعمال الإدارة لا يمارس سلطة رئاسية، ولهذا يمتنع على القاضي أن يضمن حكمه أمرآ إلى الإدارة بالقيام بالعمل أو نهياً عن القيام به. والا يعد متجاوزاً لسلطته ويعد بذلك اعتداء على أعمال الإدارة. وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للقاضي النظر في أعمال السيادة ([5]). ذلك أن بعض الأعمال الإدارية لها في نظر الحكومة أهمية خاصة، وأن من المصلحة ألا تعرض على القضاء.
وعلى هذا فإنه لا يجوز للقاضي الإداري أن يصدر أمرأ إلى الإدارة التي رفضت تسليم جواز سفر أو رفضت تمديد أجله للمواطنين الجزائريين إذا ما
رأت تنقلهم إلى الخارج من شأنه أن يمس بالنظام العام، وهذا دون أن تكون ملزمة بتوضيح أسباب رفضها، ودون أن يكون تقديرها قابلاً للمناقشة أمام القاضي الإداري، غير أنها ملزمة بتسبيب رفضها التطبيق السليم للقانون ([6]). كما أن الرقابة التي يباشرها القاضي الإداري لا يمكن أن تكون عامة ومطلقة.
وهذا ما قررته الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا عندما حكمت بأن إصدار وتداول وسحب العملة يعد من الصلاحيات المتعلقة بممارسة أعمال السيادة، ومن ثم فإن القرار الحكومي المتضمن سحب أوراق مالية من التداول يكتسي طابع عمل من أعمال السيادة، فهو بهذه الطبيعة لا يكون قابلا للطعن فيه بأية طريقة من طرق الطعن، ولا يكون من اختصاص القاضي الإداري فحص مشروعيته أو مباشرة رقابته ([7]). كما أنه لا يجوز للقاضي الإداري إصدار أمر إلى الإدارة بإرجاع موظف إلى منصب عمله ([8]). وهذا ما ذهب إليه القضاء الإداري الجزائري باعتبار أنه لا يدخل ضمن اختصاص القاضي الإداري الأمر بالعودة إلى المنصب، وأن أعمال الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا تشمل الطعون بالبطلان في القرارات التنظيمية أو القرارات الفردية الصادرة عن السلطة الإدارية والطعون الخاصة بتفسير هذه القرارات ومدى مشروعيتها. ولما كان الطلب يرمي إلى الإعادة إلى المنصب مع دفع المرتب، وجب اعتباره خارجاً عن صلاحيات القاضي الإداري ([9]). ويظهر بأن المدعي ضمن طلباته إلزام وزارة الداخلية بإعادته إلى عمله يكون قد طلب أمرأ لا يختص به القضاء الإداري مادام اختصاص الغرفة الإدارية بمقتضى قانون إنشائها مقصوراً على إلغاء القرارات الإدارية التي تقع مخالفة للقانون، فيمتنع عليها تبعاً لذلك أن تصدر أمرأ إلى جهات الإدارة، وهذا ما ذهب إليه قضاء الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بالقرار الصادر بتاريخ ٢٥ / ٦/ ١٩٨٦ .
كما أنه لا يدخل ضمن اختصاص القاضي الإداري المنازعات المتعلقة بإيجارات الأماكن المعدة للسكن باعتبار أنها تابعة لاختصاص المحكمة العادية طبقاً للقانون ([10]). كما التزم القاضي الإداري ومنع نفسه من النظر في الدعوى المرفوعة ضد مؤسسة عمومية صناعية أو تجارية ([11]). وقد يحكم القاضي الإداري بإلغاء قرار عزل موظف، فيكون من أثره الحتمي التزام الإدارة بإعادة الموظف إلى عمله، وهذه الإعادة هي عمل مادي تنفيذي لحكم الإلغاء، كما أن القرارات الإدارية تتخذ بناء على اعتبارات قانونية وليس على اعتبارات متعلقة بالواقع، وبالتالي فإنه من حق القاضي الإداري الحكم على الإدارة عندما تتجاوز سلطتها ([12]). والحكم بإلغاء عزل موظف ([13]). أو بإعادته إلى وظيفته التي نقل منها.
وعندما تلتزم الإدارة بإعادة المفصول إلى الخدمة وإعادة المنقول إلى وظيفته لا يعد أمرأ صادراً من القاضي الإداري إلى الإدارة، وإنما الإدارة تستخلص هذه الأثار وتتولى تنفيذها.
المطلب الثاني
عدم حلول القاضي الإداري محل الإدارة
كما أن القاضي الإداري لا يملك أن يحل محل الإدارة ويقوم بعمل من أعمالها يدخل في صميم اختصاصها، فلا يملك أن يمارس السلطة اللائحية التي تملكها الإدارة، كما لا يملك إصلاح قراراتها المعيبة أو تعديلها أو إصدار قرار جديد بدلاً من القرار الذي قام بإلغائه، أو إصدار قرارات في حالة امتناع الإدارة عن إصدارها، أو تعديل العقود الإدارية أو تصحيحها إذا ما تضمنت شروطاً باطلة، وإنما تقف سلطته عند إلغاء القرار الباطل، أو تقرير الحقوق المتنازع عليها أو ترتيب التعويضات ([14]). وتطبيقاً لما تقدم لا يستطيع القاضي الإداري أن يصدر حكماً بتعيين موظف ([15]). أو تعديل تاريخ تعيينه ([16]). أو تحديد الشخص الراسي عليه المزاد ([17]). أو إصدار لائحة ([18]). وقضت المحكمة الإدارية العليا في مصر أن: “هذه المحكمة لا تملك في منازعات الترقية إلا إلغاء التخطي عند الاقتضاء، والمدعي لا يقول بالتخطي ولا يدعيه بالنسبة إلى قرار الترقية موضوع دعواه، وإنما يطلب ترقيته أيضاً عوضاً عن الدرجة الرابعة الكتابية، وكلا الأمرين يخرج عن سلطة هذه المحكمة، وعما يجوز أن تلزم به جهة الإدارة، لأن مهمتها مقصورة عن إلغاء القرارات دون تعديلها، ولأنها لا تملك الحلول محل الإدارة في إصدار قرار الترقية، ولا إلزامها باتخاذ إجراء يقتضيه مثل هذا القرار ([19]). كذلك قضت محكمة القضاء الإداري في مصر بأنه: “لا جدال في أن محكمة القضاء الإداري لا تملك إصدار قرارات بتكليف جهة الإدارة بأمر معين، كما لا تملك من باب أولى أن تحل محلها في إصدار مثل هذه القرارات، وبناء على ذلك يعتبر طلب المدعي ثقافته العلمية معادلة للمؤهلات العالية، وهو في الواقع مبني الدعوى خارجاً عن اختصاص المحكمة مادام التصرف في ذاته مما يدخل في وظيفة جهة الإدارة” ([20]).
من هنا يتضح أن القانون خول للقاضي الإداري سلطة إلغاء القرارات الإدارية إذا وجدها مخالفة للقانون، وهو يراقبها في الحدود التي رسمها له القانون، دون أن يجعل منه هيئة من هيئات الإدارة، وبالتالي فإنه لا يحق له الحلول محل الإدارة في إصدار أي قرار، أو أن يتدخل ليأمر الإدارة بإتيان عمل معين أو بالامتناع عنه، وليس بإمكانه أن يستبدل قراره بالقرار المبطل، وذلك ناجم عن القاعدة العامة التي تمنع القاضي الإداري من أن يحل محل الإدارة.
كما أنه يمكن القول أن القاضي الإداري لا تعود لصلاحياته أعمال السيادة كما سبق لنا القول، وأعمال رئيس الجمهورية وأعمال السلطات الأجنبية، وأعمال القضاء العادي، وأعمال الأجهزة التي تدير المرافق العامة ذات الإدارة الخاصة وبأسلوب القانون الخاص الصريح (مرافق عامة صناعية وتجارية) ([21]).
المبحث الثاني
توجيهات القاضي الإداري وطلب تقديم إيضاحات ومستندات من الإدارة
يتمتع القاضي الإداري باستقلال في مواجهة المحاكم القضائية العادية وفي مواجهة الإدارة، ويتمثل استقلال الإدارة عن القاضي الإداري من حيث إن قضاة القضاء الإداري يخضعون لجهات القضاء، وأعمالهم تخضع للاستئناف أمام مجلس الدولة، بينما موظفو الإدارة العامة يخضعون لقانون الوظيفة العامة ويخضعون لمبدأ التسلسل الإداري ([22]).
ويتميز القاضي الإداري بخصائص ومزايا من أهمها:
١ - أنه يقوم بمراقبة الأعمال الإدارية غير المشروعة، ويلغيها إذا تبين أن الإدارة بعملها لم تكن تهدف إلى المصلحة العامة.
٢ - القاضي الإداري، يقضي بين الإدارة والأفراد في كل نزاع تكون الإدارة طرفاً فيه، دون تفريق بين الأفراد الذين يؤلفون جهاز الإدارة وبقية المواطنين.
٣ - القاضي الإداري هو قاض مختص بالفصل في أقضية الإدارة، وبالتالي جمع بين الخبرة بعمل الإدارة وادراك حقيقة المصالح العامة والفقه الإداري، فاكتسب بذلك مراناً وخبرة ([23]).
وسنتناول هذا المبحث في المطلبين التاليين:
المطلب الأول
توجيهات القاضي الإداري إلى الإدارة
عرفنا بأن القاضي الإداري لا يمكنه أن يحل محل الإدارة في إجراء ما هو من صميم اختصاصها، إلا أنه يملك أن يعقب على تصرف الإدارة من الناحية القانونية، وأن يبين حكم القانون فيما هو متنازع عليه بين ذوي الشأن فيضع الأمور في نصابها القانوني الصحيح. وعلى هذا الأساس فله أن يبين للإدارة من هو الأولى بالترشيح للترقية، واذا وضح ذلك فليس معنى هذا أنه حل محل الإدارة في ترقيته، بل بين للإدارة حكم القانون لتجري الترقية بقرار منها، والا عد قرارها مخالفاً للقانون ([24]). وهذا يدلل على وجود استقلال تام بين الإدارة والقضاء الإداري.
ومن ناحية الهيئات الإدارية فيوجد انفصال تام بين أعضاء الإدارة وهم موظفون وبين قن يقوم بالقضاء الإداري وهم قضاة، بمعنى أن الأشخاص الذين يقومون بمهمة الإدارة ليسو هم الذين يقومون بمهمة القضاء، فللإدارة هيئاتها وموظفوها وللقضاء الإداري هيئاته وأعضاؤه، بحيث تستقل كل جهة عن الأخرى.
أما الاستقلال الوظيفي فإنه يعني انفصال الوظيفة الإدارية التي تقوم بها الإدارة عن الوظيفة القضائية التي يقوم بها القضاء الإداري. وبذلك لا يمكن للقضاء أن يتدخل في شؤون الإدارة ويقوم بتعيين الموظفين أو ترقيتهم أو نقلهم أو يقوم بإصدار لوائح إدارية. كما لا يحق للإدارة أن تقضي بنفسها في المنازعات التي تقوم بينها وبين الأفراد إذا رفعت دعوى بشأنها إلى القاضي المختص.
وعلى هذا فإن رقابة القاضي الإداري لأعمال الإدارة هي رقابة قانونية ([25]). والإدارة حين تقوم بأعمالها ينبغي عليها احترام ثلاث قواعد أساسية تشكل الأساس لمبدأ الشرعية وهي: تسلسل الأعمال الإدارية، وقاعدة الاختصاص والقاعدة الإجرائية. ولكي تتم مراقبة هذه القواعد يقوم القاضي الإداري بالرجوع للمبادئ العامة للقانون، وهذا يعني أن على القرارات الإدارية أن تحترم القوانين والمراسيم، وكذلك فإن التعليمات يجب أن تحترم القوانين والمراسيم ([26]). والقاضي الإداري يجب عليه أن يفصل في الدعوى المطروحة أمامه، والا ارتكب جريمة إنكار العدالة deni de justice , وتنتهي الرقابة القضائية بحكم يحوز قوة الشيء المقضي فيه، والقاضي وهو يصدر قراره بعدم مشروعية قرار معين فكأنه يعطي لها توجيهات بالتزام تطبيق القانون.
كما أن استقلال الإدارة في مباشرة نشاطها دون تدخل من القاضي الإداري يؤدي إلى حرية الإدارة فيما تقوم به من أعمال، وبالتالي حسن سير العمل الإداري. على أن هذا الاستقلال يجب ألا يكون مطلقاً من كل قيد، ذلك أنه يتعين على الإدارة وهي تباشر نشاطها بحرية واستقلال عن القضاء أن تعمل داخل دائرة نطاق المشروعية.
والقاضي الإداري وهو يقوم بتحديد ما يجب أن تكون عليه تصرفاًت الإدارة بموجب حكم الإلغاء، إنما يقوم بتوجيهها وتنبيهها إلى عدم إصدار قرارات خاطئة مستقبلاً، وهذا لا يعد تعديا على اختصاصها وإنما مساعدة لها للقيام بدورها، كما أن حكم القاضي لا يعد مساساً باستقلال الإدارة بوظائفها وإنما هو مجرد إرشاد لها ([27]), ولا يعد تعدياً على اختصاصها.
المطلب الثاني
قيام القاضي الإداري بطلب تقديم إيضاحات ومستندات من الإدارة
قد يمتد النزاع في بعض الحالات إلى وقائع الدعوى بحيث يذهب كل من طرفي الخصومة إلى تصوير الوقائع تصويراً يختلف عما كان يتصوره الطرف الأخر، وعلى نحو لا يستطيع القاضي الإداري أن يكون اقتناعه إلا بالاطلاع على المستندات. ولئن كان الأصل أن البينة على من ادعى وأن على المدعي إثبات دعواه، غير أنه غالباً ما تكون تلك المستندات تحت يد الإدارة، وهنا يقدر القاضي الجدية في طلب الإيضاحات والمستندات، ثم يصدر أوامره إلى الإدارة بتقديم المستندات الضرورية.
فالقاضي الإداري يلزم الإدارة بتقديم أدلة الإثبات خلافاً للقاعدة العامة في أن الإثبات على المدعي، بل تمتد سلطة القاضي لمراقبة البواعث غير المعلنة للقرار الإداري، وبموجب هذا الدور الفعال للقاضي فإنه يتولى الأمر بتبليغ الأطراف واتخاذ التدابير الضرورية للتحقيق، وتحضير القضية للفصل فيها؟ والأمر بحضور الأطراف شخصياً للجلسة، ويأمر بنقل عب ء الإثبات من المدعي إلى الإدارة، بأن يطلب منها أية وثيقة أو مستند يمكن أن يكون أساساً لإصدار القرار، فإن رفضت تقديم المعلومات اعتبر القاضي طعن المدعي في محله، ويبقى على الإدارة حينئذ أنها تصرفت بصورة غير مشروعة، وبذلك تتراجع السلطة التقديرية التي تتحصن وراءها برفض تقديم تفسيرات حول بواعث اتخاذ القرار، والا اعتبرت قرائن على خطأ تصرفها ([28]).
وينظم القاضي الإداري التحقيق بدعوة كل من الفريقين إلى الإجابة عن عريضة الأخر، ويقرر الآونة التي يجب أن يتوقف فيها تبادل المذكرات، في حين أنه لا يستطيع توجيه أوامر إلى الإدارة، فير أنه يوجه إليها أوامر في نطاق التحقيق، وأن يفرض عليها تقديم أي مستند قابل لأن يثبت قناعته ([29])، فكل مستند يقدمه أحد الفريقين يجب أن يتاح للفريق الأخر مناقشته، ويطبق مجلس الدولة بصلابة هذا المبدأ، ولا يقبل أن يكون بإمكان قاعدة السرية الموجودة في بعض المواد، أن تسمح للإدارة بألا تقدم الملف كله أو جزءاً منه، أو ألا تعلم القاضي بهذا المستند أو ذاك ([30]).
إن المستندات تقدم أمام القاضي الإداري، وهو الذي يدعو الإدارة إلى تفسير موقفها، وليس لصمتها أو امتناعها أي دور لمصلحتها. والقاضي الإداري فرض منذ مدة طويلة على الإدارة إعلامه بأسباب تسويغ عملها، فالإدارة ملزمة بتزويد صاحب العلاقة بأسباب قرارها حتى ولو خارج أي مراجعة قضائية.
وكانت لمجلس الدولة مناسبة تطبيق هذا المبدأ في صدد الاطلاع على مستندات إدارية. وقد اعتبر مجلس الدولة “أنه يعود إلى القاضي الإداري: أن يطلب إلى الإدارات المختصة تقديم جميع المستندات الضرورية لحل النزاعات المحالة إليه باستثناء التي يغطيها سر يضمنه القانون، وأنه إذا كان الطابع الوجاهي للإجراء يفرض إطلاع كل من الفريقين على المستندات المقدمة خلال السير بالدعوى، فإن هذا الطلب مستبعد بالضرورة فيما يختص بالمستندات التي يشكل رفض الاطلاع عليها موضوع النزاع ذاته” ([31]).
وإصدار أوامر إلى الإدارة بإيداع مستندات من طرف القاضي الإداري تدخل في إجراءات التحقيق التي يقوم بها القاضي، أما قاعدة الفصل بين الإدارة والقاضي، فليس هنا مجالها في التطبيق. ذلك وأنها وان كانت تحظر على القاضي إصدار أوامر إلى الإدارة، فإن مناط هذا الحظر أن ترد تلك الأوامر على عمل من أعمالها الإدارية التي تدخل في صميم اختصاصها الإداري، إذ عندئذ يتحقق التعدي على الإدارة العاملة والمساس باستقلالها، وليس هذا شأن الأوامر الصادرة بتقديم مستندات، فإن هذه الأوامر من صميم الوظيفة القضائية المرتبطة بتحقيق الدعوى، تمهيداً لإصدار الحكم القضائي.
المبحث الثالث
القضاء الإداري وتقديره لملاءمة أعمال الإدارة
القاضي الإداري مهمته الأساسية عندما ترفع إليه دعوى يتأكد من التزام الإدارة بتطبيقها للقانون. أي التأكد من مدى مطابقة القرارات الإدارية للقانون، دون التعدي على مجالات التقدير والملاءمة التي تتركها القوانين للإدارة تعمل فيها سلطتها بحرية واستقلال. هذه السلطة التي تملكها الإدارة في التقدير هي ما تسمى بالسلطة التقديرية، كما أن تقديرها الحر واتخاذها لعملها في مناسباًت معينة هو ما يسمى بالملاءمة.
وقد ذهبت المحكمة الإدارية العليا في مصر إلى أن: “نشاط القضاء الإداري في وزنه للقرارات الإدارية ينبغي أن يقف عند حد المشروعية أو عدمها في نطاق الرقابة القانونية، فلا يجاوزها إلى وزن مناسباًت القرار وغير ذلك مما يدخل نطاق الملاءمة التقديرية التي تملكها الإدارة بغير معقب عليها فيها” ([32]).
وتقوم المقابلة عادة بين السلطة التقديرية والسلطة المقيدة، حيث إنه في الأولى يخول القانون الإدارة سلطة في تقدير عملها، أما في الثانية فتتقيد سلطة الإدارة بقاعدة أمرة تتقيد بها الإدارة.
كما تقوم المقارنة بين الملاءمة والمشروعية، باعتبار أن الملاءمة لا تمتد إليها رقابة القاضي، ويكون التقدير فيها للإدارة خالصاً دون رقابة عليها من القاضي، بينما تخضع المشروعية للرقابة ويسلط عليها القاضي حكم القانون للتعرف على مدى مشروعيتها.
وسنتعرض في المطلبين التاليين إلى السلطة المقيدة والسلطة التقديرية أولاً، ثم إلى مبدأ المشروعية والملاءمة، ومن خلال هذين المطلبين نستوضح عناصر الملاءمة التي يمتنع القاضي – احتراماً للسلطة التقديرية للإدارة – ارتيادها ويلتزم بالوقوف عند مشارفها.
المطلب الأول
السلطة التقديرية والسلطة المقيدة وموقف القاضي الإداري منهما
أولاً – السلطة التقديرية:
في معظم الدول الديمقراطية، استقر المبدأ على خضوع الإدارة لرقابة القضاء، غير أن مستلزمات المصلحة العامة قد قضت بالتخفيف من صرامة هذا المبدأ. فالرقابة القضائية تستهدف حماية الحريات الفردية، ولكن حماية الحرية الفردية يجب ألا تحجب عن الأبصار حاجة الإدارة إلى قدر من الحرية تضمن به حسن الإدارة، ذلك أنه إذا كان من اللازم تجنب استبداد الإدارة L’arbitraire administratif فيجب ألا يؤدي ذلك بنا إلى أن نغل أيدي رجالها، ونكبت فيهم روح الابتكار، ولهذا أقر المشرع للإدارة قدراً من الحرية يتمثل خاصة في السلطة التقديرية Le pouvoir discritionnaire وهي تلك الحرية التي تتمتع بها الإدارة في مواجهة الأفراد والقضاء، لتختار – في حدود الصاح العام – وقت تدخلها ووسيلة التدخل ([33]).
ومن الأمثلة التي يسوقها الفقه الفرنسي للسلطة التقديرية حالة منح الأوسمة؟ إذ تستقل السلطة التنفيذية وحدها بحرية تقدير ما إذا كان أحد الأفراد يستحق التكريم بمنحه الأوسمة المقررة. كما يمكن أن تقوم الإدارة بترقية موظفين بالاختيار دون أن يقوم المشرع بضبطها بضوابط وقواعد معينة، حيث تستقل الإدارة بتقديرها. وحالة الترخيص للأجانب بالإقامة المؤقتة، حيث تستقل الإدارة في تقدير مناسباًتها بسلطة مطلقة في حدود ما تراه متفقاً مع المصلحة العامة، إذ الإقامة العابرة لا تعدو إن تكون صله وقتية عابرة سمحت بها الإدارة ([34]). أو تتمثل في سلطة رئيس الجمهورية بمنح العفو أو بمنح وسام، أو اختيار طريقة تسيير المرافق العمومية، أو إنشاء أو تعديل سلك من أسلاك الموظفين ([35]). ومن أمثلة سلطة الإدارة التقديرية سلطتها في تقدير الكفاءة العلمية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات كشرط لازم للترقية. غير أنه – في رأينا – يجب وضع مقاييس مسبقة معتمدة من اللجنة العلمية لترقية الأساتذة؟ لأن المعايير غير المحددة جعلت هذه اللجان تلجأ إلى وضع معايير وفق المنهاج الذي تراه، كما أن الإدارة تلجأ – في كل مرة – إلى تشكيل لجان لترقية الأساتذة، وهذه اللجان غالباً ما تكون مشكلة وفقاً لهوى ومعايير الإدارة المركزية، وهذا قد يلحق ظلماً وحيفاً بأعضاء هيئة التدريس، وقد يرقى من لا يستحق الترقية ويحرم منها من يستحقها.
كما أنه يدخل في نطاق السلطة التقديرية للإدارة تحويل مدرسة ابتدائية إلى تكميلية، وعلى هذا فإن مبدأ السلطة التقديرية للإدارة يجعلها بمنأى عن رقابة القاضي الإداري.
ثانياً – السلطة المقيدة :
ويتحدد قيام السلطة المقيدة بوجود قاعدة قانونية أمرة، تلزم الإدارة باتخاذ قرار معين، فالقانون هنا هو الذي يأمر الإدارة بالتصرف، ويرسم لها – مقدماً – السلوك الواجب عليها اتباعه في هذا الشأن إذا ما تحققت الشروط الواجب توافرها لإمكان مباشرة العمل الإداري.
فإذا عمل القانون على تقييد حرية الإدارة في التصرف بأن ألزمها – إذا ما تحققت ظروف معينة – بوجوب العمل على نحو معين تكفل ببيان أوضاعه، فلا يجوز للإدارة – والحالة هذه – أن تمتنع عن العمل أو أن تعمل على خلاف ما بينه القانون. واذا كان القانون يضع القيود على سلطة الإدارة فإنه يدخل في مفهوم ذلك ما يقرره القاضي الإداري كذلك على نشاط الإدارة من قيود، ويقوم القاضي الإداري بوضع الشروط التي تقيد من نشاط الإدارة في حالة سكوت التشريع عن ذلك، مستنداً في ذلك إلى تفسير إرادة المشرع، وهو ما يجوز للقاضي أن يقوم به طبقاً لما تمليه المبادئ العامة ([36]).
فالقرارات التي تصدر في حدود السلطة المقيدة للإدارة تنفيذاً لأحكام القوانين واللوائح التي تحدد حقوق الأفراد وواجباتهم” أن اختصاص الإدارة في هذا الشأن هو اختصاص مقيد competence Liee ومن ثم فليس لها أن تترخص في الموضوع بسلطة تقديرية فتمنح الحق أو تنشئه أو تعدل المركز القانوني أو تلغيه، وإنما تنزل على حكم القانون فيما عساه يصدر منها من إجراءات أو قرارات ([37]). وعلى هذا ينظر القاضي الإداري إلى تلك الإجراءات والقرارات على اعتبارها من العناصر المتفرعة عن المنازعة الأصلية في حدود اختصاص الإدارة.
وعلى هذا قضت محكمة القضاء الإداري في مصر في حكمها الصادر في ٢٨ فيفري سنة ١٩٥٩ أن شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية لا تعتبر قرارا إدارياً ([38]). وفي حكم صدر في ٣ نوفمبر سنة ١٩٥٥ قضت محكمة القضاء الإداري باعتبار الخطاب الذي يوجه إلى الإدارة المختصة بخصم مبلغ معين من موظف شهرياً عن المدة التي تقاضى فيها هذا المبلغ زيادة عن استحقاًقه لا يعتبر قراراً إدارياً، وأنه لا يعدو أن يكون إجراء مادياً ([39]). وفي حكم صدر في 15 ماي سنة1952 قرر القضاء المصري صراحة إن مثل هذه القرارات لا تعتبر قرارات إدارية منشئة لمراكز قانونية، وإنما تعتبر مجرد قرارات تنفيذية لا تخضع للأحكام التي تسري على القرارات الإدارية ([40]).
ويرى البعض من الفقهاء ([41])، أن القرارات الفردية التي تصدرها الإدارة في حدود سلطتها المقيدة تطبيقاً لنص قانوني عام تعتبر قرارات إدارية تسري عليها الأحكام العامة للقرارات الإدارية، بمعنى أنها تنشئ الحقوق والواجبات للأفراد أو للموظفين، وأن الآثار التي تترتب عليها تبقى قائمة ما دام أنها لم تلغ بحكم قضائي أو لم يصدر قرار إداري آخر بإلغائها أو سحبها، غير أن القضاء في مصر ما لبث وأن تحول وقرر أن الحصول على شهادة الإعفاء يكتسب الحق في الإعفاء بصفة نهائية ولو كان الإعفاء مخالفاً للقانون، وهذا عكس ما ذهب إليه القضاء في أحكامه السابقة من أن شهادة الإعفاء لا تكسب حقاً في الإعفاء؟ لأنها مجرد إجراء مادي كاشف عن الحق، وهذا ما طبقه القاضي الإداري في الجزائر في القرار الصادر بتاريخ ١٨ / 6/ ١٩٨٨ عن الغرفة الإدارية. والأثر الذي يترتب على القرارات التي تتخذها الإدارة تطبيقاً لنصوص قانونية أو لائحية عامة تحدث أثراً قانونياً مؤكداً، بل أنها هي التي تنشئ الحق بالنسبة لصاحب المصلحة أو تنشئ له المركز القانوني الذاتي، أما النصوص القانونية أو اللائحية العامة فلا تنشئ الحق لفرد بذاته، ولا تنشئ مركزاً قانونياً ذاتياً وإنما تنشئ مراكز قانونية عامة فقط.
وبدون شك أن تقييد سلطة الإدارة يمثل ضمانة أساسية لحريات الأفراد ومراكزهم القانونية، إذ كلما قيد القانون الإدارة في استخدام سلطتها كلما أمن الأفراد من تعسف الإدارة؟ لأن تعنتها غير مأمون الجانب، وكلما أفسح لها في الحرية، كلما انفتح الباب للتعسف والانحراف. ومن أمثلة أحوال السلطة المقيدة ([42]) ما يقضي به القانون من ترقية الموظف إلى الدرجة التالية إذا أمضى في درجته مدة محددة سلفاً، وإعفاء المواطن من التجنيد متى وجد في حالة من الحالات الاجتماعية التي حددها القانون كأن يكون وحيد أبويه، والقيد في نقابة المحامين متى استوفى الطالب الشروط القانونية المطلوبة. ففي هذه الحالات، تلتزم الإدارة بإجراء الترقية وبالإعفاء من التجنيد وبالقيد في الجدول، متى توافرت شروطها المحددة قانوناً دون أن تملك في ذلك حرية في التقدير أو الاختيار، على أن تقييد سلطة الإدارة بالقواعد الآمرة، لا يعني القضاء على كل احتمال لإصدار قرارات غير مشروعة، إذ أن مخالفة الإدارة للقانون وخروجها على أحكامه ممكنة دائما، وغاية الأمر أن الكشف عن هذه المخالفة يكون في هذه الحالات سهلا ميسورا، وما على ذوي الشأن إلا إثبات توافر الشروط التي تطلبها القانون، دون أن يكون للإدارة رد الدعوى بالتعلل بحريتها في التقدير، أو التستر وراء سلطتها في الترخص ووزن الملاءمة. ومما ينبغي الإشارة هنا إليه هو أنه ليس للإدارة في حالة السلطة المقيدة، أي حظ من الحرية في تقدير إصدار القرار متى توافرت أسبابه الموجبة لإصداره.
لهذا فإن المشرع عندما ألزم الإدارة بإصدار قرارها في ضوء الغرض المحدد الذي يبغي تحقيقه، والذي يقرر أنه يتحقق حتما بإصدار القرار متى توافرت تلك الحالات.
ثالثا – القاضي الإداري بين السلطة التقديرية وتقييد الإدارة:
إن الاختلاف بين السلطة التقديرية والاختصاص المقيد للإدارة يتمثل في مدى إطلاق حربة الإدارة أو تقييدها في مباشرة نشاطها الإداري، فإذا توافرت الحرية للإدارة ظهرت سلطتها التقديرية، أما إذا وردت قيود تحد من حرية الإدارة في عملها كان اختصاصها مقيداً ولا يجوز لها أن تحل محل القاضي ([43]). وبدون شك أن حرية التقدير للإدارة وتزويدها بهذه السلطة يعمل على غرس روح الابتكار والنشاط الذي يؤدي إلى الارتقاء بالوظيفة الإدارية. غير أن إطلاق يد الإدارة وتزويدها بحرية كبيرة قد يخشى معه تجاوز الإدارة حدود سلطتها، وهذا يؤدي بها إلى الاعتداء على حقوق الأفراد، كما وآن تقييد حرية الإدارة وسلطتها إلى حد كبير يعمل على قتل روح الابتكار وإلى كبت الإبداع لدى الموظفين الإداريين، الأمر الذي يجعل من الإدارة مجرد آلة صماء لا روح فيها، تقتصر مهمتها على مجرد تنفيذ وتطبيق ما أمرها به القانون ([44]).
إن للإدارة إمكانية الاختيار بين عدة إمكانيات في سبيل المصلحة العامة، والقانون الذي يتضمن نصاً عاماُ لا يستطيع أن يرى مسبقاً كل العناصر الملموسة التي ستظهر حيز التطبيق، لهذا يجب أن يترك للسلطات الإدارية هامش للمناورة حسب القانون، ومهما كان الهامش عريضاً فإنه يجب عدم الخلط بينه وبين السلطة التي لا ترتبط بنص ([45]).
غير أن القاضي الإداري أثناء نظره لأعمال الإدارة من الناحية القانونية فإنه يراعي السلطة التقديرية للإدارة من جهة ويراعي السلطة المقيدة من جهة أخرى مثل سلطة الإدارة في الترقية فإنها مقيدة بضرورة وجود وظائف خالية للترقية إليها، ولكن خلو هذه الوظائف لا يلزمها بإجراء الترقية وإنما تستطيع إرجاءها إلى الوقت الذي تراه مناسباً، كذلك فإن سلطتها في نزع الملكية مقيدة بقيام منفعة عامة ([46]). ولكن قيام هذه المنفعة لا يلزمها بضرورة اتخاذ تدابير نزع الملكية، وهي حرة في تقدير ملاءمة التصرف في الوقت المناسب.
المطلب الثاني
القاضي الإداري بين المشروعية والملاءمة
ينص القانون في ميدان الاختصاص المقيد على الشروط التي يقيد بها سلطة الإدارة في ممارسة اختصاصها. ويكون للقاضي الإداري في هذه الحالة أن يراقب مدى مشروعية نشاط الإدارة بحيث إذا تبين له عدم احترام القانون من طرف الإدارة، أي مخالفة الإدارة للقوانين التي يجب أن تعمل في إطارها قام بإبطال أعمالها، أي أن دور القاضي الإداري هو التحقق من أعمال الإدارة والتأكد من مراعاتها للقانون.
غير أن القاضي لا يتدخل من تلقاء نفسه، بل لابد من دعوى يحركها ذو المصلحة والاختصاص، بعكس رجل الإدارة فإنه بإمكانه أن يمارس رقابته على مرؤوسيه من تلقاء نفسه أو بواسطة شكوى تقدم له من طرف المتظلم.
كما أن القاضي الإداري تكون رقابته على أعمال الإدارة رقابة مشروعية Legalite , ورجل الإدارة بإمكانه ممارسة الرقابة الإدارية التي تتناول المشروعية والملاءمة معاً، في حدود القواعد التي تحكم استقرار القرارات الإدارية المشروعة، والقاضي الإداري بإمكانه الحكم بسلامة التصرف المشكو منه أو بعدم سلامته، واذا تبين له عدم سلامة التصرف فإنه يحكم بإبطاله، أما الرقابة الإدارية فإنها تنتهي إلى تعديل التصرف المعيب أو غير الملائم Modification ou reformation أو إلى استبداله، والقاضي الإداري ملزم بالفصل في جميع الدعاوى المرفوعة إليه ولا يستطيع أن يمتنع عن نظرها والا ارتكب جريمة إنكار العدالة، أما الإدارة فإنها ليست ملزمة بالرد على التظلمات التي يرفعها إليها الأفراد إلا إذا ألزمها القانون بذلك ([47]). فكلما اتسعت حدود المشروعية في القرار، ضاقت حدود الملاءمة، وكلما ضاقت حدود الملاءمة اتسعت حدود المشروعية، ويرتبط بذلك كله رقابة القاضي التي تمتد وتنكمش تبعاً لاتساع وضيق حدود المشروعية ([48]). وتبدأ هذه الرقابة في كل الأحوال من حيث تبدأ حدود المشروعية، وتنتهي من حيث تبدأ الملاءمة.
ولقد عمل القضاء الإداري الفرنسي في أحكام عديدة على فرض رقابته على مسلك الإدارة في تقديرها لظروف ومناسباًت إصدار القرارات الإدارية خاصة حينما تتدخل الإدارة لتقييد الحريات العامة في مجال البوليس الإداري، ومثال ذلك إذا قامت الإدارة بفض اجتماع عام بحجة أن انعقاده يؤدي إلى وقوع اضطرابات جسيمة. في هذه الحالة يمكن للقاضي الإداري أن يقوم بفحص ما إذا كان فض هذا الاجتماع يتناسب حقيقة مع الظروف المادية التي دفعت الإدارة إلى ذلك، بمعنى ما إذا كانت الاضطرابات التي ادعتها الإدارة تتناسب في جسامتها وخطورتها مع قرارها القاضي بفض هذا الاجتماع، فإذا ما تبين للقاضي الإداري عدم مناسبة قرار الإدارة مع الأسباب، قضى بإبطال القرار لعدم المشروعية ([49]). وقد اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن الإدارة عندما تكون مزودة بسلطة تقدير لاتخاذ هذا التدبير الفردي أو رفضه لا تستطيع أن تقيد صلاحياتها الخاصة إلا بوضع نظام معد ومحدد مسبقاً عن طريق تعليمات يتم بموجبها إجراء تفحص الوضعيات الفردية على ألا تضيف أي شرط جديد إلى الشروط المنصوص عليها في القانون، وألا تحدد أو تلغي سلطة التقدير التي أناطها بها القانون ([50]).
ونستعرض فيما يلي مجالات الملاءمة والمتمثلة في الشكل والسبب والمحل.
١ – الملاءمة وعنصر الشكل :
قد ينص القانون على اتباع إجراءات معينة يجب على الإدارة أن تتقيد بضرورة احترامها ([51]). ولأهمية الشكل فإن القاعدة المستقرة تقضي بأن مخالفة تلك القواعد يستتبع بطلان التصرف دون حاجة إلى النص على ذلك صراحة ([52]). واذا كانت القاعدة أن مخالفة الشكل والإجراءات تؤدي إلى بطلان القرار الإداري لافتراض أن هذه الشكليات تمثل ضمانة للأفراد وتكون مخالفتها إخلالاً بهذه الضمانة، فإن مجلس الدولة قد لطف من حدة هذه القاعدة فلم يعملها على إطلاقها، حتى لا يغرق الإدارة في خضم الشكليات.
ويتعلق العيب في الشكل بمضمون العمل المطعون فيه، على سبيل المثال عدم ذكر الأسباب التي بني عليها القرار، التي يفرض القانون أن يكون معللاً ([53]).
كما قد يتعلق العيب في الإجراء كما يدل اسمه على ذلك، مثلاً عقوبة تأديبية فرضت بدون أخذ رأي لجنة تأديبية في حين أن استشارتها إلزامية ([54]).
وقواعد الإجراء لها مصدران: إما النصوص القانونية أو التنظيمية الخاصة بإحالة بعض الموظفين أمام المجلس التأديبي بالنسبة إلى بعض العقوبات، وأما مبادئ قانونية عامة تفرض على الإدارة اتباعها اتخاذ بعض القرارات.
غير أنه يجب التفرقة بين الأشكال الجوهرية والأشكال فير الجوهرية، فالحياة الإدارية تصبح مستحيلة إذا أدى إغفال الشكلية إلى إبطال العمل، ولهذا يمكن للقاضي الإداري التحقق ما هو جوهري وما هو غير ذلك. فيمكن اعتبار ما هو جوهري كل شكل يمكن أن يغير إنجازه معنى القرار المطعون فيه. وتكون أشكالاً غير جوهرية الأشكال المفروضة لحماية حقوق المواطنين ([55])
وهكذا يواجه القاضي الإداري عنصر الشكل في القرار بواسطة سلطة مقيدة أحياناً وتقديرية أحياناً أخرى، وبالتالي تتأثر سلطة القاضي الإداري من حيث رقابة أعمال الإدارة المشروعة، وتنحصر في دائرة الملاءمة باعتبارها من إطلاقات الإدارة، تعمل فيها تقديرها بحرية واستقلال، بعيداً عن رقابة القضاء.
٢ – الملاءمة وعنصر السبب:
يعتبر ركن السبب في القرار الإداري من العناصر الأساسية التي تخضع لرقابة القاضي الإداري، وحتى لا تختلط علينا الدراسة في هذه المقالة فإننا نحاول أن نعرض باختصار وإيجاز لفكرة السبب في حالات السلطة المقدمة أولاً، ثم في حالات السلطة التقديرية ثانياً.
أولاً – حالات السلطة المقيدة والسبب : هنا يقيد القانون من سلطة الإدارة، ويلزمها بعدم اتخاذ قرارها إلا إذا قامت الأسباب التي نص عليها. وهنا يتدخل القاضي للتحقق من صحة الأسباب باعتباره يمكنه مراقبة المشروعية.
أما أهمية الأسباب ومدى تناسبها مع القرار الصادر عن الإدارة فالأصل ألا يتدخل القاضي في تقديرها باعتبارها من عناصر الملاءمة المتروكة لسلطة الإدارة التقديرية، إلا إذا نص القانون على أهمية الأسباب باعتبارها شرطاً من شروط المشروعية فحينئذ تمتد الرقابة إلى هذه الأهمية ([56]).
لذلك فإن المشرع في فرنسا يلزم الإدارة -بالنسبة لكثير من القرارات – أن تعلن فيها عن أسباب تدخلها، ليسهل على مجلس الدولة مهمة رقابتها، وقد يستشف القاضي الإداري غرض الإدارة من خلال المناقشات التي تدور داخل المجالس التي لها إصدار القرارات، كإصدار قرار يرمي بالإضرار بالملاك وحرمانهم من الاستفادة من تحصيل مبالغ من السياح الذين يأتون لزيارة الجبل السياحي الذي يسكنه هؤلاء الملاك، وليس هدف الإدارة المحافظة علي الطريق ([57]).
كما أن مبدأ الحريات الفردية لا يملك أن يقيدها رجل الإدارة إلا بموجب تشريع، وهذا يسهل رقابة القاضي الإداري، وقد أقر مجلس الدولة المصري هذا المبدأ بحكمه الصادر في ١٢ جانفي ١٩٥٣ بقوله: “إن حق التنقل فرع من الحرية الشخصية للفرد، ولا يجوز مصادرته ولا مناهضته دون مسوغ أو تقييده بلا مقتضى” إن الحرية حق مقرر لا يجون الحد منه أو انتقاصه إلا لمصلحة عامة في حدود القوانين واللوائح ودون تعسف أو انحراف في استعمال السلطة، وقد كفلتها دساتير العالم أجمع وقررت لها من الضمانات ما تسمو بها عن تجاوز السلطة، وتبتعد عن التعسف، وتكفل لأبناء البلاد جميعا تمتعهم بحقوقهم الفردية، وهي لا تتقبل من القيود إلا ما كان يهدف منها للخير المشترك للكافة ورعاية الصالح العام ([58]). كما أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون من المبادئ العامة التي تتقيد بها الإدارة، ومن حق القاضي الإداري مراقبتها وله أن يلغي قرار الإدارة الذي يصدر بالمخالفة لهذا المبدأ.
إن تقدير أهمية الأسباب ومدى تناسبها مع القرار، هو بحسب الأصل من الملاءمات التي تخضع للإدارة وتقديرها، غير أنه يحق للقاضي الإداري التأكد من الأسباب التي بنت عليها الإدارة قراراتها للتأكد من موافقتها للقانون، والا اعتبرت هذه القرارات مبنية على أسباب غير مشروعة، يحق للقاضي الإداري بسط رقابته، والأصل أن كل قرار إداري يجب أن يقوم على سبب مشروع، وهذا ما ذهب إليه القضاء، المصري بقوله: “من المبادئ المقررة أن للقرار الإداري إذا لم يشتمل على ذكر الأسباب التي استند إليها يفترض أنه صدر وفقاً للقانون”.
يتضح أن القاضي الإداري يراقب أعمال الإدارة عن طريق السلطات المقيدة للإدارة التي أوردها القانون إلى جانب سلطات مقيدة ابتدعها القاضي الإداري نفسه.
ثانياً – حالات السلطة التقديرية والسبب: من المفروض في هذه الحالات أن الإدارة غير مقيدة باتباع أساليب محددة تبني عليها قراراتها، كما هو الحال في حالات السلطة المقيدة، بل ترك المشرع للإدارة السلطة التقديرية لاتخاذ قراراتها كلما رأت ضرورة لذلك، وهنا لا يمكن الوقوف على الأسباب التي استندت إليها الإدارة إلا إذا هي أفصحت عنها ودلت عليها، فإن أخفت الإدارة هذه الأسباب فتعد قرينة قضائية على صحة الأسباب التي يقوم عليها القرار.
أما إذا أفصحت الإدارة عن أسباب قرارها، إما نزولا على نص قانوني آمر يلزمها بالتسبيب، وأما طواعية واختيارا باعتبار أنها غير ملزمة بذلك، فتذكر تلك الأسباب إما في صلب القرار أو في المذكرات الملحقة به، فقد استقر القضاء على أنه: “وان كانت الإدارة غير ملزمة ببيان أسباب قرارها إلا حيث يوجب عليها القانون ذلك، إلا أنها متى ذكرت أسبابا فإن هذه الأسباب – ولو في غير الحالات التي يوجب القانون ذكر أسباب فيها – تكون خاضعة لرقابة المحكمة؟ للتعرف على مدى صحتها من الوجهة الواقعية، ومن جهة مطابقتها للقانون نصاً وروحاً، فإذا استبان أنها غير صحيحة واقعاً أو أنها تنطوي على مخالفة للقانون. كان القرار معيباً حقيقياً بالإلغاء لانعدام الأساس الذي يجب أن يقوم عليه أو لفساده” ([59]).
وهنا يتضح أن المشرع إذا أوجب على الإدارة الإفصاح عن أسباب تدخلها فبإمكان القاضي الإداري أن يتدخل لمراقبة تصرفاًت الإدارة، ويتجلى ذلك في القرارات الإدارية المتعلقة بترقية وتعيين أو تأديب فئة معينة من الموظفين أو منح رخصة ([60]) أو فرض قيود على بعض الحريات العامة ([61]) . فمن صور الرقابة على صحة الأسباب ما قضى به، أن فصل موظف لاعتناقه المبادئ الهادمة وقت أن كان طالباً يجعل القرار باطلاً مادام قد قام الدليل على استقامته بعد الوظيفة ([62]). كما أن مجرد كبر السن مادام الموظف لم يصل إلى سن التقاعد، لا يصلح سبباً لفصل الموظف، وكذلك الشأن إذا استند القرار في الأسباب إلى استطالة مدى خدمة الموظف ([63]). والأصل كما سبق لنا القول أن كل قرار إداري يبنى على سبب مشروع، ويكفي لقيامه سبب واحد، بمعنى أنه إذا تذرعت الإدارة في إصدار قرار معين بعدة أسباب وتبين أن بعض هذه الأسباب غير صحيح، فإن القاضي الإداري لا يلغي القرار لهذا السبب، وبهذا المعنى صدر حكم عن القضاء المصري بتاريخ ١٣ /٤ / ١٩٤٨ بخصوص توقيع عقوبة على أحد الموظفين لاتهامه بعدة جرائم تأديبية، ثبتت صحة بعضها، فإذا كان: “ما جاء في أسباب القرار خاصاً بإحدى التهم غير سليم قانوناً، فإن ذلك لا يؤثر في سلامة القرار ما دام قد قام على ثبوت التهم الأخرى التي من شأنها أن تبرر النتيجة التي انتهى إليها” ([64]). واذا كانت الإدارة تملك إصدار القرار بمجرد قيام السبب الذي يبرر إصداره، فإنه يتعين أن يظل السبب قائماً حتى صدور القرار، بحيث لو زال سبب القرار قبل إصداره، فإنه يمتنع على الإدارة إصداره.
كما أنه إذا أصدرت الإدارة قراراً ثم عدلت عنه بلا سبب معقول، فاتخذت من ذلك دليلاً على التعسف والانحراف، فقد حدث أن وافقت الإدارة على تعيين حارس مع علم الإدارة بقيام أسباب معينة تحيط بهذا التعيين وتغاضت عنها، ثم عادت وفصلته بعد مضي بضعة أشهر ([65]). كما أن القاضي الإداري بإمكانه أن يخضع قرارات الإدارة إلى الرقابة ويتأكد من سبب صدورها.
والقاضي الإداري بإمكانه أن يقدر صمت الإدارة في ضوء ظروف كل قضية وملابساتها، كما أن له كامل السلطة في أن يقدر الأسباب التي تقدمها الإدارة لتبرير تصرفاًتها ([66]) والإدارة تعتبر مستعملة لسلطاتها التقديرية إذا وضعت نفسها في أحسن الظروف التي تكفل لها استعمال هذه السلطة بروح موضوعية وبعيداً عن المؤثرات، فإذا استعملت سلطتها التقديرية خطأ، مفترضة قيام حالة قانونية أو واقعية لا وجود لها، فإن الغرض الذي تسعى إليه لن يتحقق لتخلف أسبابه ودواعيه ([67]). فإن القاضي الإداري بإمكانه أن يؤكد عمل الإدارة ولا يلغيه إذا ما ثبت له أن القرار الإداري لا بد من صدوره.
٧ – الملاءمة والمحل :
يقصد بمحل القرار الإداري، موضوع القرار أو فحواه المتمثل في الأثار القانونية التي يحدثها القرار مباشرة بعد صدوره، وذلك بالتغيير في المراكز القانونية سواء بالإنشاء أو التعديل أو الإلغاء. بمعنى أنه يجب أن يكون لكل تصرف قانوني محل معين، وهو الأثر القانوني الذي يحدثه التصرف مباشرة وذلك بتحديد الحقوق والالتزامات الناشئة عنه، وهذا المحل هو الذي يميز التصرف القانوني ويبلوره ([68]). وسلطة القاضي الإداري هنا تكمن، بحيث إن الإدارة تدور سلطتها بين التقدير والتقييد حول ثلاثة عناصر، يمثل العنصر الأول في إصدار القرار أو عدم إصداره، أما الثاني في وقت إصدار القرار، أما الثالث فيتضح في فحوى القرار.
العنصر الأول: إصدار القرار أو عدم إصداره، فقد يقيد القانون سلطة الإدارة ويلزمها بإصدار القرار إذا توافرت أسبابه مثل منح رخصة البناء لكل من استوفى الشروط القانونية، والإعفاء من التجنيد لكل من توافرت فيه حالات الإعفاء، والقيد في نقابة المحامين لكل من توفرت فيه الشروط القانونية، كذلك سلطة الإدارة في إنشاء الوظائف العامة إذا تطلبت ضرورة سير المرفق ذلك، فالإدارة لها سلطة تقدير ذلك، تعملها حسب ما تراه من وجه المصلحة العامة.
العنصر الثاني: وقت اختيار تدخل الإدارة، فهنا تكون مقيدة إذا ألزمها القانون بالتدخل في وقت معين، مثل ترقية كل موظف في الدرجة إذا أمضى مدة ٣ سنوات.
وقد تكون تقديرية إذا أطلقها من كل قيد وتركها حرة في اختيار الوقت الملائم لتدخلها، حتى لو توافرت أسباب الوقت، فتصبح الملاءمة متروكة للإدارة دون أن تخضع لرقابة القاضي الإداري، وعلى ذلك فإن الإدارة مما لها من سلطة تقدير مناسباًت القرار الإداري فلها تعيين الوقت الملائم لإصداره دون رقابة القاضي، بشرط ألا يكون القانون قد عين لها ميعاداً يحتم إصدار القرار فيه والا كان إصداره بعد فوات الميعاد مخالفاً للقانون ([69]).
العنصر الثالث: يتمثل في فحوى القرار ومضمونه مالم يقيد القانون – مقدماً – الإدارة باتخاذ قرار معين فإنها تكون حرة في اختيار القرار الذي تراه ملائماً. وملاءمة القرار في هذه الحالة – أي التناسب بين سببه ومحله – هي من عناصر السلطة التقديرية التي لا تخضع لرقابة القضاء.
يتضح لنا من خلال تناولنا لهذا المبحث أن القاعدة في امتناع القاضي الإداري عن تقدير ملائمة أعمال الإدارة هي قاعدة ثابتة، غير أن دائرة تقدير ملاءمة أعمال الإدارة تتفاوت ضيقاً واتساعاً باتجاهات القاضي الإداري في التفسير والتقدير والابتداع، والقاضي الإداري الذي يقدر ملاءمة أعمال الإدارة هو الذي يرسم حدود سلطتها التقديرية ([70]). وهو جاهد من أجل توسيع وبسط رقابته على أعمال الإدارة دون التدخل في شؤونها الداخلية بإصدار أوامر أو نواه وكأنه أصبح النبراس الذي يسير على خطاه رجل الإدارة.
المبحث الرابع
احترام الإدارة لأحكام القضاء الإداري
كما سبق لنا وأن بينا أن القاضي الإداري لا يملك إصدار أوامر أو نواه إلى الإدارة، وإنما سلطته تنحصر في إلغاء القرار الإداري المعيب إذا ما ثبت له عدم مشروعيته.
فالقاضي الإداري من حيث أدائه لأعماله داخل المؤسسة القضائية الحديثة العهد يهدف إلى تحقيق مشروعية عمل الإدارة من خلال معالجته للمنازعات التي تعرض عليه وبالخصوص عن طريق دعوى تجاوز السلطة Recours ) (pour exces de pouvoir أو دعوى الإلغاء ( en annulation Recours ) باعتبارها تهدف إلى إلغاء القرارات الإدارية المخالفة للقانون، وذلك بقصد البت فيها حسب قرارات تشكل على المدى القصير والبعيد فقها وقضاء يكون ركيزة القانون الإداري الجزائري الحديث إلى جانب التعاليق والاجتهادات والتأليف التي ينشرها من حين لآخر أساتذة مختصون في ميدان القانون العام.
فدور القاضي الإداري يهدف إلى تحقيق مشروعية أعمال الإدارة من خلال تطبيقها لمختلف النصوص التشريعية والتنظيمية، ومبدأ المشروعية عندما يصل إليه القاضي الإداري فإنه يجب على الإدارة أن تحترم القاضي وهو يقوم بوظيفته القضائية، وذلك باحترام الأحكام الصادرة منه وتنفيذها، باعتبار أن تنفيذ الأحكام القضائية يضفي على الدولة هيبتها ومصداقيتها، والتنفيذ خصيصة لصيقة بالأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي فيه ([71]) وبدون التنفيذ تبقى هذه الأحكام مجرد حروف ميتة وعملاً ذهنياً قام القاضي الإداري باعتصار جهده لإظهار الحقيقة القانونية، دون أثر فعلي في تغيير الحقيقة الواقعية.
واذا كان تنفيذ الأحكام الصادرة من القاضي الإداري أمراً مطلوباً من الإدارة وتتقبله بصدر رحب وحسن استعداد بعد أن تكون عرضت وجهة نظرها على القاضي. كما تترصد الإدارة إلى كل الأحكام فيما يتعلق بتطبيق القانون، وتكون مجموعة منظمة ومصنفة ترجع إليها عند الحاجة، فيكون هذا التنظيم عاملاً هاماً يجنبها إلغاء قراراتها، خاصة وأنها راعية للصالح العام وهي المهيمنة على إدارة المرافق العامة والعمل على انتظام سيرها. ولذلك فإن للإدارة أن تتخذ إزاء حريات الأفراد وأموالهم من الإجراءات ما يكفل حماية المصلحة العامة، ويحقق غايات الإدارة ويمكنها من أداء وظيفتها على الوجه الأكمل ([72]).
والإدارة عندما تعترف بدفع التعويضات المحكوم بها دون تأخير التنفيذ أو إصرار على عدم التنفيذ، وعندما تنفذ حكم الإلغاء مستندة إلى إعادة الأوضاع على ما كانت عليه تكون قد التزمت مبدأ المشروعية.
ولكي تكتمل لنا الصورة على أحسن ما يرام فإننا سنتعرض إلى حجية الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري في المطلب الأول، ثم إلى مبدأ تنفيذ هذه الأحكام في المطلب الثاني، أما مسؤولية الإدارة عن عدم تنفيذ الأحكام الإدارية فسنتعرض لها في المطلب الثالث.
المطلب الأول
حجية الأحكام القضائية الإدارية
إن الأحكام الصادرة في دعاوى القضاء الكامل تحوز حجية مقصورة على أطراف الخصومة التي صدر فيها الحكم دون غيرهم، ولهذا فليس للغير ممن ظلوا خارج الخصومة الاحتجاج أو الاستفادة بالحكم القضائي.
وحجية الشيء المقضي فيه تلعب دوراً رئيسياً ومعتبراً للمحافظة على النظام داخل المجتمع، فالأحكام يجب أن تعتبر ذات حرمة مطلقة إذا اكتسبت حجية الشيء المقضي فيه. وبالتالي لا يجوز طرحها مرة أخرى للمناقشة، وقد اعتبر الفقهاء – على الدوام – حجية الأحكام مبدأ قانونياً أوجده تعامل قانوني طويل لنشر الطمأنينة وتحقيق المصلحة الاجتماعية، وبدون القبول بهذا المبدأ يظل الناس تحت تهديد مستمر، يقلق حياتهم وينشر فيهم الذعر والهلع بصورة دائمة، لذلك لا يجوز المساس بهذه الحرمة، تحت ستار البحث عن أخطاء ارتكبت، حتى لا يتعرض استقرار المجتمع إلى هزات ضارة وبالتالي إحداث الفوضى داخل المجتمع ([73])
كما أن حجية الأحكام تكون لمن كانوا أطرافاً في الدعوى، ويجب التفرقة بين أنواع الإلغاء فقد يتناول القرار بأكمله (annulation totale) وقد يقتصر على جزء منه ويكون الإلغاء جزئياً (annulation partielle) بمعنى أن الإلغاء يكون شاملاً لجميع القرار أو يقتصر على جزء منه، وقد ذهبت المحكمة الإدارية العليا في حكم لها إلى أن: “حجية الأحكام الصادرة بالإلغاء تعتبر من النظام العام. وأن المركز التنظيمي متى انحسم النزاع في شأنه بحكم حاز قوة الشيء المحكوم فيه، فقد استقر به الوضع الإداري نهائياً، فالعودة لإثارة النزاع فيه بدعوى جديدة هي زعزعة لهذا الوضع الذي استقره ([74])
والقرار القضائي الصادر من القاضي الإداري، هو حكم بمعنى الكلمة، يترتب عليه إعدام القرار من يوم صدوره، وعلى الإدارة أن تعيد الحال إلى ما كانت عليه لو لم يصدر هذا القرار إطلاقاً مهما كانت النتائج، وليس للإدارة أن تمتنع عن تنفيذ حكم الإلغاء بحجة وجود صعوبات مادية معينة.
غير أنه في فرنسا خول مجلس الدولة الفرنسي للإدارة حق امتناع الأحكام القضائية، إذا كان تنفيذها يؤدي إلى إثارة اضطرابات جسيمة تهدد الأمن العام بشكل ([75]) ولئن كان الأصل أنه لا يجوز امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي والا كان تصرفها مخالفاً للقانون “إلا أنه إذا كان يترتب على تنفيذه – فوراً – إخلال خطير بالصالح العام يتعذر تداركه كحدوث فتنة أو تعطيل سير مرفق عام فيرجح عندئذ الصالح العام على الصالح الفردي الخاص، ولكن بمراعاة أن تقدر الضرورة بقدرها، وأن يعوض صاحب الشأن إن كان لذلك محل” ([76])والمبدأ يقتضي أن الإدارة تصرفت تصرفاً غير سليم مما جعل القاضي يحكم بإلغاء القرار الصادر منها، ومادام هي التي تسببت بتصرفها غير السليم وخلق وضع قانوني كان مثار دعوى إلغاء، فإن هذا يجعلها تلتزم بالحكم القضائي الصادر، فحكم إلغاء القرار الصادر بالفصل يستتبع إعادة الموظف المفصول إلى ذات درجته ووظيفته وكأنه لم يفصل، ولا يقبل من الإدارة احتجاجها بشغل الوظيفة نتيجة تعيين، وقد ذهب القضاء في مصر منذ مدة إلى تأكيد حجية الأحكام بقوله : “إن الأحكام الصادرة بإلغاء القرارات الإدارية إنما تقرر هذا الإلغاء لتصويب التصرفاًت الإدارية تحقيقاً للصالح العام، ومن ثم كان الحكم بالإلغاء حجة على الكافة، ولكل شخص أن يتمسك به فلا يجوز أن يكون موضوعاً لمساومة أو تنازل من ذي شأن فيه، والا كان ذلك إبقاء على المخالفة القانونية التي شابت القرار المحكوم بإلغائه، وتفويتا لثمرة الحكم، الأمر الذي يتعارض مع الصالح العام، وعلى ذلك يكون باطلاً ولا يعتد به التنازل الذي تستند إليه الحكومة، وبالتالي لا يصلح مبررا قانونياً لامتناعها عن تنفيذ الحكم” ([77])
فقضاء الإلغاء وما يفضي إليه من إعدام القرار الإداري، فهو رجعي في قضائه بعدم المشروعية، فوري في قضائه بإلغاء. واعتبار القرار الملغي رجعي يعتبر قراراً منعدماً فاقداً صفته الإدارية، وبالتالي فإن أي عمل من أعمال الاستمرار في تنفيذه بعد حكم الإلغاء يندرج ضمن أعمال التعدي voie de fait ([78]) وقد لاحظ المشرع مسألة نفاذ قرارات القضاء الإداري وقوة حجتها في التطبيق، بحيث يصبح القرار الواقع إبطاله كأنه لم يصدر، وأنه يتعين على الإدارة المعنية بالإلغاء إعادة الوضعية القانونية السائدة قبل حصول القرار، “وان لم تفعل فإنها تكون عرضة للجزاء باعتبار أن عدم التنفيذ الذي قد تركن إليه الإدارة يصير ذمتها عامرة من أجل خطأ فاحش، وبالتالي تكون مستهدفة للحكم عليها بالغرم، ومعنى هذا أن المدعي الصادر لفائدته قرار الإلغاء في صورة امتناع الإدارة عن تنفيذ مقتضيات القرار وما يترتب عليه من أثار قانونية يسوغ له أن يقيم دعوى على الإدارة المتقاعسة من جديد لجبرها في هذه المرة على أداء غرامة تعادل الضرر اللاحق به من جراء امتناعها من التنفيذ، علاوة على المطالبة بتنفيذ قرار الإلغاء” ([79]).
من خلال ما سبق يتضح لنا بأن المقصود بحجية الشيء المحكوم به، أن المحكمة أو القاضي الإداري قد أصدر حكمه القضائي وليس للقضاء في هذه الحالة أن يرجع عما قضى به أو أن يعدل فيه، وان كان للقضاء حق تفسير القرار القضائي وتصحيح ما قد وقع فيه من خطأ مادي هذا من ناحية الشكل.
أما من ناحية الموضوع فإن الحكم الصادر يعتبر عنواناً للحقيقة والعدالة، وبالتالي لا يجوز عرض النزاع على محكمة أخرى، والحكم الصادر في دعوى الإلغاء يؤدي إلى إعدام القرار الإداري سواء كان هذا القرار فردياً أم تنظيمياً بأثر رجعي، وباعتباره كأن لم يكن، مثله مثل سحب القرار الإداري من جهة الإدارة.
وتعني الحجية المطلقة للحكم الصادر بدعوى الإلغاء أن يتمسك بها كل فرد، كما تمنع الحجية المطلقة من نظر أية دعوى أخرى بصدد نفس القرار الإداري المحكوم بإلغائه، ويحكم القاضي الإداري برفض الدعوى إذا عرض عليه النزاع مرة أخرى بحجة سبق الفصل فيها، أو لانقضاء مصلحة المدعى في إقامة الدعوى بشأن قرار إداري سبق الحكم بإلغائه، وتتعلق حجية الحكم الصادر بإلغاء بالنظام العام، لاتصال الحكم باستقرار الأوضاع والمراكز القانونية التي حسمها في منطوقة ([80])
المطلب الثاني
مبدأ تنفيذ الأحكام الصادرة عن القاضي الإداري
بعد صدور الحكم القضائي عن القاضي الإداري وحيازته لقرينة الشي، المقضي فيه، فإن الإدارة في هذه الحالة ملزمة بتنفيذه، ويقع على الإدارة العامة واجب مد يد العون والقوة العمومية لمساعدة الجهات المعنية على تنفيذ أحكام القاضي الإداري، ويظهر ذلك من خلال نص المادة ٣٢٠ من قانون الإجراءات المدنية التي تأمر “جميع أعوان التنفيذ بتنفيذ الأحكام. وتدعو رجال القوة العمومية إلى تقديم المساعدة اللازمة لتنفيذها ([81])
غير أن تنفيذ أحكام القضاء كثيراً ما تسلم به الإدارة، ويجب التمييز هنا بين ما إذا كان عدم التنفيذ صادراً عن سوء نية الإدارة بسبب أن القرار الصادر عن اجتهاد قضائي، فتمتنع مع علمها بصلابة الاجتهاد وثباته وذلك من أجل إظهار استيائها أو تثبيط عزم خصمها، وهنا ذهب مجلس الدولة في فرنسا ببيان الطابع الاجتهادي للقضاء الإداري كمصدر للقانون، وحكم على الإدارة بسبب الخطأ الذي ارتكبه في انتهاك القاعدة التي وضعها الاجتهاد ([82]). وقد تلزم الإدارة حتى ولو لم تكن طرفاً في النزاع أن تسهم في تنفيذ القرار الصادر عندما تأمرها الصيغة التنفيذية بتقديم مساعدتها للمتقاضي ([83]). كما ترتكب خطأ برفض تقديم مساعدتها إلا أن تعطي أسباب رفضها، وهذا يعطي لصاحب الحق التعويض على أساس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة ([84]).
ولكن موضوع مطلبنا هذا الأساس هنا، هو مبدأ تنفيذ القرار الصادر عن القاضي الإداري إذا حكم بإبطال أعمال الإدارة أو إدانتها بالتعويض، مع العلم مأنه سبق لنا وأن بينا بأنه لا يجوز للقاضي الإداري إعطاء أوامر للإدارة باستثناء إجراءات التحقيق، كما يمتنع عليه تضمين حكمه إلزام الإدارة بتنفيذ ما صدر عنه باعتبار أنه لا يمكنه توجيه أوامر مباشرة إلى الإدارة، ولتسهيل مهمة تنفيذ قرارات القاضي الإداري نظم المشرع في فرنسا – عن طريق قانون صدر في ١٩٩٨ - الحصول مباشرة على هذا التنفيذ بدون اللجوء مرة أخرى إلى القضاء عندما يتعلق الأمر بإدانة إدارة بالتعويض عن الضرر الذي سببه خطؤها أو بدفع تعويض مالي محدد في القرار ذاته، وينبغي أن يكون القرار قد اكتسب حجية الشيء المقضي فيه، كما ينبغي أن يتضمن القرار الصيفة التنفيذية. وفي وسع الإدارة الأخذ بتأمين الاعتمادات المالية لتنفيذ قرار القضاء في مهلة أقصاها ستة أشهر اعتباراً من التبليغ، ويخطر الدائن ضمن المهلة نفسها بأمر الصرف أو الحوالة، وبوسع من صدر القرار لصالحه مراجعة الخزينة العمومية خلال مدة أربعة أشهر بطلب الدفع بناء على تقديم صورة عن قرار القضاء الحائز لقوة الشيء المقضي فيه، ومحتويا على الصيغة التنفيذية، وعلى المحاسب دفع الحوالة خلال مدة شهر ([85]).
وقد عمل مجلس الدولة في فرنسا على تنفيذ قرارات القضاء الإداري وتنوير الإدارة حول تنفيذ قرار يلغي عملاً إدارياً لتجاوز السلطة.
وإذا رفضت الإدارة تطبيق تنفيذ قرار قضائي، فإنه يعود للمستفيد من القرار القضائي أن يطلب من الإدارة التنفيذ ليتمكن من الطعن في رفضها، وبالتالي يمكن إقحام مسؤولية الإدارة.
وقد أتاح قانون ١٦ جويلية ١٩٨٠ المتعلق بالتغريم المالي لمجلس الدولة في فرنسا في حال عدم تنفيذ قرار صادر من جهاز قضائي إداري تأكيد جهوده بنجاحه في إقناع الإدارة بتنفيذ أحكام القضاء الإداري، فير أنه رغم ذلك فأن مجهوداته تعتبر غير كافية إذا أخذت في الاعتبار عدد الشكاوي الواردة على مجلس الدولة ([86]) ورغم الوسائل التي تضمنها القانون رقم 539 المؤرخ في ١٦ جويلية ١٩٨٠ والتي تتلخص فيما يلي :
١ - إمكانية الحكم على الإدارة التي تتماطل في التنفيذ سواء في مادة الإلغاء أو في مادة التعويض المالي بغرامة يومية Astreintejournal وهي عبارة عن مبلغ مالي تدفعه الإدارة المتقاعسة عن التنفيذ.
٢ - إقرار مبدأ مسؤولية الموظف الشخصية للموظف المتسبب في الغرامة اليومية على الإدارة، وهذه المسؤولية يؤاخذ على أساسها الموظف الذي يثبت خطأه الشخصي أمام دائرة مراقبة التصرف في الميزانية.
3 - في ميدان الأحكام القضائية بأداء مبالغ مالية وإقرار أجل قدره أربعة أشهر يمكن للمحاسب العمومي Comptable public عندما لا يصدر له بإذن بالدفع من الشخص المكلف الآمر ordonnateur طيلة أجل الأربعة أشهر منذ تبليغه بالحكم المطلوب تنفيذه والمشمول بالصيغة التنفيذية، أن يتولى عملية الدفع فوراً بدون توقف على إذن له في ذلك.
وعلى هذا المنوال نسج المشرع الجزائري في المادة ١٤٥ من دستور ١٩٩٦ قاعدة عامة، هدفها حماية مبدأ السير المنتظم للمرافق العامة، وهو تنفيذ أحكام القضاء الإداري بصفة مطلقة، وأن عدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري من طرف الإدارة يعد بمثابة خطأ جسيم، وخاصة إذا ما علمنا بأن الإدارة تهدف إلى المحافظة على النظام العام والمصلحة العامة، ولا شك بأن خير وسيلة لحفظ النظام العام والمحافظة على المصلحة العامة تتمثل في التزام الإدارة بتنفيذ أحكام القاضي الإداري، ولهذا سارع المشرع الجزائري بإصدار القانون رقم ٩١ - ٠٢ المؤرخ في ٨ يناير ١٩٩١ والذي يحدد القواعد الخاصة المطبقة على بعض أحكام القضاء ([87]). فالسلطة عنصر كامن في الإدارة، وتحقيق المنفعة العامة للمجتمع غايتها، ويربط بين فكرة السلطة العامة وفكرة المنفعة العامة امتياز تنفيذ الأحكام باعتبار أن الفرد العادي يلجأ إليها لتنفيذ حكم القضاء إذا صدر لصالحه وهو يستعين بها من أجل تمكينه من ذلك ([88]). فما بال الإدارة والقرار القضائي صادر بعدم مشروعية تصرفها ([89]).
المطلب الثالث
مسؤولية الإدارة عن عدم تنفيذ أحكام القاضي الإداري
إن تنفيذ الأحكام الإدارية، أثار التساؤل حول كيفية العمل إذا امتنعت الجهة الإدارية المحكوم عليها بالانصياع للحكم الإداري، ورفضت هذه الجهة تنفيذ هذا الحكم، ذلك أنه إذا كانت الدولة الحديثة دولة قانون فإنه يجب أن تنفذ فيها الأحكام القضائية النهائية، ومنها الأحكام الصادرة ضد الإدارة لفائدة الأفراد العاديين أو الموظفين العموميين، فإذا امتنعت عن تنفيذ هذه الأحكام النهائية ماذا يستطيع الفرد المضرور أن يفعله – والحالة هذه – خصوصاً وأن أموال الدولة غير قابلة للحجز عليها ؟
١ – امتناع الإدارة عن التنفيذ بحجة النظام العام :
وتبنى القاضي الإداري منذ البداية مسؤولية الإدارة عن عدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري ([90]). ويظهر ذلك أيضأ في القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بتاريخ ٢٠ جانفي ١٩٧٩ والقاضي بمسؤولية الإدارة على أساس الخطأ الجسيم ([91]) وهذا ما ذهبت إليه الغرفة الإدارية أيضأ، عندما أقر مجلس قضاء الجزائر مسؤولية وزارة العدل وولاية الجزائر على أساس الخطأ الجسيم معتبراً أنه لا وجود لأي سبب من أسباب النظام العام يدعو إلى عدم تنفيذ الحكم الصادر عن القضاء، كما أن النظام العام – وفق الغرفة الإدارية لمجلس قضاء الجزائر – هو مجموع القواعد الضرورية لحفظ السلم الاجتماعي الذي ينبغي الحفاظ عليه ليتمكن كل ساكن في مجموع التراب الوطني من ممارسة سلطاته المشروعة في حدود حقوقه الشرعية في مكان إقامته. إن النظام العام مفهوم متغير من زمن إلى آخر ومن وسط اجتماعي إلى آخر، وهكذا يظهر بأن المدعي لم يمس النظام العام في شيء بل بالعكس فإنه طبق عليه تطبيقاً غير مناسب، وقد جاء في إحدى حيثيات القرار أنه لا يمكن “أن يحول النظام العام إلى تعسف في استعمال الحق بخرق القواعد الأولية الخاصة بحماية حقوق المواطن ([92]). واعتبر النظام العام على أنه ذلك المفهوم الذي لا يمكن أن يخل بالنظام الاجتماعي ويضعه في خطر فحسب، وإنما أيضاً تأكيده وحمايته” ([93]).
2 – عدم التنفيذ يعطي الحق في التعويض :
كما أن القاضي الإداري لا يمكنه أن يجبر الإدارة على تنفيذ حكم الإلغاء، وعلى الرغم من ذلك فإن الإدارة ملزمة – رغم استقلالها – على احترام قوة الشيء المقضي فيه، ومجبرة على احترام سيادة القانون الذي يتمثل هنا في تطبيق أحكام الإلغاء الصادرة من القضاء الإداري، فإذا وقعت مخالفة لهذا الالتزام من جانب الإدارة بأي صورة، فإن صاحب الشأن يستطيع رفع دعواه إذا امتنعت الإدارة دون مبرر قانوني، وأن يطالب بالتعويض. وقد يثير الحكم الصادر من القاضي الإداري ضد الإدارة مشاكل في التنفيذ كالتأخر في التنفيذ إلى أجل غير مسمى لأكثر من ٧٣ شهراً، يفقد وقف التنفيذ طابعه المؤقت ويجعله غير مبرر، وهذا ما ذهب إليه القضاء الجزائري؟ لأنه تظهر – بصورة واضحة المماطلة والتسويف من جانب الإدارة لتأخير عملية التنفيذ إلى أجل غير محدد، لأنه من حيث إجراءات تأجيل التنفيذ المبرر، فإن الوالي لا يمنع التنفيذ وإنما يقدم طلباً إلى وكيل الجمهورية بوصفه مسؤولاً عن تنفيذ الأحكام يلتمس فيه تأجيل التنفيذ بسبب الإخلال بالنظام العام، فيأمر هذا الأخير – إذا اقتنع بأن النظام العام مهدد فعلاً – بتأجيل التنفيذ مؤقتاً لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر ([94])
غير أنه ينبغي إعطاء مهلة معقولة للإدارة لتدبر أمرها، وتستطلع رأي من ترى استطلاعه من الخبراء والفنيين والمسؤولين الإداريين الأكثر درجة، على وجه يجنبها الارتباك في عملها، وتختار الوقت الملائم، غير أنه لا يجب عليها تجاوز المدة المعقولة، فإذا امتنعت – دون حق – عن التنفيذ في وقت مناسب اعتبر امتناعها مخالفاً للقانون يوجب التعويض، ولا يجوز للإدارة الامتناع عن تنفيذ الحكم إذا ما قدرت أن تنفيذه سوف يرتب إخلالاً خطيراً بالأمن والنظام، ففي هذه الحالة يتعين تعويض المحكوم لصالحه، وقد قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه : “ولئن كان القرار لا يجوز في الأصل أن يعطل تنفيذ حكم قضائي نهائي، والا كان مخالفاً للقانون، إلا أنه إذا كان يترتب على تنفيذه فوراً إخلال خطير بالصالح العام يتعذر تداركه كحدوث فتنة أو تعطيل سير المرافق العامة، فيرجح عندئذ الصالح العام على الصالح الفردي الخاص، ولكن بمراعاة أن تقدر الضرورة بقدرها، وأن يعوض صاحب الشأن إن كان وجه لذلك” ([95]).
كما أكد القضاء الإداري الفرنسي مسؤولية الإدارة دون حاجة لإثبات الخطأ، وتوصل القاضي الإداري في فرنسا بحكمه في قضية كويتياس إلى تحميل الإدارة المسؤولية في حالة عدم تنفيذ حكم صادر عن القضاء الإداري ([96]).
غير أن الإدارة لكي تتحمل المسؤولية على أساس المخاطر يجب أن يكون امتناعها عن تنفيذ الحكم مرجعه إلى تحقيق اعتبارات تتعلق بالصالح العام، تفوق في أهميتها خطورة الامتناع عن تنفيذ حكم واجب النفاذ، وهذا ما يقدره القاضي الإداري ولا يتركه لتقدير الإدارة المطلق، كما أن التأخير يجب أن يكون غير عادي وغير مألوف كما قضى بذلك القاضي الإداري في الجزائر، عندما حكم على الإدارة بسبب اعتراضها لمدة تفوق ٣٣ شهراً في القرار الصادر عن مجلس قضاء الجزائر – الغرفة الإدارية – بتاريخ ٢٧ جانفي ١٩٨٢ ، وبذلك. ألزم القاضي الإداري أن تقوم الإدارة بتنفيذ الأحكام الصادرة منه في وقت مناسب، فإن هي امتنعت أو تقاعست في التنفيذ اعتبر قرارها قراراً سلبياً مخالفاً للقانون ويقع على عاتقها التعويض.
وللمتقاضين المستفيدين من أحكام القضاء التي تتضمن إدانة الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري أن يحصلوا على مبلغ الديون لدى الخزينة العمومية التي يقع فيها موطنهم، على أن يقدم المعنيون لأمين الخزينة عريضة مرفقة بالوثائق التي تثبت بأن إجراءات التنفيذ القضائي بقيت طيلة شهرين بدون نتيجة.
واذا خالف طالب التعويض هذه الإجراءات فإن القاضي الإداري لا يمكنه الاستجابة لطلباته باعتبار أنه لم يتبع الإجراءات القانونية المنصوص عليها طبقاً للقانون رقم ٩١ - ٠٢ الصادر بتاريخ ٨/١/١٩٩١ المحدد للقواعد المطبقة على أحكام القضاء ([97]).
الخاتمة:
عمل القاضي الإداري بهدوء وروية من أجل الفصل في القضايا التي تطرح عليه لإقرار مبدأ القانون دون المساس باستقلال الإدارة، وكأنه ابتعد عن الحكم على الإدارة بشيء – باستثناء التعويض – والا اعتبر قضاؤه أمرا صادرا إليها ماساً باستقلالها، أو الحكم عليها بعمل واعتبر قضاؤه حلولا محلها، وكان ذلك تدخلاً منه في صميم اختصاصها واعتداء ماساً بحريتها في القيام بوظائفها. وقد تابع القاضي الإداري التطور الإداري واتساع مجاله. كما رأينا القاضي الإداري رأيناه يحافظ على السلطة التقديرية لرجل الإدارة، وهو يمارس أعماله بلباقة فهو يحاول إرضاء نزعة الاستقلال عند الإدارة والمحافظة على حساسيتها المطلقة بالنسبة لكل امتيازاتها، وقد أدرك مهمته الأساسية وهو أن المجتمع لا يمكنه أن يعيش داخل فوضى وعدم استقرار، وأن تصرفاًت الإدارة يجب أن تكون منوطة بالمشروعية التي من مقتضاها خضوع أعمال الإدارة للرقابة القضائية.
كما أن مبدأ المشروعية الذي يقره القاضي الإداري وخضوع الإدارة بموجبه للقانون، وإخضاع أعمالها للرقابة القانونية للقضاء الإداري الذي يملك ولاية في إلغاء التصرفاًت المعيبة، لا يعتبر – بدون شك – تدخلاً في استقلال الإدارة.
والقاضي الإداري يحاول دائماً إرضاء نزعة الاستقلال عند الإدارة بالوقوف عند مجرد الإلغاء، وترك ما يترتب على ذلك الإلغاء للإدارة تحققه بنفسها. والحرية التي يتركها القاضي الإداري للإدارة في عملية إجراء التنفيذ هو نوع من السياسة القضائية التي تكشف عن حكمة القاضي الإداري وحسن تقديره للأمور. وبدون شك في أن هذا الاحترام الذي يبديه القاضي الإداري للإدارة يجعلها تبادله الشعور نفسه بحيث تلتزم وتحترم حساسيته، ويحفزها على الامتثال لتنفيذ ما صدر عنه. غير أن مراعاة حساسية الإدارة فوق اللازم لا يصلح حجة في منطق القانون، كما أن الإدارة الرشيدة ترحب إذا ما تعثرت في تطبيق القانون أن يبين لها قاضيها السبل الصحيحة لإعلاء كلمة القانون.
- وخلاصة القول في نهاية بحثنا هذا هو أن قضاءنا الإداري – رغم أنه يشكل خطوة عملاقة في سبيل سيادة القانون – فإنه لا يزال يشكو على مستوى التشريع والتنظيم الهيكلي والتوزيع الترابي، بحيث إن المحاكم الإدارية لا زالت لم تنصب لحد يومنا هذا بصفة نهائية وشاملة رغم صدور القانون.
كما أنه لا بد من وضع قانون أساسي لأعضاء المحكمة الإدارية؟ لكي يقوم القاضي الإداري بدوره الذي ينتظر منه الكثير نحو تحقيق مشروعية عمل الإدارة وسد الفراغ الموجود في نظامنا التشريعي، بتشييد صرح قانون إداري جزائري قوامه التناسق والانسجام، وهدفه الأسمى فتح أفاق جديدة من أجل تقنين القانون الإداري.
The Relationship of Administrative Judge with Administration
Dr. Hocine Fridja
The administrative judge has a close relationship with adminstration , He is considered a control tool, However he can’t replace the management and work of administration or its competence, The administrative judge fix its decisions and finish someones, staying his authority when he cancel the wrong decision or confirm disputed rights or compensation arrangement.
The administrative judge always tries to satisfy the admistration independence when he welcomes the good governance in the application of the law that the administrative judge shows her the correct way to respect the law.
[1] الدكتور السيد محمد إبراهيم، مبدأ الفصل بين الهيئات الإدارية والقضائية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الإسكندرية – العدد الأول السنة الخامسة عشرة ١٩٧٠ . ص ٦٣ .
[2] إن مبدأ الفصل بين السلطات الذي كرسته الثورة الفرنسية طرح بعبارات واضحة وحازمة منع محاكم القضاء العادي من النظر في أعمال الإدارة، كما لجأ البعض إلى أن يستمد من مبدأ سيادة الدولة حجته لإخراج أعمال الإدارة من رقابة القاضي.
[3] الأستاذ أحمد محيو، محاضرات المؤسسات الإدارية. ترجمة د. محمد عرب صاصيلا -الطبعة الرابعة ١٩٨٦، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ص ١٦ وما بعدها.
[4] السلم الرئاسي، درجة تفرضها طبيعة النظام الإداري، لأنه وطبقا لقانون الوظيفة العامة فإن كل موظف يخضع في ممارسة أعمال وظيفته لموظف آخر يعلوه درجة، ويقابل السلطات المقررة للرؤساء مسؤوليتهم عن تصرفاتهم الشخصية. فضلا عن مسؤولياتهم عن تصرفات الموظفين الخاضعين لسلطاتهم.
انظر: الدكتور محمد آنس قاسم جعفر، مبادئ الوظيفة وتطبيقها على التشريع الجزائري، مطبعة إخوان القاهرة ١٩٨٢ ص 128).
[5] أعمال السيادة بطبيعتها أعمال إدارية ولكنها بمنجاة من كل رقابة قضائية، مهما كانت عدم مشروعيتها أو الآثار الضارة المترتبة عليها.
[6] قرار الغرفة الإدارية – المحكمة العليا بتاريخ ٢٩ / ١٢ / ١٩٨٤ قضية (ح س ق) ضد (والي البليدة) المجلة القضائية – العدد الرابع ١٩٨٩ ، الجزائر، ص ٢٢٧ .
[7] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بتاريخ ٧ / ١ / ١٩٨٤ قضية (ي ج ب) ضد (وزير المالية) المجلة القضائية – العدد الرابع ١٩٨٩ - الجزائر ص ٢١ ومما جاء في حيثياته ما يلي: “حيث إن إصدار وتداول وسحب العملة يعد إحدى الصلاحيات المتعلقة بممارسة السيادة.
حيث إن القرار المستوحى بالتالي من باعث سياسي غير قابل للطعن فيه بأي من طرق الطعن، وأن القرار الحكومي المؤرخ في ٨ أفريل ١٩٨٢ والقاضي بسحب الأوراق المالية من فئة ٥٠٠ دج من التداول، وكذا قرار فاتح جوان ١٩٨٢ الصادر عن وزير المالية المتضمن تحديد قواعد الترخيص بالتبديل خارج الأجل، هما قراران سياسيان يكتسبان طابع أعمال الحكومة، ومن ثم فإنه ليس من اختصاص المجلس الأعلى لا فحص مدى شرعيتها، ولا مباشرة رقابة على مدة التطبيق”.
[8] 475 . C.E,29.4.936 DameRouaix.Rec.P
[9] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بتاريخ ٢٥ / ٦ / ١٩٨٣ قضية (خ. أ) ضد (السيد الوالي) – (وزير الداخلية) المجلة القضائية، العدد ٣ ، سنة ١٩٨٩ ص ١٨٤.
[10] قرار الغرفة الإدارية – المحكمة العليا بتاريخ ٩ / ٧ / ١٩٨٣ قضية (ص، ط) ضد (الوالي) المجلة القضائية العدد ٣ سنة ١٩٨٩ ص ١٨٧ ، ومما جاء في حيثيات القرار “حيث إن المادة 7 الفقرة الأولى من قانون الإجراءات المدنية تنص على أن المنازعات المتعلقة بالإيجارات الفلاحية والأماكن المعدة للسكن أو لمزاولة مهنة أو الإيجارات التجارية وكذا في المواد التجارية والاجتماعية هي من اختصاص المحكمة”.
[11] قرار الغرفة الإدارية المجلس الأعلى بتاريخ ١٨ / ٥ / ١٩٨٥ - قضية الشركة الجزائرية أم) ضد (وزير التجارة – الشركة الوطنية للأروقة الحديثة الجزائرية)، المجلة القضائية، العدد ١ ، سنة ١٩٨٩ ، ص ١٥٩ .
[12] الغرفة الإدارية المحكمة العليا بتاريخ ٢٢ كتوبر ١٩٨٨ قضية (وب ي) ضد (و، وس، ب، وو د م) المجلة القضائية، العدد ٣ - ١٩٩٩ ص ١٤٣ .
[13] قرار الغرفة الإدارية المحكمة العليا بتاريخ ٢١ أفريل ١٩٩٠ قضية (ف، م) ضد (وزير العدل) المجلة القضائية العدد ٣ - ١٩٩٢ ص ١٥١ .
[14] الدكتور السيد محمد إبراهيم، مرجع سابق ص 69 .
[15] C.E.24.12.1926.bondinc.recueuil.p.l 1533).30.5.1945.boitard.Rec.p.l09
[16] C.E.. societe. Cooperative de L’Etat14.2.1936.P200.
[17] C. E..Rochemont. Ree 25.3.193.p343.
[18] حكم مشار إليه من الدكتور السيد محمد إبراهيم مرجع سابق ٧٠ .
[19] مشار إليه في المرجع السابق ص ٧١ .
[20] جورج فودال، بيار دلفولفيه، القانون الإداري، ترجمة منصور القاضي، الجزء الثاني، الطبعة الأولى المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ٢٠٠١ ص ١٨٥ .
[21] صدر قانون الوظيفة العمومية في الجزائر في ٢ جوان ١٩٦٦ .
[22] الأستاذ حامد مصطفى، القضاء الإداري في الطرق، الحلقة المدرسية الأولى ٢٣ - ٢٧ أكتوبر ١٩٦٠ - القاهرة ص ٢٨٨.
[23] C.E.26.12.1925.Rodire.Rec.P.1065.
[24] الدكتور سعد عصفور، الدكتور محسن خليل، القضاء الإداري، منشأة المعارف الإسكندرية ص ٧٨.
[25] الدكتور أحمد محيو، محاضرات في المؤسسات الإدارية، ترجمة د. محمد عرب صاصيلا، ديوان المطبوعات الجامعية الطبعة الرابعة ١٩٨٦ ص ٣١٦.
[26] الدكتور السيد محمد إبراهيم، مبدأ الفصل بين الهيئات الإدارية والقضائية، مرجع سابق ص ٨١.
[27] المواد ٣٤١ ، ٣٤٢ ق.م وما بعدها.
[28] جورج فودال – بيار دلفولفيا، القانون الإداري، الجزء الثاني، ترجمة منصور، مرجع سابق ١٤٢ .
[29] جورج فودال – بيار دلفولفيه، مرجع سابق ١٤٣ .
[30] CE.23.oct. 1988 banque de france.c/Huberschwiller.Rec Note Baptiste, p.603.
[31] حكم المكمة الإدارية العليا بتاريخ 5/11/1955 مجموعة العشر سنوات ص 1191.
[32] الدكتور سليمان محمد الطماوي، مشكلة استبعاد المشرع بعض القرارات الإدارية من رقابة القضاء الإداري، الحلقة الدرامية الأولى – المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ٢٣ - ٢٧ أكتوبر 1960 - القاهرة ص ٣١٤ .
[33] قرار المحكمة العليا – الغرفة الإدارية.
[34] فريدة أبركان، رقابة القاضي الإداري على السلطة التقديرية للإدارة، مقال منشور بمجلة مجلس الدولة العدد 1- ٢٠٠٣ ص ٣٧.
[35] الدكتور سعد عصفور، الدكتور محسن خليل، القضاء الإداري، مرجع سابق ص ٦٠ وما بعدها.
[36] قرار الغرفة الإدارية المحكمة العليا المجلة القضائية العدد ٤ - ١٩٩٣ الجزائر ص ١٧٧ ، وقد جاء في القرار الصادر بتاريخ ١٨/٦/ ١٩٨٨” أن إدارة التجنيد أعفت الطاعن من الخدمة الوطنية خطأ وبررت خطأها بأنها أخلطت بينه وبين شخص آخر مولود في نفس اليوم ويحمل نفس الاسم وأن تراجعها على قرار الإعفاء والاحتجاج بخطأ مرتكب من قبلها بعد ثماني سنوات يعد تجاوزاً للسلطة.
[37] مجموعة المبادئ القانونية – محكمة القضاء الإداري – السنة ١٠ ، ص ٢٣١ حكم رقم ٢٤٣.
[38] مجموعة المبادئ القانونية – محكمة القضاء الإداري – السنة ١٠ ، ص ٢٠ حكم رقم ٢٠ .
[39] مجموعة مجلس الدولة لأحكام القضاء الإداري السنة ٦ ص ١٠٠٨ حكم ٣٨٩ ، وقد جاء في هذا الحكم ما يلي: “يشترط لصحة الاستناد إلى الحصانة التي تكتسبها القرارات الإدارية بفوات مواعيد طلب إلغائها أن تكون تلك القرارات منشئة لمراكز قانونية لأصحاب الشأن فيها، صادر عن السلطة التقديرية المخولة للجهات الإدارية بمقتضى القانون. أما إذا كانت تلك القرارات ليست إلا تطبيقاً لقواعد آمرة تنعدم فيها سلطتها التقديرية من حيث المنح أو الحرمان فإنه لا يكون ثمة قرار إداري منشئ لمركز قانوني، وإنما يكون القرار مجرد تنفيذ وتقرير للحق الذي يستمده الموظف من القانون مباشرة”.
[40] الدكتور محمد فؤاد مهنا، القرار الإداري في القانون الإداري المصري والفرنسي، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية السنة السابعة ١٩٥٩ ص ٥٧.
[41] الدكتور محمد فؤاد مهنا، القرار الإداري في القانون الإداري المصري والفرنسي، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية السنة السابعة مطبعة جامعة الإسكندرية ١٩٥٩ ص ٦٠ وما بعدها.
[42] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بتاريخ ٨ / ١٠ / ١٩٨٣ ، المجلة القضائية العدد ٣ - ١٩٨٩ ص ١٩٠ ، وقد جاء في حيثيات هذا القرار: “حيث إنه ليس من سلطات الرئيس أو المجلس الشعبي الحلول محل الجهة القضائية والبت في قضية من قضايا الملكية أو شغل مكان ما يخص المواطنين إذ أن دورها يجب أن لا يتعدى في تحقيق المصالحة بين الطرفين حيث إن القرار المتخذ بالتالي على النحو السابق عرضه مشوب بعيب تجاوز السلطة الواضح ويستوجب من أجل هذا البطلان”. – فريدة أبركان رقابة القاضي الإداري على السلطة التقديرية للإدارة، مجلة مجلس الدولة العدد 1 -2003 ص39.
[43] الدكتور سعد عصفور، الدكتور محسن خليل، مرجع سابق ص ٩١ .
الدكتور سليمان محمد الطماوي – القضاء الإداري فضاء الإلغاء دار الفكر العربي – القاهرة ١٩٦٧ ص 50.
[44] الدكتور أحمد محيو، محاضرات في المؤسسات الإدارية ديوان المطبوعات الجامعية ص322.
[45] قرار المحكمة العليا الغرفة الإدارية بتاريخ ٢٦ / ٠٥ / ١٩٨٤ قضية (ز، ب) ضد (والي ولاية البليدة، وزير الداخلية) “من المقرر قانوناً أن المجلس الشعبي الولائي، مطالب بإبداء رأيه قبل التصريح بالمنفعة العمومية، ومن ثم فإن قرار والي الولاية المصرح بالمنفعة العمومية، الذي لم يشر فيه إلى ما يفيد طلب أو صدور هذا الرأي يكون باطلاً ولا أثر له “. منشور بالمجلة القضائية العدد الرابع ١٩٨٩ ص ٢٢٠ وما بعدها.
[46] الدكتور سليمان الطماوي، القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، دار الفكر العربي – القاهرة ١٦٧ ص ٤٩.
[47] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الصادر بتاريخ 15/ ٦/ ١٩٨٥ قضية (ف، ب، ع) ضد (وزير التربية الوطنية ومدير التربية والثقافة لولاية الجزائر) وقد جاء في حيثيات هذا القرار ما يلي “حيث إن المادة ١٨ الفقرة ٢ من المرسوم رقم ٣٠٢ - ٦٨ المؤرخ في ٣٠ ماي ١٩٦٨ تنص على أن وزير التربية الوطنية هو الذي ينطق بعقوبات الدرجة الأولى دون نشر.
حيث إن عقوبة التوبيخ المسلطة على المعنية، داخلة ضمن عقوبات الدرجة الأولى المنصوص عليها في المادة 55 من القانون الأساسي للوظيف العمومي.
حيث إن القرار المطعون فيه الصادر عن نائب مدير التربية لولاية الجزائر متخذ من طرف سلطة إدارية غير مختصة”.
[48] الدكتور سعد عصفور، الدكتور محسن خليل، القضاء الإداري، مرجع سابق ص ٩٥ .
[49] جورج فودال، بيار لقولفيه، القانون الإداري، الجزء الثاني، ترجمة منصور القاضي 2001ص229.
[50] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الصادر بتاريخ ٢٦/٥/١٩٨٤، قضية أ. ل. خ ضد (وزير الخارجية) المجلة القضائية العدد ٤ - ١٩٨٤ الجزائر ص ٢١٥ ومما جاء فيه “متى كان من الثابت من المبادئ المعمول بها أن القرارات الفردية الضارة بالأفراد لا تطبق في حقهم بأثر رجعي وإنما تطبق ابتداء من تاريخ قرار التصريح بالعقوبة، ومن ثم فإن القرار الإداري الذي يقضي بعقوبة تأديبية خلافاً لما ورد في أحكام هذا المبدأ يعد مخالفاً للقانون إذا كان الثابت في قضية الحال أن وزير الخارجية للشؤون الخارجية أصدر بتاريخ ١ / ٤ / ١٩٨٢ قراراً يتضمن عزل موظف بأثر رجعي ونص فيه على سريان مفعوله ابتداء من: ٢٠/11/ ١٩٨٩، في حين أن هذا الموظف كان قد استمر في تأدية وظائفه برضى رؤسائه، وكان من المتعين على الأقل اللجوء إلى إجراء توقيف هذا الموظف بدل عزله”.
[51]perlia (G),le vice tie forme et le controle de la legalite Des Actes Adminis- tratifs,R.D.P. 1940.p 370
مشار إليه في مؤلف الدكتور سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، مرجع سابق ص ٧٨٣ ،هامش ٣.
[52] قد يشترط القانون تسبيب بعض القرارات الإدارية، وهنا يصبح التسبيب شكلاً أساسياً في القرار يترتب على إهماله بطلانه، أما إذا لم يلزم المشرع الإدارة بذلك فليس عليها حرج في أن تخفي تلك الأسباب.
[53] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الصادر بتاريخ ٣/١/ ١٩٩٣ قضية (ق، أ ) ضد (مدير الجمارك/ المجلة القضائية العدد ٣ ، ١٩٨٩ ، ص ٢٢٢ ”متى كان من المستقر عليه قضاء أنه يعتبر اللجان التأديبية مجرد هيئة استشارية فإن الآراء الصادرة عنها لا تدخل ضمن تعريف القرار الإداري، وأن القرار الذي يتخذ لاحقاً بناء لهذا الرأي هو وحده الذي يكون محلاً للطعن بالبطلان”.
[54] جورج قودال، بيار دلقولفيه، القانون الإداري، مرجع سابق ص ٢٣٢.
[55] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الصادر بتاريخ ٢٩/١٢/ ١٩٨٤ المجلة القضائية العدد ٤ - ١٩٨٩ ص ٢٢٧ ، وقد جاء في القرار ما يلي: متى كان من المقرر قانوناً أنه لا يجوز للإدارة رفض تسليم جواز سفر أو رفض تمديد أجله للمواطنين الجزائريين إذا ما رأت تنقلهم إلى الخارج من شأنه أن يمس بالنظام العام، وهذا دون أن تكون ملزمة بتوضيح أسباب رفضها ودون أن يكون تقديرها هذا قابلا للمناقشة أمام قاضي تجاوز السلطة، غير أنه إذا سببت الإدارة رفضها بتطبيق أحكام المادة 11 من الأمر رقم ٧٧/١ الصادر في ٢٣/١/١٩٧٠ فإن عليها أن تلتزم بالتطبيق القانوني الصحيح لنص هذه المادة والا تعرض قرارها للإبطال.
[56] C.E 26janvier 1900. Rec.p.5.
[57] حكم مجلس الدولة المصري ١٢ جانفي ١٩٥٣ مشار إليه الدكتور سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري الكتاب الأول قضاء الإلغاء مرجع سابق ص ٨٤٦ .
[58] حكم المحكمة الإدارية المصرية في ٢٥/٢/١٩٥٣ ، مشار إليه في الدكتور السيد محمد إبراهيم، مرجع سابق ص ١٢١ .
[59] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بتاريخ ٢٥/٢/ ١٩٨٩، المجلة القضائية العدد ٢-١٩٩١، ص ١٥٦.
[60] الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا قرار ٢٩/12/ ١٩٨٩ ص ٢٧٧.
[61] حكم المحكمة الإدارية العليا ٢٣ /ماي ١٩٥٩ السنة الرابعة ص 1315 .
[62] حكم المحكمة الإدارية العليا ١٣ ماي ١٩٦١ السنة ٦ ص ١٠٤٩ .
[63] حكم مجلس الدولة المصري الصادر بتاريخ ١٣/٤/ ١٩٤٨ ، مشار إليه الدكتور سليمان محمد الطماوي القضاء الإداري مرجع سابق ص ٩٦٣ .
[64]حكم مجلس الدولة المصري ٦ مايو سنة ١٩٥٣ .
[65]قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ ١٠ / ٧ / ١٩٨٢ المجلة القضائية العدد ١ - ١٩٨٩ ص 235 بحيث إن نزع ملكية بقرار إداري يستوجب تبليغه طبقا للأشكال القانونية المستوجبة في التبليغ القضائي إذ يسوغ للإدارة أن تسلك الطريق الإداري.
[66] حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بتاريخ ٨ ماي ١٩٥٧ وقد جاء في حيثيات هذا الحكم: “من المعلوم أنه في الحالات التي لا يشترط فيها القانون وجوب قيام سبب أو أسباب معينة لإصدار قرار معين، يكون للإدارة الحرية في اختيار ما تشاء من الأسباب التي تراها صالحة لبناء قرارها، فإن هي أفصحت عن سبب قرارها بإرادتها، كان للمحكمة أن تراقب صحة قيام هذا السبب، فإن لم تعلن عن السبب، ولم يكن هناك نص يلزمها بالإعلان، ترتب على ذلك استحالة رقابة السبب، ذلك أن الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في اختياره وتقدير ملاءمته، ثم هي تتمتع بسلطة في عدم الإعلان عنه، فالسبب موجود وقائم ولكنه يعيش في كوامن الإدارة، ولذلك فإن هذه السلطة التي تتمتع بها الإدارة في تقدير الملاءمة أو عدم الإعلان عنه تؤدي إلى انعدام الرقابة القضائية عليه، ولذلك فإن اقتران حرية الإدارة في اختيار السبب برخصتها في عدم التسبيب يؤدي إلى إلغاء التزام الإدارة بضرورة قيام قرارها على سبب وإنما تؤدي إلى خلق نوع من القرينة على صحة القرار، وهذه القرينة لا يهدمها إلا اعتراف مصدر القرار نفسه. أما حيث يقيد القانون سلطة الإدارة، وحيث يلغي كل سلطة تقديرية لها، وذلك بتحديد الوقائع التي يجب أن تبني عليها قرارها، فإن القضاء الإداري يختص برقابة قيام هذه الوقائع وتقديرها، ومفاد ما تقدم أنه إذا لم يسبب القرار، ولم تكن هناك قاعدة تلزم بتسبيبه، فإما أن يكون للإدارة سلطة اختيار السبب وعدم الإعلان عنه، وفي هذه الحالة لا توجد إمكانيات رقابة السبب، ولا تتيسر الرقابة إلا عند تطبيق فكرة الباعث وإساءة استعمال السلطة، وإما أن يكون القانون قد حدد سبباً معيناً وفي هذه الحالة يجب على القاضي إلغاء القرار إذا ما ثبت انعدام هذا السبب. ويخلص من ذلك أن قرينة قيام القرار على سبب صحيح المستمدة من عدم تسبيبه في حالة عدم وجود نص يلزم بالتسبيب هذه القرينة لا تقوم إلا بإزاء القرارات التي تتمتع قبلها الإدارة بسلطة اختيار سببها. أما حيث يقيد القانون سلطة الإدارة في اختيار هذه الأسباب تصبح شرطاً لمشروعية القرار، بحيث يتعين على القاضي رقابتها للتحقق من قيامها ومطابقتها للقانون، ولا يعطل سلطته في هذا الشأن صدور القرار غير مسبب، إذ يكون للمدعي دائماً إثبات انعدام الأسباب”. – يراجع: الدكتور سليمان محمد الطماوي – القضاء الإداري، مرجع سابق ص ٩٧٨ .
[67] الدكتور عبد الغني بسيوني عبد الله، القضاء الإداري، الدار الجامعية بيروت ١٩٩٨ ص ٥١٨ .
[68] تتمثل سلطة الإدارة في اختيار وقت إصدار القرار في سطتها التقديرية في إصدار القرار أو الامتناع من إصداره، ذلك أنها حين تصدر القرار فإن ذلك يقطع في أنها قدرت المناسبة، وان هي امتنعت عن إصدار القرار فقد يكون ذلك من بين أسباب امتناعها تقدير لعدم ملاءمة الوقت.
[69] وفي ذلك يقول Waline فالين أن مشكلة السلطة التقديرية ذات وجهين أحدهما: حماية السلطة الإدارية والثاني حماية حقوق الأفراد، ويجب التوفيق بينهما حتى لا تتوارى الحياة الاجتماعية في الفوضى أو الاستبداد.
Waline;Etendue et limiles du controle du juge Administratif sur les actes de L’Administration – Conseil d’etat etudes El doc – 1956 fasc.10. P.25.
[70] الدكتور محمد كامل: نظرية التنفيذ المباشر في القانون الإداري – دار الفكر العربي ص ٥٧ .
[71] قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا، المجلة القضائية العدد ٣ - ١٩٨٩ الجزائر ص 205 ، وقد اعتبر القرار أنه: “متى صدر قرار قضائي فصلاً في طعن من أجل تجاوز السلطة ونطق ببطلان جزئي أو كلي للقرار الإداري اكتسب الحجية المطلقة للشيء المقضي فيه، فإنه يتعين على الإدارة تجنب اتخاذ قرار أخر يتناول الأطراف نفسها ويبعث على المحل نفسه ويقوم أيضاً على السبب نفسه.
إن الإدارة التي تجاهلت قرار المجلس الأعلى – الغرفة الإدارية – بإبطال قرار متخذ منها عن تجاوز السلطة، وأصدرت قراراً آخر يخص نفس الأطراف والسبب والمحل، تكون بتصرفها المذكور قد خرقت مبدأ حجية الشيء المقضي فيه للأحكام القضائية”.
[72] يراجع في هذا، رسالتا في مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية، المقدمة لكلية الحقوق – جامعة الجزائر – ١٩٩٠ ص 156 وما بعدها.
[73] حكم المحكمة الإدارية العليا ١٨ جانفي ١٩٥٨ ، مشار إليه في الدكتور سليمان محمد الطماوي قضاء الإلغاء مرجع سابق ص ١٠٦٦
[74] ( ٧٤ ) صدر حكم لصالح كويتياس يقضي بخروج الأهالي في تونس، وحاز القرار القضائي لحجية الشيء المقضي فيه، غير أنه أثناء عملية التنفيذ ثارت فوضى واضطرابات مست بالنظام العام، فامتنعت الإدارة عن تنفيذ الحكم، وحكم مجلس الدولة بدفع تعويضات نقدية تدفع لمصلحته. يراجع:
Long (M) weil (P), Braibant(G),Les grands arrets de la jurisprudence Administratives7eme ed,sirey.paris1978.
[75] حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في ١٠ جان في ١٩٥٩ - السنة الرابعة – ص ٥٣٣، مشار إليه في الدكتور سليمان محمد الطماوي، قضاء الإلغاء، مرجع سابق، ص ١٠٦٩.
[76] حكم محكمة القضاء الإداري المصرية ١٣ مارس ١٩٥٦ السنة العاشرة ص ٢٤٨.
[77] Auby (J.M) Drago (R) Traite de contentieux Administratif, Tomel. Paris 1962. p.553.
[78] المنصف عمارة، نجاعة رقابة المحكمة الإدارية لنشاط الإدارة، محاضرة لقيت في الملتقى الذي عقدته الجمعية التونسية للعلوم الإدارية يومي ١٨ و ١٩ ديسمبر ١٩٨١ بمركز الدراسات والبحوث والنشر كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية، تونس – المجلة التونسية ١٩٨١ ص ٣٣٧ وما بعدها.
[79] الدكتور عبد الغني بسيوني عبد الله، القضاء الإداري، الدار الجامعية بيروت 1998 ص622.
[80] في القضايا الإدارية تكون الصيغة التنفيذية على الوجه التالي: “الجمهورية الجزائرية تدعو وتأمر وزير أو والي الولاية عندما يتعلق الأمر بدعوى تخص جماعة محلية فيما يخصه، وتدعو وتأمر كل أعوان التنفيذ المطلوب إليهم ذلك فيما يتعلق بإجراءات القانون العام – قبل الأطراف الخصوصيين – أن يقوموا بتنفيذ هذا القرار”.
– وتنص المادة 5 من القانون رقم ٩١ - ٠٢ المؤرخ في ٨ يناير ١٩٩١ يحدد القواعد الخاصة المطبقة على بعض أحكام القضاء “يمكن أن يحصل على مبلغ الديون لدى الخزينة العمومية وبالشروط المحددة في المواد ٦ وما يتبعها المتقاضون المستفيدون من أحكام القضاء التي تتضمن إدانة الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري”.
[81] C.E, 27 Fevrier 1979. Ministre de finances C/ Dame testrade, Rec.lebon. p. 172. Concl. thery.
[82] الدكتور مسعود شيهوب، المسؤولية عن الإخلال بمبدأ المساواة وتطبيقاًتها في القانون الإداري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر ٢٠٠٠ ، ص ٥٣ .
[83] C.E,3 Octobrel976 Ministre de L’interieur.C/Dame fiat.Rec.lebon.p.409
انظر: قضية كويتياس ٢٣ نوفمبر ١٩٢٣ مشار إليها في مؤلف الدكتور مسعود شيهوب، المسؤولية عن الإخلال بمبدأ المساواة، مرجع سابق ص ٥٣ .
[84] مرسوم ١٢ أيار ١٩٨١ ، المعدل بموجب مرسوم ١١ مارس ١٩٨٨ ، يتعلق بتنفيذ أحكام القضاء الإداري في فرنسا.
[85] جورج فودال، بيار لفولفيه، القانون الإداري، الجزء الثاني، ترجمة منصور القاضي 2001 ص 291
[86] تنص المادة ٦ من القانون ٩١ - ٠٢ المتعلق بالقواعد الخاصة المطبقة على أحكام القضاء على أنه: “يحدث في محررات الخزينة حساب تخصيص ويحمل عنوان تنفيذ أحكام القضاء المقضي بها لصالح الأفراد، والمتضمنة إدانات مالية للدولة وبعض الهيئات”.
[87] تنص المادة ٧ من القانون ٩١ - ٠٢ المتعلق بتنفيذ أحكام القضاء على أن يقدم المعنيون بالأمر عريضة مكتوبة لأمين الخزينة بالولاية التي يقع فيها موطنهم، ولكي تقبل هذه العريضة لابد أن تكون مرفقة بما يلي:
- نسخة تنفيذية من الحكم المتضمن إدانة الهيئة المحكوم عليها.
- كل الوثائق أو المستندات التي تثبت بأن إجراءات التنفيذ عن الطريق القضائي بقيت
طيلة شهرين بدون نتيجة ابتداء من تاريخ إيداع الملف لدى القائم بالتنفيذ.
[88] طبقاً للمادة ٨ من القانون ٩١ - ٠٢ المتعلق بتنفيذ الأحكام “يسدد أمين الخزينة للطالب أو الطالبين مبلغ الحكم القضائي النهائي وذلك على أساس هذا الملف وفي أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر”.
[89] قرار المحكمة العليا في الغرفة الإدارية ٢١ أفريل ١٩٦٥ قضية زرميط، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية عدد ٢ ، ١٩٦٥ ص ١٦ وما بعدها.
[90] تعود وقائع القضية أنه بتاريخ ٢١ ماي ١٩٧٩ صدر حكم عن محكمة الجزائر يقضي بإلزام السيدين قرومي ومراح بدفعهما للمدعين بوشاط وسعيدي مبلغ ٨٤٠٠ دج مقابل ٢٨ شهراً من إيجار محل تجاري، وقد تم تأييد هذا الحكم في مجلس قضاء الجزائر بتاريخ ٢٩ ماي ١٩٧٩ ، تقدم المدعيان إلى مصلحة التنفيذ لمحكمة باب الواد ولكن والي الجزائر تقدم في ٥ ماي ١٩٧٥ برسالة يعترض فيها على التنفيذ، وتظلم طالبي التنفيذ بقي بدون جواب من وزير الداخلية ووزير العدل.
رفع المعنيان دعوى أما الغرفة الإدارية لمجلس قضاء الجزائر ضد قرار امتناع الوالي عن التنفيذ، وتم رفض طلب المدعين بتاريخ 5 ماي ١٩٧٦ ، وهو القرار الذي تم استئنافه أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا في ٣١ ماي1976 .
وقد تم إقرار مبدأ مسؤولية الإدارة على أساس الخطأ الجسيم، باعتبار أن الامتناع عن التنفيذ هنا لا يتعلق بأي سبب ناتج عن ضرورات النظام العام، ولأن سلوكها على هذا النحو يعتبر غير شرعي، وذكرت في قرارها بمبدأ المسؤولية غير الخطئية بسبب الامتناع عن التنفيذ بسبب ضرورات النظام العام، منشور في مجموعة الأحكام لبوشحدة وخلوفي ديوان المطبوعات الجامعية ١٩٧٩ ص ١٩٩ - ومشار إليه في الدكتور مسعود شيهوب، المسؤولية عن الإخلال بمبدأ المساواة، ديوان المطبوعات الجامعية – ٢٠٠٠ ص 66 .
[91] L’ordre public ne doit en aucune maniere se transformer en un abus de droit violant les regies elementaires de protection du droit du citoyen
[92] تنص المادة ٩ من القانون ٩١ - ٠٢ المتعلق بكيفية تنفيذ الأحكام على أنه: “يسوغ لأمين الخزينة للولاية في إطار هذه العملية أن يقدم كل طلب مفيد لأجل التحقيق للنائب العام أو مساعديه لدى الجهة القضائية التي أصدرت الحكم.
لا تعتبر الطلبات مبرراً لتجاوز الفترة المحددة في المادة الثامنة من هذا القانون”.
[93] المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية عدد ٢ ، ١٩٨٤ ص ٤١١ ، يراجع أيضاً: الدكتور مسعود شيهوب المسؤولية عن الإخلال بمبدأ المساواة، مرجع سابق ص ٧٢ .
[94] تنص المادة ٣ من القانون رقم ٩١ - ٠٢ المؤرخ في ٨ يناير ١٩٩١ ، الذي يحدد القواعد الخاصة المطبقة على أحكام القضاء على أنه: “يسوغ لأمين خزينة الولاية على أساس الملف المكون أن يأمر – تلقائياً – بسحب مبلغ الدين في حسابات الهيئة المحكوم عليها لصالح الهيئة الدائنة، ويجب القيام بهذه العملية الحسابية في أجل لا يتجاوز الشهرين ابتداء من يوم إيداع العريضة
[95] قرار المحكمة الإدارية العليا المصرية ١٠ / ١ / ١٩٩٥ ، السنة الرابعة ص ٥٣٣ ، تعليق عبد الفتاح حسن “تعطيل تنفيذ الحكم القضائي” مجلة العلوم الإدارية، السنة السادسة، العدد الأول ص ٣٤٣ - مشار إليه في الدكتور السيد إبراهيم، مبدأ الفصل بين الهيئات الإدارية والقضائية، مجلة الحقوق للعلوم القانونية والإدارية – السنة الخامسة عشرة ١٩٧٠ العدد الثاني ص 164 .
[96] تتمثل قضية كويتياس ** Couiteas ** بأنه من أصل يوناني هاجر إلى تونس، وهناك اشترى مساحة واسعة من الأراضي القابلة للزراعة، تقدر مساحتها ٣٨٠٠٠ هكتار من ورثة أحد الأشراف القدماء، واستصدر حكماً من محكمة سوسة التونسية بتاريخ ١٣ فيفري ١٩٠٨ ، ولما صار هذا الحكم واجب النفاذ بملكية هذه المساحة الكبيرة، ولما ذهب لوضع يده على الأرض فوجئ بالأهالي في تونس قد استقروا عليها منذ فترة طويلة واتخذوا الأرض مورداً لرزقهم ورفضوا تسليم الأرض إلى كويتياس، تقدم كويتياس إلى السلطات الإدارية الفرنسية في تونس طالباً تمكينه من وضع يده وطرد العرب من أرضه بالقوة، وبعد أن استعرض المقيم العام الأمر من جميع نواحيه رأى أن التجاءه إلى وسائل العنف سيكون له أوخم العواقب، لأنه يهدد بإشعال نار الفتنة وهياج خطيرين، فرفض مساعدة هذا اليوناني في تنفيذ حكم قضائي واجب النفاذ، فتقدم كويتياس إلى مجلس الدولة مطالباً بالتعويض عن الأضرار التي سببها امتناع الإدارة عن أداء واجبها في تنفيذ الأحكام، ولما درس مجلس الدولة الموضوع أصدر حكماً أبرز فيه:
١ - أن الإدارة بامتناعها عن تنفيذ الحكم لم ترتكب خطأ ما، لأنها وان كانت قد أخلت بواجبها في تنفيذ الأحكام بالقوة، فإنها فعلت ذلك تنفيذاً لواجب آخر أهم هو حفظ النظام، لأنها قبل أن تلجأ إلى تنفيذ الأحكام بمعاونة البوليس أو الجيش عند الاقتضاء، عليها أن تقدر ظروف التنفيذ القهري، وتمتنع عن الالتجاء إلى استخدام قوات الجيش، إذا رأت أن في ذلك إخلالاً بالنظام والأمن.
٢ - على الرغم من عدم وجود الخطأ منح المجلس التعويض على أساس العدالة المجردة التي تأبى أن يضحي فرد لصالح المجموع، إذا كان في الإمكان توزيع الأعباء العامة على الجميع، لأن امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم هو أمر استثنائي وغير مألوف في علاقة الإدارة بالأفراد. ولهذا يكون المحكوم له محقاً في طلب التعويض “لأن حرمانه التام من الانتفاع بملكه خلال مدة لا يمكن تحديدها نتيجة لموقف الإدارة إزاءه، قد فرض عليه تحقيقاً للصالح العام ضرراً جسيماً يجب تعويضه”.
[97] القانون رقم ٩١ - ٠٢ المؤرخ في ٨ جانفي ١٩٩١ الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية رقم ٢ المؤرخة في ٩ / ١ / ١٩٩١.


