الرصيد العقاري التدبير والتسيير
الأستاذ بنيونس الدحماني
رئيس قسم الشؤون القروية ولاية الجهة الشرقية / وجدة
تمهيد
إن الأراضي الجماعية رغم شساعة مساحتها بالجهة الشرقية، فإن الإطار القانوني الذي يميزها عن باقي الأنظمة العقارية ما زال يكتنفه بعض الغموض بالنسبة للعديد من السكان. وسأحاول في تدخلي المتواضع، أن أوضح بعض الجوانب المرتبطة بتنظيم، تسيير وتدبير ممتلكات الجماعات السلالية، مع التوقف عند بعض المعطيات التي تبرز أهمية هذا الرصيد العقاري على مستوى عمالة وجدة أنكاد وأقاليم بركان تاوريرت، جرادة وفجيج.
أولا: تعريف موجز للأراضي الجماعية
الأراضي الجماعية هي الأراضي التي تملكها بصفة جماعية مجموعة من السكان المنتمين لأصل واحد أو سلالة واحدة. ويرجع أصل الأراضي الجماعية إلى عصور جد قديمة، إذا كانت ظروف الأمن والعيش تلزم القبائل بالاستغلال المشترك والجماعي لمواردها.
ثم تحولت هذه الأراضي إلى أراضي النايبة تؤدي عنها ضريبة جماعية أو إلى أراضي الجيش المستغلة من طرف المنخرطين في الجيش إضافة إلى الأراضي الجماعية الأصلية التي تتصرف فيها الجماعات السلالية بدون مقابل.
وانطلاقا من هذا الوضع فإن استحقاق الاستغلال كان يرجع إلى من يؤدي الضريبة عن الأراضي المستغلة الشيء الذي نتج عنه بطبيعة الحال حرمان النساء من حقهن في الاستغلال الذي كان يعود لأرباب العائلات فيما يتعلق بأراضي النايبة أو للمحاربين فيما يتعلق بأراضي الجيش.
ويستخلص مما سلف ذكره أن أراضي النايبة وأراضي الجيش كانت تعتبر ملكا للدولة وكان مستغلوها يؤدون عنها الواجبات المفروضة.
وقد ظلت الأراضي الجماعية تسير حسب الأعراف والتقاليد المتداولة لدى كل جماعة سلالية حتى بداية القرن الماضي حيث تم الاعتراف للجماعات السلالية بالشخصية المعنوية بصدور الظهير الشريف المؤرخ في 21 نونبر 1916.
وبتطور الظروف أصبح مستغلو أراضي النايبة يتملصون ويتحررون شيئا فشيئا من أداء الواجبات المفروضة عليهم، كما أن مستغلي أراضي الجيش استمروا في استغلالها رغم الاستغناء عن خدماتهم، وكل هذا بدون أن تتغير الصبغة الجماعية والعادات الخاصة بتوزيع الانتفاع في كلتا الحالتين.
فكان من الضروري تفادي الاستيلاء والاستحواذ على الأراضي الجماعية وحمايتها من التمليك الفردي بإصدار نص قانوني ينظم ويحدد هذا النوع من الأملاك تمشيا مع الأمر الواقع، وقد كان ذلك موضوع الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919 لذي يعد ميثاقا للأراضي الجماعية الذي تلته عدة قرارات ومنشورات توضح بنوده.
وقد اعترف هذا النص القانوني في فصله الأول بملكية الأراضي الجماعية للجماعات السلالية التي كانت تستغلها، ولإتمام حماية هذا الرصيد العقاري نص الفصل الرابع من ظهير 27 أبريل 1919 على عدم قابلية هذه الأراضي للتفويت وأنه لا يجري عليها التقادم ولا يمكن أن تكون موضوع الحجز، إلا أنه أقر استثناء فيما يخص التفويت عندما يتعلق الأمر بمصلحة عمومية، أو جماعة محلية أو مؤسسة عمومية (الفصل 11).
ثانيا: تسيير وتدبير الممتلكات الجماعية
إن الأراضي الجماعية هي ملك للجماعات السلالية التي تستغلها تحت وصاية السيد وزير الداخلية.
ويستوجب هذا التعريف دراسة نظام هذا التسيير والسلط المخولة للهيئات المحلية والمركزية.
أ –دور اللجن النيابية في تسيير وتدبير شؤون الأملاك الجماعية:
لقد ظلت أراضي الجماعات السلالية تسير حسب الأعراف والتقاليد المتداولة لدى كل جماعة سلالية كما سبقت الإشارة إليه حتى بداية القرن الماضي حيث تم الاعتراف لهذه الجماعات بالشخصية المعنوية (الظهير الشريف بتاريخ 21 نونبر 1916).
ومع صدور ميثاق الأراضي الجماعية بتاريخ27 أبريل 1919 كما تم تعديله وتتميمه بظهير 06 فبراير 1963 نص صراحة في فصله الثاني على أن الجماعات الأصلية أو السلالية يمكن لها أن تنقل سلطاتها إلى أشخاص طبيعيين تختارهم بواسطة رسم عدلي أو ضمن الكيفيات الصحيحة المعمول بها ويكون مجموع الأشخاص الذين يقع اختيارهم على هذا الشكل جمعية المندوبين أو جماعة النواب أو اللجن النيابية. وقد خول القانون لهذه اللجن النيابية سلطات واسعة في مجال تسيير الممتلكات الجماعية والمحافظة على مصالحها وصيانة حقوقها ، وقد حدد الفصل الرابع من الظهير الشريف بتاريخ 27 أبريل 1919 كما تم تعديله وتغييره هاته الاختصاصات التي تتمثل في إعطاء الموافقة المبدئية على كل إجراء يمس عقارا من الممتلكات الجماعية سواء تعلق الأمر بالكراءات أو التفويتات أو التوزيع، وتحديد لوائح ذوي الحقوق والمبادلة وإجراء القسمة الموسمية مع العلم أن هذه الموافقة رهينة بمصادقة مجلس الوصاية ، وموازاة مع هذه الاختصاصات تتمتع هذه المؤسسة بسلطات تجعلها أقرب من محكمة عرفية ابتدائية حيث تختص بالنظر في النزاعات القائمة بين ذوي الحقوق حول الانتفاع بممتلكات الجماعة وتصدر قرارات قابلة للطعن أمام هيئة استئنافية تسمى مجلس الوصاية.
وبعد الاطلاع على الاختصاصات التي خولها القانون للجن النيابية فلا بد من تمييزها عن الجماعات المحلية لإزالة اللبس والخلط الذي يقع بين هاتين المؤسستين. فبالرجوع إلى الدورية رقم 298 للسيد وزير الداخلية بتاريخ 31 غشت 1978 يتجلى الفرق في كون أعضاء المجالس المحلية ينتخبون حسب القواعد التي ينص عليها ظهير 30 شتنبر 1976 كما تم تعديله وتغييره، ويمثلون مؤسسة خاضعة للقانون العام ويكون من اختصاصها اتخاذ القرارات الخاصة بتدبير الشؤون المحلية.
غير أن مجلس نواب الجماعات الأصلية، لا يمثل إلا الجماعات السلالية ويكون مؤسسة خاضعة للقانون الخاص لا يمكن لها التمتع بالامتيازات المعترف بها للمؤسسات الخاضعة للقانون العام، وإن اختصاصاتها محددة في الفصل الرابع من ظهير 1919. فالجماعات المحلية تعتبر بصفة عامة جماعات إدارية كلف المشرع مجالسها بإدارة الشؤون المحلية والتعبير عن رغبات وآراء السكان بصفة عامة لدى السلطات الإقليمية والمركزية، أما الجماعات الأصلية فهي أقرب إلى شركة منها إلى جماعة إدارية والتي تبرز إما في صورة قبيلة أو فخذة أو دوار الخ . . .
ب–دور مجلس الوصاية في تسيير وتدبير شؤون ممتلكات الجماعات السلالية:
أما فيما يخص تكوين هذه الهيأة فقد أشار الفصل الثالث من ظهير 27 أبريل 1919 إلى تشكيلته أما اختصاصاته فقد نص عليها الفصل 12 من الظهير المذكور وتتمثل في المصادقة على كل معاملة تجري بين الجماعات السلالية وبين الغير) الفصل الخامس (وهي تشمل التفويتات والمبادلات والاتفاقيات والمصادقة على لائحة الملاكين على الشياع في إطار مقتضيات ظهير 25 يوليوز 1969.
أما فيما يتعلق بالاختصاصات المتعلقة بالمنازعات فقد حددها الفصل 12 فيما يلي: البث بصفة نهائية في النزاعات القائمة بين ذوي الحقوق وجعل قراراته غير قابلة للطعن. وتوضح هذه الاختصاصات الدورية عدد 8/62 المشتركة بين وزارتي العدل والداخلية حيث تبين ما هي القضايا التي يكون مجلس الوصاية مختص فيها وما هي القضايا التي هي من اختصاص المحاكم. كما جاء منشور السيد وزير العدل عدد 645 بتاريخ 17 ماي 1973 بالمسطرة الواجب إتباعها فيما يخص النزاعات المتعلقة بالأملاك الجماعية.
ثالثا: مسطرة كراء العقارات الجماعية وتفويتها
أ –الأكرية:
فيما يخص الاكرية فيجب التمييز بين كراء الأراضي سواء كانت (عارية أو مشجرة، بورية أو سقوية) من أجل الاستغلال الفلاحي، وبين كراء الأراضي الجماعية إنجاز مشاريع تجارية وصناعية.
ففيما يتعلق بالنوع الأول، فإن الفصل السادس من ظهير 06 فبراير 1963 ينص على أنه يمكن للجماعات السلالية أن تبرم بالمراضاة وبموافقة الوصي على ما يلي:
– عقود الاشتراك الفلاحي؛
– أكرية لا تتجاور مدتها ثلاث سنوات.
أما فيما يخص النوع الثاني والمتعلق بكراء العقارات الجماعية لإنجاز مشاريع تجارية وصناعية، فإن الجماعات السلالية منحها المشرع حق تأجير بعض العقارات التابعة لها بموافقة الإدارة الوصية لفائدة الخواص من أجل إنجاز مشاريع ذات طابع صناعي وتجاري.
ويستنتج مما سبق ذكر أنه كيف ما كان نوع الأكرية فإنه يمنع منعا كليا كراء الأملاك الجماعية بصفة انفرادية إذ يتعين أن يخضع كل كراء إلى المصادقة النهائية لوزير الداخلية بصفته الوصي على الأراضي الجماعية وإدراج مداخيله في الحساب البريدي للجماعات السلالية.
ب –التفويتات:
إذا كان الفصل الرابع من الظهير الشريف الصادر في 27 أبريل 1919 المتعلق بتدبير الأملاك الجماعية ينص على أن الأراضي الجماعية غير قابلة للتقادم ولا للحجز ولا للتفويت، فإن الفصل 11 سن استثناء لمبدأ عدم قابلية هذه الأراضي للتفويت حيث فتح المجال أمام الدولة، والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية لاقتناء بعض الأراضي قصد إنجاز المشاريع ذات المصلحة العامة. ويمكن أن تتم عملية التفويت إما عن طريق المراضاة، حيث توافق الجماعة السلالية على تفويت جزء من عقارها لفائدة مؤسسة عمومية مقابل ثمن “تحدده لجنة الخبرة وبموافقة مجلس الوصاية. وفي إطار الشراكة فتبعا للتعليمات الواردة بالدورية الوزارية رقم 103 بتاريخ 26 يوليوز 1994 فإن الجماعة السلالية يحق لها الشراكة مع المقتني كلما تعلق الأمر بمشروع يهدف لإنجاز تجزئة سكنية أو مناطق صناعية أو مشاريع تجارية، ويمكن تلخيص هذه المسطره في كونها عملية عقارية شبيهة بمبادلة عقارية يمنح المقتني بمقتضاها للجماعة المالكة حصة من المشروع مقابل الأرض المخصصة لإنجاز المشروع، وفي حالة عدم حدوث التراضي يتم اللجوء إلى مسطرة نزع الملكية.
ج–حماية الأراضي الجماعية من التمليك الفردي:
في إطار حماية حقوق الجماعات الأصلية وحماية أراضيها الجماعية من ترامي بعض الأشخاص وتفويتها بواسطة الشهادات اللفيفية ، قامت الوزارة الوصية بإصدار دورية تحت عدد 1690 بتاريخ 1974 تنص على ضرورة التقيد بالمقتضيات القاضية بمنع تفويت الأراضي الجماعية وإلزام طالبي شهادات التمليك بأن يقدموا للسادة القضاة وللعدول أو
الموثقين شهادة مسلمة من السيد عامل الإقليم تثبت أن الأرض المطلوب الإشهاد بتملكها ليست جماعية وهو ما تنص عليه مقتضيات المرسوم عدد 415-92-2 الصادر في 04 رجب 1402- 18 أبريل 1983 بشأن تعيين العدول ومراقبة خطة العدالة وحفظ الشهادات وتحريرها وتحديد الأجور في المقطع الثاني من فصله الثامن عشر الذي يلح على أن يتأكد العدل قبل تلقيه الشهادة من وضعية العقار بالنسبة للتحفيظ أو عدمه وبالنسبة لكونه جماعيا أو حبسيا أو غير ذلك . وفي هذا النطاق جاءت الدورية الوزارية عدد 351 بتاريخ 13 ماي 1997 التي تبين المسطرة الواجب إتباعها للحصول على الشواهد الإدارية التي تنفي الصبغة الجماعية عن العقارات المراد تمليكها.
د–استعمال الأموال الجماعية:
ينص القرار الوزاري المؤرخ في 26 دجنبر 1920 على أن جميع مداخيل الجماعات الناتجة عن الكراء أو التفويت تودع في الحساب الجاري الخاص المفتوح لكل جماعة سلالية لدى الخزينة العامة، ويمكن استعمال هذه الأموال لإنجاز مشاريع تهم الجماعة السلالية أو توزيعها على ذوي الحقوق إن اقتضت الظروف ذلك بطلب مكتوب من الجماعة النيابية بعد إذن مجلس الوصاية.
رابعا: أهمية الأراضي الجماعية بالجهة الشرقية ودورها في مجال التنمية
أ–الأراضي الجماعية بالجهة الشرقية:
تستمد الأراضي الجماعية أهميته بالجهة الشرقية من شساعتها ومن العدد الهام للسكان اللذين ينتفعون منها، حيث تقدر المساحة الإجمالية لهذه الأراضي بكل من عمالة وجدة أنكاد وأقاليم بركان، تاوريرت، جرادة وفجيج بما يقرب 5 ملايين هكتار يتواجد معظمها بإقليم فجيج (4 ملايين هكتار) وإقليمي تاوريرت وجرادة. كما أن الأراضي الجماعية بهذه الجهة تحتل ما يفوق ثلث مساحة الأراضي الجماعية على الصعيد الوطني.
تقدر المساحة الصالحة للزراعة بحوالي 195.000 هكتار منها 7.200 هكتار قابلة للسقي. أما الباقي أي حوالي 3.500.000 هكتار فهي عبارة عن أراضي رعوية أو غير قابلة للفلاحة.
وتعود ملكية هذه الأراضي إلى 128 جماعة سلالية تتكون حسب التقديرات المتوفرة من 164.208 من ذوي الحقوق يمثلهم 268 نائبا جماعيا.
ب–دورها في مجال التنمية
إذا كان الظهير الشريف الصادر في 25 يوليوز 1969 ، المتعلق بقانون الاستثمارات الفلاحية للأراضي الجماعية المتواجدة داخل الدوائر السقوية ، والذي يعتبر أهم إصلاح عرفه نظام الملكية الجماعية قد جاء بإصلاحات جذرية حيث جعل هذه العقارات أملاكا مشاعة بين المستفيدين يسوغ لهم تفويتها بينهم ، فإن الظهير الشريف الصادر في 22 فبراير 1995
حدد شروط وكيفية استثمار الأراضي الفلاحية غير السقوية اعتبارا للضرورة الملحة لتنمية كل الطاقات الإنتاجية في القطاع الفلاحي ، واعتبارا لأهمية هذا الرصيد العقاري بالجهة الشرقية لطبيعة هذه العقارات لكون جلها رعوي ، وتماشيا مع القوانين المذكورة الهادفة إلى تنمية الأراضي الفلاحية البورية ، اتخذت الدولة التدابير اللازمة لتحسين المراعي وصيانتها ليتأتى استغلالها بشكل عقلاني من جهة ، ومن جهة أخرى حمايتها من التدهور. ونذكر على سبيل المثال في هذا الصدد: مشروع تنمية المراعي وتربية المواشي بالنجود العليا) الشطر الأول والثاني (والذي يهم أقاليم فجيج، جرادة وتاوريرت، وفيما يلي نظرة موجزة عن هذا المشروع المهم الذي يمتد على مساحة جغرافية تقدر ب 32.000 كلم 2 أي 3.200.000 هكتار، ويخص تسع جماعات قروية وتستفيد منه حوالي 80.000 نسمة منها 9.000 مربي ماشية منضوين في 34 تعاونية الذي يدخل ضمن استراتيجية الدولة في الحفاظ على الموارد الطبيعية وذلك بتنميتها وتحسين ظروف عيش سكان هذه المنطقة. وقد حقق هذا المشروع الذي انطلق في موسم 1991-1990 والذي امتد على مدى عشر سنوات مكتسبات جد مهمة منها: تحسين الغطاء النباتي وتغيير عقلية المستفيدين وذلك بإشراكهم في تسيير المشروع عن طريق خلق تعاونيات. كما أن الدولة بصدد التهييء لإنجاز الشطر الثاني من هذا المشروع للحفاظ على المكتسبات والمنجزات التي تم تحقيقها خلال الشطر الأول.
إلا أنه رغم المكتسبات التي حققها هذا المشروع فإن إنجازه اعترضته مجموعة من العراقيل والصعوبات التي تتمثل في ظروف الجفاف والنزاعات المرتبطة بالأراضي الجماعية التي لم تحدد بعد أو التي يتضمن تحديدها اعترافا من لدن الجماعة المالكة بحق الانتفاع لجماعات أخرى. ويتضح من خلال هذا الوضع الأهمية البالغة التي تكتسيها التصفية القانونية للأراضي الجماعية لتصبح أداة فعالة للمسيرة التنموية للجهة الشرقية.


