د. المصطفى عمراني
كلية الآداب والعلوم الإنسانية – سايس فاس
“الأنثروبولوجيا تدرس الثقافة كبنية والتواصل كسيرورة“
تعددت الاتجاهات التي تناولت الأنثروبولوجيا في الآونة الأخيرة بوصفها علما حديث العهد. وقد اتسعت مجالات البحث والدراسة في هذا العلم الجديد وتداخلت موضوعاته مع موضوعات بعض العلوم الأخرى، ولاسيما الإثنولوجيا والإثنوغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة…
فما هي الأنتروبولوجيا؟
- مفهوم الأنتروبولوجيا:
فكلمة الانتروبولوجيا Anthropologie مشتقة من الأصل اليوناني: أنتروبوس Anthropos ومعناه الإنسان، ولوجوس Logos ومعناه العلم.
وبذلك يصبح معنى “الأنثروبولوجيا” هو تحديدا “علم الإنسان”، أي العلم الذي يدرس الشعوب البدائية والشعوب الحديثة والأساليب التي يعتمدون عليها في واقعهم المعاش. كما يدرس أيضا الكيفية التي تطورت من خلالها الثقافات القديمة وكيف تنوعت وكيف تتغير الثقافات الحديثة، ولماذا يحدث التغير…
في ضوء هذا التحديد الاصطلاحي للأنتروبولوجيا، يتضح أن موضوع هذا العلم هو دراسة الإنسان في امتداداته التاريخية وأصوله الثقافية حتى يومنا هذا. وهكذا لا يتقيد هذا العلم بفترات الزمان أو بحواجز المكان، ولكنه بالمقابل يتقيد بموضوع واحد لا يخرج عنه هو الإنسان ب”صيغة الجمع”، من حيث إن الإطار الذي يتحرك داخله الإنسان متنوع ومتعدد ومتحرك، تنوع وتعدد وتحرك المكان الثقافي والزمان الحضاري الذي يسيج سلوكاته التواصلية. فالإنسان من المنظور الأنثروبولوجي تتحول داخله الطقوس والعادات وردود الفعل الجماعية إلى حالات تواصلية تكشف عن العمق الثقافي للجماعة.
وعليه، فالأنثروبولوجيا لا تحدد نفسها ضمن ثقافة الإنسان الواحد المحدد بزمان ومكان معينين، بل بكل مظاهر التنوع والاختلاف التي تحرك دينامية الإنسان عبر السيرورة التاريخية بناءا على المعطى الثقافي بكل حمولاته المادية والاجتماعية والفكرية، أي بما يخص نظام القرابة والنظام الاقتصادي والنظام السياسي… الذي يؤطر سلوكات الإنسان وموافقة التواصلية في سياق ثقافي معين.
فإذا كانت الأهداف الأساسية والجوهرية لعلم الأنثروبولوجيا هي التركيز على دراسة أصل الإنسان أو الجنس البشري مع اهتمامها بالتنوع والمفارقة في أسلوب حياة هذا الجنس، فإننا لا يمكن أن نتجاهل بحال من الأحوال أن من بين اهتمامات هذا العلم كذلك هو دراسة وسائل التواصل فيما بين هذه المجتمعات البشرية، بمعنى كيف يتم تحقيق هذا التواصل في إطار منظومة اجتماعية أو في إطار نسق ثقافي معين.
وتجدر الإشارة إلى أن الأنثروبولوجيا، وإلى حدود سنوات عديدة، هي بمثابة العلم الذي يدرس المجتمعات التي تندرج ضمن ما يسمى المجتمعات ما قبل الكتابة، أو “المجتمعات البدائية” إلا أنه في الآونة الأخيرة، بدأ هذا المنظور يتغير ولم تعد كلمة “بدائي” معيارا لخصوصية هذه المجتمعات، لأنه مرتبط بمفاهيم قدحية لا تناسب الواقع الموضوعي لتلك المجتمعات: فقد تم ربط البدائي بالمتوحش وبالبربري وتم صبغ تلك المجتمعات “بدرجة الصفر” لما يسمى الأشكال الحضارية. بمعنى أن هذه المجتمعات أقرب إلى الحيوانية منها إلى الفعل الإنساني في كل أشكاله الإبداعية. يقول بيلتران: “عندما تستخدم الأنثروبولوجيا مفهوم الثقافة، فإنها تعني بذلك مجموع طرق حياة المجتمعات الإنسانية. وهي تستعمل هذا المفهوم وتفضله على مفهوم الحضارة، لكون هذه الأخيرة تتضمن بعض المعطيات العنصرية بشكل أو بآخر، وتثير خلافات حادة لأنها تقصي أشكال حياة الشعوب التي يطلق عليها “عادة بدائية أو متوحشة”. ([1])
إن المنظور الأنثروبولوجي الحديث بدأ ينزاح عن المسار السابق، نتيجة توصل الباحثين، وعلى رأسهم ليفي ستراوس Levi Strauss، إلى حقيقة ثابتة مفادها أن تلك المجتمعات التي صنفت ضمن البدائية أو المتوحشة لها من الغنى والتعقيد على مستوى السلوك الثقافي ما يجعلها، في بعض الأحيان، ترقى إلى مستوى المجتمعات الحديثة.
ولعل هذا ما جعل ليفي ستراوس كأحد أبرز الأنتروبولوجيين الفرنسيين في مقالة غدت مرجعا أساسيا (العرق والتاريخ) إلى القول بأنه لا وجود “لشعوب طفلة” enfantin. وإن سكان أستراليا الأصليين الذين يبدون لنا في غاية “البدائية”، إنما يتمتعون بتنظيم عائلي شديد التعقيد، بحيث يستطيع المرء أن يضيف أن تنظيمنا العائلي يصبح بإزائه بسيطا للغاية. ويكثر الباحث المذكور من تعداد الأمثلة على ذلك وهي أمثلة يستقيها من شعوب تتراوح بين الاسكيمو وبين مجتمعات الشرق الأقصى التي اشتهرت بخبرتها في حقل “العلاقات القائمة بين الجسدي والمعنوي”.
في ضوء هذا التصور الجديد، أضحت الأنثروبولوجيا ينظر إليها بوصفها مرحلة تفسير العادات والمؤسسات، مرحلة التوليف الذي كثيرا ما يتم عن طريق المنهج المقارن. فليفي ستراوس يرى أن الأنثروبولوجيا “تشكل خطوة أولى عن طريق الجمع والتوليف. توليف قد يكون “جغرافيا إذا كان الباحث يرمي إلى الجمع بين معارف متعلقة بجماعات متجاورة. وتاريخيا إذا كان يرمي إلى إعادة كتابة التاريخ بالنسبة لقوم معين أو عدة أقوام”. ([2])
في هذا السياق، تنحو أبحاث الرواد الأنتروبولوجيين في اتجاه تعميق النظر في الأشكال والتمظهرات الثقافية والترميزية التي يقطعها الإنسان إلى وحدات لغوية وغير لغوية، في محاولة منه لفهم العالم والتفاعل معه. ومن هؤلاء الرواد الذين درسوا هذا العلم نجد فرانس بواز وإدوار تايلور ومالونيفسكي وإدوار سابير وراي بيردواستيل وإدوارتوماس هال وليفي ستراوس…
وبالرغم من تعدد دارسي علم الأنثروبولوجيا، وبالرغم أيضا من بعض الاختلافات في المنطلقات الابستمولوجية التي تحكم خلفياتهم الفكرية والمنهجية، إلا أن الثابت هو تقاطعهم في النظر إلى الأنثروبولوجيا كعلم يدرس الوحدات الثقافية التي ينتجها الإنسان بوصفها سيرورات تواصلية محددة بسياقات معينة. وهذه الوحدات الثقافية تتمظهر إما عبر أفعال لغوية أو سلوكات غير لغوية تتخذ طابع الإشارات والحركات والطقوس والعادات والشعائر الدينية أو السحرية أو ما شاكل ذلك…
ولعل هذا ما جعل الحديث عن الأنثروبولوجيا بأن يكون حديثا عن الثقافة بامتياز. فماذا نقصد بالثقافة إذن؟ يقول جورج باطاي: “إن الإنسان هو حيوان لا يقبل – ببساطة – المعطى الطبيعي ولا يعترف به. وبذلك فإنه يغير العالم الطبيعي الخارجي، ويستخرج منه أدوات وأشياء مصنوعة، وهذه الأدوات والأشياء تشكل بدورها عالما جديدا هو العالم الإنساني […] إنه من الضرورة الإقرار بترابط العنصرين القائلين: إن الإنسان هو حدث ناتج عن العالم المعطى من جهة، وناتج عن حيوانيته الخاصة به من جهة ثانية، وليس لدينا الحق في إعطاء أسبقية لأحد هذين الطرفين على الآخر” ([3])
من خلال هذا النص نخرج بفكرة قادرة تلخص ما سبق وهي أن الإنسان هو وحده قادر على أن يكون منتجا للثقافة.
وهكذا، فإن معظم التعريفات التي تناولت مفهوم الثقافة، ارتبطت بشكل أساسي بالإنتاجات الإبداعية والفكرية للإنسان، وهذا يعني أن الثقافة ظاهرة ملازمة للإنسان باعتباره يمتلك اللغة بوصفها وعاء الفكر، والفكر ينتج عن تفاعل العمليات العقلية والنفسية التي يتمتع بها الإنسان دون غيره من الكائنات.
فالثقافة هي التقاليد المكتسبة اجتماعيا وأساليب الحياة أو المعيشة لدى أفراد المجتمع، وتشمل الأساليب النمطية المتكررة للتفكير والشعور والفعل، وفي هذا الصدد يقول إدوار تايلور: “الثقافة … حسب مفهومها الأثنوغرافي الواسع هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والفهم والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع. وحالة الثقافة في مختلف المجتمعات الإنسانية تتغير من حيث إمكان بحثها في ضوء مبادئ عامة معينة موضوعا خليقا بعلم قوانين الفكر والسلوك عند الإنسان”. ([4])
وينص إعلان مكسيكو 1982 على أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن النظر إليها على أنها جميع السمات الروحية والمادية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والمعتقدات والتقاليد”. ([5])
وعليه، يمكن القول تماشيا مع قولة بيير كيرو (Pierre Guiraud) “الأسلوب هو الرجل”، بأن الثقافة هي أسلوب أمة أو جماعة اجتماعية من حيث إن كل ثقافة إلا ولها طابع خاص وشكل خاص ونمط خاص، أي باختصار أسلوب خاص في الحياة يختلف عن كل الأساليب التي تطبع الثقافات الأخرى. ولعل هذا هو ما يشكل سر تجدد هذه الثقافات، لأنها مبنية على منطق الاختلاف لا منطق التطابق الذي يسهم في إعادة إنتاج الأشكال الثقافية الأخرى، وبالتالي تحنيطها. بل بالمقابل، فإن الثقافات تدخل ضمن الممارسات الإبداعية والإنتاجية التي تسهم في خلق خصوصيات معينة وأساليب متفردة تعكس من خلالها فلسفتها في الحياة ورؤيتها للعالم ومنطقها الفكري والسياسي والاقتصادي… وذلك ضمن أنساق لا تلبث أن تحمل معها بذور التلاقح فيما بينها في أفق ملامسة المغايرة والاختلاف والتنوع… لاسيما إذا انطلقنا من فرضية مفادها أن الثقافة ليست نسقا ثابتا أو كتلة جامدة، وإنما هي بؤرة للتجدد الدائم بفعل الأشكال المغايرة التي يحتضنها هذا النسق في علاقته بالأنساق الثقافية الأخرى. ولعل هذا ما دفع بالمفكر عبد الكبير الخطيبي إلى القول بأن: “الشرق غرب صعب المعالجة”. بمعنى أنه يستحيل الحديث عن ثقافة شرقية خالصة ونقية من كل الأشكال الثقافية الأخرى، بل على العكس من ذلك، فهي هجين من الثقافات الأخرى بما فيها الثقافة الغربية. وعليه، يصعب التمييز والفصل بين الثقافات داخل الثقافة الواحدة.
وفي نفس المنحى يقول أدولف باستيان بأن الثقافات “هي هجين مثل الأعراق، فلا توجد ثقافات خالصة ومميزة وثابتة. فكل ثقافة تستقي من مشارب متنوعة وتعتمد على الاستعارات، وهي حالة دائمة من التحول.” ([6]) بمعنى أن الثقافات هي نتاج المزج والاقتباسات المتكررة، حيث إن الشعوب تقتبس من بعضها البعض، وأنه ليس هناك مجتمع يتطور في عزلة، بل يتأثر في تطوره بالشعوب والثقافات الأخرى. ([7])
وتطور الثقافات مرتبط بما سماه بعض الباحثين بعمليات “التخلي والاكتساب” ويقترن عمق تلك العمليات بمستوى التحولات الاجتماعية التي تتم داخل البناء الاجتماعي. فكلما كانت التحولات متوازنة داخل البناء الاجتماعي، وتتم وفق حاجات المجتمع وتتوافق مع إمكاناته، كانت عمليات التخلي والاكتساب متلائمة مع معطياتها الاجتماعية، متوازنة مع الأبعاد الاجتماعية والحضارية التي تذهب إليها التحولات الاجتماعية. فإذا وصل المجتمع، على سبيل المثال إلى مستوى من التطور يملي إلغاء بعض أشكال الملكية وإضافة أشكال جديدة، فإن الثقافة ستعمل على ابتكار عناصر ثقافية جديدة تواكب الملكية الجديدة وتلائمها. وهذه الإضافات الثقافية لا تقتصر على عنصر الملكية فقط، بل تمتد إلى عناصر ثقافية كبيرة، فيها المادي والمعنوي، ومنها الأخلاقي بشكل يتجانس فيه الإلغاء والاكتساب مع تطور الأفكار ودرجة الوعي الاجتماعي الذي وصل إليه المجتمع، ومع منظومة الأفكار التي تشكل فلسفة للثقافة” ([8]).
وهذا ما يفسر غياب مجموعة من الوحدات الثقافية التي كانت متداولة في أزمنة ماضية على المستوى التواصلي. وأخلت مكانها لوحدات ثقافية أخرى مكتسبة بفعل التطور الحاصل على مستوى النسق الثقافي. فالثقافة التي بدأت تكتسب عادة جديدة أو آلة جديدة في مجال معين، تلجأ تدريجيا إلى التخلي عن العادات القديمة والآلات القديمة. ولا شك أن هذا المثال يمكن جعله نموذجا لعمليات التخلي والاكتساب، ويمكن تعميمه على العناصر الثقافية مثل أزياء، وطرائق كتابة القصة، ومدارس النقد ووجبات الطعام، ووسائل الركوب، والنوم والترفيه… ([9])
هكذا يبدو أن ما يميز هذه الثقافات أنها ليست قوالب ثابتة وقادرة، بل أشكال دائمة التطور وتتغير بحسب التغيرات التي تمس موضوعاتها من عادات وأعراف وطقوس… وما يصاحب ذلك من تغيرات في السلوكات التواصلية المترجمة لهذه الموضوعات، وما يترتب عنه من إنتاج لوجهات نظر متباينة ورؤيات للعالم مختلفة. وقد يصل هذا الاختلاف إلى درجة التناقض في بعض الأحيان، بحيث إن النظم التي يتبعها مجتمع ما، وما يعتقد أنها الفضيلة بعينها قد تعتبر جريمة في مجتمع آخر يعاقب عليها القانون. ففي قبائل بالهند تباح العلاقات الجنسية قبل الزواج بحيث تختار الفتاة صديقها أثناء طقوس معينة منها الرقص. في الوقت الذي تعد فيه الحرية الجنسية جريمة في معظم المجتمعات العربية.
كما أن حضور زائر وقت الغذاء في بيت أمريكي؛ لا يمنحه العذر لدعوته إلى مائدة الغذاء حتى ولو كانت هذه المائدة معدة سلفا. أما في المجتمع العربي، فإن هذا التصرف لا يتماشى مع تقاليد الكرم العربي.
وفي هذا السياق يقول بير دواستيل: “إن الإشارات والحركات الجسمية التي تصدر عن الأفراد تخضع للنظام الاجتماعي أو العرفي للجماعة، ومن ثمة فإنها تختلف من مجتمع لآخر بحسب العادات والتقاليد التي تميز مجتمعا آخر. ومثال ذلك هز الرأس يمينا ويسارا يشير إلى دلالة الرفض، لكنها تعني الموافقة في بلغاريا أو بلد أسيوي مثل الهند والباكستان. وإذا كان أبناء “التبت” يخرجون ألسنتهم تحية وتعبيرا عن الصداقة والود، فإن الصينيين يخرجونه تعبيرا عن الدهشة”.
بمعنى أن موضوعات الثقافة باعتبارها أشكالا تواصلية تكتسب دلالاتها داخل النسق الذي يحتضنها، وليس خارجه، من حيث إن تداول نفس الموضوعات في سياقات مغايرة يجعلها تكتسي دلالات مختلفة، بل في بعض الأحيان متناقضة (مباح/محرم…). وهذا التصور ساهمت في بلورته أعمال المدرسة الأنثروبولوجية البنيوية وبالخصوص أبحاث كلود ليفي ستراوس الذي ينظر إلى الثقافة كنسق. والمقصود بالنسق هنا هو مجموع العناصر التي توجد بينها علاقات تنظيم وترابط بحيث إن تغيير عنصر واحد يؤدي إلى خلخلة انسجامه. وتستلهم جل التعريفات المعاصرة للثقافة هذه الفكرة. ومنها تعريف بوريكو Bouricaud للثقافة بأنها: “نسق من العلاقات الرمزية نمنح به معنى للتجارب الإنسانية”، أو تعريف سامنر w.g.Samner بأنها: “نسق عضوي كامل من العلاقات والمواضعات والتنظيمات المؤسساتية”، وأخيرا تعريف جاك بيرك بوصفها: “نسق استبدالات”.” ([10])
بناء على هذه التعريفات، فإن الأنثروبولوجية البنيوية تحديدا تفترض أن للنسق الثقافي انسجاما داخليا يجعل من الصعب تغيير جزء منه من دون إثارة ردة فعل أو استجابات وتغييرات على صعيد توازن النسق كله.
كما أن ما يدعم أيضا أطروحة النسق عند هؤلاء اقتناعهم بأن ما يصبح مهما في ثقافة ما لا يكون كذلك في ثقافة أخرى. إن كل مبدأ له أهميته داخل النسق الذي يحتضنه؛ كما أن قائمة الطقوس والأعراف والحركات والرموز وكل الأشياء التي لها قيمة تواصلية تختلف من مجتمع لآخر ومن نسق ثقافي لآخر. فمثلا عندما يعقد رؤساء الشركات الكبرى في أمريكا اجتماع عمل، فإنهم منذ البداية ينكبون لدراسة القضايا والملفات التي تشغلهم، بعد ذلك يتناقشون في أمور جانبية لا صلة لها بموضوع الاجتماع. بخلاف اليابانيين الذين لا يبدأون في مناقشة جدول أعمالهم إلا بعد أن يكونوا قد استأنسوا وتآلفوا فيما بينهم.
كما أن مدرسة أجنبية مثلا التي تجهل عادات وثقافة الأسيويين بشكل عام، واليابانيين على وجه الخصوص، تحس بقلق كبير عندما تسأل تلميذها الياباني وهو لا ينظر إليها وجها لوجه، بل مطأطأ الرأس. إن المدرسة الأجنبية في حاجة لمعرفة الوحدات الثقافية للمجتمع الياباني لتدرك أن النظر وجها لوجه في الثقافة اليابانية أمر لا أخلاقي: والعكس صحيح في الثقافات الأخرى.
إن كل مبدأ من هذه المبادئ لا يعتبر هو الصحيح بمفرده، لأن كل واحد منهما له أهميته داخل النسق الثقافي الذي يحتضنه.
في هذا السياق، فإن فهم الوحدات الثقافية وآليات اشتغالها داخل نسق ما، يسمح بتجنب سوء الإدراك وسوء التواصل. بمعنى أن سوء الإدراك وسوء التواصل ناتج عن عملية إسقاطنا لنفس الدلالات التي تحملها ثقافتنا على ثقافة أخرى، ومحاولة تقويمها في ضوء منظورنا الثقافي. ولعل هذا ما جعل الأنثروبولوجي راي بردويستيل Ray Birdwistell يعتبر أن التواصل لا يحدد فقط في الرسالة ولا حتى في التبادل أو التفاعل، وإنما يقتضي أيضا أن يتضمن النسق والسياق.
وتماشيا مع هذا التوجه الأنثروبولوجي، يرى ديل هايمز أن اللغة مثلا كآلية تواصلية ليست مرتبطة فقط بالقالب النحوي، وإنما أيضا مرتبطة بالقالب المعرفي والقالب الاجتماعي. فنحن نتواصل بمعلومات كثيرة (القالب المعرفي) في وضعيات مختلفة (القالب الاجتماعي). ويفترض أن هذين القالبين هما نتاج المواضعة الثقافية.
من هنا انتقد ديل هايمز اللسانيات التوليدية التي تعتبر اللغة منتوجا فرديا لا نشاطا سلوكيا اجتماعيا، واقترح بدلا من مفهوم القدرة اللغوية مفهوما جديدا هو القدرة التواصلية بوصفها تشكيلا للعلاقات بين اللغة والسياق الاجتماعي والثقافي، فالمتكلم لا يملك قواعد لغوية فقط بل قواعد الخطاب أيضا، أي كيفية قول ما يجب قوله في اللحظة والمكان المناسبين. إذن، فلتحقيق التواصل لا تكفي معرفة اللغة بل يجب معرفة كيفية استخدامها حسب السياق الثقافي. ولعل هذا ما دفعه إلى إضافة وظيفة سابعة إلى سلم الوظائف الست التي طرحها رومان جاكبسون، ويعني بها الوظيفة السياقية. بمعنى أن ديل هايمز يرى أنه لا يكفي للفرد أن يمتلك القدرة اللغوية ليمارس عملية التواصل، وإنما أيضا التمكن من القدرة التواصلية التي تتجاوز مجموعة القواعد النحوية إلى تمثل السياق والنسق الثقافي باعتبارهما المحددان الأساسيان لكل سيرورة تواصلية.
ولذلك، فإذا كان رهان الأنثروبولوجية المعاصرة هو ضمان التواصل أو الحوار الثقافي، فإن هذا التواصل وهذا الحوار رهين بعدم إسقاط ثقافة على أخرى، أو نسق على نسق، بل بتمثل كل ثقافة داخل نسقها العام وليس خارجه.
في ضوء هذا التصور، تحاول الأنثروبولوجيا المعاصرة أن تركز على علاقة الأنا بالآخر من حيث التواصل الثقافي. بمعنى كيف يتراءى لي الآخر في غيرته؟ وكيف أتراءى له من حيث الاختلاف الثقافي؟ كيف يمكن أن تدمج الأنا في مجتمع الآخر ويتواصل داخله بشكل فعال دون أن يفقد هويته الثقافية؟
إن الأنثروبولوجيا المعاصرة تحاول أن تجيب عن بعض هذه الأسئلة من خلال منظورها الجديد الذي يحاول أن يتجاوز الطروحات الكلاسيكية. منظور يعرفه جاك لومبار بوصفه تلك: “النظرة التي نلقيها على الآخر. هي رغبتنا في معرفة تلك الشعوب المتفاوتة في بعدها عنا، والتي قد تكون قريبة منا في بعض الأحيان، لكنها تبدو مختلفة عنا كل الاختلاف.” ([11])
إن الاختلاف الذي يتحدث عنه جاك لومبار ليس مرتبطا باللغة بوصفها وحدات نحوية وصرفية وتركيبية فقط، بل اللغة باعتبارها صياغة وتشكيلا لرؤية العالم. في هذا الصدد يقول سابير: “إن اللغة التي تنتمي إلى مجتمع بشري معين والتي يتكلمها أبناء هذا المجتمع ويفكرون بواسطتها هي المنظم لتجربة هذا المجتمع، وهي تصوغ بالتالي عالمه وواقعه الحقيقي، فكل لغة بكلمة مختصرة، تنطوي على رؤية خاصة للعالم”. ([12])
فلفهم قصيدة أو رواية مثلا، يجب معرفة ليس فقط دلالة كلماتها في معناها العادي، بل كذلك معرفة مجمل حياة الجماعة والمجتمع التي تنعكس في هذه الكلمات، أو التي توحي بها.
وحديثا قدم الباحث التونسي منصف شللي دراسة مقارنة بين اللغتين العربية والفرنسية، وتوصل إلى نتيجة مؤداها أن من يتكلم العربية عربي في كينونته، ومن يتكلم الفرنسية فرنسي في كينونته. ([13])
وعليه، فالاقتصار على المعرفة اللغوية في محدداتها المعجمية والنحوية والتركيبية لا يسهم في التواصل الثقافي، ما دام أن هذه المعرفة لا تحتوي تمثلا للغة من زاوية رؤية العالم.
إلا أن تمثل رؤية العالم عند الآخر لا تخص فقط لغته، بل تتعداها إلى تمثل نظرته إلى الوحدات غير اللغوية (عادات وحركات ورموز وقوانين) التي يتواصل بها في سياقه أو نسقه الثقافي المغاير. وهذا ما يجعل من عملية إدراك الاختلافات بين الثقافات ورؤيتها للعالم أمرا في غاية الأهمية، لأنه يساعدنا على احترام خصوصية كل ثقافة على حده، كما يسهم في تطوير آلية التواصل الثقافي بناء على هذا الرؤى المتعددة التي تنتجها الثقافات، لأن القاعدة الأساسية في التواصل الثقافي هو أنه لا يوجد نمط أو نسق ثقافي أفضل من نمط أو نسق ثقافي آخر. كما أن “المعرفة الأنثروبولوجية لا تقتصر على إفهامنا بأن عاداتنا ومعتقداتنا ليست هي العادات والمعتقدات الوحيدة التي يمكن اعتمادها. فهي ليست بالتالي ذات قيمة مطلقة وجامعة، بل إن المعرفة المذكورة تساعدنا على إطلاق حكم نقدي حيال ثقافتنا الخاصة عن طريق مقارنتها بالثقافات الأخرى”. ([14])
في ضوء ما سبق يتبين أن التواصل الجيد من ناحية أنثروبولوجية التواصل رهين بتمثل الأفراد لثقافات بعضهم البعض. وهذا التمثل لا يتأتى إلا من خلال ما تحمله خرائطهم الذهنية من سمات ثقافاتهم وفلسفة ثقافات الآخر موضوع التفاعل. بمعنى آخر، فإنه يستعصي على كل فرد أراد أن يتواصل داخل سياق ثقافي مغاير دون أن تكون خريطته الذهنية غنية بمعلومات حول ثقافة الأخر ورؤيته للعالم، إن على المستوى اللغوي أو مستوى الأنساق غير اللغوية (الطقوس، الأعراف، الرموز…) فالتواصل يستدعي إلى جانب تمثل الفرد لوحدات اللغة النحوية والصرفية والتركيبية… تمثلا آخر هو ما يسميه امبرتو إيكو بالوحدات الثقافية، لأنها هي الحامل للإرث الجماعي أو بتعبير يونغ بالوعي الجمعي. فالفرد مثلا لما يتواصل مع فرد آخر يكون إزاء وعي جمعي مقابل وعي جمعي، أو ثقافة إزاء ثقافة، أو رؤية العالم إزاء رؤية العالم. وعليه، فإن التواصل الجيد هو الذي يستحضر ثقافة الآخر في اختلافها وفي تعدديتها، ويتعامل معها بمنطق التفاعل، لا بمنطق الإلغاء والإقصاء. فمعرفة الآخر بناء على عاداته وتقاليده وطقوسه، ودلالة كل الوحدات الثقافية التي يستعملها، تشكل المدخل الرئيسي لكل العمليات التواصلية المحتملة. ففهم دلالة الألوان واختلاف رمزيتها في طقوس الحداد في مصر (الأسود) والمغرب (الأبيض)، ورمزية آداب التحية في الأقطار العربية والأسيوية والأوربية… وغيرها من الأنساق الثقافية… هي السبيل لضمان سير وسلامة التواصل الثقافي والحضاري بين الأفراد والشعوب.
خلاصة:
بناء على طروحات كل من الأنثروبولوجي الأمريكي “هيرسكوفيتز” وجاك بيرك وراي بيردواستيل وسابير وليفي ستراوس ودايل هايمز… يمكن أن نخلص إلى أن:
- لكل ثقافة تركيبها وتجاربها.
- إن الثقافة هي تراكم لنشاطات مكتسبة وليست غريزية.
- أنه يجب تجنب إصدار أحكام القيمة على الثقافة الأخرى.
- وتجنب احتقار أو سوء تقدير الثقافات الأخرى.
- وعدم الاعتقاد أن نمط حياتنا أفضل من الأنماط الأخرى.
- إن الثقافة هي نسق استبدالات واقتباسات واستعارات
- وأن الثقافة ليست كتلة جامدة، بل دائمة التحول والتطور
- وأن الثقافة ليست خالصة، بل هي هجين من الثقافات الأخرى.
- إن ما يصبح مهما في ثقافة ما لا يكون كذلك في ثقافة أخرى.
- كل ثقافة تكتسي أهميتها من داخل نسقها الذي يسيجها، وليس من خارجها. وعليه،
- فإن التواصل ظاهرة ثقافية من حيث كون الإنسان كائن رمزي.
- وإن ما يتم تمريره داخل سيرورة التواصل ليس هو الرسائل، بل هو التمثلات الثقافية.
- وإن التواصل لا يحدد فقط في الرسالة ولا حتى في التبادل أو التفاعل وإنما يقتضي أيضا أن يتضمن النسق والسياق.
[1] G.A. Beltran: Confluents de cultures en Anthropologie , ed Diogène, juillet 1964.p3
[2] ليفي ستراوس: الأناسة البنيوية، ترجمة حسن قبيسي ط1، المركز الثقافي العربي 1995 ص 387
[3] Georges bataille: L’érotisme, Les Editions de Minuit 2011, P16
[4] مارفن هاريس: الانثروبولوجيا الثقافية، ترجمة: السيد أحمد حامد، ج1-1990 ص 25.
[5] نقلا عن ويكيبديا (الموسوعة الالكترونية الحرة).
[6] آدم كوبر: الثقافة، التفسير الأنثروبولوجي، ترجمة: تراجي فتحي، مجلة عالم المعرفة عدد 349 مارس 2008 ص 28.
[7] نفسه، ص 81.
[8] عز الدين دياب: أنثروبولوجيا الحدود في الوطن العربي دراسة في الحدود السياسية والثقافية والهوية، موقع أنثروبولوجيا http://www.aranthropos.com
[9] نفسه، ص 25
[10] أندري تيفان: تدريس الاختلاف، ترجمة: لحسن بوتكلاي، منشورات اختلاف 2004 ص 18.
[11] جاك لومبار: مدخل إلى الأثنولوجيا، ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط1 1997، ص 29.
[12] عز الدين دياب: أنثروبولوجيا الحدود في الوطن العربي دراسة في الحدود السياسية والثقافية والهوية، (نفس الموقع).
[13] نفسه.
[14] نظرية الثقافة: تأليف مجموعة من الكتاب، ترجمة: علي سيد الصاوي، منشورات عالم المعرفة، الكويت عدد 223، 1978، ص 44.





