د. المكي السراجي
أستاذ بكلية الحقوق بسلا
إن الحديث عن الطبيعة القضائية للطعون الانتخابية ليس حديثا نظريا بحتا ([2]) بعيدا عن أي نتائج عملية بل إن لهذا التكييف أو ذاك نتائج بالغة الأهمية، ومحددة لمسار الدعوى الانتخابية المعنية. فتكييف هذه الدعوى بأنها دعوى إلغاء بسبب تجاوز السلطة له كنتيجة احترام المساطر المتبعة في هذه الدعوى وكذا التقيد بالآجال المضروبة فيها، وبالتالي فإن الدعوى التي لا تحترم جوهر دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة الذي يكمن في وجود قرار إداري بمقوماته المعروفة ([3])، ولا تحترم هذه المساطر وهذه الآجال ترفض. كما أن تكييف الدعوى بأنها قضاء شامل يرتب بعض الآثار على هذه الدعوى من حيث وجوب أداء الرسوم القضائية، ومن حيث سلطات القاضي.
نسارع منذ البداية إلى ملاحظة أن الطبيعة القضائية للطعون الانتخابية ليست واضحة بشكل كاف، وبأنها تتأرجح بين دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ودعوى القضاء الشامل.
هذه الطبيعة الغامضة لا تقتصر فقط على الطعون التي لم ينظمها المشرع بل تمتد أيضا حتى إلى تلك التي حظيت بمثل هذا التنظيم، ونخص بالذكر هنا الانتخابات المنظمة بمقتضى مدونة الانتخابات. وبالتالي فإن المشرع نفسه عندما نص في المواد 69و 193و 215 و 281 من المدونة المذكورة على أنه يمكن الطعن في القرارات الصادرة عن مكاتب التصويت، ومكاتب التصويت المركزية، ولجان الإحصاء التابعة للجماعات الحضرية أو المقاطعات، ولجان الإحصاء أو التحقق التابعة للعمالات أو الأقاليم واللجان الجهوية للإحصاء فيما يتعلق بالعمليات الانتخابية وإحصاء الأصوات وإعلان نتائج الاقتراع، جعل الطعن الانتخابي متطابقا مع دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أو على الأقل قريبا كثيرا منها الأمر الذي دفع القاضي في البداية إلى التقييد بالتفسير الحرفي لمقتضيات هذه المواد فكان يرفض الدعوى إذا لم يعرض الطاعن على المكاتب المذكورة ما يدعيه من مخالفات لتبت فيها، وتصدر قرارات في شأنها. وفي هذا الإطار صرح المجلس الأعلى بأن المحكمة قد خرقت القانون عندما لم ترفض الدعوى لأن المدعي لم يعرض على مكتب التصويت أو المكتب المركزي ما ادعاه من مخالفات ليبت فيها، ويصدر مقررا في شأنها قابلا للطعن لدى المحكمة ([4]) . كما اعتبر في قرار آخر أن جميع المسائل التي تثيرها العمليات الانتخابية يجب أن تعرض على مكتب التصويت ليبت فيها، ويضمن مقرراته بشأنها في محاضر هذه العمليات لهذا تكون المحكمة على صواب لما رفضت دعوى الطعن في العمليات الانتخابية باعتبار أن الأسباب المعتمدة للطعن لم يقع الاحتجاج بها أمام مكتب التصويت ([5]). غير أن هذا التوجه سرعان ما تخلى عنه القضاء تحت ضغط بعض الصعوبات في الحالة التي يثير فيها المعنيون بالأمر ملاحظاتهم ولا يتم اتخاذ قرار في شأنها، وبالتالي لا تدون في المحاضر أو تكون هذه المحاضر معيبة في شكلها وغير صادقة في مضمونها، وكذلك إذا لم يوجه الطاعن
دعواه أصلا ضد هذه القرارات لأنه لا ينسب الخروقات التي طالت العملية الانتخابية إلى الجهات المشرفة على العملية الانتخابية ([6]) . كما أن القاضي وارتباطا بما سلف كان يحصر أطراف المنازعة الانتخابية فقط في المدعي والسلطات والجهات المشرفة على العملية الانتخابية دون إدخال الأشخاص الآخرين المعنيين بأمر الانتخاب كالناخب المطلوب التشطيب عليه من اللوائح الانتخابية أو المرشح الفائز الذي حسمت نتيجة الانتخاب لصالحه. غير أنه بالنظر إلى بعض الصعوبات التي وجدتها المحاكم في تبليغ مقالات الطعن لرؤساء مكاتب التصويت، وللجهات التي أشرفت على العملية الانتخابية التي تنفض مجالسها بمجرد التوقيع على المحاضر، والإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، وبالنظر إلى ما قد يترتب عن عدم توجيه الطعن ضد الشخص أو الأشخاص المعنيين بأمر الاقتراع تسجيلا ونتيجة من تمديد عمر النزاع على إثر توجيه الطعن من قبل من لم يكن حاضرا فيه، بالطرق المتاحة قانونا، وهو ما يتعارض مع الآجال القصيرة التي خص بها المشرع الطعون الانتخابية، وبالنظر كذلك إلى ما تمتاز به العملية الانتخابية من تفاعل جميع الأطراف المشاركة فيها؛ إذ قد تعرف خروقات ترتكبها تلك الأطراف مع بقائها خارج مجال المنازعة الانتخابية، وهذه الأطراف معنية أكثر من غيرها لعرض دفوعاتها والدفاع عن المناصب التي فازت بها، بالنظر إلى ذلك كله اعتبر القضاء في العديد من أحكامه أن هذه الأمور غير مستساغة، وليس من العدل عدم إدراج هذه الأطراف في الطعن كأطراف رئيسية لاسيما وأن المشرع ذاته لم يحدد بدقة الأطراف التي ينبغي توجيه الطعن ضدها ([7]) . وبالتالي دفعت كل هذه الاعتبارات القضاء إلى أن يبتعد في الدعوى الانتخابية عن منطق كل من دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ودعوى القضاء الشامل اللتان تتطلبان أن يكون الشخص العمومي بمفهومه العضوي أو الوظيفي حاضرا في الدعوى.
كما يلاحظ على مستوى القيد في اللوائح الانتخابية أو الترشيح أن المشرع يتحدث عن الطعن ضد قرارات صادرة عن سلطات إدارية سواء بالتقييد أو بالتشطيب أو برفض التقييد في اللوائح الانتخابية أو رفض الترشيح. كما أنه في مرحلة القيد في اللوائح الانتخابية وضع مسطرة خاصة للطعن في قرارات لجنة الفصل أمام المحاكم الإدارية علما أن القرارات المتعلقة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية أو الحذف منها تصدر عن اللجنة الإدارية وتتجلى هذه المسطرة في أنه يجب على كل من يعنيه الأمر أولا توجيه الطلب في شأن قرارات اللجنة الإدارية إلى لجنة الفصل. وهو ما يفيد أن المشرع يتعامل عمليا مع الدعوى الانتخابية من منظور قضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أكثر من منظور القضاء الشامل الذي يتفق حوله غالبية الفقه ويجمع عليه كل القضاء ([8]). الأمر الذي جعل بعض المحاكم الإدارية واستحضارا لمسطرة الطعن المتبعة في دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، تعتبر أنه متى انقضى أجل الطعن في قرارات لجان الفصل تصبح الأهلية الانتخابية محصنة وفي مأمن من كل ملاحقة إدارية أو قضائية ولا يمكن إثارتها أثناء الطعن في العملية الانتخابية ([9])، في حين ذهبت محاكم أخرى إلى الحكم بجواز ذلك ورتبت إلغاء العملية الانتخابية في الحالة التي تكون فيها الخروقات التي طالت عملية القيد قد أثرت على نتيجة الانتخاب ([10]).
ويعود سبب هذه المواقف المختلفة إلى تخبط الدعوى الانتخابية بين دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة (أولا) ودعوى القضاء الشامل (ثانيا).
أولا: الطعن الانتخابي ودعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة
إن دعوى التجاوز في استعمال السلطة هي الوسيلة القضائية التي تمكن القاضي من مراقبة قرارات السلطات الإدارية لإلغائها إذا كانت مشوبة بعدم الشرعية وفق مسطرة قضائية حددها القانون. تهدف إذن هذه الدعوى إلى إلغاء القرار الإداري المعبر عن الإرادة المنفردة للسلطة الإدارية بسبب تجاوز السلطة. أما الدعوى الانتخابية فإنها قد تهدف إلى إلغاء قرار إداري كما قد تروم محاكمة العملية الانتخابية، وما أسفرت عنه من نتائج ([11]).
نلاحظ أن الدعوى الانتخابية تختلف عن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من عدة جوانب نختزلها فيما يلي:
1. الطعن الانتخابي ليس بالضرورة طعنا ضد قرار إداري
يعتبر الطعن المنصب على قرارات لجان الفصل وقرارات السلطات المكلفة بتلقي الترشيحات طعنا منصبا على إلغاء قرار إداري لكن في المجال الانتخابي وليس في مجال التجاوز في استعمال السلطة. أما الطعن الانتخابي المنصب على القرارات المتعلقة بالإعلان عن نتائج الانتخاب ليس طعنا ضد قرار إداري بالمعنى الصحيح. فقد أقر قضاء مجلس الدولة المصري أن إعلان نتيجة الانتخاب ليس قرارا إداريا، طالما أن هذا الأخير هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الذاتية، بقصد إحداث أثر قانوني على نحو ما يعرف. أما عملية الانتخاب فهي إعلان عن إرادة الناخبين، ومظهر من مظاهرها بدون تدخل أو إيحاء من السلطة الإدارية ([12]).
غير أن هذا لا يعني غياب أي تصرف إداري في هذا المضمار، بل تبقى السلطة الإدارية حاضرة في هذه العملية. وكل ما هناك هو أن هذا التصرف الإداري لا يرقى إلى منزلة القرار الإداري بمقوماته المعروفة ما دام لا يعبر عن إرادتها المنفردة الذاتية السلطوية لترتيب آثار قانونية بدون موافقة المخاطبين به ([13])، ويقتصر فقط على الإعلان عن إرادة الناخبين. وكأن السلطة الإدارية في هذه العملية تأخذ صفة الناطق باسمهم. والسلطة الإدارية التي نتحدث عنها في هذا الموضع هي لجنة الإحصاء التابعة للجماعات الحضرية أو المقاطعات ولجنة الإحصاء أو التحقق التابعة للعمالة أو الإقليم ولجنة الإحصاء الجهوية، ولجنة الإحصاء بالنسبة لغرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك حالات، وهي كثيرة في الطعون الانتخابية، ينصب فيها الطعن على خروقات تنسب إلى السلطة الإدارية من غير أن تصدر أي قرار إداري. بل أنه في الغالب يزج بها في الدعوى رغم أن الخروقات المثارة تنسب إلى المرشح الفائز أو تنسب إلى مكتب التصويت. وفي هذه الحالة يصعب القول بأن الطعن الانتخابي هو دعوى تهدف إلى إلغاء قرار إداري بسبب تجاوز السلطة. كما يصعب الجزم بأن مكاتب التصويت على خلاف لجان الإحصاء، تشكل سلطات إدارية حقيقية بالنظر إلى تشكيلة هذه المكاتب وإلى الهدف منها ([14]).
قد يبدو أن الطعن في مرحلتي القيد في اللوائح الانتخابية والترشيح هو طعن ضد قرار إداري يدخل في جميع الأحوال في إطار قضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة. بيد أن الحقيقة غير ذلك إطلاقا لأنه حتى في الطعن في العملية الانتخابية الذي يدرجه غالبية الفقه والقضاء ضمن القضاء الشامل قد تنصب الوسائل المثارة على خروقات لقواعد القيد في اللوائح الانتخابية والترشيح.
وهكذا يظهر أنه يصعب في هذه الحالة القول بشأن طعن واحد بأنه يحتوي على جانب يتعلق بقضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وجانب آخر يتعلق بالقضاء الشامل. كما أن قسم القضاء الشامل داخل المحكمة الإدارية هو الذي ينظر في الطعون المتعلقة بالعملية الانتخابية حتى ولو كانت الوسائل المثارة منصبة على قواعد القيد والترشيح وليس قسم قضاء الإلغاء. هذا علاوة على أن القضاء وهو ينظر في طعن منصب على العملية الانتخابية يمكن أن يلغي الانتخاب إذا تبين له أن عملية القيد في اللوائح الانتخابية أو عملية الترشيح شابتها خروقات أثرت في نتيجة الاقتراع، وبذلك فهو لا يقتصر على النظر في القيد والترشيح بشكل منفصل عن العملية الانتخابية. وهو ما يؤكده أحد أحكام المحكمة الإدارية بالرباط التي ذهبت في معرض نظرها في طعن في العملية الانتخابية إلى أن التمسك بالتسجيل المتكرر لنفس الشخص في اللوائح الانتخابية لا يمكن أن يكون له أثر بمناسبة الطعن في العملية الانتخابية إلا إذا ثبت أن الصوت الإضافي المدلى به في خرق القانون كان له تأثير في قلب نتيجة الاقتراع ([15]).
2. انفراد الطعون الانتخابية بنصوص قانونية خاصة([16])
أفرد المشرع المغربي لبعض الطعون الانتخابية نصوصا قانونية خاصة تنظمها. ولو أراد إخضاعها للبنود التي تنظم دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة لنص على ذلك صراحة.
ولقد استقر قضاء مجلس الدولة المصري على أن الطعون الانتخابية لا تندرج في قضاء الإلغاء. لأن المشرع خص الطعون الانتخابية بفقرة خاصة، وهي الفقرة الأولى من المادة الثالثة من قانون سنة 1949 ولو كانت هذه الطعون ضربا من ضروب المنازعات في القرارات الإدارية لما عنى الشارع بهذا التخصيص مع التعميم الوارد في نص الفقرة السادسة من قانون سنة 1949 التي تشمل طلبات الإلغاء ضد القرارات الإدارية ” ([17]) .
ومن ثم، فإن الطعن الانتخابي ليس بدعوى إلغاء قرار إداري بسبب التجاوز في استعمال السلطة، لأنها لو كانت كذلك لما اهتم المشرع بتنظيمها بنصوص خاصة، وإخضاعها لمسطرة منفردة تميزها.
3. خصوصية الإجراءات المسطرية المتعلقة بالطعون الانتخابية ([18])
قد يظهر لأول وهلة أن بعض الطعون الانتخابية لاسيما في مرحلة التسجيل في اللوائح الانتخابية وفي مرحلة الترشيح تشبه وتماثل الطعون بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة، لكنها في حقيقة أمرها لا علاقة لها بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة بالنظر إلى المسطرة الخاصة المطبقة في مجال الطعون الانتخابية. فهذه الطعون كما ذهبت إلى ذلك بعض المحاكم الإدارية معفية من المؤازرة بمحام ([19]). أما دعاوى الإلغاء فإنها غير معفية من هذه المؤازرة، حيث يشترط في عريضة الدعوى أن تكون موقعة من طرف أحد المحامين المسجلين في جدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب. لذلك أكد المجلس الأعلى أن العريضة الخالية من توقيع محام مقبول للترافع يؤدي إلى التشطيب على الملف من غير استدعاء الأطراف ([20]). كما تتميز الطعون الانتخابية عن دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة بالطابع الاستعجالي الذي يقتضي رفعها والحسم فيها بسرعة لعلاقتها المباشرة بالنظام العام.
وقد حدد المشرع آجالا قصيرة لرفع الدعوى الانتخابية وإصدار الأحكام في الطعون المتعلقة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية وبالترشيح وبالعمليات الانتخابية. فأجل رفع الطعن أمام المحكمة الإدارية المفتوح لكل مرشح رفض التصريح بترشيحه بخصوص انتخابات مجالس الجماعات الحضرية والقروية ومجالس المقاطعات هو يومين يبتدئ من تاريخ تبليغه بقرار الرفض. وتبت المحكمة ابتدائيا وانتهائيا في الطعن في ظرف ثلاثة أيام، ابتداء من تاريخ إيداعه بكتابة ضبطها ([21]).
بالنسبة لانتخابات مجالس العمالات والأقاليم حدد المشرع لكل مرشح رفض التصريح بترشيحه، أجل إحالة مقرر الرفض إلى المحكمة الإدارية المختصة بصفة نهائية في ظرف يومين يبتدئ من تاريخ الرفض، وتبت المحكمة الإدارية المختصة في أجل ثلاثة أيام يبتدئ من تاريخ إيداع الشكوى ([22]).
بخصوص العمليات الانتخابية للجماعات الحضرية والقروية، ومجالس المقاطعات ومجالس العمالات والأقاليم، ومجالس الجهات، والغرف المهنية يقدم الطعن في ظرف ثمانية أيام كاملة تبتدئ من يوم إيداع المحضر الذي يتضمن إعلان نتائج الاقتراع ([23]). وتبت المحكمة الإدارية في الطعن في ظرف أربعين يوما من تاريخ إيداعه بكتابة ضبطها ([24]).
أما بالنسبة لدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، فإنها ترفع أمام المحكمة الإدارية داخل أجل ستين يوما يبتدئ من تاريخ نشر القرار أو تبليغه كما جاء في القانون ([25]) ، أو ابتداء من تاريخ العلم اليقيني بالقرار حسب الاجتهاد القضائي.
ويمكن للمعني بالأمر قبل انقضاء أجل ستين يوما يبتدئ من نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه، توجيه شكوى للإدارة في شكل تظلم استعطافي أو رئاسي، وذلك على نحو اختياري. وحينئذ يتوقف أجل الطعن القضائي إلى غاية صدور قرار برفض التظلم الإداري الذي يفتح من جديد هذا الأجل، وهو ستون يوما يبتدئ من تاريخ تبليغ القرار الصادر صراحة برفض التظلم الإداري كليا أو جزئيا.
استنادا إلى ما سبق، فإن الطعون الانتخابية لا تندرج ضمن قضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، نظرا لما تتطلبه طبيعة هذه الطعون من بساطة في الإجراءات، وقصر في أجل الطعن، وسرعة في البت، ومن النظر في النازلة من دون أن تقترن بأي تجاوز في السلطة.
في هذا السياق أقر مجلس الدولة المصري أن الطعون الانتخابية لا تندرج في قضاء الإلغاء لأن “… الإجراءات المفروضة على قضاء الإلغاء، كاشتراط توقيع العريضة بواسطة محام لدى محكمة النقض أو لدى محكمة الاستئناف، وشروط دفع الرسوم، الخ، لا تتفق مع طبيعة الطعون الانتخابية، وما يجب أن تحاط به من رعاية تضمن سرعة الفصل فيها لاتصالها الوثيق بالمصلحة العامة، لأن تأخير الفصل فيها قد يضع الأمور العامة بين أيدي من لا يصلحون لها، وأن في شأن ماضيهم وحاضرهم إجرام أو غير ذلك مما قد يكون له أثر في تلك الشؤون ” ([26]).
4. سلطة واسعة للقاضي ([27])
يظهر الوجه الأكثر خصوصية للمنازعات الانتخابية في طبيعة السلطات الممنوحة للقاضي في مرحلة فرز الأوراق وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج التي تجعلها تتميز عن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة حيث تنحصر سلطته في إلغاء القرار المتسم بتجاوز السلطة من غير تعديل هذا القرار، أو تبديله بغيره.
وفي هذا الإطار، يرى لافريير E. La Ferrière أنه في دعاوى الإلغاء لا تتمتع المحاكم الإدارية إلا بسلطة إلغاء القرارات غير المشروعة، ولا تعمد إلى استبدالها بقراراتها الخاصة. أما بالنسبة للطعون الانتخابية فيمكن للقاضي أن يعدل النتائج المعلن عنها، ويحل محل لجنة إحصاء الأصوات. ولا يكون ملزما في الطعن المنصب على عملية الإعلان عن النتائج، بالاختيار بين إلغاء القرار ورفض الطلب كما هو الأمر في مجال التجاوز في استعمال السلطة ([28]) .
عموما يمكن القول إن الدعاوى الانتخابية تهدف أحيانا فعلا إلى إلغاء قرارات إدارية صادرة عن سلطات إدارية تشرف على العملية الانتخابية. ومن هذا المنظور تكون مشابهة ومماثلة دون حد التطابق لدعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، وأحيانا أخرى قد لا تهدف إلى إلغاء هذه القرارات. بل وحتى على مستوى تلك الخصائص التي يرى فيها كثير من الفقه أن الدعوى الانتخابية تتقاطع فيها مع دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة نسجل في أحدها بعض التحفظات كما نسجل تراجعا قضائيا في البعض الآخر. ويتعلق الأمر بخاصية موضوعية الدعوى (1)، وبخاصية المجانية (2).
1. موضوعية الدعوى ([29])
تكون الدعوى موضوعية إذا كانت القضية المطروحة على القاضي تهدف تحديد مدى مطابقة العمل القانوني أو المادي للقاعدة القانونية. في حين تكون الدعوى ذاتية، إذا كانت القضية المطروحة على القاضي تهدف معرفة ما إذا كان العمل القانوني أو المادي، قد أنكر حقا شخصيا للطاعن ([30]) .
ولقد اعتبر جانب واسع من الفقه وكذا القضاء أن دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة والطعون الانتخابية ذات طابع موضوعي.
فرأى عبد الله حداد أن الطعون الانتخابية تقترب من الناحية الموضوعية من دعوى الإلغاء ([31])
ذهب كل من R. Drago, J.M. Auby أن الدعاوى الانتخابية تدخل في إطار الدعاوى الموضوعية لأن القاضي يعمد في بعض الحالات إلى تصحيح العملية غير المشروعة ([32]).
إذا كان هذان الفقيهين قد اعتمدا على سلطات القاضي لتقرير الطبيعة الموضوعية للطعون الانتخابية، فإن الفقه والقضاء المغربيين قد ارتكزا على موضوع وغاية هذه الطعون. وهكذا يميل الحسن سيمو إلى القول إن الدعاوى الانتخابية هي دعاوى عينية موضوعية لأنها ترفع ضد مقررات، وليس ضد أشخاص ([33]).
كما يرى محمد عامري أن دعوى الطعن الانتخابي تتعلق بمراكز قانونية موضوعية لأنها في جوهرها تهدف إلى مراقبة احترام الشرعية كدعوى الإلغاء. فهي تتعلق بنزاعات موضوعية، وتهدف إلى مراقبة صحة العمليات الانتخابية ([34]).
وأكد المجلس الأعلى الطابع الموضوعي للمنازعات الانتخابية بالنظر إلى كون الالتجاء إلى القضاء في نوازل الانتخابات ليست الغاية منه الفصل في نزاع بين شخصين أو أكثر، وإنما التحقق من أن العمليات الانتخابية قد أجريت طبقا لما أراده المشرع من صدق التصويت وحريته، وأن هذا الالتجاء من أجل طبيعته غير موجه ضد أشخاص بل ضد إجراءات ([35]).
سارت المحكمة الإدارية بمراكش في نفس الاتجاه، وقضت بأن الطعون الانتخابية بطبيعتها قضايا عينية لأنها توجه ضد إجراءات انتخابية لا ضد أشخاص ذاتية أو معنوية ([36]). وهو ما أكدته كذلك المحكمة الإدارية بالرباط في أحد أحكامها حيث قضت بأن منهجية القاضي الإداري في محاكمة العملية الانتخابية تقوم على أساس التحقق من شرف ونزاهة الاقتراع؛ إذ من صلاحيته التدخل لحماية إرادة الناخب، وحريته المطلقة في اتخاذ قراره وذلك في حل من كل تهديد أو ضغط ناجم عن استعمال المال، والذي في حال ثبوته يفضي إلى إفساد العملية الانتخابية بغض النظر عن الشخص المتسبب في ذلك، إعمالا للطابع الموضوعي للمنازعة الانتخابية ([37])
غير أنه لا يمكن الجزم بشكل مطلق أن للدعوى الانتخابية طبيعة موضوعية محضة. لأنه إذا كانت هذه الطبيعة حاضرة بشكل قوي في دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، فإن الأمر يجب أن يؤخذ في المجال الانتخابي بتحفظ شديد. حقا للطعن الانتخابي بعدا موضوعيا بالنظر إلى مقاصد الانتخاب التي تتصل بحقوق الهيئة الناخبة في انتخابات حرة ونزيهة وشرعية، وبالنظر كذلك إلى غاية المشرع في مطابقة العمل القانوني أو المادي للقاعدة القانونية الانتخابية، ولأن أطراف هذا الطعن ينازعون الانتخاب في إطاره القانوني، ولا ينازعون الأفراد في حقوقهم الشخصية الذاتية، لكن هذا كله لا ينفي عن الطعن الانتخابي طبيعته الذاتية والشخصية التي ترتبط بحقوق أطرافه في الفوز بالاستحقاق الانتخابي. هذه الطبيعة التي فرضت نفسها حتى على القاضي الذي أخذ يشترط ضرورة توجيه الطعن الانتخابي ضد المرشح الفائز تحت طائلة عدم قبول الطلب لاسيما إذا كانت الوسائل المثارة تنصب على خروقات منسوبة إليه أو إلى مناصريه ومؤيديه ([38]) .
من هنا يمكن القول إن للطعن الانتخابي طبيعة شخصية لكن بعده موضوعي. بمعنى أنه طعن تخالطه الطبيعة الشخصية والبعد الموضوعي. وهكذا يبدو أنه من الصعب إسقاط عليه خصائص دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، أو خصائص أي دعوى أخرى.
كما لا يفوتنا أن نشير في معرض حديثنا عن موضوعية الدعوى الانتخابية، ولا نقول عينيتها كما يشاء للبعض أن يسميها ([39])، إلى أن المقصود بها كما تبين لنا من خلال ما سبق في تعريفات الفقه واجتهادات القضاء ليس هو نفس المعنى المعروف في القانون الخاص حيث تعرف الدعوى الموضوعية أو الدعوى العينية بأنها دعوى ترمي إلى حماية حق عيني، والحق العيني سلطة مباشرة يمنحها القانون لشخص ما على شيء معين يمارسها دون وساطة أحد. في مقابل الدعوى الشخصية التي ترمي إلى حماية حق شخصي، والحق الشخصي أو الالتزام رابطة قانونية بين شخصين أحدهما دائن والآخر مدين يلتزم بمقتضاه المدين إما بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل ([40]) . لذلك نرى أن المعنى الذي يجب أن نعطيه لمفهوم الدعوى الموضوعية في المجال الانتخابي هو أن هذه الدعوى لا تنصب في بعدها على حقوق شخصية وإنما تنصب على ما سنه المشرع من إجراءات وتدابير في القانون الانتخابي، حتى وإن بدا الطعن الانتخابي في كثير من الأحيان طعنا شخصيا ينصب على حقوق شخصية تتصل بالفوز بالاستحقاق الانتخابي. بمعنى أن أساس الطعن الانتخابي هو حق شخصي لكن بعده موضوعي لأنه يتصل بالنظام العام وبالمصلحة العامة.
2. مجانية التقاضي ([41])
من الخصوصيات التي تتميز بها دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة في التشريع المغربي، كونها معفية من الرسوم القضائية. فالمادة 22 من قانون المحاكم الإدارية تنص على أنه ” يعفى طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أداء الرسم القضائي “. كما تنص المادة 10 من القانون المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية على أنه ” يعفى طلب الاستئناف من أداء الرسوم القضائية “.
تجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي قد أعفى بدوره هذه الدعوى من أداء الرسوم القضائية ليجعلها بذلك أكثر شعبية، وأكثر تداولا بين الأفراد ([42]). في حين يفرض القانون المصري دفع هذه الرسوم عند رفع طلبات الإلغاء ([43]).
أما ما يخص الطعون الانتخابية فقد نص المشرع المغربي على مجانيتها بالنسبة لانتخابات مجالس الجماعات الحضرية والقروية ومجالس المقاطعات ومجالس العمالات والأقاليم ومجالس الجهات وانتخابات الغرف المهنية ([44]). بينما سكت عن هذا الإعفاء بالنسبة لبعض الانتخابات كتلك المتعلقة بحكام الجماعات والمقاطعات والانتخابات الجامعية. فذهب القضاء إلى أنه يلزم دفع الرسوم القضائية بالنسبة لهذه الانتخابات، وإلا تعرضت الدعوى لعدم القبول. فقد جاء في أحد أحكام المحكمة الإدارية بوجدة “أن المشرع حينما يريد إعفاء نزاع ما من أداء الرسم القضائي، فإنه ينص على ذلك صراحة كما فعل في المادة 22 من قانون 41-90 بالنسبة لطلبات إلغاء القرارات الإدارية بسبب التجاوز في استعمال السلطة، وفي القانون رقم 97 -9 المتعلق بمدونة الانتخابات أو في غيرها من النصوص القانونية.
وحيث إن المنازعة الانتخابية موضوع ذات الطلب تندرج في نطاق القضاء الإداري الشامل … تستوجب أداء الرسم القضائي مقدما ([45]) .
لأن الأصل عند القضاء أن كل دعوى مرفوعة أمامه يجب أن تؤدى عنها الرسوم القضائية طبقا لظهير 1984/4/27 حسب التعريفة المنصوص عليها بالفصول 24، 25 و29 من نفس القانون، ولا تستثنى من ذلك إلا دعاوى الإلغاء لتجاوز السلطة المنصبة على القرارات الإدارية، أو التي ورد بشأنها نص خاص ينص على مجانية التقاضي.
وعليه تميز المحاكم الإدارية بين دعوى الإلغاء التي نص المشرع على قاعدة مجانية التقاضي وموضوعها هو القرارات الإدارية القابلة للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة، ودعوى القضاء الشامل التي تستوفى عنها الرسوم القضائية طبقا للفصل 24 من ظهير 1984/4/27 وما يليه ([46]).
نفس الموقف عبرت عنه المحكمة المذكورة في حكم آخر يتعلق بانتخابات ممثلي رجال التعليم الباحثين في مجلس الجامعة ومجلس المؤسسة، وكذا رؤساء الفروع حيث أقرت أن المشرع حينما يريد إعفاء نزاع ما من أداء الرسم القضائي، فإنه ينص على ذلك صراحة، كما فعل في المادة 22 من قانون 41-90بالنسبة لطلبات إلغاء القرارات الإدارية بسبب التجاوز في استعمال السلطة، وفي القانون رقم 97 -9 المتعلق بمدونة الانتخابات الحالي، وفي غيرها من النصوص القانونية. وأن القانون رقم 12-92 الذي كان يجري به العمل يوم تقديم هذا الطعن المستدل به من طرف المدعي لا تنطبق مقتضياته على خصوصيات وقائع النازلة، مادام أن الانتخابات محل النزاع ينظمها نص خاص، وهو قرار وزير التعليم العالي الذي صدر في إطار الفصل 33 من ظهير 1975/02/25 بشأن تنظيم الجامعات ([47]).
يرى محمد النجاري أنه متى سكت المشرع عن إعفاء طلب ما، وجب أداء الرسم القضائي ولو تعلق الأمر بطعن انتخابي ([48]).
ويبقى هذا الاتجاه مردودا عليه لأن تفسير سكوت المشرع عن أداء الرسم القضائي لفائدة وجوب دفعه لا يرتكز على أساس مقبول؛ باعتبار أن المشرع حينما يريد إخضاع نزاع ما لأداء هذا الرسم، فإنه ينص على ذلك صراحة. لأن المبدأ هو أنه لا ضريبة ولا رسم إلا بنص صريح. إضافة إلى أن النزاع الانتخابي حينما يتعلق بتكوين مرفق عام، فإن المشرع لا يخضعه لمثل هذا الرسم ما دام أنه لا ينصب في بعده على نزاع شخصي حول حقوق شخصية خاصة خالصة، بقدر ما ينصب على نزاع يكتسي صفة المصلحة العامة، ويتصل بالنظام العام، وبمفهوم المرفق العام، وبحقوق الهيئة الناخبة المعنية في انتخابات حرة ونزيهة خاصة وأن القضاء ذاته يقر بالبعد الموضوعي للدعوى الانتخابية كما مر بنا. كما لا يمكن إغفال أن الطعن الانتخابي قد يرفع ضد قرارات إدارية في إطار دعوى الإلغاء لكن ليس بسبب تجاوز السلطة لأننا في تصفحنا لكثير من الأحكام القضائية لم نعثر على عبارة الإلغاء بسبب تجاوز السلطة فكانت دائما الصيغة المستعملة هي “إلغاء قرار لجنة الفصل” أو “إلغاء قرار السلطة المكلفة بتلقي الترشيحات “؛ فالطعون التي ترفع ضد قرارات هذه السلطات تهدف إلى إلغاء قرارات إدارية في المجال الانتخابي وليس في مجال التجاوز في استعمال السلطة. وأخيرا لا يمكن الجزم بأن الطعن الانتخابي يدخل في إطار دعوى القضاء الشامل كما سنوضح ذلك فيما سيأتي. ونرى أن هذا التكييف يفتقد إلى أساس سليم ومقبول.
هذا علاوة على أن الفقه يعتبر أن من أبرز خصوصيات الطعون الانتخابية مجانيتها. وهي إحدى التسهيلات الممنوحة للناخبين من أجل رفع الدعوى الانتخابية لفحص مشروعية العمليات الانتخابية، وكل النزاعات المرتبطة بها ([49]) . لاسيما وأن المشرع الفرنسي أعفى الطعون الانتخابية من الرسوم القضائية ([50]).
وكذلك فعل المشرع المصري ([51]).
يتضح مما سلف إذن، أن الطعن الانتخابي لا يتوافق كلية مع دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة في خاصية المجانية بالنظر إلى المواقف السابقة للقضاء الإداري.
ثانيا: الطعن الانتخابي والقضاء الشامل
يعرف القضاء الشامل بأنه “ذلك النوع من القضاء الذي يكون فيه القاضي مدعوا للبت في وجود ومحتوى وآثار الحقوق الشخصية التي يطالب بها الأشخاص العاديون أو المعنويون أحد الأشخاص المعنوية العامة ” ([52]) ، أو بأنه ” المنازعة التي يفصل فيها القاضي الإداري بين طرفين غير متساويين يكون أحدهما شخصا عاما أو ذا نفع عام أو سلطة إدارية مستقلة، سواء كانت الدعوى ترمي إلى حماية حق شخصي أو إقرار المشروعية أو إلى الأمرين معا، أو إلى أي هدف آخر من المصلحة العامة، بشكل يتطلب قيام القاضي بعمليتين أو على الأقل بعملية واحدة تقتضي سلطات واسعة، ودورا إيجابيا في توجيه إجراءات الدعوى ” ([53]) . كما يعرف بأنه “دعوى يرفعها صاحب الشأن ضد الإدارة لاعتدائها على مركزه القانوني الشخصي بإنكارها ما يدعيه قبلها من حق، أو منازعتها إياه في مداه، مطالبا القضاء بأن يحكم له على الإدارة بفعل شيء أو بدفع مبلغ من المال ” ([54]) .
يذهب غالبية الفقه إلى إدراج الطعون الانتخابية ضمن القضاء الشامل.
يرى R. Chapus ” أن التعايش ممكن بين دعوى تجاوز السلطة ودعوى القضاء الشامل، بالنظر إلى وجود بعض المنازعات المتعلقة بالقرارات المنفصلة عن العملية الانتخابية التي يمكن الطعن فيها بواسطة دعوى تجاوز السلطة، ووجود كذلك بعض المنازعات الانتخابية التي يختص بها القضاء الشامل، والتي تتمثل في المنازعات المتعلقة بالانتخابات الإدارية، وبالخصوص انتخابات المجالس المحلية، وانتخابات مجالس مختلف المؤسسات العمومية، كالانتخابات الجامعية، والغرف المهنية وانتخابات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء… ” ([55]).
أما R. Drago , J.M. Auby فقد ذهبا إلى أن تصنيف الطعن الانتخابي ضمن دعوى القضاء الشامل لا يرجع إلى طبيعته الخاصة التي تجعل العملية الانتخابية تجمع بين القانون والواقع بل يرجع إلى أن هذه العملية تسمح للقاضي بتعديل قرارات لجان الفرز وإحصاء الأصوات في الحالة التي ترتكب فيها أخطاء وخروقات وهي الحالة الوحيدة التي يعمل فيها القاضي سلطات تتجاوز مجرد الإلغاء ([56]) .
يدرج E. La Ferrière كذلك الطعون الانتخابية ضمن منازعات القضاء الشامل، لأنها تعطي للقاضي سلطات واسعة إذ يمكنه:
- إذا تبين له أن انتخابا معيبا أو باطلا، أن يلغي العملية في مجموعها، وليس العمل الأخير الذي يتكون منه، أي الإعلان عن نتيجة الاقتراع.
- أن يقوم بتصحيح النتيجة التي أعلن عنها مكتب التصويت، ولا يقتصر على إلغاء الانتخاب في حالة وجود خطأ في حساب الأصوات.
- أن يعلن عن النتائج الانتخابية عندما لا يقوم مكتب التصويت بإحصاء الأصوات ([57]).
والأمر سيان عند الفقهاء العرب، فقد أدرجها محمد سليمان الطماوي ضمن القضاء الشامل ([58]) . كما يرى عبد الله حداد أن المرحلة الأولى للانتخاب تكتسي صبغة إدارية خالصة، ويكون الطعن في هذه المرحلة أقرب إلى دعوى الإلغاء، فمثلا إذا أصدر القاضي حكما بإلغاء قرار السلطة الإدارية القاضي برفض تسجيل المرشح تكون النتيجة الحتمية لهذا الحكم تسجيل المعني بالأمر في اللائحة، بينما تكون الدعاوى الأخرى أكثر ارتباطا بالقضاء الشامل ([59]).
في نفس السياق ترى أمينة جبران أن الطابع الموضوعي للدعاوى الانتخابية لا يمنع من تصنيفها ضمن القضاء الشامل مادام أن القاضي ينظر في المسائل الواقعية والقانونية. ومادامت سلطاته تتجاوز مجرد الإلغاء إلى العمل على تعديل النتيجة في بعض الحالات. هذه السلطات اكتسبها القضاء الإداري باجتهاداته في المادة الانتخابية رغم عدم وجود نص قانوني يخولها له ([60]).
وفي نفس الاتجاه، سار كل من مرغني محمد خيري والحسن سيمو ([61]).
وقد حذا القضاء حذو الفقه في تصنيف الطعون الانتخابية ضمن دعاوى القضاء الشامل. وهكذا أقر مجلس الدولة الفرنسي أن المنازعات الانتخابية تندرج في القضاء الشامل حتى بالنسبة لانتخابات الوظيفة العمومية ([62]) .
ذهب القضاء الإداري المغربي في نفس المسار. إذ صرحت الغرفة الإدارية بأن الأصل ما لم يمنع بنص القانون فهو مباح، وأن المحكمة التي تنظر طعنا في إطار القضاء الشامل كما هو الشأن في مادة الانتخابات أن لا تتوقف عند حد إلغاء قرار مكتب التصويت ويجوز لها أن تتصدى للبت في إحصاء الأصوات التي لا نزاع في صحتها، وتصحح الخطأ الواضح، وتعلن عن الفائر ” ([63]). وقضت المحكمة الإدارية بوجدة ” بأن الطعون الانتخابية تندرج في إطار القضاء الشامل لاختصاص المحاكم الإدارية، وهذا ما سار عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي الذي درج على اعتبار المنازعات الانتخابية تخضع لولاية القضاء الإداري الشامل، وتبعه في ذلك الاجتهاد القضائي المغربي حيث اعتبر المجلس الأعلى أن هذا النوع من المنازعات يدخل في نطاق القضاء الشامل ولا يمكن اعتباره قضاء إلغاء ([64]). كما ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط إلى أن الاجتهاد القضائي المغربي استقر على اعتبار عدم إدخال المرشح الفائز سببا في عدم قبول الطلب، ما دام الطعن الانتخابي يندرج في إطار القضاء الشامل الذي تمتد فيه صلاحيات القاضي الإداري من إلغاء العملية الانتخابية إلى الإعلان عن الفائز الحقيقي ([65]).
إن الاتجاه السابق للفقه والقضاء الذي يدرج الطعون الانتخابية ضمن دعاوى القضاء الشامل هو اتجاه منتقد لأنه لا يقوم على أساس قانوني سليم (I) ثم لأنه ترتب عن ذلك خروج بعض الأعمال أو التصرفات الإدارية التي لها علاقة بالانتخاب من الطعون الانتخابية (II).
1. غياب أساس قانوني سليم لإدراج الطعون الانتخابية ضمن القضاء الشامل
يمكن القول كما تبين لنا من خلال ما سبق إن ما دفع كلا من الفقه والقضاء إلى إدراج الطعون الانتخابية ضمن دعاوى القضاء الشامل هي السلطات الواسعة التي يتمتع بها القاضي الإداري وهو ينظر في هذه الطعون. غير أننا لا نؤيد هذا التكييف بالنظر إلى عدة اعتبارات نوردها كالتالي:
أوقعت الطبيعة الخاصة للطعون الانتخابية كلا من الفقه والقضاء في تناقض؛ فتارة يدرجانها ضمن دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، وتارة أخرى ضمن دعاوى القضاء الشامل. فقد ذهب عبد الله حداد – كما سبق أن رأينا – إلى أن المرحلة الأولى للانتخاب تكتسي صبغة إدارية خالصة، ويكون الطعن في هذه المرحلة أقرب إلى دعوى الإلغاء، بينما تكون الدعاوى الأخرى أكثر ارتباطا بالقضاء الشامل ([66]). كما صرحت المحكمة الإدارية بوجدة في أحد النوازل وهي تقر بانتماء الطعون الانتخابية للقضاء الشامل بأن هذه الطعون يغلب عليها طابع دعوى الإلغاء مما يتعين معه مراعاة أجل الطعن في مثل هذه الحالات ([67]) .
إن الإقرار بهذه الطبيعة المزدوجة للطعون الانتخابية لا تخدمها بقدر ما تطمس كل هوية وكل خصوصية لها. ويرجى على الأقل تفاديا لكل تخبط وتحقيقا لقدر أدنى من المنطق وسلامة الموقف الواحد أن يتم إدراجها ضمن هذا القضاء أو ذاك بدل وضعها في منزلة بين المنزلتين لا هي في صف هذا القضاء ولا في ذاك. بل أن ما يلاحظ من بعض الأحكام القضائية أن القضاء تعامل فيها مع المنازعة الانتخابية في شقها المتعلق بالعملية الانتخابية من منظور دعوى إلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة، واعتبر الانتخابات مجرد أعمال تحضيرية في مسطرة إعداد وإصدار بعض القرارات الإدارية. وهكذا صرحت المحكمة الإدارية بوجدة بأنه ” عملا بالفصلين 4 و 5 من الظهير الشريف رقم 339.74.1 (1974/7/15) ، المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات وتحديد اختصاصها والمرسوم التطبيقي له رقم (19974/7/16) 49.74.2 فإن تعيين حكام الجماعات الذين لا ينتمون إلى السلك القضائي يتم بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء من بين أربعة مرشحين لمنصب حاكم وثمانية لمنصب نائبين له يتم انتخابهم من بين هيئة انتخابية على صعيد كل جماعة تحصرها لجنة يرأسها رئيس المحكمة الابتدائية بعد تحققها من توفر المرشحين على الشروط القانونية. وحيث لئن كانت تلك المقتضيات لم تحدد طريقا للطعن في نتائج الانتخابات التي أجريت بداخل الهيئة الانتخابية، والتي يبلغها أكبر أعضائها لرئيس اللجنة، فإن ذلك راجع لكون تلك النتائج مجرد أعمال تحضيرية تمهد لاختيار حكام الجماعة ونائبيه من بين من أسفرت عنهم تلك النتائج. وحيث إن مؤدى ذلك أن عملية قبول ترشيح الطاعن لمنصب حاكم الجماعة مجرد إجراء تمهيدي لاستصدار ظهير تعيينه في هذا المنصب، وتبقى هاته العملية برمتها غير قابلة للطعن بالإلغاء والطعن حولها غير مقبول ” ([68]).
وبالتالي نتساءل في ظل هذا الاجتهاد كيف يمكن التوفيق بين كون المنازعة الانتخابية تدخل في إطار دعوى القضاء الشامل -على فرض صحة هذا التكييف -واعتبارها في الوقت نفسه عملا تحضيريا في مسطرة إصدار القرارات الإدارية. إن هذا الاجتهاد يمثل أحد المفارقات الكبيرة التي لا تستقيم مع النسق القانوني السليم، والتي ما هي في حقيقتها إلا إحدى النتائج الطبيعية المترتبة عن عدم الاعتراف بكيان مستقل للطعن الانتخابي، وتأرجحه بين دعاوى قضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ودعاوى القضاء الشامل.
– إن الطعون الانتخابية على خلاف دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وإلى حد ما دعوى القضاء الشامل لا تدخل فقط في اختصاص القضاء الإداري، وإنما تشاركه فيه عدة جهات قضائية.
– إن إشكالية طبيعة الطعون الانتخابية غير مطروحة على مستوى الرقابة التي يقوم بها المجلس الدستوري على صحة الانتخابات التشريعية حيث تنعم الطعون الانتخابية بكيان مستقل لا ينازعها فيه أي شيء.
– حقا هناك مجالات واسعة يتيحها الطعن الانتخابي للقاضي لإعمال مراقبته لكن السلطات الواسعة التي يتمتع بها هذا القاضي، والتي يتحدث عنها الفقه والقضاء لا تبرز في جميع مراحل الطعن الانتخابي، وإنما فقط عندما ينصب الطعن على المرحلة النهائية للعملية الانتخابية عند فرز الأوراق وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج. حينئذ يمكن للقاضي أن يلغي الانتخاب أو يصحح هذه النتائج إذا تبين له وجود خطأ مادي في إحصاء الأصوات، وكان لهذا الخطأ تأثيرا واضحا على هذه النتيجة. وهي الحالة الوحيدة التي وجدنا فيها القاضي يعمل هذه السلطات الواسعة أما فيما عداها من الحالات، فإنه يقوم بدور قاضي الإلغاء في المرحلة التمهيدية لاسيما عندما يتعلق الأمر بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، وتلقي الترشيحات. ويقوم بدور المراقب للعمليات الانتخابية للتأكد من مدى مطابقتها للقانون الانتخابي هذا الدور الذي قد يدفعه إلى إلغاء اللائحة الانتخابية أو الانتخاب جزئيا أو كليا. ويقوم أخيرا في مرحلة فرز الأوراق وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج بدور المصحح لنتيجة الانتخاب المعلن عنها وتعيين المرشح الفائز، وليس فقط بإلغاء الانتخاب.
وهي المرحلة الوحيدة التي تبرز فيها السلطة الواسعة للقاضي. ولا يمكن اعتمادا على مرحلة واحدة فقط من مراحل العملية الانتخابية التي ينصب عليها الطعن أن نكيف القضاء الانتخابي بأنه قضاء شامل، وأن نجزم بشكل مطلق بأن القاضي الإداري في المادة الانتخابية يتمتع بسلطات واسعة.
– إذا كان اختصاص القضاء الإداري ينعقد سواء عندما يتعلق الأمر بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أو بدعوى القضاء الشامل على أساس وجود الإدارة كطرف في النزاع بمفهومها العضوي أو الموضوعي المتصل بالمساهمة في تسيير مرفق عام، فإن الأمر ليس دائما كذلك في المنازعة الانتخابية التي قد تكون الإدارة طرفا فيها في حالة التسجيل في اللوائح الانتخابية، وفي حالة تلقي الترشحيات، وحيث تكون القرارات التي تتخذها في هذا المجال مستوفية لجميع مقومات القرارات الإدارية من غير أن يستجمع الطعن فيها جميع عناصر دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة. أما في الحالات الأخرى فإنه يصعب الحديث عن سلطة إدارية ونخص بالكلام هنا مكاتب التصويت التي لا يمكن اعتبارها سلطات إدارية بالمفهوم الاصطلاحي لهذه العبارة. أولا لأن الهدف من تشكيل هذه المكاتب ليس هو اتخاذ قرارات إدارية بقدر ما هو إشراك الناخبين في مراقبة عملية التصويت، لدرجة أنه يمكن اختزال هذا الدور في دور إشرافي رقابي ليس إلا. ثم ثانيا لأن الطعن في قراراتها لا يعتبر طعنا في قرارات إدارية لأنها لا تستجمع عناصرها طالما أنها تقتصر على تتبع، ومراقبة عملية التصويت، وتدوين كل ما يتعلق بها، والإعلان عن أصوات الناخبين في شكل نتائج. وهو ما يفسر ميل القضاء إلى عدم اشتراط إدخال مكاتب التصويت في الدعوى عندما تكون الوسائل المثارة فيها لا تتعلق بأفعال قامت بها هذه المكاتب ([69]). كما أن السلطة الإدارية الممثلة في وزير الداخلية أو الوالي أو العامل أو رجال السلطة المحلية أو لجان الإحصاء، لا تكون حاضرة في الطعن عندما تكون الوسائل المثارة متعلقة كلها بأعمال وأفعال تنسب إلى المرشح الفائز أو إلى مناصريه، وحتى وإن حضرت فإنها تبقى على مستوى الشكل ليس إلا.
– تتميز الطعون الانتخابية عن دعاوى قضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، وعن دعاوى القضاء الشامل في خاصية أخرى تتجلى في كون الإدارة في كليهما تكون حاضرة في الدعوى بصفتها مدعى عليها غير أنه في الطعون الانتخابية قد تكون السلطة الإدارية هي المدعي كما في الحالة التي تنص عليها المادة 14 من مدونة الانتخابات التي تخول للعامل أو الخليفة الأول للعامل أو الباشا أو القائد الحق في الطعن في اللوائح الانتخابية. وكذلك الشأن بالنسبة للمادة 70 من مدونة الانتخابات التي تخول لعامل العمالة أو الإقليم أو خليفته الأول أو الباشا أو رئيس الدائرة أو القائد الذين تقع الدائرة الانتخابية في دائرة اختصاصهم، الطعن في العمليات الانتخابية المتعلقة بانتخابات مجالس الجماعات الحضرية والقروية والمقاطعات وانتخابات أعضاء مجالس العمالات والأقاليم ومجالس الجهات. أضف إلى ذلك أن القضاء لم يقر بصفة ومصلحة لجان الفصل في استئناف الأحكام الصادرة ضد قراراتها، وهو ما يخالف ما يجري عليه العمل في كل من دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ودعوى القضاء الشامل حيث يمكن للسلطة الإدارية أن تمارس حقها في الاستئناف من غير اعتراض من أي كان.
لذلك كله لا نشاطر موقف الفقه والقضاء في إدراج المراقبة التي يقوم بها القضاء على الانتخابات ذات الطبيعة الإدارية ضمن القضاء الشامل، ونميل في المقابل إلى الإقرار بخصوصية الطعن الانتخابي التي تميزه عن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وعن دعوى القضاء الشامل. وبالتالي نقر بوجود قضاء متميز له خصوصياته وكيانه المستقل، وهو القضاء الانتخابي في المادة الإدارية ([70]) . هذا القضاء الذي ينبغي أن يستغرق كل ما له علاقة بالانتخاب لأن تصنيف الطعون الانتخابية ضمن دعاوى القضاء الشامل أبقى الإشكال قائما بخصوص تكييف بعض الأعمال الإدارية التي لها علاقة بالانتخاب مثل الأعمال الممهدة واللاحقة للعملية الانتخابية، وقرارات معاينة استقالة المنتخبين والإعلان عنها.
2. خروج بعض الأعمال التي تتصل بالانتخاب من مراقبة القضاء الانتخابي
نخص بالحديث هنا الأعمال الممهدة واللاحقة للعملية الانتخابية (1)، وكذا القرارات المتعلقة بمعاينة استقالة المنتخبين والإعلان عنها (2).
1. ا لأعمال الممهدة و اللاحقة للعملية الانتخابية
تشكل العملية الانتخابية في حد ذاتها عملية مركبة تتخللها أعمالا إدارية، إذ أن كل انتخاب يتضمن أعمال تمهيدية وأخرى لاحقة تتصل بشكل أو بآخر بالعملية الانتخابية.
من نماذج هذه الأعمال التقطيع الانتخابي، واستدعاء الناخبين، وتوزيع البطائق الانتخابية، وتعليق نتائج الاقتراع وغيرها. وقد يتخلل الأعمال التمهيدية، في بعض الحالات، ما من شأنه أن يوجه مسبقا الانتخاب في هذا الاتجاه أو ذاك. وبالتالي فإن التساؤل المطروح في هذا الموضوع هو هل يجب اعتبار هذه الأعمال منفصلة عن الانتخاب، وتخضع بالتالي لمنازعة مختلفة عن تلك التي تعرض أمام القاضي الانتخابي؟ بعبارة أخرى هل ينظر القاضي في هذه الأعمال في إطار الطعون الانتخابية التي تتميز بإجراءاتها المسطرية الخاصة، ويكون الهدف منها هو إلغاء الانتخاب في حد ذاته تحضيرا ونتيجة أم ينظر فيها في إطار دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، والتي تقتصر على إلغاء هذه الأعمال فقط دون المساس بما من شأنه أن يؤثر على الانتخاب؟ ما يلاحظ أن موقف قضائنا الإداري بخصوص هذا الموضوع يختلف بحسب طبيعة العمل الممهد أو اللاحق للعملية الانتخابية. فبالنسبة للتقطيع الانتخابي لم يبين هذا القضاء طبيعة الطعون المقدمة في شأنه إذا اقترنت بالطعن في الانتخاب. غير أن المحكمة الابتدائية بالرباط صرحت في أحد أحكامها أن التقسيم الإداري يعد قرارا إداريا، ولا يمكن الاعتماد عليه لإلغاء نتيجة الانتخاب، وبالتالي يخضع إلى وسائل طعن خاصة ([71]).
غير أنه يلاحظ بالنسبة للاستدعاء لاسيما الاستدعاء الذي تقوم به السلطة المحلية للدعوة لانتخاب مكاتب المجالس الجماعية، أن القضاء الإداري لا ينظر إليه بصفة مستقلة عن الطعن الانتخابي. إذ رتب على الإخلال بالمقتضيات المنظمة له بطلان الانتخاب ككل. فقد اعتبرت المحكمة الإدارية بفاس عدم قيام السلطة المحلية باستدعاء عضو المجلس الجماعي لحضور الجلسة المخصصة لانتخاب الرئيس ونوابه سببا لإلغاء العملية الانتخابية التي تمت في غيبته. ونظرا لأهمية هذا الحكم في هذا المضمار نورد منه الحيثيات التالية: ” وحيث إن السلطة المحلية وبخصوص نازلة الحالة لم تثبت تبليغها بالاستدعاء لحضور جلسة انتخاب المكتب المعني للطاعن على العنوان الذي أدلى به أثناء ترشحه لعضوية المجلس، أو لأحد أقاربه، أو خدمه، أو لأي شخص يقيم معه حتى يكون للتبليغ المحتج به أثر قانوني في مواجهته.
وحيث إن غاية المشرع من اشتراط استدعاء جميع الأعضاء المكونين للمجلس لانتخاب مكتبه هو أن تتم العملية وفق الإجراءات المقررة قانونا. وحتى يتسنى لجميع الأعضاء دون استثناء فرصة ممارسة الانتخاب، والترشيح لمناصب المكتب باعتبار التصويت حق وواجب وطني لأهمية مكتب المجلس باعتباره الجهاز التنفيذي للجماعة والمسؤول عن بلورة مخططاتها وبرامجها وتنفيذ القرارات الصادرة عن أجهزتها.
وحيث إن إجراء الانتخاب بشكل مخالف للإجراءات المقررة قانونا يعرض العملية الانتخابية المطعون فيها للبطلان تطبيقا للمادة 74 من مدونة الانتخاب ” ([72]) .
هكذا يظهر من هذا الحكم أن المحكمة الإدارية بفاس لم تر في قرار السلطة المحلية بعدم استدعاء عضو المجلس الجماعي لحضور الجلسة المخصصة لانتخاب مكتب المجلس قرارا منفصلا عن العملية الانتخابية، بل اعتبرته جزءا لا يتجزأ منها ويدخل النزاع حوله في إطار الطعون الانتخابية، وليس في إطار دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة. وبالتالي لا يمكن في نظرنا اعتبار قرارات السلطة الإدارية باستدعاء الناخبين في أي عملية انتخابية سواء كانت جماعية أو إقليمية أو جهوية أو مهنية أو غيرها قرارات منفصلة يتم الطعن فيها عن طريق دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، بل يجب النظر إليها أنها قرارات تدخل في إطار العملية الانتخابية، وبالتالي يختص بها القاضي الإداري في إطار الدعوى الانتخابية.
نفس الاتجاه سار عليه الاجتهاد القضائي الفرنسي الذي لا يعتبر الاستدعاء كعمل تمهيدي للانتخاب منفصلا عن العملية الانتخابية، وبالتالي يمكن منازعته أمام القاضي الانتخابي، وليس أمام قاضي الشطط في استعمال السلطة ([73]) .
في هذا الإطار يرى R. Alibert أنه “لا يسمح بفصل بعض الأعمال كاستدعاء الناخبين عن العملية الانتخابية، والطعن فيها عن طريق دعوى الشطط في استعمال السلطة. لذلك لا يمكن إثارة ما يعتريها من مخالفات إلا بمناسبة الطعن في العمليات الانتخابية؛ لأنه لا توجد هناك أية مصلحة لفعل ذلك، مادام أن نفس النتيجة يمكن الحصول عليها أمام نفس القضاء بمسطرة بسيطة وسريعة ” ([74]) .
أما بالنسبة للأعمال اللاحقة للعملية الانتخابية، فإن المجلس الأعلى أخذ في بعض القضايا بنظرية القرارات المنفصلة عن العملية الانتخابية، حيث اعتبر أن النتائج المعلقة ببناية المصالح البلدية تشكل عملا إداريا منفصلا عن العملية الانتخابية، ولا يدخل الطعن فيها بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة في اختصاص المحكمة الابتدائية، وذلك في أحد قراراته الذي نورد بعض حيثياته كالتالي:
“وحيث إن المحكمة بتت في النازلة لاحظت عن صواب أن مقررات مكاتب التصويت والمكاتب المركزية هي التي يمكن الطعن فيها أمام المحكمة الابتدائية، وأن الانتقادات المعبر عنها من طرف الطاعن تناولت النتائج التي وقع نشرها بتاريخ 1976/4/13 ببناية المصالح البلدية، والتي تكون عملا إداريا منفصلا عن العمليات الانتخابية التي أجريت يوم 12 نونبر، والتي انتهت بالنتيجة المعلن عنها في نفس اليوم، وحيث إن طلب الإلغاء الموجه ضد هذا العمل الإداري يخضع لقواعد خاصة ولا يدخل في اختصاص المحكمة الابتدائية ” ([75]) .
وطبقا لهذا الحكم، فإن الطعن في النتائج المعلقة ببناية المصالح البلدية يرفع أمام المجلس الأعلى المختص في دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وليس أمام المحكمة الابتدائية التي كانت مختصة وقتئذ في الطعون الانتخابية، وبالتالي تتبع في هذا الطعن الإجراءات الخاصة بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة.
غير أننا لا نؤيد ما ذهب إليه المجلس الأعلى في هذه النازلة لأن الهدف الذي توخاه الطاعن ليس هو إلغاء العمل الإداري المتمثل في تعليق نتائج الانتخابات على جدران البلدية، وإنما كان يهدف نتائج الانتخابات المعلقة على هذه الجدران. بمعنى كان يهدف بالأساس العملية الانتخابية، وما أسفرت عنه من نتائج، وهذه الواقعة لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عن العملية الانتخابية. وهو ما يجعل المحكمة الابتدائية هي المختصة ما دام الأمر يتعلق بطعن انتخابي وليس بطعن في قرار إداري في إطار دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة.
كما انتقدت أمينة جبران البخاري هذا الاتجاه الذي سلكه المجلس الأعلى، وصرحت بأن ” هذا الحكم ليس إيجابيا، نظرا للوضع الحالي لدعوى الإلغاء في القانون المغربي، فهدف الطاعن هو سلوك طريق الطعن الذي يحقق له أكبر قدر من الضمانات وبالتأكيد ليس هو دعوى الإلغاء. لذلك كان بإمكان قضاة المجلس الأعلى أن يلعبوا دورا إيجابيا في تحديد موضوع الدعوى، حتى ولو جانب الطاعن الصواب في مقاله، وذلك باختيارهم الحل الأكثر ضمانا لحقوق الطاعن. كما أن ما ورد في حيثيات الحكم من (أن مقررات مكاتب التصويت والمكاتب المركزية فقط هي التي يمكن الطعن فيها أمام المحكمة الابتدائية) ليس سوى تمسك المجلس الأعلى بحرفية النص، واستبعاد لما عداه، وهذه النظرة تتنافى مع دوره في الاجتهاد واستنباط رغبة الطاعن في إلغاء العملية الانتخابية مهما كان التعبير المستعمل، وسواء تعلق الأمر بأعمال تمهيدية أو لاحقة …”([76]) .
وينبغي في نظرنا اعتبار الأعمال الممهدة واللاحقة للعمليات الانتخابية جزءا لا يتجزأ من هذه الأخيرة، وبالتالي يجب إدراج المنازعات المتعلقة بها ضمن الطعون الانتخابية حتى تستفيد من جملة التسهيلات الموجودة في إجراءاتها المسطرية، خصوصا وأن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة لا تحقق للطاعن الأهداف التي يبتغيها، وهي تصحيح أو إلغاء نتيجة الاقتراع، وليس فقط إلغاء العمل الإداري الممهد أو اللاحق للعملية الانتخابية. وهو اعتبار يتوافق كلية مع الموقف المهم الذي اتخذه المجلس الأعلى في قراره رقم 502 بتاريخ 1995/12/2 حين اعتبر بمناسبة نظره في الاستئناف المرفوع إليه بخصوص الطعن في عملية انتخاب الرئيس وأعضاء مكتب غرفة الصناعة التقليدية، أن المشرع وإن سكت عن إمكانية الطعن في المراحل اللاحقة للانتخاب فإن ذلك لا يعني أنه لا يمكن ممارسة هذا الطعن أمام القضاء لأن عملية الانتخاب في حد ذاتها كل لا يتجزأ ([77]). وبالتالي تشكل الطعون الانتخابية كتلة واحدة تنصب على أعمال ممهدة للعملية الانتخابية، وعلى أعمال مكونة لها، وعلى أخرى لاحقة. ولن يتأتى كل ذلك إلا بالاعتراف بكيان متميز وذاتية مستقلة لقضاء انتخابي في المادة الإدارية على غرار قضاء الإلغاء بسبب تجاوز السلطة والقضاء الشامل.
2. قرارات معاينة استقالة المنتخبين أو الإعلان عنها
قد يظهر بعد انتهاء العملية الانتخابية أن المرشح الفائز في الانتخابات غير صالح للعضوية بفعل فقدانه لإحدى الشروط اللازمة للترشيح، كأن يكون فاقدا للأهلية الانتخابية، أو موجودا في إحدى حالات التنافي المنصوص عليها في القانون المنظم للانتخابات. مما يؤدي إلى معاينة استقالته أو الإعلان عنها.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع في مدونة الانتخابات لا يتحدث عن إقالة المنتخب عندما يفقد الأهلية الانتخابية أو حين يتواجد في إحدى حالات التنافي المنصوص عليها قانونا وإنما يتحدث عن قرار معاينة استقالته في المادتين 167 و212، وعن قرار الإعلان عن استقالته في المادتين 195و283 . ويمكن تفسير ميل المشرع إلى استعمال هذه الصيغ بدل لفظ ” الإقالة ” بكون قواعد الأهلية الانتخابية هي من النظام العام يترتب عن عدم توفرها في المعني بالأمر استقالته التلقائية بقوة القانون دون حاجة إلى صدور قرار بالإقالة، هذا القرار الذي يبقى متوقفا على إرادة السلطة الوصية المعنية خاصة وأن المشرع في المادتين 20 من الميثاق الجماعي و 22 من القانون المنظم للعمالات والأقاليم المتعلقتين على التوالي بإقالة العضو في المجلس الجماعي وفي مجلس العمالة أو الإقليم، ينص على أنه “… يمكن أن يعلن، بعد السماح له بتقديم
إيضاحات، عن إقالته بقرار …” . وهكذا يظهر أن المشرع في هذه الحالة يستعمل فعل ” يمكن ” الذي يفيد الاختيار في اتخاذ القرار أو عدمه. أما في الحالة الأولى المتعلقة بمعاينة الاستقالة أو الإعلان عنها فإن الأمر يتعلق بواقعة قانونية يتم معاينتها بقرار إداري بمعنى أن القرار الصادر عن السلطة الوصية المعنية لا ينشئ الاستقالة وإنما يعاينها ويعلن عنها بعد أن يكون المعني بالأمر في حكم المستقيل بقوة القانون.
هذا، ويلاحظ أن الجهات المختصة باتخاذ قرار معاينة الاستقالة أو الإعلان عنها، عندما يتعلق الأمر بوجود منتخب في حالة التنافي بعد انتخابه أو تقلده لإحدى الوظائف أو المهام المنصوص عليها في المادتين 42 و202 من مدونة الانتخابات، أو عندما يطرأ على المنتخب ما يحرمه من الحق في أن يكون ناخبا أو منتخبا، تختلف بحسب نوع كل انتخاب . فبالنسبة لانتخابات مجالس الجماعات الحضرية والقروية، ومجالس المقاطعات ([78]) وانتخابات المجالس الجهوية ([79])، وانتخابات الغرف المهنية ([80]) ، فإن الجهة المختصة باتخاذ قرار معاينة استقالة العضو المنتخب أو الإعلان عنها هي عامل العمالة أو الإقليم، أما بخصوص انتخابات مجالس العمالات والأقاليم، فإن وزير الداخلية هو الذي يقوم بهذه المهمة ([81]).
أما بالنسبة لمصر، فإن الجهة المختصة بإسقاط العضوية تتمثل في المجلس المحلى أو مجلس المحافظين، وذلك طبقا للمادة 96 من قانون 43 لسنة 1979 ([82]).
وقد جرى اجتهاد محكمة القضاء الإداري المصري على تأكيد اختصاصها بنظر الطعون في قرارات إسقاط العضوية في المجالس المحلية في إطار الطعون الانتخابية لأن إسقاط العضوية هو نوع من عملية الانتخاب يتولد منها، ويرتبط بها ارتباطا مباشرا، وخاصا بأهلية العضو أو صلاحيته، والفرع يتبع الأصل حكما ([83]) .
وأيد المشرع المصري مسلك القضاء، واعتبر أن الدعوى المتعلقة بقرارات إسقاط العضوية تدخل ضمن الطعون الانتخابية التي تتميز بالتبسيط، وهو ما يستخلص من صياغة المادة 86 من قانون 43سنة 1979 ومن قبلها المادة 86 من قانون 52 لسنة 1975 التي تنص على ” أن المحكمة الإدارية المختصة تفصل في الطعون الخاصة بصفة العضوية ” ([84]) .
انتقد جانب مهم من الفقه المصري هذا المسلك، ورأى أن الاختصاص بالنظر في هذه الطعون يجب أن يعود إلى القضاء الإداري في إطار دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة.
فقد ذهب ماجد راغب إلى أن هذا الأساس الذي بنى عليه القضاء موقفه غير صحيح لأن الإسقاط لا يكون إلا بعد ثبوت العضوية ([85]) .
وأيد هذا الرأي محمود حلمي فاعتبر أن الطعن في قرار إسقاط العضوية أو في القرار الصادر برفض إسقاطها من قبيل دعاوى الإلغاء، إذ تنحصر ولاية المحكمة بشأنها في إلغائها، أو رفض إلغاء القرار الصادر بفصل العضو، أو بإسقاط عضويته، ولا يخرج عن كونه قرارا ([86]).
غير أن محمد محمود حافظ ذهب إلى أن إسقاط العضوية لا يختلف عن عملية الانتخاب، خصوصا أن المشرع قد خص هذه الطعون برعاية خاصة، وبساطة، ويسر، وسرعة في الإجراءات عند النظر فيها نظرا لارتباطها، واتصالها الوثيق بالمصلحة العامة ([87]) .
أما بالنسبة لفرنسا، فإن الدعوى ضد قرار الإقالة، تدخل ضمن دعاوى تجاوز السلطة، إذا اتخذ هذا القرار لسبب تأديبي، وتعتبر من قبيل الطعون الانتخابية إذا صدر هذا القرار لسبب يتعلق بالقانون الانتخابي ([88]).
وتطبق حينئذ المسطرة المطبقة في هذه الطعون. ويمكن لكل شخص أن يلجأ إلى المحكمة الإدارية إذا ما رفض المحافظ التصريح بإقالة المستشار الذي وجد في إحدى حالات عدم الأهلية، أو التزم الصمت لمدة أربعة أشهر. ويجوز للمحكمة أن تلغي مقرر المحافظ، وتصرح بإقالة المستشار المعني بحكم القانون ([89]).
وانطلاقا من النصوص الجاري بها العمل التي تنظم معاينة الاستقالة أو الإعلان عنها في المغرب، يلاحظ أن المشرع قد أغفل تبيان طبيعة النزاع المقدم بشأنها، هل يدرج في دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أم يعتبر فرعا من الطعون الانتخابية؟ وذلك باستثناء ما تنص عليه المادة 272 من مدونة الانتخابات بخصوص غرفة الفلاحة من أنه ” يخول للمرشح المعلن عن استقالته بعد انتخابه عضوا في هذه الغرفة والحال أنه لم يستوف وقت إيداع ترشيحه شروط الأهلية الانتخابية، أجل أربعة أيام كاملة ليطلب حسب المسطرة المحددة في أحكام الجزء الرابع من القسم الثاني من المدونة إلغاء المقرر الصادر في شأنه “. وهكذا يكون المشرع في هذه الحالة قد وضع مسطرة خاصة للطعن في قرار الإعلان عن الاستقالة تختلف عن تلك المطبقة في دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة الأمر الذي يسمح بإدراج هذا الطعن ضمن الدعاوى الانتخابية.
غير أن القضاء الإداري المغربي مستقر على اعتبار الطعن في القرارات المتعلقة بإقالة المنتخبين وتوقيفهم ومعاينة استقالتهم أو الإعلان عنها يدخل ضمن دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وليس ضمن الطعون الانتخابية ([90]) . وهو موقف لا نؤيده لأن المشرع في المواد 167 و 195 و212و283 يتحدث عن أن المنتخب إذا وجد في إحدى حالات التنافي المقررة قانونا أو طرأ عليه ما يحرمه من الحق في أن يكون ناخبا أو منتخبا يعتبر مستقيلا وتعاين استقالته بقرار من السلطة الوصية المعنية، وهو ما يفيد أن قرار هذه السلطة لا ينشئ الاستقالة وإنما يعاينها ويعلن عنها ويؤكدها مادام المنتخب في حالة استقالة بقوة القانون وذلك قبل أن تتخذ سلطة الوصاية المعنية قرارا بهذا الشأن. وبالتالي يظهر أن المسألة هنا لها علاقة وطيدة بالقانون الانتخابي ولا صلة لها إطلاقا بأي تجاوز في استعمال السلطة. وعليه لا يمكن بأي وجه كان إدراج الطعن المتعلق بهذا القرار ضمن دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة.
لذلك كله نميل إلى إدراج النزاعات المتعلقة بقرارات معاينة استقالة المنتخبين أو الإعلان عنها في إطار الطعون الانتخابية حتى تستفيد من إجراءاتها التي تتميز بالبساطة، واليسر، والسرعة ما دامت تتولد من عملية الانتخاب، وترتبط بالأهلية الانتخابية.
ومن ثم، ينبغي أن يهتم المشرع بالمنازعات المتعلقة بقرارات معاينة الاستقالة أو الإعلان عنها، وينظمها آخذا بعين الاعتبار وحدة الطعون الانتخابية، ونأمل في هذا الإطار أن يأخذ الاجتهاد القضائي بموقفنا، ويسد الفراغ الذي تركه المشرع حتى لا يتوقف الطعن الانتخابي عند مرحلة الإعلان عن النتائج.
[1] مداخلة تمت المشاركة بها في الندوة العلمية المنظمة من قبل ماستر القضاء الإداري وفريق البحث في الأنظمة القضائية والإدارية المقارنة بشراكة مع هيئة المحامين بالرباط في موضوع القاضي الإداري ومنازعات الجماعات المحلية، وذلك يوم الثلاثاء 2 يونيو 2009 بمقر كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا.
[2] وذلك على خلاف ما قد يراه البعض، فقد ذهب عمر الأبيض إلى “أن البحث في طبيعة الطعون الانتخابية له بعد نظري محض لا يخفى على كل مهتم بهذا المجال “. أنظر مداخلته حول دور الرقابة القضائية في تحقيق سلامة الانتخابات في إطار أشغال اليومين الدراسيين 27 و28 مارس 2003 المنظمين من قبل المجلس الأعلى، سلسلة دفاتر المجلس الأعلى، العدد 4 ، 2004، ص. 33. بينما يميل محمد قصرى إلى عكس ذلك فيكتب قائلا إن” تحديد طبيعة الطعون الانتخابية من الأهمية بمكان اعتبارا للآثار القانونية التي تترتب عن ذلك …” ، محمد قصرى، المنازعات الانتخابية ورقابة القضاء الإداري، الطبعة الأولى 2009 ، ص. 33. في نفس الاتجاه يرى محمد عامري أنه “إذا كان لتحديد الطبيعة القانونية للطعون الانتخابية أهمية علمية من حيث تحديد بعض القضايا القانونية والنظرية، فله أيضا أهمية عملية من حيث إمكانية اللجوء إلى المحاكم في نطاق هذه الطعون، وإمكانية فتحها أمام المواطنين، وتبسيط المسطرة أمام الطاعنين. وبصورة عامة إمكانية تحريك هذا النوع من الدعاوى “، محمد عامري، الطعون الانتخابية بالمغرب، إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 1993 ، ص. 18 .
[3] أنظر مقالنا المشترك مع الأستاذة نجاة خلدون في موضوع: ” معيار القرار الإداري “، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 71، نونبر دجنبر 2006.
[4] أنظر قرار المجلس الأعلى عدد 36 بتاريخ 1984/1/13 ملف رقم 59.779 غ. وقراره رقم 111 بتاريخ 1984/1/27 ملف رقم 4203 أشار إليه إبراهيم زعيم الماسي، المرجع العملي في الاجتهاد القضائي الإداري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،1996 ، ص. 552 .
[5] قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى رقم 245 بتاريخ 1984/3/16 ملف إداري عدد 3077 ، أشار إليه إبراهيم زعيم الماسي في المرجع السابق، ص556، وقرارها كذلك رقم 184 بتاريخ 1994/5/26 ملف رقم 93/10348 أشار إليه إبراهيم زعيم الماسي في المرجع السابق، ص. 582. انظر أيضا حكم المحكمة الإدارية بمكناس في الملف رقم 329/97/6 ش بتاريخ 1997/7/21 ، غير منشور .
[6] أنظر حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1156 بتاريخ 2003/10/10 ، ملف رقم 1157/03 ش.خ. غير منشور. أنظر كذلك حكمها رقم 1287 بتاريخ 2003/10/30 ، أحمد بوعشيق، الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الجزء الثاني، 16، 2004 ص. 311.
[7] أنظر قرار الغرفة الإدارية رقم 1337 بتاريخ 1997/10/1 ملف إداري عدد 1455/5/1/97 وأنظر أيضا حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1274 بتاريخ 2003/10/27 ملف رقم 03/1118 ش .خ . وكذلك حكمها رقم 1167 بتاريخ 2003/10/15 ملف رقم 03/1101 ش. خ. وكذلك حكمها رقم 1189 بتاريخ2003/10/17 ، ملف رقم 03/1095 ش.خ . هذه الأحكام غير منشورة.
[8] أنظر مؤلف القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، المكي السراجي ونجاة خلدون، الطبعة الأولى 2009، المطبعة دار القلم.
[9] أنظر حكم المحكمة الإدارية بمكناس رقم 6/97 ش، ملف رقم 6/97/377 ش بتاريخ 1997/7/21 أنظر مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون حول القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق ص. .295 أنظر أيضا حكمها رقم 94/2، ملف عدد 94/6/7/غ بتاريخ 1994/7/7، نفس المرجع ص. 150.
[10] أنظر حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1171 بتاريخ 2003/10/15 ، ملف رقم 1123/03 ش .خ . 1997 . أنظر أيضا قرار الغرفة الإدارية عدد 592 بتاريخ 31/7/2003، ملف عدد 2002 /4/1/2002، أنظر أيضا قرارها رقم 518 بتاريخ2002/9/12 ، ملف عدد 1327/4/2/2002، 1997، المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق، ص. 296 و 297.
[11] أنظر مؤلف القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، المكي السراجي ونجاة خلدون، ص. 453.
[12] أنظر سليمان الطماوى، القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة: دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، ص. 97.
[13] راجع مقال المكي السراجي ونجاة خلدون في موضوع: ” معيار القرار الإداري “، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 71 نونبر ودجنبر 2006، مرجع سابق. ص. 4 .
[14] لمزيد من التفاصيل حول مفهوم السلطة الإدارية، أنظر أطروحة المكي السراجي لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع: القرار التنظيمي في القانون العام المغربي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، سنة .2001 وأنظر كذلك مقال المكي السراجي ونجاة خلدون حول معيار القرار الإداري السالف الذكر.
[15] أنظر حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1171 بتاريخ 2003/10/15 ملف رقم 1123/03 ش. خ. غير منشور.
[16] راجع مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق، وكذا أطروحة نجاة خلدون لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع اختصاص المحاكم الإدارية في مجال الطعون الانتخابية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، 2001-2002.
[17] أنظر سليمان الطماوى، القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة: دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص. 98.
[18] راجع مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق، وكذا أطروحة نجاة خلدون لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع اختصاص المحاكم الإدارية في مجال الطعون الانتخابية، مرجع سابق.
[19] أنظر حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 664 بتاريخ 1997/7/11 ملف رقم 705/97غ . أنظر أيضا حكم المحكمة الإدارية بوجدة رقم 747 بتاريخ 2003/10/31 ملف إداري رقم .2003/823. راجع مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق ص. 201.
[20] أنظر القرار الصادر عن المجلس الأعلى عدد 64 بتاريخ 1992/2/20 ، أشار إليه عبد الله حداد في مؤلفه حول القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية، منشورات عكاظ، الرباط، 1994، ص. 98.
[21] المادة 68 والمادة 214 من مدونة الانتخابات.
[22] المادة 193 من مدونة الانتخابات.
[23] المادة 71 من مدونة الانتخابات.
[24] المادة 73 من مدونة الانتخابات.
[25] الفصل 360 من قانون المسطرة المدنية، والمادة 23 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية.
[26] سليمان الطماوى، القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة، مرجع سابق، ص. 99.
[27] راجع مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق، وكذا أطروحة نجاة خلدون لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع اختصاص المحاكم الإدارية في مجال الطعون الانتخابية، مرجع سابق.
[28] La Ferrière (E.), Traîté de la juridiction administrative et des recours contentieux, Berger Levraut, 2e édition, T. II, 1896, p .394.
[29] راجع مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق، وكذا أطروحة نجاة خلدون لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع اختصاص المحاكم الإدارية في مجال الطعون الانتخابية، مرجع سابق.
[30] Plateau (A.), Le contentieux électoral devant les tribunaux administratifs français, thèse pour le doctorat, université de Lille, soutenue le 2 mars 1952, p. 385 .
[31] عبد الله حداد، القضاء الإداري على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية، مرجع سابق، ص. 197.
[32] Auby (J.M.) et Drago (R.), Traité du contentieux administratif, Paris, L.G.D.J., Tome II, 1984, p. 669. – Albert Plateau, op. cit. p. 401.
[33] الحسن سيمو، ” سلطات القاضي في إلغاء العملية الانتخابية: خصوصيات الدعاوى الإدارية “، مجلة القسطاس، عدد 2 أكتوبر 1998 .
[34] محمد عامرى، الطعون الانتخابية بالمغرب، مرجع سابق، 1993، ص . 26.
[35] قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 1960/12/14 في الملف المدني عدد 6027 المنشور بمجموعة قضاء المجلس الأعلى في المواد المدنية 62-58، ص. 61 في قضية محمد العراقي ومن معه، أنظر عبد الوهاب رافع، جليلة البشيرى توفيق، الدعاوى الإدارية في التشريع المغربي، الطبعة الأولى1998 ، ص. 155. انظر كذلك قراره عدد 148 بتاريخ 17/2/1984 ، بويوسوف محمد بن العربي ضد العصادى عبد اللطيف، هذا الحكم أشارت إليه أمينة جبران البخارى في مؤلفها: حول القضاء الإداري دعوى القضاء الشامل، مرجع سابق، ص. 111.
[36] حكم المحكمة الإدارية بمراكش، عدد 20 بتاريخ 1995/11/28 ، الحاج حميد العكرود ضد عامل إقليم قلعة السراغنة ومن معه، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 16 ، يوليوز-شتنبر 1996، ص. 122.
[37] أنظر حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1306 بتاريخ 2003/11/3 ، ملف رقم 03/1237 ش .خ، غير منشور. وحكمها رقم 1469 بتاريخ 97/11/17 في الملف رقم 1295/97 غ غير منشور .
[38] أنظر على سبيل المثال حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1180 بتاريخ 17/10/2003 ، ملف رقم 03/ 1240 ، ش .خ . غير منشور.
[39] يستعمل قضاة المجلس الأعلى هذا الوصف فقد جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى: ” حيث إن دعوى الطعون الانتخابية هي من قبيل الدعوى العينية التي لا يهدف فيها المدعي إلى تحقيق غاية ذاتية بل يسعى إلى تحقيق مصلحة عامة هي مصلحة الجماعة التي انتخبه سكانها عضوا في مجلسها…”. قرار عدد 269 بتاريخ 2003/2/4 ملف رقم 3901/4/2/03 كما يستعمل هذا الوصف بعض قضاة المحاكم الإدارية أنظر مثلا حكم المحكمة الإدارية بمراكش، عدد 20 بتاريخ 1995/11/28 سبقت الإشارة إليه.
[40] راجع في هذا الموضوع عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، الطبعة الثالثة، ماى 2006 ، ص. 150.
[41] راجع مؤلف المكي السراجي ونجاة خلدون، القضاء الانتخابي في المادة الإدارية، مرجع سابق، وكذا أطروحة نجاة خلدون لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع ” اختصاص المحاكم الإدارية في مجال الطعون الانتخابية “، مرجع سابق.
[42] عبد الله حداد، القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية، مرجع سابق. ص. 69.
[43] سعاد الشرقاوى، الوجيز في القضاء الإداري، مبدأ المشروعية ومجلس الدولة، الجزء الأول، دار النهضة العربية، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1981، ص. 220 .
[44] انظر مثلا المادة 68 من مدونة الانتخابات التي تسمح لكل مرشح رفض ترشيحه أن يطعن في قرار الرفض وذلك مجانا وبالنسبة للطعون في العمليات الانتخابية فإنها تسجل مجانا أنظر كذلك في هذا الإطار المادة 71 من المدونة المذكورة .
[45] حكم المحكمة الإدارية بوجدة رقم 99/55 ملف عدد 98/178 بتاريخ 99/04/28 . غير منشور.
[46] أنظر حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 37/2001 بتاريخ 2001/2/7 ، أحمد بوعشيق، الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، مرجع سابق، ص. 27.
[47] أنظر حكم المحكمة الإدارية بوجدة رقم 97/481 ملف رقم 967/96 غ، منشور في مجلة المعيار، مرجع سابق، ص. 190.
[48] محمد النجارى، ” ضمانات حق التقاضي أمام المحاكم الإدارية “، مداخلة في ندوة حول القضاء الإداري وحماية الحقوق والحريات بالمغرب المنظمة بتاريخ 7-6 أبريل 1995، نص المداخلة منشور بمجلة الدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، عدد خاص، ص. 124.
[49] محمد عامرى، الطعون الانتخابية بالمغرب، مرجع سابق، ص. 163.


