بين حرية التحديد والتحديد الموجه

الدكتور محمد المقريني

أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية

والاقتصادية والاجتماعية بسلا

 

حظيت السومة الكرائية أو ثمن الكراء كما عبر عن ذلك المشرع المغربي من خلال القانون رقم 03-07 ([1]) باهتمام كبير من طرف فقهاء القانون المدني، وذلك للفائدة الاقتصادية التي تعود على المكري باعتباره في بعض الأحيان هي مورده الوحيد، كما أنها تعتبر سببا لالتزامه بتمكين المكتري من الانتفاع من العين المكراة ، وبالمقابل أيضا تعتبر المحل الرئيسي لالتزام المكتري.

فعدم تضمين العقد الوجيبة الكرائية معناه، انتفاء أحد الأركان الأساسية للعقد، مما قد يتحول وفقا للفصل 309 من قانون الالتزامات والعقود ([2]) إلى عقد آخر إذا توافرت فيه طبعا شروط ذلك العقد، عقد الانتفاع بدون مقابل ، أو عقد عارية الاستعمال ([3]).

وقد عرف المشرع المغربي عقد الكراء في الفصل 627 من قانون الالتزامات والعقود بأنه عقد، بمقتضاه يمنح أحد طرفيه للآخر منفعة منقول أو عقار، خلال مدة معينة في مقابل أجرة محددة، يلتزم الطرف الآخر بدفعها له.

كما عرفه أيضا المشرع الفرنسي في المادة 1709 من القانون المدني ” بأنه عقد بمقتضاه يلتزم أحد الأطراف بتقديم منفعة شيء للأخر خلال مدة معينة مقابل ثمن محدد يؤديه الطرف الآخر ” ([4]).

ونود الإشارة إلى أن عدم تضمين العقد ثمن الكراء يجعل العقد باطلا بطلانا مطلقا ([5]) لكون المشرع سواء المغربي أو الفرنسي يتطلب من الضرورة كمقابل للانتفاع ثمن محدد يؤديه الطرف الآخر، وهذا المقابل لابد أن يقوم بالنقود، وإذا لم يحدد المتعاقدان الأجرة افترضا فيهما أنهما قد قبلا أجرة المثل في مكان العقد، وإذا كانت ثمة تعريفة رسمية، افترض في المتعاقدين أنهما قد ارتضيا التعاقد على أساسها ([6]).

وإذا كانت السومة الكرائية أو ثمن الكراء ركنا أساسيا في العقد فإن التساؤل الذي يثار في هذا الصدد هو كيفية تحديدها؟

هذا ما سنحاول التعرض إليه من خلال :

المطلب الأول : تحديد السومة الكرائية أو ثمن الكراء.

المطلب الثاني : مراجعة السومة الكوائية أو ثمن الكواء.

المطلب الأول : تحديد السومة الكرائية أو ثمن الكراء

وفقا للفصل 628 من قانون الالتزامات والعقود تتحدد السومة الكرائية أو ثمن الكراء بتراضي الطرفين ، سواء تعلق الأمر بالكراء السكني أو التجاري ([7])، وحسب الفصل الثاني من ظهير 25 دجنبر 1980، الذي ينظم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكني أو للاستعمال المهني، فإن الوجيبة الكرائية تحدد بتراضي الأطراف ([8]).

وهو ما يوافق ما أوردته المادة الأولى من القانون رقم 03-07 المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ([9]).

إلا أن هذه الحرية أبانت عن نوع من الاختلال وعدم التوازن في العلاقات بين المكري والمكتري، لأن هذا التحديد لا يقوم على اعتبارات موضوعية ، بل يقوم على اعتبارات العرض والطلب ، مما يؤدي إلى تحكم فئة قوية تعمد إلى فرض شروط وفقا لمبدأ الحرية التعاقدية ومن بينها تحديد ثمن الكراء، وفئة ضعيفة تقبل هذه الشروط تحت تأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها، أولا يقبلها إذا ما تبين لها أنها مجحفة.

فهذه المواد القانونية تجعلنا أمام قواعد كلاسيكية ، هي الأساس الذي بنيت عليه قواعد القانون المدني بصفة عامة ، فالتعامل وفقا لمبدأ حرية التجارة والصناعة، يخضع لمبدأ سلطان الإرادة الذي تأثرت به العديد من التشريعات الغربية والعربية التي نقلت أحكامها من مدونة نابليون ، كما هو الشأن بالنسبة للمدونة المدنية الاسبانية لسنة 1889 والمدونة المدنية الإيطالية لسنة 1942، والمدونة المدنية الألمانية لسنة 1900، والمدونة المدنية المصرية ومجلة الالتزامات والعقود التونسية 1906 وقانون الالتزامات والعقود المغربية 1913 ([10]) الذي اقتبس من المجلة التونسية التي تأثرت بدورها بالمدونة الفرنسية.

ويترتب على هذا المبدأ أن العقد هو توافق إرادتين على أحداث أثر قانوني، قد يكون إما إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه ، فالإرادة هي التي تنشئ الالتزام وتحدد آثاره بشكل حر ودون تقييد من طرف أي جهة كيفما كانت.

ويترتب عن ذلك أيضا أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون([11]).

فلا يمكن للإرادة التي أنشأت العقد أن تتحلل منه أو تعد له إلا بموافقة الإرادة الثانية ، فالعقد شريعة المتعاقدين ، فالفرد حر في إبرام ما يشاء من العقود والالتزامات بإرادته الحرة ودون تدوين ذلك في شكل خاص، فالحرية التعاقدية هي الأصل ، كما أن تحديد أثار العقد يخضع للإرادة نفسها فهي التي ترسم الحدود التي تلتزم فيها ومحتوى الآثار القانونية التي تترتب عنها، فلا يحد من ذلك إلا مبدأ النظام العام وحسن الآداب أو في الحالات المنصوص عليها قانونا([12]).

وعليه فإن مبدأ سلطان الإرادة هو الأساس الذي بنيت عليه الفلسفة القانونية في عقد الكراء بصفة عامة وبالنسبة لتحديد السومة الكرائية بصفة خاصة، حيث الخضوع لمبدأ الحرية التعاقدية ولمبدأ العقد شريعة المتعاقدين إلا أن هذه القواعد العامة خصوصا قواعد القانون المدني لم تكن كافية لتحقيق التوازن بين طرفي العلاقة التعاقدية التي يوجد فيها طرف قوي وآخر ضعيف، فكان من الضروري أن يتدخل المشرع بواسطة نصوص قانونية خاصة لإعادة هذا التوازن المفقود في عقد الكراء.

وهو ما تم فعلا من خلال إصداره لظهير 24 ماي 1955 المتعلق بكراء المحلات التجارية أو الصناعية أو الحرفية ، ظهير 25 دجنبر 1980 المتعلق بكراء المحلات السكنية والمهنية.

وأخيرا القانون رقم 03-07 المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ، هذه التشريعات التي حاول من خلالها إعادة النظر في مرتكزات القانون المدني، حيث استطاعت أن تقيد أحيانا الإرادة من أجل إعادة التوازن للعقد، وتغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة التي تعتبر الهدف الطبيعي من مبدأ الحرية التعاقدية، حيث استطاعت أن “توفر شيئا من الحماية للطرف الضعيف الذي هو المكتري، سواء بالنسبة لتحديد السومة الكرائية أو مراجعتها للمحلات السكنية والتجارية. ويمكن أن نستشف ذلك بشكل جلي وواضح من خلال مقتضيات المواد 1 و 2 من القانون رقم 03-07.

فبعد أن أقر المشرع المغربي في المادة الأولى الحرية في تحديد الوجيبة الكرائية أو ثمن الكراء وشروط مراجعته ونسبة الرفع من قيمته أو تخفيضها سواء بالنسبة للمحلات المعدة للسكني أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ، عمد إلى تقييد هذه الإرادة في المادة الثانية التي حضر فيها الاتفاق على رفع ثمن الكراء خلال مدة تقل عن ثلاث سنوات ابتداءا من تاريخ إبرام العقد أو من تاريخ آخر مراجعة قضائية أو اتفاقية.

فالمعيار اللفظي في المادة الثانية يبين طبيعة هذه القواعد المنصوص عليها باعتبارها قواعد آمرة لا يمكن الاتفاق على مخالفتها، ما دام أن غرض المشرع كما أشرنا إلى ذلك هو تقييد الإرادة من تضمين العقد ما تشاء من الالتزامات .

ومع ذلك فدراسة القواعد القانونية التي يتم بمقتضاها تحديد السومة الكرائية في قانون الالتزامات والعقود أو في ظل التشريعات الخاصة ([13]) تبين لنا قيامها على مبدأ الحرية في التحديد، مما يعني أن الأطراف لهم كامل الحرية في تحديد الوجيبة الكرائية أو ثمن الكراء وفقا لقانون السوق أو العرض والطلب، وهو ما أدى إلى اختلال التوازن في العلاقات بين المكري والمكتري، حيث أضحى المكري هو الذي يحدد مقابل الكراء فما على المكتري إلا القبول وبالتالي الإقدام على إبرام العقد أو عدم القبول وبالتالي الإحجام عن إبرام العقد مما يعني أن المشرع قد بقي حريصا على مبدأ الحرية التعاقدية ووفيا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، ما دام أنه لم يرد التدخل لحل إشكالية تحديد السومة الكرائية بشكل جدي، وذلك بإصداره لنصوص قانونية آمرة تحدد ثمن الكراء انطلاقا من مجموعة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية سلفا والمدروسة لهذا الغرض بالذات ، كموقع العقار والنشاط الذي يمارس فيه ومساحته ودرجة الصيانة والقيمة الاقتصادية .. الخ، وذلك من أجل حماية المكتري من جشع المكري أثناء تحديد ثمن الكراء وفي نفص الوقت تشجيع أصحاب العقارات السكنية على الاستثمار عن طريق الكراء وعدم إقفال محلاتهم وهو ما قد يساهم أيضا في حل أزمة السكني، واستقرار أثمان العقار والقضاء على المضاربات الخيالية العقارية نتيجة رغبة مختلف الشرائح الاجتماعية في شراء عقار يأويه أو يمارس فيه نشاطه التجاري .

المطلب الثاني : مراجعة السومة الكرائية أو ثمن الكراء

ينص الفصل الثاني من ظهير 25 دجنبر 1980 ([14]) في فقرته الثانية على أن “لكل مكتر الحق في المطالبة بمراجعة الوجيبة الكرائية أمام الفضاء داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام العقد…. ” .

أما بالنسبة للمحلات التجارية والصناعية والحرفية فلا يوجد في ظهير 24 ماي 1955 ما يتعلق بمراجعة السومة الكرائية بشكل دوري إلا ما يتعلق بالمراجعة التي تتم وفق مسطرة خاصة حيث يقوم المكري بتوجيه إنذار للمكتري بالإفراغ ([15])، بناء على رغبته في الزيادة في الوجيبة الكرائية وفق شروط محددة لمراجعة ثمن الكراء، والذي يترتب عنه إما اللجوء إلى قاضي الصلح وتجديد العقد بشروط أخرى أو يقبل شروط المكري ويتم تجديد عقد الكراء.

فمراجعة السومة الكرائية في ظل ظهير 1955 تختلف تمام الاختلاف عن المراجعة المنصوص عليها في الفانون 03-07 لكون أن الأولى مقابل تجديد عقد الكراء التجاري والثانية مرتبطة بمرور مدة معينة محددة قانونا.

إلا أنه يوجد قانون خاص بمراجعة السومة الكرائية للمحلات المعدة للسكني أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ([16])، وذلك بكيفية تختلف عن المراجعة المنصوص عليها في ظهير 25 دجنبر 1980 فالمادة الأولى من القانون رقم 03-07 تعطى الحق للمكري والمكتري الاتفاق على شروط مراجعة ثمن الكراء ونسبة الرفع من قيمته أو تخفيضها وذلك سواء تعلق الكراء بمحل معد للسكني أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ” ([17]).

وهذه المراجعة قد تكون بطلب من أحد أطراف العلاقة الكرائية وهو ما نصت عليه المادة الخامسة من ظهير 25 دجنبر 1980 ” يمكن للمكري أو المكتري بغض النظر من أي اتفاق مخالف أن يطلب مراجعة الوجيبة الكرائية زيادة أو نقصانا كلما طرأت تغييرات على خصائص ومميزات الأماكن المكراة من شأنها أن تعدل الشروط التي على أساسها تم تحديد الوجيبة الكرائية”، أو هما معا كما أشارت إلى ذلك المادة الأولى من القانون رقم 03-07 “يحق للمكري والمكتري الاتفاق على شروط مراجعة الكراء ونسبة الرفع من قيمته أو تخفيضها، ذلك سواء تعلق الكراء بمحل معد للسكني أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي “.

فإذا كان المشرع قد ترك الحرية للأطراف في عقد الكراء لمراجعة السومة الكرائية أو ثمن الكراء، إلا أنه قيد ذلك .ممرور ثلاث سنوات ابتداء من تاريخ إبرام عقد الكراء أو من تاريخ آخر مراجعة قضائية أو اتفاقية وعدم الاتفاق على زيادة تتعدى النسب المقررة في هذا القانون ([18]) والتي حددتها المادة الرابعة من القانون 03-07 في 8 % بالنسبة للمحلات المعدة للسكني و 10% بالنسبة لباقي المحلات .

نستنتج مما سبق بأدن المشرع المغربي قد ترك الحرية للأطراف في عقد الكراء بمراجعة الوجيبة الكرائية (المراجعة الاتفاقية أو الودية ) إلا أنه في حالة عدم وجود اتفاق بين الطرفين ،… يمكن أن تتم المراجعة عن طريق القضاء مقابل شروط منها ما يتعلق:

  • بالمدة التي حددها المشرع في حالة تقديم طلب الرفع من ثمن الكراء أن لا تقل عن ثلاث سنوات ابتداءا من تاريخ إبرام عقد الكراء أو من تاريخ آخر مراجعة قضائية أو اتفاقية ، أما بالنسبة للتخفيض وإعمالا لمفهوم المخالفة فيمكن أن يتم بدون الاعتداء بشرط المدة([19]).
  • نسبة الزيادة ، التي حدد المشرع في المادة الرابعة من القانون رقم 03-07 كالتالي : تحدد نسبة الزيادة في ثمن الكراء كما يلي:

8% بالنسب للمحلات المعدة للسكني،
10% بالنسبة لباقي المحلات .

ونسبة لا تتعدى في 50% بالنسبة للمحلات التي لا يفوق إيجارها 400 درهم شهريا، فالنسبة محددة سلفا من طرف المشرع مما يعني عدم وجود إمكانية للمخالفة.

ونود الإشارة إلى أن مراجعة ثمن الكراء وفقا لظهير 25 دجنبر 1980 له خصوصية مقارنة مع القانون رقم 03-07، وهو ما عبر عنه الفصل الثاني في فقرته الثانية ” أن لكل مكتر الحق في المطالبة بمراجعة الوجيبة الكرائية أمام القضاء داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام العقد، شريطة عدم التعسف في استعمال هذا الحق ….

يمكن الحكم بتعويض لصالح المكري قيمته تتراوح بين شهر واحد وثلاثة أشهر من وجيبة الكراء على المتعسف في استعمال حق مراجعة الكراء المخول له بمقتضى الفقرة السابقة إذا رفض طلبه.

فالمكتري يتحمل المسؤولية بمجرد رفض طلب المراجعة ، وهو ما قد يعيق ممارسة هذا الحق فالحرية التي أقرها المشرع قد تتحول إلى قيد بعد ممارستها فما أعطاه المشرع بيد أخذه بيد أخرى.

بل إن المشرع المغربي لم يقف عند هذا الحد (تقييد إرادة المتعاقدين ) بل عمد إلى تقييد السلطة التقديرية للمحكمة وذلك من خلال التنصيص على نسب محددة لا يمكن تعديلها في المادة الرابعة ([20])، وعلى سقف لا يمكن تجاوزه في حالة الأكرية التي لا يتجاوز ثمنها 400 درهم شهريا وهي 50% من السومة الكرائية ليعمد في المادة السادسة إلى إيهام المكتري أن له الحق للمطالبة بتخفيض ثمن الكراء إذا طرأت ظروف أثرت على استعمال المحل للغرض الذي أكترى من أجله ، وذلك وفق أحكام الفصلين 660 و 661 من قانون الالتزامات والعقود فأول إشكال قد تثيره هذه المادة هو معني إذا طرأت ظروف “هل المقصود منها الظروف الشخصية للمتعاقد أو الظروف الموضوعية المتعلقة بالوجيبة الكرائية.

فهذه المواضيع وهذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها إلا السلطة القضائية في إطار الاختصاصات المخولة لها قانونا وفقا للالتزام الملقاة على عاتقها بالبث في جميع القضايا المطروحة عليها والاجتهاد في حالة غموض أو وجود عيب في صياغة النص التشريعي.

فالسلطة القضائية هي التي لها الحق مبدئيا في تحديد نسبة الزيادة أو التخفيض من ثمن الكراء تبعا للظروف التي لا يمكن أن يقصد منها الظروف الشخصية للمتعاقد، بل الظروف العامة المرتبطة بتأثر الأسعار ارتفاعا وانخفاضا على النشاط التجاري وبالتالي على المعاملات الكرائية، فارتفاع الأسعار معناه تدني القيمة الكرائية بالنسبة للمكري وانخفاض الأسعار معناه ارتفاع القيمة الكرائية بالنسبة للمكتري.

وكذا موقع العقار وقيمته الحقيقية وقدمه ودرجة الرفاهية وحالة الصيانة، ويبدو أن المشرع المغربي قد تنبه إلى الطريقة التي كانت تعتمد لمراجعة السومة الكرائية من حيث الاستعانة بخبرة لتحديد ذلك بشكل مطلق، وما قد يترتب عن ذلك من زيادة في المصاريف وتطويل للمسطرة ليتم في الأخير المصادقة على الخبرة من طرف المحكمة واعتمادها للزيادة أو تخفيض ثمن الكراء، فاختصارا لآجال المسطرة وتماشيا مع مبدأ مجانية القضاء، تدخل ليضع نسبا محددة سلفا ويحدد سقفا معينا بغية تحقيق نوع من التوازن العقدي بين أطراف متباينة طرف قوي في العلاقة الذي هو المكري وطرف ضعيف في العلاقة الذي هو المكتري.

ولكن مع الأسف فإن هذا التدخل التشريعي وإن كان ظاهره حماية المكتري باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة الكرائية، فإن باطنه هو حماية المكري، ما دام أن المشرع يربط رفض دعوى تخفيض الوجيبة الكرائية بالنسبة للمحلات المعدة للسكني.

بجزاء قيمته تتراوح بين شهر واحد وثلاثة أشهر من وجيبة الكراء كما أن هذه المراجعة خاصة بالمحلات السكنية دون أن تشمل المحلات التجارية أو الصناعية أو الحرفية.

وما دام أن المشرع يقر في القانون 03-07 بالمراجعة بعد مرور ثلاث سنوات إذا لم يتم الاتفاق على شروط مراجعة ثمن الكراء ونسبة الرفع من قيمته وهو الاتجاه الذي تبناه القضاء المغربي خصوصا على مستوى المجلس الأعلى بالنسبة لتطبيق مقتضيات ظهير 5 يناير 1953 المتعلق بمراجعة قيمة كراء المحلات المستعملة للتجارة أو الصناعة أو الحرف والذي حل محله القانون رقم 03-07 المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ([21]) وفي انتظار التوجه الذي سوف يحدده المجلس الأعلى عند تطبيق مقتضيات القانون الجديد ويحدد نعسب محددة للمراجعة 08% للمحلات السكنية و 10% للمحلات التجارية، و لم يعمد إلى تحديد الظروف التي من شأنها المطالبة بتخفيض ثمن الكراء.

فالمشرع المغربي بقى وفيا لمبدأ سلطان الإرادة أو الحرية التعاقدية حتي بالنسبة لمراجعة السومة الكرائية أو ثمن الكراء فكلما تضمن نص من النصوص بعض الحماية للمكتري إلا وأطلق العنان للمكري في الفقرة الموالية أو النص الموالي، كما هو الحال لمقتضيات المادة الأولى والمادة الثالثة من القانون رقم 03-07 ([22]).

وبعد أن نصت المادة الأولى أن للأطراف المتعاقدة الحرية في الاتفاق على شروط مراجعة ثمن الكراء ونسبة الرفع من قيمته أو تخفيضها، عمد في الفصل الثالث إلى إعطاء الحق في المراجعة بعد مضي ثلاث سنوات من آخر زيادة ، حتي يستفيد المكري من ملكه باعتباره الطرف القوي اقتصاديا في العلاقة الكرائية وذلك وفق نسب مضبوطة في المادة الرابعة وهي 8% بالنسبة للمحلات المعدة للسكني، و 10% بالنسبة للمحلات التجارية.

خاتمة

إن تدخل المشرع المغربي من خلال التشريعات الكرائية الخاصة بقواعد قانونية لتنظيم العلاقة الكرائية خاصة السومة الكرائية أو ثمن الكراء محاولة للتخلي عن المبادئ الكلاسيكية التقليدية خصوصا مبدأ الحرية التعاقدية وأن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين ، في تحديد ومراجعة السومة الكرائية أو ثمن الكراء، وذلك من أجل إعادة التوازن المفقود في العلاقة التعاقدية بين المكري والمكتري.

إلا أن دراسة هذا الموضوع من خلال هذه التشريعات الخاصة أبان عن صمود مبدأ سلطان الإرادة وتأثيره بشكل أو بآخر على تحديد ومراجعة الوجيبة الكرائية وهو ما يدل عن عدم وجود الرغبة في وضع حل نهائي لهذا الإشكال وعلى هذا الأساس نقترح ما يلي:

  1. إصدار نصوص قانونية آمرة تحدد السومة الكرائية انطلاقا من مجموعة من المعطيات والظروف الاقتصادية والاجتماعية المحددة سلفا.
  2. تحديد الرؤية بالنسبة لمراجعة السومة الكرائية زيادة وتخفيضا مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بطلب المراجعة.
  3. جمع شتات النصوص القانونية المتعلقة بتحديد ومراجعة السومة الكرائية، عن طريق تفسير تشريعي للمادة العاشرة من القانون رقم 03-07 لتحديد النصوص الملغاة .
  4. عدم تقييد السلطة التقديرية للقضاء فيما يتعلق بالتحديد ومراجعة السومة الكرائية كلما تبين أن هناك عدم التعادل الفاحش بين التزامات المتعاقدين.
  5. إعطاء الحرية للسلطة القضائية للتدخل لإعادة التوازن للعقد، على غرار التشريعات المقارنة التي تفتح المجال للقاضي للتدخل لإلغاء والتخفيف من الشروط التعاقدية المرهقة.

[1]القانون 03-07 يتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ، ظهير شريف رقم 134-07-1 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007) بتنفيذ الفانون رقم 03-07 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ، نشر بالجريدة الرسمية عدد 5586 الصادر في ذو الحجة 1428 ( 13 ديسمبر 2007) – ص1 4061- 4062.

[2]ينص الفصل 309 من قانون الالتزامات والعقود على أنه “إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير”.

[3]عرف المشرع عقد عارية الاستعمال كالتالي :”عارية الاستعمال عقد بمقتضاه يسلم أحد طرفيه للآخر شيئا، لكي يستعمله خلال أجل معين أو في غرض محدد، على أن يرده بعينه وفي العارية يحتفظ المعير بملكية الشيء المستعار وبحيازته القانونية ، وليس للمستعير إلا مجرد استعماله “.

[4]L’article 1709 du code civil français annonce que : « le louage des choses est un contrat par lequel l’une des parties s’oblige a faire jouir l’autre d’une chose pendant un certain temps , et moyennant un certain prix que celle-ci s’oblige de lui payer.

[5]المادة 634 من قانون الالتزامات والعقود والمادة 1728 من القانون المدني الفرنسي.

[6]المادة 633 من قانون الالتزامات والعقود، “يجب أن تكون الأجرة معينة . . . .”.

[7]– تنص المادة 628 من قانون الالتزامات والعقود “يتم الكراء بتراضي الطرفين على الشيء وعلى الأجرة وعلى غير ذلك مما عسى أن يتفقا عليه من شروط في العقد”.

[8]ينص الفصل الثاني من ظهير 25 دجنبر 1980 المنظم للعلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني على أن “تحدد بتراضي الأطراف وجيبة أكرية الأماكن المشار إليها في الفصل الأول مؤثثة أم لا، وكذا مرافقها من مخادع أرضية ومرائب وساحات وحدائق.

[9]أوردت المادة الأولى من القانون رقم 03-07 ما يلي : ” يحق للمكري والمكتري الاتفاق على تحديد ثمن الكراء …… “.

[10]للمزيد من التفاصيل يراجع:
ذ/ محمد شليح، سلطان الإرادة في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي ، أسسه ومظاهره في نظرية العقد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص ، جامعة محمد الخامس ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، الرباط ، سنة 1983، ص . 46 وما بعدها

[11]وهذا ما عبر عنه الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود والى تقابلها المادة 1134 من المدونة المدنية الفرنسية.

L’article 1134 du code civil français annonce que: les conventions légalement formés tiennent lieu de loi à ceux qui les ont faites.

Elles ne peuvent être révoquées que de leur consentement mutuel, au pour les causes que la loi autorise.

[12]فهناك حالات قد ينص فيها القانون على إنهاء العقد بالإرادة المنفردة لأحد المتعاقدين كما هو الوضع في عقد الوكالة فالفصل 931 من قانون الالتزامات والعقود يجيز للموكل أن يلغى الوكالة متي شاء، وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر بالنسبة إلى المتعاقدين وإلى الغير على حد سواء، ولا يمنع اشتراط الأجر من مباشرة الحق.

[13]ظهير 25 دجنبر 1980 المنظم للكراء السكنى وظهير 25 ماي 1955 المنظم للكراء التجاري والقانون رقم 03-07 المنظم لكيفية مراجعة ثمن الكراء السكنى والتجاري .

[14]يتضمن الأمر بتنفيذ القانون رقم 79-6 بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني.

[15] المادة السادسة من ظهير 24 ماي 1955 المنظم للأماكن المستعملة للتجارة أو الصناعة أو الحرف تنص على أنه ” لا ينتهي العمل بعقود كراء الأماكن الخاضعة لمقتضيات هذا الظهير إلا إذا وجه للمكتري طلب بالإفراغ قبل انقضاء ستة أشهر على الأقل وذلك دون الالتفات إلى أي شرط تعاقدي . . . .”.

[16]ظهير شريف رقم 134-07-1 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي ، صادر بالجريدة الرسمية عدد 5586 بتاريخ 2 ذو الحجة 1428 (13 ديسمبر 2007)،ص 4061-4062.

[17]– تنص المادة الأولى من القانون رقم 03-07 عل أنه “يحق للمكري والمكتري الاتفاق على تحديد ثمن الكراء وشروط مراجعته ونسبة الرفع من قيمته أو تخفيضها وذلك سواء تعلق الكراء بمحل معد للسكنى أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي.

[18]المادة الثانية من القانون رقم 03-07 وهو ما أشارت إليه أيضا المادة الخامسة في فقرتها الثانية من ظهير 25 دجنبر 1980كالتالي ” غير أنه لا يقبل طلب مراجعة الوجيبة الكرائية رغم كل شرط مخالف قبل مرور مدة ثلاثة سنوات على الأقل من تاريخ إبرام عقد الكراء أو من تاريخ آخر مراجعة تمت بموجب الفقرة الأولى من هذا الفصل.

[19]تنص المادة الثانية من القانون رقم 03-07 على أنه “لا يجوز الاتفاق على رفع ثمن الكراء خلال مدة تقل عن ثلاث سنوات …..”

[20]– إذا كان بإمكان المكري والمكتري الاتفاق على نسب أقل من النسب المحددة قانونا 8 % للأكرية السكنية و 10% للأكرية التجارية وفقا لمبدأ الرضائية إلا أنه من الناحية الواقعية أو العملية غير ممكن أمام وجود العديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية وأمام أزمة السكن وأزمة الكراء خصوصا في المدن الكبرى التي عرفت إقبالا كبيرا على مستوى إبرام عقود الكراء السكنية أو عقود الكراء التجارية، لأن المكتري يجد نفسه أمام وضعية احتكارية صعبة المفاوضة فما عليه إما الإقبال على التعاقد وفق الشروط المعدة سلفا من طرف الجهة المهيمنة أو الإحجام عن التعاقد وهو ما يعتبر أشد قسوة من الحالة الأولى.

[21]أحمد عاصم ، الحماية القانونية للكراء التجاري ، دار النشر المغربية ، الدار البيضاء، سنة 1988، ص  91.

[22]تنص المادة الأولى على أنه يحق للمكري والمكتري الاتفاق على تحديد ثمن الكراء وشروط مراجعته ونسبة الرفع من قيمته أو تخفيضها وذلك سواء تعلق الكراء بمحل معد للسكنى أو للاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي.
في حين نصت المادة الثالثة على أنه “إذا لم يقع بين الطرفين اتفاق على شروط مراجعة ثمن الكراء ونسبة الرفع من قيمته أمكن مراجعته بعد مرور ثلاث سنوات على الأقل من تاريخ الاتفاق على الثمن أو من تاريخ مراجعته بين الأطراف مباشرة ، أو من التاريخ الذي حددته المحكمة لآخر مراجعة وذلك طبقا للنسب المقررة في هذا القانون

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading