دراسة حالات

ندير المومنى

إن أحدى التحولات الدالة الأكثر دلالة في الحالة المغربية تتمثل في أن فاعلي السياسات العمومية أصبحوا يتوفرون على إمكانيات اكبر للمشاركة – حتى بطريقة غير تماثلية – asymetrique في بناء الأجندة من خلال مختلف ميكانيزمات التشاور، التفاوض والضغط lobbying الترافع أو حتى العمل الجماعي action collective. كما أن بعض الأجندات تم بناؤها من خلال استعادة جزئية لأجندات الفاعلين المدنيين أو السياسيين، إن أحدى الأمثلة التي يتم تقديمها عادة لدعم هذا الطرح هو ذلك المتعلق بأجندة تدبير العدالة الانتقالية (هيأة الإنصاف والمصالحة) التي تم إعدادها جزئياً بناء على عمل استعادة récupération برامج المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان. كما أن أجندة هيأة الإنصاف والمصالحة تم بناؤها جزئياً على قاعدة توصيات المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان (9- 11 نوفمبر 2001).

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن أحدى التحولات التي لا تقل أهمية، تتمثل في أن بعض مسارات التشاور تحولت بالتدريج إلى ميكانيزمات دائمة. والحالة الأكثر نموذجية في هذا الصدد هي حالة الحوار الاجتماعي الذي تحول الآن إلى ميكانيزم شبه إلزامي للتشاور خاصة في مجال التشريع المتعلق بالشغل في القطاع الخاص أو العمومي. ومن الآثار الممكنة لمسارات التشاور هذه، هي إمكانية إعادة إحياء هيئات التشاور القديمة التي كانت غير مفعلة في السابق (المجلس الأعلى للوظيفة العمومية الذي نص عليه قانون الوظيفة العمومية ل 1958 ولم يتم إنشاؤه إلا في 2000).

إن هذه الأمثلة تبرهن أيضاً على وجود فضاءات تشاور ومشاركة ذات هندسة متغيرة حسب الملامح الجديدة لدور الدولة، وحسب القطاعات: فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية القطاعية أصبحت توفر إمكانيات أكثر في مجال البناء المتشاور بشأنه للسياسات العمومية، وهذه الإمكانية هي غير موجودة مثلاً في مجال السياسات العمومية الأمنية حيث لا تجد مطالبات المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان تحملاً ملائماً على مستوى الأجندة.

يبرز تحليل أولي عينة الجمعيات عدة تحولات بنيوية طرأت على النسيج الجمعوي المغربي:

بداية نهاية التركز المجالي spatial concentration الجمعيات، حيث تزايد عدد الجمعيات بشكل ملحوظ في الشمال، في الجنوب الشرقي (خاصة حول إقليم فكيك) والجنوب (جهتي مراكش تانسيفت الحوز وسوس ماسة درعة)، ويمكن القول إن النتائج التي ترتبت على إعادة تحديد دور الدولة في المجال الاجتماعي والاقتصادي خاصة منذ بداية التسعينات، بالإضافة إلى برامج التعاون الدولي المتعلقة بالتنمية المحلية، بالتجهيزات الأساسية ومحاربة الفقر التي عملت في المناطق المذكورة، كان لها دور أساسي في إطلاق مسار من تفكيك التركز المجالي للجمعيات.

إن نفس العوامل التفسيرية تفسر أهمية عدد الجمعيات ذات الطابع التنموي والاجتماعي (محاربة الفقر، التنمية المستدامة، النساء والتنمية، محاربة الأمية)، فعلاوة على أثار تناقص القدرة التوزيعية للدولة، فإن مختلف البرامج العمومية للتنمية سواء الدولية منها أو الوطنية أصبحت تشترط انتظام السكان المستفيدين والمشاركين في جمعيات قصد المشاركة في تخطيط، وتدبير البرامج التنموية. وينتظر أن يتزايد عدد الجمعيات ذات الطابع التنموي والاجتماعي مع تطبيق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية international initiative for human development. حيث تشترط المبادرة ضرورة انتظام حاملي المشاريع والمستفيدين في جمعيات كشرط أساسي قصد المشاركة في طلب العروض للاستفادة من الدعم المقدم في إطار المبادرة.

إضافة إلى العناصر الكمية التي سبقت الإشارة إليها، تحاول هذه الفقرة تحديد عدد من اطر تفسير التحولات التي تعرفها بنية المجتمع المدني – خاصة الجمعيات – على مستوى البنية والأدوار:

بداية يمكن تفسير الأهمية المتزايدة للجمعيات ذات الطابع التنموي (النساء، محاربة الفقر، التنمية المستدامة، محاربة الأمية، البيئة) على ضوء نتائج إعادة تحديد دور الدولة في المجال الاجتماعي وهنا يمكن الإحالة إلى أثار تناقص القدرة التوزيعية للدولة في بداية الثمانينات.

يمكن أن نفترض أن إعادة تحديد دور الدولة ترتب عنه تقسيم ضمني للعمل une division implicite du travail بين الدولة والجمعيات العاملة في مجال التنمية الاجتماعية الذي أصبح منذ منتصف التسعينات يشكل مجال الشراكة بامتياز مع بين الدولة والمجتمع المدني، ومن ثم أصبح يتوفر هذا الأخير على فرض اكبر في التأثير في السياسات العمومية المتعلقة بهذا الميدان مقارنة بمجالات أخرى «سيادية»، يعتبر هذا التقسيم ضمنياً، غير محدد المعالم، ولا يمكن أن يصير مرئياً visible وقابلاً للفهم intelligible من قبل الباحث والفاعل الجمعوي إلا من خلال دراسة حالات. يتعلق الأمر بـ une ligne de démarcation implicite يكتسب الإحساس بوجودها من خلال الممارسة. إن إطار التفسير هذا قد يقدم أيضًا عناصر لفهم جزئي لبعض الآثار الثانوية لهذا التقسيم الضمني للعمل حيث يبدو أن الجمعيات الوطنية والجوهرية الكبرى العاملة في مجال التنمية الاجتماعية، جمعيات الترافع advocacy organizations خاصة في المجال الحقوقي، هي التي تحظى أكثر بالعناية الوسائطية media visibility. سيما وانه يمكن اكتشاف نوع من التماثل بين تطور مسار جمعيات التنمية الاجتماعية في علاقتها بالسلطات العمومية، ومثيلتها في مجال حقوق الإنسان كما تمت الإشارة إليه في المقدمة في علاقة مع السياسات العمومية.

إلى جانب مختلف السياسات العمومية المتعلقة بالتنمية الاجتماعية لا ينبغي إغفال دور التحولات الاجتماعية خاصة في العالم القروي وآثارها على بنية من خلال تحليله لتنظيمات جمعيات التنمية في الوسط القروي، يتضح ذلك من خلال الصنافة typologie التي قدمها بعض الباحثين لجمعيات التنمية بشكل يميز بين جمعيات أنشأت تحت ضغط مشكل معين (الولوج إلى الماء- الكهرباء)، وجمعيات أسست من طرف نخبة متعلمة ومسيسة، وجمعيات أنشئت استجابة للمتطلبات التنظيمية لبرنامج معين حيث تطالب أغلب برامج التعاون الدولي مثلاً بأن يتم انتظام المستفيدين في جمعيات كشرط تنظيمي ضروري، يتعلق الأمر بشكل خاص ببرامج التنمية الاجتماعية ومحاربة الفقر، مشاريع القروض الصغرى والأنشطة المدرة للدخل. كما أن نفس التحولات الاجتماعية المشار إليها، أدت في العالم القروي إلى ظهور أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي عبر الشكل الجمعوي associative form مبنية علی إعادة الاستثمار التراث الاجتماعي التقليدي وهي تجارب تكون عادة محل تثمين بوصفها تجارب ناجحة يمكن على سبيل المثال استحضار نموذج دوار آيت أكتل الذي يقع في إحدى أفقر الجماعات المحلية بإقليم الحوز والذي استطاع عبر إنشاء جمعية مؤسسة على تقاليد التداول التقليدية للجماعة، تعبئة السكان بمختلف فئاتهم (المهاجرون، الشباب، النساء) وكذا عبر إبرام شراكات مع باقي مكونات المجتمع المدني الوطني والدولي والقطاعين العمومي و الخاص من إنجاز عدد من التجهيزات الأساسية (الماء الصالح للشرب، الكهرباء، إنشاء مستوصف محلي، مدارسي غير نظامية، مركز إعلام وتكوين…)

بناء على ذلك يمكن أن نفترض أن هناك حقلا من المتمثلات المشتركة représentations communes متقاسمة بين فاعلي المجتمع المدني وهى تدور حول عدد محدود من الأطروحات يمكن تقديمها كما يلي:

عدد من الفاعلين الجمعيين يدركون الدور الجديد للمجتمع المدني بوصفه «سداً للفراغ الذي خلفه انسحاب الدولة من المجال الاجتماعي» والعجز الاجتماعي الذي ترتب عنه مع درجات متفاوتة من الوعي بالمخاطر المترتبة عن هذه الوضعية والمتعلقة بسؤال الاستقلالية.

أدى التطور النوعي والكمي للجمعيات وكذا التحولات التنظيمية التي عرفها النسيج الجمعوي (تجريب وممارسة أشكال تنظيمية جديدة كالتشبيك networking، بناء الائتلافات Coalitions حول قضايا مشتركة في مجال السياسات العمومية، تكوين المنتديات forums والولوج المتزايد إلى العالم الافتراضي Virtual World) إلى بروز أسئلة جديدة وطلبات متزايدة من قبل المجتمع المدني على المشاركة في السياسات العمومية، وهو ما تعبر أسئلة جديدة ظهرت فی العالم التداولي والخطابی discursif للجمعيات من قبيل التفكير في «العلاقات بين مكونات المجتمع المدني والقطاعين الحكومي والخاص» و«التصور المجتمعي للجمعيات» ويعنى أيضًا توجه عدد من الجمعيات الفكرية أو مراكز التفكير cercles de réflexion- think tanks نحو صياغة تصورات مجتمعية، سياسية، اقتصادية على قدر من التكامل ومصاغة بنفس المنطق ألاقتراحي للبرنامج السياسي.

من منظور عدد من الجمعيات فإن طلب المجتمع المدني على المشاركة في السياسات العمومية، يعني أيضًا وبشكل أساسي «اعترافاً بتعدد مصادر السلطة وبشرعيات جديدة» كعنصر من عناصر الحكمة governance، وفي أحيان أخرى يعتبر الفاعل ذاته حاملا ل » شرعية موازية» parallel legitimacy قائمة على الشراكة والتعاقد.

ينبني جزء من المتمثلات المشار إليها علی مسار امتلاك Ownership وإدماج متزايد للمرجعية الخارجية من قبل مختلف أطراف السياسات العمومية بما فيها المجتمع المدني، فمن المفترض أن المرجعية الخارجية، external referential تم إدماجها بشكل متدرج في السياسات العمومية على المستوى الوطني، كما يتم استعمال هذه المرجعية الخارجية لشرعية المطالبات بالإصلاح الصادرة عن عدد من القوى السياسية والاجتماعية. ففي حالة إصلاح العدالة مثلاً فإن أدبيات مسلسل برشلونة المرتبطة بالديمقراطية democratisation في دول جنوب البحر المتوسط أو المتطلبات الجديدة لسياسة الجوار الأوربية يتم استحضارها كعنصر من مرجعية السياسات العمومية. ومنذ منتصف التسعينات على الأقل أصبحت المرجعية الخارجية التي يعبر عنها في اللغة السياسية المتداولة بالصيغة التالية: «التزامات المغرب الخارجية» usage Concurrentiel من طرف الحكومة، المؤسسة الملكية، الأحزاب السياسية والمجتمع المدني بدرجات متفاوتة.

تتزامن التحولات الكمية والنوعية التي يعرفها المجتمع المدني في السياق الانتقالي بتوسيع انتظارات المواطنين منه ومن الأعمال التي قد ينجزها خاصة في مجال التنمية و الترافع حول قضية معينة (المرأة، حقوق الإنسان)، فقد أظهر الاستطلاع الوطني حول القيم Enquete Nationale sur les valeurs الذي أنجز من طرف فريق من الباحثين في العلوم الاجتماعية في إطار التقرير الوطني لتقييم 50 سنة من التنمية البشرية والذي شمل عينة من 1000 شخص حددت باستعمال الحصص quotas مفارقة تتمثل في نسب الانخراط المحدودة في تنظيمات المجتمع المدني 7% بالنسبة للجمعيات و2% بالنسبة للنقابات مقابل رغبة متزايدة للانخراط مستقبلا في الجمعيات (بين 32 و 41%)، التعاونيات (36%)، و12% بالنسبة للنقابات، وهو ما يمكن فهمه بوصفه توسعاً لأفق الانتظارات horizon d’attente من المجتمع المدني وتثمين متزايد لدوره، إن مفارقة مماثلة تأكدت مؤخراً أيضًا على مستوى الفئة العمرية للشباب، حيث اتضح أنه ينبغي التمييز بين الانتظارات التي تكون مهمة من المجتمع المدني مقارنة بالأحزاب وبين الانخراط الفعلي في نشاط جمعوي والذي هو أقل من حجم الانتظارات، ففي استطلاع أجرته جريدة L’Economiste خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2005 وشمل حوالي 776 شاباً (من 16 إلى 29 سنة في العالمين القروي والحضري)، وبالرغم من أن الاستمارة لم تتضمن سؤالا يتعلق بالانتظارات من المجتمع المدني، فقد أوضحت نتائج الاستطلاع أن 5% يزاولون نشاطا جمعيا خلال أوقات.

ومكن عبر دراسة الحالات تحديد عدد من نقط القوة والضعف المتعلقة باستراتيجيات الترافع advocacy المنتهجة من طرف المجتمع المدني بخصوص موضوعات issues محددة:

الحالة رقم 1: الترافع، استراتيجيات الفعل الجماعي، وتحكيم السلطات العمومية: دور منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق المرأة في إصلاح مدونة الأحوال الشخصية (1993) والمصادقة على قانون الأسرة الجديد (فبراير 2004)

تزامن تأسيس عدد من الجمعيات النسائية مع سياق الخروج من السلطوية، وعلى ضوء هذا السياق يمكن قراءة تأسيس كل من الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب (1985)، اتحاد العمل النسائي (1987)، الجمعية المغربية لحقوق المرأة 1992) الجمعية المغربية للنساء التقدميات (1992)، الرابطة الديمقراطية لحقوقي المرأة (1993) وجمعية جسور (1995).

تعتبر المقارنة بين فعالية ترافع الجمعيات، النسائية حول تعديل المدونة سنة 1993 من جهة، و السياق الذي قاد إلى إصدار مدونة الأسرة في 2004 ذات دلالة مهمة، باعتبار أنه يمكن تفسير تفاوت فعالية المرافعة في الحالتين بعامل بنيوي يتعلق بتدبير الصراع بين الفئات الاجتماعية والسياسية المحافظة وبين باقي الفئات المعتدلة Soft liners التي تعتبر أن لها مصلحة مباشرة في الانتقال إلى الديمقراطية، مع إدراك حدود إمكانيات تأثير المجتمع المدني في السياسات العمومية في المراحل المبكرة للخروج من السلطوية. كما أن المقارنة تتيح تفسير الحالتين ولو جزئياً بتطور مسار تعلم processes d’apprentissage مختلف مكونات المجتمع المدني لمنهجية التأثير في السياسات العمومية.

تشكل الحملة التي قادتها الجمعيات النسائية من أجل تعديل بعض نصوص المدونة، ابتداء من البلاغ الصحفي الذي وزعه اتحاد العمل النسائي في بادية التسعينات، إحدى أولى نماذج تطبيق الخطوات المنهجية للترافع advocacy. وقد أدت ردود فعل عدد من الجهات المحافظة (حركة الإصلاح والتجديد آنذاك، علماء محافظون…) إزاء مطالب الجمعيات النسائية إلى بروز الحاجة إلى التحكيم الملكي. وبالفعل توقفت المواجهة مع الخطاب الملكي ليوم 20 غشت 1992 الذي اعتبر قضية المدونة من اختصاص الملك، في حين أن اللجنة العلمية التي تشكلت لمراجعة نص المدونة في 1993 لم تأخذ بجوهر اقتراحات المنظمات النسائية. وهذا ما ظهر في تعديلات ماي 1993.

إن إحدى الدروس الهامة المستخلصة من هذه الحالة تتمثل في أن محاولة الاستعادة الجزئية والانتقائية لبعض مطالب الحركة النسائية تحدد من خلال طلب صريخ من الملك يجعل النقاش حول إصلاح المدونة (يتعلق الأمر بتعديلات ماي 1993)، خارج مجال السياسة، ومرتبطا بدوره الديني كأمير للمؤمنين. فبالرغم من الاستقبال الملكي لممثلات الجمعيات النسائية في شتنبر 1992، فإن هذه الجمعيات لم تتم استشارتها من طرف اللجنة العلمية المكلفة بالتعديلات، ولذا يبدو في هذه الحالة أننا أقرب إلى تعريف الباحث المغربی عبد الله حمودي للتحكيم الملکي، فيما يكاد يشبه نوعاً من التصديق على حلول معدة مسبقاً من طرف إرادة أحادية.

مقارنة بحالة تعديل المدونة في 1993، فإن السياق الذي أدى إلى صدور المدونة الجديدة للأسرة، بدا محددا – جزئيا على الأقل – بمجهود المجتمع المدني في مجال الترافع من أجل تعديل المدونة من جهة، كما بدا مستفيداً من الآثار المباشرة لتمكن الجمعيات النسائية من طرح سؤال النوع gender ضمن المجال العمومي من جهة، ومن تحول سؤال النوع بالشكل متدرج إلى إحدى محددات السياسات العمومية من جهة أخرى.

فقد استمر عمل مجموعة 95 المغاربية من أجل المساواة تشكلت سنة 1991 بمبادرة من الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب بالرباط، استعدادا للمشاركة في المؤتمر العالمي الرابع للنساء ببكين سنة 1995. كما أعلن الوزير الأول لحكومة التناوب في التصريح الحكومي (مارس 1998) عن الالتزام بمراجعة قانون الأحوال الشخصية.

وبمنهجية تشاركيه تم إعداد الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية من طرف كتابة الدولة في المرأة والأسرة والطفولة (1999-2000)، وأدى صدورها إلى فعل المحافظة، مما تطلب مرة آخری عودة الدور التحکيمی للدولة والمؤسسة الملكية بالتحديد. حيث قرر الوزير الأول عرض النقط الخلافية من الخطة والمتعلقة بمراجعة بعض بنود المدونة على التحكيم الملكي، ولذلك قام الملك في يونيو 2001 بتنصيب اللجنة الاستشارية الخاصة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية.

اتسمت هذه الفترة بتحولات تنظيمية على مستوى جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة بتأسيس ائتلاف coalition جمعيات ربيع المساواة من أجل الترافع حول تعديل مدونة الأحوال الشخصية، كما ظهرت مؤشرات واضحة على تعزيز القدرات الترافعية advocacy capacities وبروز ملامح ترافع احترافي يمكن توضيح أهم معالمه من خلال تحليل مراحل الترافع، وكذا دراسة نسق الحجج systéme d’argumentation argumentative set)) الذي طوره الائتلاف من أجل شرعنة legitimization مطالبته بتعديل مدونة الأحوال الشخصية، ويمكن تحديد معالم هذا التحول كما يلي:

اعتماد أسلوب المذكرات کأرضيات platforms توافقية بين الجمعيات المكونة للائتلاف، وهي مذكرات مرتكزة عدد محدد من الأولويات priorities (توحيد سن الزواج بالنسبة للرجل والمرأة في 18 سنة – تمتع الرجل والمرأة بكامل الأهلية القانونية لإبرام عقد الزواج – منع زواج كل شخص مرتبط بعلاقة زوجية قائمة – تساوي الزوجين في الحقوق والواجبات تجاه بعضهما وتجاه الأسرة والأطفال- توحيد قانون ومسطرة حل العلاقة الزوجية بطلب من الزوج أو الزوجة أو كليهما ووضعها بيد القاضي- اقتسام الممتلكات المكونة أثناء الحياة الزوجية في حالة الطلاق أو الوفاة– حرية زواج الحاضن من الأبوين وبقاء الحاضن (ة) في بيت الزوجية وتوحيد سن المحضون) وحسب الائتلاف تمثل هذه الأولويات ترجمة لفكرة مركزية هي «نبذ الطاعة مقابل الإنفاق»

شملت عمليات الترافع مختلف المؤسسات المعنية بصياغة مشروع مدونة الأسرة بما في ذلك اللجنة الملكية الاستشارية ذاتها، الأحزاب والهيئات السياسية وكذا البرلمان، وباستعمال الوثائق المرجعية المتمثلة في المذكرات.

الدور الهام الذي لعبه الخبراء خاصة في مجال العلوم الاجتماعية والقانونية في تطوير جودة الوثائق المقدمة في المرافعات سواء تعلق الأمر بمذكرات أو مقترحات تعديل مشروع مدونة الأسرة: يبدو هذا واضحا من خلال تقديم مذكرة مقترحات تعديل مشروع مدونة الأسرة إلى البرلمان في يناير 2004 سواء من حيث أهمية التعديلات (177 مقترح تعديل مقابل 400 فصل يضمها مشروع المدونة)، وتعدد خيارات التعديل (تتقدم المذكرة بمقترحات تعديل أصلية واحتياطية)، وكذا منهجية تقديم التعديلات وتبويبها المنطقي (المادة- التحليل- المقترح- التعليل- الملاحظة) مما يؤثر على درجة مهمة من تملك ownership منهجية صياغة التعديلات التي تشكل جزءا من عملية الترافع. وهنا يمكن ملاحظة أن منهجية صياغة التعديلات المقدمة من طرف الائتلاف تشبه إلى حد كبير منهجية صياغة مقترحات التعديل المقدمة من طرف الفرق البرلمانية أثناء مناقشة مشاريع أو مقترحات القوانين.

إستراتيجية بناء حجج بمرجعيات متعددة من أجل بناء توافقان consensus building واسعة ومضمونة: وبالفعل بدأت تتضح معالم هذه إستراتيجية الحجاج هذه منذ المذكرة التي أصدرها ائتلاف ربيع المساواة في 2001، حيث إن تقديم المقترحات استند علی مرجعيات متعددة رتبت بشكل براغماتي ومتكامل يتجاور فيها الكوني universal بالديني، وتتجاور فيها فلسفة القانون بالواقع المعايش (المعيش اليومي، الاختيارات التحديثية للبلاد، مقاصد الشريعة، التنمية المستدامة، الوظيفة الاجتماعية للقانون)

بالرغم من ذلك يبدو أن مجهود شرعنة legitimization effort المقترحات والتعديلات المقدمة استند بشكل أساسي إلى الاستعمال الاستراتيجي لحجة السلطة d’autorite argument المتمثلة في الخطاب الملكي بتاريخ 10 أكتوبر 2003 في افتتاح الدورة التشريعية الخريفية، وهنا دافع الائتلاف عن تأويل مفاده أن مشروع مدونة الأسرة الذي قدم الملك توجهاته العامة في هذا الخطاب (وهي التوجهات التي تلخص في نفس الوقت نتائج التحكيم الملكي ونتائج عمل اللجنة الاستشارية) يعتبر نتاجاً لتضافر عاملين أساسيين: «نضال الجمعيات النسائية والحركة من أجل حقوق النساء عموما طيلة العقدين الأخيرين وإرادة ملكية واضحة تجلت في عدة مناسبات بما في ذلك عبر توجيه أعمال اللجنة الاستشارية».

إن إحدى النتائج التنظيمية الأساسية التي ترتبت عن تقوي قدرات الجمعيات النسائية في مجال الترافع هو بروز مسار لاستقلالية المتزايدة لهذه الجمعيات عن البنيات الحزبية، مما دفع هذه الجمعيات إلى تجريب التحاور المباشر مع الدولة دون وساطة هذه البنيات.

تبرز هذه حالة صدور قانون الأسرة الجديد أن السياق ما بعد السلطوي post-authoritarian context له أثر إيجابي (إلى جانب عوامل أخرى) على قدرات منظمات المجتمع المدني على الترافع من جهة، وعلى نوعية النتائج التي يمكن أن تحصل عليها الائتلافات المترافعة من جهة ثانية. لا ينبغي أن يدفع ذلك الباحث إلى تجاهل معطی أساسي مفاده أن نتائج الترافع هي أيضاً محددة إلى حد کبير بالطابع التوافقی الذي يميز السياقات الانتقالية، وهنا فإن الخيار العقلانی rational choice الوحيد الذي كان متاحاً أمام الائتلاف (خاصة أمام ضغط الفاعلين السياسيين والمدنيين المحافظين) في حالة مدونة الأسرة هو القبول بنتائج التحكيم الملكي بوصفه تحقيقا لجزء مهم من مطالب الائتلاف

الحالة رقم 2: إشكالية تمللك ownership آليات التخطيط ألتشاركي من طرف السكان: حالة تطبيق برنامج المذكرة 21:

يتعلق الأمر ببرنامج ينجز في إطار شراكة بين برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية unhabitat وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية undp ووزارة إعداد التراب الوطني والبيئة والماء، ويهدف برنامج «مغرب المدن النظيفة – مذكرات 21 المحلية» لدعم البيئة والتنمية المستدامة في الوسط الحضري (2001-2005) وإلى تعزيز قدرات الجماعات المحلية في مجالات التنمية المستدامة وتدبير البيئة، وذلك من خلال تطوير قدرات التشخيص ألتشاركي diagnostic participatory لكل الفاعلين المحليين (جماعات محلية، مصالح خارجية، مجتمع مدني، قطاع خاص) وكذلك عبر القيام بمبادرات ملموسة لتحسين الظروف البيئية والسياسية- اقتصادية للفئات المحرومة من السكان.

يهم البرنامج کلا من من مراکش، أكاد ير ومكناس وهو حاليا في طور الانتقال إلى المستوى الجهوري ليشمل عددا من المدن المتوسطة بجهة مراکش- تانسيفت- الحوز (آيت أورير- قلعة السراغنة- بن جرير)

بالنظر لموضوع التقرير، فإن الاهتمام سينصب أساسا على تجربة برنامج المذكرة 21 من زاوية دعم مسار مشاركة السكان في القرار المحلى عبر ألية استشارات المدن بالخصوص، لكن دون إغفال الطابع الاستراتيجي لبرامج دعم القدرات عبر التكوين والذي يستفيد منه على حد سواء المستشارون الجامعيون، ممثلو المصالح الخارجية والفاعلون الجمعويون.

من منظوري كمكون مشارك في أجرأة برنامج المذكرة 21، مما أتاح لي التعامل عن قرب مع المنسقين للبرنامج بمختلف المدن التي توطن فيها برنامج المذكرة وكذا مع المستفيدين من التكوينات، فإنه يمكن استنتاج إحدى الآثار بعيدة المدى لهذا البرنامج هو خلق لغة مشتركة خاصة بالسياسات العمومية public policy على المستوى المحلي، هو ما قد يؤدي على المدى المتوسط إلى بناء مرجعية réferential مشترك يتيح على الأقل شروط التداول délibération المتكافئ بين أطراف التدبير المحلي حول السياسات العمومية المحلية بشكل يتيح مشاركة أوسع للمجتمع المدني فيها.

غير أن هذا الاستنتاج تنبغي قراءته على ضوء المعطيات الإمبريقية التالية:

يتحدد مسار بناء مرجعية référential مشتركة خاصة بتدبير السياسات العمومية المحلية بمدى اعتماد نتائج التشخيص ألتشاركي والأولويات المحددة من طرف استشارات المدن consultation des villes في مخططات التنمية المحلية المعتمدة من قبل المجالس الجماعية. وأيضاً بمدى الدمج المتدرج لمنهجية المذكرة القائمة على التخطيط ألتشاركي participatory planning لتصير جزءاً من مسار إعداد مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلى، ففي مدينة مراكش مثلا تم اعتماد نتائج استشارات المدن من طرف مجلس المدينة (بمقتضى اتفاقية الشراكة الموقعة بين المجلس والبرنامج في نوفمبر 2005)، كأرضية لإعادة ملاءمة مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلي مع أولويات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية INDH، ولإعداد المبادرة المحلية للتنمية البشريةInitiative locale pour le développement humain ILDH. ولهذا يمكن اعتبار هذا الدمج المتدرج نوعا من مسار تعلم: processes d’apprentissage إعداد سياسات عمومية محلية متمايزة.

لن يؤدي النجاح المتوقع لهذه التجارب بالضرورة إلى إلغاء التوتر الأساسي (نظرياً وعمليا) بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، بقدر ما يحتمل تزايد هذا التوتر بفعل ظهور رأس مال رمزي Symbolic capital يتكون من خلال العمل الاجتماعي والذي يمكن عددا من الفاعلين الجمعويين من تصريف جزء من رأسمالهم الاجتماعي Social capital إلى رأس مال سياسي يؤهلهم للحصول على انتداب انتخابي على المستوى المحلي والوطني. وبالفعل أظهرت المعاينة الميدانية منذ الانتخابات الجماعية لشتنبر 2003 تزايد عدد المنتخبين المحليين ذوي الهوية المزدوجة (منتخب جماعي وفاعل جمعي في نفس الآن).

لن يؤدي بناء مرجعية مشتركة انطلاقا من آثار برامج دعم القدرات بالضرورة إلى إلغاء اختلاف الأجندات Agendas والمصالح الخاصة بالفاعلين في السياسات العمومية، غير أن التخطيط ألتشاركي قد يؤدي إلى الاعتراف بشرعية legitimacy هذه المصالح وتحقيق نوع من الانسجام بين أهداف فاعلي التنمية المحلية فی سياق إدماجي inclusive بشكل أكثر فعالية من آليات التشاور concentration الكلاسيكية.

يمكن أيضاً إجراء تحليل أولي من منطلق الإشكالية المطروحة في التقرير لتجربة تطبيق المذكرة 21 في مدينة مراكش، بوصفها تجربة مستجدة في مشاركة المجتمع المدني في وضع، تدبير وتقييم السياسات العمومية المحلية وفق نمط يقع على حدود الديمقراطية التمثيلية المحلية والديمقراطية التشاركية ذلك أن التوصل إلى «وثائق تخطيط تشاركيه» كالميثاق الحضري، وخطة العمل للتنمية المستدامة بالمدينة تطلب عقد 15 دورة بين فبراير 2003 ومارس 2004 لثلاث مجموعات قطاعية حددت على أساس أولويات تم تشخيصها بشكل تشاركي (التدبير المستدام للموارد المائية، حماية التراث وإنعاش السياحة، الولوج للخدمات الاجتماعية والاندماج الاجتماعي) وكذا عقد ورشتين تشاوريتين موسعتين (16-18يناير 2003، و22-23 أبريل 2004). وهنا تنبغي الإشارة إلى معاينة constat من شأنها تقديم تصور أولي عن دور المجتمع المدني في مسارات اتخاذ قرارات مبنية على منهجية تشاركيه، فقد لوحظ بعد عقد عدد من اجتماعات مجموعات العمل أن هناك تفاوتا في الخلفيات والخبرات التقنية للمشاركين بالنظر لخلفياتهم الثقافية والمهنية المتنوعة ولمواقعهم المتفاوتة (منتخبون، موظفون جامعيون، ممثلو المصالح الخارجية، الغرف المهنية، الجمعيات، الجامعات والقطاع الخاص) في نفس الوقت الذي أظهر فيه تقدم الأشغال طلباً متزايداً على «تدخلات أكثر احترافية» من أجل نقل التشخيص ألتشاركي والأولويات المحددة إلي خطة عمل ملموسة، مما أدى إلى اتفاق الأطراف على تكوين مجموعات عمل مصغرة تجتمع بشكل أكثر ترددا بين اجتماعين للمجموعات الثلاث الموسعة. ويبدو أنه بالرغم من ألنجاحه العملية لهذا المسعى، فإنه قد يحمل بدرجات متفاوتة مخاطر تفاوت موقعي الخبير- التقني والفاعل الجمعوي حتى في سياق كسياق برنامج المذكرة- يتميز بتكافؤ التمثيلية والتكامل القطاعي.

يمكن تعزيز هذا الاحتمال بمعطى آخر يتمثل في طبيعة الانتظارات من المجتمع المدني بمناسبة تطبيق خطة عمل تشاركيه إذ يمكن من خلال قراءة إجراءات خطة عمل التنمية المستدامة موضوع التحليل اكتشاف تقسيم ضمني للعمل يمنح للمجتمع المدني في الغالب أدواراً تتعلق بالتحسيس، المشاركة في الخبرة، تنظيم المستفيدين المحتملين، وبصفة عامة أعمالا مواكبة وموازية لبرنامج قطاعي، ما عدا في الحالات التي يتعلق الأمر بمجالات يمتلك فيها المجتمع المدني ميزة وتخصصا (حقوق الطفل، محاربة الأمية مثلا). وإذن يمكن أن نفترض وجود تفاوت بين مشاركة المجتمع المدني في مختلف مراحل التخطيط ألتشاركي، وهى مشاركة متسمة بالتكافؤ مع باقي الأطراف وبالكثافة، وبين أجرأة خطط العمل التشاركية التي تخضع لتقسيم عمل ضمني يتحدد بمدی ضعف أو قوة القدرات المادية والبشرية والتقنية ومجال للمجتمع المدني.

محطات مسلسل المذكرة 21

الحالة رقم 3: حدود ترافع المجتمع المدني فی السياسة الخارجية ك «مجال محفوظ» domain réservé: حالة اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية:

تشكل حالة ترفع الائتلاف المغربي من أجل الحق في الولوج إلى العلاج والحصول على الأدوية بشراكة مع الائتلاف من أجل التعددية الثقافية حالة نموذجية للبرهنة على حدود ترافع المجتمع المدني في مجال السياسة الخارجية بوصفها «مجالاً محفوظا لرئيس الدولة» ومجالا لتدخل مواز من طرف المؤسسة التشريعية. لهذا السبب يتعين دراسة الخطوات الأساسية التي قطعها الائتلافان (و بشكل خاص الائتلاف المغربي من أجل الحق في الولوج إلى العلاج والحصول على الأدوية) من الترافع من أجل تعليق تطبيق حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة، على بعض الأدوية من أجل ضمان الولوج إلى علاج بعض الأمراض كنقص المناعة المكتسب، الملا ريا، السل، وباقي الأوبئة. سواء على مستوى بناء المرجعية، وتدبير الائتلاف أو علی مستوی مسعى الترافع ذاته الذي يبرز في آن واحد نوعا من الفعل الاستراتيجي ولحظات للتكيف مع التحولات الميدانية. كما أن دراسة هذه الحالة تمكن من التعرف على الشروط العملية التي تم بموجبها تصريف القدرة على التعبئة Capacité de mobilization إلى إمكانيات مؤسساتية للمشاركة في السياسات العمومية.

يلاحظ مبدئيا أن بناء ائتلاف تزامن مع بناء المرجعية référential. فبالنظر للتكوين المتعدد للائتلاف، كان لابد من بناء تشاركي للمرجعية construction participative du référentiel التي تشكل قاسما مشتركا بين مختلف أعضاء الائتلاف، لذا استعملت على المستوى الإجرائي تقنية الندوات من أجل بناء مرجعية مشتركة ومتوافق بشأنها بين أعضاء الائتلاف. كما أن تقنية الندوات الصحفية علاوة على وظائفها التواصلية، لعبت دورا إضافيا من خلال الإمكانيات التي أتاحتها في توسيع الائتلاف والتحالف موضوعاتيا thematic Coalitions) منظمات حقوق الإنسان، الجمعيات العاملة في مجال الصحة، تحالف الفنانين المغاربة من أجل التعددية الثقافية (وهو ما تطلب جهدا عمليا من أجل بناء convergence على مستوى الأجندة بين الحق في الولوج إلى الأدوية والعلاج من جهة والاستثناء الثقافي من جهة أخرى). إن هذا المعطى (إضافة إلى الطابع الواسع للائتلاف يفسر کون النصوص المؤسسة للائتلاف كإعلان إنشاء الائتلاف (15 يناير 2004)، أو مداخلة د.حكيمة حميش بنفس التاريخ، أو مذكرة الترافع حول الأدوية المستنسخة واتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة تتضمن حدا أدنى مشتركا من الأهداف، يشكل في الآن نفسه موجها للفعل الجماعی ولعمليات الترافع اللاحقة. وهكذا تضمنت الأهداف:

طلب على مشاركة الفاعلين في مجال الصحة في المفاوضات وهو ما ظهر من خلال نقد غياب الشفافية في إدارة المفاوضات، مع الإشارة إلى التفاوت في درجات الإشراك، حيث كان يتم إشراك ممثلي قطاع النسيج والقطاع ألفلاحي بشكل أكثر انتظاما في مسار المفاوضات، مقارنة بممثلي قطاع الصحة ضمان ولوج المواطنين إلي العلاج والحصول على أدوية بأثمنة تتناسب مع قدراتهم الشرائية رفض الاتفاق المرحلي المتوصل إليه في الجولات الأخيرة لاتفاقية التبادل الحر بوصفه قد يقيد الصناعة المحلية للأدوية المستنسخة من جهة أخرى لا بد من الانتباه إلى خصوصيات تنظيمية هامة فرغم تشبيك الائتلاف، فقد كان للشبكة رأسين: الفضاء الجمعي Espace associatif والجمعية المغربية لمحاربة السيدا، ويبدو أن هذا الوضع أملته اعتبارات لجمع بين القدرة على الترافع، والمصداقية العلمية التي تقدمها الخبرة المناضلة Expertise militante، كما أن بناء شرعية على أساس الخبرة المناضلة توازى مع أفق بناء تحالف دولي (جمعية up-Act و Médecins sans frontiéres).

أظهر تحليل مضمون وثائق الترافع الانعكاس الإيجابي لهذه الإستراتيجية على نوعية الحجج arguments المقدمة من طرف الائتلاف والمستندة على تجارب مقارنة لدول سبق أن قامت بتوقيع اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، وكيف تم تدبير الأسئلة المتعلقة بقواعد الملكية الفكرية في مجال الأدوية والولوج إلى العلاج. كما تلقت الحكومة (ممثلة في وزارة الصحة) رسالة مطلبيه من المنسقية العامة والطبية لأطباء بلا حدود بالمغرب

مر مسار الترافع بلحظات صعبة moments critiques من المحتمل أن يتم اعتبارها بمثابة منعطف حاسم في إستراتيجية الترافع المنتهجة مكن قبل الائتلافين وذلك لما تم الإعلان من طرف الائتلافين عن تنظيم وقفة احتجاجية يوم 28 يناير 2004 أمام البرلمان من أجل الدفاع عن الحق في العلاج والدواء والحق في التعدد الثقافي. وقد أظهر التدخل العنيف لقوات الأمن لتفريق الوقفة الاحتجاجية، والذي طال أيضاً عددا من قادة الائتلاف، بشكل مادي وجود حد للمسموح به «limite tolérée» من قبل الدولة إزاء إستراتيجية الترافع والتعبئة التي يقوم بها الائتلاف، مما يعزز هذا التأويل المتمثل في وجود حد للمسموح بمناقشته عموميا في مجال السياسة الخارجية، نمط الحجج التي سيستعملها فيما بعد الوزير المنتدب في الخارجية أمام لجنتي الخارجية بمجلسي البرلمان، حيث سيلجأ بشكل واسع في استدلاله إلى حجة السلطة I’argument d’autorité من أجل منع أي نقاش مبدئي داخل لجنتي الخارجية حول الاتفاقية باعتبارها نتاج «إرادة قائدي البلدين» وأن مفاوضي الجانب المغربي قد أخذوا جميع مصالح الممثلين المهنيين وموضوعات ترافع الائتلافين بعين الاعتبار.

بشكل ما يمكن اعتبار ترافع الائتلافين (الائتلاف من أجل الولوج إلى العلاج، والائتلاف من أجل التعددية الثقافية) لدى البرلمان نوعا من المسعى الاستدراكي ومتابعة لإستراتيجية الترافع، سيما مع النتائج المحدودة التي توصل إليها الائتلاف في مجال تعليق تطبيق حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة على بعض الأدوية. كما أن كلفة نهج إستراتيجية تجمع بين أنماط الترافع الاتفاقية conventionnel والاحتجاج العمومي، أصبحت مرتفعة، علاوة على أن الائتلافين لم يستطيعا التشاور مع الحكومة بشكل مباشر بخصوص النقط محل الترافع، لدرجة أن الائتلافان لم يتمكنا من معرفة الموقف الرسمي المغربي من مسالة حق تصدير واستيراد المواد الصيدلية المماثلة (médicaments génériques). في هذا الإطار تندرج مثلا رسالة الترافع التي قدمتها البروفيسور حكيمة حميش رئيسة الجمعية المغربية لمكافحة السيدا إلى عدد من رؤساء الفرق البرلمانية بالمجلسين، بخصوص الانعكاسات المنتظرة على قطاع الصحة للاتفاقية مع التعهد بتوفير معلومات إضافية للبرلمانيين في هذا المجال.

يلاحظ أيضاً أنه في ظل غياب آليات أخرى للتشاور مع المجتمع المدني على مستوى المؤسسة التشريعية، فقد تم اللجوء إلى تقنيات كلاسيكية متعارف عليها منذ مدة، كتنظيم الأيام الدراسية استقدمت فيها بعض الفرق البرلمانية، خبراء وممثلين للائتلافين من أجل دراسة أثر impact الاتفاقية على المستوى القطاعي (الفلاحة، الأدوية, الثقافة, النسيج).

كما سجل أن الائتلافان أصبحا أكثر مرونة في مجال التفاوض حول أشكال الاحتجاج التي تتطلب درجة معينة من التعبئة الجماعية mobilisation collective فإزاء طلب تنظيم مسيرة يوم 15 فبراير 2004 الذي تقدمت به لجنة المتابعة للائتلافين إلى السلطات العمومية، قبلت لجنة المتابعة تأجيل المسيرة «باعتبار الظرفية التي تعيشها البلاد من جراء النتائج للمنتخب الوطني وأمام الخروج التلقائي للمواطنين المغاربة للشوارع»

عموما أدت إستراتيجية الترافع التي انتهجها الائتلافان إلى نتائج جد محدودة بالنظر إلى الأهداف المحددة مسبقا من قبل الائتلاف، ذلك أن تعليق تطبيق حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة، على بعض الأدوية من أجل ضمان الولوج إلى علاج بعض الأمراض كنقص المناعة المكتسب، الملا ريا، السل، وباقي الأوبئة، أو في حالة الاستعجال كان فقط موضوع تبادل رسائل أتفاقlettres d’entente بين الحكومتين. ومن ثم فهي لا تشكل جزءاً من متن الاتفاق وإنما هي موضوع مشاورات لاحقة بين الحكومتين. إن عددا من الفاعلين في المجتمع المدني اعتبروا في حديث مع معد التقرير أن إحدى الأسباب التي يتعين إيلائها أهمية بالغة لتفسير النتائج المحدودة للترافع في هذه الحالة هي الصعوبات التي تمثلت في تدبير المواقف المتباينة داخل الائتلافين، فأعضاء الائتلاف ينتمون إلى مرجعيات أصلية متباينة أثرت على طرق صياغة المطلبين المتعلقين بالولوج إلى العلاج والتعددية الثقافية، ففي الوقت الذي تفضل عدد من الجمعيات (كأطاك فرع المغرب، أو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) صياغة المطلبين على أساس الرفض المبدئي لاتفاقية التبادل من منطلق مضاد ل «الإمبريالية الأمريكية» فضل عدد من الجمعيات صياغة مطلبها على أساس الحق في الولوج إلى العلاج، وبلغة غير مرتبطة بمرجعية إيديولوجية، بل إن عددا من قيادات الائتلافات قد صرحت بأنها لا تعارض مبدئيا اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة إذا كانت ضامنة لحق الولوج إلى العلاج والتنوع الثقافي.

بالرغم من النتائج المحدودة للترافع حول الأدوية المستنسخة، فإن الائتلاف استطاع الوصول إلى مستوى من العناية الوسائطية media Visibility خاصة على مستوى الصحافة المكتوبة، حيث تمت تغطية الندوة الصحفية المعلنة عن تأسيس الائتلاف، كما تمكن أعضاء الائتلاف من نقل احتجاجهم عبر الصحف أساسا على تدخل قوات الأمن لتفريق الوقفة الاحتجاجية ليوم 29 يناير 2004، وتم توزيع إعلان تحسيسي في مختلف الصحف تحت شعار: « صحتي ليست بسلعة».

ويمكن تقديم مجموعة من الخلاصات المستنتجة من دراسة الحالات ومن تحليل بعض الإطارات المؤسساتية المتوفرة لمشاركة المجتمع المدني في السياسات العمومية:

يمكن أن نلاحظ في حالات متعددة دور التعاون الدولي في إرساء ممارسات مستديمة لاستشارة ومشاركة المجتمع المدني في السياسات العمومية، يتخذ هذا العامل أشكالاً متنوعة إذ تتجلى أثاره مثلا على مستوى تمكن المجتمع المدني من المشاركة في بناء أجندة سياسات عمومية قطاعية فإذا ما أخذنا على سبيل المثال مختلف الطلبات المجتمعية الخاصة بإصلاح العدالة نجد أنه قد تمت صياغتها والتعبير عنها منذ السنوات الأولى للاستقلال، ومن الممكن أن نفترض أن لهذه الطلبات منطقها الخاص، وبالمقابل، لا يمكن إنكار التأثير الخارجي فقد تم إدماج شرط حقوق الإنسان «human rights clause» بشكل ممنهج في كل اتفاقيات التعاون الأوروبية مع دول أخرى منذ نهاية 90 آت، ومن المؤكد أن إحدى الآثار الحاسمة لهذا المعطى هو توسيع مشاركة الفاعلين في بناء السياسات العمومية الخاصة بقطاع العدالة مثلا.

في حالات أخرى ترسي برامج التعاون الدولي ممارسات جيدة best practices في مجال استشارة المجتمع المدني وهى منهجية قد يتم تملكها فيما بعد بدرجات متفاوتة من طرف صانعي السياسات العمومية: من الحالات الأكثر دلالة على ذلك حالة برنامج المذكرة 21 المشار إليها أعلاه أو حالة إعداد الإستراتيجية الوطنية للمساعدة Country Assistance Strategy CAS من طرف البنك العالمي والمغرب برسم الفترة 2005-2009، حيث تم هذا الإعداد بناء على مسلسل استشارة أمتد من يونيو إلى أكتوبر 2004 وهم إضافة إلى القطاع العام، مكونات المجتمع المدني العاملة في مجال التنمية، القطاع الخاص وأعضاء مجلس النواب، وباستعمال أشكال متعددة من الاستشارة (اجتماعات عمل، موائد مستديرة، ورشات تفكير، اجتماعات موسعة واستشارات قطاعية…)

من جهة أخرى قد تساهم الاتفاقيات الدولية في بناء مرجعية متقاسمة Shared referential بين السلطات العمومية والمجتمع المدني وهو ما قد يؤثر أولا بشكل إيجابي على فرص مشاركة واستشارة المجتمع المدني ويسهل الوصول إلى اتفاقات بشأن الآليات المؤسساتية المناسبة على المستوى الوطني لتنفيذ الالتزامات الواردة في هذه الاتفاقيات، يمكن الإشارة في هذا المجال إلى حالة مشروع المرسوم رقم 1228. 2.05 المتعلق بإحداث الهيئة المركزية للوقاية من الفساد والتي تقدمها الحكومة في مشروع المرسوم بوصفها الهيئة المشار إليها في البند 3 بالمادة 6 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

يبدو أن ماسسة إطارات مستديمة للتشاور ومشاركة المجتمع المدني، وتوسيع الولوج إلى المعلومات المتعلقة بشروط صياغة السياسات العمومية تعتبر عوامل حاسمة في تقليص فرص اللجوء إلى الأشكال الاحتجاجية، إن حالة اتحاد الأطر العليا المعطلة، وحالة الائتلافين من أجل الحق في العلاج والتعدد الثقافي تعتبر أمثلة مضادة counter-examples من شأنها دعم هذا الاستنتاج ففي الحالة الأولى لا يتم إشراك ممثلي المعطلين حملة الشهادات في مشار حواري متعلق بالسياسات العمومية للتشغيل، وفي حالة الائتلافين لم يستطع الأعضاء في كثير من الأحيان التوفر على حد أدنى من العيانية Visibility والمعلومات المتعلقة بمسار التفاوض حول اتفاقية التبادل الحر، وفي حالة ثالثة لم يتمكن المجتمع المدني من الحصول على معلومات حيوية تتعلق بتدبير الهويات الفردية، وهذا ما يظهر من النقاش العمومي الجاري حاليا بين عدد من منظمات المجتمع المدني حول برنامج «الهوية الإلكترونية» E-identité المنجز في إطار برنامج الحكومة الإلكترونية وبإشراف من الإدارة العامة للأمن الوطني والذي سيمكن من التدبير الإلكتروني لعدد من المعطيات الشخصية ذات الحساسية البالغة بالنسبية للأفراد (البطاقة الوطنية البيومترية Biometric، التشخيص، معطيات جواز السفر – معطيات رخصة السياقة – عقد الازدياد- شهادة السكنى) وتنصب هذه النقاشات أساسا حول عدم إطلاع العموم على المعطيات المتعلقة بإجراء صفقة إنجاز البطاقة البيومترية التي فازت بها إحدى الشركات الدولية الخاصة من جهة، حيث تطالب transparency marocبإجراء تحقيق حول ملابسات إجراء الصفقة المذكورة، وكذا «الفراغ القانوني» المتعلق بضمانات حماية معلومات تنتمي إلى المجال الخاص للأفراد ومرتبطة بهويتهم الفردية من جهة أخرى.

كما يمكن اعتبار تشاور الحكومة (خاصة الوزارة الأولى ووزارة تحديث القطاعات العامة) المتفاوت الانتظام مع جمعية ترانسبرنسي المغرب حول مشروع الهيئة المركزية لمكافحة الفساد بمثابة مسار تشاوري في طريق المؤسسة، كما يمكن اعتبار التركيبة المتعددة لمشروع الهيأة (7ممثلين عن السلطات الحكومية، 8 ممثلين عن الهيئات المهنية، 15 عضوا مشاركا ممثلا للمجتمع المدني، والأكاديميين) محاولة مبدئية لمؤسسة تدبير تشاركي للسياسات العمومية المتعلقة بمحاربة الفساد، مع العلم أن مستقبل مؤسسة أي تدبير تشاركي للسياسات العمومية المتعلقة بمكافحة الفساد يتوقف علی ميزان القوى بين المراكز المحافظة (الأمانة العامة للحكومة) والإصلاحية (وزارة تحديث القطاعات العامة والوزارة الأولى) داخل السلطات العمومية ذاتها وهو ما يمثل حالة نموذجية للصراع بين hard liners ; soft liners في السياق الانتقالي. وهنا فإن إمكانية تملك المجتمع المدني لجزء من مسطرة تبسيط المساطر الإدارية يعتبر مؤشرا إيجابيا في حد ذاته (وضعت جمعية ترانسبرنسي المغرب على موقعها بشراكة مع مجلة 20 Tel Quell مسطرة إدارية)

تعتبر الحاكمة الجمعية وكذا القدرات التي تتوفر عليها الجمعيات في مجال الترافع وتدبير الائتلافات عنصرا حاسما في تحديد شكل ونوعية مشاركتها وتأثيرها في السياسات العمومية، إن إحدى الحالات النموذجية فی هذا الصدد تتمثل في الحملة التي قادها ائتلاف يمثل الفضاء الجمعيEspace Associatif من أجل تعديل قانون الجمعيات منذ 1999 والتي أتيح لمعد التقرير عليها انطلاقا من وثائق الفضاء ومن اللقاء المباشر بفاعلين من الفضاء الجمعي كان لهم دور في تدبير المترافعات، إذ أن مختلف مراحل الترافع (موائد مستديرة للتفكير، التشخيص التشاركي لأوجه قصور قانون الجمعيات السابق، المناقشات الجهورية، تدبير اللقاءات مع الوزارة الأولى والأمانة العامة للحكومة، تقديم المذكرة من أجل تعديل قانون الجمعيات، إعداد دراسات مقارنة، القيام بـــ lobbying لدى البرلمان، بناء ائتلافات حول مدونة الحريات العامة في كليتها مع النقابة الوطنية للصحافة المغربية ومختلف المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان) تتطلب درجة عالية من القدرات التنظيمية ومن القدرة على التحكم في الترافع بشكل استراتيجي. بالمقابل فإن عدم القدرة على تدبير الظرفية أدى فقط إلى نتائج محدودة في ما يخص ترافع الفضاء الجمعي سنة 2001 حول تعديل الميثاق الجماعي، مع العلم أن الفضاء الجمعي حاول استدراك هذا العجز بإصدار مذكرة مطلبية حول مشاركة الجمعيات في التدبير المحلي انطلاقا من تفعيل مواد الميثاق الجماعي الجديد ذاته، وبالارتكاز على منطق الميثاق المتمثل في توسيع مشاركة السكان.

يبدو أن الجمعيات ستكون مدعوة في المستقبل إلى تقوية قدراتها في مجال الحاكمة الجمعية كشرط أساسي لمشاركتها في تدبير السياسات العمومية، ينطبق هذا بشكل خاص على المستوى المحلى حيث أصبحت الحاكمة الجمعية إحدى عناصر الإستراتيجية التشاركية، ففي إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أصبح الهيكل التنظيمي organization chart إحدى العناصر الوصفية التي تعتمد عليها اللجنة الإقليمية لانتقاء المشاريع التي ستستفيد من تمويل ودعم المبادرة، كما يتم إلحاق القانون الأساسي بوثيقة المشروع. من جهة أخرى أصبحت القدرة على التدبير التنظيمي والمالي، والسوابق في مجال بناء الشراكات عنصرا أساسيا في تقييم اللجنة الإقليمية للمشاريع المقدمة، وهو ما يعنى أن التسيير الديموقراطي والقدرة التدبيرية للجمعية أصبحا معيارا للانتقاء eligibility criteria من أجل الشراكة والاستفادة من الدعم في إطار المبادرة.

يبدو أن المجال الاجتماعي ومجال التدبير المحلي يشكلان أوسع المجالات لمشاركة السكان كما أن الإطار المعياري للمشاركة يستجيب للطلب على المستوى المحلى أكثر مما يستجيب له على المستوى الوطني وهذا ما يمكن استنتاجه من خلال الحالات المدروسة في هذا التقرير خاصة فيما يتعلق بالإمكانيات المتاحة من طرف الميثاق الجماعي، تجربة توطين المذكرة 21، وكذا الهندسة المؤسساتية والتطبيق الحالي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، غير أنه من السابق لأوانه التنبؤ بالأثر الفعلي الذي يمكن أن تخلفها ممارسة مختلف آليات مشاركة السكان على مستوى حل أزمة التمثيل والمشاركة. فإذا اعتبرنا أن القدرة على الاستجابة بوصفها responsiveness بوصفها قيمة وسيطةmediating value وإحدى أسس الحاكمة تترجم مؤسسياً في وجود مساطر ممنهجة ومفتوحة للاستشارة العمومية consultation public ووجود هيئات للتمثيل المحلي قريبة من السكان. من هذه الزاوية فإن وجود مساطر محددة، قطاعية لا يمكن اعتبارها بالضرورة جزءا من تصور شامل للاستشارة العمومية. فإذا ما استثنينا بعض آليات الاستشارة (المجلس الأعلى للوظيفة العمومية مثلا أو الآليات المرتبطة بالحوار الاجتماعي) وهي تتوازى مع مؤسسات الديمقراطية التمثيلية، فإن أهم الإمكانيات القانونية لتطبيق الديمقراطية التشاركية توجد أساسا على المستوى المحلي وبشكل خاص في الميثاق الجماعي. وإذا كان من الممكن معاينة معطى مفاده أن هندسة السياسات العمومية أصبحت تأخذ بعين المتغيرات اللامركزية والمحلية على مستوى تشخيص الحاجيات وتحديد الأولويات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تطورا مماثلا في مؤسسة إشراك المواطنين والمجتمع المدني في بلورة السياسات العمومية، وتبقى مقاربة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية استثناء في هذا الصدد بالنظر إلى اعتمادها مسار تخطيط تشاركي صاعد ascendant ومنطلق من المستوى المحلي.

ساهمت عمليات الترافع في الحالات التي قامت بها الائتلافات في الحالات موضوع الدراسة في دعم قدرات المجتمع المدني في مجال تكوين الشبكات، تطوير الحجج argumentaires الولوج إلى العيانية الوسائطيةvisibilité médiatique من خلال الحملات الإعلامية التي قامت بها، وعلى اكتساب مهارات تتعلق بالتفاوض والتعامل مع مسلسل اتخاذ القرار. غير أن مجهود الترافع اتجه بالأولوية إلى الحكومة، مقارنة بالبرلمان الشيء يمكن تفسيره بإدراك أعضاء الائتلافات للضعف النسبي لموقع المؤسسة التشريعية في مسلسل اتخاذ القرار المتعلق بالسياسات العمومية

بالمقابل تبقى إحدى الصعوبات المنهجية القائمة متمثلة في قياس دور الائتلافات coalitions المشكلة من الجمعيات في التأثير على السياسات العمومية، فإذا كان التعرف على مدى تأثير الائتلافات المشكلة من الجمعيات على السياسات العمومية ممكنا من خلال دراسة حالات وإجراء مقابلات نوعية qualitatifs entireties مع عدد من الفاعلين الجمعيين، فإن إحدى الصعوبات المنهجية بالمقابل تتمثل في استحالة قياس تأثير هذه الائتلافات على القرار الحكومي أو البرلماني المتعلق بالسياسات العمومية، فعلى مستوى البرلمان مثلا لا توجد بنية تنظيمية لتسجيل القائمين بالضغط lobbyists (عكس الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي مثلا)، كما تغيب أية معطيات عمومية تتعلق بعمل مجموعات الضغط أو الائتلافات داخل البرلمان. أما على المستوى الحكومي فباستثناء اجتماعات التشاور المنقولة عبر وسائط الاتصال لا تتوافر أية معلومات إضافية، الشيء الذي يجعل الاتصال بالفاعلين الجمعيين من أجل إجراء مقابلات بمثابة التقنية التعويضية الأكثر نجاعة. مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار معطى مفاده أن درجة lobbying تتحدد بمدى إدراك القائمين بالضغط lobbyists لقوة، موقع وتأثير المؤسسة في حالتنا وبالنظر لموقع المؤسسة التشريعية فإن القائمين بالضغط سيتوجهون بشكل أقل إلى البرلمان وسيفضلون توجيه مجهوداتهم نحو القطاعات الوزارية وممارسة التأثير مباشرة على مستوى صياغة مشاريع القوانين. تتدعم هذه الملاحظة بالنظر للتركيب الفئوي corporatiste لأهم الجمعيات المهنية القائمة بالضغط مع ضرورة استثناء الائتلافات الموضوعاتية كما هو الشأن مثلا بالنسبة للائتلافين من أجل الحق في العلاج والتعددية الثقافية

تزايد في الآونة الأخيرة طلب المشرع على خبرة المجتمع المدني حيث أظهرت عدد من جلسات التشخيص ألتشاركي التي تم إجراؤها بالبرلمان والتي أتيح لي تنشيطها أو المشاركة. فيها وكذا الاستمارات التي تم توجيهها إلى البرلمانيين وأطر اللجان والفرق البرلمانية من أجل تحديد الحاجيات المتعلقة بالخبرة في أفق إعداد قاعدة معطيات للخبراء لفائدة مجلس المستشارين أن هناك طلبا متزايدا على «خبرة المجتمع المدني» من قبل البرلمان من أجل الرفع من جودة العمل التشريعي (خاصة على مستوى تعديلات مشاريع القوانين أو مقترحات القوانين) وأيضاً من أجل ضمان فعالية المراقبة على العمل الحكومي. ومما يبرز الارتباط الوثيق في تصور المشاركين في هذا التشخيص بين هذا النوع من الخبرة من جهة وإمكانيات تحسين مشاركة البرلمان في مسار إعداد، تنفيذ وتتبع وتقييم السياسات العمومية أن المعايير التي تم اقتراحها من قبل المشاركين لتحديد الخبراء انصبت بالأساس على ضرورة توفير توازن في الآراء المنتجة في إطار الخبرة بشكل يتيح إجراء خبرة مضادة. إلا أن هذا الطلب المعبر عنه من قبل المشرع على «خبرة المجتمع المدني» لا ينبغي أن يترجم أوتوماتيكيا بوصفه استعدادا أكبر لتلقي والتجاوب عمليات ترافع advocacy المجتمع المدني. لكن بالرغم من ذلك ينبغي تسجيل دور الائتلاف في إطلاق مسار للتعليم السياسي مرتبط بالتفاوض، الحوار والترافع حول السياسات العمومية

تبعا لنفس المنطق يمكن الحديث عن مشاركة ذات هندسة متغيرة a geometrie Variable حسب القطاعات، فمن خلال الحالات المنشار إليها ظهرت بشكل واضح حدود إمكانيات الترافع المتاحة أمام المجتمع المدني في مجال السياسة الخارجية، مقابل أهمية مسارات الاستشارة والمشاركة والشراكة التي تتيحها السياسات العمومية في المجال الاجتماعي.

– قام معد التقرير عبر إجراء مقابلة نوعية مع فاعلي الفضاء ألجمعي بالاستعادة الشفوية la restitution orale للتجارب المعاشة narratives. من أجل دراسة بناياتهم الخطابية constructions discursive. وطريقة عرضهم لتجاربهم المعيشة حول الترافع من أجل التأثير على السياسات العمومية

حول مفهوم السياسات العمومية كتجارب Public policy as narratives انظر بهذا العدد:

Frank Fischer “: “Reframing public policy, discursive politics and deliberative

Practices”, Ed. Oxford University Press; 2003

EMBED PowerPoint, Slide.8.

EMBED Excel. Chart.8 \s

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading