لمياء زايد
باحثة بسلك الدكتوراه كلية الحقوق بوجدة
مقدمة
رغم ان فكرة التحكيم ترجع إلى العصور القديمة إلا أن التحكيم في منازعات الشغل الجماعية لم تطبق إلا حديثا نتيجة المتغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي عرفتها الدول، التي ألقت بضلالها على القوانين التي تحكم العلاقات بين الأفراد، و كذا تلك التي تحكم علاقات الشغل بين العمال وأصحاب الأعمال فبعد أن كانت هذه العلاقات تحكمها قوانين تصدرها السلطة الوطنية تختص بتحديد سياسات الأجور و العلاوات السنوية وغيرها .
و لهذا أصبح التحكيم وسيلة هامة و ضرورية لحل المنازعات اشغلية تفاديا للإضراب و الإغلاق، و ذلك راجع لبساطة إجراءات بالإضافة إلى أن بعض منازعات العمل الجماعية ذات الطبيعة الاقتصادية التي يجب الفصل فيها بعيدا عن المحاكم ،فهيئات التحكيم تتمتع بسلطات واسعة تفوق نظيرتها المقررة للمحاكم العادية[1] .
فالتحكيم يعتبر قيمة مضافة إلى معطيات النظام القانوني المعاصر و يؤثر فيه و يتأثر به، و هو بهذا المعنى يعمل في إطار قائم بذاته و مستقل بأدواته و هو أداة تؤثر في النظام القانوني، بمعنى انه يعتمد إرادة الأفراد سواء في اختيار قاضيهم، آو في اختيار القواعد القانونية التي يطبقها[2].
فالتحكيم هو تلك الوسيلة التي تهدف إلى وضع حد للنزاع الجماعي من طرف شخص أو هيئة أجنبية عنه، وذلك بمقتضى قرار ملزم، كما أنه الوسيلة التي تساعد من خلال قراراتها في إبرام الاتفاقيات الجماعية التي يعجز طرفاها عن التوصل إليها بمفردهما[3]
وبشكل أدق فالتحكيم هو إجراء اختيار يعتمده الطرفان المتنازعان (العمال والمشغل) بمحض إرادتهما كوسيلة لحل نزاع الشغل القائم بينهما، ويقتضي هذا الإجراء انتقائهما معا لطرف محايد من غير القضاء يوكلان إليه أمر الفصل في النزاع بإصدار قرار تحكيمي يعتبرانه نهائيا وملزما لكليهما برضاهما وباتفاق مسبق بينهما.
ويستشف مما سبق أن إرادة أطراف النزاع (العمال والمشغل) عنصر أساسي يرتكز عليه نظام التحكيم وتتوقف عليه مصداقيته، ومن ثم فإن كل محــــاولة لإرغام هذا الطرف أو ذاك على اللجوء إلى التحكيم يشكل تقييدا لحريته في الاختيار ويؤدي إلى إلغاء ذلك الحاجز الذي يميز التحكيم عن القضاء.
و ما ينبغي الإشارة إليه، فان مدونة الشغل لم تعد كما كان عليه الأمر في ظل ظهير 19 يناير 1946 المتعلق بالمصالحة و التحكيم تلزم بتحريك مسطرة التحكيم عندما تفشل محاولة الصلح، وإنما أضحت تعطي إمكانية لرئيس اللجنة الوطنية للبحث و المصالحة أو رئيس اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، بإحالة المحضر المتعلق موضوع النزاع خلال 48 ساعة الموالية لفشل محاولة الصلح إلى الحكم المعين، وذلك بعد موافقة أطراف النزاع.
سوف نحاول مناقشة هذا الموضوع من خلال التطرق لمسطرة التحكيم، وكذا لمدى القوة الإلزامية لقرارات التحكيم “في مطلب أول”، ثم بعد ذلك لما هي طرق الطعن في القرارات التحكيمية وكذا للجزاء الذي قد يتعرض له الأطراف في “مطلب ثان”
المطلب الأول: مسطرة التحكيم و القوة الإلزامية لقرارات التحكيم
تتميز المسطرة المتبعة في نزاعات الشغل الجماعية بعدة خصوصيات، سواء بالنسبة للإجراءات العادية المتبعة أمام القضاء، أو بالنسبة للإجراءات التي تتبع في التحكيم في النزاعات بصفة عامة، وتبدأ مظاهر هذه الخصوصية من تعيين الحكم و عمله، إلى إلزامية القرارات يصدرها.
الفقرة الأولى: مسطرة التحكيم
بمجرد نشوء نزاع جماعي فالأطراف هم المخولون لاختيار الحكم في التشريع المغربي، و بمجرد اتفاقهم يقوم هذا المحكم بممارسة اختصاصاته و الفصل في النزاع بمقتضى قرار يحسم موضوع النزاع و يكون ملزما للطرفين.
أولا: تعيين الحكم
إذا وصل النزاع إلى مرحلة التحكيم فان أطراف النزاع تقوم باتفاق فيما بينها باختيار حكم و ذلك ضمن لائحة الحكام التي تصدر بواسطة قرار يتخذه و زير الشغل و يتم وضع هذه اللائحة بناءا على اقتراحات المنظمات المهنية للمشغليين و المنظمات النقابية الأكثر تمثيلا [4]، ونجد المشرع المغربي يأخذ بالتشكيل الفردي للهيئة التحكيمية [5]،كما هو الحال بالنسبة للمشرع الفرنسي [6]، و في حالة تعذر توصل الأطراف إلى اتفاق على اختيار الحكم، لأي سبب فان الوزير المكلف بالشغل هو الذي يقوم باختيار حكما من نفس اللائحة الموجودة سابقا في اجل 48 ساعة.
و يشترط في الحكم أن يكون متمتعا بحقوقه المدنية و لم يحكم عليه في جنحة أو جناية مخلة بالشرف، أو سبق الحكم بشهر إفلاسه، ما لم يكن قد رد إليه اعتباره، كما يمكن أن يكون الحكم أجنبيا ما لم يرد في الاتفاق ما يحول دون ذلك، و أن يكون شخصا طبيعيا ولا يمنع ذلك أن يكون مركزا أو هيئة للتحكيم[7].
و كثيرا ما يكون لأحد الأطراف اعتراض مشروع على الحكم المعين، سواء من قبل الأطراف أنفسهم، وذلك عندما يتبين سبب الاعتراض فيما بعد، آو عندما يتم تعيينهم من قبل الوزير المكلف بالشغل، عند عدم اتفاق الأطراف على تعيينه ،مما يطرح التساؤل حول إمكانية تجريح الحكم في هذا الصدد من عدمه؟
بالرجوع إلى المواد المتعلقة بالتحكيم في هذا الصدد في مدونة الشغل، فإننا لا نجد آية إشارة لهذا الآمر، مما يستدعي الرجوع بهذا الشأن إلى القواعد العامة الواردة في المسطرة المدنية، ولا سيما الفصول المتعلقة بالتحكيم في النزاعات بصفة عامة.
ثانيا: صلاحيات الحكم
يتمتع الحكم بصلاحيات واسعة في فض النزاعات الجماعية المعروضة عليه، هذه الصلاحيات التي شرعت أساسا للوصول إلى السبب الحقيقي للنزاع بقصد إيجاد العلاج الملائم له،[8] كما أن الحكم يتوفر على سلطة معنوية و كذا كفاءة و اختصاص في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي الذي تمكنه من تقصي أوضاع المقاولات و أوضاع الأجراء المعنيين بنزاع الشغل الجماعي المحال إليه، كما أن صلاحياته تسمح له بالإضلاع على الحالة الاقتصادية و الظروف الاجتماعية للأجراء المعنيين بالنزاع و أن يتعرف على شروط و ظروف عملهم، كما يمكن له أن يأمر بإجراء جميع الأبحاث و التحريات لدى المقاولات و الأجراء العاملين من غير المعنيين بالنزاع الجماعي و الذين يوجدون في ذات المنطقة التي نشب فيها النزاع.
و في نفس سياق تجميع المعطيات حول النزاع الجماعي للشغل، فان مدونة الشغل ألزمت الأطراف بتقديم كل المعلومات و المستندات التي يطلبها الحكم، وذلك تحت طائلة العقوبة الزجرية،[9] كيفما كانت طبيعتها أو نوعيتها، و لا يمكن التذرع بالسر المهني في مواجهة هذا الأخير بقصد حرمانه من الاطلاع عليها.
ثالثا: قواعد الاستدعاء و الحضور امام الحكم
لا شك أن استدعاء الأطراف لحضور جلسات التحكيم يعتبر من الأهمية بمكان، بحيث يمكنهم من العلم بتاريخ الجلسة، بقصد إعداد الدفاع و الحجج التي ينوون استعمالها أمام الحكم لإثبات ما يدعونه، كما أن لقاء الأطراف أمام الحكم يمكن من محاولة تقريب وجهات النظر بين الأطراف بقصد إيجاد حل بعيدا عن وسائل القوة كالإضراب و الإغلاق و ما يترتب على ذلك من خسارة فادحة للاقتصاد الوطني.
و يقوم الحكم باستدعاء الأطراف بواسطة برقية، وذلك داخل اجل لا يجب أن يتعدى أربعة أيام من تاريخ تلقيه المحضر من طرف رئيس اللجنة الإقليمية للبحث و المصالحة أو رئيس اللجنة الوطنية للبحث و المصالحة، كما أن استدعاء الأطراف بصفة قانونية و عدم حضورهم بدون مبرر مقبول و دون وجود ممثل قانوني ،فان الحكم يحرر تقريرا في الموضوع يوجهه إلى الوزير المكلف بالشغل الذي يحيله الى النيابة العامة، حيث يتعرض المخالف لعقوبة الغرامة التي تتراوح ما بين 10.000 الى 20.000 درهم.
الفقرة الثانية: حجية قرار التحكيم
قبل الحديث عن حجية القرار التحكيمي سوف نتطرق أولا لكيفية صدور الحكم التحكيمي، وكذا لتعليله، و أخيرا الزاميته.
أولا: اجل صدور الحكم التحكيمي:
و لقد نصت المادة 574 من مدونة الشغل على انه “يصدر الحكم قراره التحكيمي داخل اجل لا يتجاوز أربعة أيام من تاريخ مثول الأطراف أمامه”، فان قراءة هذا المادة يثير العديد من التساؤلات لعل أهمها هو هل تعتبر القرارات الصادرة خارج المدة المحددة قانونا تعتبر باطلة؟
إن تأخير هيئة التحكيم في الفصل في النزاع لا يترتب عليه بطلان قرارها الذي تصدره بعد فوات المدة المحددة لها قانونا، لان النص على أن تفصل هيئة التحكيم في المدة المذكورة إنما قصد به المشرع وضع قاعدة تنظيمية للحث على سرعة الفصل في النزاع و ليس من شان الإخلال بهذا الميعاد أن يحلق البطلان بالقرار الذي يصدر عن الهيئة[10].
و بما ان مدونة الشغل لم تشر الى البطلان كجزاء على مخالفة حكم المادة 573 منها، و لان الزام الحكم باجل اربعة ايام يحتم على الغرفة الاجتماعية بالمجلس الاعلى و هي الجهة المنوط بها نظر الطعون في قرارات التحكيم[11]،نقض اي قرار صادر خارج المدة المحددة قانونا و احالة ملف النزاع على حكم جديد يعين وفق الشروط المنصوص عليها قانونا[12] ،و بالتالي سيؤدي الى اطالة امد النزاع.
ثانيا: تعليل قرار التحكيم
يختم الحكم اجراءات التحكيم في نزاعات الشغل الجماعية بإصداره قراره الفاصل في النزاعات و لصحة هذا القرار يجب ان يكون معللا و ذلك بان يبين الحكم الاساس القانوني او الاعتبارات التي دفعت به الى ما اتجهت اليه عقيدته في القرار الذي اصدره، و بالتالي فتعليل قرارات التحكيم في نزاعات الشغل الجماعية يعتبر من الامور الجوهرية لصحتها، لذلك ينص المشرع المغربي[13]،على ان يكون قرار الحكم معللا.
و هذا ما كان ينص عليه القانون الملغى بان تكون القرارات الصادرة عن الهيئة معللة و لا تكون قابلة للطعن الا امام المحكمة العليا للتحكيم، و هذا ما اكد عليه المشرع الفرنسي من ضرورة تعليل قرارات التحكيم سواء ظل التحكيم الاجباري الذي كان سائدا بين سنة 1936 و 1939 او في ظل التحكيم الاختياري السائد حاليا.
ثالثا: القوة الالزامية لقرار التحكيم
يقصد به ما يتمتع به قرار التحكيم من قوة ذاتية بخصوص ما تضمنه في كافة عناصره سيما منطوقه، اذ لا يمكن الرجوع فيه او العدول عنه و هي قوة تثبت له بمجرد صدوره متجها لكافة البيانات الشكلية التي ينص على احترامها[14]،من جهة؟،و تلك التي يتفق عليها الاطراف في عقد التحكيم من جهة اخرى.
تكاد التشريعات المقارنة تجمع على الطابع الالزامي للقرار الصادر في التحكيم حتى و لو كان هذا التحكيم من طبيعة اختيارية، فطرفا النزاع الجماعي و اذا كانا يتمتعان بالحرية الكاملة في الامتثال الى النتيجة التي تترتب على اجراءاته و تنفيد هذه النتيجة تنفيذا كليا.
و نجد مدونة الشغل نصت في المادة 581 في فقرتها الاولى على انه “يكون لاتفاق التصالح و للقرار التحكيمي قوة تنفيذية وفق القواعد المنصوص عليها في المسطرة المدنية”، وانطلاقا من مقتضيات المسطرة المدنية خاصة الفصل 306 و ما يليه، فان قرار التحكيم في نزاعات الشغل الجماعية لا يتوفر على قوة تنفيذية ذاتية، و انما يجب تذييله بالصيغة التنفيذية من قبل الجهة المختصة، الا ان هذه المقتضيات التي كانت واردة في المسطرة المدنية و التي تنظم المسائل المتعلقة بالتحكيم تم الغاؤها بقانون 08_05 و الذي جاء بمقتضيات جديدة من بينها تلك المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 26_327 حيث جاء فيها “تطبق القواعد المتعلقة بالتنفيذ المعجل للأحكام التحكيمية التي لا يطالب في شانها بصيغة التنفيذ”.
و بالتالي فكل حكم تحكيمي لم يقدم بشأنه طلب تذييله بالصيغة التنفيذية يكون قابلا للتنفيذ المعجل طبقا للقواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، وبالتالي فالمشرع المغربي قد اعترف بالقوة التنفيذية للحكم التحكيمي حتى و ان لم يذيل بالصيغة التنفيذية و هذا ما لم نكن نجده في مقتضيات المسطرة المدنية الملغاة، ونعتقد ان المشرع المغربي قد استفاد من اخطاء وقع فيها في ظل قانون المسطرة المدنية، حيث منح الحكم التحكيمي قوة الزامية بمجرد صدوره هذا من جهة، ومن جهة ثانية منح اطراف النزاع الشغل الجماعي امكانية تنفيذ الحكم التحكيمي قبل تذييله بالصيغة التنفيذية، هذه الامكانية_ اي التنفيذ- كانت من قبل نتيجة بعد تذييله بالصيغة التنفيذية[15] .
و اذا كان المشرع المغربي يعلق القوة التنفيذية لقرار الحكم في نزاعات الشغل الجماعية على صدور امر بذلك من رئيس المحكمة الابتدائية التي صدر القرار في دائرة نفوذها، فان هذا الاجراء لا يقصد به التحقق من صحة فصل القرار في موضوع النزاع [16]،فكل ما يقصد به من وراء استلزام استصدار امر بالتنفيذ هو الاطلاع على قرار التحكيم و التثبت من عدم وجود ما يمنع التنفيذ، بان يكون القرار غير معيب ببطلان يتعلق بالنظام العام مثلا .
المطلب الثاني: الطعن في قرارات التحكيم
لقد سمح المشرع باللجوء الى التحكيم لحل منازعاتهم، الا انه في كثير من الحالات ما يكون القرار الصادر عن الحكم خرقا للقانون او غير محقق للعدالة فيما بين الاطراف، لذلك يلجؤ الى الطعن فيه، وهنا ولتناول الطعن في قرار التحكيم في نزاعات الشغل الجماعية سوف نتطرق اولا للأسباب الموجبة للطعن و من هم اصحاب المصلحة في المخول لهم الحق في الطعن ثم للجهة المختصة للنظر فيه.
الفقرة الاولى: اسباب الطعن في القرار التحكيمي
لقد نصت مدونة الشغل على سببين اساسيين هما الشطط في استعمال السلطة و خرق القانون.
أولا: خرق القانون
يمكن التمييز في هذا الاطار بين خرق القانون الموضوعي و خرق القانون الاجرائي، على اعتبار ان الصياغة الواردة في المادة 576 من مدونة الشغل جاءت دون تقييد.
ويقصد بخرق القانون الاجرائي ،مخالفة “الحكم “للقواعد التي ترسم الحدود التي يمارس على اساسها و في ظلها عمله[17] ،هذه القواعد يمكن ان تؤدي الى نقض المقرر التحكيمي، اذا كان فيها اضرار بحقوق الاطراف، تؤدي الى نقض المقرر التحكيمي، اذا كان فيها اضرار بحقوق الاطراف، كما هو الحال بالنسبة لحقوق الدفاع، او كان فيها مساس بالنظام العام، كتلك المتعلقة بضرورة التقيد بمحضر عدم التصالح الكلي او الجزئي.
اما بالنسبة لخرق القانون الموضوعي، فيقصد به قصور القاضي او الحكم عن انزال حكم القاعدة القانونية على الوقائع التي تم استخلاصها و تكييفها من طرفه[18] .
و يتخذ خرق القانون الموضوعي صورتين، هما مخالفة القانون، ويقصد به انزال قاعدة قانونية على واقعة لا تنطبق عليها، والخطأ في تفسيره، ويتحقق عندما يعطى للقاعدة معنى يخالف القصد التشريعي منها ،ويشمل الطعن في المقرر التحكيمي بناء على خرق القانون تلك الصورتين معا.
ثانيا: الشطط في استعمال السلطة
لا يقتصر الطعن في القرارات التحكيمية الصادرة في نزاعات الشغل الجماعية على خرق القانون و انما يشمل كذلك الشطط في استعمال السلطة الذي يتحقق بصفة عامة عند تجاوز المحكم على غرار القاضي حدود اختصاصه و تدخله في مهام تخرج عن هذا الاختصاص، كتدخله في اختصاص السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية فليس له مثلا ان يبث في دستورية القوانين[19] ،كما يجب عليه احترام شروط مقتضيات الاتفاقيات الجماعية المبرمة بين طرفي النزاع الجماعي المعروض عليه[20] ،او اذا تطرق الى مواضيع لم يطلب منه التطرق اليها.
الفقرة الثانية: قواعد الطعن في القرار التحكيمي
سوف نتطرق لأصحاب الحق في الطعن و كذا للجهة المختصة بنظر الطعن
أولا: أصحاب الطعن في قرار التحكيم
لقد كان المشرع المغربي في ظل ظهير 19 يناير 1946 يمنح الحق في ممارسة الطعن الى كل من اطراف النزاع الجماعي من جهة، و الى السلطة الحكومية من جهة اخرى ممثلة في شخص مدير العمل و العلاقات الاجتماعية، وقتها حسب الفصل 15 من الظهير، أما مدونة الشغل فلم تتضمن أي نص يسمح للسلطة الحكومية المكلفة بالشغل بالحق في الطعن في قرار التحكيم مهما كانت الاعتبارات والمبررات، لذلك يبقى الحق قاصرا على طرفي او على اطراف النزاع الجماعي.
اذن فمن هم اطراف النزاع؟
نجد المادة 553 من مدونة الشغل تنص على ان مدلول الطرف في النزاع الذي له الحق في الطعن في القرارات التحكيمية، لا يقتصر فقط على المنظمة النقابية للأجراء، او على هؤلاء اذا كانوا عبارة عن مجرد جماعة فعلية و كذلك المشغل الذي يكون منهم اتخذ مبادرة تحريك اجراءات التسوية، وانما يمتد حتى الى المنظمات النقابية التي لم تكن طرفا مباشرة في النزاع الجماعي و كذلك الى الاتحادات النقابية او المنظمات المهنية للمشغليين و ذلك على اعتبار ان العلاقة القوية التي تربط النقابة بالاتحاد النقابي او المنظمات المهنية للمشغليين بالمهنة تبرر مثل هذا التدخل و ان للاتحاد الحق قانونا[21] في التدخل في كل ما له علاقة بالأعمال التي قد تلحق ضررا مباشرا او غير مباشر بالمصالح الفردية او الجماعية للأشخاص الذين يعملون على تأطيرهم، او بالمصلحة الجماعية للمهنة او الحرفة التي يتولى اي منهما تمثيلها[22].
ثانيا: الجهة المختصة بنظر الطعن
لقد كان المشرع المغربي ينص في ظهير 19 يناير 1946 على ان قرارات التحكيم لا تقبل الطعن سوى امام المحكمة العليا للتحكيم[23] ،و التي لم تعد قائمة منذ عدة سنوات، لان النص المنظم لها لم يعد منسجما مع التنظيم القضائي الحالي[24] على الرغم من ان الظهير المنظم لهل لم يلغى الا مع صدور مدونة الشغل، شأنها في ذلك شأن إجراءات التسوية السلمية، و بصدورها الغت المحكمة العليا للتحكيم و اناطت اختصاص البت في الطعن بالغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى التي تنعقد كغرفة تحكيمية، حسب المادة 567 من المدونة.
و نجد المشرع المغربي و من خلال احكام المدونة قد راعى طبيعة نزاعات الشغل الجماعية و ما تفتضيه من سرعة البث و بساطة الاجراءات و قصر المواعيد حتى يتم الانتهاء من نظر هذا النوع من النزاعات في وقت يتلاءم و طبيعته.
و مما لا شك فيه ان التشكيل القضائي الذي ينظر الطعن بالنقض له معرفة كاملة بالنواحي التي قد يثيرها هذا الطعن، الا ان نزاعات الشغل الجماعية هي في معظمها نزاعات طبيعية اقتصادية قد يتعذر على مستشاري النقض استيعابها بسهولة خاصة حينما تتصدى الغرفة الاجتماعية لنظر موضوع النزاع وجوهره[25] .
خاتمــة
ان التحسيس بأهمية الطرق البديلة لتسوية المنازعات الشغلية و خاصة التحكيم سيمكن من تشجيع المقاولات و الافراد من الاخذ بهذه الطرق، فوجود اطار قانوني للتحكيم يضمن للأطراف الحصول على عدالة في ظروف يتم الاطمئنان اليها،” بما يتحه هذا القانون من تبسيط المسطرة و فعالية اجراءات البث و التنفيذ، و سيكون لذلك و لاشك اثارا ايجابية على المناخ العام للاستثمار الوطني و الاجنبي، لكن رغم هذه الايجابيات فانه لا يخلو من بعض الهفوات و العراقيل التي تعيق مساطر التحكيم بالمغرب.
المراجع المعتمدة :
- احمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة الاولى2005.
- مصطفى محمد الجمال و عكاشة، محمد عبد العالي: التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية و الداخلية، الجزء الاول، الفتح للطباعة و النشر، مصر، الطبعة الاولى 1998
- عبد اللطيف خالفي- الوسيط في علاقات الشغل الجماعية- دراسة مقارنة في ضوء أحكام التشريع والقضاء وأراء الفقه – المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش الطبعة الأولى 1999.
- عبد الرحيم زضاكي، الوجيز شرح القانون المغربي الجديد للتحكيم الداخلي الجزء الاول مطبعة سليكي اخوان طنجة الطبعة الاولى 2009 .
- العمل القضائي للمجلس الاعلى، ندوة العمل القضائي و التحكيم التجاري، سلسلة دفاتر المجلس الاعلى، مطبعة الرباط العدد 7 طبعة 2005.
- الحاج الكوري، مدونة الشغل رقم 65_99 احكام عقد الشغل، مطبعة الامنية الرباط طبعة 2004
- محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب الجزء الثاني علاقات الشغل الجماعية، دار النشر المغربية طبعة 1985
[1] محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة الاولى2005 ص: 11.
[2] مصطفى محمد الجمال و عكاشة، محمد عبد العالي: التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية و الداخلية، الجزء الاول، الفتح للطباعة و النشر، مصر، الطبعة الاولى 1998،ص: 13.
[3] عبد اللطيف خالفي- الوسيط في علاقات الشغل الجماعية- دراسة مقارنة في ضوء أحكام التشريع والقضاء وأراء الفقه – المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش الطبعة الأولى 1999 ص: 217.
[4] المادة 568 من مدونة الشغل,
[5] الفقرة الاولى من المادة 568 من مدونة الشغل التي تنص على “يعهد بإجراء التحكيم الى حكم يختاره الاطراف باتفاق بينهم، ضمن قائمة حكام تصدر بقرار للوزير المكلف بالشغل”
[6] المادة 2\525 من مدونة الشغل الفرنسية
[7] عبد الرحيم زضاكي، الوجيز في شرح القانون المغربي الجديد للتحكيم الداخلي الجزء الاول مطبعة سليكي اخوان طنجة الطبعة الاولى 2009 ص: 34.
[8] تنص المادة 570 في الفقرة الرابعة: “يتوفر الحكم، من اجل اداء مهامه، على نفس الصلاحيات المخولة لرئيس اللجنة الاقليمية للبحث و المصالحة في المادة 561 اعلاه”
[9] تنص المادة 585 من مدونة الشغل “يعاقب بغرامة تتراوح بين 10.000 و 20.000 درهم عن مخالفة مقتضيات المادتين 583 و 584 اعلاه”
[10] حكم محكمة النقض المصرية رقم 358 لسنة 23 بتاريخ 8/1/1960،اوردها عبد اللطبف خالفي”الوسائل السلمية لحل منازعات العمل الجماعية، مرجع سابق ص 480
[11] المادة 575 من مدونة الشغل.
[12] المادة 579 من مدونة الشغل
[13] الفقرة الثانية من الفصل 574 من مدونة الشغل
[14] قرار صادر عن المجلس الاعلى عدد 1766 بتاريخ 7/7/1992 في الملف المدني عدد1277/88 الذي قضى بان الفصل 318 من قانون المسطرة المدنية 08/05 حدد البيانات التي يجب ان يتضمنها حكم المحكمين و هي غير بيانات الفصل 50 من نفس القانون المتعلق بالأحكام الصادرة عن القضاء الرسمي و التي يجب ان تعنون باسم جلالة الملك “اورده عبد الرحمان مصباحي، “التحكيم من خلال العمل القضائي للمجلس الاعلى، ندوة العمل القضائي و التحكيم التجاري، سلسلة دفاتر المجلس الاعلى، مطبعة الرباط العدد 7 طبعة 2005 ص 130/131 .
[15] الفصل 324 من قانون المسطرة المدنية الملغى.
[16] عبد الكريم الطالب، حجية احكام المحكمين في قانون المسطرة المدنية، ص: 95.
[17] محمد كشبور “رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية” مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الاولى 2001 ص : 405.
[18] محمد الكشبور مرجع سابق ص: 398.
[19] الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية
[20] الحاج الكوري، مدونة الشغل رقم 65_99 احكام عقد الشغل، مطبعة الامنية الرباط طبعة 2004 ص: 359.
[21] المادة 404 و الفقرة الثانية من المادة 420 من مدونة الشغل
[22] عبد اللطيف الخالفي، الوسائل السلمية لحل منازعات العمل الجماعية، مرجع سابق ص: 522 و 523.
[23] الفصل 4 من ظهير 19 يناير 1946
[24] محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب الجزء الثاني علاقات الشغل الجماعية، دار النشر المغربية طبعة 1985 ص: 59.
[25] عبد االلطيف الخالفي،الوسيط في مدونة الشغل-علاقات الشغل الجماعية ص 281


