نسيمة كموش
جامعة الجزائر 1
مقدمة
إن الهدف من الرقابة البرلمانية هو التحقق من أن الأداء الحكومي متوافق مع المصلحة العامة التي تعتبر جوهر الوظيفة الحكومية، فإرساء آليات للرقابة البرلمانية في أي نظام سياسي هو أمر ضروري للفت نظر الحكومة للأخطاء المرتكبة، وتنبيهها بأن هناك قوة شعبية متابعة لكيفيات تسيير الأموال العمومية، كل هذا يجعل من الرقابة البرلمانية على المالية العمومية بمختلف وسائلها أداة فعالة للحد من التسيب في تسيير المرافق العمومية والمساهمة في القضاء على تجاوزات الإدارة بمختلف أجهزتها وسلطاتها، على اعتبار أن الرقابة البرلمانية من الوسائل المتبادلة بين البرلمان والحكومة التي تمارس لمصلحة الشعب بغية منع الانحراف والالتزام بالبرامج التي ارتضاها ممثلو الشعب داخل البرلمان.
إنّ هذه الممارسة تستمد من مبدأ أساسي وهو مبدأ الفصل بين السلطات الذي يحكم وينظم ممارسة سيادة وسلطة الدولة الوطنية في النظم السياسية، فهي رقابة تمارسها هيئة دستورية سيادية، على أساس أحكام دستورية تحدد سلطات ووسائل هذه الرقابة على أعمال الحكومة باعتبارها هي الأخرى مؤسسة دستورية، تشرف وتقود أعمال الإدارة في الدولة وتتحمّل المسؤولية السياسية عنها) (، كما أنها تختلف من نظام إلى آخر وذلك بحسب طبيعة الفصل الموجود بين سلطاته.
إنّ التطرق إلى الرقابة البرلمانية في النظام السياسي الجزائري وبالأخص في جانبها المالي، يستدعي الإشارة إلى تطور الإطار السياسي والمؤسساتي على اعتبار أن هذا الإطار هو المحدد لآليات هذه الرقابة، من خلال طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لاسيما في المجال المالي موضوع دراستنا، لكونه أهم أوجه الاهتمام لكل من الحكومة والبرلمان، فالنظام السياسي الجزائري لم يكن موحد المعالم والأطر، بل خضع لتحولات عدة، إذ عرفت الجزائر نماذجا مختلفة جاءت مسايرة للظروف التي مرت بها وتكيفا مع ما يعتقد أنها تحولات وتطورات لابد من مسايرتها، هذه التحولات تمت مواكبتها بمجموعة من المعايير القانونية وبدرجات متفاوتة وذلك لإعطاء إطار قانوني لعمل مؤسسات الدولة، وتحديد طبيعة ومهام كل مؤسسة أو وظيفة، فمرت بذلك المؤسسة التشريعية أو الهيئة المكلفة بالتشريع والرقابة في الجزائر بعدة مراحل، وعرفت نماذجا متباينة من حيث التنظيم والصلاحيات تبعا لمقتضيات وظروف إنشائها ولطبيعة النظام السياسي ومتطلباته في كل مرحلة) (، وأخذت أشكالا وتسميات خلال مراحل متعاقبة).
إنّ معرفة طبيعة الرقابة البرلمانية الممارسة في النظام السياسي الجزائري، وتكييفها، وأهدافها، تستدعي التمييز بين مرحلتين أساسيتين وحاسمتين:
تمتد المرحلة الأولى من 1962 إلى 1989 والتي تعرف بمرحلة التوجّه الاشتراكي وتبني سياسة الحزب الواحد، وسيادة مبدأ وحدة السلطة وتعدّد الوظائف) (، فكان كل من الميثاق الوطني والدستور يعتبران الرقابة أمرا ضروريا لتجسيد الاختيار الاشتراكي الذي تبناه دستور 1963 و 1976، وفي هذا الإطار أكد دستور 1976 على أن وظيفة الرقابة عامل رئيسي في مسيرة الثورة، وجاء بمجموعة من المصطلحات التي قد يفهم منها أنها تكريس لدور الرقابة وتتمثل هذه المصطلحات في: الإرادة الشعبية، الديمقراطية، المشاركة، تسيير الشؤون العامة. لكن بالمقابل لاحظنا محاولة إحداث فصل بين المتلازمين الكلاسيكيين وهما الديمقراطية والرقابة، وتعويضهما بمتلازمين آخرين هما الرقابة والفعالية مما يعني إدماج ومحاولة تمييع للدور الرقابي للبرلمان، هذا الأمر نجده أيضا في المرحلة الثانية من خلال دستوري 1989 و 1996 وكذا القانون المنظم لغرفتي البرلمان وعلاقاتهما مع الحكومة، والقانون المتعلق بعضو البرلمان، والتي حاولت التأكيد على الدور الرقابي للبرلمان في ظل فصل غير واضح للسلطات، الأمر الذي عزّز من الإرادة المتواصلة خلال فترة تجاوزت الأربعين سنة تهدف إلى حصر وتأطير وتقييد البرلمان( ).
إنّ هذه الانشغالات تزداد تأزّما حين يتعلق الأمر بمراقبة المالية العمومية، كونها تمس استخدام الأموال العمومية، فموضوع فعالية الرقابة البرلمانية هو محل نقاش، خاصة في ظل التزايد المذهل والتطور السريع لحجم النفقات العمومية في ميزانية الدولة الجزائرية، والبرامج الإنمائية كما هو الشأن بالنسبة لبرنامج الإنعاش الاقتصادي أو برنامج دعم النمو، أو البرنامج الخماسي الذي تعتمده الدولة، ومن هنا نتساءل عن الاختصاص الممنوح للبرلمان في مجال تطبيق قانون المالية فهل تحترم السلطة التنفيذية الرخص المالية المقدمة من البرلمان أو بعبارة أخرى هل البرلمان حينما يصادق على قوانين المالية يتابع تنفيذ هذه الأخيرة؟
أولا: الرقابة البرلمانية في القانون الجزائري:
تسند الرقابة السياسية على المالية العمومية إلى البرلمان، هذا الأخير ليس مكلفا فقط بالترخيص لتحصيل الإيرادات وصرف النفقات بل مكلف أيضا بالرقابة على تنفيذها( )، في مخطط الرقابات على تنفيذ قانون المالية فإن الرقابة السياسية التي تمارس من قبل البرلمان هي التي تأخذ المرتبة الأولى باعتبارها هي التي ترخص بتنفيذ عمليات الإيرادات والنفقات وسيرها ثم الانتقال إلى الإقرار بتنفيذ الميزانية، وقد ظلت الرقابة البرلمانية مميزة بطابعها الشكلي لمدة طويلة وما تزال كذلك اليوم( ).
هدف الرقابة السياسية هو ضمان الاستعمال الأمثل للأموال العمومية وهذا طبقا للمواد 80، 84، 99، 133 و134 من دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وكذا القانون العضوي 99-02()حيث تعتمد هذه الرقابة على الوسائل الموضوعة تحت تصرف البرلمان للرقابة وكذا الآثار الناتجة عن هذه الرقابة.
وعلى الرغم من وجود مؤهلات دستورية واضحة، نرى أن الرقابة البرلمانية لا تحتل تلك المكانة المنتظرة منها بل نستطيع القول أنها محيت تماما وعوضت برقابة إدارية على مختلف أنواعها.
1- وسائل الرقابة البرلمانية:
تعد الرقابة البرلمانية الحقيقية على تنفيذ الميزانية العامة ضرورة لازمة لأنها تحقق السيادة الشعبية والتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وترفع مستوى الحكم وتحافظ على المال العام من الإسراف والتبذير والسرقة، فهي تمارس باسم الشعب مصدر كل السلطات، فالشعب متحمل عبء تمويل الميزانية العامة ومن حقه أن يراقب تنفيذ الموازنة العامة وفقاً لما أقره الدستور والقوانين والأنظمة سارية المفعول.
ويملك البرلمان العديد من الوسائل الرقابية التي تسمح له بمتابعة تنفيذ الميزانية العامة للدولة، لكن هذه الوسائل لا تستعمل في حقيقة الأمر بجدية. فالوسائل التي بالإمكان استعمالها كثيرة ومتاحة لكن في حقيقة الأمر هناك غياب تام للإرادة السياسية.
1-1 لجان التحقيق كوسيلة للتحري البرلماني:
إن سلطة التحقيق والتفتيش التي يمتلكها البرلمان في المجال المالي يفترض أن تكون من أهم الوسائل التي تمكنه من ممارسة مهمة الرقابة هذه، لأنها تمكنه من تسليط الضوء على حقيقة تسيير الأموال العمومية، وذلك من خلال اطلّاع ممثلي الشعب بأنفسهم على ما هو واقع في نطاق الجهاز الحكومي ورصد أي مخالفات أو تجاوزات، ولم يعرف المؤسّس الدستوري التحقيق البرلماني واكتفى بتحديد نطاقه، وهو ما يستشف من خلال قراءتنا للمادة 161 من دستور 1996( )، ويقصد بالتحقيق البرلماني رغبة السلطة التشريعية في الإطلاع على معلومات عن السلطة التنفيذية تتيح لها ممارسة صلاحيتها مثل تكليف لجنة من أعضائها بجمع المعلومات وتقديم تقرير تتخذه هذه السلطة على ضوئه القرار المناسب.
وحق السلطة التشريعية بتعين لجنة لإجراء تحقيق برلماني يأتي من الفكرة القائلة بأن كل سلطة تشريعية مدعوة للفصل في قضية ما، يجب عليها أن تتزود بالمعلومات الكافية عن هذه القضية سواء نص الدستور على التحقيق البرلماني أم لم ينص.
والهدف من استخدام التحقيق البرلماني الـتأكد من سير الأعمال في مصالح الدولة وتوضيح بعض القضايا التي تهم الرأي العام، وتثير التساؤل عما إذا كان ثمة تصرفات مشبوهة تستتبع مسؤولية الوزارة السياسية( ). وبالرجوع إلى الفقه فإننا نجد عدة تعريفات قدمت له وذلك من زوايا مختلفة ومن أهم هذه التعريفات أنه: “وسيلة رقابية متعددة الأطراف غير مقصورة كالسؤال على طرفيه ولا فردية الطلب كالاستجواب، وإنما تتجاوز ذلك إلى البرلمان ككل من ناحية والجهاز الحكومي الذي يتقصى الحقائق عن شأن يتعلق به، أو يتحرى عما وقع في نطاقه من مخالفات أو تجاوزات، من ناحية أخرى تعكس بذلك رغبة البرلمان في أن يتوصل بنفسه إلى تلك الحقائق بإجراء تحقيق يستقصي من خلاله ما يريد من المعلومات اللازمة كي يقرر ما يشاء في شأن يدخل في نطاق الاختصاص الحكومي( ).
فلجان التحقيق كوسيلة من الرقابة البرلمانية الفعالة ليست بحاجة إلى نص يقررها على اعتبار أنها تستمد وجودها من الوظيفة التشريعية والرقابية للبرلمان، لأنها مرتبطة بنشاط النظام البرلماني كما هو الشأن في بريطانيا و فرنسا، كما أكدت المحكمة العليا هذه الحق للكونغرس الأمريكي ضمن وظائفه الدستورية، في حين نجد أنظمة أخرى أكدت هذا الحق من خلال النص عليه صراحة في نصوصها الأساسية كما هو الشأن بالنسبة للجزائر( ).
إن التحقيق البرلماني هو الوسيلة الأنسب التي تمكّن البرلمان من الوقوف على حسن سير الأجهزة الإدارية، من هذا المنطلق تتضح لنا الأهداف المتوخاة من التحقيق البرلماني، والتي تتلخص أساسا في إتاحة الفرصة لأعضاء البرلمان للتعرف على مدى انتظام سير مرفق من المرافق العامة أو إدارة أو مصلحة عامة، والوقوف على أوجه التقصير أو الانحراف في المرافق وذلك بالوقوف على هذه الحقيقة بنفسه إذا لم يقتنع بالمعلومات التي تقدمها الحكومة.
إن لجوء أعضاء البرلمان في النظام السياسي الجزائري إلى إنشاء لجان برلمانية للتحقيق حتى يتمكنوا من الوصول إلى الحقائق بأنفسهم في مناسبتين، الأولى عقب رد الحكومة على موضوع باستجواب موجه لها من طرف أعضاء إحدى غرفتي البرلمان، والمناسبة الثانية في قضية ذات أهمية وطنية.
فالتحقيق هو وسيلة لتوسيع نطاق هذه العلاقة والاستقصاء لدى كل الأطراف المعنية باختلاف صفاتهم، وذلك عقب تفحص الإجابات الحكومية التي لم تكن مقنعة( ).
وعليه تعتبر هذه الوسيلة حافزا لأعضاء الحكومة بالحرص وإيلاء العناية اللازمة حين الإجابة على الأسئلة أو الاستجواب لتفادي تفاقم المسالة.
إن إنشاء هذه اللجان لا يتعلق أو يقتصر على استجواب الحكومة بل يمكن تحريك هذا الإجراء في أي وقت وبمناسبة أي قضية تمس بالمصلحة العامة بمفهومها الواسع، لكن السؤال المطروح هو كيفية تحديد مفهوم المصلحة العامة وكذا الجهة التي من شأنها تكييف قضية ما على أنها تكتسي طابع المصلحة العامة من عدمها( ).
إن الاحتمال الذي يمكن تصوره هو أن طابع المصلحة العامة يقع ضمن اختصاص مكتبي غرفتي البرلمان، باعتبارهما يشرفان تقليديا على القبول من حيث الشكل للإجراءات الواجب القيام بها.
إن الصياغة التي جاء بها الدستور 1996 والتي فتحت المجال لإنشاء لجان التحقيق يصطدم بمانع بارز ورد في القانون العضوي المحدد للعلاقة بين الحكومة وغرفتي البرلمان، والذي نص في مادته 79 على أنه لا يمكن إنشاء لجان تحقيق حول موضوع لا يزال محل نظر لدى الجهات القضائية المختصة، إن المبادرة بإنشاء لجان التحقيق هو حق مكرس دستوريا لكل من نواب المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة في نطاق اختصاصهما، إذ نص دستور 1996 في هذا الإطار على أنه: “يمكن لكل غرفة من البرلمان في إطار اختصاصاتها أن تنشئ في أي وقت لجان تحقيق في قضايا ذات مصلحة عامة( ).
وهو الأمر الذي أكدت عليه معظم النظم الداخلية للمجالس النيابية التي عرفها النظام السياسي الجزائري مع ملاحظة اختفاء هذا الحق في النظام الداخلي للمجلس الوطني الانتقالي على الرغم من أن دستور 1989 كان ساريا في تلك الفترة( ).
إن الإجراءات المعمول بها حاليا في مجال إنشاء لجان التحقيق البرلماني تتسم بالبساطة إذا ما قارناها مع تلك الإجراءات الواردة في القانون رقم 80-04 المؤرخ في 01 مارس 1980 المتعلق بممارسة وظيفة المراقبة من قبل المجلس الشعبي الوطني( )، ويمكن تلخيص هذه الإجراءات فيما يلي:
تشكيل لجان التحقيق البرلماني:
بناء على ما جاء في دستور 1996 وطبقا للقانون العضوي 99-02 المؤرخ في 20 ماس 1999 المحدد لتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، فإنه يتم إنشاء لجنة التحقيق من قبل المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة بالتصويت على اقتراح لائحة يودعها لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة ويوقعها على الأقل 20 نائبا أو 20 عضوا من مجلس الأمة.
إن هذا الشرط يهدف أساسا كما أشار إليه نواب المعارضة خلال جلسة مناقشة مشروع القانون العضوي 99-20 على منع المعارضة من ممارسة وظيفتها، وحقها في الرقابة والتحري، فلا يمكن أن يأخذ نواب الأغلبية المبادرة بالتصويت على لائحة إنشاء لجنة للتحقيق حول عمل الحكومة التي يساندونها، فإنشاء لجنة تحقيق يصطدم بظاهرة الأغلبية التي ستوقف كل مبادرة تصب في هذا الاتجاه، لتجاوز ذلك اقترح السيد عبد السلام علي راشدي نائب بالمجلس الشعبي الوطني إعطاء كل مجموعة برلمانية على الأقل كل سنة الحق في تقرير إنشاء لجنة تحقيق أو أن يتفق سبع (1/7) أعضاء المجلس إنشاء لجنة تحقيق دون اللجوء إلى التصويت، هذه التقنية تقترب من تلك التي اقترحتها المجموعة البرلمانية الاشتراكية الفرنسية والتي بمقتضاها يطلب سنويا رئيس كل مجموعة برلمانية تسجيل اقتراح لائحة في جدول الأعمال يرمي إلى إنشاء لجنة تحقيق( ).
التعيين والعضوية في لجان التحقيق البرلماني:
أكد القانون العضوي المحدد للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة على تعيين أعضاء لجان التحقيق من طرف غرفتي البرلمان، حسبما جاء في المادة 75 والتي تنص على ما يلي: “تعين كلا الغرفتين من بين أعضائها لجنة تحقيق حسب نفس الشروط التي تعين بها أعضاء اللجان الدائمة في النظام الداخلي لكليهما”.
لكن التساؤل يثار حول عدد أعضاء هذه اللجان؟ جرت التقاليد البرلمانية في النظم السياسية المقارنة على تحديد الحد الأقصى لعدد أعضاء لجان التحقيق وعلى هذا الأساس حدد النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني لسنة 1977 الحد الأقصى لأعضاء لجنة التحقيق بعشرة نواب على الأكثر(المادة 139)، في حين حدد النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني لسنة 199 ب 15 نائبا، أما القانون الداخلي للمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وكذا القانون العضوي المنظم للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة فلم يتطرق إلى هذا الأمر وتم الاكتفاء بالإشارة إلى أن التعيين يتم بنفس الكيفية التي يعين بها أعضاء اللجان الدائمة في كلا الغرفتين( ).
وهو ما يجعلنا نستنتج بأن العدد يمكن أن يكون في حدود الحد الأقصى للجان البرلمانية الدائمة التي تدخل في مجال اختصاصها الموضوع المتعلق بالتحقيق، فإذا كان التحقيق مثلا يتعلق بموضوع مالي فإن الحد الأقصى الذي يمكن تصوره هو الحد الأقصى لعدد أعضاء لجنة المالية والميزانية للمجلس الشعبي الوطني والمقدرة ب 50 نائبا( ).
هذا وقد جرت الممارسة البرلمانية في الجزائر سواء في عهد الحزب الواحد أو في ظل التعددية على قلة عدد أعضاء لجان التحقيق، إن هذا العدد حسب رأينا يجب أن يتناسب وحجم الوقائع المراد التحقيق بشأنها وكذا اتساع دائرة التحقيق.
أما العضوية فيها فقد أكدت النصوص القانونية صراحة اقتصارها على أعضاء البرلمان لكي يستمد التحقيق صفة من يقوم به، دون أن يمنع ذلك استعانتهم بخبراء ومختصين لتسهيل عملهم وإعطاء البعد العملي لتدخلهم، لكن الملفت للانتباه في هذا الإطار هو استبعاده المبادرين بلائحة إنشاء لجنة التحقيق من العضوية فيها( )، هذا الاستبعاد من شأنه أن يمنع النواب المبادرين بلائحة تشكيل لجنة التحقيق من المساهمة في التحقيق على الرغم أنهم الأدرى بخصوص التحقيق وملابساته.
بمجرد تحديد أعضائها تشرع اللجنة في وضع الإطار التنظيمي لسيرها وذلك بانتخاب مكتبها المكون من رئيس ،نائب رئيس ومقرر وإعداد نظامها الداخلي وجدول أعمالها( ).
سلطات لجان التحقيق البرلماني:
بإمكان لجان التحقيق أن تستمع إلى أي شخص وأن تعاين أي مكان وأن تطلع على أية معلومة أو وثيقة ترى أن لها علاقة بموضوع التحقيق، كمالها الحق أيضا في استدعاء كل شخص ترى بأن هناك أهمية يقدمها للتحقيق عند الاستماع إليه و تقديم شهادته. يرسل بذلك رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة حسب الحالة إلى الوزير الأول طلب الاستماع إلى أعضاء الحكومة ويتم بالاتفاق معه ضبط برنامج الاستماع إلى هؤلاء الأعضاء، كما يمكن أيضا توجيه الاستدعاء إلى إطارات المؤسسات والإدارات العمومية مرفقا ببرنامج المعاينات وذلك عن طريق السلطة السلمية التي يتبعونها، هذا ويعد عدم الامتثال أمام لجنة التحقيق تقصيرا جسيما يدون في التقرير وتتحمل السلطة السلمية المعنية كامل مسؤولياتها( ).
على الرغم من تأكيد القانون على ضرورة الامتثال أمام لجنة التحقيق إلا أن لجان التحقيق ليس من صلاحياتها تقرير العقوبات ولا حتى تحريك الدعوى الجزائية، لأن هذه الصلاحية تعود إلى رئيس المجلس، الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف موقف اللجنة( )، هذا وقد أثبتت الممارسة البرلمانية بأن لجان التحقيق التي أنشأها المجلس الشعبي الوطني قد واجهت بعض الرفض من طرف بعض الهيئات والأشخاص في تقديم بعض الوثائق أو حتى المثول أمامها( ).
إن القاعدة العامة في الممارسة البرلمانية الجزائرية تقتضي أن يكون التحقيق محاطا بالسرية وهو ما أشارت إليه المادة 82 من القانون العضوي 99-02 ذلك أنه يتعين على أعضاء لجنة التحقيق أن يتقيدوا بالسرية في تحرياتهم ومعاملاتهم ومناقشاتهم.
إن هذه القاعدة لا تجد تطبيقا لها في عدة دول لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية أين يحضا عمل لجان التحقيق بالإشهار الواسع وخير مثال على ذلك قضية ( (Watergateالتي عملت تحت أعين وأنظار إعلاميين من المستمعين والمشاهدين، كذلك الحال بالنسبة لفرنسا إذ أن الجلسات المخصصة للاستماع تكتسي طابع الواقعية والشفافية إذ أن المادة 142/01 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية ترخص بالبث التلفزيوني لأشغال لجان التحقيق وذلك لضمان إشهار واسع لأشغالها وكذا السماح للمواطن بأن يكون شاهد عيان على مدى الرقابة البرلمانية، فاستناد اللجنة على الرأي العام من شأنه تشكيل وسيلة ضغط على السلطة التنفيذية( ).
2_1 قانون ضبط الميزانية كآلية للرقابة اللاحقة: تتم الرقابة بعد تنفيذ قانون المالية عن طريق قانون ضبط الميزانية() وهو وسيلة سياسية ذات أهمية بالغة حيث يقوم البرلمان بالحكم في سياسة الحكومة. وقد أقر الدستور الجزائري في المادة 160 من دستور 1996 ” تقدم الحكومة لكل غرفة من البرلمان عرضا عن استعمال الاعتمادات المالية التي أقرها لكل سنة مالية وتختتم السنة المالية فيما يخص البرلمان بالتصويت على قانون يتضمن تسوية ميزانية السنة المالية المعنية من قبل كل غرفة من البرلمان”.
ومع تطور صلاحيات البرلمان، فإن التصويت على الميزانية عرف نوعا من اللامبالاة حيث أصبح تقليدا وشكلية سنوية تم إفراغها من محتواها الأصلي.
وقد نصت المادة الخامسة من القانون 84-17 على أنه يشكل قانون ضبط الميزانية الوثيقة التي يثبت بمقتضاها تنفيذ قانون المالية وعند الاقتضاء قوانين المالية التكميلية أو المعدلة الخاصة بكل سنة مالية ( ).
يشكل قانون ضبط الميزانية النوع الثالث لقوانين المالية، يحمل هذا القانون العديد من الأوجه الخاصة إذ من جهة يسمح بإعطاء أو وقف مبلغ الإيرادات والنفقات المحددة في الميزانية، ومن جهة أخرى فإن القانون يصحح التعديلات المتعلقة بالاعتمادات والتي تنفذ خلال السنة بدون رخصة مسبقة أي حالة تجاوز الاعتمادات، أو إلغاء الاعتمادات الذي لم يتم الأخذ به، وأخيرا فإن قانون ضبط الميزانية يحدد نتائج كل العمليات المتعلقة بتنفيذ قانون المالية وكذا عمليات الخزينة حيث يرخص بنقلها إلى الحساب العام لكشوفات الخزينة( ).
إن أهمية قانون ضبط الميزانية تكمن في التعرف على النتائج المالية المتعلقة بكل سنة مدنية وتبين الفرق بين النتائج والتقديرات الذي كانت في قانون المالية السنوي أو التكميلي في بعض الأحيان، أو بمعنى آخر الهدف من قانون ضبط الميزانية هو معاينة المبلغ النهائي والفعلي للإيرادات المحصل عليها وأوامر الإنفاق المسجلة في نفس السنة، السماح بنقل نتائج السنة إلى الحساب الدائم لكشوفات الخزينة، تعيين العجز أو الفائض الناتج عن الفرق بين الإيرادات والنفقات للميزانية العامة، الأرباح أو الخسائر المعاينة في تنفيذ الحسابات الخاصة للخزينة، الأرباح والخسائر المعاينة في تسيير عمليات الخزينة( ).
غير أنه وللأسف قانون ضبط الميزانية الذي يمكن البرلمان من رقابة أفعال الحكومة من خلال المصادقة عليه لم يتم إعداده في الجزائر سوى مرتين كانت في 1984 و 1987، وهذا ما يسمح لنا بالقول بانعدام رقابة لاحقة برلمانية على المالية العمومية.
ومع التغيير الذي طرأ على تنظيم الإدارة المركزية بوزارة المالية( ) فإنه تم استحداث مدرية فرعية مكلفة بإعداد مشروع قانون ضبط الميزانية على مستوى مديرية التنظيم والتنفيذ المحاسبي للميزانيات بالمديرية العامة للمحاسبة، قامت هذه المديرية الفرعية بإعداد مشروع قانون ضبط الميزانية لسنة 2008 الذي صادق عليه المجلس الشعبي الوطني، يوم الخميس 20 جانفي 2011 في جلسة عامة ترأسها عبد العزيز زياري رئيس المجلس بحضور أعضاء من الحكومة.
ويبقى القول أن هذه الخطة إيجابية رغم علمنا بمستوى البرلمانيين الذين أبدا ليس في إمكانهم التحكم في هذه المادة باعتبارها تحتاج إلى مختصين في هذا المجال الذي تتقنه السلطة التنفيذية.
يعتبر الاستجواب البرلماني للحكومة أكثر شدة وقوة من الأسئلة الكتابية والشفوية، لأنه يتضمن سؤال مصحوب باتهام ونقد وحساب للحكومة عن تصرفاتها في قضية من قضايا الساعة الوطنية وفي نطاق تطبيق برنامجها المصادق عليه من طرف البرلمان الذي يعد ميثاقا وعقدا سياسيا بين البرلمان والحكومة.
والأساس الدستوري للاستجواب كرسته المادة 133 “يمكن أعضاء البرلمان استجواب الحكومة في إحدى قضايا الساعة، وقد تطرقت أحكام المادتان 65،67 من القانون العضوي 99-02 المذكور سابقا على ضبط الإجراءات القانونية والتفصيلية لممارسة الوسيلة كما يحدد النظامين الداخليين لغرفتي البرلمان أكثر تفصيل في تحديد الشكليات والإجراءات الداخلية لتطبيق أحكام هذه المواد.
يمكن لأعضاء البرلمان بغرفتيه توجيه الأسئلة الشفوية أو الكتابية إلى الحكومة ويمكن الجواب عن السؤال الكتابي كتابيا خلال أجل أقصاه 30 يوم وتتم الإجابة عن الأسئلة الشفوية وفقا للضوابط والإجراءات المقررة في أحكام المواد 75-86 من القانون العضوي رقم 99/02.
وتعتبر هذه الوسيلة أكثر الوسائل الرقابية البرلمانية ممارسة وتطبيقا في النظم البرلمانية المقارنة وفي البرلمان الجزائري وذلك للأسباب والمبررات الموضوعية.
ويمكن توجيه الأسئلة الشفوية كل 15 يوم خلال دورتي البرلمان العاديتين أما الأسئلة الكتابية فيمكن توجيهها في أي وقت إلى أحد أعضاء الحكومة وهذا وفقا للإجراءات التي نصت عليها المادة 70 من القانون 90-02.
ثانيا: حدود الرقابة البرلمانية:
تظهر أهمية الرقابة بوضوح من خلال تنفيذ النصوص الدستورية والقانونية المختلفة والتي تحدد العلاقة بين الرقابة البرلمانية وهيئاتها من جهة وسلطات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من جهة أخرى، وتهدف الرقابة البرلمانية إلى تحقيق المشروعية في عملية تنفيذ الميزانية والتوافق مع نصوص الدستور، القوانين والأنظمة المعمول بها، إلا أن الملاحظ هو أن دور البرلمان في مراقبة تنفيذ ميزانية الدولة يبقى محدودا وهو ما سنتعرض له من خلال النقاط التالية:
1–غياب تام لدور لجان التحقيق البرلماني: إن الأصل في الرقابة البرلمانية هو اتساع نطاقها ليشمل كافة عمل السلطة التنفيذية سواء كانت سياسية أو إدارية، انطلاقا من هذا الأساس فقد أكدت النصوص القانونية المنظمة للجان التحقيق على أن البرلمان ينشئ في إطار اختصاصاته وفي أي وقت لجان التحقيق في القضايا ذات المصلحة العامة، لكن الملاحظة التي تثار بهذا الشأن هو إرادة المؤسس الدستوري في نص المادة 151 من دستور 1996 والمشرع في المادة 76 من القانون العضوي 99-02 حصر نطاق اللجان البرلمانية في اختصاصات البرلمان. ومن هنا تبرز بعض الحدود الموضوعة على عملية التحقيق البرلماني.
2–حصر مجال تدخل لجان التحقيق البرلماني وسلطاتها: ينصب التحقيق البرلمان على الأجهزة الإدارية والمصالح والهيئات العمومية إلى جانب الأشخاص المعنوية التي تسير المرافق العمومية، دون أن يشترط الركن الشرعي في موضوعه أي لا يشترط في التحقيق أن يكون هناك مخالفة للقواعد القانونية السارية في الدولة كما هو الشأن في التحقيقات القضائية، لأن الهدف من التحقيق ليس بالضرورة تجريم السلطة التنفيذية بل يمكن أن يكون وراء ذلك مد البرلمان بالمعلومات الضرورية حول موضوع التحقيق إذ لم تتمكن الحكومة من توفير هذه المعلومات أو نظرا لعدم اقتناع البرلمان بما تم تقديمه، وعلى هذا الأساس فانه يمكن للجنة التحقيق أن تستمع لأي شخص أو تعاين أي مكان وأن تطلع على أية معلومة أو وثيقة ترى أن لها علاقة بموضوع التحقيق( ).
إن هذا الحق يصطدم بالقيود التي أوردتها المادة 84 من القانون 99-02 المحدد للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة( ).
إذ تم استبعاد الوثائق التي تكتسي طابع سريا واستراتيجيا وبالتالي فان عملية التحقيق لا تنصب على بعض المواضيع التي لها علاقة بالدفاع الوطني والمصالح الحيوية للاقتصاد الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي.
إن هذه النقطة كانت محل انتقاد واستفسار من قبل النواب بمناسبة مناقشة قانون 99-02 واعتبروا بأن هناك نية للحكومة في وضع العراقيل المختلفة للمجلس وإعاقته عن أداء مهمته الرقابية. فإذا كان استبعاد مجال الدفاع الوطني فهذا مقبول أما المصالح الحيوية للاقتصاد الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي فيشكل إخراجها من مجال تدخل لجان التحقيق تقليصا لسلطات البرلمان في رقابة الحكومة( ).
هذه واعتبر مقران آيت العربي في تدخله أثناء مناقشة القانون العضوي 99-02 على أن أعضاء لجنة التحقيق عقلاء مثل أعضاء الحكومة تماما يمكنهم تقدير المسائل الإستراتيجية والوثائق التي يمكن الاطلاع عليها وأخذ نسخ منها دون المساس بمصالح البلاد ويمكن أن توكل لهم سلطة تقدير مدى خطورة الوثيقة ومنع تسريبها ونشرها حفاظا على مصالح البلاد( ).
3– العائق البسيكولوجي والإجرائي: ويبرز من تركيبة النظام السياسي نفسه سواء في ظل التعددية أو في عهد الأحادية الحزبية فخلال مرحلة الحزب الواحد كان يتولد لدى النواب شعور بالخوف من إمكانية مضايقة الحكومة في حالة اللجوء إلى تشكيل لجنة تحقيق، هذه الحكومة التي يفترض فيهم مساندتها، على اعتبار أن التحقيق البرلماني وعلى العكس من الأسئلة، يعتبر إشارة بعدم مساندة الحكومة، ومن هنا يمكن تفسير عزوف النواب عن تشكيل لجان التحقيق ولعل اكبر دليل هو ملاحظة كيف أن المبادرة بتشكيل لجان للتحقيق خلال مرحلة التعددية كانت من طرف نواب المعارضة.
وعلى هذا الأساس لم تشهد الممارسة البرلمانية في الجزائر تشكيل أي لجنة للتحقيق في عهد المجلس الوطني التأسيسي وكذا في فترة المجلس الوطني في ظل دستور 1963، في حين تم تشكيل أربع لجان للتحقيق خلال الفترات التشريعية الثلاث للمجلس الشعبي الوطني والممتدة من 1977 إلى 1991، حيث يظهر وأن العائق البسيكولوجي قد تدنى وتطور معه تصرف النواب تطورا محسوسا. ففي الوقت الذي لم تنشأ فيه أية لجنة تحقيق أو مراقبة في فترة حكم الرئيس “هواري بومدين” إلا أنه بعد وصول الرئيس “الشاذلي بن جديد” إلى الحكم تحرر النواب أكثر، وبادروا بتشكيل أربع لجان للتحقيق في قضايا وطنية هامة.
إلا أنه تبين بأن لجوء النواب لتشكيل لجان للتحقيق خاصة قبل 1988، كان الهدف منه محاولة تبرئة ذمة الحكومة وتلميع صورة النظام السياسي القائم أكثر منه تنويرا الرأي العام ومد البرلمان بالمعلومات الكافية لمراقبة الحكومة، إذ كانت تنشأ لجان للتحقيق بهدف تدعيم السياسة العامة للحكومة، عوض البحث عن إثبات مسؤوليتها السياسية وفي هذا الإطار فقد تم تشكيل لجنتي التحقيق في قضيتي “الباسو وتسيير الشركة الوطنية للأشغال البحرية” في إطار سياسة الحكومة الرامية لمحاربة الرشوة وسوء التسيير في القطاع الاشتراكي.
ولم تكتف السلطة التنفيذية بهذا بل أنها أقحمت نفسها مع مكتب المجلس الشعبي الوطني حتى في تعيين أعضاء لجان التحقيق ولو بصفة غير مباشرة، ويتعلق الأمر هنا بالنواب المحققين الأعضاء في لجنتي قضيتي “الباسو وتسيير الشركة الوطنية للأشغال البحرية “، الأمر الذي قلل من فعالية نتائج التحقيق، وهو ما حاول بعض النواب التذكير به خلال مناقشة النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني لسنة 1997.
ومن ثم فالسلطة التنفيذية كانت تدفع إلى إنشاء لجان التحقيق وتساهم في اختيار تركيبتها العددية، هذا التدخل المزدوج حال دون شك في فعالية لجان التحقيق وتحقيقها لهدفها الرقابي، فتحولت إلى مساند ومبرر لسياسة الحكومة، عكس ما هو عليه الحال في النظم البرلمانية العريقة والنظام السياسي للولايات المتحدة الأمريكية أين تلعب لجان التحقيق دورا بارزا في إعلام النواب وكذا الرأي العام، وفي هذا الإطار فقد أكد تقرير لجنة التحقيق في قضية الباسو على مساندة المجلس الشعبي الوطني بكل وضوح لسياسة الحكومة، وتدعيمه دون تحفظ لجهود القيادة السياسية الرامية إلى تثمين سعر المحروقات وخاصة منها الغاز الطبيعي.
– عدم نشر تقارير لجان التحقيق: من خلال قراءة المواد المتعلقة بنشر تقارير لجان التحقيق البرلمانية والتي تضمنتها النظم الداخلية للمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وكذا القانون العضوي المحدد للعلاقة بين الحكومة وغرفتي البرلمان يتضح لنا بأن هذه النصوص وضعت بطريقة من شأنها أن تحول دون نشر تقارير لجان التحقيق، خاصة إذا تعلق الأمر بتلك التقارير التي يمكن أن تدين الحكومة القائمة، كما هو الشأن بالخصوص لتقرير لجنة التحقيق في التجاوزات التي عرفتها الانتخابات المحلية لسنة 1997 والتي كان يمكن لنشر تقريرها آن يورط الحكومة القائمة ويطعن في تشكيلة مجلس الأمة الذي كان يتكون ثلثي أعضائه من منتخبين في المجالس الشعبية البلدية والولائية المعنية بالتزوير.
في هذا الإطار جاء في القانون العضوي المحدد للعلاقة بين الحكومة وغرفتي البرلمان على أنه يمكن أن يقرر المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة نشر التقرير كليا أو جزئيا بناء على اقتراح من مكتبه ورؤساء المجموعات البرلمانية بعد رأي الحكومة، ويتم البت في ذلك بأغلبية الأعضاء الحاضرين إثر عرض موجز يقدمه مقرر لجنة التحقيق ويبين فيه الحجج المؤيدة أو المعارضة لنشر التقرير كليا أو جزئيا ويمكن للغرفتين عند الاقتضاء فتح مناقشة في جلسة مغلقة بخصوص نشر التقرير.
ويظهر من هذا النص أن غرفتي البرلمان لا تملكان السيادة في نشر التقرير الذي أعدته لجانهما للتحقيق، على اعتبار أن الحكومة يجب أن تستشار قبل النشر، نقول هذا على الرغم من أنه يظهر من خلال صياغة النص أن رأي الحكومة غير ملزم وإنما تستشار على اعتبار أنها طرفا في التحقيق.
نقول هذا لأن الصياغة الأصلية لهذا النص من القانون العضوي، كانت تقضي بأنه لا يمكن نشر تقارير لجان التحقيق إلا بعد الأخذ برأي الحكومة، الأمر الذي أدى بأحد النواب إلى التساؤل ” أين هي مصداقية المجلس أو مصداقية الشعب إن كنا تحت وصاية الحكومة بحيث يفرض علينا انتظار الإشارة منها لنتحرك”.
مما سبق يتبين لنا أن الحكومة وعلى الرغم من أن رأيها حول نشر التقرير من عدمه يعتبر رأيا استشاريا لا يلزم الغرفة المعنية بالتحقيق من الناحية القانونية إلا أنه من الناحية الواقعية يعتبر رأيا ملزما خاصة عندما تكون أغلبية المجلس مساندة للحكومة وبالتالي فالحكومة ستوافق على نشر التقرير متى كان يخدم مواقفها ويبرر سياسته، وتعترض عليه متى كان من شان نتائجه أن تضايقها وتؤثر على مكانتها في مواجهة الرأي العام.
كما يبدو غريبا أن البرلمان يبذل جهودا مضنية من أجل إنشاء لجنة تحقيق وبعد ذلك يتردد في نشر تقريرها ونتائج تحرياتها على الرغم من أن النموذج الفرنسي الذي تأثر به واضعو النظم الداخلية للبرلمان الجزائري انتقد انتقادا لاذعا من طرف الفقهاء ومن ثم يثور التساؤل عن سبب التحفظ من النشر إذا كانت لجنة التحقيق أو حتى المجلس في مجموعه ليس بإمكانه أن يصدر قرارات بل مجرد توصيات.
من ثم فمصير تقرير اللجنة يتوقف على المتابعة التي تنوي الحكومة إعطاءها له، فبعد إعلامها بنتائج لجان التحقيق تبقى الحكومة حرة في العمل بتنفيذها أو رفضها، وقد أثبتت الممارسة البرلمانية في الجزائر كيف أن الحكومة لم تأخذ بتوصيات لجان التحقيق فقد أوصت لجنة التحقيق في قضية الباسو بإنشاء جهاز مختص في اقتراح التصحيحات الواجب الأخذ بها بناءا على تطور سوق الطاقة للحفاظ على مصالح الدولة الجزائرية، وعلى الرغم من أهمية هذه التوصية إلا أنها لم تؤخذ بعين الاعتبار في حينها.
وعلى الرغم من كل الدلائل تبين قلة فعالية لجان التحقيق في النظام الجزائري إلا أن هذا لم يمنع من وجود بعض التأثيرات الجانبية لنتائج تقارير بعض لجان التحقيق من خلال ما يمكن تسريبه للصحافة التي بدورها تنقل التقارير إلى المواطن مما يستوجب تدخل الهيئات المختصة لحل المشكل الذي حققت فيه لجنة التحقيق من أجل تهدئة الرأي العام.
5– انعدام الرقابة البرلمانية اللاحقة:
قبل تنفيذ الحكومة لقانون المالية يوجب القانون منحها ترخيصا من البرلمان الذي يصدر حال موافقته على قانون المالية ما يصطلح عليه “الترخيص المالي ” ولا يجب أن يتوقف دور البرلمان على منح الترخيص للحكومة بل يجب ممارسة دوره في رقابة عملية التنفيذ للتأكد من مدى مطابقة التنفيذ للشكل الذي ارتضاه ممثلي الشعب خاصة وان الجزء الكبير من إيرادات الدولة يدفعها الشعب من مداخيله وهذه الرقابة تعبر في الأخير عن رغبة البرلمان في التأكد من احترام الحكومة للرخصة التي منحها لها.
يعتبر قانون المالية وميزانية الدولة السنوية مرآة عاكسة وترجمة مالية للنشاط العام والأعمال الحكومية والإدارية في الدولة خلال السنة المالية وتجسيد وبلورة ذلك في قيم وأرقام اقتصادية ومالية في مجال تحديد الإيرادات العامة والنفقات العامة التي تتكون منها ميزانية الدولة.
اعتبر القانون 80-04(37) أن الرقابة البرلمانية تحتل مكانة هامة بالنظر إلى ما تتوفر عليه من آليات للرقابة السابقة والمعاصرة واللاحقة، فالرقابة السابقة تكون أثناء التصويت على قانون المالية، والمعاصرة عن طريق الاستجواب والأسئلة الموجهة للحكومة، وعن طريق لجان التحقيق، أما اللاحقة فهي عن طريق قانون ضبط الميزانية(38).
يصادق البرلمان على قانون المالية في مدة أقصاها خمسة وسبعون يوما من تاريخ إيداعه طبقا للمادة 120 من الدستور، وفي حالة عدم المصادقة عليه في الآجال المحددة سابقا يصدر رئيس الجمهورية مشروع الحكومة بأمر وفصلت الضوابط والإجراءات المحددة في المادة 44 من القانون العضوي 99-02 وزادت وضوحا هذه الضوابط والإجراءات التفصيلية والتقنية الداخلية داخل كل غرفة من غرفتي البرلمان القانونين الداخليين للمجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة.
نذكر أن التعديلات التي تطرأ عل مشروع قانون المالية هي واحدة من بين أهم الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة التشريعية ممثلة بنوابها، حيث أن التعديل في حد ذاته إجراء يضاف على مشروع قانون الملية، غير أنه اشترط لتحقيق ذلك التعديل أن لا ينصب مضمونه على الزيادة في النفقات العامة أو تخفيض الإيرادات العامة إلا إذا كان ذلك مستندا على تدابير من شأنها الزيادة في إيرادات الدولة أو توفير مبالغ مالية لتغطية زيادة النفقات المقترحة (39)، فإذا جاءت التعديلات مخالفة لهذه الإجراءات كان لرئيس المجلس الحق في رفض إيداعها(40).
إن الممارسة التشريعية اليوم عاجزة عن رقابة الترخيص المالي الذي تمنحه سنويا للسلطة التنفيذية فعلى الرغم من وجود الآليات التي تراقب غير أن الممارسة غائبة عن الواقع، وعلى سبيل المثال نضيف اللجان المتخصصة، من بين هذه اللجان نجد لجنة المالية والميزانية (41)وهي المختصة بكل ما يتعلق بالمالية(42).
طبقا للمادة 19 من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني فإن لجنة المالية والميزانية هي من بين اللجان الدائمة بالمجلس، فهي الطرف المقابل للحكومة في عملية التفاوض مع وزير المالية عند تحضير الميزانية (43) . وتعتبر هذه اللجنة من أكبر الجان عضوية حيث تتشكل من 30 إلى 50 عضوا، ولها مكانتها البارزة على مستوى الجهاز التشريعي إذ هي مكلفة بالمسائل المتعلقّة بالميزانيةّ، وبالقانون العضوي المتعلق بقوانين المالية، وبالنظّامين الجبائيّ والجمركيّ، وبالعملة، وبالقروض، وبالبنوك، وبالتأّمينات، وبالتأّمين(44)، يمكن لهذه اللجنة أن تدعو أشخاصا مختصّين وذوي خبرة للاستعانة بهم في أداء مهامّها (45).
ومن جهة أخرى فإن لجنة المالية على مستوى المجلس تمتلك وسائل إعلامية بحكم علاقاتها المميزة مع مجلس المحاسبة (46).
الهدف من رقابة البرلمان لتنفيذ الحكومة للميزانية يعود أساسه كما ذكرنا إلى التأكد من احترام الرخصة الممنوحة للحكومة من طرف البرلمان في جباية الإيرادات وصرف النفقات وهو ما يقتضي أن تقدم الحكومة للهيئة التشريعية عقب كل إقفال للسنة المالية حساب ختامي تبين فيه ما تم تحصيله فعلا من إيرادات وما تم صرفه من نفقات ومقارنته مع ما ورد في الميزانية العامة التي تم عرضها سابقا على ممثلي الشعب.
فالمؤسس الدستوري وفي المادة 160 من الدستور يوجب على الحكومة أن تقدم عرضا لكلا غرفتي البرلمان عن استخدام الاعتمادات المالية لكل سنة مالية ولكن التجربة تثبت أن هذه الرقابة مهملة أشد الإهمال من طرف الجهازين وأن الحكومة لم تقدم هذا العرض للبرلمان مع أن النص الدستوري السابق يفيد الوجوب لا الاختيار.
كما أن عرض الحكومة لما قامت به بشان الميزانية السابقة عند إقفال السنة المالية له دور مهم من خلال الاعتماد عليه في دراسة قانون المالية الموالي ويساعد ممثلي الشعب لمعرفة مدى صحة تقديرات الحكومة بالنسبة للسنة المالية المنقضية.
مما سبق نجد أن عضو البرلمان لا يجد الأساس الواقعي الذي يستند إليه في اقتراح رفع أو تخفيض نفقة أو إيراد معين أو ما شابه ذلك، وهذا حتما يؤدي إلى أن تكون المناقشة شكلية وسطحية لا سند لها ولا مرجع وبهذا يستحيل عليه أن يقيم مدى تنفيذ قانون المالية للسنة السابقة وتنفيذ الاعتمادات الواردة فيه (47).
ثالثا: آفاق لتحسين الرقابة البرلمانية:
1- استرجاع قانون ضبط الميزانية لأهميته المستحقة:
لقد نص القانون 84/17 على مشروع قانون تسوية الميزانية للسنة المالية (ن-3) مع ضرورة إرفاقه بعدد معين من الوثائق وتقرير تقييمي لمجلس المحاسبة، لكن وكما بينا سابقا فإنه لم يتم منذ الثمانينات إصدار سوى أربعة قوانين تسوية فقط، وعليه لغرض أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار فقد تم إدراج حكم جديد ضمن المشروع التمهيدي للقانون العضوي المتعلق بقوانين المالية، لمراعاة محاسبة السنة المالية بموجب إصلاحات الميزانية والمحاسبة المجرات حاليا، وعليه فإنه يتعين على مجلس المحاسبة إعداد تقرير يتضمن التصديق على الحسابات بالتزامن مع المشروع المتضمن قانون تسوية الميزانية الذي يودع لدى المجلس الشعبي الوطني قبل 01 ديسمبر من السنة المعنية بتنفيذ الميزانية، كما حافظ المشروع التمهيدي للقانون العضوي على مبدأ السنة (ن-3) (48).
حيث جاء مشروع القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية من أجل إضفاء نوع من الشفافية على تسيير الموارد العمومية وينتظر من البرلمان في هذا الإطار محاسبة الحكومة على تطبيق قوانين المالية السنوية وخصوصا التحقق من الوصول إلى النتائج التي رسمت في البداية، وبالتالي ننتظر بطبيعة الحال صدور قوانين ضبط الميزانية بصفة منتظمة ودون انقطاع وكذا ننتظر نظر البرلمان ليس فقط في المطابقة بل حتى في أداء المسيرين وكذا تقييم تسييرهم وتقييم سياسات الحكومة وأولوياتها التي دفعت إلى اختيار أولوية دون أخرى، حيث أنه من غير المنطقي أن يطلب من البرلمان في نهاية كل سنة التصويت والمصادقة على إعتمادات مالية دون أن ينظر في مصيرها وكيف تم استغلالها وما تم تحقيقه بموجبها وما لم يتم تحقيقه.
ومن دون شك أن مشروع القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية سيحقق قفزة نوعية في مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية كما يحقق مطلب الهيئة التشريعية التي ما فتئت تؤكد تقديمه أمام النواب لمناقشته والمصادقة عليه ليكون سندا قانونيا ملائماً لمتابعة المهمة الرقابية في إطار قانون ضبط الميزانية، من جهة أخرى سيضمن هذا المشروع الشفافية في استغلال الميزانية وتعزيز الثقة من خلال معرفة كيف وأين صرف المال العام الذي يخصص سنويا لمختلف القطاعات.
وكان رئيس المجلس الشعبي الوطني السيد عبد العزيز زياري قد دعا الحكومة خلال افتتاحه الدورة الخريفية إلى إيداع القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية “ليكون مرجعا أساسيا يوفر الإطار المناسب لمعايير الشفافية في طرائق صرف المال العام وترشيد الإنفاق وتجسيد آلية الرقابة البرلمانية” (49).
2-تعزيز العلاقة بين البرلمان ومجلس المحاسبة:
إن الميزانية العامة للدولة لا يمكن لها أن تطبق أو تنفذ ما لم تحصل على اعتماد وموافقة البرلمان، هذا الاعتماد يأتي في شكل قانون المالية الذي يعد عملا تشريعيا يصدر سنويا هدفه تنظيم وتسيير الوسائل المالية وإعطاء الحكومة الحق في صرف النفقات وتحصيل الإيرادات، فقانون المالية هو الكل الذي يحدد المصادر والأعباء العامة للدولة والأهداف المتوخاة من خلالها، بالإضافة إلى احتوائه لأحكام تتعلق بمجالات مالية أخرى، في حين أن الميزانية هي الجزء، إذ يقتصر فقط على تحديد هذه المصادر والأعباء بصفة دقيقة(50)
وفي ظل تشابك وتوسيع وتعقيد الملفات المالية والاقتصادية والاجتماعية، ونظرا لعدم تحكم البرلمان في مادة المالية العمومية بالنظر إلى مستوى البرلمانيين وعدم اختصاصهم، هناك حاجة إلى قيام هيئات تتمتع بالكفاءات والخبرات والطاقات البشرية والتي يجب أن تكون إلى جانب البرلمان، لتكون قادرة على تزويد أعضاء البرلمان بالمعلومات والتقارير، كي يتمكن هذا العضو البرلماني من تحسين ممارسة دوره التشريعي والرقابي، كي يكون أكثر فعالية وأكثر كفاءة في مستوى مراقبة ومحاسبة الخليةّ الكبرى في الدولة، أي السلطة التنفيذية.
نذكر أنه داخل الهيئة التشريعية فإن اللجان البرلمانية تلعب دورا مهما في عملية سن القوانين باعتبارها مخابر تشريعية حقيقية نظرا للدور الأصيل الذي تلعبه في دراسة النصوص المحالة عليها، حيث تقوم بمهمة فنية تنحصر أساسا في تحليل مشاريع واقتراحات النصوص القانونية وتسجيل الملاحظات والاقتراحات عليها(52).
فبالرغم من الدور المهم الذي تلعبه هذه اللجان في تحضير المناقشة العامة لمشروع قانون المالية، حيث تصاغ مختلف آراؤها في شكل تقارير تهدف بالدرجة الأولى إلى إعلام البرلمانيين بالتفاصيل التي يتضمنها نص المشروع، كما تتولى مهمة إعداد التعديلات المقترحة والتي يجب أن تكون معللة (53)، فحتى وإن كانت تتكون من أعضاء وإن كانوا يتحكمون في مادة المالية العمومية إلا أنهم يبقون عاجزين أمام تفوق الجهاز التنفيذي وأمام تعقد مشروع قانون المالية وطابعه التقني، ومن هنا تبرز ضرورة وجود هيئة تساند البرلمان في أداء مهامه المتعلقة بالمالية بالخصوص.
إن طبيعة الرقابة التي يمارسها مجلس المحاسبة تختلف تماما عن تلك التي يمارسها البرلمان، حيث أن مجلس المحاسبة هو قاض الحسابات بالنسبة للآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين، أي بعد انتهاء فترة تنفيذ الميزانية، أي رقابة بعدية، في حين أن البرلمان هو من يمنح الترخيص المالي لتنفيذ الميزانية. إن الاستيعاب الواضح والدقيق للاقتراح المالي الذي تقدمه الحكومة للبرلمان والذي يأخذ شكل مشروع قانون المالية، وكذا النتائج التي تنجر عن تطبيقه في الواقع لا تكون إلا من خلال تمكنه من الوصول إلى المعلومات الضرورية، كما أن درايته ستكون حتما مصدرا لسلطته()، لذلك فالحصول على نظام للمعلومات موثوق فيه هو من أحد العوامل المؤثرة تأثيرا كبيرا على سير المناقشات في البرلمان وهذا الدور يرجع تنفيذه لمجلس المحاسبة.
إن الحديث عن مجلس المحاسبة والبرلمان هو موضوع صعب للغاية، إذ يمتد الموضوع إلى العلاقات التي تربط هاتين المؤسستين رغم الاختلاف الكبير بينهما، إذ من جهة نجد أن البرلمان يأتي عن طريق الانتخاب ومن جهة أخرى مجلس المحاسبة الذي يعتبر هيئة عليا لها اختصاصات قضائية إلى جانب الاختصاصات الإدارية. فالعلاقة بينها تتسم منذ بعيد الزمن ببصمة التحفظ المتبادل من الطرفين(54).
إن دور المساعدة التي يقوم بها مجلس المحاسبة يمكن أن يتخذ عدة أشكال منها:
-القيام بتحقيقات لصالح البرلمان وهذا بطلب من هذا الأخير؛
-دراسة قوانين ضبط الميزانية ومتابعة مدى التنفيذ الفعلي لقانون المالية؛
-تقديم التقرير السنوي للبرلمان لإعلامه بالوضعية العامة للمالية العمومية؛
-كما يمكن أن يتدخل مجلس المحاسبة لتقييم السياسات العمومية في إطار مناقشة المالية العمومية.
إن مقاربة متعددة السنوات تقتضي تصورا دقيقا لالتزامات الدولة، حيث من الممكن تطوير محاسبة خاصة بالاستثمارات صحيحة ومضبوطة وموحدة، حتى يتمكن البرلمان من إعادة النظر في تطور الاستثمارات خلال السنة.
الهوامش
1)- عمار عوابدي، مدى فعالية آليات الأسئلة الشفوية والكتابية في عملية الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة في النظام الجزائري، مجلة ملتقى المؤسسات، وزارة العلاقات مع البرلمان، العدد الثالث، ديسمبر 2006، ص35.
2)- حول هذا الموضوع أنظر: سعيد بوشعير: النظام السياسي الجزائري، دار الهدى، 1993، ط2، ص 45 .
3)- الأشكال والتسميات التي أخذتها الهيئة المكلفة بالتشريع هي: المجلس الوطني التأسيسي، مجلس الثورة المنبثق عن حركة 19 جوان 1965، المجلس الشعبي الوطني، المجلس الوطني الاستشاري، المجلس الوطني الانتقالي، حول هذا الموضوع أنظر:
إدريس بوكرا: التطور الدستوري وحالات الأزمة في الجزائر، مجلة الفكر البرلماني، مجلس الأمة، العدد07، ديسمبر 2004، ص. 149.
-العيد عاشوري، ي. ابراهيمي: المؤسسات التشريعية الجزائرية منذ الاستقلال، مجلة النائب المجلس الشعبي الوطني، العدد 1، 2003، ص 31.
-رابح العروسي: السلطة التشريعية في الجزائر في ظل التعددية الحزبية، مذكرة ماجستير فرع التنظيم السياسي والإداري، كلية العلوم السياسية، جامعة الجزائر، 200-2004، ص. 31.
4)- عمار عوابدي: مرجع سابق، ص 36.
5)- سعاد غوتي: البرلمان في النظام السياسي الجزائري، مجلة ملتقى المؤسسات، وزارة العلاقات مع البرلمان، العدد 02، جوان 2006، ص. 23.
.Guy Durand : Finances publiques, LGDJ, p 78
6)-عرفت الرقابة البرلمانية في فرنسا هي الأخرى بطابعها الشكلي لمدة طويلة، لكنها في الأعوام الأخيرة تطورت مع وجود رغبة واضحة في استعادة البرلمان لسلطاته المتعلقة بالرقابة على الميزانية.
7)-القانون 99-02 المؤرخ في 8 مارس 1999 يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، جريدة رسمية عدد 15.
8)- تنص المادة 161: يمكن كلّ غرفة من البرلمان، في إطار اختصاصاتها، أن تنشئ في أيّ وقت لجان تحقيق في قضايا ذات مصلحة عامة.
9)- قائد محمد طربوش: السلطة التشريعية في الدول العربية ذات النظام الجمهوري، المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر والتوزيع، طبعة أولى سنة 1995، ص 377.
10)- محمد باهي أبو يونس، الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة في النظامين المصري والكويتي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2002، ص 108.
11)- إن هذه المهمة يجب أن توكل إلى مقرري اللجان الدائمة لكل من غرفتي البرلمان الذين يقومون بمتابعة تنفيذ وتسيير الاعتمادات المخصصة لكل وزارة حسب تخصصهم، غير أننا لا نجد ذلك في النظم الداخلية للغرفتين ولا في القانون العضوي 99-02، وذلك على خلاف ما هو موجود في فرنسا، أين يمنح القانون الداخلي للجمعية الوطنية طبقا للمادة 641 منه لكل من المقررين الخاصين للجنة المالية بالأخص إمكانية تحرير تقارير استعلامية على طول السنة، ومجموعة من الأسئلة حول التسيير المالي وتقييد الاعتمادات التي ستيجل في قانون المالية، أو ما هو موجود في بريطانيا أين تكتسي هذه اللجان أهمية بالغة في رقابة الجهاز الحكومي عن قرب، وتمثل لجنة المالية أهم لجان البرلمان التي تسهر على رقابة النشاط الحكومي.
12)- نص النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني على أنه يمكن أن ينتهي الاستجواب في حالة عدم اقتناع المجلس برد الحكومة إلى تكوين لجنة تحقيق، وهو ما حدث بالفعل عقب عدم اقتناع النواب برد ممثل الحكومة على موضوع الاستجواب المتضمن الاعتداء على بعض نواب المجلس الشعبي الوطني عند احتجاجهم على سير عملية الانتخابات المحلية التي جرت سنة 1997، وجاء في نص اللائحة المتضمنة طلب تشكيل لجنة تحقيق في عملية الاعتداء على النواب مايلي: “…وبعد استجواب الحكومة والاستماع لردّها الذي لم يكن مقنعا فإننا نطالب بتشكيل لجنة تحقيق…”، الجريدة الرسمية لمداولات المجلس الشعبي الوطني، رقم 24، المؤرخة في 24/11/1997.
13)- نصت المادة 05 فقرة 02 من القانون 80/04 المؤرخ في 01 مارس 1980 المتعلق بممارسة وظيفة المراقبة من قبل المجلس الشعبي الوطني على أنه: “يقصد بالقضية ذات المصلحة العامة كل قضية تعني من حيث أهميتها بصفة مباشرة أو غير مباشرة مصالح المجموعة الوطنية والمواطن، طبقا لمبادئ الميثاق الوطني.”
14)- المادة 161 من دستور 1996.
15)- عادل حابسة: المرجع السابق، ص 136.
16)- المواد من 12 إلى 18 من القانون 80-04 المؤرخ في 01 مارس 1980 المتعلق بممارسة وظيفة المراقبة من قبل المجلس الشعبي الوطني.
17)- كسير سليم: البرلمان وقوانين المالية، رسالة ماجستير في القانون العام، فرع الإدارة والمالية، جامعة الجزائر، كلية الحقوق 2001 ، ص 75.
18)- المادة 104 من القانون 99-02 المحدد للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة.
19)- المادة 34 من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني .
20)- المادة 81 من القانون 99-02 المحدد للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة تنص على :” لا يعين في لجنة تحقيق النواب أو أعضاء مجلس الأمة الذي وقعوا اللائحة المتضمنة إنشاء هذه اللجنة.”
22)- عادل حابسة: المرجع السابق، ص 138.
23)- المادة 83 من القانون 99-02.
24)- على خلاف القانون 99-02 المحدد للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة فإن القانون 80-04 المتعلق بممارسة وظيفة المراقبة من قبل المجلس الشعبي الوطني حدد بدقة الإجراءات المتبعة في حالة عدم الامتثال أو رفض الإدلاء بشهادته للجان التحقيق حيث جاء في المادة 27 منه فقرة 3 و 4:”أن الشخص الذي لا يمثل بدون مبرر مشروع أو الذي يرفض الإدلاء بشهادته يعاقب، باستثناء الأحكام المتعلقة بالكتمان التام لأسرار الدفاع الوطني وحدها وفقا للمادة 97 من قانون الإجراءات الجزائية، وفي حالة الإدلاء بشهادة الزور أو إغراء أو ترهيب الشهود تطبق أحكام المادتين 235 و 236 من قانون العقوبات”. كما أشارت المادة 28 من نفس القانون على أنه: “كل شخص يقوم بترهيب نائب، عضو لجنة التحقيق أو مراقبة أو يمارس الضغط عليه لجعله يتراجع من إجراء التحقيق أو ما يحمله على تغيير مضمون معانيه.”
أما المادة 29 من القانون 84-04 دائما فقد حددت الإجراءات العملية لتفعيل هذه العقوبات إذ جاء فيها :” تباشر الدعوى القضائية في الحالات المنصوص عليها في المادة 27 و 28 أعلاه من قبل رئيس المجلس الشعبي الوطني بناءا على طلب مكتوب من رئيس لجنة التحقيق أو المراقبة.”
25)- عمار عباسي: الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة في النظام الدستوري الجزائري، دار الخلدونية، الجزائر، 2006، ص 128.
26)-سليم كسير، مرجع سابق، ص 78.
27)- تعود أصول قانون ضبط الميزانية إلى المادة 14 من التصريح بالحقوق المؤرخ في 26 أوت 1789، هذا النص الذي طالما كانت الرغبة في تطبيقه حيث في تلك الحقبة غياب روح الرقابة على الإنفاق، حيث كان المبدأ السائد هو الخضوع للضريبة consentement à I’impôt ، وكذلك غياب المبادئ التي تحكم الميزانية: الوحدة، الشمولية، … وقد تم تطبيق هذا النص في 15 ماي 1818 التي تبنى قانونا خاصا يقدم للغرف قبل القانون السنوي للمالية وأن يتضمن تقديم الحسابات السنوية، أين عرف قانون ضبط الميزانية النور. وقانون ضبط الميزانية في فرنسا اليوم تنص عليه المادة الثانية من أمر 2 جانفي 1959 وتنص المادة 37 من القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية المؤخ في 1 أوت 2001 على الهدف من قانون ضبط الميزانية.
28)بمقارنة المادة الخامسة من القانون 84ـ71 مع ما جاء في أمر 2 جانفي 1959 الفرنسي فإن النص الفرنسي يبرز أكثر أهمية حيث يوضح ان الأهمية من قانون ضبط الميزانية “la loi de règlement constate les résultats financiers de chaque année civile et approuve les différences entre les résultats et les prévisions de la loi de finances de l’année, complétée la cas échéant, par des lois de finance rectificatives”
كما أن المادة 37 تنص ” …arrêter le montant définitif des recettes et des dépenses du budget auquel elle se rapporte…”
يبرز النص الفرنسي الأهمية من وضع قانون ضبط الميزانية إذ يوضح إمكانية إجراء المقارنة واثبات وجد الفرق بين النتائج والتقديرات، عكس النص الجزائري الذي لا يوضح هذه الأهمية رغم أنه مستوحى من النص الفرنسي. أما النص الثاني فيصرح بالقول أن قانون ضبط الميزانية يحدد المبلغ الحقيقي للإيرادات والنفقات للميزانية التي يتعلق بها.
29)- المادة الثانية من القانون 84- 17.
30)-M. BOUVIER, M. ESCLASSAN, J. LASSALE: Op. cit., p 428.
31)- يتم إعداد قانون ضبط الميزانية في فرنسا من قبل الحكومة بمساعدة مجلس المحاسبة لأن المادة 36 أمر 1959 تنص على أن قانون ضبط الميزانية يتضمن كل الملحقات من بينها تقرير مجلس المحاسبة والتصريح العام بالمطابقة، كما أن النص ذاته يؤكد أن هذا القانون يتم إيداعه وتوزيعه قبل نهاية السنة التي تلي سنة تنفيذ الميزانية، وقد تم احترام هذا الأجل منذ 1996 لكن في الواقع لا يتم مناقشة هذا القانون مباشرة بعد إيداعه وإنما يتم ذلك في دورة الربيع أي بعد مناقشة قانون المالية السنوي للسنة المقبلة وهذا غير محبذ من قبل الكثير لأنه من أجل استخراج النقائص والعبر المفيدة وتطبيقها في السنة المالية الحلية والمقبلة لابد من تقديم أجل إيداع هذا القانون لدى البرلمان. يبقى القول أن التصويت على قانون ضبط الميزانية هو تصويت شكلي والبرلمانيين لا يستعملونه كأداة حقيقية للرقابة. يبقى القول أن التصويت على قانون ضبط الميزانية هو تصويت شكلي والبرلمانيين لا يستعملونه كأداة حقيقية للرقابة.
32)- المرسوم التنفيذي رقم 07-364 المؤرخ في 28 نوفمبر 2007 يتضمن تنظيم الإدارة المركزية في وزارة المالية، جريدة رسمية عدد 75.
33)- عادل حابسة: المرجع السابق، ص 139.
34)- تنص المادة 84 من القانون العضوي 99-02 المحدد للعلاقة بين غرفتي البرلمان والحكومة على: “يخول للجنة التحقيق الاطلاع على أية وثيقة وأخذ نسخ منها ما عدا تلك التي تكتسي طابعا سريا أو استراتيجيا يهم الدفاع الوطني والمصالح الحيوية للاقتصاد الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي. يجب أن تكون الاستثناءات الواردة في الفقرة الأولى مبررة و معللة من طرف الجهات المعنية.”
35)- عادل حابسة: المرجع السابق، ص 140.
36)- عقيلة خرباشي، العلاقة الوظيفية بين الحكومة والبرلمان، دار الخلدونية، الجزائر،2007، ص 155.
37)- القانون 80-04 المؤرخ في 01 مارس 1980 يتعلق بممارسة وظيفة الرقابة من قبل المجلس الشعبي الوطني، الجريدة الرسمية عدد 10.
38)- بن داود ابراهيم: الرقابة المالية على النفقات العامة بين الشريعة الإسلامية والتشريع الجزائري، بحث ماجستير كلية الحقوق، بن عكنون، 2003، ص 117.
39)- المادة 121 من الدستور.
40)- بن داود براهيم: المرجع السابق، ص 119.
41)- المادة 19 من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني الصادر في 30 جويلية 2000 عدد 46. أما على مستوى مجلس الأمة فهناك لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية المنصوص عليها في المادة 16 من النظام الداخلي لمجلس الأمة المؤرخ في 28/11/2000.
42)- بالنسبة لمقرري لجنة المالية في فرنسا فإنهم بإمكانهم استنادا إلى أمر 2 جانفي 1959 مراقبة على الوثائق وفي عين المكان استعمال الاعتمادات واستجواب الوزراء حول تسييرهم حتى يتمكنوا من إعداد تقاريرهم. ويكون التقرير ثريا بالمعلومات المتعلقة بتنفيذ الميزانية من قبل الوزير المعني، ومن أجل إتمام هذا التقرير يمكن للبرلمانيين أن يحدثوا لجان التحقيق أو الرقابة المالية في أي موضوع يتعلق بالمالية. كما بإمكان المراقبين التابعين لغرفتي البرلمان أن يحصلوا على كل المعلومات الضرورية من مجلس المحاسبة عن طريق وساطة رئيس المجلس أو طلب التقارير المتعلقة بتنفيذ قوانين المالية، لكن حتى في فرنسا هذه الوسائل لا تستعمل إلى قليلا ومن طرف أقلية فقط من البرلمانيين. وقد نص القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية المؤرخ في 1 أوت 2001 في المادة 57 أن هذه اللجان تراقب تنفيذ قوانين المالية كما تقوم بإجراء أي تقييم كل مسألة تتعلق بالمالية العمومية ، كما بإمكانها التدخل في عين المكان أو على أساس الوثائق في كل مسألة ترى أنها مهمة.
43)- بن داود براهيم: المرجع السابق، ص 118.
44)- المادة 23 من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني.
45)- المادة 43 النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني.
46)- في هذا المجال أي ضمن ما يتعلق بعلاقة البرلمان بمجلس المحاسبة فإن الدستور الفرنسي أسند إلى مجلس المحاسبة مهمة مساعدة البرلمان والحكومة في الرقابة على تنفيذ قوانين المالية في المادة 47 الفقرة الأخيرة.
47)- بن داود براهيم : المرجع السابق ص 125.
48)- عادل حابسة: المرجع السابق، ص 175.
49)- تصريح رئيس المجلس الشعبي الوطني عبد العزيز زياري المنشور في جريدة المساء يوم 06/09/2008 عدد 3505
50)- نبيل أمالو: خصوصية قانون المالية والقانون العضوي في النظام القانوني الجزائري، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية الحقوق، 2007، ص. 45.
51)- نبيل أمالو، مرجع سابق، ص 111.
52)- عبد الغفور معاد، ميزانية الدولة للتجهيز منذ سنة 1998، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية الحقوق، ص 29.
53)- (J.P)Lassale: la loi organique et l’équilibre constitutionnel des pouvoirs, revue française -) des fiancespubliques, Paris ,1998, p. 20.21.
54)- PHILIP SEAUIN: La cours des comptes et le parlement, revue française des fiances publiques, n° 1997 )-,59, p 7.


