في التشريع المغربي
ذ. معتمد أزوكاغ
باحث في صف الدكتوراه بكلية الحقوق وجدة
مقدمة:
ظهرت عقود حديثة لها ارتباط وثيق بعالم التجارة والمال فرضت نفسها كتقنية حديثة لم تكن معروفة من قبل، من بين هذه العقود عقد الائتمان الإيجاري، وهو صورة من صور التمويل، ولكونه من العقود المشعة على الاستثمار والتطور الاقتصادي.
فهذه التقنية عبارة عن تمويل عيني يتيح للمقاولة فرصة الحصول على الأصول الرأسمالية التي تكون في حاجة إليها، سواء عند انطلاق المقاولة كبداية لتأسيسها، أو عند رغبة هذه الأخيرة في تجديد آلات ومعدات قديمة، دون أن تستنفذ هذه المقاولة إمكانيتها ومواردها المالية الموجودة لديها والتي قد تنفقها في مآرب أخرى.
كذلك تمكن من تحقيق هدفين أساسين يبدو من الوهلة الأولى صعوبة في التوفيق بينهما، الأول تمويل المشروع الاستثماري بشكل كامل من طرف المؤسسة المالية، والثاني توفير الإطار القانوني الملائم لاسترجاع المؤسسة لأموالها بشكل مضمون، ودونما خوف من إفلاس أو إعسار المتعامل معها ([282]).
وقد نظم المشرع المغربي عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات من خلال مجموعة من النصوص القانونية التي صدرت في هذا الشأن، كان أولها القانون البنكي ل 6 يوليوز 1993، ثم تلته صدور مدونة التجارة لسنة 1996، وانتهاء بالقانون البنكي ل 14 فبراير 2006، وقد بدأ التعامل بهذا العقد ببلادنا منذ منتصف الستينات حيث أنشئت سنة 1965 شركة متخصصة في كراء التجهيزات ووسائل النقل العمومية والتجارية والسياحية والنفعية([283]) يطلق عليها اسم Maroc Leasing، ثم تناسلت بعدها عدة شركات وكثرت فيما بعد([284]).
فإذا كان لعقد الائتمان الإيجاري للمنقولات من الناحية العلمية- باعتبار أن هذا العقد يسبق فيه الواقع العلمي النص التشريعي في بلادنا- كل هذه الأهمية التي تجعله يستحق مزيدا من العناية والتنظيم، فإن دراسته كذلك لا تقل أهمية، لذلك ارتأينا أن نتساءل أولا عن الجوانب القانونية التي ارتكز عليها المشرع المغربي لاستيعاب هذه التقنية التمويلية المقتبسة عن الممارسة الأجنبية؟.
وإلى أي مدى استجابت الأحكام التي جاءت بها كل من مدونة التجارة والقانون البنكي، للمشاكل التي طرحها التعامل بهذا العقد خلال النصف الأخير من القرن الماضي؟ وهل كان للقضاء المغربي دور في حل المشاكل التي أفرزها التعامل مع هذا العقد، خصوصا وأن الساحة الوطنية ستعرف استقبال مشاكل متعددة في نفس الموضوع؟.
المبحث الأول:
النظام القانوني لعقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
ارتباطا بالموضوع الذي نحن بصدد دراسته في هذا المبحث المتعلق بالنظام القانوني لعقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، سأحاول بداية التطرق لأحكام هذا العقد، ثم بعد ذلك لتكوينه.
المطلب الأول:
أحكام عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
أفرز عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بحكم العمل به العديد من المشاكل بحيث عرف مواقف واجتهادات متباينة على مستوى الفقه والقضاء خصوصا في فرنسا، كما أثار الكثير من النقاش حول مفهومه وطبيعته.
كما أن المشرع المغربي عند تنظيمه لهذا العقد لم يتناول جميع المسائل المرتبطة بهذا العقد، مما يقتضي منا الرجوع بشأنها إلى القواعد العامة في قانون الالتزامات والعقود في كل حكم لم يتم تنظيمه في مدونة التجارة.
الشيء الذي يفرض علينا بداية تحديد ماهية عقد الائتمان الإيجاري ثم بعد ذلك لتمييز هذا العقد عن باقي العقود المشابهة له وتحديد أهميته.
الفقرة الأولى:
ماهية عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
يقتضي بيان المفهوم القانوني لعقد الائتمان الإيجاري للمنقولات التطرق أولا لتعريف هذا العقد وبيان طبيعته وثم بعد ذلك لخصائصه من خلال الحديث عن العلاقة الثلاثية لأطراف عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات إضافة إلى تدخل مؤسسات الائتمان الإيجاري بقصد تمويل المقاولات التي هي في حاجة إلى الدعم المالي اللازم لتسيير مشاريعها ومواجهة كافة التطورات التكنولوجية، السريعة والمتنامية، تجعل تدخلها في حد ذاته ذا طابع مالي.
1- تعريف عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات:
بالرجوع إلى مقتضيات القانون المتعلق بنشاط مؤسسات الائتمان ومراقبتها لسنة 1993 نجده يعرف عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات في المادة الثامنة بأنه: “عمليات إيجار السلع التجهيزية أو المعدات أو الآلات التي تمكن المستأجر كيفما كان تكييف تلك العمليات من أجل أن يتملك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض السلع المستأجرة لقاء ثمن متفق عليه يراعي فيه جزء على الأقل من المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار؛”.
وعليه تعد عملية تأخير ائتماني في مفهوم المادة، كل عملية تأجير تدور حول التجهيزات أو الآلات أو المعدات، يقوم البنك المؤجر لصالح الزبون المستأجر ويكون من حق هذا الأخير في نهاية العقد، تملك المال المؤجر كله أو في جزء منه لقاء ثمن متفق عليه يراعي فيه جزء على الأقل من المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار.
وما يجب الإشارة إليه أن مدة العقد يجب أن تتناسب مع الحياة الاقتصادية للشيء أو تكون أقصر منه، حيث أن المكتري هو الذي يقترح أجلا للعقد وتقوم الشركة بدراسته، بعد ذلك يتم تحديد مدة الكراء بعقد لا يجوز الرجوع فيه، يلتزم المكتري- المستفيد- بموجبه بأداء الأقساط الشهرية، وبعد انتهاء مدة العقد يكون أمام المكتري خيارات ثلاثة([285])، رد الشيء لمؤسسات الائتمان الإيجاري، أو تملك الشيء بعد انتهاء العقد بالثمن الذي تم تحديده أثناء إبرام العقد، أو تجديد عقد الكراء لمدة إضافية.
أما القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها لسنة 2006، حيث يلاحظ أنها جاءت بنفس الصيغة التي وردت في القانون القديم لسنة 1993 مع اختلاف بسيط في بعض الكلمات، بحيث عوضت السلع التجهيزية أو المعدات أو الآلات بعبارة المنقولات، بحيث عرفته المادة الرابعة في فقرتها الثانية بأنه: “عمليات إيجار المنقولات التي تمكن المستأجر كيفما كان تكييف تلك العمليات، من أن يتملك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض المنقولات المستأجرة، مقابل ثمن متفق عليه يراعى في تحديده على الأقل جزء من المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار؛”.
أما مدونة التجارة فقد عرفته في المادة 431 بأنه: “كل عملية إكراء للسلع التجهيزية أو المعدات أو الآلات التي تمكن المكتري كيفما كان تكييف تلك العمليات من أجل أن يمتلك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض السلع المكراة لقاء ثمن متفق عليه يراعى فيه جزء على الأقل من المبالغ المدفوعة على سبيل الكراء”.
ومن خلال استقراءنا للتعاريف التي جاء بها المشرع المغربي سواء في مدونة التجارة أو القانوني البنكي، نجده قد أغفل ذكر عنصر مهم في هذا العقد عند تعريفه له ألا وهو عنصر الشراء، إذا كان عليه سد هذه الثغرة كما فعل المشرع الفرنسي عند تعريفه لهذا العقد([286]) سواء بالنسبة للمنقولات أو العقارات بصفة عامة، خصوصا مع إصدار القانون البنكي لسنة 2006 واقتصاره فقط على العقارات دون المنقولات، وبالتالي هل يمكن اعتبار ذلك تعمدا من المشرع المغربي على إقصاء المنقولات من عنصر الشراء، خصوصا وأن هذا العقد الذي يربط المكري أي مؤسسات الائتمان الإيجاري بالمورد، الذي يشتري بمقتضاه الأول من الثاني المنقولات التي سيكريها في إطار عقد الليزينك للمستفيد، وبالتالي فإن عنصر الشراء من بين العناصر الأساسية التي يتكون منها عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، فلا يمكن تصور عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بدون تصور حدوث عنصر الشراء لأجل التأجير.
2- طبيعة عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات:
إن البحث عن طبيعة عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، يستوجب البحث عن العنصر الغالب في هذا العقد ذو الطابع المختلط، باعتباره قد أثار نقاشا وجدلا واسعا بين أوساط الفقه خصوصا وأن لكل واحد منهم تكييفه الخاص لهذا العقد بتقديم الحجج على ذلك.
ومن بين الأوصاف التي أعطيت له من قبل هؤلاء الفقه من كونه عقد إيجار مالي([287]) مع وعد انفرادي والبيع من جانب شركة الائتمان الإيجاري، أو عقد كراء أو عقد شراء أو مشارطة للغير، أو عقد ائتمان، أو عقد وكالة، أو عقد بيع بالتقسيط، أو عقد مسمى([288])، ومرجع هذا النقاش كون عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات يعتبر عقدا مركبا، يتضمن مجموعة من العمليات القانونية التقليدية، بحيث يصبح من الصعب معها تجزئة إحداها عن الأخرى لتكون لنا في النهاية عقدا مركبا Contrat Complexe وليس فقط مجرد عقد من تلك العقود.
ولعل الأهم من تحديد طبيعة هذا العقد أن يزيل كل خلط أو التباس من شأنه أن يؤثر على إرادة الأطراف المتعاقدة، لأنهم لا يستطيعون أثناء التعاقد التنبه إلى جميع المسائل التي يمكن أن تنشأ بمقتضى هذا العقد([289])، إضافة إلى بيان أوجه التكييفات التي أعطيت في سبيل معرفة المقتضيات القانونية التي يخضع لها والمطبقة عليه في الآن ذاته، وهناك من الفقه من يعتبر الائتمان الإيجاري كوسيلة تمويلية ترمي إلى تحقيق عدة أهداف في آن واحد، ومن بينها تحقيق ضمان للمؤجر الائتماني عن طريق الاحتفاظ بالملكية، وما يحول ذلك حق استرداد الشيء محل العقد في حالة تخلف المستأجر الائتماني (المستفيد) من الوفاء بالتزاماته التعاقدية، وعلى هذا الأساس فإن وظيفة الضمان التي يقوم بها الائتمان الإيجاري تعتبر من أهم خصائصه في كل البلدان التي عنيت بتنظيم هذا النوع من العمليات([290]).
ورغم تعدد الآراء الفقهية حول الطبيعة القانونية لعقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، فإن مدونة التجارة نظمته في إطار الكتاب الرابع المتعلق بالعقود التجارية، وجعلته من بين العقود التجارية ذات الطبيعة الخاصة بأحكامه وبآثاره في مواجهة أطرافه وكذا الغير، وهذا يدل على رغبة المشرع استبعاد أحكام البيع من التطبيق على عمليات الائتمان الإيجاري([291]).
3- العلاقة الثلاثية لأطراف عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات:
يعتبر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بنص التعريف الذي جاء به المشرع المغربي عقدا موجها للمهنيين في إطار نشاطهم المهني، وهي عملية جدلية تهم ثلاثة أطراف([292]) يساهم كل واحد منهم بدور محدد وأساسي لإنجاز هذه العملية التمويلية، وعلى ضوء هذه المساهمة تتحدد المراكز القانوني التي يتمتع بها كل طرف على حدة.
سنحاول تفصيل علاقة كل طرف من الآخر بشيء من التفصيل وهم المستفيد، والمورد ومؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات.
أ– علاقة المورد بمؤسسة الائتمان الإيجاري:
هذه العلاقة هي علاقة بائع بمشتري، يكون المورد بمقتضاه هو البائع في حين تكون مؤسسة الائتمان الإيجاري هي المشترية للآلات محل عقد الائتمان الإيجاري إلا أننا لا يمكن الأخذ بهذا الطرح على اعتبار أن مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات في حد ذاتها لا تقوم باقتناء هذه الآلات لفائدتها وإنما تقوم فقط بتمويل طرف ثالث وهو الشخص المستفيد من هذه العملية أو المكتري في إطار عقد الائتمان الإيجاري.
تتلخص هذه العلاقة في أن المستفيد يتوجه بداية إلى المورد، وذلك بغية شراء المنقولات التي هو بحاجة لها، ولكنه يجد نفسه غير قادر وفق قدراته وموارده المالية، فيقصد إحدى مؤسسات الائتمان والتمويل، وتبعا لحاجيات المستفيد أو طالب الائتمان تبادر مؤسسة الائتمان الاتصال بالمورد قصد الحصول على ما يحتاج إليه زبونها من الآلات والمعدات رغبة منها من اقتناء تلك المنقولات، فتحرر مع المورد قصد شراء تلك الأشياء وتصير بذلك في ملكها، وهي في نية تخويلها أو على الأصح إكرائها للمستفيد، إذ أن المبادرة التي تتخذها مؤسسة الائتمان في هذا الشراء كانت تحت طلب المستفيد ورغبة في الحصول عليها.
ب– علاقة المستفيد بالمورد:
ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار العلاقة الناشئة بين المستفيد والمورد بقصد اختياري المنقولات التي هي محل عقد الائتمان الإيجاري من قبل المستفيد تكون بوصف هذا الأخير وكيلا أصليا عن مؤسسة الائتمان الإيجاري، ولا شك أن هذا التكييف الأخير لهذه العلاقة تخدم مصالح مؤسسة الائتمان أكثر منها أطراف العلاقة التي تجمع المستفيد بالمورد، بحيث إذا تعذر وضع عقد البيع موضوع التنفيذ كان لها أن ترجع على المستفيد من أجل تعويض الأضرار التي لحقتها استنادا إلى خطئه في تنفيذ الوكالة Mandat.
غير أنه لا يمك الاعتماد على هذه النظرية على إطلاقها أي نظرية الوكالة، على اعتبار أنها قد تكون صحيحة في حالات كما هو الشأن في حالة تسليم الشيء والقيام بالإجراءات الإدارية، إلا أنها لا تكون كذلك في الحالات الأخرى، لأنه قبل أن يكون هناك أي اتفاق بين المستفيد ومؤسسة الائتمان، لم تكن هناك أية علاقة مع الطرف الثالث أي المورد، وأن مرحلة التفاوض رهينة بحصول موافقة الطرف الآخر عليها، ولا تأتي إلا بعد التوقيع على العقد، وبالتالي لا مجال للحديث عن الوكالة في هذه المرحلة([293]).
ج– علاقة المستفيذ بمؤسسة الائتمان الإيجاري:
العلاقة الرابطة بين مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات والمستفيد أساسها هي تحرير المضمون الاتفاقي الرابط بينهما على الرغم من كون المؤسسة هي التي تقوم بتحريره على انفراد، مما يمكن القول معه بأن هذا العقد يدخل ضمن مجموعة من عقود الإذعان([294]).
إضافة إلى عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات وفي إطار العلاقة المتبادلة بين المستفيذ ومؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات ينقل كل الالتزامات التي تقع عادة على مؤسسة الائتمان الإيجاري إلى المستفيد بما في ذلك الالتزامات التقنية التي تهم المنقولات محل عقد الائتمان الإيجاري، ويجعل من المستفيد كما لو كان هو المالك لتلك المنقولات.
4- العنصر المالي في عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات:
باعتبار عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات عقدا يشمل مجموعة من العلاقة الثلاثية، ونظر لما تتثيره طبيعة هذا العقد من نقاش حاد بين أوساط الباحثين، ومن كون هذا العقد يحتوي على مجموعة من العمليات القانونية التقليدية، مما حدا بأحد الفقه([295]) إلى اعتبار أنه يحتفظ بطبيعة قانونية خاصة به، وهو الطابع المالي وتتمثل صورة الائتمان الإيجاري في أن صاحب مشروع أو مقالة يكون في حاجة إلى استغلال منقول ما في مشروعه فيتجه إلى شركة الائتمان الإيجاري طالبا تمويلها الحصول على المال، فتقوم الشركة بتمويل شرائه أو بنائه وتحفظ بملكيته تقوم بتأجيره لصاحب المشروع (المستفيد)، ويلتزم المستفيد بالوفاء بأجرة دورية طوال مدة التأجير على أن يكون له الخيار عند نهاية هذه المدة بين امتلاك المال أو إعادة استئجاره أورده إلى الشركة الممولة([296]).
ويظهر هذا الطابع المالي من خلال صفة المؤسسة المالية أو البنكية التي يجب أن تكون للشركة، كما أن شركة الائتمان الإيجاري للمنقولات لا تعتبر شخص يحترف أعمال التأخير لأنها لا تملك الأصول التي تقوم باستغلالها، فالشركة لا تتدخل إلا بناء على طلب المستفيد، ولا تملك المنقولات عن طريق الشراء، إلا بمناسبة هذا الطلب، ومن هذه الزاوية تتوسط بين المستفيد وبائع الأصل، ويقتصر دور مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات على الوفاء بثمن المنقولات التي هي محل عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، دون أن تتدخل في الجوانب الفنية التي تبقى قاصرة على المستفيد([297]).
الفقرة الثانية:
تميز عقد الائتمان الإيجاري عن باقي العقود المشابهة
وتحديد أهميته
كلما نظم المشرع المغربي عقدا من العقود إلا وحدد الأحكام التي تطبق عليها ما يجعل لهذا العقد خصائص تميزه عن غيره من العقود، وباعتبار عقد الائتمان الإيجاري يشبه إلى حد ما بعض العقود من ذلك مثلا عقد البيع الإيجاري، أو إيجار البيع إضافة عقد الإجارة وعقد المرابحة.
وعليه سيتم الحديث أولا عن تميز عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات عن بعض العقود المشابهة، ثم بعد ذلك نحدد أهمية هذا العقد سواء بالنسبة لمؤسسة الائتمان الإيجاري وكذا بالنسبة للمستفيد.
1- تميز عقد الائتمان الإيجاري عن باقي العقود المشابهة له:
بالاستناد إلى الخصائص التي تميز عقد الائتمان الإيجاري يمكن إقامة معايير لتمييزه عن باقي العقود التي قد تشتبه به، لذلك سيتم الحديث عن تميز عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات عن عقد البيع الإيجاري، ثم عن تميزه عن عقد الإجارة.
أ– تميز عقد الائتمان الإيجاري عن عقد البيع الإيجاري:
من بين أهم العقود التي قد تشبه عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات عقد البيع الإيجاري نظرا لكونها ينتهيان معا إلى بيع في نهاية المدة المتفق عليها، لكن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات يعطي للمستفيد الحق في أن يصبح مالكا فيما بعد، وذلك بإبداء رغبته في التملك عند انتهاء المدة في حين أن عقد البيع الإيجاري أو كراء البيع يحول المكتري إلزاميا إلى مالك لهذا الحق محل عقد البيع الإيجاري، كما أن هذا الأخير يختلف عن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات في كون هذا الأخير تكون فيه مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات المكرية للشيء غير مالكة للشيء المكترى، وإنما تقوم بشرائه خصيصا لهذا الغرض أما بالنسبة للعقد الآخر فيكون المكري مالكاً أصلا للشيء([298])، والملاحظ هنا هو أن القضاء الفرنسي يميل إلى تكييف البيع الإيجاري بأنه بيع بالتقسيط مقترن بشرط يحتفظ البائع بملكية المبيع على سبيل الضمان وذلك في كل فرض يكشف القضاء أن الإيجار ما هو إلا ساتر للبيع، ويكون ذلك على وجه الخصوص إذا كان مقابل التملك، ونتيجة لذلك لم يكن القضاء يعترف للمؤجر بحقه في استرداد الأصل المؤجر من تفلسه المستأجر([299]).
ب– تميز عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات عن عقد الإجارة:
من العقود التي تشبه عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات ما يعرف بعقد الإجارة، ويقصد بهذا الأخير حسب المادة الأولى من توصية والي بنك المغرب كل عقد تضع بموجبه مؤسسة للقرض لأجل الكراء، ممتلكا منقولات أو عقارا معينا في ملكية هذه المؤسسة رهن إشارة الزبون لاستعمال مسموح به قانونا([300])…. هذا العقد يشابه إلى حد كبير عقد الائتمان الإيجاري الذي تقدمه البنوك التقليدية كمنتوج تقليدي أو المعطى الجديد، الذي أتت به هذه المادة هو سريان الإجارة إلى أجل إعادة بيعه له بتكلفة الشراء مع زيادة ربح معلوم يتم الاتفاق عليه مسبقا، ويتم الأداء من طرف العميل الآمر بالشراء دفعة واحدة أو بدفعات متعددة في مدة يتم الاتفاق عليها مسبقا… يتم إدراج بمنتجات مؤسسة الائتمان على مدة العقد([301]).
2- أهمية عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات:
سنقوم بالحديث عن أهمية عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات سواء بالنسبة لمؤسسة الائتمان الإيجاري وكذا بالنسبة للمستفيد.
أ– أهمية عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بالنسبة لمؤسسة الائتمان الإيجاري:
يحقق عقد الائتمان الإيجاري مصالح لأطراف العلاقة، فبالنسبة لمؤسسة الائتمان الإيجاري يمكنها هذا العقد من ضمانة أساسية هي استردادها للمنقولات التي هي محل عقد الائتمان الإيجاري إذا امتنع المستفيد من هذه العملية عن الوفاء بالأجرة في الميعاد المتفق عليه([302]) أو التماطل في أدائها، كما أن هذه الآلات والمعدات لا تدخل ضمن أموال صاحب المقاولة (المستفيد) في حالة وفاته أو تصفيته قضائيا([303]). وتتمثل في احتفاظ الممول- مؤسسة الائتمان الإيجاري- بملكية هذه التجهيزات والآلات التي هي محل عقد الائتمان الإيجاري طيلة المدة المتفق عليها في العقد، بحيث يكون من حقه استرجاعها في حالة عدم أداء كل أو بعض الأقساط، كما أن أي تفويت لها أو بيع أو كراء أو غيره يتوقف على موافقته، بل حتي عند وجود هذه الموافقة على التفويت فإن كل من المفوت والمفوت له يصبحان طيلة مدة العملية ملتزمين في مواجهة الأمر الذي يشكل بالنسبة له أهمية وطمأنينة تامة يستطيع معها استثمار أمواله دون خوف من إخلال الطرف الآخر بالتزاماته([304]).
ب– أهمية عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بالنسبة للمستفيد:
أما بالنسبة للمستفيد فإن عقد الائتمان الإيجاري يحقق له إمكانية إنشاء المشروع المناسب لطموحاته دون أن يكون ملزما بدفع أي مبلغ من ثمن التجهيزات ما دام أن مؤسسة التمويل تغطي التكاليف بنسبة مائة في المائة، كما أن له عدة امتيازات ضريبية أهمها أن الأقساط الكرائية تخصم كتكاليف من حجم المبلغ الخاضع للضريبة([305]).
هذا كله يتيح للمقاولة فرصة الحصول على الأصول الرأسمالية التي تحتاج إليها إما في بداية التأسيس أو لدى إحلال وتجديد آلات ومعدات جديدة محل آلات ومعدات قديمة، دون أن تستنيد هذه المقاولة الموارد المالية الموجودة لديها والتي قد تنفقها في مآرب أخرى.
المطلب الثاني:
تكوين عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
يمر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بالمراحل الطبيعية التي يمر بها أي عقد من العقود خلال تكوينه سواء أثناء التنفيذ أو أثناء انقضائه، ويعد تكوين العقد أحد المراحل التي يمر منها هذا الأخير، إلا أن هذا العقد، وباعتباره ظاهرة مستحدثة، ينفرد ببعض المميزات الخاصة ذات الأثر في تكوين العقد، وتنفيذه بوجه خاص، فتكوين العقد بصفة عامة يخضع لعدة شروط وأركان يوجب القانون توفرها للقول بصحته، وعقد الائتمان الإيجاري للمنقولات مثله مثل باقي العقود لا يخلو من ذلك عند إبرامه (الفقرة الأولى) كما استوجب المشرع ضرورة القيام بإجراءات شهر العقد حسب الإجراءات القانونية في هذا الإطار (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى:
إبرام عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
إذا كانت دراسة العقود توجب ضرورة المرور إلى مرحلة ما بعد التعاقد، وليس المرحلة السابقة عليه، فإن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات على العكس من ذلك، تلعب هذه المرحلة أهمية بالغة تمهيدا لإبرامه، مرورا إلى مرحلة تحريره.
وعليه سيتم التطرق من خلال هذه الفقرة عن الحديث عن المعلومات الواجب تقديمها من قبل المستفيد سواء من خلال طبيعة هذه المعلومات، ثم بعد ذلك للحديث عن قبول مؤسسة الائتمان الإيجاري للتعاقد، ثم نمر للحديث أيضا عن ضوابط التعاقد، سواء منها المتعلقة بالمركز المالي للمستفيد، أو المتعلقة بأوصاف المال المؤجر.
1- طبيعة المعلومات الواجب تقديمها من قبل المستفيد:
تتجلى أهمية طبيعة المعلومات الواجب تقديمها من قبل المستفيد لمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات تمكين هذه الأخيرة من التعرف على الوضعية القانونية والمالية للمستفيد، حتى لا تتعرض هذه التمويلات التي تقدمها مؤسسات الائتمان الإيجاري للمنقولات لأي أخطار محتملة، وبالتالي تقوم بدراسة شاملة لوضعية المستفيد من هذه العملية محل عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات.
وعليه فإن مؤسسات الائتمان الإيجاري للمنقولات تضع رهن إشارة أي مستفيد يريد تمويله بواسطة منقولات سواء كانت آلات أو معدات أو ما يقوم مقامها نماذج لطالب هذا التمويل، معدة سلفا من جانبها وتوجب عليه ملؤها، فضلا عن تقديم العديد من المستندات تشترط مؤسسة الائتمان الحصول عليها، تتضمن معلومات تتعلق بمشروع المستفيد أو باستثماره، إذا تجاوز المستفيد مرحلة اتصاله بالمورد أو المنتج، سواء كان داخل البلاد أو خارجها والذي يمكنه أن يزوده بالسلع التجهيزية أو المعدات التي يرغب في اقتنائها لفائدة مقاولته([306]).
إضافة إلى ما سبق تقوم مؤسسة الائتمان الإيجاري انطلاقا من المعلومات التي يقدمها المستفيد لها لتجديد المواصفات التقنية، وكذلك المعلومات المتعلقة بأجل التسليم والثمن، ويبقى المستفيد لغاية هذه المرحلة (مرحلة قبل التعاقد) متمتعا بقسط وافر من حرية الاختيار ولا تتدخل مؤسسة الائتمان الإيجاري في اختياره([307])، وتنتظر نتائج هذه المفاوضات تقرير قبول أو رفض التمويل([308]) المفترض طبعا.
وفيما يخص استثمار المستفيد يقدم معلومات حول الأصل الذي يمارس فيه نشاطه ومدى ارتباط تمويله بالحصول على المنقولات، وأضاف البعض([309]) تحديد عمره الاقتصادي المفترض، وكذا المدة المقررة قانونا لإهلاكه.
2- قبول مؤسسة الائتمان الإيجاري للتعاقد:
يمكن أن نعتبر أن تقديم الطلب من أجل التمويل هو مجرد إيجاب من جانب طالب الائتمان، فبعد تقديم المستفيد للمعلومات السالف ذكرها، وملئه لنموذج حصوله على تمويل معين متعلق بالمنقولات، تكون لمؤسسة الائتمان الإيجاري الحرية المطلقة في قبول التعاقد معه أو رفضها الطلب لاعتبارات خاصة بها تعتبرها جدية([310])، فيمكن لها من خلال تقييمها تلك المعلومات ومدى استجابة المستفيد للشروط التي يتطلبها الحصول على التمويل، وتوافره على الضمانات المطلوبة لذلك، ونظرتها المستقبلية حول نجاح المشروع الممول ومدى إمكانية تحقيق ربح من قبل هذا المشروع، وانضباط المستفيد فيما يخص الوفاء بالأجرة الممكن الاتفاق عليها، وأن تصرح بقبول العقد معه.
وأما والحالة التي لا تتوفر فيها أدنى الشروط التي تتطلبها المؤسسة للحصول على التمويل أو في حالة شكوكها المفترضة في فشل مشروعه أو عدم استمراريته فإنها تصرح برفض الطلب نهائيا، إلا أنه عند قبول مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات للتمويل قد تشترط على المستفيد عدم التنازل عن هذه الأموال الأخيرة، وهنا تضمنه في العقد أو على العكس تشترط عليه تقديم شخص آخر مكانه حتى يمكنه التنازل عنها، وأن يرتبط هذا الشخص مع المؤسسة بنفس الشروط التي التزم بها المستفيد مسبقا، فإن ذلك يقع صحيحا، ولا يمكن لمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات رفضه والمبادرة إلى تعديل العقد ذريعة إضرارها منه.
بعد هذه الإطلالة عن طبيعة هذه المعلومات وقبول مؤسسة الائتمان الإيجاري للتعاقد، نمر الحديث عن ضوابط التعاقد سواء المتعلقة بالمركز المالي للمستفيد، أو المتعلقة بأوصاف المال المؤجر.
3- الضوابط المتعلقة بالمركز المالي للمستفيد:
إن الهدف من دراسة هذا الضابط هو تقدير مدى السيولة النقدية المتوفرة للمنشأة ومدى إرباحيتها، وذلك ليس وقت إبرام العقد فقط، وإنما حتى في فترة سريانه، وكذا تقدر مؤسسة الائتمان الإيجاري حجم المخاطر التي تصادفها أثناء تنفيذ العقد، لذلك تسهر على استرداد رأسمالها المستثمر فضلا عن نيتها للحصول على عوائد الاستثمار المالي([311]).
وقد تأكد أن قياس خطر إعسار المستفيد المحتمل هو من الدراسات الجوهرية التي تجريها مؤسسات الائتمان الإيجاري، بحيث يترتب على ذلك أنها تأخذ بعين الاعتبار حجم مشروع المستفيد، لأن المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم تكون محل قلق دائم من قبل مؤسسات الائتمان الإيجاري، خلافا للمشروعات الكبيرة الحجم التي تتمكن من الحصول على الأموال الضرورية دون أدنى مشاكل([312]).
ولكي يتم قبول طلبات الائتمان الإيجاري تتجه مختلف الشركات، إلى معرفة مدى بلوغ المستفيد حد التشبع الائتماني، الذي يتم قياسه عادة بمضاهاة الأعباء المالية التي تثقل عاتق المستفيد، ورقم أعماله، كما تحرص أيضا مؤسسات الائتمان على التأكد من معدل التدفق النقدي داخل منشأة المستفيد المزمع تمويلها عن طريق مجموعة من الدراسات ويتم قياس التدفق النقدي عن طريق مقارنة العوائد النقدية للمنشأة بأصولها الثابتة([313]).
4- الضوابط المتعلقة بأوصاف المال المؤجر:
من بين الفرضيات المتوقعة أثناء سريان عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات أن مؤسسة الائتمان قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تسويق المال المؤجر في حالة استرداده لها، إما بسبب فسخ العقد وإما بسبب عدم إعمال المستفيد خيار الشراء الممنوح له عند نهاية المدة المتفق عليها بين أطراف العقد.
وينتج عن ذلك أنه يجب على الشركة التصرف في مال يكاد يكون استعمال المستفيد له خلال مدة العقد قد استنفذ كامل طاقته التشغيلية أو على الأقل قد استنفذ قدرا منها لذلك تسمح المعلومات الخاصة بالمنقولات المراد استئجارها والتي تتلقاها الشركة من المستفيد بتحديد قيمتها الحقيقية ومن ثم تستطيع الشركة تقدير قيمته عند تسويقه اضطرت إلى التصرف فيه، وذلك على ضوء حالته ومعدل اضمحلاله الاقتصادي المتوقع([314]).
لذلك تتجه، شركات الائتمان الإيجاري إلى قبول التعاقد متى كان العقد واردا على مال يسهل إعادة تسويقه، خاصة تلك الآلات والمعدات التي يكون معدل اضمحلالها الاقتصادي سريعا، وعلى العكس من ذلك إذا ما قام المستفيد باستئجار مال ذي معدل اضمحلال اقتصادي سريع، سوف لن يعمل خيار التملك المقرر له في نهاية العقد الأمر الذي لا تحبذه شركات الائتمان الإيجاري للمنقولات.
الفقرة الثانية:
شهر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
ما يتميز به عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات هو أنه يخلق حالة قانونية يكون فيها الحائز والمنتفع هو غير المالك لها نظرا لأن القاعدة أن الحيازة في المنقول سند الملكية فقد ينشأ وضع ظاهر يوحي للغير المتعاملين مع المكتري بيسار ظاهر يدفعهم إلى منحه قروضا يتبين في النهاية صعوبة إن لم يكن استحالة استردادها.
وعليه سيتم التطرق من خلال هذا المبحث إلى الحديث بداية عن إجراءات شهر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، والآثار المترتبة عنها، ثم بعد ذلك التطرق لتخلف القيام بعملية شهر هذا العقد وآثاره.
1- إجراءات شهر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات:
إذا كان المشرع المغربي قد نظم عقد الائتمان الإيجاري من خلال أثني عشرة مادة من المادة 431 إلى 442 قد حفض سبعا منها لعملية الشهر وحدها.
ويتم شهر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بناء على طلب تقدمه مؤسسة الائتمان الإيجاري وهو الطرف الملزم بالقيام بالشهر بصراحة الفقرة الثانية من المادة 436 من مدونة التجارة([315]) وإذا لم يحدد المشرع المغربي أي أجل لتقديم الطلب فإنه ونظر لأن أثر التقييدات يسري من تاريخ إجرائها فإن للمؤسسة مصلحة أكيدة للإسراع فور إبرام العقد للعمل على شهره([316]).
ويقدم طلب التقييد إلى كتابة ضبط المحكمة التي تمسك السجل التجاري المسجل فيه المستفيد بصفة رئيسة، وهذه المعلومات التي يتم تقييدها تتعلق بالأطراف وذلك بجردها وإعطاء البيانات اللازمة عنها([317]).
فإذا حدثت تعديلات تتعلق بالمعلومات أعلاه فإن المشرع المغربي نص على وجوب شهر تلك التعديلات في طرة التقييد الموجود، كما يجب في حالة نقل التجهيزات نقل القيد المعدل إلى سجل كتابة الضبط المختصة التي توجد بها التجهيزات المكتراة في إطار عقد الائتمان الإيجاري([318]).
كما أن مسألة الشهر هذه تثير إشكالا بالنسبة للعقود التي أبرمت مثلا قبل دخول قانون حيز التنفيذ إذ أن ذلك سيترتب عليه تجريد حقوق شركات الائتمان الإيجاري للمنقولات من الحماية بالنسبة للعقود التي أبرمت قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ بين تاريخ إبرام العقد وتاريخ الشهر، وهذا ما ذهب إليه القضاء الفرنسي عن حق إلى عدم خضوعها لهذه الإجراءات الشكلية وأنه بالتالي يمكن التمسك بها في مواجهة الغير رغم عدم الشهر([319])، وذلك لأن القانون الجديد لا يمكن أن يمس بحق مكتسب في ظل قانون تقديم (حق التمسك في مواجهة الغير بحق الملكية) وإلا اعتبر ذلك إعمالا للقانون بصفة رجعية وهذا ما لا يجيزه المشرع إلا بالنص الصريح فالقانون المطبق على العقد هو القانون الساري المفعول أثناء إبرامه مما يترتب عليه إمكانية استرجاع شركة الائتمان الإيجاري للمنقولات للشيء الذي تملكه بين يدي الغير في هذه الحالة رغم عدم استيفائها شكليا الشهر([320]).
2- الآثار المترتبة من إجراءات الشهر:
إن الهدف من إجراءات الشهر هي ترتيب بعض الآثار منها حماية الدائنين والأغيار حسن النية، وسيرى أثر التقييدات التي تمت بصفة قانونية ابتداء من تاريخها ويشطب عليها إما بناء على إثبات اتفاق الأطراف وتعتبر التقييدات المضمنة بالسجل رهن إشارة العموم إذ يمكن لكل شخص أن يطلب نسخة أو مستخرجا من حالة التقييدات وعلى كاتب الضبط أن يسلمها له وإما تنفيذا لمقرر قضائي اكتسب قوة الشيء المقضي به وتتقادم هذه التقييدات بمرور خمس سنوات ما لم تجدد([321]) وفي حالة عدم احترام إجراءات الشهر فإن مؤسسة الائتمان الإيجاري لا يمكنها مواجهة الأغيار([322]) ولا دائن مكتري أو ذوي حقوقه المكتسبة بعوض بالحقوق التي احتفظت بملكيتها ما لم يكن هؤلاء سيئي النية([323]).
وخلاصة القول أنه متى استوفى عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات جميع الإجراءات المتعلقة بالشهر، فإنه يقوم صحيحا ومنتجا لجميع آثاره القانونية، ويحق لمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات تبعا لذلك أن يحتج في مواجهة الغير بالحقوق التي هي في ملكيتها إذا حاز عليها هذا الأخير بدون أي سند قانوني.
3- إغفال القيام بعملية الشهر:
على الرغم من وجود الأدوات والمعدات التي هي محل عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات في المتجر أو المصنع واستخدامها في استغلال الأصل التجاري للتاجر أو الصانع فهي لا تعد ضمن عناصر الأصل التجاري التي تنتقل بانتقال ملكيته إما بالبيع أو الرهن أو تقديمه كحصة في شركة وغيرها أو التي تشكل الضمان العام لدائني صاحب هذا الأصل، وذلك لكونها غير مملوكة لهذا الأخير وإنما يستعملها عن طريق كراء من نوع خاص.
لذلك فإن المشرع المغربي فرض في هذا الإطار لحماية الغير ضرورة شهر العقود المتعلقة بالائتمان الإيجاري للمنقولات تطبيقا لأحكام المادة 436 من مدونة التجارة.
وتطبيقا لذلك فإذا لم تتم إجراءات الشهر وفقا للمادة أعلاه فإنه لا يمكن لمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات طبقا لمقتضيات المادة 440 من هذه المدونة مواجهة دائني صاحب الأصل التجاري أي دائن للمستفيد الموجودة به أدوات ومعدات للتجهيز والاستغلال مكتراة بعقد الائتمان الإيجاري وكذا ذو حقوقه المكتسبة بعوض كانوا على علم بما تم الاحتفاظ بملكيته.
4- الآثار المترتبة عن تخلف عملية الشهر:
ينتج عن عدم القيام بإجراءات الشهر عدم إمكانية الاحتجاج بها تجاه الغير وهذا مبدأ يعتبر من أهم المبادئ المترتبة عن عدم القيام بالشهر، وهو ما نص عليه المشرع المغربي من خلال المادة 440 من مدونة التجارة على أنه إذا لم تنجز إجراءات الشهر المنصوص عليها في المواد السابقة فإنه لا يمكن لمؤسسة الائتمان الإيجاري مواجهة الدائنين أو ذوي حقوق المكتري المكتسبة بعوض الحقوق التي احتفظت بملكيتها إلا إذا أثبت أن المعنيين كانوا على علم بتلك الحقوق.
ومن جهة أخرى فإن عدم شهر عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بصفة قانونية يترتب عليه منطقيا عدم سريانه في مواجهة الأغيار حسن النية وليس بطلان العقد إذ لا يؤثر ذلك على الآثار والالتزامات التي تنشئها في ذمة أطرافه- مؤسسة الائتمان الإيجاري والمستفيد- وبالتالي ليس من شأن الإخلال بشكلية الشهر أن يرتب آثارا تتجاوز عدم الشهر ذاته وتؤدي تبعا لذلك إلى بطلان العقد.
المبحث الثاني:
آثار عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
إن العقود متى استوفت أركانها، واستكملت شروط صحتها، توفر لها ما يسمى بالقوة الملزمة، ومقتضى هذه القوة الملزمة هو أن يصبح مضمون هذه العقود واجب التنفيذ بحيث يلتزم المتعاقد فيها بتنفيذ ما اشتملت عليه، وما اتجهت إليه إردته، ويقاس على ذلك أن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات المبرم على وجه صحيح، والمتوفر على شرط الإشهار وفقا للإجراءات المطلوبة قانونا، يغدوا منتجا لآثاره، سواء بين المتعاقدين، أو في مواجهة الغير، وبما أن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بطبيعته عقد مؤقت، وهو بذلك كغيره من العقود المؤقتة آيل للانقضاء، وذلك نتيجة أسباب مختلفة.
وعليه سيتم البحث من خلال هذا الفصل عن التزامات أطراف عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات (المطلب الأول) ثم بعد ذلك نتناول طرق انقضاء عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات (المطلب الثاني).
المطلب الأول:
التزامات أطراف العلاقة التعاقدية
إن مدونة التجارة وفي إطار تنظيمها لعقد الائتمان الإيجاري، لم تتعرض لجميع جوانب علاقة أطرافه، ونظرا لأن العقد شريعة المتعاقدين، فإن الأطراف المتعاقدة قد تلتزم بما تم الاتفاق عليه في العقد، لتحديد الشروط التي تحكم العلاقة بينهما، إلا أن الممارسة التعاقدية لهذا العقد قد كرست الطابع الإذعاني من جانب مؤسسة الائتمان الإيجاري، مخلفا اختلالا واضحا بين التزامات مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات (الفقرة الأولى) والتزامات المستفيد (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولي:
التزامات مؤسسة الائتمان للمنقولات
يمكن تحديد أهم التزامات مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات، أولهما التزامات بالتمويل أو الشراء، وثانيهما التزامها بتحويل المنفعة للمكتري (المستفيد).
1- الالتزام بالتمويل أو الشراء:
إن الالتزام بالتمويل أو الشراء، يبقى عنصرا أساسيا في نشوء عملية الائتمان الإيجاري على الرغم من غيابه في التكييف المعطى للعملية من قبل المشرع، وعلى ضوء هذا التدخل من أجل التمويل تتحدد التزامات طرفي عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، وحسب أنصار نظرية الائتمان الإيجاري للمنقولات التي اعتبرت عنصر التمويل هو الذي يسوغ لمؤسسات الائتمان الإيجاري للمنقولات الخروج عن القواعد العامة في عقد الإيجار، بحيث أن هذا الأخير ما هو إلا قالب تعاقدي يهدف إلى منح الائتمان([324]).
فمقتضى هذه العملية يقوم المستأجر، باختيار المورد والمعدات، فيقوم المؤجر بشرائها من هذا المورد، ثم تأجيرها لهذا المستأجر، ونتيجة لهذا الاختيار فإن المؤجر المالي يعفى من كل مسؤولية تتعلق بهذه المنقولات، ما دام أن المستأجر في عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات هو الذي اختارها، واختار المورد ما لم يكن قد استعان في ذلك بخبرة المؤجر([325]).
2- الالتزام بتحويل المنفعة للمكتري:
بالرجوع إلى مدونة التجارة وكذا القانون البنكي، لم نجد أي تنظيم لهذا الالتزام من جانبهما ولو بصفة عرضية، وانطلاقا مما سبق يتعين معه الرجوع إلى القواعد العامة؟ بخصوص هذا الالتزام، وطبقا لذلك فإن المؤجر يلتزم بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمال محل عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، وبالرجوع إلى المقتضيات القانونية المنظمة للالتزام بالتسليم في عقد الكراء والمنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، نجد أنها اعتبرت هذا الالتزام أول التزام أساسي في واجبات المكري([326])، إلا أنها أحالت بخصوص كيفية تمام هذا التسليم على الأحكام المقررة لتسليم الشيء المبيع من خلال الفصل 638 من ق. ل. ع. م.
الفقرة الثانية:
التزامات المستفيد
سيتم الحديث من خلال هذه الفقرة عن التزامات المستفيد الناتجة عن القواعد العامة المتعلقة بالإيجار وأخرى ناتجة عن الإرادة الخاصة لمؤسسة الائتمان الإيجاري.
1- التزامات المستفيد وفق القواعد العامة:
بالرجوع إلى الفصل 663 من ق .ل. ع المغربي نجد المشرع:
“يحمل المكتري بالتزامين أساسيين:
- أن يدفع الكراء.
- أن يحافظ على الشيء المكتري وأن يستعمله بدون إفراط أو إساءة وفقا لإعداده الطبيعي أو لما خصص به بمقتضى العقد”.
وانطلاقا مما سبق فإن أول التزامات المستفيد وفق القواعد العامة هي الالتزام بأداء الأجرة، بحيث إنه عن طريق الأجرة تستطيع مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات استعادة رأسمالها الموظف في تمويل المستفيد لشراء محل عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، فضلا عن حصولها عن هامش الربح من خلال هذه العملية.
ويلتزم المكتري بدفع أقساط الأجرة من بداية الانتفاع بالمال المكري محل عقد الائتمان الإيجاري، بل وحتى قبل الانتفاع به، وعلى المكتري (المستفيد) الوفاء بالأجرة بانتظام تفاديا لثبوت التماطل في الأداء.
ومن بين أهم الالتزامات الملقاة على عاتق المستفيد أيضا الالتزام بالمحافظة محل الشيء المنتفع به أي الحفاظ على كيان الآلات والمعدات محل عقد الائتمان الإيجاري، وعدم القيام بأي تصرف من شأنه الإضرار بمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات باعتبارها مالكة هذه المنقولات، فالمستفيد ملزم بأن يحافظ على هذه المنقولات وأن يستعملها بدون إفراط أو إساءة وفقا لإعداده الطبيعي أو لما خصص له بمقتضى العقد كما هو منصوص عليه في الفصل 663 من ق.ل.ع.
2- التزامات المستفيد الخاصة الناشئة عن مؤسسة الائتمان الإيجاري مباشر:
لا تكتفي مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات بإلزام المستفيد بالالتزامات السابق ذكرها، وإنما تضيف التزامات أخرى، فمن بين هذه الالتزامات التي نجد مؤسسات الائتمان الإيجاري تدرجها في بنوذ نموذجية الالتزام بالصيانة وتمكين الشركة من الرقابة والتي فيها نوع من الإذعان، بحيث يتحمل المستفيد جميع المصاريف الضرورية لاستعمال وصياغة المعدات.
إضافة إلى ما سبق يلتزم المستفيد من جانب آخر بالتأمين على الشيء محل عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات، ذلك أنه وبحسب عقود الائتمان الإيجاري فإن الحراسة على الشيء المؤجر تنتقل إلى المكتري (المستفيد) ابتداء من تاريخ وضع الأشياء رهن إشارته وإلى نهاية مدة عقد الكراء، وهو الأمر الذي يترتب عليه مسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالغير طبقا لمسؤولية حارس الشيء المنصوص عليها في الفصل 88 من ق.ل.ع كما يرتب عليه مسؤولية الأضرار التي قد تلحق بالشيء نفسه وتؤدي إلى هلاكه، لذلك فإن جميع العقود تنص على ضرورة اكتتاب المستأجر لعقد تأمين يغطي المسؤولية المدنية والأخطار الأخرى منها السرقة والتأمين ضد الحريق…
المطلب الثاني:
انقضاء عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات
سيتم الحديث من خلال هذا المطلب عن انتهاء عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بانتهاء المدة المتفق عليها، ثم بعد ذلك لانتهاء هذا العقد قبل انتهاء المدة المتفق عليها.
الفقرة الأولى:
انتهاء عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات بانتهاء
المدة المتفق عليها
سيتم الحديث من خلال هذه الفقرة أولا عن إرجاع المال المكرى لمؤسسة الائتمان الإيجاري من خلال التطرق لمكان وتاريخ الاسترداد، وحالة الأشياء أثناء عملية الاسترداد.
1- إرجاع المال المكرى لمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات:
مجموعة من التساؤلات تهم تاريخ الإرجاع، وكذا المدة التي ينبغي أن يتم فيها وعلى عاتق من تقع هذه العملية التي تتطلب تفكيك الآلات وحراستها إلى حين تاريخ تسليمها للمؤسسة الائتمانية في وضعية صالحة للاستعمال، كلها تساؤلات يطرحها هذا العقد لذلك فمن الذي يتكلف بتحديد مكان وتاريخ الاسترداد؟ وما مصير التحسينات التي يكون المكتري قد أدخلها على الشيء المكرى؟.
بموجب عقود الإذعان التي تضعها مؤسسات الائتمان الإيجاري للمنقولات عادة، والتي تتكلف بنفسها بتحديد تاريخ ومكان استرداد الآلات والمعدات، بحيث يتحمل المكتري صوائر الاسترجاع في غياب النص لأنه هو الملزم بأدائها لأن هذه العملية تعتبر تتميما لتسليم الشيء لمؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات، وهو ما سار عليه القضاء الفرنسي في إحدى قرارته، بحيث قضى بإلغاء القرار الذي يحمل المكتري صوائر حراسة السيارة بعد إرجاعها لمؤسسة الائتمان الإيجاري([327])، وتطبيقا لذلك فإن الأمر يقتضي تطبيق العقد شريعة المتعاقدين، مع احترام مبدأ أساسي وهام، وهو عدم تعارض هذه الشروط المدرجة في العقد مع النظام العام.
تبعا لعقود الإذعان التي تضعها مؤسسات الائتمان تحمل بواسطتها المستفيد تبعات نقصان قيمة المال المؤجر، كما أنه إذا تم إرجاع الشيء في حالة غير صالحة للاستعمال، أو في وضعية أحسن من تلك التي كان عليها الشيء وقت تسلمه من طرف المستفيد، فإن مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات تستفيد من هذا التحسين، أو قد تتضرر من جراء استهلاك المستفيد للشيء محل المال المؤجر، لذلك نجد أن الاجتهادات القضائية الفرنسية غير مستقرة على رأي واحد، وهكذا فقد ألغت الغرفة المدنية بمحكمة النقض الفرنسية القرار الاستئنافي الذي قضى بتحميل المستفيد تعويض عن نقص القيمة أو الاستهلاك، بينما اعتبرت الغرفة التجارية لنفس المحكمة، أن ذلك يخالف قاعدة إرجاع الأطراف إلى الوضعية التي كانوا عليها قبل إبرام العقد([328]).
2- شراء المال المكرى أو إعادة إكرائه:
إن أهم خصائص عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات والتي تميزه عن عقد الكراء العادي هي أنه يكون مشفوعا بوعد من جانب مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات بالبيع في نهاية العقد، وهكذا يكون للمكتري (المستفيد) الخيار في التعبير أو عدم التعبير عن رغبته في إعمال خيار الشراء([329]).
وحسب الفقرة الثانية من المادة 431 من م. ت فإن للمكتري أن يتملك كل أو بعض السلع المكتراة إذ يكون له تملك بعضها فقط في الحالة التي يرد فيها العقد على أكثر من مال مؤجر كما ورد في العقد، فإن أجاز ذلك أمكن أن يقع التملك على بعض الآلات دون البعض الآخر، وإما في حالة سكوته فلا يكون أمام المكتري إلا إعمال خيار الشراء على جميع الآلات أو ردها([330])، ويتحدد مبلغ القيمة المتبقية التي يتعين على المستفيد دفعها لرفع خيار الشراء وقت إبرام عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات.
أما في الحالة التي لم يتم فيها المستفيد الرغبة في تملك الشيء محل عقد الائتمان الإيجاري فإن الخيار الذي يكون أمام المستأجر في نهاية مدة الكراء الأولى هو إعادة استئجار التجهيزات والآلات لمدة ثانية، وبحسب الفصل 433 من م. ت فإن عقود الائتمان الإيجاري تنص تحت طائلة البطلان على شروط التجديد بطلب من المكتري وبحسب نموذج العقد فإن الأقساط تتحول إلى أقساط سنوية كما أنها تصبح منخفضة جدا بالمقارنة مع تلك التي تم تحديدها عن الفترة الأولى ويكون للمكتري كذلك في نهاية المدة رفعة خيار الشراء مقابل دفع مبلغ زهيدا جدا ورمزي([331]).
الفقرة الثانية:
انتهاء الائتمان الإيجاري للمنقولات قبل انتهاء المدة المتفق عليه
سيتم الحديث من خلال هذه الفقرة عن فسخ العقد من طرف مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات أولا، ثم بعد ذلك من طرف المستفيد ثانيا.
1- فسخ العقد من طرف مؤسسة الائتمان الإيجاري للمنقولات:
تنص عقود الائتمان الإيجاري بصفة شبه موحدة على فسخ العقد بقوة القانون عند إخلال المستفيد بأحد التزاماته، لذلك تضع بنود تكون في صالح مؤسسة الائتمان الإيجاري، لأنها بقدر ما تسعى إلى تحقيق الربح تدعم مركزها بوضع شروط من شأنها جعل المستفيد تحت رحمتها، ومن بين هذه الشروط، الشرط الفاسخ الصريح، إضافة إلى الشرط الجزائي الذي محله أداء مبلغ مرتفع لمؤسسة الائتمان كغرامة وكتعويض.
يعتبر الفسخ جزاء لعدم تنفيذ الالتزامات الناتجة عن العقد بحيث يقع في أي وقت تحقق فيه موجب الفسخ ولا يتقيد بمدة العقد([332]).
لذلك إذا تم الاتفاق مقدما على فسخ العقد بتحقق شرط معين، كعدم أداء قسط معين من الكراء، أو عدم أداء أقساط التأمين، فإن هذا العقد يعتبر مفسوخا، فتطبق نفس أحكام انتهاء مدة العقد، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الشرط، ووجود كون صيغة قاطعة الدلالة على وقوع الفسخ فيها، وبذلك فإن الفسخ هنا مقرر بقوة القانون ولا يحتاج إلى تقريره من لدن المحكمة التي عليها فقط أن تتأكد من واقعة تحقق الشرط الفاسخ والحكم بوقوع الفسخ نتيجة ذلك.
ففي أمر استعجالي، جاء في بعض حيثياته([333]): “… حيث يستفاد من الوثائق المشار إليها أعلاه أن المدعى عليه تعاقد مع المدعين في إطار عقد الائتمان الإيجاري للمنقول، وأن المدعي عليه لم يؤدي واجب الكراء الشهري الأمر الذي يصبح معه العقد الرابط بين الطرفين مفسوخا”.
إضافة إلى ما سبق يعتبر الشرط الجزائي وسيلة من وسائل تحديد التعويض عن الضرر الذي يصيب أحد المتعاقدين، ووضع مثل هذا الشرط يعتبر اعترافا صريحا للمشرع بالحرية التعاقدية المعترف بها للمتعاقدين، وهو عبارة عن مبلغ نقدي يؤديه المدين، إذا امتنع عن تنفيذ الالتزامات المفروضة عليه بموجب العقد بدلا من أن يترك الأمر إلى القضاء.
وغالبا ما يتضمن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات شروطا فاسخة يتم إعمالها في حالة إخلال المكتري بأحد التزاماته، هذا بالإضافة إلى إيراد شروط جزائية([334]).
2- فسخ العقد بطلب من المستفيد:
إن عقد الائتمان الإيجاري للمنقولات من العقود الملزمة للجانبين، ومن أهم الخصائص التي تميز بها هذا العقد أنه يعطي للمتعاقدين في طلب فسخ العقد إذا امتنع المتعاقد الآخر من تنفيذ التزامه تطبيقا لما يسمى بالشرط الفاسخ الضمني([335])، لذلك نجد في بعض الأحيان قد يلجأ المستفيد إلى وضع حد للعقد بينه وبين شركة الائتمان قبل انتهاء المدة المتفق عليها بحيث يستطيع المطالبة بفسخ العقد، وهذا الفسخ إما أن يكون اتفاقي بينهما، أو قضائيا.
بالرجوع إلى المادة 433 من م.ت فإن عقود الائتمان الإيجاري للمنقولات تنص تحت طائلة البطلان على الشروط التي يمكن فسخها وتجديدها بطلب من المتقاعد المكتري، لذلك فإن هذه المادة خولت المستفيد إمكانية طلب فسخ العقد، وذلك باتفاق مع مؤسسة الائتمان، بحيث أصبح من الواجب إدراج شرط التقابل في العقد وهو الشرط الذي يخول للمستفيد حق طلب فسخ العقد بإرادته المنفردة.
هذا فيما يتعلق بالفسخ الاتفاقي أما الفسخ القضائي، فإنه بالرجوع إلى المادة 259 من ق.ل.ع يمكن للمستفيد اللجوء إلى القضاء من أجل طلبه إخلال مؤسسة الائتمان الإيجاري لتنفيذ التزاماتها، إلا أن هذه الإمكانية القانونية تظل مجردة من أي أهمية بالنسبة للمستفيد، حيث أنه إذا كان استعمالها رهين بعدم تنفيذ المؤسسة لالتزاماتها، فإن هذا الغرض يبقى بعيدا عن التحقق على اعتبار أن كل الالتزامات تقع على عاتق المكتري (المستفيد) كما سبق تفصيله.
خاتمة:
إذا كان المشرع المغربي ووعيا منه بالتحديات والإكراهات التي باتت تواجه الاقتصاد الوطني في ظل التغييرات الجوهرية التي يعرفها الاقتصاد العالمي في إطار ما يسمى بالعولمة، عمد إلى إيلاء أهمية قصوى لمجال المعاملات التجارية الدولية من خلال توفير ترسانة قانونية قادرة على الدفع بهذا الميدان من أجل تحقيق الرهانات المطروحة المتمثلة أساسا في خلق جو قادر على جعل بلادنا في طليعة الدول التي تتوفر على مناخ قادر على جلب العديد من الاستثمارات الأجنبية.
وهكذا جاء القانون البنكي لسنة 1993 ابتداء ثم مدونة التجارة لسنة 1996 وانتهاء بالقانون البنكي سنة 2006، بتنظيم للعديد من العقود التجارية التي باتت تحتل الصدارة في إطار المعاملات الدولية لعل أهمها عقد الائتمان الإيجاري، ثم إن مواد مدونة التجارة وفصول القانون البنكي، وإن حاولت تأطير بعض أحكام هذا العقد إلا أنها ظلت قاصرة عن إيجاد تنظيم قانون شامل من شأنه تفادي الإشكاليات العملية العديدة والمتجددة التي تطرحها هذه التقنية التمويلية، وعلى هذا الأساس لا يسعنا ونحن على مشارف وضع اللمسات الأخيرة لهاته الدراسة أن نبدي التوصيات التالية:
- ضرورة تدخل المشرع المغربي لتعديل النصوص القانونية المنظمة لهاته التقنية التمويلية في بلادنا أسوة بالمشرع الفرنسي، إذ من شأن ذلك تشجيع اعتماد هاته التقنية في إطار المعاملة التجارية الدولية الأمر الذي سينعكس إيجابا على واقع الاقتصاد الوطني
- ضرورة تحديد التزامات أطراف هذا العقد بشكل يضمن القدر الكافي من التوازن في العلاقة التعاقدية بين المستفيد ومؤسسة الائتمان الإيجاري، على اعتبار أن ترك المجال مفتوحا لهيمنة هذه الأخيرة من شأنه الإضرار بالمقاولة الوطنية لاسيما أن أغلبها صغيرة أو متوسطة، لا تستطيع الصمود في مواجهة الشركات الكبرى.
- ضرورة تدخل القضاء المغربي لمواجهة والحد من الخصائص التشريعي الذي تعاني منه هاته التقنية التمويلية من خلال اجتهاد قضائي وازي وجريء.
- تحسيس بأهمية هذه التقنية التمويلية في الرفع من القدرة الإنتاجية للمقاولة المغربية حتى تستطيع مواجهة الإكراهات التي تفرضها العولمة
[282] عبد السلام الوهابي: عقد الائتمان الإيجاري للمنقول في التشريع المغربي: الندوة الرابعة للعمل القضائي أو البنكي بمساهمة المجموعة المهنية لبنوك المغرب، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، ط 1، يناير 2004، ص: 361.
[283] الحسين والقيد: رؤية وطنية في دراسة المصطلحات القانونية، ط التاسعة، سنة 2005، ص 213.
[284] منها Maghrebail لسنة 1972، متخصصة كسابقاتها، وInter Leasing سنة 1986، تسميتها الحالية BMCI Leasing لسنة 1996 إضافة إلى شركة Wafa bail سنة 1977، وغيرها من الشركات الأخرى المتخصصة في هذا المجال.
[285] زينب تاغيا، عقد الائتمان الكرائي من خلال مدونة التجارة الجديدة، مقال منشور بمجلة الدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، العدد 10، سنة 1998، ص 32.
[286] تم تنظيم هذا العقد من قبل المشرع الفرنسي بمقتضى قانون 2 يوليوز 1966 المعدل بالأمر الصادر بتاريخ 28 شتنبر 1967 والمرسوم الصادر في 4 يوليوز 1974، الذي حدد طرق وكيفية شهر هذه العملية.
[287] Bey et gavalda, Op. Cit, P 26.
[288] امحمد برادة غزيول، عقد الائتمان الإيجاري على المنقولات بين الفقه والقضاء، سلسلة المعارف التجارية، الطبعة 1، سنة 1998، ص 13- 14.
[289] وردة غزال، الائتمان الإيجاري للمنقول في مدونة التجارة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الأعمال، كلية الحقوق بوجدة، السنة الجامعية 1999- 2000، ص 32.
[290] نبيل إبراهيم سعد، الضمانات غير المسماة، منشأة المعارف الإسكندرية، سنة 2000، ص 229.
[291] عبد الرحيم بحار، دراسة حول موضع الائتمان الإيجاري على الأصول التجارية بين مدونة التجارة والقانون البنكي الجديد، مجلة القصر العدد 19، ط 2008، ص 58.
[292] Bey gavalda, le crédit bail mobilier juriscalssent banquet et crédit, Paris 1ér édition 1979, P 84.
[293] محمد برادة غزيول، م.س، ص: 82.
[294] محمد برادة غزيول، م.س ص: 89.
[295] Beyot gavalad: op. cit, p: 48.
[296] محمد هاني دويدار، العقود التجارية والعمليات المصرفية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، طبعة 1994، ص 139.
[297] وردة غزال، م. س، ص 31.
[298] محمد برادة، م.س، ص 49.
[299] Goémieux- Israël, Le sing et crédit- Bail, DALLOZ, Paris, 1975, P 12.
[300] المادة الأولى من توصية والي بنك المغرب، الصادر في 1 شتنبر 2007.
[301] المادة 9 من توصية والي بنك المغرب.
[302] محمد الكشبور، الائتمان الإيجاري، مجلة المحامون تصدرها هيئة المحامين بآسفي، عدد 6، ط 1998، ص 166.
[303] حسام الدين عبد الغني الصغير، الإيجاز التمويلي، دار النهضة العربية، القاهرة، ط 1994، ص 31 وما بعدها.
[304] عبد السلام الوهابي، م.س، ص 166.
[305] عبد السلام الوهابي، م.س، ص 369.
[306] محمد برادة غزيول، م.س، ص 41.
[307] Crémieux Israël, Op. Cit, P 39.
[308] محمد برادة غزيول، م.س، ص 42.
[309] هاني محمد دويدار، م.س، ص 243.
[310] محمد برادة غزيول، م.س، ص 43.
[311] Samir Labdi, Le crédit Bail au Maroc, Mémoire en vue de l’obtention d’un diplôme d’étude supérieur Approfondis en droit privé, 1983, Faculté des sciences juridiques économiques et sociales, Agdal-RABAT, P 56.
[312] وردة غزال، م.س، ص 40.
[313] هاني محمد دويدار، م.س، ص 249.
[314] هاني محمد دويدار، م.س، ص 249.
[315] تنص الفقرة الثانية من المادة 436 على أن: “يتم هذا الشهر إذا تعلق الأمر بالائتمان الإيجاري للمنقولات بناء على طلب من مؤسسة الائتمان الإيجاري في سجل مفتوح لهذه الغاية بكتابة الضبط التي تمسك السجل التجاري”.
[316] عبد السلام الوهابي، م.س، ص 371.
[317] عبد السلام الوهابي، م.س، ص 371.
[318] المادة 437 من مدونة التجارة.
[319] حكم تجاري فرنسي صادر في 15 دجنبر 1975 أشارت إليه زينب تاغيا، م.س، ص 51.
[320] حكم تجاري فرنسي صادر في 11 ماي 1982 أشارت إليه زينب تاغيا، م.س، ص: 51.
[321] المادة 438 من مدونة التجارة.
[322] المادة 442 من مدونة التجارة.
[323] المادة 440 من مدونة التجارة.
[324] Bey et Gavalda, Op. Cit, P 48.
[325] ما تنص عليه المادة 83 من اتفاقية أوطاوا بحيث تقضي الفقرة الأولى منها: مع مراعاة مقتضيات هذه الاتفاقية “… فإن المؤجر يعفى من كل مسؤولية تتعلق بالمعدات اتجاه المستأجر المالي ما لم يكن قد لحق بهذا الأخير ضرر ناتج عن استعارته بخبرة المؤجر المالي وتدخله في اختيار المعدات أو المواصفات أو اختيار المورد”.
[326] ينص الفصل 635 من ق. ل. ع على أن المكري يتحمل بالتزامين أساسيين:
- الالتزام بتسليم الشيء المكترى للمكتري.
- الالتزام بالضمان.
[327] حكم قضائى فرنسي بتاريخ 12 نونبر 1987، عدد 289 أورده برادة غزيول، م.س، ص 104.
[328] حكم قضائي فرنسي بتاريخ 29 فبراير 1972، عدد 215، أورده محمد برادة غزيول، م.س، ص 105.
[329] Samir Cabdi, Op. Cit, P 105.
[330] محمد هاني دويدار، م.س، ص 41 وما بعدها.
[331] عبد السلام الوهابي، م.س، ص 384.
[332] أحمد عاصم، الحماية القانونية للكراء التجارية، دراسة نظرية تطبيقية على ضوء قرارات المجلس الأعلى، ط 1988، ص 187.
[333] أمر استعجالي رقم 681 صادر عن رئيس محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في ملف عدد 610 بتاريخ 8 أبريل 2003.
[334] العقيد طلال المهتار، البند الجزائي في عقود الليزنيك، مجلة المحاكم المغربية، العدد 67، سنة 1993، ص 13 و14.
[335] محمد الشرقاوي، نظرية العقد، دراسة في قانون التزامات والعقود وأحكام القضاء والتشريع المقارن، المنشورات الجامعية المغاربية، ط الأولى، 1996، ص 79.


