-مدخل أساسي لإصلاح قانون المسطرة المدنية المغربي-

الدكتور عبد العزيز حضري

أستاذ التعليم العالي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية
والاجتماعية بوجدة

مقدمة:

خاطب الخليفة عمر بن الخطاب أحد قضاته بمناسبة توليته القضاء بقوله “ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، فهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فالحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”([1]).

تجسد هذه العبارة على قدمها غاية مراجعة الأحكام القضائية، ألا وهي إحقاق الحق والعدالة، لأن القضاء عمل بشري مجبول على الخطأ بالفطرة، ونازع إلى المجاملة بالتمدن والمؤانسة، وموسوم بالاختلاف تبعا لقدرات الفهم والإدراك والدفاع، المتفاوتة بين الناس ([2]).

ولازالت التشريعات الوضعية مؤمنة بهذه الغاية ساعية إليها، باحثة عن أفضل سبل تحقيقها، رغم الصعوبات التي تعترض طريقها، والناتجة عن التطور الذي عرفته النظم القانونية، والمفاهيم المستحدثة لدور القضاء في المجتمع.

وقد كان القضاء قديما بسيطا في إجراءاته لا يتدخل إلا بقرار حاسم ينهي النزاع، وينفذ فورا ولا يقبل التظلم إلا نادرا، تحقيقا للعدالة السريعة، فأصبحت كثرة الإجراءات والأوامر القضائية ميزة القضاء الحديث، وغدت المماطلات والحيل المسطرية للمتقاضين آفة اجتماعية حقيقية، تحول معها حق الطعن في أحكام القضاء من طريق لتحقيق العدالة ([3]) إلى وسيلة لعرقلتها، فأصبح التنظيم واجبا.

وفي إطار هذا التنظيم، عمدت التشريعات المسطرية إلى تنويع طرق الطعن، مراعية تدرج مراتب القضاة، واختلاف أنواع تجربتهم، وتبيان أوضاع المتظلمين من أحكامهم، كما تصورت لكل طعن غاية محددة، ووضعت له شروطا وقواعد وإجراءات بما يخدم غايته المفترضة من جهة، ويعاقب كل خرق أو إخلال بها من جانب المتقاضين، حتى ولو أدى ذلك إلى المساس بفكرة العدالة في صورتها المثالية ([4]).

وهكذا تم التمييز بين قضاء ابتدائي قابل للمراجعة وأخر نهائي يستبعدها، وبين أخطاء الواقع، وأخرى من طبيعة قانونية صرفة، فأصبح طمن الاستئناف يقدم في مواجهة القضاء المبتدأ، أيا كان خطؤه، وغدا النقض وسيلة لمراقبة تطبيق أخطاء القانون المتصلة بالأحكام الانتهائية، كما تمت مراعاة الأوضاع الخاصة لبعض المتظلمين، فخص الغائبون بحق التعرض، واعترف للغير بإمكانية الاعتراض على الحكم، إذا لم يتدخلوا قبل صدوره، بل وأجيز للنيابة العامة ممارسة النقض لفائدة القانون وحده، إن لم يطعن المتقاضون في الحكم.

ورغم هذا التنويع التشريعي لطرق الطعن، فإن بعضها يظل قليل الممارسة، في حين يحظى بعضها الآخر بإقبال كبير من قبل المتقاضين، وليس من المبالغة القول بأن الاستئناف يأتي في مقدمتها، لدرجة يمكن معها القول إنه الطعن “الشعبي” بامتياز.

وإنما يكثر الإقبال عليه، لأنه يجسد فكرة التظلم من الحكم في معناها الكامل، من حيث إنه يطلب تارة لأجل إلغاء الحكم الابتدائي، لمخالفته للقانون الشكلي أو الموضوعي، ويهدف تارة أخرى إلى مجرد مراجعته وتعديله موضوعيا، وقد تكون المراجعة المطلوبة كلية شاملة، وقد تكون جزئية تقتصر على بعض أجزاء الحكم فقط، كما يمكن أن يقدم الاستئناف لغرض المطالبة بالفصل في عناصر لم تفصل فيها المحكمة الابتدائية. ثم إنه تظلم، لأن المحكوم عليه يقصد منه التريث في تنفيذ الحكم الابتدائي ضده إلى حين الحسم في موضع استئنافه.

غير أن “شعبية” هذا الطعن لا تعني بساطة نظامه ووضوحه، بل على العكس، يمكن القول إنه من أكثر طرق الطعن غموضا وتعقيدا، بالنظر إلى معانيه المتعددة وأهدافه المختلفة، وتزايد التدخل التشريعي بشأن قواعده التنظيمية بالتعديل والمراجعة.

واذا كان نظام هذا الطعن قد ارتبط تقليديا بقواعد تؤطره، وتشكل بناءه النظري كقاعدة التقاضي على درجتين، وقاعدة ثبات النزاع، وقاعدة سيادة الخصوم على نزاعهم، فإن تدخل التشريع لتعديل قواعد الاستئناف أثر على طبيعة هذه القواعد ومفاهيمها المعروفة، وقبل بيان مظاهر هذا التعديل التشريعي، نتعرف على مضامين القواعد السابقة.

أولا: القواعد العامة للاستئناف ([5]):

تحكم نظام الطعن بالاستئناف ثلاث قواعد أساسية لا يزال كثير من الفقه يرددها، ويعتبرها مرجعا لكل قواعده الفرعية الأخرى، وكأن الخلود كتب لها، وهي قاعدة التقاضي على درجتين، وقاعدة ثبات النزاع، وقاعدة سيادة الخصوم على نزاعهم المدني.

1 قاعدة التقاضي على درجتين:

هي ركيزة الاستئناف الأساسية، ومبرره الأكثر صلابة ورواجا واعتمادا الاجتهاد القضائي والفقهي، كما أنها لا تخلو من سند تشريعي، ويذكر مؤرخو القانون القضائي الفرنسي أن إقرارها تشريعيا لأول مرة في فرنسا تم بمرسوم فاتح ماي 1790، وقد اعتبرت القاعدة آنذاك مبدأ قضائيا ثوريا، لأن نظام العهد السابق على ثورة 1789 كان يقوم على قاعدة تعدد درجات التقاضي ([6]).

أما بلدنا فقد عرفها بمناسبة “الإصلاحات القضائية” التي جاء بها نظام الحماية ابتداء من 1913 لتصبح أساس نظامنا القضائي في المغرب المستقبل بمقتضى قانون التوحيد والمغربة، والإصلاحات القضائية لعام 1974 ([7])، وقد ظلت محاكم الاستئناف التي جاءت بها الإصلاح الأخير، محاكم درجة ثانية وحيدة بالنسبة للمحاكم الابتدائية إلى حدود 1993، لكن إصلاحات العقد الأخير من القرن العشرين خلقت إلى جانبها محاكم استئناف تجارية بعد انفصال القضاء التجاري ([8])، بل وجعلت من المجلس الأعلى في سابقة غير محمودة العواقب محكمة استئناف إدارية بالنسبة للمحاكم الإدارية ([9]) الأمر الذي يؤكد أن قاعدة التقاضي على درجتين قاعدة أصيلة تشمل كل أنواع القضاء، بما فيها القضاء الجنائي.

وتعني قاعدة التقاضي على درجتين في معناها البسيط كفالة نظر النزاع الواحد بكافة عناصره أمام محكمتين على التوالي، بحيث تكون محكمة الاستئناف هي محكمة الدرجة الثانية التي تعيد البت من جديد فيما سبق الفصل فيه ابتدائيا، تبعا لاستئناف المحكوم عليه ([10]). ويقتضي إعمالها، أن يكون لمحكمة الاستئناف أيا كانت طبيعتها، اختصاص قضائي شامل على محاكم الدرجة الأولى التابعة لها، وعلى جميع الأحكام الصادرة عنها من جهة، وأن تكون لها نفس صلاحيات محكمة الدرجة الأولى فيما يتعلق بتحقيق النزاع، بحيث تملك نفس سلطات قضاة الدرجة الأولى لإعادة فحص النزاع في جانبيه الواقعي والقانوني، ولها أن تأمر بسائر إجراءات التحقيق التي تراها ضرورية. وأخيرا، تعتبر قاعدة التقاضي على درجتين، من النظام العام، من حيث أنه لا يمكن للمتقاضين عرض أي نزاع مبتدأ مباشرة على محكمة الاستئناف، ولو باتفاقهم على ذلك.

2- قاعدة ثبات النزاع أمام محكمة الاستئناف:

لا تعتبر قاعدة ثبات النزاع قاعدة خاصة بالخصومة الاستئنافية وحدها كقاعدة التقاضي على درجتين، بل هي قاعدة تحكم الخصومة المدنية أيا كانت درجتها، ويقصد بها أنه “بمجرد ميلاد الخصومة، فإن إطارها وكافة عناصرها لا يمكن أن يلحقها أي تغيير، بحيث لا يمكن استبدال الغير بأطراف الخصومة ولا تغيير صفتهم، أو تعديل موضوع الطلب الأصلي أو تقديم طلبات جديدة ([11]).

وتجد هذه القاعدة سندها التشريعي في إلزام المشرع لكل متقاض يقيم دعوى بضرورة بيان موضوعها ووقائعها ووسائلها، وإرفاقها عند الاقتضاء بالمستندات المثبتة ([12])، بحيث يصبح أسيرا لطلبه، ويجب عليه الاحتفاظ بكافة عناصره حتى النهاية ([13]). لكن اعتبارات المصلحة القضائية جعلت المشرع يسمح للمدعي بتقديم مستنتجات ختامية، وبطلب إدخال الغير في الدعوى وإلى حين قفل باب المرافعة ([14]). كما أجاز للمدعى عليه تقديم طلبات مقابلة ([15])، وتكمن المصلحة القضائية هنا في منع تكرار القضايا أمام المحكمة، وتجميع مختلف عناصر النزاع في دعوى واحدة. ونفس هذه المقتضيات تحكم دعوى الاستئناف، حيث يلزم المشرع المستأنف أن يبين في مقال استئنافه موضوع الطلب والوقائع والوسائل المثارة، والمستندات التي يريد الطالب استعمالها ([16]).

وتلعب قاعدة ثبات النزاع دورا أساسيا في نطاق طعن الاستئناف باعتبارها مرجع ومبرر منع تقديم الطلبات الجديدة في الاستئناف، ومعيار رفض واستبعاد ما قدم منها لمحكمة الدرجة الثانية، كما أنها وثيقة الصلة بقاعدة التقاضي على درجتين، إن لم تكن تطبيقا من تطبيقاتها لأن إعادة الفصل فيما قضي فيه ابتدائيا يقتضي أن يطرح على قضاة الاستئناف نفس النزاع السابق إثارته ابتدائيا بدون أي تغيير.

3 قاعدة سيادة الخصوم أمام محكمة الاستئناف:

لا تعتبر هذه القاعدة بدورها وكسابقها خاصة بخصومة الاستئناف، بل هي قاعدة إجرائية مدنية عامة، تجد سندها التشريعي في القواعد العامة التي تحكم الخصومة المدنية، خاصة الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية الذي يلزم القاضي بالبت في حدود طلبات الأطراف، وعدم تغيير موضوعها أو سببها، والا تعرض حكمه للإلغاء ([17])، فهو قاضي محايد، لأن الخصومة المدنية ملك لأطرافها، فهم الذين ينشؤونها بدعوى، وهم الذين يملكون تحديد نطاقها موضوعا وسببا وأشخاصا، كما أنهم وحدهم الذين يملكون وضع حد لها بإرادتهم بالصلح أو التنازل، وكل ما يملكه القاضي إزاءها من تدخل إنما يرتبط بدوره في تحقيقها، أو تصحيح مسطرتها، وحسب ما يسمح له به المشرع وفي الحدود التي يرسمها لتدخله.

وتنطبق ذات القواعد على خصومة الاستئناف، سواء بالنسبة لأطرافه أو لمحكمته، فالمستأنف هو الذي ينشئ بمقاله الاستئنافي هذه الخصومة، وهو الذي يحدد نطاق استئنافه بمقاله، ويملك حق وضع نهاية لها بالتنازل عنه، كما أن محكمة الاستئناف وباعتبارها محكمة موضوع تلتزم بعدم إدخال أي تغيير أو تعديل على موضوع الاستئناف أو سببه، والبت في حدود ما طلب منها، وتملك فقط حق تحقيق هذه الطلبات باعتماد وسائل وإجراءات الإثبات القانونية.

لكن قاعدة سيادة الخصوم هذه، تظل مع ذلك خاضعة لرقابة “سيف” النظام العام الذي يحمله القاضي في يده دائما، لا فرق بين قاضي ابتدائي، أو استئنافي، أو عالي، فمن حقهم جميعا التدخل في أي وقت “لزجر” كل تطاول عليه من الأطراف، إذ لا مفعول لأية سيادة خاصة أمام سيادة قواعد النظام العام.

واذا كانت القواعد السابقة هي الإطار التشريعي العام لنظام الاستئناف، وهي بناؤه النظري فهل تستطيع لوحدها أن تبرر كل المقتضيات التشريعية الأخرى التي تحكمه؟

ثانيا: مظاهر التدخل التشريعي وأثرها على قواعد الاستئناف:

إنما نقصد بمظاهر هذا التدخل، مجموعة المقتضيات التشريعية التي تنظم طمن الاستئناف، سواء كحق في الطعن، أو كخصومة قضائية انتهائية.

فالحق في الاستئناف ليس إلا حقا نسبيا لا يشمل جميع الأحكام الصادرة عن محكمة الدرجة الأولى، لأن المشرع يستثني منها عددا مهما، سواء بالمنع الصريح ([18])، أو باستعمال تقنية النصاب الانتهائي للمحكمة الابتدائية لإقصاء بعض القضايا من الاستئناف. كما أنه كحق لا يهم إلا أشخاصا محددين هم أطراف الحكم الابتدائي، وبالمقابل يسمح المشرع لمحكمة الدرجة الثانية بالتصدي للفصل في نزاع لم تبت المحكمة الابتدائية في جوهره، بل ويقضي بعرض بعض القضايا مباشرة على محكمة الاستئناف مقصيا الدرجة الأولى نهائيا.

ولا شك أن هذه المقتضيات التشريعية تضرب قاعدة التقاضي على درجتين في العمق، لأنها تمس الأساس الذي بنيت عليه، وهو ضمان نظر النزاع الواحد مرتين أمام محكمتين إحداهما ابتدائية، والأخرى انتهائية.

وبشأن تنظيم خصومة الاستئناف، سمح المشرع للأطراف بتقديم طلبات جديدة تعرض لأول مرة في هذه الخصومة، كما أجاز للغير التدخل أمام محكمة الدرجة الثانية لتقديم طلبات خاصة به في مواجهة أحد أو طرفي الدعوى الابتدائية وهي مقتضيات تضع قاعدة ثبات النزاع موضوع مناقشة جدية.

كما منح المشرع لمحكمة الدرجة الثانية سلطات كثيرة؛ لعل أهمها حق التصدي للفصل في جوهر النزاع، الذي لم تحسم فيه محكمة الدرجة الأولى، وحق مراقبة طلبات الخصوم، لاستبعاد ما منع منها، وكل ذلك يمنحها دورا كبيرا في توجيه الخصومة الاستئنافية وتدبيرها ضدا لقاعدة حيادها وسيادة الخصوم على نزاعهم.

ولم يقف التطور التشريعي عند ما سبق، بل تجاوزه إلى ابتداع أشكال خاصة من الاستئناف، كالاستئناف المثار، والناتج عن الاستئناف الأصـلي، واستئناف مستأنف عليه على مستأنف عليه، وابتكار أفكار وتقنيات جديدة في الاستئناف، أو لإدخال الغير لأول مرة في خصومته، بل وأصبح حق التصدي ممكنا رغم حالة التحقيق الناقصة التي لم تكن تسمح به مبدئيا. ولا شك أن هذه المقتضيات التشريعية الجديدة تضع القواعد التقليدية المؤطرة للاستئناف أمام محك حقيقي يجوز معها التساؤل عن مدى استمراريتها في تأطير طعن الاستئناف ([19]).

ثالثا: من أجل نظرية جديدة لنظام الطعن بالاستئناف

يتجاذب نظام الطعن بالاستئناف، تياران قانونيان كبيران، أحدهما يريد المحافظة له على طابعه الأصيل كوسيلة إصلاح ومراجعة قضاء ابتدائي سيء، وآخر ينتصر لتوجه جديد يدعو إلى جعله وسيلة لإنهاء النزاع في مجموعه وبين جميع أطرافه، حيث يتمسك الاتجاه الأول بفهم صارم للقواعد الأساسية المؤطرة لهذا الطعن، كقاعدة التقاضي على درجتين، وقاعدة ثبات النزاع، وقاعدة سيادة الخصوم على نزاعهم المدني، بينما يدعو الاتجاه الثاني إلى مراجعة هذه القواعد، بل واقتراح أخرى تعوضها تكون خادمة للوظيفة الجديدة للاستئناف.

ونحن ندافع عن أهمية التوجه الجديد باعتدال، وبدون تطرف يمكن أن يؤدي إلى إلغاء قاعدة التقاضي على درجتين نهائيا، لكننا بالمقابل نناصر كل الأفكار الجديدة الخادمة للغاية المستحدثة للاستئناف، لأن من شأنها أن تعطي للقاعدة السابقة مفعولها الكامل، وتعيد لها اعتبارها الذي كادت أن تفقده في ظل التصور القديم.

فقد ظهر لنا أن هذا التصور الأخير، لا يعطي لقاعدة التقاضي على درجتين أية فعالية تذكر، لدرجة لمكن أن يصدق عليها ما قيل عنها سخرية وتهكما، من أنها أداة لنقل نزاع من قاض يعرفه معرفة جيدة إلى قاض يعرفه معرفة سيئة.

ولذلك، فإننا نؤيد كل الدعوات الهادفة إلى إعادة فهم هذه القاعدة بشكل يؤهلها لتكون وسيلة للوصول إلى حل أفضل وأحسن للنزاع، أي إلى حل نهائي له، ونؤكد التمسك الصارم بمقتضياتها، خاصة فيما يتعلق بضرورة نقل نفس النزاع إلى قضاة الاستئناف دون السماح بإلحاق أي تعديل عليه لا يمكن باي حال أن يمكن هؤلاء القضاة من إعطاء حل أفضل للنزاع، كما أنه موقف يعاكس ميعة الأشياء نفسها، لأنه إذا كان بالإمكان منع المتقاضين من تغيير النزاع، فإنه لا يمكن منع النزاع نفسه من التطور.

ولذلك أيضا فإننا نعتمد كل المواقف التشريعية والقضائية والفقهية الهادفة إلى تمكين قضاة الاستئناف من التعرف بشكل أفضل على النزاع المنقول إليهم، ونطالب بإلغاء كثير من القيود الواردة على هذه السلطة.

غير أننا وفي إطار التوسط والاعتدال كذلك لا نساير بشكل مطلق المواقف الداعية إلى اعتبار خصومة الاستئاف خصومة جديدة، ولذلك فإننا ندعو إلى تليين المواقف الفقهية الموسعة لسلطات الخصوم والمحكمة، سواء تعلق الأمر بحالة الارتباط.

لشرط الارتباط كأساس لقبول الادعاءات الجديدة في الاستئناف أو بسبب اعتماد فكرة تطور النزاع كأساس لتدخل وإدخال الغير فيه، وذلك حتى لا تتحول خصومة الدرجة الثانية إلى خصومة مبتدأه.

وقد، أتيحت لنا الفرصة بمناسبة بحث مقتضيات نظام استئناف الأحكام المدنية في التشريع المغربي ملاحظة الصعوبات التي تواجهها محاكم الاستئناف المغربية في تبني التصور الجديد لغاية الاستئناف، بسبب القيود التشريعية المفروضة عليها، وهي القيود التي جاءت أصلا في إطار الوظيفة التقليدية لهذا الطعن الهادفة إلى جعله وسيلة لإصلاح قضاء ابتدائي سيء ليس إلا.

ورغم الاجتهاد المتفتح لبعض هذه المحاكم، فإن صرامة النصوص تارة، وغموض بعضها الآخر تارة أخرى، كثيرا ما وقف حاجزا أمام تطوره، علاوة على أنه كثيرا ما وجد مقاومة صارمة من بعض قضاة المجلس الأعلى المتمسكين بحرمة قاعدة التقاضي على درجتين.

كما أن حجم الإشكالات التي يثيرها تطبيق المقتضيات الحالية لطمن الاستئناف في التشريع المغربي واضحة وهي إشكالات لن تجد حلا إلا بمراجعة قواعد هذا الطعن في الاتجاه الذي يؤهله ليكون وسيلة لإنهاء النزاع كذلك.

خاتمة:

وفي سبيل هذه المراجعة نقترح ما يلي:

ففيما يتعلق بممارسة حق الاستئناف نرى ضرورة التركيز على مطلبين وهما:

  1. توسيع نطاق حق الاستئناف، سواء من حيث الأحكام التي يجب أن يرد عليها، أو من حيث الأشخاص الذين يمكنهم ممارسته بصوره وأشكاله المتعددة.
  2. إقرار مبدأ مسؤولية المستأنف عن استئنافه ومسؤولية المحكوم له عن التنفيذ المبكر.

وفيما يخص خصومة الاستئناف نذكر بدعواتنا الهادفة إلى:

  1. توسيع سلطات الخصوم بشأن النزاع، سواء بالسماح لهم بتقديم ادعاءات جديدة مرتبطة بالطلب الأصلي، أو بتمكينهم من حق اختصام الغير لأول مرة في الاستئناف.
  2. توسيع سلطات محكمة الدرجة الثانية في تحقيق النزاع لإنهائه، سواء باستدعاء من ترى حضوره ضروريا لحل النزاع، أو باللجوء إلى إجراءات التحقيق عند استعمالها لحقها في التصدي.
  3. انفتاح خصومة الاستئناف على الغير للتدخل فيهما كلما أدى تطور النزاع إلى ضرورة هذا التدخل.

وكما هو ملاحظ فإن الفكرة العامة للإصلاح والتحديث الذي ندعو له، هي توسيع نطاق خصومة الاستئناف موضوعا وأشخاصا، لتكون الدرجة الثانية مناسبة لازدهار الخصومة القضائية، يستكمل فيها النزاع كل سبل تطوره، حتى يكون قرار محكمة الاستئناف بشأنه منهيا له، فتتحقق الصفة الانتهائية لقرارها فعلا، لا شكلا، ويكون الحل القضائي الاستئنافي أفضل وأحسن من ذلك الذي كان محلا للمراجعة.


[1]من رسالة سيدنا عمر بن الخطاب إلى أبي موسي الأشعري قاضي الكوفة، انظر النص الكامل عند الماوردي في الأحكام السلطانية ص 71 وعند الجاحظ في البيان والتبين – الجزء الثاني – ص 43، وشرحها ابن القيم في أعلام الموقعين، الجزء الأول، ص 98، وابن فرحون في تبصرة الحكام، ص 56.

وانظر أيضا: أحمد سحنون: رسالة القضاء لأمير المؤمنين عمر في الخطاب. توثيق، دراسة وتحقيق، أطروحة دكتوراه الدولة، دار الحديث الحسنية الرباط 1980.

[2]روى الإمام البخاري في صحيحه من كتاب الأحكام عند باب موعظة الإمام للخصوم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام، عن أبيه، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إنما أنا بشر، وانكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار”.

[3]المقصود بالعدالة هنا، عدالة الإنسان النسيبة، لا عدالة الخالق المطلقة.

[4]كقواعد الآجال التي يؤدي انصرامها إلى سقوط حق الطعن، وحجية الأمر المقضي التي تمنع معاودة اللجوء إلى القضاء في أمر سبق الفصل فيه.

[5]يعتبر كثير من الفقه هذه القواعد كمبادئ تارة للقضاء المدني كله، وتارة لطعن الاستئناف خاصة، ونفصل الحديث عنها كقواعد فقط.

[6]Louis Asselin : Le doublr degré de juridiction. Thèse Poitier 1934.

[7]وقد جعل الفصل 9 من قانون التنظيم القضائي، ظهير 15 يوليوز 1974، والفصل 18 و 19، 24 من قانون المسطرة المدنية، من محكمة الاستئناف محكمة درجة ثانية بالنسبة للمحكمة الابتدائية.

[8]المادة 18 من قانون المحاكم التجارية، القانون رقم 95-53 الصادر بطهير 12 فبراير 1997 الجريدة الرسمية عدد 4482 بتاريخ 15 ماي 1997 ص 1141.

[9]طبقا لمقتضيات المادة 45 من قانون المحاكم الإدارية، القانون رقم 90-41 الصادر بظهير 10 شتنبر 1993، الجريدة الرسمية عدد 4227 بتاريخ 3 نونبر 1993، ص 2168.

وقد نسخت هذه المادة بمقتضى القانون رقم 03-80 المحدثة بموجبه محاكم استئناف إدارية والصادر بالظهير الشريف رقم 07-06-1 المؤرخ في 4 فبراير 2006، الجريدة الرسمية عدد 5398 بتاريخ 23 فبراير 2006، ص 490.

[10]ويعتبر كثير من فقهاء المسطرة هذه القاعدة بمثابة مبدأ عام للتقاضي ولذلك يتم بحثها في باب المبادئ العامة للقضاء.

[11]Jaqaues Miguet : Immutabilité et évolution du litige. Thèse Toulouse 1977 p 13.

[12]الفصل 32 من قانون المسطرة المغربي.

[13]AZARD : L’immutabilité de la demande en droit judiciaire français. Thèse. Paris 1936. p 15.

[14]الفصل 103 من قانون المسطرة المغربي.

[15]الفصل 15 من قانون المسطرة المغربي.

[16]الفصل 142 من قانون المسطرة المغربي.

[17]إما بواسطة طعن إعادة النظر طبقا لمقتضيات الفصل 402 من قانون المسطرة، أو حتى للنقض في حالة تحريفه للطلبات.

[18]وفي ذلك ينص الفصل 134 من قانون المسطرة المدنية على أن استعمال الطعن بالاستئناف حق جميع الأحوال عدا إذا قرر القانون خلاف ذلك.

[19]يجد هنا التطور سنده التشريعي أساسا في قانون المسطرة المدنية الفرنسي.

×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading