د. عبد العالي برزجو

دكتور في الحقوق تخصص القانون الجنائي للأعمال

مقدمة:

لقد بدأت الثورة المعلوماتية نتيجة اقتران تقنيتي الاتصالات من جهة، والمعلومات وما وصلت إليه من جهة أخرى، فالثورة المعلوماتية هي الطفرة العلمية والتكنولوجية التي نشهدها اليوم، حتى بات يطلق على هذا العصر عصر المعلومات. وتعد المعلومة أهم ممتلكات الإنسان، اهتم بها على مر العصور، فجمعها ودونها وسجلها على وسائط متدرجة التطور، بدأت بجدران المعابد والمقابر، ثم انتقلت إلى ورق البردي، وانتهت باختراع الورق الذي تعددت أشكاله، حتى وصل بها المطاف إلى الأقراص الإلكترونية الممغنطة.

وباتجاه هاتين الطفرتين في عالم التكنولوجيا، ولد علم جديد هو علم تقنية المعلوماتية Telematique، وهو مصطلح يعبر عن اقتران التقنيتين، ويتكون من الجزء الأول من كلمتي Telecommunication   ، وهو الاتصال عن بعد، والجزء الثاني من كلمة Information ، وتعني المعلومات، وهو علم اتصال المعلومات عن بعد.

هكذا جاء التقدم الفني مصحوباً بصور مستحدثة لارتكاب الجرائم، التي تستعير من هذه التقنية أساليبها المتطورة، فأصبحنا أمام ظاهرة جديدة هي ظاهرة الجريمة المعلوماتية.

وكما هو الحال في كل دول العالم استفحلت الجريمة المعلوماتية في المملكة المغربية خلال العقود الأخيرة، وأصبح القضاء المغربي في محك حقيقي، عندما وضعت أمامه قضايا تتعلق بالجرائم المعلوماتية، ومن أمثلة هذه القضايا التي طرحت على المحاكم المغربية نجد أول قضية ذات علاقة بالإجرام المعلوماتي سنة 1985 بشأن تسهيل مستخدمي المكتب الوطني للبريد والمواصلات لتحويلات هاتفية لفائدة بعض المشتركين بصورة غير مشروعة، بحيث توبع المتهمون بمقتضى الفصول 202 و 241 و 248 و 251 و 129 من مجموعة القانون الجنائي المغربي، وقد تمت الإدانة في المرحلة الابتدائية على أساس الفصل 521 المتعلق بالاختلاس العمدي لقوى كهربائية، في حين تمت تبرئتهم في مرحلة الاستئناف.

كما أدانت نفس المحكمة في قضية أخرى حائزاّ لبطاقة الائتمان والأداء استعملها بصورة تعسفية، وذلك استناداً للفصلين 540 و 574 من مجموعة القانون الجنائي المتعلقين بالنصب وخيانة الأمانة، حيث تمت إدانتهم بثلاثة سنوات حبساً، لكن القضاء الاستئنافي برأ ساحة المتهم بحجة أن العناصر المكونة لهذه الجرائم لا تتوفر في النازلة المعروضة.

وتبقى قضية فيروس ZOTOB من أشهر القضايا التي عرضت على القضاء المغربي، نظراً لحجم الخسائر الناجمة عن الأفعال المجرمة، وكذا لكون المواقع المعتدى عليها خاصة بالكونجرس الأمريكي، ومواقع مؤسسات إعلامية ضخمة بالولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة لموقع مطار سان فرانسيسكو الأمريكي ومواقع عديدة لمستعملي windows 2000… وقد اتهم في هذه القضية الشاب المغربي فريد الصبار (18 سنة) كمتهم رئيسي، ومتهم ثانٍ أشرف بهلول (21 سنة)، وقد وجهت لهما تهمة تكوين عصابة إجرامية (الفصل 296 من مجموعة القانون الجنائي)، وتهمة السرقة الموصوفة (الفصل 509 من م ق ج م)، وتهمة استعمال بطاقات ائتمان مزورة (الفصل 360من م ق ج م)، وتهمة الولوج غير المشروع لنظم المعالجة الآلية للمعطيات وتزوير وثائق معلوماتية، وقد أدانت غرفة الجنايات الابتدائية، بملحقة محكمة الاستئناف بسلا، فريد الصبار بسنتين حبس نافذاً، كما قضت بالحبس سنة واحدة في حق أشرف بهلول، لكن القرار ألاستئنافي خفض العقوبة إلى سنة واحدة حبساً نافذاً في حق فريد الصبار، وستة أشهر في حق أشرف بهلول.

إذن أمام الإشكاليات التي كان يجدها القاضي المغربي، وخصوصاً وجود فراغ تشريعي في مجال مكافحة الجرائم المعلوماتية، اضطر المشرع المغربي إلى سن تشريعات حديثة أو إضافة نصوص أخرى لمجموعة القانون الجنائي المغربي تتلاءم وخصوصية الجريمة المعلوماتية، وبالفعل شهد العقد الحالي طفرة تشريعية غير معهودة، شملت عموماً كل ما يتعلق بالتكنولوجيا الحديثة للإعلام والاتصال، لكن ما يهمنا هو تلك التشريعات أو النصوص المستحدثة لمكافحة الجرائم المعلوماتية، فهل يمكن للقانون الجنائي التعامل مع هذا الجيل الجديد من مرتكبي هذه الجرائم.

وحتى نعالج بشكل شمولي التجربة التشريعية المغربية في هذا المجال، ارتأينا أولاً أن نعرض لخصائص الجريمة المعلوماتية ومدى اختلافها عن باقي الجرائم (المطلب الأول)، قبل التطرق لموضوع مواجهة الجرائم المعلوماتية في ضوء مجموعة القانون الجنائي المغربي (المطلب الثاني).

المطلب الأول

خصائص الجريمة المعلوماتية ومدى اختلافها عن باقي الجرائم

سنحاول التطرق في هذا المطلب إلى أهم خصائص الجريمة المعلوماتية في (الفقرة الأولى) على أن نعرف مدى اختلافها عن باقي الجرائم الأخرى في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خصائص الجريمة المعلوماتية

الجرائم المعلوماتية إنما تعد إفرازاً ونتاجا لتقنية المعلومات، فهي ترتبط بها وتقوم عليها وقد أدى اتساع نطاق هذه الجرائم في المجتمع، وازدياد ازدهار حجم ودور تقنية المعلومات في القطاعات المختلفة، إلى إعطاء جرائم المعلوماتية لوناً أو طابعا قانونياً خاصاً يميزها عن غيرها من الجرائم ــ سواء التقليدية منها أو المستحدثة ــ بمجموعة من الخصائص، قد يتطابق بعضها مع خصائص طوائف أخرى من تلك الجرائم، ولعل أبرز خصائص جرائم المعلوماتية ما يلي:

1ــ الجاني في الجرائم المعلوماتية:

المجرم الذي يقترف الجريمة المعلوماتية الذي يطلق عليه المجرم ألمعلوماتي يتسم بخصائص معينة تميزه عن المجرم الذي يقترف الجرائم التقليدية (المجرم التقليدي).

فإذا كانت الجرائم التقليدية لا أثر فيها للمستوى العلمي والمعرفي للمجرم في عملية ارتكابها ــ باعتبارها قاعدة عامة ــ فإن الأمر يختلف بالنسبة للجرائم المعلوماتية فهي جرائم فنية تقنية في الغالب الأعم، ومن يرتكبها عادة يكون من ذوي الاختصاص في مجال تقنية المعلومات، أو على الأقل شخص لديه حد أدنى من المعرفة والقدرة على استعمال جهاز الحاسوب والتعامل مع شبكة الإنترنت.

2ــ الهدف والدافع وراء ارتكاب جرائم المعلوماتية

تستهدف أكثر جرائم المعلوماتية إدخال تعديل على عناصر الذمة المالية، ويكون الطمع الذي يشبعه الاستيلاء على المال دافعها، وبريق المكسب السريع محرك لمرتكبها، وقد ترتكب أحياناً لمجرد قهر نظام الحاسب الآلي وتخطي حواجز الحماية المقامة حوله أو بدافع الانتقام من رب العمل، أو أحد الزملاء أو الأصدقاء.

3ــ وضع جرائم المعلوماتية من مراحل تشغيل نظام المعالجة الآلية للبيانات:

على الرغم من إمكانية ارتكاب جرائم المعلوماتية أثناء أية مرحلة من المراحل الأساسية لتشغيل نظام المعالجة الآلية للبيانات في الحاسب الآلي (الإدخال ــ المعالجة ــ الإخراج) فإن لكل مرحلة من هذه المراحل نوعية خاصة من الجرائم لا يمكن ــ بالنظر إلى طبيعتها ــ ارتكابها إلا في وقت محدد، يعتبر بالنسبة لمراحل التشغيل الأمثل لذلك، ففي مرحلة الإدخال: حيث تترجم المعلومات إلى لغة مفهومة من قبل الآلة، فإنه يسهل إدخال معلومات غير صحيحة وعدم إدخال وثائق أساسية، وفي هذه المرحلة يرتكب الجانب الأكبر من جرائم المعلوماتية، وفي مرحلة المعالجة الآلية للبيانات: فإنه يمكن إدخال أية تعديلات تحقق الهدف الإجرامي عن طريق التلاعب في برامج الحاسب الآلي (كدس تعليمات غير مصرح بها فيها، أو تشغيل برامج جديدة تلغى ــ جزئياً أو كلياً ــ عمل البرامج الأصلية) والجرائم المرتكبة في هذه المرحلة تتطلب توافر معرفة فنية عميقة لدى الجاني، واكتشافها صعب، وغالباً ما تقف المصادفة وراءه، وفي المرحلة الأخيرة المتعلقة بالمخرجات: يقع التلاعب في النتائج التي يخرجها الحاسب بشأن بيانات صحيحة أدخلت فيه وعالجها بطريقة صحيحة.

4ــ التعاون والتواطؤ على الإضرار

وهو أكثر تكراراً في جرائم المعلوماتية عنه في الأنماط الأخرى للجرائم الخاصة أو جرائم أصحاب الياقات البيضاء، وغالبا ما يكون متضامناً فيها متخصص في الحاسبات الآلية يقوم بالجانب الفني من المشروع الإجرامي، وشخص آخر من المحيط أو من خارج المؤسسة المجني عليها لتغطية عملية التلاعب وتحويل المكاسب إليه، كما أن من خصائص من يمارسون التلصص على الحاسبات تبادل المعلومات بصفة منتظمة حول أنشطتهم.

5ــ أعراض النخبة

يعتقد بعض المتخصصين في تقنية الحاسبات والمعلوماتية أن من مزايا مراكزهم الوظيفية ومهارتهم الفنية استخدام الحاسبات الآلية وبرامجها وتقنياتها لأغراض شخصية، أو للتباري الفكري فيما بينهم، أو ممارسة بعض الهوايات الدائرة في فلك هذه التقنية، وهو ما يعبر عنه بأعراض النخبة، Syndrome elitist وقد يدفع ذلك بعضهم إلى التمادي في استخدام نظم الحاسب الآلي بطريقة غير مشروعة قد تصل إلى حد ارتكاب الجرائم الخطرة.

6ــ أضرار جرائم المعلوماتية

تقع جرائم المعلوماتية وترتكب في إطار تقنية وتكنولوجيا متقدمة يتزايد استخدامها يوماً بعد يوم في إدارة مختلف المعاملات الاقتصادية والمالية والخدمية ــ الوطنية والدولية على حد سواء ــ ويعتمد عليها في تسيير معظم شئون الحياة اليومية للأفراد والشؤون العامة لأكثر الحكومات بما في ذلك الأمن والدفاع، ومن شأن ذلك أن يضفي أبعاداً خطيرة غير مسبوقة على حجم الأضرار والخسائر التي تنجم عن ارتكاب هذه الجرائم على مختلف القطاعات والمعاملات، ولا أدل على ذلك من أن حجم الخسائر المادية الناجمة عن هذه الجرائم قد بلغ وفقاً لتقديرات المركز الوطني لجرائم الحاسب في الولايات المتحدة الأمريكية NCCCD)) حوالي 500 مليون دولار أمريكي سنوياً، بينما قدرتها مصادر أخرى بما يتراوح بين 3و5 بليون دولار في السنة، ولا شك أن هذه الخسائر قد فاقت بكثير تلك الأرقام في عصرنا الحالي.

7ــ صعوبة اكتشاف جرائم المعلوماتية وإثباتها

لا تحتاج جرائم المعلوماتية إلى أي عنف، أو سفك للدماء، أو آثار اقتحام لسرقة الأموال، وإنما هي أرقام وبيانات تتغير أو تمحى تماماً من السجلات المخزونة في ذاكرة الحاسبات الآلية، ولأن هذه الجرائم في أغلب الأحيان لا تترك أي أثر خارجي مرئي لها فإنها تكون صعبة في الإثبات، ومما يزيد من صعوبة إثبات هذه الجرائم أيضاً ارتكابها عادة في الخفاء، وعدم وجود أي أثر كتابي لما يجري خلال تنفيذها من عمليات أو أفعال إجرامية، حيث يتم بالنبضات الإلكترونية نقل المعلومات، أضف إلى ذلك إحجام مجتمع الأعمال عن الإبلاغ عنها تجنباً للإساءة إلى السمعة وهز الثقة في كفاءة المنظمات والمؤسسات المجني عليها، فضلاً عن إمكانية تدمير المعلومات التي يمكن أن تستخدم كدليل في الإثبات في مدة قد تقل عن الثانية الزمنية.

إضافة إلى عدم ملائمة الأدلة التقليدية في القانون الجنائي في إثباتها، ومن ثم يلزم البحث عن أدلة جديدة حديثة ناتجة من ذات الحاسب، ومن هنا تبدأ صعوبات البحث عن الدليل، وجمع هذا الدليل، وتبدأ مشكلات قبوله إن وجد، ومدى موثوقيته أو مصداقيته على إثبات وقائع الجريمة.

8ــ السمات العامة للمتورطين في الانحراف ألمعلوماتي

تتوافر لدى الجناة مرتكبي جرائم المعلوماتية أو معظمهم مجموعة من السمات أو الخصائص التي تميزهم عن غيرهم من الجناة أو المتورطين في أشكال الانحراف والإجرام الأخرى، ولعل من أبرز هذه السمات ما يلي:

  ـــ السن: يتراوح أعمار مقترفي جرائم المعلوماتية عادة بين 18و46سنة والمتوسط العمري لهم 25سنة.

  ـ التكوين والمعارف والعمل: ينتمي مرتكبو هذه الجرائم عادة إلى الطبقة المتعلمة، ومعظمهم يكونوا من العاملين بنفس الجهة أو المؤسسة المجني عليها وهم أشخاص محل ثقة، ولا تشوب سمعتهم أو نزاهتهم شائبة، والذي يغريهم على ارتكاب جرائمهم شعورهم بالأمن نتيجة جهل تلك الجهة أو المؤسسة وكبار مديريها بعلوم وتكنولوجيا وتقنيات الحاسبات الآلية وعلوم وفنون البرمجة، فيتملكهم الشعور بإمكانية ارتكاب الجريمة دون أن يتم اكتشافها.

ـ خشية الضبط وافتضاح الأمر: لما يترتب على ذلك من ارتباك مالي وفقد للمركز والمكانة.

ـ ارتفاع مستوى الذكاء.

وتقسم المعلومات إلى ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: المعلومات الاسمية، وهذه إما أن تكون شخصية كالمعلومات بالشخص كاسمه ولقبه وجنسيته وحالته الاجتماعية.

وإما أن تكون موضوعية وهي التي تكون منسوبة إلى شخص معبراً بها عن رأيه تجاه الغير كمقالات الصحف والتقارير الخاصة بالعاملين لدى مؤسسة ما.

*الطائفة الثانية: المعلومات الخاصة بالمصنفات الفكرية كأصحاب براءات الاختراع وحقوق المؤلف وغيرها من حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية والتي يتمتع أصحابها بحقوق مالية وأدبية عليها.

*الطائفة الثالثة: المعلومات المباحة وهي التي يتاح للجميع الحصول عليها بدون إذن من صاحبها كالنشرات الجوية وتقارير البورصة.

الفقرة الثانية: اختلاف الجرائم المعلوماتية عن باقي الجرائم

ثمة فروق بين الجريمة المعلوماتية سواء كانت تقليدية أو مستحدثة من عدة وجوه:

  ـ الجريمة المعلوماتية يكون مسرح الوقائع أو مسرح الجريمة غير موجود، فمسرح الجريمة هنا هو الفضاء الإلكتروني بأثره.

  ـ أن الجاني والمجني عليه لا يشترط أن يكونا في مكان واحد أو في دولة واحدة على عكس الحال في الجرائم العادية مثل المخدرات والتي لها مسرح جريمة ومن ثم يكون لها محل للمعاينة.

  ـ مبدأ إقليمية النص الجنائي، وما يعنيه ذلك للجرائم المعلوماتية وجرائم الإنترنت ومدى إمكانية تطبيق القوانين الوطنية على الجرائم الواقعة بالإنترنت.

  ـ أن الجرائم المعلوماتية قابلة للتوسع والابتكار إذا هي مرتبطة في الأساس بالتقدم التقني والمعلوماتي.

ولا تعني جرائم الحاسوب أو الأنترنت بالضرورة شكلاً غير مسبوق من الاعتداء على حقوق الآخرين، بل إن مفهوم الجرائم المعلوماتية بالمعنى الواسع يشمل جرائم تقليدية معروفة مثل السرقة الاحتيال والابتزاز والتجسس والاختلاس والتزوير، كل ما هنا لكأن شبكة الإنترنت أو نظام الحاسوب هو الأداة التي اختارها الفاعل لتحقيق هدفه بكفاءة ودقة.

من الأمثلة على ذلك: استخدام الحاسوب والماسح الضوئي وطابعة الليزر الملونة وبرمجيات متخصصة لتزوير عملات أو مستندات، وهي نفس الجريمة التي تنفذ بوسائل الطباعة التقليدية، مثال ثان: سرقة حاسوب محمول يحتوي على معلومات حساسة، فهذا يشبه إلى حد بعيد سرقة حافظة مستندات تحتوي على نفس المعلومات، ومثال ثالث: استخدام موقع على الانترنت لعرض صور فاضحة أو التحريض على الفاحشة يشبه أشكال التحريض بواسطة الوسائط التقليدية من مجلات مطبوعة وبرامج تلفاز منحرفة.

الجرائم المعلوماتية في جوهرها اعتداء على الأفراد والممتلكات، ولكن لها ما يميزها عن الجرائم التقليدية. من أبرز خصائص هذه الجرائم أنها عادة ذات تأثير فادح، فإطلاق فيروس، على سبيل المثال، قد يصيب ملايين الحواسيب خلال فترة وجيزة ونشأ عنه أضرار تقدر بمليارات الدولارات. علاوة على ذلك فهذه الجرائم تستلزم أن يكون الجاني متمتعاً بمهارات ذهنية عالية وفهم دقيق لآلية عمل الشبكات ونظم التشغيل والبرمجة.

قارن مثلاً بين اقتحام مصرف لسرقة النقود الورقية واستخدام وسائل الاتصال للتسلل إلى نظام نفس المصرف وتحويل الأموال من حساب إلى آخر. لا شك أن الحالة الأخيرة تطلق قدرات متميزة لاختراق نظام أمن المعلومات بالمصرف كما أن الخسائر المترتبة عليها تكون اكبر أضعافاً مضاعف.

ويلاحظ كذلك أن معظم الجرائم التقليدية داخل حدود دولة معينة، بينما معظم الجرائم المعلوماتية تتم عبر الحدود بسبب الطبيعة العالمية للإنترنت، مقتضى هذه الخاصية أن الجريمة التقليدية تخضع لإجراءات واضحة ونظام قانوني راسخ يتقن التعامل معها، بينما عناصر الجريمة المعلوماتية تتوزع عادة بين عدة دول على سبيل المثال، إذا قام فرد بشراء سيارة من وكيل محلي مستخدماً بطاقة ائتمان، ثم تبين أن هذه البطاقة مزوَّرة، يكون لدينا جريمة تقليدية يسهل تصنيفها وتتبع الجاني والإيقاع به. هذا بينما إذا قام شخص مقيم في ألمانيا بانتحال شخصية آخر يملك بطاقة ائتمان صادرة من كندا ثم دخل على موقع eBay حيث اشترى أجهزة إلكترونية من الولايات المتحدة باستخدام تلك البطاقة، كيف تكون إجراءات التعامل مع هذه الجريمة؟ وأي نظام قانوني أو قضائي يطبق؟

إن الجرائم المعلوماتية تعتبر حديثة جداً، لذلك لا يتمتع القائمون على تطبيق القانون بخبرة كافية للتعامل معها علاوة على ذلك، فإن نصوص القانون تخلو من المعالجة الوافية لأنواع كثيرة من الجرائم المعلوماتية مما يتيح للجناة الإفلات من العقاب، حتى في حالة القبض عليهم.

هناك جرائم لها نظير تقليدي لكنها مختلفة من حيث إمكانية التعامل معها قضائياً، من ذلك إرسال بريد إلكتروني منتحلاً اسم وصفة شخص آخر بقصد الإضرار بسمعة ذلك الشخص. هذا الفعل يمكن التعامل معه في ظل مواد القانون المعتادة بشأن الاحتيال، إلا أن المشكلة أن القاضي عندما ينظر في القضية قد يجد أن نصوص القانون التي تشير صراحة إلى الكتابة والتوقيع لا ينطبق على البريد الإلكتروني الذي لا يحتاج إلى الورقة والقلم.

المطلب الثاني

مدى إمكانية تطبيق نصوص القانون الجنائي على الجرائم المعلوماتية

لقد تدخل التشريع المغربي عن طريق قانون رقم 03/07 بتجريمه لمجموعة من الأفعال المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات كالدخول عمداً أو عن طريق الخطأ والبقاء في الداخل من خلال الفصول 607/-3 إلى 607/11ق.ج، والقانون المغربي رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب (الفصول 1-218 إلى 9-218 من مجموعة القانون الجنائي المغربي)، والقانون رقم 03-24 المتعلق بتعزيز الحماية الجنائية للطفل والمرأة، (الفصل 1-503 والفصل 2-503 من مجموعة القانون الجنائي المغربي)، وهو ما سيتم التطرق له.

أولاً: القانون المغربي رقم 03-07 المتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات (الفصول 3-607 إلى 11-607 من مجموعة القانون الجنائي المغربي) ،([117])

أول ما يلاحظ هو عدم قيام المشرع المغربي بوضع تعريف لنظام المعالجة الآلية للمعطيات، ويبدو أن المشرع قصد ذلك، بحيث ترك ذلك للفقه والقضاء، هذا الأخير المكلف بتطبيق بنود هذا التشريع، ثم إن المجال ألمعلوماتي هو مجال حديث ومتجدد، وبالتالي فإن أي تعريف يتم وضعه قد يصبح متجاوزاً فيما بعد، في ضوء التطور المذهل لقطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وعليه، فقد أحسن المشرع المغربي عند عدم وضعه لتعريف خاص بنظام المعالجة الآلية للمعطيات.

ولعل القراءة التحليلية لمقتضيات هذا التشريع المغربي تمكننا من القول التالي:

ينص الفصل 3-607 على ما يلي (يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبالغرامة من 2000 إلى 10000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من دخل إلى مجموع أو بعض نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال.

ويعاقب بنفس العقوبة من بقي في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات أو في جزء منه، كان قد دخله عن طريق الخطأ وهو غير مخول له حق دخوله.

تضاعف العقوبة إذا نتج عن ذلك حذف أو تغيير المعطيات المدرجة في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات، أو اضطراب في سيره).

إذن نلاحظ أن الفقرة الأولى من هذا الفصل، تجرم الدخول إلى مجموع أو بعض نظام المعالجة الآلية للمعطيات، لكن يجب أن يتم ذلك عن طريق الاحتيال، وعليه فإن اشتراط هذا الأخير لقيام الجريمة، يعني أن الجريمة هنا عمديه، ثم إن المشرع المغربي لم يشترط في هذا النص القانوني كون النظام محمياً أم لا، ولم يشترط حدوث النتيجة الإجرامية. وعليه، فالمشرع يجرم كل حالة يدخل فيها شخص إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات، وبالتالي ففعل الدخول وحده بدون حق مجرم قانوناً، وقد عاقب المشرع المغربي مقترف هذه الجريمة ـ حسب الفقرة الأولى من الفصل 3-607 ـ بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبالغرامة من 2000 إلى 10000 أو بإحدى هاتين العقوبتين.

أما الفقرة الثانية من الفصل 3-607 فتعاقب على البقاء في النظام ألمعلوماتي أو في جزء منه، إذا كان دخول الجاني لهذا النظام قد تم عن طريق الخطأ، وهو غير مخول له حق دخوله، ويعاقب على هذه الجريمة بنفس العقوبة المقررة في الفقرة الأولى.

أما الفقرة الثالثة من نفس المادة فتضاعف العقوبة المقررة، إذا نتج عن فعل الدخول أو البقاء حذف أو تغيير المعطيات المدرجة في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو اضطراب في سيره.

أما الفصل 4-607 فينص على ما يلي:

(دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من 10000 إلى 100000 درهم كل من ارتكب الأفعال المشار إليها في الفصل السابق في حق مجموع أو بعض نظام للمعالجة الآلية للمعطيات يفترض أنه يتضمن معلومات تخص الأمن الداخلي أو الخارجي للدولة أو أسراراً تهم الاقتصاد الوطني.

دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، ترفع العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبالغرامة من 100000 إلى 200000 درهم إذا نتج عن الأفعال المعاقب عليها في الفقرة الأولى من هذا الفصل تغيير المعطيات المدرجة في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات أو حذفها أو اضطراب في سير النظام، أو إذا ارتكبت الأفعال من طرف موظف أو مستخدم أثناء مزاولة مهامه أو بسببها، أو إذا سهل للغير القيام بها.)

إذن، نلاحظ بأن المشرع المغربي من خلال هذا الفصل في فقرته الأولى، قد حدد عقوبة أشد من تلك الواردة بالفصل السابق، وهذا طبيعي نظراً لقيمة المعلومات محل الحماية الجنائية، حيث أنها تتعلق بالأمن الداخلي أو الخارجي للدولة أو متعلقة بأسرار مرتبطة بالاقتصاد الوطني، فمثل هذه المعلومات يمثل الاعتداء عليها اعتداءاً على مقومات الدولة من الناحية السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية.

وقد شدد المشرع العقوبة في حالة ما إذا أدى فعل الدخول، أو البقاء غير المشرع داخل النظام، إلى تغيير أو حذف المعطيات أو اضطراب في سير النظام، وتشدد العقوبة كذلك في حالة ارتكاب الأفعال المذكورة في الفقرة الأولى من الفصل 4-607 من طرف موظف أو مستخدم أثناء مزاولة مهامه أو بسببها. وقد حدد المشرع العقوبة في مثل هذه الحالات، في الحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة من 100000 إلى 200000 درهم كما جاء في الفقرة الثانية من الفصل 607/4 في حين أن الفقرة الأولى حددت العقوبة في الحبس من ستة أشهر إلى سنتين والغرامة من 10000 إلى 100000 درهم مغربي.

أما الفصل 5-607 فينص على ما يلي:

(يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من 10000 إلى  200000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من عرقل عمداً سير نظام للمعالجة الآلية للمعطيات أو أحدث فيه إخلالاً)

يلاحظ أن هذا الفصل قد عاقب على عرقلة سير نظام المعالجة الآلية للمعطيات، والعرقلة قد تتخذ صوراً كثيرة منها: إرسال الفيروسات المدمرة للمعطيات الموجودة داخل النظام، وقد حدد المشرع عقوبة هذا الفعل في الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من 100000 إلى 200000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين. ويبدو جلياً من خلال هذا الفصل أن المشرع المغربي اشترط العمد لقيام الجريمة، وبالتالي لابد أن تتجه إرادة الجاني إلى عرقلة سير نظام المعالجة مع علمه بذلك.

ومن ناحية أخرى عاقب المشرع المغربي كذلك من خلال هذا الفصل على فعل إحداث خلل في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات، والخلل قد يتخذ صوراً متعددة من بينها بطئ عمل النظام ألمعلوماتي أو توقف المعالجة الآلية للمعطيات، ويعاقب على هذا الفعل بنفس العقوبة المقررة للعرقلة.


أما الفصل 6-607 فينص على ما يلي:

(يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من 10000 إلى 200000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من ادخل معطيات في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات أو أتلفها أو حذفها منه أو غيّر المعطيات المدرجة فيه، أو غيّر طريقة معالجتها أو طريقة إرسالها عن طريق الاحتيال.)

لكن الملاحظ هو أن المشرع المغربي من خلال الفصل 6-607 جرّم كذلك مسألة تغيير طريقة معالجة أو إرسال المعطيات عن طريق الاحتيال. وقد حدد المشرع عقوبة الجريمة المذكورة في هذا الفصل في الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من 10000 إلى 200000 أو إحدى العقوبتين.

ولمواجهة ظاهرة التزوير ألمعلوماتي جرم المشرع المغربي فعل تزوير أو تزييف الوثائق المعلوماتية، إذا أدى ذلك إلى إحداث ضرر بالغير، بحيث أن الفصل 7-607 نص على ما يلي:

(دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبالغرامة من 10000 إلى 1000000 درهم كل من زوّر أو زيّف وثائق المعلوميات أياً كان شكلها إذا كان من شأن التزوير أو التزييف إلحاق ضرر بالغير.

دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، تطبق نفس العقوبة، على كل من استعمل وظائف المعلوميات المشار إليها في الفقرة السابقة وهو يعلم أنها مزورة أو مزيفة.)

يبدو من خلال الفصل المذكور، أن جريمة التزوير ألمعلوماتي هي جريمة عمديه، سواء تلك المذكورة في الفقرة الأولى، والخاصة بتزوير أو تزييف الوثيقة المعلوماتية إذا كان ذلك يضر بالغير، أو تلك المذكورة في الفقرة الثانية، والخاصة باستعمال الوثيقة المعلوماتية المزورة، مع العلم بطبيعتها المزورة أو المزيفة.

ويحسب للمشرع المغربي أن استغل فرصة إصدار تشريع معلوماتي، ووضع نصاً قانونياً يجرم فيه التزوير الإلكتروني أو ألمعلوماتي، لأنه قبل صدور هذا القانون لم يكن من الممكن بالمغرب الحديث عن تزوير إلا في ظل كتابة تقليدية، أما الآن فإن القضاء المغربي يملك آلية قانونية يمكن بموجبها متابعة الجاني الذي زور وثائق معلوماتية، ثم إن النص لم يحدد شكل هذه الوثائق، وبالتالي يمكن ـ بدون شك ـ المتابعة عن فعل صنع بطاقات الائتمان المزورة، أو التزوير في مجال العقود الإلكترونية وغيرها…فكل ذلك يصب في إطار توفير حماية قانونية للمعاملات الإلكترونية.

أما فيما يخص المحاولة أو الشروع في الجرائم الواردة بهذا القانون، فقد جعل المشرع المغربي عقوبة المحاولة مماثلة لتلك المطبقة على الجريمة التامة، ويبدو ذلك جلياً من خلال الفصل 8-607 الذي ينص:

(يعاقب على محاولة ارتكاب الجنح المنصوص عليها في الفصول 3-607 إلى 7-607 أعلاه والفصل 10-607 بعده بالعقوبة المطبقة على الجريمة التامة.)

أما الفصل 9-607 فينص على ما يلي:

(تطبق عقوبة نفس الجريمة المرتكبة أو العقوبة المطبقة على الجريمة الأشد على كل من اشترك في عصابة أو اتفاق تم لأجل الإعداد لواحدة أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها في هذا الباب إذا تمثل الإعداد في فعل أو أكثر من الأفعال المادية)[118]

يبدو من صياغة نص الفصل المذكور، أن الاشتراك في عصابة أو اتفاق للإعداد لجريمة أو أكثر من الجرائم الواردة في هذا القانون، يجب أن يظهر من خلال فعل أو أفعال مادية، ومن بين الأمثلة الواقعية لذلك نجد مثلاً إعداد فيروس مخصص لتدمير نظام لمعالجة المعطيات أو إعطاء كروت بنكية لمزور من أجل فك شفراتها.

ونشير إلى أن جريمة الاشتراك في عصابة أو اتفاق، والمذكورة في الفصل 9-607، يجب أن يتوافر فيها العمد لقيامها، وبالتالي لابد أن تتجه إرادة الجاني إلى النشاط الحقيقي للعصابة أو ذلك الاتفاق.

أما الفصل 10-607 فينص على ما يلي (يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة من 50000 إلى 2000000 درهم كل من صنع تجهيزات أو أدوات أو أعد برامج للمعلوميات أو أية معطيات أعدت أو اعتمدت خصيصاً لأجل ارتكاب الجرائم المعاقب عليها في هذا الباب أو تملكها أو حازها أو تخلى عنها للغير أو عرضها أو وضعها رهن إشارة الغير)

وقد اختتم المشرع المغربي الباب العاشر الخاص بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات بالفصل 11-607 والذي ينص على:

(يجوز للمحكمة مع مراعاة حقوق الغير حسن النية أن تحكم بمصادرة الأدوات التي استعملت في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في هذا الباب والمتحصل عليها منها.

يمكن علاوة على ذلك الحكم على الفاعل بالحرمان من ممارسة واحد أو أكثر من الحقوق المنصوص عليها في الفصل 40 من هذا القانون لمدة تتراوح بين سنتين وعشر سنوات.

يمكن أيضاً الحكم بالحرمان من مزاولة جميع المهام والوظائف العمومية لمدة تتراوح بين سنتين وعشر سنوات وبنشر أو بتعلق الحكم الصادر بالإدانة.

إن هذا النص يعطي للمحكمة الحق في إمكانية الحكم بمجموعة من العقوبات التكميلية، كمصادرة الأدوات المستعملة في ارتكاب الجرائم المشار إليها في هذا القانون أو الأدوات المتحصل عليها من هذه الجرائم، ويمكن للمحكمة كذلك بموجب الفقرة الثانية من الفصل 11-607 الحكم على الجاني بالحرمان من ممارسة الحقوق الواردة في الفصل 40 من القانون الجنائي المغربي لمدة تتراوح بين سنتين وعشر سنوات.[119] وللإشارة فإن هذه الحقوق تتجلى في الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية المنصوص عليها في الفصل 26 [120].

ويمكن للمحكمة كذلك الحكم على الجاني بالحرمان من مزاولة أية وظيفة عمومية لمدة تتراوح بين سنتين إلى عشر سنوات. وكذلك يمكن للمحكمة بعد صدور الحكم أن تحكم بنشر أو تعليق الحكم الصادر بالإدانة.

*وفي الأخير نرى أن مصطلح أدوات الوارد في الفصل المذكور، يعني في اللغة المعلوماتية كل ما هو مادي، دون أن يشمل ذلك البرامج المعلوماتية والتي تكون دائماً أكثر قيمة وأهمية.

ثانياً- القانون المغربي رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب[121](الفصول 1-218 إلى 9-218 من مجموعة القانون الجنائي المغربي)

فطن المشرع المغربي لخطورة انتشار الإجرام ألمعلوماتي وأثر ذلك على أمن واستقرار المجتمع المغربي، وقد ظهر ذلك مع عرض مشروع القانون المتعلق بالإرهاب على مجلس الوزراء بتاريخ 16 يناير 2003. (10)، حيث وردت لأول مرة الإشارة إلى إمكانية ارتكاب أفعال إجرامية إرهابية عن طريق المعالجة الآلية للمعطيات.

وما يلفت النظر هو أن القانون المغربي رقم 03-03 المتعلق بالإرهاب يعد أول تشريع مغربي يشير بشكل صريح للإجرام ألمعلوماتي كوسيلة للقيام بأفعال إرهابية لها علاقة عمديه بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف، فالفصل 1-218 حدد بعض الأفعال المجرمة على سبيل الحصر، من بينها الجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات (الفقرة 7)، وذلك بعد محاولة تحديد مفهوم الإرهاب في مستهل هذا الفصل.

لكن الإشارة في الفقرة 7 من الفصل 218-1 إلى الجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات كنمط من أنماط الجرائم الإرهابية طرح في ذلك الوقت التساؤل حول الأساس القانوني للجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، بحيث أن القانون الجنائي المغربي لم يكن يحتوي على تكييفات خاصة بهذا النوع من الجرائم، لذلك أسرع المشرع المغربي بتبني قانون خاص بهذا النمط الجديد من الجرائم، حيث تم ذلك عبر القانون ـ الذي تمت دراسته سلفاً ـ رقم 03-07 المتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات، وبالتالي أصبح هذا القانون بمثابة مرجعية قانونية للفصل 1-218 من قانون الإرهاب، يراعي خصوصية الإجرام ألمعلوماتي بفضل صدور التشريع المغربي الجديد رقم 03-07 المذكور سابقاً.

وباستقراء القانون المغربي المتعلق بمكافحة الإرهاب نستشف أن المشرع عاقب من خلال الفقرة (8) من الفصل 218-1  على كل تزوير أو تزييف للشيكات أو أي وسيلة أداء أخرى تمت الإشارة إليها في المادتين 316 و 331 من مدونة التجارة المغربية. وبرجوعنا للمادة 331 من المدونة المذكورة نجدها متعلقة بموضوع الدراسة، بحيث فرضت العقوبات المنصوص عليها في المادة 316 في حالة تزوير أو تزييف وسيلة أداء، أو استعمالها أو محاولة ذلك، وحتى قبول الأداء ـ عن علم ـ بوسيلة أداء مزيفة أو مزورة. وبطبيعة الحال يدخل ضمن وسائل الأداء المشار إليها وسائل الأداء الحديثة مثل بطاقات الدفع الإلكتروني.

ومما تجدر الإشارة إليه عند الحديث عن القانون المغربي رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب أن الفصل 2-218 منه عاقب على استعمال وسائل الإعلام ومنها الإلكترونية في الإشادة بالأعمال الإرهابية، وقد حدد الفصل المذكور العقوبة في الحبس من سنتين إلى ست سنوات وبغرامة بين 10 آلاف و 200 ألف درهم[122]. ومعلوم أن وسائل الإعلام الإلكترونية متعددة من أبرزها الشبكة الدولية للمعلومات ـ الانترنت ـ.

ثالثاً ـ القانون رقم 03-24 المتعلق بتعزيز الحماية الجنائية للطفل والمرأة.[123] الفصل 1-503 والفصل 2-503 من مجموعة القانون الجنائي المغربي)

لقد شكلت سنة 2003 مصادفة محطة زمنية للاهتمام بالإجرام ألمعلوماتي بالمغرب، بحيث تمت إضافة جديدة للترسانة التشريعية المغربية فيما يخص مكافحة هذا النمط الجديد من الجرائم، بحيث صدر في نفس السنة القانون رقم 03-24 المتعلق بتعزيز الحماية الجنائية للطفل والمرأة، وقد عمل هذا التشريع على تغيير وتتميم بعض نصوص مجموعة القانون الجنائي المغربي خصوصاً فيما يخص الجرائم الماسة بنظام الأسرة والأخلاق العامة[124].

وباستقراء مقتضيات هذا التشريع، نلاحظ أن هناك فصلين مرتبطين بموضوع هذه الدراسة، وهما الفصل 1-503 والفصل 2-503، فالفصل 1-503 من المجموعة الجنائية المغربية ملأ فراغاً تشريعياً، بحيث عاقب على جريمة التحرش الجنسي. وفي رأينا قد جاء هذا النص بصيغة تسمح للقاضي بتطبيقه على كل صور التحرش الجنسي التي تقع عبر وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت. وقد حدد هذا الفصل العقوبة من سنة إلى سنتين حبساً والغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف درهم[125].

أما الفصل 2-503 من المجموعة الجنائية المغربية فقد جرم كل صور التحريض أو التشجيع أو تسهيل استغلال أطفال تقل سنهم عن ثمان عشرة سنة في مواد إباحية، وهو ما يصطلح عليه في مجال القانون ألمعلوماتي بالبورنوغرافية الطفولية [126]التي تستخدم فيها الوسائل المعلوماتية بشكل مكثف، والحقيقة يحسب للمشرع المغربي أنه استغل فرصة إصدار القانون رقم 03-24 بإضافة هذا الفصل المهم بعقوبات مشددة، والذي يحقق بدون شك حماية فعالة للطفل المغربي من مخاطر المواد الإباحية الطفولية الموجودة في مواقع الانترنت على وجه الخصوص، وبالتالي يملأ فراغاً تشريعياً في مجموعة القانون الجنائية المغربي.[127]

ومما سبق فإنه في ظل هذا النمو المستمر للثورة المعلوماتية الذي يعيشه عصرنا ويشهده حاضرنا أصبحنا نواجه العديد من الأخطار والمشاكل التي تنشأ بشكل تلقائي مع أي تطور حضاري وتقني. فدخول الانترنت في عالمنا وتمكن الصغير والكبير والجاهل والمتعلم من استخدامه دون أي قيود أو رقابة أدى إلى زيادة هذه الأخطار وتفشي النهب والسرقات الإلكترونية بشكل ملحوظ؛ ولحفظ الحدود وزيادة الحماية وجب سن القوانين التي ترغم المجرمين على التزام حدودهم، ولكننا وجدنا أن أكبر عائق كان ولازال يواجه هذه القوانين هو تطبيقها على أرض الواقع وبشكل فعلي، وذلك بسبب جهل الناس بها، لأنها قوانين مستجدة وحديثة لجرائم غير معهودة وليست كغيرها من الجرائم، فكان من أهم خطوات تطبيق هذه القوانين هو توعية الناس بالجرائم الإلكترونية وما تسببه من أضرار ولهذا جاء هذا المقال.


[117] أصبح هذا القانون يشكل الباب العاشر من الجزء الأول من الكتاب الثالث من القانون الجنائي المغربي تحت عنوان: المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات. وقد صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 197-03-1 بتاريخ 16 رمضان 1424 الموافق ل 11 نوفمبر 2003.

[118] – بهذا النص يريد المشرع المغربي تجريم المشاركة في عمل تحضيري لارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، ويبدو أن هذا الوضع هو استثناء على القواعد العامة التي لا تعاقب على الأعمال التحضيرية والتي لا تصل إلى درجة المحاولة لارتكاب الجريمة.

[119] ينص الفصل 40 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على ما يلي:

“يجوز للمحاكم في الحالات التي يحددها القانون إذا حكمت بعقوبة جنحية أن تحرم المحكوم عليه لمدة تتراوح بين سنة وعشر سنوات، من ممارسة حق أو عدة حقوق من الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية المنصوص عليها في الفصل 26.

يجوز أيضاً للمحاكم تطبيق مقتضيات الفقرة الأولى من هذا الفصل إذا حكمت بعقوبة جنحية من أجل جريمة إرهابية.

[120] ينص الفصل 26 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على ما يلي:

(التجريد من الحقوق الرسمية يشمل:

1ــ عزل المحكوم عليه وطرده من جميع الوظائف وكل الخدمات والأعمال العمومية.

2ــ حرمان المحكوم عليه من أن يكون ناخباً أو منتخباً أو حرمانه بصفة عامة من سائر الحقوق الوطنية ومن حق التحلي بأي وسام.

3ــ عدم الأهلية للقيام بمهمة محلف أو خبير وعدم الأهلية لأداء الشهادة في أي رسم من الرسوم أو الشهادة أمام القضاء إلا على سبيل الإخبار فقط.

4ــ عدم أهلية المحكوم عليه بأن يكون وصياً أو مشرفاً على غير أولاده.

5ــ الحرمان من حق حمل السلاح ومن الخدمة في الجيش والقيام بالتعليم أو إدارة مدرسة أو العمل في مؤسسة للتعليم كأستاذ أو مدرس أو مراقب.

والتجريد من الحقوق الوطنية عندما يكون عقوبة أصلية يحكم به لزجر الجنايات السياسية ولمدة تتراوح بين سنتين وعشر سنوات ما لم تنص مقتضيات خاصة على خلاف ذلك)

[121] أصبح هذا القانون يشكل الباب الأول مكرر من الجزء الأول من الكتاب الثالث من مجموعة القانون الجنائي المغربي تحت عنوان: الإرهاب

[122] ينص الفصل 2-218 (يعاقب بالحبس من سنتين إلى ست سنوات وبغرامة تتراوح بين 10000 و 200000 درهم كل من أشاد بأفعال تكون جريمة إرهابية بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية والإلكترونية)

[123] هذا التشريع صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 207-03-1 في 16 رمضان 1424 الموافق 11 نوفمبر 2003

[124] والتي تتضمن مقتضيات ذات علاقة بموضوع الدراسة.

[125] ينص الفصل 1-503 (يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين وبالغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف درهم، من أجل جريمة التحرش الجنسي، كل من استعمل ضد الغير أوامر أو تهديدات أو وسائل للإكراه أو أية وسيلة أخرى مستغلاً السلطة التي تخولها له مهامه، لأغراض ذات طبيعة جنسية).

[126] La pornographie enfantine

[127] ينص الفصل 2-503 (يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من عشرة آلاف إلى مليون درهم كل من حرض أو شجع أو سهل استغلال أطفال تقل سنهم عن ثمان عشرة سنة في مواد إباحية، وذلك بأطهار أنشطة جنسية بأية وسيلة كانت سواء أثناء الممارسة الفعلية أو بالمحاكاة أو المشاهدة أو أي تصوير للأعضاء الجنسية للأطفال يتم لأغراض ذات طبيعة جنسية)

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة