في ضوء القانون رقم 03 ـ 07 والعمل القضائي

إبراهيم الغزاوني

طالب باحث بسلك الدكتوراه

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- أكدال – الرباط

المقدمة

على الرغم من المزايا الهائلة التي تحققت وتتحقق كل يوم بفضل تقنية المعلومات على جميع المستويات، وفي شتى ميادين الحياة المعاصرة، فإن هذه الثورة التكنولوجية المتنامية صاحبتها في المقابل جملة من الانعكاسات السلبية الخطيرة؛ جراء سوء استخدام هذه التقنية المتطورة والانحراف عن الأغراض المتوخاة منها، تبدت في تفشي طائفة من الظواهر الإجرامية المستحدثة، ألا وهي ظاهرة الجرائم المعلوماتية؛ التي تعتبر من أكبر السلبيات التي خلفتها الثورة المعلوماتية، لكون هذه الجرائم تمس في اعتداءاتها قيما جوهرية، تخص الأفراد والمؤسسات؛ وحتى الدول؛ في كافة نواحي الحياة؛ كما أن هذه الجرائم تركت في النفوس شعورا بعدم الثقة بخصوص التعامل والاستفادة من ثمار هذه الثورة الجديدة.

وعلى غرار العديد من التشريعات الأجنبية المقارنة؛ ومواكبة منه لمختلف الصور الإجرامية واحتوائها في إطار قانوني يضمن مواجهتها والتصدي لها استنادا على متابعات زجرية تحترم مبدأ الشرعية الجنائية، تبنى المشرع المغربي مقاربة اعتمدت نصوص خاصة لتجريم صور هذه الجرائم، ومن بينها القانون رقم 03ـ 07 المتعلق بجرائم المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، والذي يمكن اعتباره القانون الأساس لمكافحة الجرائم المعلوماتية بالمغرب، معتمدا في ذلك مقاربة تقوم على وضع إطار عام لأهم صورالأفعال الإجرامية المكونة للركن المادي لهذه الجرائم.

وفي سياق مواجهة هذا الخطر الجديد، يحق لنا التساؤل عن حدود نجاح المشرع المغربي من خلال القانون رقم 03ـ 07 في احتواء الإجرام المعلوماتي بمختلف صوره وأشكاله، وإلى أي حد استطاع القضاء المغربي استيعاب هذا التدخل التشريعي وهو بصدد البت في مختلف القضايا المعروضة عليه، بشكل يضع حدا لأزمة التكييف التي كان يتخبط فيها في مرحلة ما قبل خروج هذا القانون إلى حيز الوجود.

وعليه؛ محاولة منا الإجابة عن هذه التساؤلات؛ يمكن بلورة ذلك وفقا للخطة التالية:

المبحث الأول: الفراغ التشريعي وأزمة التكييف القضائي

المبحث الثاني: مستجدات التشريع في تفاعل مع القضاء

المبحث الأول: الفراغ التشريعي وأزمة التكييف القضائي

أثارت الجرائم المعلوماتية خلال هذه المرحلة إشكالية تتعلق بمدى اعتبار الكيانات المعنوية التي تكون محلا لها مالم تخضع الأفعال الجرمية التي تقع عليها لنصوص جرائم الاعتداء على الأموال التقليدية، من خلال توسيع نطاق تطبيقها.لكـــن؛ ومع ذلك فإن الرأي الفقهي الغالب يميل إلى ضرورة التدخل التشريعي لمسايرة الثورة التكنولوجية في مجال المعلوميات، وذلك بالتصدي للأفعال الإجرامية المستحدثة التي أفرزتها هذه الثورة، وذلك بتجريمها والعقاب عليها بما يتناسب وخصوصيتها، إذ يظهر أنه من الصعب تطبيق القواعد التقليدية للقانون الجنائي على سائر مظاهر الاعتداءات التي تمس الجانب المعلوماتي. فالنظرة إلى المعلومات التي تحتويها الوسائل الالكترونية، يجب أن تكون نظرة خاصة تتفق مع طبيعتها الخاصة.وبالتالي فإن الواقع يكشف عن عجز النصوص الجنائية التقليدية في التعامل والانطباق على مختلف الاعتداءات الجرمية التي تقع على أنظمة الحاسب الآلي. كما أن الاستناد إلى بعض مقتضيات القانون الجنائي كتلك المتعلقة بالسرقة واختلاس التيار الكهربائي أو أي طاقة أخرى كانت ذات قيمة اقتصادية المنصوص عليها في الفصلين 505، 521 يتطلب توافر شروط صارمة تقتضي أن يكون المال المختلس شيئا ماديا، وهو ما لا يتوافر في المعلومات التي هي عبارة عن مجرد بيانات ومعطيات معالجة الكترونيا غير ملموسة وغير مرئية بالعين المجردة.

في حين؛أن الاتجاه الثاني يذهب إلى أن الأفعال الإجرامية المرتبطة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات أو المعلوماتية لا تتطلب بالضرورة وجود نصوص تجريمية خاصة، وإنما يتعين على القضاء اللجوء إلى تأويل النصوص القائمة شريطة أن يكون على معرفة مسبقة بالمبادئ الأولية للوظائف التقنية والعلمية للوسائل المعلوماتية، وذلك درءا للمخاطر التي تشكلها الجرائم المعلوماتية الحديثة على النظام العام بشكل يفوق ضرر الجرائم التقليدية.

على أن القضاء المغربي ونتيجة للفراغ التشريعي وضبابية الموقف الفقهي واختلافه انقسم بدوره خلال هذه المرحلة بين متمسك بإمكانية تأويل النص القانوني على ضوء القواعد العامة، وبين متمسك بالمبادئ الأساسية للقانون بما هو متعارف عليه كونيا. على أن الاتجاه الأخير كان له صداه على أكثر من مستوى.إذ يبدو أنه ساير نظيره الفرنسي الذي سبق له أن طبق جريمة السرقة على البرامج المعلوماتية على غرار سرقة التيار الكهربائي. فإشكالية الإجرام المعلوماتي طرحت لأول مرة على القضاء المغربي سنة 1985 بشأن قضية تسهيل مستخدمي المكتب الوطني للبريد والمواصلات تحولات هاتفية لفائدة بعض المشتركين بصورة غير مشروعة، وقد توبع المتهمون بمقتضى الفصول 505و241 و248 و251 و129 من القانون الجنائي، فبعد أن أدين هؤلاء من طرف المحكمة الابتدائية على أساس الفصل 521 المتعلق بتهمة “الاختلاس العمدي لقوى كهربائية أو أي قوى ذات قيمة اقتصادية ” تمت تبرئتهم في مرحلة الاستئناف بمقتضى القرار المؤرخ في 02/12/1985، لعدم تناسب التكييف القانوني مع الفعل الإجرامي([1] ).

تم عرضت على نفس المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء – أنفا-، بتاريخ 05 يناير 1990 قضية أخرى تتعلق بالاستعمال التدليسي لبطاقة الائتمان والأداء، حيث سحب المتهم مبالغ مالية لا يتوفر عليها رصيده البنكي، فأدانه القضاء على أساس الفصلين 540 و547 المتعلقين بالنصب وخيانة الأمانة. غير أن قضاء الاستئناف ومن منظور شرعية التجريم والعقاب، عمد من جديد إلى تبرئة ساحة المتهم لعدم توفر العناصر المكونة لكل من جريمة النصب وجريمة خيانة الأمانة في النازلة المعروضة([2]).

وقد اتجهت نفس محكمة الاستئناف بالدار البيضاء وفي غياب نصوص صريحة تجرم هذا النوع الجديد من الجرائم، إلى إصدار حكمها بتاريخ 07/04/2000، حول القضية المعروضة أمامها، والتي تتلخص وقائعها في إقرار موظف بإدارة الجمارك أنه بتاريخ 10/05/1998 قام باستعمال رمزه السري للولوج إلى قاعدة البيانات المضمنة بالناظمة الآلية – الكمبيوتر- لإدارة الجمارك، وسجل بها معلومات مخالفة للحقيقة، والذي يقضي بمتابعته من أجل جنحة التزوير في وثيقة إدارية طبقا لمقتضيات الفصول 129 و360 و361 من القانون الجنائي المغربي. بحيث اعتبر أن الناظمة الألية الممسوكة من طرف إدارة الجمارك بمثابة سجل رسمي للإدارة، وإن إحداث أي تغيير عن قصد في المعلومات المسجلة بها، وجعلها مخالفة للحقيقة، يعتبر تزويرا في وثيقة إدارية.

إن موقف القضاء المغربي من هذه القضايا يعكس حداثة الأفعال الجرمية الناتجة عن تطور الأساليب الإجرامية، وعدم تناسب النصوص الجنائية التقليدية القائمة للتطبيق عليها، فتكييفها حسب الأفعال التقليدية المنصوص عليها في النصوص الجنائية فيه توسع من شأنه أن يعصف بمبدأ الشرعية. فجدة هذه الأفعال الجرمية وخصوصيتها تستدعي وضع نصوص خاصة تتناسب مع هذا النوع من الإجرام.

المبحث الثاني: مستجدات التشريع في تفاعل مع القضاء

إن المغرب وبحكم موقعه الاستراتيجي لم يستطع البقاء بمعزل عن التعامل على مستوى التشريع مع ظاهرة المعلوميات التي تعتبر رافدا للعولمة، ولا عن هذا التطور الذي عرفته الظاهرة بإيجابياتها وسلبياتها. وذلك بغية تجاوز كل العقبات التي يمكن أن تقف عائقا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد، وكذا إقامة علاقات شراكة مع مختلف دول المعمور والمحافظة عليها، وخاصة مع الاتحاد الأوروبي الذي منح المغرب وضعا متقدما، والذي يمثل بدوره فرصة حقيقية بالنسبة له لإقامة علاقات شراكة أكثر تميزا، وتحقيق اندماج أكبر مع الإتحاد الأوربي في شتى المجالات والميادين.

ومن تم وسيرا على نهج العديد من التشريعات المقارنة التي خطت خطوات واسعة وجريئة في مجال إعداد تشريعات خاصة بالجرائم المعلوماتية والتي سبقته في هذا المجال، عمد المشرع المغربي إلى إصدار القانون رقم 03 -07 بموجب ظهير رقم 1.03.197 الصادر بتاريخ 11 نوفمبر 2003 المتمم للمجموعة القانون الجنائي، والمتعلق بجرائم المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، وذلك لمواجهة بعض الصعوبات التي يطرحها هذا النوع من الإجرام على المستوى التشريعي، ووضع حد للمشكلات التي كان يجدها القاضي المغربي وهو بصدد وضع تكييفات للأفعال الجرمية المعروضة عليه والمرتبطة بالمجال المعلوماتي والتقني.

وقد تضمن هذا القانون أفعالا مما يدخل في تعداد الجرائم المعلوماتية المتعارف عليها عالميا بحسب انتشارها ودرجة خطورتها، والتي يمكن حصرها فيمايلي:

  • الدخول أو البقاء غير المشروع في النظام المعلوماتي؛

نصت على هذه الجريمة مقتضيات الفصل 3607 من القانون الجنائي.[3]

وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل أعلاه يتضح أن جريمة الدخول أو البقاء في النظام المعلوماتي لا تقوم إذا كان الولوج إليه متاحا للعموم، بمعنى أنها لا تقوم إلا بالنسبة للمواقع غير المخصصة للجمهور. كما أن من شروط قيام هذه الجريمة وقوعها عن طريق الاحتيال، وهو ما ذهب إليه القضاء المغربي في أحد أحكامه إذ اعتبر“أن جنحة الدخول إلى نظام المعالجة آلية عن طريق الاحتيال ثابتة في حق المتهم الذي استطاع الدخول عبر شبكة الانترنت إلى جهاز الشخص المراسل معه بواسطة ما يدعى PRORAT الذي تمكن من قرصنته و قام بنسخ جميع المعلومات التي تخصه، كما تمكن من الولوج إلى مواقع الكترونية عبر شبكة الانترنت عن طريق قرصنة الأقنان السرية الخاصة بأصحابها”.([4] )

كما يلاحظ أيضا أن المشرع المغربي قد أضفى صفة عدم المشروعية على فعل الدخول متى كان هذا الأخير مقصودا، أما إذا كان مصادفة، وهو ما يمكن تسميته بالدخول العرضي أو بطريق الخطأ، فإن صفة عدم المشروعية هاته تنتفي عنه، لكن شريطة الانسحاب فور اكتشاف الدخول الخاطئ من طرف الداخل، فإذا بقي رغم ذلك في النظام اعتبر دخوله من تلك اللحظة، وكذلك بقائه غير مشروع.

فالمشرع المغربي يشير في الفصل 3607 إلى الوضعية التي وقع فيها الدخول متبوعا بالمحافظة على هذه الوضعية، وبالتالي فإننا قد نكون أمام حالة يمكن نعتها بازدواجية الفعل الإجرامي تتمثل في عملية الدخول الاحتيالي إلى النظام، و كذا المحافظة على هذه الوضعية التي تعتبر نتيجة حتمية لعملية الدخول.

ومن المعلوم؛ أن جريمة الدخول إلى النظام المعلوماتي أو البقاء فيه يعتبرها الفقه جريمة شكلية، أي أن قيامها لا يلزم فيه تحقق نتيجة معينة.

جريمة عرقلة سير نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو إحداث خلل فيه؛

باستقراء الفصل 5607 من القانون الجنائي([5] )، يتضح أن الركن المادي لهذه الجريمة يتمثل في فعل التعطيل الذي يندرج ضمن إعاقة أو تشويه عمل النظام المبرمج للبيانات. وهو ما سببه فيروس زوطوب الذي عدله المغربي المسمى (ف.ص) للنظم المعلوماتية الأمريكية، الذي خلق لها العديد من المشاكل التقنية، مما أدى إلى عرقلة سير النظام وإحداث خلل فيه، غير أن قرارمحكمة الاستئناف كان عليه أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار أثناء تكييفه للأفعال المنسوبة للمتهم، و ذلك في معرض تعليله للتهم الموجهة إليه، عوض الاقتصار على بيان العناصر المكونة لجريمة تكوين عصابة إجرامية، وجريمة السرقة، و الإشارة إلى كونه أنه والمتهم الثاني لم ينكرا ولوجهما لأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات([6] ).

الجرائم التي تستهدف المعطيات والوثائق المعلوماتية؛

عاقب المشرع المغربي بمقتضى الفصل 6-607 بالحبس من سنة إلى ثلاثة سنوات وبالغرامة من 10000 إلى  20000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط،كل من أدخل معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو أتلفها أو حذفها منه، أو غير المعطيات المدرجة فيه، أو غير طريقة معالجتها أو طريقة إرسالهاعن طريق الاحتيال.

ومن خلال مضمون النص أعلاه؛ يتبين أن الركن المادي لهاته الجريمة يتكون من الأفعال التالية:

1_ إدخال معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعلومات([7] ) :

ويعتبر هذا الصنف من الأفعال من أكثر تقنيات ارتكاب الجرائم المعلوماتية بساطة وأمنا، وأكثر أشكاله وقوعا، ومن ذلك قيام شخص بإدخال معطيات مصطنعة في النظام المعلوماتي، إذ بحكم ميوله لمجال المعلوميات وتجربته في ذلك؛ فكر في نشر خبر زائف مفاده عثوره على الشخص الأجنبي المبحوث عنه وهو شخصية سامية ينحذر من دولة الامارات، وأنه متواجد معه بمنزله الكائن بمدينة تمارة، وقام ببعث هذا النبأ في شكل رسالة إلكترونية حررها باللغة الانجليزية من موقعه الالكتروني على الموقع الالكتروني لدولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك باسم مستعار، وبواسطة حاسوبه الشخصي، من أجل الحصول على المال. فتابعته النيابة العامة من أجل جنحة النصب وإدخال معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال، حيث أدانته المحكمة الابتدائية بتمارة في حكمها الصادر بتاريخ 07/05/2010، ملف جنحي تلبسي عدد:220/10/2، تبعا لذلك بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها 500 درهم. ومما جاء في أحد حيثيات هذا الحكم:” وحيث ثبت للمحكمة بعد دراسة الملف والاطلاع على مستنداته إدخال الظنين لمعطيات كاذبة في نظام المعالجة الآلية للمعطيات وذلك عن طريق الاحتيال، خصوصا وأنه قام بنشر خبر زائف على الموقع الإخباري للدولة المتراسل معها “([8]).

2_ إتلاف وحذف المعطيات:

ويقصد بذلك إلغائها وإزالتها كليا من النظام؛ ويعتبر الفعل الجرمي متحققا حتى ولو أمكن استعادة المعطيات المحذوفة فيما بعد، باستخدام البرامج التقنية المخصصة لهذا الغرض، وفي هذا الصدد؛ جاء في أحد حيثيات الحكم الصادر عن ابتدائية الرباط بتاريخ:14/06/2010(ملف جنحي تلبسي عدد: 733/10/21): “وحيث إن المتهم يعترف إذن تمهيديا أنه قام بحذف وتغيير وإتلاف معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعطيات الخاصة بوزارة الطاقة والمعادن، عندما أكد أنه بعد نجاحه في اختراق النظام شرع في تخريب محتوياته، بأن قام أولا بتخريب النظام المعلوماتي الوقائي، لكي يتمكن من مواصلة عملية الإتلاف والتخريب لباقي المعطيات المعلوماتية المحصنة من طرف الوزارة ضد أي اختراق أو هجوم خارجي ثم بعد ذلك قام بتخريب العلبة الإلكترونية “([9]).

3_ تغيير المعطيات:

وهو يختلف عن الحذف في أنه لا يؤدي إلى زوال المعطيات، و لكنه يقع العبث أو التلاعب بها بما يغير مضمونها أو يؤثر في عملية استخدامهابشكل طبيعي وسليم.

هذا؛ وتعتبر جريمة التلاعب في المعطيات جريمة عمدية حيث يلزم أن تتجه إرادة الجاني إلى فعل التغيير والتزييف، كما يجب أن يكون على علم بأن ما يقوم به تلاعب في المعطيات دون وجه حق وذلك تطبيقا لنص المادة 7-607 من القانون الجنائي.

ومن جهة أخرى؛ عاقب المشرع المغربي على تزوير أو تزييف وثائق المعلوميات أيا كان شكلها، إذا كان من شأن ذلك إلحاق ضرر بالغير، وكذلك استعمال هذه الوثائق المعلوماتية مع العلم أنها مزورة أو مزيفة([10])، طبقا للفصل 7-607 من القانون الجنائي.

وعلى هذا الأساس؛ فقد ذهبت بعض القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف بالرباط إلى اعتبار قرصنة البطائق البنكية بمثابة تزوير في وثائق المعلوميات، ومن ذلك القرار عدد:364 والذي سبقت الإشارة إليه آنفا حيث جاء فيه :” و حيث أن المحكمة اقتنعت بثبوت الفعل المنسوب للمتهم ويشكل من حيث الوصف القانوني للتجريم جريمة تزوير وثائق معلوماتية واستعمالها طبقا للفصل 7-607 بعد إعادة التكييف لجريمة تزوير بطائق الائتمان واستعمالها، مما يتعين معه التصريح بإدانته من أجل ذلك “([11]).

إن تعليل القرار أعلاه، هو تعليل منطقي وسليم، وفيه انسجام مع النصوص التي استحدثها المشرع المغربي لزجر جرائم المعلوميات التي يجب على القضاء أن يتعامل معها ويفعلها، بدلا من إهمالهاوتجاوزها إلى النصوص التقليدية.

والمشرع المغربي بتنصيصه على تجريم تزوير الوثائق المعلوماتية واستعمالها، قد أحسن صنعا، لكونه وضع حدا للجدل الفقهي والقضائي الذي كان مثارا بشأن مدى اعتبار جريمة التزوير قائمة في حالة تزوير المعلومات والبيانات المخزنة بشكل الكتروني، وذلك من خلال العقاب على تزوير البطاقات البنكية واستعمال بطاقات مزورة.

ونحن بدورنا؛ نؤيد هذا الاتجاه القائم على بناء النص بشكل شمولي وعام، بحيث يستوعب جميع الوثائق دون تخصيص، وذلك وعيا من المشرع بضرورة ملاحقة التطور التكنولوجي في مجال المعلوميات، وبالتالي أمكن للقضاء تفسير النص بما يواكب هذا التطور، وبشكل يستوعب وثائق معلوماتية أخرى، قد تظهر مستقبلا نتيجة لهذا التطور.

وصفوة القول؛ فإن المشرع المغربي بإقراره لهذا القانون يكون قد كرس مبدأ الشرعية الجنائية كمبدأ دستوري متعارف عليه عالميا، بتجريمه مجموعة من الأفعال المرتبطة بتكنولوجيا المعلوميات، والتي صاغها تحت إسم ” نظم المعالجة الآلية للمعطيات “، بشكل يضع حدا للجدل الفقهي والقضائي الذي كان قائما مع الفراغ التشريعي.

غير أنه وبالرغم من هذه المزية، فإن ذلك لا يمنعنا من ابداء بعض الملاحظات بخصوص هذا القانون نوجزها فيما يلي:

على مستوى التجريم هناك نقل حرفي للقانون الفرنسي دون أدنى تغيير لها.أما على مستوى العقاب، فهناك قساوة في القانون الفرنسي لا يعكسها القانون المغربي، فالعقوبات في إطار القانون الفرنسي كلها تراكمية تجمع بين الحبس والغرامة، زيادة عن أنها مرتفعة في مبالغها.

كما أن المشرع المغربي لم يتبنى كعقوبات تكميلية سوى المصادرة، الحرمان من ممارسة أحد الحقوق المنصوص عليها في الفصل 40 من القانون الجنائي، والحرمان من مزاولة جميع المهام والوظائف العمومية، بالإضافة إلى نشر أو تعليق الحكم الصادر بالإدانة في الفصل 11ـ 607. في حين توسع المشرع الفرنسي في هذه العقوبات، حيث أشار بالإضافةإلى ما ذكر إلىإمكانية إغلاق المحل الذي كان مسرحا للجريمة لمدة5 سنوات، والاستثناء من الصفقات العمومية لمدة 5 سنوات، والمنع من إصدار الشيكات لمدة 5 سنوات كذلك.

كما أن المشرع المغربي وبالرغم من هذا التدخل التشريعي؛ فقد عالج الاجرام المعلوماتي من زاوية ضيقة ومحدودة لم تأخذ بعين الاعتبار مختلف مظاهر الغش المعلوماتي والتطورات المتسارعة المرتبطة بعالم المال والأعمال. ذلك أنه وإن جرم بعض أنواع الجرائم التي تعرفها البيئة المعلوماتية فإنه بقي قاصرا أمام مجموعة أخرى من الجرائم لم يتم النص عليها ولم تشملها الحماية الجنائية، فقد أغفل النص على سرقة الأموال المعلوماتية، وسرقة المعطيات والمعلومات المخزنة في ذاكرة الحاسب الآلي من خلال نسخها أو تحميلها على دعامات مادية. وفي هذا الاطار قضت المحكمة الابتدائية بالرباط في حكمها الصادر بتاريخ 12/11/2013 ببراءة مستخدم شركة من خيانة الامانة التي وجهت إليه بناء على شكاية تقدمت بها الشركة التي كان يعمل بها المتهم، والتي جاء فيها أن المعني بالأمر عمل على اختلاس قاعدة المعطيات الخاصة بالشركة وسرب بياناتها المتعلقة بالزبناء والمتضمنة لمعلومات شخصية إلى شركات منافسة مقابل مبالغ مالية، وقد عللت المحكمة حكمها القاضي ببراءة المتهم بكون: ” جريمة خيانة الامانة حسب الفصلين 547 و550 من القانون الجنائي تتمثل في الاختلاس أو التبديد أو الاضرار بالمالك أو واضع اليد أو الحائز لأمتعة أو بضائع أو سندات أو وصولات أو أوراق منأي نوع تتضمن التزاما أو ابراء كانت سلمت للمتابع على أن يردها أو سلمت له لاستعمالها لغرض معين ……..وأنه باطلاع المحكمة على وثائق الملف اتضح لها أن المال بصفة عامة الذي ادعى الطرف المشتكي أنه تم اختلاسه أو تبديده هو نظام معلوماتي يتضمن مجموعة برامج وأدوات معدة لمعالجة البيانات أو إدارتها وتشمل حتى الحاسبات الآلية……. وأن النظام المعلوماتي الذي تمت قرصنته حسب الشكاية وكما أشير إليه أعلاه لا يعد من قبيل الأموال التي نص عليها الفصلين 547 و550 من القانون الجنائي والتي يمكن أن تكون محلا للاختلاس أو التبديد، ذلك أن المعلومات ليست من الأشياء كما أنها ليست من المنقولات التي حددتها فصول المتابعة إذ لا ترد عليها الحيازة بالمفهوم القانوني ولا تنتقل بالاختلاس. وأن قرصنة تلك المعلومات والبيانات قد يبقى فعلا غير مشروع يمكن أن يكون موضوع دعوى بالتعويض الصرفة ….”.([12]).

يتضح إذن من خلال العلل أعلاه؛ التي اعتمدها الاتجاه القضائي السالف الذكر أنه تقيد بمبدأ الشرعية الجنائية وما يترتب عنه من اعتماد التفسير الضيق للنص الجنائي، حيث حصر نطاق جريمة السرقة في حدود الحالات التي يترتب عليها إخراج الحيازة من يد مالك المال باعتبارها الصورة الوحيدة التي يتحقق معها عنصر الاختلاس كما قررته أحكام القانون الجنائي.

كما لم يتعرض المشرع المغربي أيضا إلى جريمة التحايل على الحاسوب الآلي لتحويل ونقل الأموال المتحصلة من الجرائم لغسلها أو تبييضها تمويها لمصدرها، إضافة إلى جريمة التقاط البيانات المعلوماتية عن طريق دبدبات الحقل المغناطيسي، إرسال فيروسات تلوث البريد الالكتروني.

ونسجل أيضا على القانون المغربي اهتمامه النسبي والمحدود بانتهاك الأخلاق الحميدة بواسطة التقنيات الحديثة  للاتصال، خصوصا مع انتشار عرض الصور الاباحية والخليعة، ونشر صور شخصية للأفراد بغير رضاهم وتحميلها بتعاليق مخلة بالحياء.

إذا كان المشرع المغربي قد تدخل بنصوص موضوعية تعاقب مختلف صور الجرائم المعلوماتية، تتلاءم وطبيعة هذه الظاهرة، وذلك من خلال قانون 03.07 المتعلق بالمس بنظم المعالجة الإلية للمعطيات، إلى جانب بعض القوانين الجنائية الخاصة ذات الصلة. إلا أنه لم يورد أية إشارة في قانون المسطرة الجنائية، بخصوص كيفية التحقيق والإثبات في هذا النوع من الجرائم لما تتميز به من طبيعة خاصة سواءمن حيث أسلوب ارتكابها وسمات مرتكبيها، أو من حيث كونها جريمة عابرة للحدود أومن حيث طبيعة الأدلة المنبثقة عنها. وذلك على خلاف بعض التشريعات الأجنبية المقارنة كما هو الأمر بالنسبة للمشرع الأمريكي والفرنسي والبلجيكي….، التي تجاوز مختلف التحديات والمشاكل المسطرية في ميدان جرائم تكنولوجيا المعلوماتية، من خلال التدخل بقواعد إجرائية حديثة تستجيب لطبيعة وخصوصية إثبات هذه العينة من الجرائم المستحدثة؛ تتناول قضايا التفتيش والضبط وجمع الأدلة وتحديد قيمتها الإثباتية؛ والاختصاص القضائي؛ إدراكا منها بعجز وقصور قواعد الإجراءات الجنائية في شكلها التقليدي، في الوفاء بمتطلبات العملية الإثباتية في هذا النوع من الجرائم.

خاتمــــــــــــــــــة

في الختام؛ نود التقدم ببعض الاقتراحات التي من شأنها إغناء هذا البحث،ويمكن حصرها فيما يلي:

  • دعوة المشرع المغربي إلى تجريم الاحتيال المعلوماتي وسرقة البيانات والمعلومات الالكترونية ووقف الحاسب الآلي وتلويث البريد الالكتروني وغيرها من الصور الإجرامية التي ظلت خارج إطار التجريم والعقاب ؛
  • وضع استراتيجية جديدة متناسقة ومتكاملة لمراقبة الأمن في مجال تقنية المعلومات ؛
  • دعوة مختلف التشريعات الجنائية ومنها المشرع المغربي، إلى اتخاذ التدابير التشريعية في ميدان الإثبات والأدلة والقواعد المسطرية المتناسبة مع طبيعة هذه الجرائم، مع الحرص على عدم مخالفتها لكل الضمانات الدستورية وقواعد المشروعية والحق في الخصوصية ؛
  • يجب على المشرع أن يكون مستعدا على الدوام للتدخل من أجل مواءمة النصوص القانونية مع المستجدات السريعة والمتلاحقة لأنماط هذا السلوك الإجرامي، بشكل أصبح من الصعب مجرد التكهن بما يمكن أن يشكل الخطوة التالية في هذا المجال ؛
  • تأهيل الشرطة القضائية والنيابة العامة وقضاة الحكم والتحقيق؛ بشكل يتأتى معه إيجاد أجهزة قضائية متخصصة، قادرة على التعامل مع هذه النوعية من الجرائم، وعلى طرق وكيفية استخدام أجهزة المعلومات، وطرق البحث والتحقيق وجمع الأدلة فيها، وذلك بتنظيم دورات تكوينية للقائمين على ذلك، وتوعيتهم بالأساليب المتطورة والمستجدة في المجال المعلوماتي ؛
  • دعوة المؤسسات التعليمية والتكوينية المعنية بتأهيل الأطر القانونية والقضائية؛ إلىتضمين مادة مبادئ الحاسوب وتطبيقاته ضمن خططها الدراسية، ومنها كليات الحقوق، والمعهد العالي للقضاء ومختلف معاهد ومدارس الشرطة ؛
  • إحداث معاهد ومراكز تعنى بتتبع ورصد حركية الجريمة بالمغرب بصفة عامة والجريمة المعلوماتية بصفة خاصة، وكذا البحثعن السبل الكفيلة بمكافحتها ؛
  • ضرورة التكثيف من عقد الندوات والمؤتمرات الدولية والإقليمية، لبحث سبل مواجهة الإجرام المعلوماتي، ومعالجة كافة المشاكل التي تعترض جمع الأدلة بشأنها وملاحقة المجرمين ؛
  • الاستفادة من تجارب البلدان المتقدمة في مجال التصدي لأساليب وطرق ارتكاب الجرائم المعلوماتية، لتعزيز الوسائل والإجراءات المطبقة في المكافحة.

[1]– حكم المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء –أنفا، رقم: 6324/4، صادر بتاريخ: 13نوفمبر 1985، ملف: جنحي تلبسي عدد: 85/73831.أورده الشرقاوي الغزواني نور الدين:” قانون المعلوميات “، الطبعة الأولى 1999، مطبعة برنيت ديفزيون بسلا ، ص:75.

[2]– أورده محمد جوهر : ” خصوصية زجر الإجرام المعلوماتي “، مجلة الملف، العدد: 9، نوفمبر 2006، ص: 10.

[3]– ينص هذا الفصل على أنه :“يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر و بالغرامة من 2000 إلى 10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من دخل إلى مجموع أو بعض نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال .

       و يعاقب بنفس العقوبة كل من بقي في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات أو جزء منه كان قد دخله عن طريق الخطأ و هو غير مخول له حق دخوله.

تضاعف العقوبة إذا نتج عن ذلك حذف أو تغير المعطيات المدرجة في نظم للمعالجة الآلية للمعطيات أو اضطراب في سيره”.

[4]-حكم المحكمة الابتدائية بالرباط، رقم:7794/07، صادر بتاريخ: 06/08/2006، ملف: جنحي تلبسي عدد:37/06.

[5]– ينص هذا الفصل على أنه:“يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاثة سنوات و بغرامة من 100000 إلى 200000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من عرقل عمدا سير نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو أحدت فيه خللا”.

[6]-قرار عدد: 721 صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ:12/09/2006، ملف عدد:22-606.

[7] – تعني المعطيات أو ما يصطلح عليه بالبيانات، شيء معطى أو مسلم به وبصحته كحقيقة وكواقعة. و هي عبارة عن أرقام أو رموز أو كلمات، أو حقائق وإحصاءات خام التي لم تخضع لعملية تقسيم أو تجهيز للاستخدام، وهي بشكل أوضح البيانات الأولية التي تتعلق بقطاع أو نشاط ما، قبل أن يتم تنظيمها ومعالجتها بطريقة تسمح باستخلاص النتائج المتمثلة في المعلومات.

[8]-حكم عدد: 215 صادر عن المحكمة الابتدائية بتمارة، بتاريخ: 07/05/2010، ملف: جنحي تلبسي عدد: 220/10/2، غير منشور، ص: 5.

[9] – حكم عدد: 806 صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط، تاريخه: 14/06/2010، ملف: جنحي تلبسي عدد: 733/10/21،غير منشور، ص: 18.

[10]– والتزوير هو تغيير للحقيقة يرد على مخرجات الحاسب الآلي، سواء تمثلت في مخرجات ورقية مكتوبة أو مرسومة، كما قد يتم في مخرجات غير ورقية، شريطة أن تكون محفوظة على دعامة، كبرنامج منسوخ على أسطوانة، كما يتحقق التزوير بتقليد الوثائق المعلوماتية أو التوقيع الالكتروني أو العقود الالكترونية. للمزيد من المعلومات انظر:

– MohammedOuzgane: « La Criminalité informatique au regard du droit Marocain », op. Cit, p: 238.

[11]– ملف عدد 600/06/22. ص: 11-12 مشار إليه سابقا.

[12]حكم المحكمة الابتدائية بالرباط الصادر بتاريخ 12/11/2013 في الملف الجنحي عدد 28/ش/2013  تحت رقم 8802/13، غير منشور.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading