دة. زهور جوهري

دكتورة في الحقوق

مقدمة

يعتبر التبليغ من القواعد الأساسية لحسن التعامل بين الملزم والإدارة ومن أهم الأدوات لحفظ حقوق الطرفين، إلا أن هذا الإجراء عرف مجموعة من المشاكل علي المستوى العملي حتى أصبح أم الشاكل في العملية الضريبية في المغرب.

ويمكن تعريف التبليغ لغويا بالإيصال، أما في المعجم الضريبي فهو يعتبر كل وثيقة تستعملها الإدارة من أجل إخبار الملزم بالمسطرة الضريبية التي تمارسها في حقه، ويعرفه فقهاء الإجراءات بانه الإجراء الذي يتم بواسطته إعلام أو إخبار الشخص بالإجراء أو الإجراءات المتخدة ضده أو لفائدته، فالتبليغ إذن هو عملية قانونية بين المبلغ إليه ومصلحة التبليغ، وبالتالي فهو عملية يترتب عليها وجوبا توفر كل طرف علي وثيقة تثبت إجراء الإشعار المتوخى، فإذا كان من حق الجهة المبلغة أن تتوفر علي شهادة التسليم المتضمنة لبيانات حددها القانون فإنه بالمقابل يحق للطرف المبلغ إليه أن يتوفر علي وثيقة تثبت عملية التبليغ، المتضمنة بدورها جميع البيانات التي تسمح له بممارسة حقه في الرد.([1])

والهدف من التبليغ هو الحفاظ علي حق الملزم في الدفاع وكذا حقه في الإعلام، حتى لا تأخذه الإدارة علي حين غرة، وتفرض عليه الضريبة دون إعطائه الحق في إبداء رأيه في الفرض، أو دون أن يتوفر علي مسالك تصحيح الإلزام الضريبي ([2]).

وإذا كان التبليغ خلال المسطرة التواجهية لفرض الضريبة يشكل ضمانة قانونية لحقوق الملزم علي المستوى الإجرائي، فما هي المستجدات وما هي المقتضيات القانونية التي تنظم التبليغ و هل تعتبر هذه الأخيرة كافية لحفظ حقوق كل من الإدارة الضريبية والخاضع للضريبة؟

للإجابة علي هذا الإشكال لابد من أن نتطرق للمراحل التي مر بها التبليغ في التشريع المغربي (الباب الأول) علي أن نتطرق إلى المشاكل التي مازالت يطرحها التبليغ (الباب الثاني).

الباب الأول: مراحل التبليغ في القانون الضريبي المغربي

تعددت وسائل التبليغ في الميدان الضريبي، وذلك حسب المراحل التي مر بها تطور التشريع الجبائي المغربي، ترى ما هي أهم هذه المراحل التي مرت بها مسطرة التبليغ، و ما هي أهم التغيرات التي حملتها كل مرحلة مقارنة مع سابقتها.

المبحث الأول: مسطرة التبليغ خلال مرحلة ما قبل سنة 1995

تميزت هذه المرحلة بتعدد وسائل التبليغ وذلك بتنوع الضرائب. وعليه نجد علي سبيل المثال أن أسلوب التبليغ عن طريق الأعوان القضائيين كان سائدا في مجال ضريبة التسجيل والتمبر، بينما كان البريد المضمون الوسيلة الأساسية المتبعة فيما يخص الضرائب المباشرة.

المطلب الأول البليغ بواسطة أعوان المحكمة.

أفضل مثال يمكن أن نسوقه في هذا المجال هو التبليغ في ضريبة التسجيل، ونشير أن القابض كان يقوم بتبليغ بيان التصفية عن طريق أعوان كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية، وذلك من أجل تمكين الملزم من الطعن في الفرض المذكور أمام الحكمة داخل الأجل القانوني.

وظل هذا الوضع إلى حدود صدور قانون المالية لسنة و1989، ومن هنا أصبحت الوسيلة الوحيدة المتبعة هي البريد المضمون، فاضحت ضريبة التسجيل، مثلها مثل الضرائب التي يتكفل مفتش الضريبة بتقديرها، تعتمد علي المراسلة كوسيلة أساسية للتبليغ.([3])

المطلب الثاني: التبليغ بواسطة البريد المضمون.

أصبح التبليغ بواسطة البريد المضمون، القاعدة الأساسية بالنسبة للقانون الجبائي المغربي برمته بعد قانون مالية 1989، ويتم هذا التبليغ سواء عن طريق وضع المراسلة المراد إبلاغها للملزم داخل ظرف يحمل عنوانه، وتبعث إليه عارية من أي ظرف وحاملة للطايع البريدي. إلا أن مسطرة البريد المضمون قد طرحت مشاكل كثيرة أهمها في نظرنا تقصير مصالح البريد في إيصال التبليغات بطريقة جيدة، ذلك أن ساعي البريد عندما لا يقوم بإيصال الظرف لصاحبه غالبا ما يقدم إليه أو إلى أي من أقاربه، أو فقط يضعه في صندوق البريد الخاص بالملزم إعلاما يشير فيه أن ظرفا ما يوجد رهن إشارته في مصالح البريد. وعندما لا يتقدم الملزم إلى مصالح البريد، خلال 15 يوما من تاريخ إعلامه بهذه الطريقة يعاد الظرف إلى الإدارة.

فهل يعتبر إذن الإعلام الموجه من طرف ساعي البريد إلى الملزم، دليل علي أن هذا الأخير علم بوجود مراسلة رهن إشارته في مصالح البريد ورفض تسلمها؟

في الحقيقة إنه من الصعب التأكد من ذلك فمجلس الدولة الفرنسي حمل مرارا مسؤولية تأكيد هذا الأمر للإدارة في إثبات أن مصالح البريد قامت بعملها كما يجب ([4]).

المبحث الثاني: مسطرة التبليغ في قانون المالية لسنة 1995 وما لحقه كل من تعديلات

نظرا للمشاكل الكثيرة التي عرفتها مرحلة ما قبل 1995 (عدم ضبط أسلوب عمل مصالح البريد في إيصال المراسلات إلى أصحابها) تدخل المشرع في سنة 1995 ليتدارك الأمر وأدخل تعديلات مهمة علي هذه المسطرة خلال قانون المالية 1995، حيث نظم عملية التبليغ بطرق أخرى أضيفت إلى المراسلة بالبريد المضمون.

واذا ما تتبعنا المنطق الذي بنيت عليه تلك التعديلات فسوف نلاحظ أن المشرع جعل التبليغ المضمون هو القاعدة، أي الإجراء الأول الذي يجب علي الإدارة القيام به، وهذا ما يفهم من المادة 112 – II من الضريبة علي الدخل التي نصت علي أنه إذا تعذر تسليم الإعلام لإدارة الضرائب، بوشر التبليغ بواسطة المأمورين والمحلفين التابعين لإدارة الضرائب وهذا ما يفهم منه أنه عندما لا يتم التبليغ بواسطة البريد حين ذاك فقط يمارس التبليغ بواسطة أعوان الإدارة، وهذا الاستنتاج هو نفسه الذي خرجت به الإدارة والقضاء معا.

غير أن التطبيق العملي لهذه المقتضيات قد طرح بدوره عدة مشاكل حالت دون الغاية من التبليغ، حيث لوحظ أن المدة الفاصلة بين تاريخ إرسال التبليغ بالبريد المضمون وتاريخ علم الإدارة بتوصل الملزم أو عدمه قد يفوق 20 يوما في حين أن هذه المدة هي نفسها قد تكون كافية ليسقط حقها في تعديل الفرض الضريبي بالتقادم، مما يجعلها في موقف حرج، فتحار بين مواصلة التبليغ بالطرق المتاحة الأخرى أو انتظار رجوع الطي ([5]).

المطلب الأول: مستجدات قانون المالية لسنة 2001

نظرا لما آلت إليه بعض المنازعات إلى إلغاء الضريبة للأسباب أعلاه، تدخل المشرع بقانون المالية 2001 ليسد الثغرة المفتوحة أمام الملزمين حتى لا يتملصون من الضريبة في حالة عدم لجوء الإدارة إلى وسيلة التبليغ بالبريد المضمون، واثبات تعذر هاته الوسيلة قبل الإقدام علي باقي وسائل التبليغ الأخرى التي يترتب عن الإخلال بها بطلان مسطرة فرض
الضريبة، و سن طرق جديدة من شانها توسيع دائر ة التبليغ و تعمل علي سد الثغرات لذلك نجد أن مختلف المقتضيات نصت علي أن التبليغ يتم بالعنوان الذي حدده الملزم في إقراراته وعقوده أو مراسلاته المدلى بها إلى جهة الضرائب التابع لها مكان فرض الضريبة إما برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بواسطة الأعوان المحلفين، أو أعوان كتابة الضبط، أو بالطريقة الإدارية.

وبموجب هذا التعديل أصبح بمقدور مفتش الضرائب أن يختار الطريقة المثل لتبليغ مراسلاته للملزم ([6])، ويعد التبليغ صحيحا بعد مرور عشرة أيام عن مباشرة التبليغ بالعنوان المذكور ([7]).

ويمكن اعتبار هذا الموقف عودة إلى التوازن المنشود بين جميع الأطراف، فبعد أن كانت الإدارة هي صاحبة السلطة في التبليغ، جاء قانون المالية لسنة 1995 ليقيد من سلطاتها تحت ضغط تيارات حقوق الملزم المتنامية. ولكن بعد ما تبين أن هذه القيود من شانها أن تستغل من طرف الملزم فيتعسف في استعمال هذا الحق، جاء هذا القانون ليضمن للملزم الحق في الإخبار ويضمن للإدارة الحق في اختيار الوسيلة الملائمة للتبليغ ([8]).

المطلب الثاني: مستجدات قانون المالية لسنة 2005.

علي الرغم من توسيع دائرة إجراءات التبليغ بقانون المالية لسنة 2001، وجعل الاختيار للإدارة في سلوك الوسيلة الكفيلة لضمان صحة التبليغ بين البريد المضمون أو الأعوان القضائيين، فإن هاته الطرق لم تسلم من المنازعة في سلامتها أمام القضاء الإداري الذي ألزم الإدارة بإثبات وجه تعذر التبليغ بصحة البيانات الواردة بالمحضر المنجز بهذا الشأن في حالة المنازعة تحت طائلة بطلان مسطرة فرض الضريبة مما جعل المشرع يتدخل من جديد بقانون المالية 2005 من خلال كتاب المساطر الجبائية الفصل 10 منه ([9]).

ويعتبر الفصل 10 أدق وأضيق من المواد 37- 38 -39 من ق. م. م. مما يعطي للقانون الضريبي في هذا المجال خصوصية مشروعة، نتجت عن طبيعة المشاكل التي تعرفها عملية التبليغ علي أرضية الواقع والتي مكنت عددا من الملزمين من الإثراء بلا سبب علي حساب ملزمين آخرين.([10])

الباب الثاني: الإشكالات التي تطرحها مسطرة التبليغ بعد 2005

المبحث الأول: الإشكال الذي تطرحه المادة 10

لابد من التذكير أولا أن أي تحديث قانوني يهدف إلى ملء الفراغ القانوني الذي تطرحه مختلف المساطر من أجل تجاوزها وطرح إجابة قانونية للقضايا العملية ([11])، فمن خلال الباب الثاني سوف نحاول أن نوضح إلى أي حد جاء تغيير 2005 ليكرس هذا الطرح أم أنه بسده لثغرات فتح أخرى.

المطلب الأول: التصحيح والفرض التلقائي.

إذا ارتأت الإدارة تغيير الأساس الضريبي سواء الناتج عن إقرار الخاضع للضريبة أو عن الفرض التلقائي للضريبة، فإنه يتعين عليها إشراك الخاضع للضريبة في مقترحاتها قصد تمكينه من إبداء وجهة نظره ودفوعاته وحججه ([12])، وهذا ما أصطلح عليه مبدأ التواجهية إلا أن التغيير الذي شمل مسطرة التبليغ في سنة 2005 جاء ليلغي هذا المبدأ والذي يعتبر حق الدفاع المخول للملزم و الذي يتجسد في إمكانية مناقشة التصحيحات المزمع القيام بها من طرف المفتش الفاحص علي الأسس المصرح بها، أي إقامة حوار كتابي بين طرفي العلاقة في هذه المسطرة حول الإغفالات والمخالفات وأوجه النقص التي تم اكتشافها في محاسبة الخاضع للضريبة ([13])، فهذا الإلغاء مرده إلى كون المادة العاشرة ([14]) نصت علي أنه بعد مرور عشرة أيام من تاريخ إثبات تعذر تسليم الظرف يعتبر التبليغ قائما، وبالتالي محدثا لأثره القانوني حتى ولو لم يتوصل به الملزم، الشيء الذي لم يكن يعمل به فيما قبل مرحلة 2005 حيث أن التبليغ كان يعتبر باطلا ([15]) إذا عاد الطي لإدارة الضريبية بعبارة غير مطالب به.

إذن فهذا النص جاء مخالفا لما كان منصوص عليه في القوانين السابقة بل ويعد انتكاسة حقيقية للضمانات التي كانت مخولة للخاضع للضريبة والتي ما فتئ القضاء يدافع عنها في العديد من اجتهاداته ([16]).

المشكل ذاته يطرح فيما يخص الفرض التلقائي للضريبة حيث أن القانون المغربي يوجب علي كل شخص (معنوي أو طبيعي) متى كان ملزما بأداء الضريبة أن يودع إقراره بمصلحة الضرائب التي يوجد بدائرة اختصاصها. ويتضمن هذا الإقرار المعاملة التي تشكل وعاء الضريبة وذلك في الآجال المنصوص عليها في القواعد الضريبية فإذا لم يقدم، أو لم يودع الملزم إقراره أو أدلى به ناقصا من البيانات الشكلية اللازمة لربط الضريبة، في هذه الحالة تقوم الإدارة بفرض الضريبة في حقه بشكل تلقائي وذلك بعد تبليغه بتقديم إقراره داخل أجل شهر من تاريخ التوصل.

وإذا لم يستجب الملزم لذلك، يجب علي الإدارة أن تبعث له برسالة ثانية تدعوه فيها إلى إقراره داخل أجل شهر من تاريخ البتليغ، وبالأساس الذي سيتم اعتماده في فرض الضريبة في حقه بصورة تلقائية.

يبدو أن السبب الذي حذا بالمشرع إلى تغيير مسطرة التبليغ هو سد الثغرة (رجوع الطي بعبارة غير مطالب به) التي كانت تفوت علي إدارة الضرائب أموالا طائلة، إلا أنه بسده لهذه الثغرة قد خلق ثغرة أخرى تشكل مساسا سافرا بحق أساسي من حقوق الملزم وهو الدفاع. إذ باعتبار المشرع التبليغ صحيحا بعد مرور عشرة أيام من تاريخ إثبات تعذر تسليم الظرف، يكون قد رتب نفس الآثار القانونية المترتبة عن رفض التبليغ علي الحالة التي يتعذر فيها التبليغ للخاضع للضريبة رغم كونه لم يعبر عن إرادته الشخصية في عدم سلوك المسطرة التواجهية.

المطلب الثاني: الإشكالات المتعلقة بالشخص المسلم إليه التبليغ.

لقد حددت المادة 10 الأشخاص الذين يحق لهم تسلم الإشعار الضريبي، والتوقيع عل طي التبليغ وهم الملزم شخصيا أو بموطنه لأقاربه أو مستخدميه أو لكل شخص آخر يسكن أو يعمل معه.

إلا أن هذا التحديد قد طرح عدة إشكالات منها علي الخصوص مفهوم الموطن الأصلي للملزم أو الموطن المختار كان يتم التبليغ بمكتب وكيله مثل المحامي أو الموثق أو أي شخص آخر مكلف بأعماله كالمحاسبة، ومن جهة ثانية فرغم أن المشرع قد أشار إلى إمكانية تسلم طي التبليغ بواسطة الأقارب، إلا أنه لم يحدد درجة ونوع هذه القرابة و هل تمتد إلى الأصهار ([17])، إلا أنه علي هذا المستوى تظهر مشكلة تسليم التبليغ إلى القاصر.

كما أنه في بعض الأحيان يتم التبليغ بواسطة الجيران أو الأصدقاء الذين قد يصرحون أنهم أقارب الخاضع للضريبة الشيء الذي يطرح التساؤل عن مدى قانونية هذا التبليغ باعتبار أن هؤلاء لم تشملهم المادة المذكورة أعلاه ([18]).

نلاحظ أن المشرع في هذا الإطار قد وضع نفس المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 38 من ق.م.م إلا أن هذا لن يجعل التبليغ خاليا من بعض المشاكل، حيث ان “المشرع قد سمح لفئة المستخدمين والعاملين مع الملزم بإمكانية التوصل بالإشعارات الضريبية، و كما هو معلوم فإنه في العديد من الحالات تكون هناك حساسية في العلاقة التي تربط الطرفين سواء في البيت أو الشركة فيتم إخفاء الإشعار الضريبي عن الملزم حتى يتم تفويت أجل الطعن …”([19])، أو أن المفتش يواجه في حالات كثيرة رفض الخادم أو المستخدم التسلم، بل اكثر من ذلك يرفض هؤلاء إعطاء أية بيانات عن هويتهم ([20])، وهذا يعتبر تبليغا صحيحا في إطار كتاب المساطر الضريبية محدثا لأثره القانوني دون الأخذ بعين الاعتبار حق الملزم في الدفاع (المسطرة التواجهية).

المبحث الثاني / آثار التبليغ

تستلزم مسطرة الفرض الضريبي التواجهية إقامة حوار كتابي بين طرفي العلاقة في هذه المسطرة، أي الإدارة والملزم. في هذا المبحث سو ف نتطرق إلى مجموعة من آثار التبليغ محاولين ربطها بحقوق الملزم.

المطلب الأول: فتح أجل الثلاثين يوما (الرسالة الأولي)

إن أهم أثر ينتج عن تسلم رسالة التبليغ الأولى تسلما قانونيا وصحيحا هو بدء سريان أجل الثلاثين يوما لإدلاء الخاضع للضريبة بملاحظاته حول مقترحات الإدارة الضريبية تحت طائلة فرض الضريبة تلقائيا، وتستكمل المسطرة التواجهية وفقا لثلاث حالات تختلف باختلاف موقع الخاضع للضريبة.

الحالة الأولى: عدم جواب الملزم داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لتسلم الرسالة التبليغية الأولى أو تقديم ملاحظاته خارج نفس الأجل، وينتج عن ذلك طبقا لنصوص المدونة العامة للضرائب إقدام الإدارة علي فرض الضريبة بصورة تلقائية من طرف المفتش، وفي هذه الحالة لا يمكن للملزم أن ينازع فيها إلا أمام مصالح المنازعات الضريبية التابعة للإدارة الضريبية، و فيما يخص هذا الفرض التلقائي فإن الخاضع للضريبة الذي يدعي المغالاة في فرض الضريبة بسبب ارتكابه لمخالفات خطيرة عليه أن يثبت ذلك، إلا أن الإدارة التي تنفرد بتحديد أساس الفرض الضريبي تكون ملزمة هي الأخرى بإثبات هذا الفرض التلقائي وأنه جاء مؤسسا طبقا للقانون ([21]).

الحالة الثانية: هي حالة نادرة، بحيث يقبل الملزم بصورة صريحة وبدون شروط جميع المضامين التي اقترحها المفتش برسالته التبليغية، وبذلك تنتهي مسطرة الفرض الضريبي التواجهية.

الحالة الثالثة والشائعة: من خلالها يجيب الملزم عن رسالة الإدارة داخل الأجل القانوني برفضه الكلي أو الجزئي للمضامين الواردة فيها، مدليا بملاحظاته وعارضا لحججه وأدلته.([22])

إلا أن الإشكال الذي تطرحه المادة العاشرة هو أن الملزم الذي لم يتوصل بالتبليغ لظروف خارجة عن إرادته وعودة الطي بغير مطالب به يشكل هدرا لحقوق الملزم.

المطلب الثاني: قطع التقادم (الرسالة الأولي)

يعد تحديد أجل قانوني تلتزم الإدارة باحترامه تحت طائلة تقادم حقها في الفرض الضريبي ضمانة قانونية أساسية لصالح الخاضع للضريبة، وبشكل عام يمكن تصنيف هذا التقادم إلى تقادم مكسب للضريبة وتقادم مسقط لها، وبالنسبة للأجل الممنوح للإدارة الجبائية للقيام من خلاله بفرض الضريبة فهو تقادم مسقط وليس مكسب، إذ أنه بانقضائه يسقط حق الإدارة في الفرض الضريبي.([23]) إذن التبليغ القانوني يسقط حق التقادم وبالتالي يشكل ضمانة لإدارة الضرائب ولكن في نفس الوقت عبئا علي كاهل الملزم الذي لم يتوصل بالتبليغ.

وفي هذا الإطار ذهب بعض الفقه إلى القول بأن ” التبليغ الذي لا يتوفر علي الشروط القانونية بإغفال أحد الشكليات، أو لعدم توصل المكلف به ([24])، لا يمكن أن يؤدي إلى تقادم الحق. ففلسفة التقادم بصفة عامة تؤسس علي إهمال المطالب بالدين للمطالبة بدينه وهو مالا يفهم من موقف الإدارة التي عبرت عن نيتها في المطالبة عن طريق تبليغ الوثيقة موضوع التبليغ إلى المكلف، إلا أنها لم تتوصل إلى ذلك نتيجة خطا سواء كان إداريا أو غير إداري، فالخطأ لا يعني باي حال من الأحوال انعدام نية التبليغ.([25])

إن المادة العاشرة جاءت حتى تسد الباب أمام الملزمين سيئي النية والذين يتحججون بعدم توصلهم بالتبليغ كي يتهربوا من دفع الضريبة. لكن ليس كل الملزمين سيؤو النية.

خاتمة

من خلال استقرائنا للمقتضيات التي نظمت أو تنظم التبليغ حاليا، أمكننا القول بان المشرع المغربي حاول في كل مرحلة معينة معالجة الثغرات والنواقص التي تشوب هذه المسطرة، إذ نجده في المرحلة ما قبل صدور قانون المالية لسنة 1995 قد أولى أهمية خاصة للإدارة الجبائية وذلك بمنحها سلطة واسعة في التبليغ.

إلا أنه أمام تنامي تيارات حقوق الملزم، عاد المشرع ليبسط هذه المسطرة قصد تحقيق الأهداف المتوخات منها لتمكين الملزم من محاورة الإدارة وتقديم أوجه دفاعه.

بيد أن الواقع العملي أبان عن محدودية هذه التعديلات التي قيدت الإدارة وفتحت المجال أمام الملزمين للتملص من أداء الضريبة، لذلك كان لزاما علي المشرع أن يتدخل لحماية أموال خزينة الدولة، وهذا ما تأتى فعلا من خلال قانون المالية 2001 والذي تبناه كتاب المساطر الجبائية بموجب قانون المالية لسنة 2005 ليحل بذلك إشكالية التبليغ لصالح الإدارة الضريبية التي أصبح بإمكانها اختيار الوسيلة المناسبة في التبليغ، إلا أن المادة العاشرة من كتاب المساطر الجبائية فتحت الباب أمام تعسف الإدارة علي أموال الأفراد وذلك بحرمانهم من المسطرة التواجهية بمجرد مرور عشرة أيام من تاريخ إثبات تعذر التسليم.

ومن هنا لتبين صعوبة إيجاد توازن بين طموحات الإدارة الجبائية في تحقيق موارد جبائية هامة عبر حماية أموال خزينة الدولة من أي تملص من جهة وحماية حقوق الملزمين وأموالهم من جهة أخرى، وربما مرد هذا التخبط في التشريع إلى كون المشرع لا يعالج الإشكالات التي يطرحها التبليغ وفق منظور شمولي، بل كان يحاول في كل مرة معالجة إشكال معين علي حساب الأطراف، وهذا ما أدى به في كل محاولة لسد ثغرة ما إلى فتح ثغرات أخرى.


[1] حسن بكري إشكالات قانونية في التبليغ. مكتبة الرشاد. سطات. 2003.

[2] عبد الغني خالد. المسطرة في القانون الضريبي المغربي. مطبعة دار النشر العربية عين السبع الدار البيضاء 2002. ص. 197.

[3] عبد الغني خالد. مداخلة حول مسطرة التبليغ في القانون المغري، ندوة العمل القضائي والمنازعات الضريبة 28 – 29 مارس 2005. ص 5-6.

[4] CE. 12-5-1997, n°145 634 8é et 9é, ministre /ville neuve, R.J.F7/97 N° 697, page 477.

[5] عبد الغني خالد. مرجع سابق. ص 5-6.

[6] محمد قصري، المنازعات الجبائية المتعلقة بربط وتحصيل الضريبة أمام القضاء الإداري، م.مأ.م.ت، الطبعة الأولى عدد 65، 2005. ص 28.

[7] مدونة التحصيل هي الأخرى نصت في مادتها 43 على لن التبليغ يصبح صحيحا في اليوم العاشر للنشر ويقطع التقادم.

[8] عبد الغني خالد. مرجع سابق. ص 7.

[9] محمد قصري، مرجع سابق، ص 31.

[10] عبد الغني خالد. مرجع سابق. ص 9.

[11] أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف المحكمة الإدارية بوجدة (26 / 05 / 2006) “المنازعات الضريبية والإشكالات المطروحة في الميدان العملي في ضوء المدونة الجديدة “، مداخلة: أولاليت محمد والبصري خديجة. ص. 70.

[12] رشيدة الصابري. أطروحة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، “مسطرة تصحيح فرض الضريبة ” كلية الحقوق وجدة، 1998 / 1999. ص . 85.

[13] محمد شكيري، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. القانون الضريبي المغري، دراسة تحليلية ونقدية. 2004. ص. 284.

[14] المادة 10 الفقرة 2: “إذا تعذر تسليمها إلى الخاضع للضريبة بالعنوان المدلي به إلى مفتش الضرائب عندما يتم توجيه الوثيقة في رسالة مضمونة الوصول مع إشعار بالتسلم أو بواسطة أعوان كتابة الضبط أو أعوان القضائيين أو بالطريقة الإدارية وتم إرجاع الوثيقة مذيلة ببيان غير مطالب به أو انتقل من العنوان أو عنوان غير معروف أو غير تام أو أماكن مغلقة أو خاضع للضريبة غير معروف بالعنوان في هذه الحالة يعتبر الظرف مسلما بعد انصرام أجل العشرة أيام التالي لتاريخ إثبات تعذر تسليم الظرف المذكور.”

[15] قرار الغرفة الإدارية عدد 655، الملف الإداري عدد 1140/ 5 / 1997، أشار إليه محمد قصري، مرجع سابق.

[16] أشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف المحكمة الإدارية بوجدة (26 / 05 / 2006). “المنازعات الضريبية والإشكالات المطروحة في الميدان العملي في ضوء المدونة الجديدة “، مداخلة: فتيحة السوشي، ص. 58.

[17] المنازعات الضريبية والإشكالات المطروحة في الميدان العملي في ضوء المدونة الجديدة “، مداخلة: فتيحة السويسي، مرجع سابق. ص. 60.

[18] فتيحة السويسي، نفس المرجع. ص. 60.

[19] فتيحة السويسي، نفس المرجع. ص. 61

[20] لقاء علمي حول موضوع: “العمل القضائي والمنازعات الضريبية” (28- 29 / 03 / 2005). مداخلة عبد الغني خالد. ص. 14.

[21] عبد القادر التعلاتي. حماية الملزم في التشرع الجبائي المغربي. ص. 149.

[22] محمد شكيري. مرجع سابق. ص 290.

[23] سفيان الدريوش، رشيدة الصابري. تصحيح الأساس الضريبي، الطبعة الأولى، 2002، ص 96.

[24] في نظرنا هذا هو بيت القصيد والإشكال العويص الذي يجب على المشرع إيجاد حل له حيث أن عدم التوصل بالتبليغ يعتبر تبليغا (المادة 10) فإن سن المشرع هذا المقتضى لحماية أمول الخزينة فلا يجب أن يكون على حساب الملزم.

[25] المنازعات الضريبية والإشكالات المطروحة في الميدان العملي في ضوء المدونة الجديدة”، مداخلة: أولاليت محمد والبصري خديجة، مرجع سابق، ص. 72

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading