ذ/ أنس أبوخصيب
قاضي بالمحكمة الابتدائية بالخميسات
باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق المحمدية
عرف القانون البحري عبر العصور والحضارات تطورا تاريخيا ملموسا، مرده بالأساس نشأة بعض العادات البحرية الجيدة والتي سرعان ما أصبحت مألوفة لدى الأمم البحرية التقليدية بل وملزمة لها.
فالعادات والأعراف التي اقتضتها ظروف التجارة البحرية الدولية، والحاجات الملحة للتجار ورجال البحر ساعد على التوحيد الفعلي لقواعد هذا القانون بل قد أعطته طابعا دوليا.[1]
وإذا كان القانون البحري هو مجموع القواعد القانونية التي تنظم الملاحة البحرية، فإن السفينة تعتبر حجر الرحى الذي تدور في فلكه كل هذه القواعد، على اعتبار أنها الأداة الرئيسية للملاحة.
و هناك عناصر معينة لا يكون للسفينة وجود قانوني إلا بتوافرها وهي تخصيصها للملاحة البحرية و قيامها بالملاحة على وجه الإعتياد و أن تكون صالحة للملاحة و مجابهة مخاطر البحر، فالصلاحية للملاحة في البحر هي معيار السفينة و بإندثارها تفقد السفينة صفتها وتصبح حطاما تسري بشأنه المقتضيات الخاصة بالخاصة بالحطام البحري.[2]
وللبحث في صلاحية السفينة للملاحة سنتطرق لمقوماتها (المبحث الأول)، ثم نتناول إثبات صلاحية السفينة للملاحة (المبحث الثاني).
المبحث الأول:مقومات صلاحية السفينة للملاحة
لمناقشة موضوع مقومات صلاحية السفينة للملاحة، وجب تعريف السفينة (المطلب الأول) ثم مفهوم صلاحيتها للملاحة (المطلب الثاني).
لم تعرف معظم التشريعات السفينة، في حين عرفتها اتفاقية بروكسيل لسنة 1924 والمتعلقة بتوحيد بعض قواعد سندات الشحن في النبذة الرابعة من مادتها الأولى بأنها “كل منشأة تستخدم لنقل البضائع بحرا”، كما عرفتها اتفاقية لندن للسلامة البحرية المؤرخة في 20 أكتوبر 1972 والتي دخلت حيز التطبيق في 15 يوليوز 1977 في مادتها الثالثة بكونها “كل منشأة من أي نوع كانت مستعملة أو قابلة للاستعمال كوسيلة نقل في الماء…”.[3]
أما المشرع المغربي فقد عرفها في الفصل الثاني من قانون التجارة البحرية لسنة 1919 بما يلي: “السفينة هي المنشاة التي تمارس باعتياد الملاحة البحرية”.
فالسفينة حتى تعتبر كذلك يجب أن تمارس الملاحة البحرية، التي عرفها الفصل الأول بقوله: “الملاحة البحرية هي التي تباشر في البحر أو في الموانئ أو الخلجان وفي البحيرات والغدران والقنوات وأجزاء الأنهار التي تكون فيها المياه مالحة ومتصلة بالبحر”.
إلا أن هذه التعاريف جاءت قاصرة ولم تتناول مؤسسة السفينة بنظرة شمولية، هكذا انبرى الفقه، لفك الالتباس عن التعريف السليم والشامل للسفينة، فاعتبرها الفقيهان بوناسيسوسكابيل[4] “كل منشأة مهما كان حجمها عائمة على سطح الماء أو في عمقه تمارس باعتياد الملاحة البحرية، وقادرة بوسائلها الخاصة على مجابهة مخاطر البحر”.
أما العميد ريني روديير وإيمانويل دوبونتافيس فاعتبراها: “مالا منقولا يكون محلا للملكية وشبيه بالشخص الطبيعي، من حيث الاسم والطبقة الاجتماعية، حيث توجد السفن الحربية وسفن النزهة والسفن التجارية…ولها موطن وجنسية، ويتم التقاضي بإسمها، وأخيرا تموت إما بتحطمها أو إثبات عدم صلاحيتها للملاحة بعد شيخوختها، حيث تختفي من الوجهة القانونية”.[5]
أما مصطفى كمال طه فيعتبر السفينة مالا منقولا ذا طبيعة قانونية خاصة، إذ وإن كانت تسري عليها أحكام المنقولات، فهي مع ذلك تخضع لنظام قانوني أصيل، يميزها عن سائر المنقولات ويقترب بها من العقار، فالسفينة لا تسري عليها قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية، ويجوز رهنها رهنا رسميا مع أن هذا الرهن لا يرد إلا على العقار، وما يرد على السفينة من تصرفات يجب شهره في سجل خاص كما هو الشأن في شهر التصرفات العقارية. كذلك الحجز على السفينة أقرب إلى الحجز العقاري منه إلى حجز المنقولات. وحقوق الامتياز البحرية على السفينة تخول الدائن الممتاز حق تتبع السفينة في أية يد تكون، كحقوق الامتياز على العقار.[6]
هكذا يستفاد من التعاريف المومأ إليها أعلاه أن المنشأة لاعتبارها سفينة بالمفهوم القانوني يجب أن تتوافر فيها مجموعة من الشروط أهمها:
أولا: أن تكون لها حالة مدنية خاصة تميزها عن غيرها من السفن، وتتألف عناصرها من الاسم والحمولة والموطن والدرجة وكذا الجنسية.
ثانيا: أن تخصص للملاحة البحرية بحيث لا ينطبق وصف السفينة على المراكب المخصصة للملاحة النهرية، مما يفرض أن تكون المنشأة قادرة على مواجهة مخاطر البحر بوسائلها الذاتية سواء من حيث الشكل أو البناء أو التجهيز.
ثالثا: أن تخصص للملاحة البحرية على وجه الاعتياد، وذلك بصرف النظر عن حمولتها أو طريقة بنائها أو شكلها، وإن كان ذلك من الشروط المفروضة بداهة، إذ السفينة لن تقوى على مواجهة مخاطر البحر ما لم تكون متوفرة على درجة معينة من التجهيز والمتانة في البناء.
ومتى توافرت هذه الشروط اكتسبت المنشأة وصف السفينة، دون الأخذ بعين الاعتبار لحمولتها أو حجمها أو طاقمها سواء أكانت شراعية أو بخارية أو ذرية.[7]
المطلب الثاني:مفهوم صلاحية السفينة للملاحة
لم تتطرق اتفاقية هامبورغ لالتزام الناقل بإعداد سفينة صالحة للملاحة، في حين أوجبت اتفاقية بروكسيل في الفقرة الأولى من المادة 3 على الناقل، قبل الرحلة وفي بدايتها، أن يبذل العناية المعقولة لجعل السفينة صالحة للملاحة، وأن يهيئ السفينة ويجهزها و يمونها، وأن يجعل الأنبار وغرف التبريد والبرادات وكافة أجزاء السفينة التي تحمل عليها البضاعة بحالة جيدة ومؤهلة لاستيعاب هذه البضاعة وحفظها.[8]
أما القانون البحري المغربي، فقد نص في الفصل 213 على أن: “مؤجر السفينة ملزم بتسليمها في حالة صالحة للملاحة، ويعني ذلك أن تكون صالحة من جميع الجوانب للقيام بكل أمان بالملاحة التي أعدت لها.
ويكون مؤجر السفينة مسؤولا تجاه مستأجرها عن جميع الأضرار الناتجة عن حالة السفينة المعيبة ما لم تكن هذه الحالة المعيبة ناشئة عن عيب خفي لا يسمح باكتشافه فحص دقيق”.[9]
ولا تبرز أهمية تعيين السفينة في العقد إلا إذا كان متعلقا بإيجار السفينة لمدة معينة أو لرحلة أو عدة رحلات، إذ يلتزم المؤجر في هذه الحالة بوضع السفينة المتفق عليها تحت تصرف المستأجر صالحة للملاحة، ولا يجوز أن يستبدلها بسفينة أخرى، ما لم تهلك أو تصبح غير صالحة للملاحة بسبب قوة قاهرة طرأت بعد بدء الرحلة.
أما إذا تعلق الأمر بعقد نقل بسند شحن فإن تعيين السفينة عادة ما يكون أقل أهمية، حيث غالبا ما تتضمن سندات الشحن شرطا يجيز للناقل نقل البضاعة على سفينة أخرى غير تلك المتفق عليها مع إخطار الشاحن.[10]
ويعتبر قانون هارتر الأمريكي لسنة 1893 أول من أقحم هذا الالتزام لإيجاد نوع من التوازن بين مصالح الشاحنين وهيمنة الناقلين، وقد كان إذاك التزاما بتحقيق نتيجة ليتحول مع اتفاقية بروكسيل لسنة 1924 إلى التزام ببذل عناية، سمتها الإتفاقية بالهمة المعقولة.
ومؤدى هذا الالتزام أن السفينة يجب أن تكون في حالة جيدة صالحة لشحن الحمولة في أمان، والحفاظ عليها طيلة الرحلة البحرية، إلى حين تفريغها، لهذا فالصلاحية للملاحة تختلف من رحلة إلى أخرى.[11]
هكذا نصت اتفاقية بروكسل في الفقرة الأولى من مادتها الثالثة على أنه: “يتعين على الناقل بذل الهمة الواجبة قبل وعند بداية الرحلة للأغراض التالية:
أ ـ جعل السفينة في حالة صالحة للملاحة.
ب ـ تجهيز السفينة وتطقيمها وتموينها على الوجه المرضي.
ج ـ إعداد العنابر والغرف الباردة والمبردة وكافة الأقسام الأخرى بالسفينة المعدة لشحن البضائع فيها وجعلها في حالة صالحة لوضع تلك البضائع بها ونقلها وحفظها”
والأمر مستقر على أن الالتزام الذي تضمنته هذه الفقرة، والذي يطلق عليه الالتزام بجعل السفينة قبل وعند بداية الرحلة صالحة للملاحة، التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، وأن العناية المطلوبة من الناقل في تنفيذه هي العناية المعقولة (La diligence raisonnable) كما عبرت عن ذلك النسخة الفرنسية للاتفاقية باعتبارها النسخة الرسمية لها.
وليس هناك أدنى شك في صواب ما هو مستقر عليه من أن الالتزام ببذل الهمة الواجبة قبل وعند بداية الرحلة لجعل السفينة صالحة للملاحة هو التزام ببذل عناية وأن العناية المطلوبة من الناقل في تنفيذه هي العناية المعقولة.
وقد نقل القانون البلجيكي نص الفقرة الأولى من المادة الثالثة من اتفاقية بروكسيل في الفقرة الأولى من القاعدة الثالثة من قانونه البحري، ونقلها كذلك القانون الإنجليزي في فقرته الأولى من مادته الثالثة وكذا القانون الأمريكي في الفقرة الأولى من القسم الثالث من قانونه البحري، ولذلك فإن طبيعة الالتزام بجعل السفينة صالحة للملاحة قبل وعند بداية الرحلة في ظل اتفاقية بروكسيل هي ذاتها في ظل أهم القوانين المقارنة في القانون البحري.[12]
كما أن جل الفقه في فرنسا على الرغم من أن القانون الفرنسي لم ينقل إلى مادته الحادية والعشرين، نص الفقرة الأولى من المادة 3 من اتفاقية بروكسيل بحرفيته، على كون التزام الناقل في ظل هذا القانون بجعل السفينة صالحة للملاحة قبل وعند بداية الرحلة البحرية هو التزام ببذل عناية، وأن العناية المطلوبة في تنفيذه هي العناية المعقولة.[13]
أما المشرع المغربي فقد نص في الفصل 231 من ظهير 31 مارس 1919 على ما يلي:”إذا اقتضى وقوع حادثة بحرية إصلاح السفينة خلال السفر كان مستأجرها أو الشاحن ملزما إما بالانتظار و إما بأداء أجرة النقل كاملة “
والواقع أن فكرة صلاحية السفينة للملاحة فكرة نسبية، إذ توجد في مجال آخر غير تأجير السفن أو استغلالها في عمليات النقل البحري، ألا وهو التأمين البحري على جسم السفينة (Coque nue) فالمؤمن (شركة التأمين) لا يدفع تعويض التأمين في حالة هلاك السفينة، إذا كانت غير صالحة للملاحة عند بداية السفر، أما إن أصبحت غير صالحة للملاحة على إثر حادث طرأ بعد بداية الرحلة فإن المؤمن له (مالك السفينة) يمكنه أن يتخلى لشركة التأمين عن السفينة ويطالبها بالوفاء بقيمتها، حيث تكون الصلاحية للملاحة والحالة هذه قاصرة على مجرد بقاء السفينة عائمة عند انطلاق الرحلة البحرية.
أما في مفهوم إيجار السفن أو استغلالها في النقل البحري للبضائع فإن فكرة الصلاحية للملاحة لها مفهوم واسع.
وعلى سبيل المثال فإن سفن الثلاجات التي تستعمل في نقل اللحوم والفواكه لن تعتبر صالحة للملاحة إذا كانت أجهزة التبريد فيها معطلة، وكذلك أجهزة قياس درجة البرودة.
وعليه يمكن القول بأن الصلاحية للملاحة تحكمها فكرتان، فكرة ملاحية (في التأمين) وفكرة تجارية (في التأجير والنقل).[14]
هكذا يمكن أن نورد تطبيقات لمعنى الصلاحية كالتالي:
- يجب أن يكون جسم السفينة سليما، لأن في هذا الشرط ضمان لسلامتها من الهلاك، ولذا يلزم أن يكون قويا يحتمل الملاحة في البحار التي يجب أو يحتمل أن تسير فيها.
- أن تكون مزودة بوسائل الدفع والقوى المحركة اللازمة والكافية بالنظر إلى حجمها وحمولتها.
- أن تكون بها المعدات والأجهزة التي جرى العرف على استعانة السفن بها في نوع الملاحة والسفن كـالبوصلة والخرائط والمضخات وما إلى ذلك.
- يلزم أن يكون الوقود الذي بالسفينة وقت بداية رحلتها كافيا على الأقل حتى وصولها إلى أول ميناء يكون لها الحق في الوقوف عنده لتستكمل تموينها، فإن لم يتوافر لها هذا الشرط اعتبرت أنها أبحرت وهي غير صالحة للملاحة لأنها تكون مهددة. على أن المسؤولية في هذه الحالة تقع على من يتولى إدارة السفينة، فإن كانت السفينة تقوم بنقل بحري للبضائع تبعا لإيجار بالرحلة فإن مؤجر السفينة (المالك) هو من تكون له إدارة السفينة. أما في حالة المشارطة الزمنية فإن المستأجر الناقل هو الذي يتولى إدارة السفينة.
- يجب أن تكون السفينة مهيأة من حيث عنابرها وسطحها ومخازنها وأجهزتها، فإن لم يتوفر لها ذلك اعتبرت صالحة للملاحة من الوجهة الملاحية لا التجارية.
وفي تقدير هذه الشروط يجب النظر لكل حالة على حدة بالنظر للخدمة المطلوبة من السفينة، لهذا فإن الصلاحية للملاحة تقدر بنظرة شخصية لا موضوعية.[15]
المبحث الثاني:إثبات صلاحية السفينة للملاحة
تثبت صلاحية السفينة للملاحة بواسطة جواز الإبحار والشهادات التي تمنحها السلطات المختصة لإجراء المعاينة والفحص على السفينة قبل الإبحار.[16]
وفي هذا الصدد، نجد أن المشرع المغربي وضع تنظيما محكما فيما يتعلق بمعاينة سلامة السفينة، وأوكل مهمة المعاينة وتسليم شهادة السلامة إلى لجن مختصة، كلجنة السلامة المركزية، ولجنة معاينة استخدام السفينة وفقا لمقتضيات الفصول 35 مكرر و36 و36 مكرر، كما حدد العقوبات التي يمكن إيقاعها على مجهز أو مالك السفينة الذي يخالف مقتضيات النصوص التنظيمية المتعلقة بصلاحية السفينة للإبحار، وذلك في الفصل 37 مكرر أربع مرات.[17]
فبموجب هذه القواعد التنظيمية لا يمكن لأية سفينة مغربية أو أجنبية أن تبحر أو تغادر الميناء إلا إذا حصلت على الشواهد التالية:
- شهادة معاينة السفينة قبل استخدامها لمنحها جواز الإبحار، وتسلم من قبل خبراء فنيين تحت إشراف السلطة البحرية.
- شهادة المعاينة السنوية والتي تجري كل سنة، ويقوم بها مراقبون ومختصون.
وإذا انتهت صلاحية شهادة السلامة والسفينة لا تزال في عرض البحر، تعتبر هذه الصلاحية ممتدة إلى غاية وصول السفينة إلى الميناء المقبل الذي سترسو فيه.
وتثار مسألة صلاحية أو عدم صلاحية السفينة للملاحة عندما يطلب المستأجر الناقل تعويضا عن ضرر أصاب البضاعة ويدعي نسبته إلى عدم صلاحية السفينة، أو عندما تؤدي شركات التأمين التعويضات، وتقوم بالرجوع على المسؤول عن الضرر في إطار دعوى الحلول، وفقا لمقتضيات الفصل 367 من ق.ت.ب.م.[18]
لهذا يتعين علينا بحث مسألتين محوريتين وهما: الملزم بإثبات صلاحية السفينة للملاحة (المطلب الأول) ثم وسائل إثبات صلاحية السفينة للملاحة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الملزم بإثبات صلاحية السفينة للملاحة
سبق وأن بينا، أن تقديم سفينة صالحة للملاحة التزام يقع أساسا على مالك السفينة سواء استعملها بنفسه لنقل البضائع أو أجرها بمقتضى مشارطة زمنية لشخص آخر يقوم بنقل البضائع في إطار النقل البحري للبضائع أو النقل المتتابع، وهو ما ذكره المشرع المغربي في الفصل 213 من ق.ت.ب.مبقوله: “مؤجر السفينة ملزم بتسليمها في حالة صالحة للملاحة، ويعني ذلك أن تكون صالحة من جميع الجوانب للقيام بكل أمان بالملاحة التي أعدت لها.
ويكون مؤجر السفينة مسؤولا تجاه مستأجرها عن جميع الأضرار الناتجة عن حالة السفينة المعيبة ما لم تكن هذه الحالة المعيبة ناشئة عن عيب خفي لا يسمح باكتشافه فحص دقيق”.
أما المشرع التونسي فقد نص في الفصل 174 من مجلة التجارة البحرية على ما يلي: “على المؤجر أن يقدم سفينة صالحة للملاحة وإلا خسر أجرة النقل المتفق عليها وغرم التعويض الذي يستحقه المستأجر.
وإذا كانت السفينة حاملة لجميع الأوراق القانونية فعلى المستأجر أن يثبت كونها غير صالحة للملاحة”.
كما نجد المشرع الفرنسي جعل عبء الإثبات ملقى على عاتق الناقل في المادة 27 من قانون 18 يونيو 1966.
يتضح إذن أن مسألة عبء الإثبات في التشريعات الوطنية تختلف بين من ينحو منحى المشرع المغربي ويجعله ملقى على عاتق مالك السفينة سواء أجرها أو استغلها بنفسه في نقل البضائع، وبين التشريعات التي تجعل الناقل البحري مسؤولا ما لم يثبت هو عدم صلاحية السفينة للملاحة كالقانون الفرنسي، وبين مذهب وسط يمثله المشرع التونسي الذي جعل عبء إثبات عدم الصلاحية للملاحة على كاهل الناقل المستأجر إذا كانت السفينة حاملة لجميع الأوراق القانونية. أما التشريع المصري فيفرق بين إيجار السفينة مجهزة وإيجارها غير مجهزة، ففي الحالة الأخيرة يلقي على المؤجر التزاما بتحقيق نتيجة معينة، إذ يشترط أن تكون السفينة في حالة صالحة للملاحة، فهو ملزم بتسليمها صالحة، بحيث لو ثبت أنها غير صالحة للملاحة لكان مسؤولا، بغض النظر عما إذا كان قد بذل العناية اللازمة أو لم يبذلها، باستثناء الحالة التي يكون فيها سبب عدم الصلاحية للملاحة هو العيب الخفي.
أما في حالة تأجير السفينة مجهزة، فيتلخص مركز المؤجر من صلاحية السفينة في التزام ببذل العناية المعقولة قبل بدء السفر، ليجعل السفينة صالحة للملاحة، والمقصود بالملاحة تأدية الخدمة. وتقاس هذه العناية بما يبذله مجهز آخر حريص في نفس الظروف بالنظر إلى ما تواجهه المشارطة من حيث طبيعة السفينة والرحلة والحمولة.
وفي جميع الأحوال، يقوم هذا الالتزام على المؤجر شخصيا بمعنى أنه لا يجوز له أن يعهد به إلى تابعيه، فإن فعل ظل هو المسؤول شخصيا عن تنفيذه.[19]
هكذا نجد بأن التشريعات متضاربة في مسألة المطالب بإثبات صلاحية السفينة للملاحة بين المؤجر المالك والمجهز الناقل، على أنه إذا أثبت المؤجر أو المستأجر بحسب الأحوال صلاحية السفينة للملاحة، فإن الشاحن أو المرسل إليه الذي يريد رفع دعوى قضائية بسبب عوار أو هلاك بضاعته ينقلب عليه عبء الإثبات، حيث يغدو هو المطالب بإثبات أن الضرر اللاحق ببضاعته سببه هو عدم صلاحية السفينة للملاحة.
المطلبالثاني:وسائل إثبات صلاحية السفينة للملاحة
إن صلاحية أو عدم صلاحية السفينة للملاحة واقعة مادية تثبت بكل وسائل الإثبات ولاسيما الشهادات والقرائن.
وفعالية كل وسيلة من وسائل الإثبات ودرجة اقتناع القاضي بها هي مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض سوى من حيث التعليل.[20]
وبخصوص الصلاحية للملاحة فقد جرى العمل أن يقدم المؤجر شهادة تثبت صلاحية السفينة وأوصافها، والمفروض طبعا أن هذه الشهادة صدرت قبل بدء الرحلة، وهي تظل سارية للمدة المحددة فيما ما لم يقع حادث من شأنه أن يغير حالة السفينة.
ومتى قدم المؤجر هذه الشهادة فمعناه أنه بذل العناية المعقولة، وأنه إذا كان في السفينة عيب رغم وجود هذه الشهادة أي رغم قيام شركة الإشراف بفحص السفينة، فهو عيب خفي.
ولكن شهادة شركة الإشراف أو أي شهادة إدارية أخرى تعد مجرد قرينة بسيطة لصالح المؤجر على خفاء العيب، فيكون للمتضرر أن يثبت بكافة الطرق أن الفحص لم يكن جديا.[21]
ذلك أن هذه الشهادات ليست سوى قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، لكن المجهز قد يستند لإثبات صلاحية السفينة للملاحة إلى معاينة الشاحن للسفينة، فهل تعتبر هذه المعاينة دليلا على صلاحية السفينة للملاحة؟
إن الإجماع منعقد على أن هذه المعاينة ليست قرينة على صلاحية السفينة للملاحة، إنما هي مجرد قرينة على قبوله للسفينة على الحالة التي هي عليها، ولهذا لا يمكن اعتبار زيارة الشاحن للسفينة دليلا قاطعا على أن السفينة في حالة صالحة للملاحة، إلا إذا كانت له الدراية والخبرة التي يتمتع به المختصون في مثل هذه الأمور، كما لا يمكن اعتبار معاينته تلك دليلا على قبوله لها بحالتها تلك إلا إذا كان العيب ظاهرا له.[22]
بالمقابل اعتبرت محكمة الاستئناف بباريس في قرار شهير صادر بتاريخ 9 يونيو 1965 أن اتفاق المستأجر مع المؤجر على أن الأول سيقوم بفحص السفينة بواسطة خبرائه قبل بدء الرحلة للتحقق من صلاحيتها للملاحة يلزمه لكونه محترفا، إذ بقبوله للسفينة بعد الفحص الذي قام به خبراء تابعون له، يكون قد قبل السفينة بالحالة التي هي عليها وليس له الادعاء بأنها لم تكن صالحة للملاحة.[23]
في ذات السياق، نجد المشرع المغربي كان سباقا إلى اعتبار شهادات الكشف والمعاينة مجرد قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس في الفصل 214 ق.ت.ب.م بقوله: “يجوز أن يقبل إثبات عدم صلاحية السفينة للملاحة بالرغم من شهادات المعاينة عند الإقلاع ولو كان هذا الإثبات يناقض مضمن تلك الشهادات.”
وبما أن إقرار الخصم هو سيد الأدلة فإن سندات الشحن وبيانات الفروق تعتبر وسيلة لإثبات عدم صلاحية السفينة للملاحة من الوجهة التجارية، حيث تعتبر والحالة هذه قرينة قاطعة على أن الربان تسلم البضائع وهي في حالة جيدة.
من جهة أخرى، تزخر اجتهادات محكمة النقض الفرنسية بالعديد من التطبيقات القضائية لمسألة الصلاحية للملاحة، نذكر منها على سبيل المثال قرار الغرفة المدنية الأولى لمحكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 27 ماي 2010 في قضية السفينة (Meranti38) الذي حمل شركة التصنيف مسؤولية الضرر الذي لحق بالسفينة بماليزيا، إذ أن خبراءها كانوا مقصرين بعد معاينة السفينة، كما اعتبرت أن القانون الواجب التطبيق هو القانون الماليزي لكونه مكان حدوث الضرر.[24]
ولم يقف القضاء الفرنسي عند هذا الحد بل أدان أحد خبراء شركة التصنيف (Rina) جنائيا في 18 يناير 2008 من طرف المحكمة الزجرية بباريس بعد غرق ناقلة البترول Erika في 12 دجنبر 1999، حيث اعتبرت المحكمة الشركة الإيطالية تعمدت ارتكاب جريمة تلويث البيئة البحرية، بعدما عاين خبيرها السفينة في إطار الفحص السنوي واعتبرها صالحة للملاحة، وحكمت عليها بأداء غرامة مالية قدرها 375.000 أورو بالإضافة للتعويضات المستحقة والتي ستؤديها تضامنا مع مالك السفينة ومجهزها.[25]
وصفوة القول، إن صلاحية السفينة للملاحة هي التي تحدد ميلاد السفينة قانونا، ونهايتها بفقدانها لوصف السفينة و صيرورتها حطاما بإنتفاء صلاحيتها للملاحة و مجابهة مخاطر البحر.
لكن التضارب في بعض جزئيات صلاحية السفينة للملاحة و أيضا في باقي مؤسسات القانون البحري، بين القوانين القديمة كالقانون المغربي الصادر في 31 مارس 1919 و القوانين الصادرة في نهاية القرن الماضي ، والتي تختلف أيضا بإختلاف النظم القانونية المستوحاة منها، تعصف بجهود التوحيد الدولي للقانون البحري، الذي أصبح ضرورة ملحة في زمن العولمة. ولهذا نناشد المشرع المغربي لصياغة مدونة جديدة للتجارة البحرية مستوحاة من الإتفاقيات الدولية وتتماشى مع الإجتهادات القضائية الوطنية و الأجنبية والدراسات الفقهية المتخصصة، للرفع من المكانة التي أضحى يتبوؤها الإقتصاد المغربي ضمن الإقتصاد العالمي .
[1]فريد الحاتمي، الوسيط في القانون البحري المغربي، الجزء الأول، السفينة وأشخاص الملاحة البحرية، دار النشر المغربية، 2000، ص.13.
[2]نجاة بضراني: القانون البحري، الجزء الأول،السفينة،دار النشر الشرقية،1993،ص:41.
[3]QUENEUDEC J.P: Conventions maritimes internationales, Ed. A. Pedone, Paris, 1979, p.293.
[4]BONASSIES P. et SCAPEL C.: Traité de Droit maritime, L.G.D.J, Paris, 2006, P.104 et suites.
[5]RODIERE R. et DUPONTAVICE E.: Droit maritime, Dalloz, 12ème éd., Paris, 1997, P.39.
[6]مصطفى كمال طه، أساسيات القانون البحري (دراسة مقارنة) منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، الطبعة الأولى، 2006، ص.34.
[7]ثريا بوبغي، التزامات الناقل البحري في القانون المغربي،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص،جامعة الحسن الثاني- الدار البيضاء،السنة الجامعية:1997/1998،ص.65 و66.
[8]بسام عاطف المهتار، معاهدة بروكسيل وتعديلاتها، منشورات الحلبي الحقوقية، ط.1، 2006، ص.96.
[9]ويقابل هذا الفصل في التشريعات المقارنة المادة 209 من قانون التجارة البحرية اللبناني والفقرة الأولى من المادة 191 من القانون البحري الكويتي والمادة 212 من مجلة التجارة البحرية التونسية والمادة 209 من القانون البحري السوري والمادة 212 من القانون البحري الليبي والمادة 158 من القانون البحري البحريني والمادة 21 من القانون الفرنسي المؤرخ في 18 يونيو 1966 المتعلق بعقود إيجار السفن والنقل البحري.
[10]محمد فريد العريني ومحمد السيد الفقي، قانون النقل، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2011، ص.43
[11]ADIL Hind: Le régime juridique international de la responsabilité du transporteur maritime de marchandises sous connaissement: un échec? Thèse pour l’obtention du grade de Doctorat en Droit, Faculté de Droit de Montréal, 2009, p.37.
[12]عمر فؤاد عمر، إعفاء الناقل البحري من المسؤولية ـ دراسة مقارنة في عقد النقل البحري للبضائع ـ دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2000، ص.61 وما بعدها.
[13]MASCLET (J), La réforme du droit maritime français, Gaz. Pal, 1968, 2, P.108.
[14]أحمد حسني،عقود إيجار السفن،منشأة المعارف الإسكندرية ،1985 ، ص.46.
[15]علي جمال الدين عوض، النقل البحري للضائع، دار النهضة العربية، 1992، ص.139.
[16]LANGLAVANT R. : Droit de la mer, T.II, Cujas, Paris, 1981, p.66.
[17]ثريا بوبغي، م.س ، ص.73.
[18]أنس أبوخصيب:التزامات الناقل البحري للبضائع بين الإتفاقيات الدولية و التشريع المغربي و المقارن،رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون الأعمال،جامعة الحسن الثاني ،كلية الحقوق المحمدية، السنة الجامعية:2011/2012، ص:17.
[19]علي جمال الدين عوض، مشارطات إيجار السفن، دراسة عملية قانونية لأهم المشارطات والقانون المصري والفرنسي والإنجليزي، دار النهضة العربية، 1987، ص.65.
[20]RODIERE R: Traité général de Droit maritime, T.II, Dalloz, 1968, p.249.
[21]علي جمال الدين عوض، النقل البحري للبضائع، دار النهضة العربية،1992، ص.141.
[22]ثريا بوبغي، م.س ، ص.74.
[23]D.M.F, 1960, p.86.
[24]D.M.F, N° 717, Septembre 2010, p.701.
[25]BOISSON Philippe: La responsabilité de la société de classification dans l’arrêt Erika, DMF N° 719, Novembre 2010, p.897.





