الحكامة والتنمية
مثال منظومة الرقابة والتدقيق على الصعيد المحلي
ذ. فتيحة بشطاوي [·]
■■ على أساس عدم الخوض في إشكالية مصطلح الحكامة وسياقاته السوسيو تاريخية التي أنتجته، ودون تناول إشكالية ترجمته إلى اللغة العربية ومسألة عدم وجود تعريف موحد له، فإننا سنحاول أن نركز اهتمامنا على مفهوم الحكامة المحلية على اعتبار أنه يهم موضوع دراستنا 1 ■■
تعتبر الحكامة بكل بساطة نوع من التدبير المعقلن والرشيد للشأن العام المحلي للوصول إلى الأهداف، وهناك من عرفها أيضاً بالطريقة التي يتم بها تقليل احتمالات الخسارة في تدبير الشأن العام المحلي 2، والحكامة المحلية تنبني على مجموعة من المبادئ نذكر منها؛ الشفافية، المشاركة، المساءلة، الفعالية أو النجاعة… بحيث لا يمكن الحديث عن حكامة محلية دون تكريس لهذه المبادئ. ولذلك سنحاول الكشف عن مدى ودرجة اعتماد هذه المبادئ في منظومة الرقابة والتدقيق المحلية 3، إذ سنخصص المحور الأول لتناول كل من الشفافية والمشاركة، في حين نخصص المحور الثاني لمبدأي الفعالية والمساءلة.
الشفافية والمشاركة
يعتبر هذين المبدأين من بين العناصر الأساسية لمفهوم الحكامة.
1 – الشفافية
تعني الشفافية توفر المعلومات في وقتها، وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية، مما يساعد في اتخاذ القرارات الصائبة، وكذلك من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة، ومن أجل التخفيف من الهدر ومحاصرة الفساد 4.
وشفافية التدبير المالي تقتضي أن تتم طرق إنجاز المعاملات المالية ومراقبتها بكيفية واضحة المعالم، تسمح بمعرفة جميع تفاصيلها 5، وهكذا فسيادة الشفافية على مستوى المنظومة الرقابية المحلية، تتجلى أساساً في نشر تقارير المجالس الجهوية للحسابات المتعلقة بمراقبة التسيير ومراقبة استخدام الأموال العامة 6، وذلك من خلال إدراجها ضمن التقرير السنوي الذي يصدر عن المجلس الأعلى للحسابات 7، ويتم نشره بالجريدة الرسمية، وذلك لإخبار الرأي العام الوطني والمحلي وخاصة الملزمين الضريبيين، بالأنشطة الرقابية لهذه المحاكم وتنويره حول كيفية صرف المال العام المحلي من قبل المسيرين المحليين المنتخبين، ومدى حرصهم على الاقتصاد والفعالية والكفاءة في مختلف القرارات التي يتخذونها.
ولا شك أن نشر التقرير على نطاق واسع على مستوى الصحافة والمنتخبين والباحثين الجامعيين وغيرهم، وكذا المناقشات التي يمكن أن تترتب عنه، سيدفع المسؤولين إلى الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات المجلس، وتطبيق توصياته باعتماد التدابير التصحيحية اللازمة، وهذا ما سيساهم في ضبط وعقلنة اللامركزية.
لكن، وبالرغم من ذلك هناك صعوبات قانونية، قد تحول دون نشر أحكام وتقارير المحاكم المالية، وذلك بالنظر إلى وجود بعض المقتضيات القانونية المتضمنة في القانون رقم 62 – 99، ففيما يتعلق بالأحكام نصت المادة 113 على أنه “يمكن للرئيس الأول أن يأمر بموجب مقرر بعد استشارة هيئة الغرف المجتمعة، بأن تنشر كلياً أو جزئياً القرارات التي يصدرها المجلس والأحكام التي تصدرها المجالس الجهوية، باقتراح من رؤساء تلك المجالس الجهوية، وذلك بمجرد ما تكتسي تلك القرارات والأحكام طابعاً نهائياً”، أما بالنسبة للتقارير المتعلقة بمراقبة التسيير، فحسب ما نصت عليه المادة 157 فإنها تبقى مرهونة بمدى إمكانية إدراجها في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات.
أول ما يلاحظ على هذه المقتضيات هو استعماله لكلمة يمكن التي قد تحرم الناس من الاطلاع على تقارير وأحكام المحاكم المالية، وهذا في حد ذاته ضرب للشفافية التي تعد حقاً من حقوق الإنسان وبرهان تحضر.
ثاني ملاحظة ترتبط بإمكانية نشر القرارات والأحكام بشكل جزئي، حيث يثار السؤال حول الغاية من هذا النشر الجزئي، وما أهمية نشر جزء فقط من حكم أو قرار.
ثالث ملاحظة تتعلق باستثناء الآراء الصادرة عن المجالس الجهوية للحسابات فيما يتعلق بمراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية، من إمكانية نشر نماذج منها ضمن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، لذلك يجب أن تبقى الوظيفة الأساسية بالنسبة لدور الأجهزة العليا للرقابة في مسلسل تدبير الشأن العام هي الاعتماد على الشفافية، بنشر نتائج عمليات المراقبة من أجل تقوية مشروعية تواجدها، وتفعيل عمل الأجهزة المراقبة على مستوى تدابيرها 8.
فوجود الرأي العام، شرط أساسي للدفع بعمل أجهزة المراقبة في تعاون مع وسائل الإعلام من أجل إعطاء الفعالية لكل مراقبة، ذلك أن الدور الذي تلعبه هذه الأجهزة في محاربة ومكافحة الفساد، لن يكتمل إلا بتعاون مستمر مع وسائل الإعلام وتعميم التقارير واطلاع الرأي العام عليها، والذي أصبح تواقاً لمعرفة ما يجري بالجماعات المحلية.
لكن، ما يلاحظ هو اقتصار النشر فقط على التقارير الصادرة عن المجالس الجهوية للحسابات كهيئة قضائية للرقابة، لأن الساحة العلمية تفتقر لتقارير علنية صادرة عن الأجهزة الأخرى للرقابة، التي من شأنها أن تثير الرأي العام المحلي حول القضايا العامة التي تشغله في مجال التسيير المالي المحلي، وخير دليل على هذا الغياب هو إحجام السلطات الوصية على الجماعات المحلية، عن الكشف عن تفاصيل الخروقات المسجلة والتجاوزات التي ارتكبها رؤساء بعض الجماعات، وذلك بعدم نشر نتائج التدقيق الذي عرفته هذه الأخيرة أواسط التسعينيات، حينما تم توكيل مكتب خبرة أجنبي للقيام بتدقيق حساباتها، كما أن المفتشية العامة للمالية التابعة لوزارة المالية لا تنشر تقاريرها حول أعمالها وتدخلاتها على المستوى المحلي، وفي هذا نفي لأي تواصل أو شفافية بين المواطن والإدارة في الوقت الذي تطرح فيه بحدة مسألة ضرورة إعادة الثقة للمواطن 9″.
ومن جهة أخرى، فإن ما يساهم في تكريس الشفافية ودائماً في إطار الرقابة القضائية، هو إقرار مبدأ حق الرد لفائدة الأشخاص المراقبين (الآمر بالصرف، المحاسب العمومي…)، وبتمكينهم من إبداء ملاحظاتهم وبياناتهم 10. في مقابل الملاحظات التي يتم تبليغها إليهم من طرف المستشار المقرر بالمجلس الجهوي للحسابات المعني.
ودعماً للشفافية أيضاً أكد المشرع المغربي على إلزامية تعليل القرارات المتخذة بشأن المراقبة على الحساب الإداري للجماعة، حيث نجده أوجب على المجلس الجماعي من خلال المادة 71 من القانون رقم 78 – 00، تعليل مقرره المتعلق برفض الحساب الإداري وذلك بالإشارة صراحة في محضر المداولات إلى أسباب الرفض تحت طائلة البطلان، كما أنه ألزم سلطة الوصاية بتعليل قرارها في حالة عدم مطابقته لرأي المجلس الجهوي المتخذ بخصوص الحساب الإداري المرفوض 11.
فإلزامية تعليل القرارات لها أهمية خاصة، فأحياناً قد يعمد بعض المنتخبين إلى رفض الحساب الإداري لحسابات سياسية فقط لا علاقة لها بالمصلحة العامة، لذلك فالتعليل يفتح الطريق لضمانة هامة وهي فاعلية الرقابة القضائية للمجلس الجهوي للحسابات، إذ إن بيان الأسباب القانونية والواقعية في صلب القرار يتيح للمعنيين به الطعن على أساسها وللقضاء إثبات عيب الانحراف، كما أن التعليل في القرار الإداري لسلطة الوصاية يحد من تعسفها في استعمال السلطة.
2 – المشاركة
إن فكرة المشاركة ليست فكرة حديثة العهد، وإنما تجد جدورها في العديد من التشريعات القديمة، لعل أهمها الإسلام الذي جعل من مفهوم “الشورى” أحد مبادئه الأساسية، إذ إن الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية قد ركزت على أهمية الوظيفة الاستشارية في علاقة الحكام بالمحكومين 12، وأكدت على إلزام الحاكم باستشارة ممثلي الأمة، حيث أمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم أن تكون المشورة في الرأي هي سبيله دائماً عند اتخاذ أي قرار (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) 13.
أما في العصر الحاضر، فإن تطور الحياة المجتمعية في الدول الحديثة قد جعل من المشاركة أمراً ضرورياً لاستمرارية كل نظام حيث أصبحت تتردد المطالبة بانفتاح ديمقراطي ومساهمة أكبر للمواطن في اتخاذ القرارات على جميع الأصعدة، وعلى المستوى المحلي الذي يهمنا ونحن نتحدث عن الشفافية كمؤشر للحكامة المحلية، نشير إلى مشاركة المواطنين عبر منتخبيهم في مراقبة التصرفات المالية للأمر بالصرف، سعياً وراء تجنب كل ما قد يعرض التدبير المالي للجماعة المعنية للانتقاء وحماية أموالها من سوء التدبير.
كما أن الأجهزة الرقابية الأخرى بقيامها بالأدوار المنوطة بها، تشارك في مسلسل تجديد عمل المنتخبين وأصحاب القرار المحليين وتنوير النقاش العمومي حول شروط التسيير المالي للجماعة 14، وبالتالي تحسين تدبير الشأن العام المحلي وتطهيره من التجاوزات والخروقات.
ولأجل ترسيخ مفهوم الحكامة المالية المحلية بشكل جيد، لابد من توسيع دائرة المشاركة، بتدخل جميع المعنيين بالتدبير المالي الجماعي (منتخبين، مؤسسات المجتمع المدني…) لأن كسب هذا الرهان، سيفسح طريق الحوار والقبول بأن يعبر المواطن عن انتقاداته وملاحظاته حول التدبير المالي المعمول به، بعيداً عن نظرة الإقصاء بشتى أنواعه.
فالمقاربة التشاركية هي آلية يتم تجسيدها من خلال مفهوم الحكامة الداعي لخلق فضاء للتشاور وتشكيل إطار لتبادل الآراء، من أجل العمل بشكل تكاملي على اتخاذ قرارات صائبة سواء في الجانب المالي أو الإداري، وإيجاد حلول للمشاكل المطروحة، وتحقيق الأهداف والمشاريع المشتركة، وهذا سيساهم لا محالة في إنجاح رهان التدبير الجيد للشأن العام المحلي والوطني.
تبقى إذاً المشاركة، أداة لتدبير الفعالية ووسيلة للاندماج والانخراط في صنع القرار وتحسينه ومراقبته عبر الضبط والتقويم، وهي تجسد كمبدأ أساسي التدبير العمومي الجديد.
الفعالية والمساءلة
لا يمكن الحديث عن حكامة قويمة ورشيدة، دون وجود نظام متكامل يجمع ما بين المشاركة والشفافية ثم المساءلة والفعالية، لذلك سوف نحاول الوقوف عند المبدأين الأخيرين لمعرفة مدى تكامل نظام الحكامة المالية على مستوى الرقابة المحلية.
1 – الفعالية
إن ضمان فعالية ومردودية الأهداف المسطرة لعمل الجماعات المحلية، لن يتأتى بدون تواجد جهاز للمراقبة المالية، لكن فعالية الرقابة لن تتجسد إلا بتفعيل لا مركزيتها، لأن مركزية الرقابة لا يمكن أن تودي إلى تحقيق الأهداف المرجوة، نظراً للبعد المجالي وتعدد المؤسسات الخاضعة للرقابة، وهذا ما سيسهم في نقص النتائج المحصل عليها بحكم صعوبة المتابعة والمراقبة، لذلك كان لإحداث المجالس الجهوية للحسابات كجهة قضائية مختصة بالرقابة المالية أهمية بالغة على الصعيد المحلي، فكلما تقلص مجال الاختصاص كلما زادت فعالية المراقبة، فانفتاح الجماعات المحلية على محيطها السوسيواقتصادي وتوسع نشاطها، جعلها في حاجة ماسة إلى آليات للرقابة المالية تكون قريبة منها من أجل جعل تدخلاتها أكثر فعالية ومردودية.
وقد عمد المشرع المغربي إلى إخضاع كافة المتدخلين في العمليات المالية على صعيد الجماعات المحلية، منتخبين كانوا أو معينين، للسلطة التأديبية المنوطة بالمجالس الجهوية للحسابات 15، كأهم اختصاص قضائي تمارسه، حيث يؤدي إلى الزجر في صيغة غرامة مالية يحكم بها على مرتكبي المخالفات المالية الواردة في القانون، وبذلك يتحقق مبدأ مساواة الجميع أمام المسؤولية، بخلاف المشرع الفرنسي الذي استثنى رؤساء الجماعات الترابية بمختلف فئاتها ومساعديهم من أية مسؤولية في مجال التأديب المالي 16.
إذاً، فإسناد هذه الصلاحية والاختصاص في الردع للمجالس الجهوية، من شأنه أن يوفر لها مزيداً من النجاعة في تحقيق الغاية المنشودة من المراقبة المالية 17.
وإذا كان تحسين محيط المراقبة ضرورياً لتفعيل آلياتها، فإن الفعالية لا يمكن تحقيقها دون اعتماد الأجهزة الرقابية وتركيزها على الجوانب ذات الأهمية والابتكار والتجديد في تقنيات ومناهج المراقبة، فباستثناء مكاتب الخبرة الخاصة والمجالس الجهوية للحسابات لا زالت كل الأجهزة الرقابية التقليدية تعتمد فقط على رقابة المشروعية 18. فرغم أنها ضرورية إلا أنها أصبحت غير كافية ولا يمكن أن تدل على مستويات الأداء المحققة في الجماعات المحلية، لذلك، يتوجب على هذه الأجهزة الاستجابة لمتطلبات التحولات المستجدة، باعتماد معايير مهنية متعارف عليها دولياً في مجال الرقابة والتدقيق، كأحد المؤشرات الهامة من أجل قياس وتقييم الفعالية الحقيقية للجماعات وتنميته، نظراً للدور الهام الذي يقوم به التدقيق من خلال الكشف عن عيوب التسيير والوقوف على الأخطاء، إذ يساهم بشكل فعال في تدبير الشأن المحلي 19.
هذا بالإضافة إلى أن تحقيق الفعالية لن يكتمل بخلق المؤسسات بل بتوفير الشروط اللازمة حتى تتمكن هذه المؤسسات من أداء رسالتها على أكمل وجه، إذ لا يكفي التعرف على الخلل الموجود في المساطر والاطلاع على المخالفات المرتكبة، بل يجب السهر على تقويم تلك المساطر وإصلاحها وكذا متابعة مرتكبي المخالفات ومعاقبتهم عند الاقتضاء، إذ لا فائدة من إصدار أحكام أو آراء أو قرارات من طرف جهاز المراقبة بل لا بد من تتبعها وتنفيذ التوصيات الواردة بها، فتتبع مسار تدبير المال العام المحلي ليساهم في تحقيق الأهداف التنموية، وذلك بتنفيذ المشاريع التي تستجيب لحاجيات المواطنين وتطلعاتهم على أساس إدارة عقلانية رشيدة للموارد.
2 – المساءلة
ارتباط المساءلة بالحكامة، ناتج عن كون هذه الأخيرة تستوجب وجود نظام متكامل يتوفر فيه عنصر المحاسبة (المساءلة)، فبعد المراقبة التي تتوخى التأكد من أن تنفيذ الميزانية قد تم وفق القوانين والأنظمة المعمول بها، تجب المساءلة بإقرار عنصر الجزاء الذي في غيابه تفقد الرقابة مصداقيتها وأهليتها.
وتجب الإشارة هنا، إلى أنه بالرغم من توفر أجهزة للرقابة على المال العام المحلي وتنوعها، إلا أنه لا تزال تسجل مخالفات خطيرة في تدبير هذا المال في الكثير من الجماعات المحلية، وذلك راجع إلى انعدام المساءلة نتيجة تضافر عدة عوامل، منها تداخل المهام الرقابية الذي يمس بنظام الحكامة المحلية، إذ الملاحظ هو أن المشرع المغربي كما في فرنسا احتفظ للسلطات الحكومية المكلفة بالمالية بصلاحية واسعة للحد من آثار الأحكام الصادرة عن المحاكم المالية والمتضمنة لعقوبات في حق المخالفين للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل، لدرجة يحق التساؤل معها حول الغاية من إقامة هذه المحاكم، إذا كان أحد أعضاء السلطة التنفيذية بمجرد قرار إداري يمكنه نفي كل أثر لحكم صادر باسم جلالة الملك وحائز لقوة الشيء المقضي به.
فخلافاً للشريعة العامة (القانون المدني أو القانون الإداري)، حيث يكون قاضي المسؤولية هو نفسه قاضي الإعفاء منها، فإنه في مجال المحاسبة العمومية، الاعتراف والإشهاد بوجود حالة القوة القاهرة ليس من اختصاص قاضي المحكمة المالية، بل مسحوب منه ومحتفظ به لصالح وزير المالية.
وعلى الرغم من الضمان المفروض على المحاسبين العموميين وانخراطهم في نظام التأمين، لا يمكن نفي أن مبالغ العجز التي يحكم بها قاضي الحسابات نادراً ما يتم تحصيلها، وعادة ما يتم إبراء ذمم المحاسبين منها على وجه الإحسان من طرف وزير المالية 20.
وقد كرس المشرع المغربي هذه الوضعية في القانون رقم 61 – 99 المتعلق بتحديد مسؤولية الآمرين بالصرف والمراقبين والمحاسبين العموميين، حيث نصت المادة 10 على أنه يمكن أن يعفي المحاسب العمومي الذي ثبت وجود عجز في حسابه أو المصرح بمديونيته، بناء على طلبه في حالة القوة القاهرة، على أن لا تكون المخالفة التي أدت إلى العجز أو التصريح بالمديونية قد عادت عليه بمنفعة شخصية، وحسب المادة 12 من نفس القانون، يتولى الرئيس التسلسلي للمحاسب العمومي دراسة هذا الطلب، ويحيله إلى وزير المالية الذي يمكنه إعفاء المعنى بالأمر من المسؤولية، وبالتالي إبرائه كلياً أو جزئياً من دفع المبلغ المستحق عليه، ويخوله عند الاقتضاء حث استرجاع المبالغ التي سبق له أن دفعها.
بالإضافة إلى ذلك منح المشرع للمحاسب العمومي في حالة عدم وجود قوة قاهرة بمقتضى المادة 14 من نفس القانون، إمكانية طلب إبراء الذمة على وجه الإحسان من المبالغ المستحقة عليه، إذ يجب أن يبرر هذا الطلب بالظروف المرتبطة بالوضعية المالية للمعني بالأمر 21، شريطة أن لا يكون العمل الذي أدى إلى التصريح بالعجز أو المديونية قد عاد عليه بمنفعة شخصية، وأن لا يفتعل العسر 22.
أما على مستوى المفتشية العامة للمالية فإنها لا تتوفر على سلطة زجرية، وتبقى مؤسسة للتأمل تنجز مجموعة من التقارير تبقى مجرد مواقف وآراء ذات صيغة استشارية أكثر مما هي قرارات تقوم الاختلالات وتؤدب المخالفين.
في ضوء ما سبق، نأمل أن تأخذ منظومة الرقابة المتعلقة بالمال العام المحلي، حظها ضمن الإصلاحات المرتقبة، بشكل يجعلها تستجيب للرهان التنموي، تنسجم والدور الموكول للجماعة، والتي أصبحت تشكل مقاولة مطلوب منها أن تخضع في سيرها إلى نفس المقاييس التي تخضع لها مقاولة القطاع الخاص، وذلك حتى تستجيب للسرعة والنجاعة الاقتصادية، ولمستلزمات التطور الإداري والاقتصادي والمالي الذي يعرفه العالم في ظل ما أصبح يعرف بنظام “العولمة”.
فالارتقاء برقابة المال العام المحلي إلى مواصفات الترشيد والشفافية والفعالية، رهين بتحديث منهجية تدبيره، وهي مسألة ترتبط في جوهرها بإشكالية تحديث التدبير العمومي المحلي وتخليق الحياة العامة، فضلاً عن التأسيس لجو الثقة الذي تتوقف عليه روح المبادرة والذي إن افتقد أفرغ العمل الرقابي ومن خلاله الخيار اللامركزي من فحواه ومنطلقاته الأساسية.
هوامش
1 – فمفهوم الحكامة يشمل كل من الحكامة العالمية والحكامة الداخلية والحكامة المحلية، وكل واحد من هذه الأصناف له أهدافه الخاصة التي تجعله مختلفاً عن غيره.
2 – محمد ظريف، الدولة والحكم المحلي، محاضرات ألقيت على طلبة ماستر الحكامة المحلية بكلية الحقوق المحمدية، برسم السنة الجامعية 2006 – 2007، غير منشورة.
3 – المنظومة هي مجموعة عناصر ذات علاقات متبادلة، ومجموعة تصورات وأسس وفرضيات متسلسلة بكيفية تجعلها تكون كلا متناسقاً، بينما النظام عبارة عن مجموعة مبادئ مرتبطة الموضوع منظور إليها في ظل العلاقة التي يوحدها تماسكها خليل أحمد خليل، مفاتيح العلوم الإنسانية، دار الطليعة، بيروت 1989، ص 419
4 – محمد زين الدين الحكامة، مقاربة إبستمولوجية في المفهوم… والسياق، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد عدد 8، مطبعة النجاح الجديد، الدار البيضاء، 2008، ص 10
5 – محمد حنين، تدبير المالية العمومية، الرهانات والإكراهات، الطبعة الأولى، دار القلم، 2005، ص 338
6 – تنص المادة 157 من مدونة المحاكم المالية على ما يلي: توجه المجالس الجهوية إلى المجلس نسخاً من جميع التقارير المتعلقة بمراقبة التسيير ومراقبة استخدام الأموال العمومية التي تعدها مشفوعة بملاحظات، وآراء المسؤولين والسلطات المعنية ويمكن للمجلس أن يدرج في تقريره السنوي ملاحظات المجالس الجهوية.
ظهير شريف رقم 124 – 02 – 1 بتاريخ 13 يونيو 2002 يتضمن الأمر بتنفيذ القانون رقم 62 – 99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، ج. ر عدد 5030 بتاريخ 15 غشت 2002
7 – المادة 100 من مدونة المحاكم المالية.
8 – عبد الفتاح برغوث، دور الأجهزة العليا للرقابة على الأموال العامة في مسلسل تدبير الشأن العام، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، سلسلة التدبير الاستراتيجي، عدد 1، 1999، ص: 87
9 – أيضاً ميثاق حسن التدبير كان واضحاً في المناداة بالتزام الإدارة بالتواصل مع محيطها.
10 – المادة 31 من مدونة المحاكم المالية ، م. س.
11 – وقد جاء القانون رقم 17 – 08 المتتم والمغير بموجبه القانون رقم 78 – 00 المتعلق بالميثاق الجماعي، وزكي هذا الحل لكنه أحال مباشرة من خلال المادة 71 منه في حالة التصويت بالرفض على الحساب الإداري، على تطبيق مقتضيات المادتين 143 و144 من القانون: رقم 62 – 99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.
12 – عزيز إدريسي، إشكالية الشفافية داخل الإدارة العمومية المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية الحقوق بالرباط، السنة الجامعية 96 – 97، ص: 267
13 – سورة آل عمران، الآية 159.
14 – Mostapha Jari, “Les cours régionales des comptes”, REMAD; n° 7 , 2005, p. 55.
15 – المادتين 54 و56 من مدونة المحاكم المالية .
16 – Mathieu canon et autres, “Code des juridictions financières’’, Paris, 2001, p. 555.
17 – محمد أشركي، المحاكم المالية وديوان المظالم، الظهير المالي والضمير الإنساني، مجلة ديوان المظالم، عدد 1، 2006 ص: 23
18 – مع الإشارة إلى أن المفتشية العامة للمالية، شرعت في إجراء عمليات التدقيق المالي للمشاريع الممولة من قبل المؤسسات المالية الدولية والقارية.
19 – أحميدوش مدني، المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات، التشكيل والاختصاصات، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، شعبة القانون العام، كلية الحقوق، أكدال – الرباط السنة الجامعية 2001 – 2002، ص 86
20 – محمد مجيدي، دور المجالس الجهوية للحسابات في تطوير أداء الجماعات المحلية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2006 / 2007، ص 45.
21 – المادة 15 من القانون رقم 61 – 99 المتعلق بمسؤولية الأمرين بالصرف والمراقبين والمحاسبين العموميين، المتضمن لأمر تنفيذه الظهير الشريف رقم 25 – 02 – 1 بتاريخ 3 أبريل 2002 ج. ر، عدد 4999 بتاريخ 29 أبريل 2002
22 – المادة 84 من القانون رقم 15 – 97 بمثابة مدونة لتحصيل الديون العمومية، المتضمن لأمر تنفيذه الظهير الشريف رقم 175. 00. 1 بتاريخ 3 ماي 2000، ج. ر عدد 4800 بتاريخ فاتح يونيو 2000
[·] باحثة في مجال الحكامة المحلية.


