جون. فرونسوا دورتيي[(**)]

مثل كل الأعمال الكبرى، انبسط عمل بيير بورديو حول حدس. حدس واحد. فكرة مركزية دفع طورها ورددها وأعاد صياغتها، وتمت استعادتها في خمسة وعشرين كتاباً. حدس سيمفصله حول جملة من المفاهيم الأساسية: الهابتوس، الحقول، السلطة الرمزية، الرأسمال الثقافي. حدس وحيد سيتحول إلى نظرية قوية وغنية، قابلة للتطبيق حول مواضيع عدة: المدرسة، الثقافة، الفن، الأدب، العلم، وحتى الرياضة والسياسة. وهذا الحدس المؤسس يتلخص في هكذا صياغة: لا توجد أفكار خالصة.

تجربة تأسيسية

إن الأعمال الكبرى تتولد دائماً من تجربة تأسيسية، من صدمة، ومن توتر داخلي. وفكر ب. بورديو يمتد بجذوره في تجربة وجودية مؤلمة تعود إلى المراهقة وإلى فترة ولوجه ثانوية لويس الكبير، وبعدها المدرسة العليا الأساتذة المتألقة، بشارع أولم (Ulm)، التي التحق بها سنة 1951. فهنا سيجد الشباب القروي، الأرعن والمتخبط، نفسه غائصاً في عالم ليس عالمه. عالم شباب بورجوازي، متألق، لبق، مثقف، وأكثر ارتياحاً في الكلام كما في الكتابة. بينما الشاب بيير بورديو، إذا كان قد نجح في تسلق كل المراتب المدرسية، فإنه لم يكن مرتاحاً لا في الكتابة ولا في التحليق الخطابي. ولن يكون كذلك أبداً. ومع أن عمله المكتوب عظيم، فلن يكون قلمه بالسهل ولا بالرشيق؛ ولو أنه قدم المئات من المحاضرات فإنه لن يكون خطيبا. فمثل فلوبير، الذي كرس له كتاب “قواعد الفن. أصل وبنية الحقل الأدبي” (سوي، 1992)، فإن التعبير عن فكره يلزم أن يسلك المجهود المتواصل للرقابة الذاتية، والصراع مع النفس. وذلك على النقيض تماما من الرفاهية البينة لهؤلاء الطلبة المنحدرين من البورجوازية المتعلمة الذين يلتقي بهم في شارع “أولم”. فهؤلاء غاصوا منذ الطفولة في عالم الثقافة العالمة، عاشروا مبكرا الكتب، زاروا المتاحف، سافروا، حضروا المناقشات، حيث يُتقن التحدث، المحاججة، وحيث الكلمات والأفكار تطير وتندفع، وحيث العقل هو المَلِك. هؤلاء الورثة اكتسبوا هذه التدابير في التحدث والتفكير دون مجهود واضح. وفي “معني الكلام” (أرتيم – فايار 1982)(1)، سينصب بيير بورديو على تشريح الكيفية التي يتمظهر بموجبها استخدام اللغة كأداة للسلطة، و”السلطة الرمزية”. وكيف أن من لا يملك المفاتيح يوضع فيزيقيا في موقع دوني، عن طريق الرهبة، والنحنحة، والنبرة التي تفضحه حين يأخذ الكلمة. وهؤلاء الشباب، بغوصهم في وسط يُجاد فيه استخدام الكلام، وحيث اللغة العالمة هي اللغة الطبيعية، استدمجوا منذ الطفولة قواعد آداب السلوك الثقافي ومهارة التفكير. هذه النخبة الطلابية سيخصها ب. بورديو بالوصف في كتاب “الورثة” (مينوي 1964)، هؤلاء الطلبة المحظوظين يحصلون بالوراثة على ثروة جد ثمينة بقدر ما هي محجبة عن رؤية العين المجردة: الثقافة. فالقيم لا تنتقل وسط هذه النخبة المثقفة بواسطة المال (“الرأسمال الاقتصادي”) وإنما عن طريق المدرسة (“الرأسمال الثقافي”). عند هؤلاء الناس، سيدي، لا نُعِدُّ (النقود): (بل) نفكر. وأفضل عناصر هذه الطائفة الاجتماعية توجه لمتابعة المسار المثالي للمدارس الكبرى (البوليتيكنيك، المدرسة العليا “ENA”) للالتحاق بأعلى هيئات الدولة. ولهؤلاء سيخصص بورديو فيما بعد إحدى أضخم كتبه: نبالة الدولة (مينوي 1989).

القوانين الخفية للفكر

ولأنه ليس من هذا العالم، سيشعر الشباب بورديو في عمقه (وبعدها من على منبره) بهذا الفارق الزمني بين عالمه الأصلي والعالم الذي يذهب إليه. ليس مرتاحاً في هذا الوسط من المثقفين ذوي الذهن المتوقد، والدعابة المشحوذة، والخطبة العصماء. وهذا الفارق هو ما سيمكنه بالتحديد من رؤية ما لا يراه أبداً الآخرون. السنن الضمنية، الروتينيات، والقواعد التي تحكم عالم الأفكار.

وانطلاقاً من هنا سيتركز كل فكر بورديو على “نزع الطابع الطبيعي عن العالم الاجتماعي”، وكشف الستار عن قواعد لعبة عالم المثقفين، العلماء والمفكرين. كل أولئك الذين يبدو أن الفكر عندهم يمتد في الفضاء الخالص للأفكار، وذلك ببساطة لأنهم نسوا قوانين اشتغالها من فرط ما أدمجوها جيداً وبالأحرى فوق الحد.

ستكون المدرسة بالتأكيد هي الهدف الأول لبيير بورديو. ففي “إعادة الإنتاج” (مينوي 1970)، الذي ألفه بتعاون مع جون – كلود باسرون، سيصف هذه الآلية الخفية للانتقاء الاجتماعي بواسطة المدرسة. فمجتمعات “النظام القديم” كانت تُورثُ منزلة، لقبا، ومكانة. والمجتمع البورجوازي يُسلم لأطفاله رأسمالاً وإرثاً. فالجمهورية، باسم مساواة الجميع، عززت بمكر، ودون معرفة ذلك، حاجزاً طبقياً جديداً: يتمثل في الثقافة، المُورثة بالشهادة. إن الإرث الثقافي ثمين بالأحرى إلى درجة أنه غير مرئي. فهو يعاش على نمط الموهبة، والذكاء الفطري، والأفكار الخالصة.

بعد ذلك سيمدد عالم الاجتماع تحليله للسيطرة ليشمل الممارسات الثقافية: في كتاب “فن وسيط” (مينوي 1965)(2)، “عشق الفن” (مينوي 1966)(3) ثم في مؤلفة الرئيس “التمييز” (مينوي 1979).

تعرية العقل أو الإدراج الاجتماعي للأفكار

غير أن الفلاسفة، رمز “الفكر الخالص” والانتليجينسيا المتعجرفة، هم من سيكون المستهدف الأساسي لبيير بورديو (4). هل تنبه أحد لذلك من قبل ؟ إن معظم كتبه تنطوي على هجوم وفق الأصول ضد فلسفات “العقل الخالص”. وليس الأقل شأناً منها.

“التمييز”، الذي يحمل عنواناً فرعياً “النقد الاجتماعي للحكم”، كتاب يريد أن يكون تحدياً لكانط ولـ “نقده للحكم”. فقد أراد الفيلسوف الألماني شرح معني “الجميل” تحت طائل حكم متعالي وذاتي. فالحكم الجمالي بالنسبة لكانط هو قضية الذوق الشخصي الجيد أو السييء. بينما يريد ب. بورديو أن يبين أن الذوق هو قضية مجتمع. لا نحب الرسم التجريدي، الانطباعيين أو فن أبهي في نفس الأوساط. كذلك فإن الجاز، الأكورديون الراقص أو الموسيقي الكلاسيكية هي أشياء ممهورة (مُوقَّع عليها) اجتماعياً. فالذوق مرتبط أيضاً بالحظوة. نحب – أو نجهد في أن نحب – موسيقي معينة، رسم معين، كاتب معين (أو عالم اجتماع معين. ..) بغاية “التميز”.

في “قواعد الفن” سيعاتب جون بول سارتر وكتابة “أبله العائلة” (غاليمار 1971- 1972) والمؤلف التذكاري المكرس لفلوبير، حيث يطرح ب. بورديو جانباً التحليل النفسي الوجودي لـ: ج. ب. سارتر، ويقترح استبداله بـ”تحليل سوسيولوجي” يعيد موضعه العمل الإبداعي لفلوبير في الحقل الأدبي الفرنسي الذي شهد قمة تشكله في القرن التاسع عشر.

وفى كتابة “الأنطولوجيا السياسية لمارتن هيدغر” (مينوي 1988)، يهاجم مباشرة الفيلسوف الكبير، المغازل وقتها من طرق المثقفين الفرنسيين. فالخطاب المجرد والمتجرد عن الواقع لمارتن هايدغر ليس سوي التعبير عن رؤية للعالم جد مميزة:رؤية تيار الثورة الألمانية المحافظة (5) المتطابقة بشكل تام مع المثل النازية.

بعدها، وفي التأملات الباسكلالية (سوي 1997) (6) ينحاز لباسكال ضد ديكارت والكوجيطو، النموذج الوهمي للفرد الواعي، الحر والعقلاني.

تتراءى الروح الفلسفية كفكر حر ومستقل، إنما هي نتاج لرؤية للعالم مترسخة في موقع اجتماعي. فالأفكار الخالصة تعبر عن نفسها في شكل سلسلة من الاستدلالات، المرجعيات والتركيبات المجردة ؛ إنها (الروح الفلسفية) في الواقع نتاج اعتيادات (رتابة) ذهنية لا واعية. وقد أراد الفكر الخالص أن يكون كونياً ؛ إنه مُسجَّل، مُجسَّد، مُدبق، مُدْمَج.

غير أن نظرية ب. بورديو لا تختزل إلى نزعة سوسيولوجية مبتذلة من شأنها أن تعمل فقط على إرجاع الفكر لشروط إنتاجه الاجتماعية بحسب الصيغة الرائجة: “قل لي موقعك الاجتماعي، أقول لك ما تفكر”. إن مفهوم الهابتوس بالغ الغني والنفاذ. فهو يسعي في الوقت نفسه لتبيان الحتميات اللاشعورية التي تؤثر على تمثيلاتنا، إنما أيضاً القدرات الإستراتيجية والإبداعية.

الهابتوس، طبيعة ثانية

لا تبحثوا عند ب. بورديو عن تعريف شفاف للهابتوس. ففي “الحس العملي” (مينوي1980)، نجد أن هذا الأخير، وقد أصبح قانونياً (بقواعد): “أنظمة أحكام مستديمة وقابلة للنقل، بنيات مهيكلة مهيأة للاشتغال كبنيات مهيكلة، أي كمبادئ موجهة ومنظمة للممارسات والتمثيلات التي يمكن أن تكون صالحة موضوعياً لغرضها دون افتراض الاستهداف الواعي للغاية والتحكم السريع في العمليات الضرورية لأجل بلوغها”. هذا الاستشهاد مقتطف من جملة تبدأ بعد بضعة أسطر وتتواصل لثلاثة أسطر بعد ذلك. ..

وفى غياب إمكانية فهم محتواه، سيكون للقارئ المبتدئ فكرة عن أسلوب بورديو الفريد. … لكن ما هي إذن هذه “البنية المهيكلة” التي تتحول إلى “بنية مُهيكلة”؟ في العمق، ليست الفكرة معقدة كثيراً كما يبدو ذلك. فالهابتوس هو قبل كل شيء نتاج تعلم صار لاشعورياً، يحد ترجمة له بعد ذلك في قابلية طبيعية ظاهرياً للتطور بحرية داخل وسط محدد. هكذا فالموسيقي لا يستطيع أن يرتجل بحرية على البيانو إلا بعد أن يكون قد أعدَّ سلم الأنغام واكتسب قواعد التأليف والهارمونيا. فلن يستطيع عازف البيانو إذن التأليف، الخلق والإبداع وتبليغ موسيقاه (البنيات المهيكلة) إلا بعد أن يكون قد استدخل السنن والإكراهات الموسيقية (البنيات المهيكلة). حينها سيعيش المؤلف، الموزع، والفنان إبداعه على شاكلة الحرية الإبداعية، والإلهام الخالص، لأنه لا يعي السنن والأساليب التي استدخلها بعمق. وبشكل عام، ينطبق هذا على الموسيقي كما على اللغة والكتابة والفكر. إننا نعتقد أنها حرة ومفصولة عن الواقع، بينما هي نتاج إكراهات وبنيات مترسخة في حد ذاتها بشكل عميق. فالهابتوسات هي أيضاً منابع محركة للعمل والفكر؛ وهو ما يسميه ب. بورديو بـ”المبادئ الموجهة والمنظمة للممارسات والتمثيلات”.

إن نظرية الهابتوس تلفظ نموذجين متعارضين للفعل. من جهة، الحتمية المجملة التي قد تحبس أفعالنا في إطار الإكراهات المفروضة، ومن جهة أخرى، وهْمُ الفرد المستقل الحر والعقلاني. فكل واحد منا هو بالتحديد نتاج وسطه وسجين اعتيادات الفعل الروتينية. لكن عاداتنا واعتياداتنا (رتابتنا) تشتغل مثل برامج وتحوز على قدرات إبداعية وإستراتيجية في وسط معطي (7).

كان لبيير بورديو طموح لتأسيس “علم للأعمال الفكرية” حقيقي (8). علم كان قد يدمج الأسس البيوغرافية والاجتماعية للعمل الأدبي كما مكانته في “حقل” معطي، وكذا خصوصيته كإبداع جديد، تضمن له موقعاً، قيمة خاصة ضمن إبداعات أخرى (9). على أن هذا المشروع ظل غير مكتمل: غير قابل للاكتمال، ربما.

نظرية الحقول

يعتبر “الحقل” المفهوم المركزي الآخر لنظرية ب. بورديو. المصطلح استخدم بصدد العوالم الأدبية، الفنية، السياسية، الدينية، الطبية، والعلمية. .. ولمرة واحدة قدم له بورديو تعريفاً مبسطاً: “الحقل هو كون صغير مستقل داخل الكون الاجتماعي”(10).

وسواء أسميناه “الحقل”، “العالم الصغيرة”، “الوسط”، “الميدان”، فإن الحقل هو حيز صغير من العالم الاجتماعي يعمل بشكل مستقل، أي أن له – حسب الاشتقاق نوموس = قانون – قوانينه الخاصة فكل من يدخل إلى وسط ما (سياسي، فني، ثقافي) يلزمه التحكم في سننه وقواعده الداخلية. ومن دون ذلك، سيجد نفسه سريعاً خارج اللعبة. فثم من يعرفون الأشياء وثم من يجهلونها.

فعلى غرار “الحقول المغناطيسية” في الفيزياء، يُفهم أيضاً حقل ما بوصفه حقل قوة. إنه حيز صراع بين الأفراد، وبين العشائر، حيث كل واحد يسعي لأخذ مكانه، والتميز، واكتساح مواقع جديدة. وهذه الصراعات والتوترات تجرى على الصعيد المؤسساتي (اكتساح المناصب والأمكنة). غير أن هكذا صراع مواقع وترتيب يفترض حرباً اجتماعياً تجرى أيضاً على الصعيد الرمزي.

وها هنا تظهر مفاهيم “السلطة الرمزية” و”العنف الرمزي”.

العنف والسلطة الرمزيين

“العنف الرمزي” هو عنف “عذب ومقنع” يمارس بتواطؤ ذلك الذي يُمارس عليه (11). وهذا العنف لا يستهدف بصم الأجساد وإنما الأرواح. إنه يأخذ أحياناً، في العالم الأكاديمي، شكل خطاب سلطة أو كلام الأستاذ. هذا العنف الرمزي يعرفه جيداً بيير بورديو لكونه مارسه بغزارة (12). ولفهم ما يمكن أن يكون العنف الرمزي، يكفي في الواقع ملاحظته يشتغل. ذلك أنه بمثابة تطوير صادق لما يقوم بتحليله (وهو ما لا يمس في شيء بصدقية أقواله).

لنتجاوز خصومات الطوائف ونزاعات السلطة بين الجامعيين. لقد سبق لرايمون آرون، الذي كان بورديو مساعداً له، أن استنكر في مذكراته (جوليار 1993) “زعيم الطائفة، الواثق في نفسه والمستبد، الخبير في الدسائس الجامعية والذي لا يرحم أولئك الذين يمكنهم أن يثيروا امتعاضه”.

هذا العنف الرمزي برز واضحا أيضا في كتاباته. جربوا. افتحوا كتابا لبيير بورديو. أي كتاب. فمن الصفحات الأولى، يشرع دائما بنقد لاذع; ضد فلاسفة، مثقفين، صحافيين أو علماء اجتماع، ولسانيين “بارزين”. إنهم يوصفون (لكن دون ذكرهم)، كجهلة، و”أنصاف علماء”، ينخدعون حول الطبيعة الحقيقية للعالم الاجتماعي، بسبب الضحالة الفكرية أو المصلحة (وأحيانا الاثنين معا). فبورديو يفرض ويطرح نفسه كضامن وحيد للعلمية.

يتجاهل ب. بورديو بشكل مذهل الانتقادات الموجهة إليه. و”إجاباته” لا تأتي من الجدل الحقيقي، وإنما من التبرير الذاتي المتواصل (13). فعالم الاجتماع يدفع جانبا الانتقادات ويختلق أعداء خياليين قد لم يفهموا شيئا من أفكاره. ومن ثم يعطيهم الدرس. فيما يلتزم الصمت حول الانتقادات الحقيقية، المبنية والموثقة بالحجج، المطروحة من قبل باحثين تجشموا عناء دراسة أعماله.

ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات موجودة. إنها تتركز حول تصوره للثقافة الشعبية، حول مفهوم الهابتوس، حول عجز سوسيولوجيته عن تفكير التغيير (14). فجميعها في العمق تمتلك نقطة مشتركة. فقليل من المؤلفين ينكرون القيمة الاستكشافية لمفهوم الهابتوس أو مفهوم “الحقل”، إنما معظمهم يرفض جعلها رابع المستحيلات التي ستكون أساس جميع المسلكيات. فالهابتوس يوجد، لكن الأفراد، في مجتمعاتنا المنفتحة، يمتثلون لأطر متعددة من التنشئة الاجتماعية ولا أحد يسجن الفاعلين في قفص من حديد. زيادة على ذلك، فإن الرؤية المتصلبة للسيطرة بواسطة الهابتوس أو العنف الرمزي لا تسمح بإدراك سيرورات التغيير أو الانعتاق: انعتاق النساء، الشباب المنحدر من أوساط محرومة والذين “يفلتون منها” (“يتخلصون من الورطة”)، ومختلف فئات “المسيطر عليهم”، الذين، بشكل أو بآخر (عبر النضال، عبر الاستراتيجيات الفردية، عبر الانحرافية)، ينجحون في التحرر جزئيا من وضعيتهم كمُسيطر عليه والذين لا يُقذف بهم جميعاً في “البؤس الأخلاقي” والامتثال السلبي.

من الالتزام إلى العلم، من العلم إلي الالتزام

مثل كل عمل كبير، يمنحنا فكر بورديو مفاتيح أساسية لتفكير العالم الاجتماعي. غير أنها لا يمكن أن تكفي للإلمام به. ففي العمق إن الأمر عادي جدا. إن نظرية تريد اعتناق كل شيء ستفقد المتانة. فعلم الاجتماع لا ينتمي إلى ب. بورديو. إنما عمله ينتمي الآن فصاعدا إلى التقليد السوسيولوجي.

ثمة تمرد في منابع فكره، وثمة غضب – والذي يقرأ غالبا في ملامح وجهه. وتحاليله السوسيولوجية الأكثر نفاذا، تماما كما مواقفه – الدوغمائية والكاريكاتورية – ضد العولمة، ووسائل الإعلام أو الأنتيلجينسيا، تنبع في العمق من مصدر واحد.

كيف أمكن لفكر راسخ إلى حد كبير سيكولوجيا واجتماعا أن ينتج نظرية ذات حمولة عامة؟ ذلك ما كان بالتحديد موضوع درسه الأخير في الكوليج دو فرانس (15). هذا الدرس انتهى بمحاولة للتحليل الذاتي. ما هو القاسم المشترك بين سوسيولوجيا ب. بورديو وتاريخه الخاص؟ لقد أخذ هذا التأمل الذاتي في السنوات الأخيرة حيزا من تفكيره. كان يسمي ذلك بـ “سوسيو – تحليل”. وقبيل وفاته بقليل، كان يعتزم كذلك تحرير سيرة ذاتية. هذه النبذة السوسيو- تحليلية بدأت بذكريات المراهقة، عندما كان داخليا بثانوية لويس الكبير. “لقد لعبت تجربة الداخلية بلا شك دورا حاسماً في تكوين موهبتي، خصوصا بإمالتي لرؤية واقعية ونضالية للعلاقات الاجتماعية، الحاضرة قبل ذلك منذ تعليم طفولتي، والتي تناقض رؤية التفاهم، التخليقية والمحيدة التي تحثها، على ما يبدو لي، التجربة المحمية للكينونات البورجوازية”.

يمكن لعمل ب، بورديو أن يُقرأ بكيفيات متعددة: يمكن أن نفك رموزه بوصفه تحليلاً لآليات السيطرة الرمزية، أو أيضاً بوصفه نظرية للممارسات الاجتماعية؛ ويمكن كذلك أن ننظر إليه بوصفه تحليلاً لإنتاج الأفكار والأنظمة الرمزية. وفي جميع الأحوال، فهو يبين أن الفكر، ولو كان فكر علماء الاجتماع الكبار، ليس أبداً خالصاً.

الهوامش

  1. أعيد نشره موسعا تحت عنوان اللغة والسلطة الرمزية، سوي 2001. وسينجز تحليلاً لامعاً للغة معارضا أولئك الذين يخصون الخطاب بسلطة مستقلة، أمثال جون أوستين، منظر البرغماتية.
  2. بالاشتراك مع لوك بولتانسكي، روبيرت كاستيل وجون – كلود شامبريدو،
  3. بالاشتراك مع بيير داربيل.
  4. خلال هذه السنوات كان يعني اختيار علم الاجتماع مقابل الفلسفة، القطع مع “التخصص الملكي”، المهيب، وذلك بقبول الاحتكاك بالميدان، الملموس، والعالم القذر.
  5. وهو التيار الذي انتسب إليه كل من إرنست يوغنر وفيرنير سومبارت.
  6. يرفض بورديو هذه الرؤية للفرد المتجرد، المقترحة من قبل العقلانية، وسيهاجم جون رايلز ويورغن هابرماس وتيار الاختيار العقلاني (Rational Choice) وكل من ينظر إلى المجتمع كتعاقد حر بين فاعلين عقلانيين.
  7. يأخذ بورديو، الذي أعلن انتسابه للبنيوية التكوينية، بنظرية الأنماط لعالم النفس جون بياجي، وبعض “أنماط الحركة” أو “الفكر” هذه قابلة لأن تنقل إلى ميادين أخرى.
  8. “من أجل علم للآثار”، مبررات عملية، سوي 1994.
  9. أ. وينبيرغ: “كيف يفكر الفرد بالمجتمع”، علوم إنسانية، عبد خاص، 35، ديسمبر/يناير/ فبراير 2001.
  10. مقالات حول الحقل السياسي، المنشورات الجامعية، ليون 2000.
  11. انظر: قضايا علم الاجتماع وأجوبة.
  12. أو لتوجيهها ضد العالم الأكاديمي” تعليق حول الحس المشترك”، قضايا علم الاجتماع.
  13. أجوبة من أجل أنتروبولوجيا انعكاسية، حوار مع لوك فاكونت، سوي 1992
  14. أنظر نصوص بيير كوركوف، ناتالي، هاينيش، جيفري ألكسندر وبرنارلاهير: علوم إنسانية، عدد خاص ببورديو، 2002.
  15. علم العلوم والانعكاسية، “Raisons d’agir”، 2001. كان بورديو يرفض في الوقت نفسه الاختزالية السوسيولوجية و”العدمية” بعد – الحداثية، التي لا ترى في العلم سوى ثقافة مثل الثقافات الأخرى أو مجرد حقل للمعركة. وكان كذلك يرفض الرؤية الأثيرية والمتجردة لعلم يمتد في الفضاء الخالص للأفكار.

[(*)] عنوان المقال الأصلي: “Les idees pures n’existent pas”

ونشر في مجلة: “Sciences Humaines, N° Special, 2002, pp. 3- 8.

[(**)]جون – فرانسوا دورتي (Jean- François Dortier) هو رئيس تحريرا لمجلة المذكورة.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading