يقوم “النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة” )الفصل1 من الدستور (.
وإذا كانت الحكامة الجيدة، في معناها العام، هي اتخاذ القرار بشكل جماعي بغية الوصول إلى قرارات مقبولة من لدن الأغلبية، من خلال الإدارة الأمثل للبنيات والهياكل والموارد؛ وهي التعبير الحقيقي عن أفضل ما يمكن القيام به، وأحسن ما يمكن بلوغه في مجال التدبير، على أساس “. . . معايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية. . .”)الفصل(154، ترشيدا للموارد البشرية والمالية ومأسسة للفعل والقرار الإداريين، فإن الحكامة الترابية هي نظام إدارة الفعل العمومي الترابي، من خلال الوصول ترابيا إلى أحسن تدبير محلي ممكن، في أسرع وقت، وبأدنى مجهود وأقل تكلفة وفي أفضل الظروف الممكنة، وبالدقة والنجاعة المطلوبتين؛ وهي كذلك تمكين الساكنة المحلية من اختيار الإطار العام لحياتها اليومية بكل حرية وتشاركية، وتوسيع قدراتها وتنويع خياراتها، وتحفيزها على المشاركة في القرار التنموي؛ مشاركة فعلية وحقيقية، حيث “تضع مجالس الجهات، والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها” )الفصل 139 (، حتى تكون القرارات التنموية من الساكنة و إليها، من دون أن يلغي ذلك حق الإدارة المركزية في اتخاذ القرار، الأمر الذي يقتضي اقتران تحويل الاختصاصات للمصالح اللاممركزة بتحويل الاعتمادات والوسائل اللازمة لتنفيذها وإخراجها إلى حيز الوجود. و بذلك، تكون الحكامة الترابية هي الهدف الأسمى الذي يمكن الوصول إليه، على المستوى الترابي والوصفة الأكثر نجاعة لحل مختلف إشكاليات بناء دولة القانون.
لم تعد الدولة المركزية، مهما بلغت إمكاناتها المادية والبشرية، قادرة اليوم على إرساء قواعد الديمقراطية، التي تقتضي القرب من المواطن وإشراكه في تسيير شؤونه وتلبية كافة رغباته على المستوى الترابي. ومن ثم، ظهر مفهوم الحكامة الترابية، كأحد الخيارات لتعويض نقص الدولة لبلوغ الديمقراطية المحلية. من هذا المنطلق، أهاب جلالة الملك بالحكومة، بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء في 6 نونبر2008 إلى”إعداد ميثاق وطني لعدم التمركز، يتوخى إقامة نظام فعال لإدارة لا ممركزة، يشكل قطيعة حقيقية مع المركزية المتحجرة؛ نظام يعتمد مقاربة ترابية، ويقوم على نقل صلاحيات مركزية، للمصالح الخارجية، وانتظامها في أقطاب تقنية جهوية”.
تعتبر” الجماعات الترابية؛ وهي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات”(الفصل 135) المجال المناسب لممارسة الديمقراطية المحلية، كونها تتوفر “على موارد مالية ذاتية، وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة . كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى يكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له”)الفصل141(، وكونها كذلك مسؤولة عن”التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل الجماعة “، كما ينص على ذلك الميثاق الجماعي.
وبالرغم من أن المغرب قد استطاع، على مدى سنوات، بناء شبكة واسعة من الإدارات الترابية، فإن تشعب مهام الدولة وتزايد مسؤولياتها، أدى بها إلى ترك جزء هام من الوظائف الإدارية، والاجتماعية، والاقتصادية، إلى وحدات ترابية، تعتمد التمثيلية، عبر آلية الانتخاب. إلا أن الإدارات المركزية لا تزال تواصل احتكارها لأكبر قدر من السلطات والاختصاصات، وذلك راجع أساسا إلى ضعف الكفاءات البشرية وقلة الموارد المالية على المستوى الترابي. من هذا المنطلق، تبحث الدولة اليوم جاهدة عن بديل لها على الصعيد الترابي، في حين تحتفظ لنفسها بتدعيم السلطات وتوفير الوسائل، وممارسة المهام الاستثنائية، التي لا يمكن إسنادها لإدارة عدم التركيز من الناحية القانونية، وذلك بهدف تنفيذ السياسات الوطنية وتعزيز التوجهات الإستراتيجية، المرتبطة بمهام التأطير والإدارة والإشراف العام.
وتبقى الجهوية إطارا ملائما لتحقيق التنمية وبلوغ الديمقراطية المواطنة والتشاركية، و تنزيل مبادئ الحكامة الجيدة، بالنظر لما تتيحه من إمكانيات للتنسيق بين مختلف البرامج المحلية والمخططات الوطنية، إذ لا التنمية من دون مجال ترابي واسع ومتكامل، كفيل بإدماج كل العوامل التنموية في مسلسل الإقلاع الاقتصادي الجهوي، الأمر الذي من شأنه أن يحد من الاختلالات الاقتصادية والتباينات الاجتماعية. لقد شكلت الجهوية مرجعية شبه دائمة في الخطب الملكية؛ ففي خطاب العرش لسنة 2011، يقول جلالة الملك ´´… مولين عناية قصوى في هذا المجال للجهة والجهوية التي نعتبرها خيارا استراتيجيا وليس مجرد بناء إداري، وننظر إليها على أنها صرح ديمقراطي أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية…”.
يعود تقنين التنظيم الجهوي بالمغرب إلى مقتضيات ظهير 16 يونيو 1971، الذي عرّف الجهة في فصله الثاني على أنها “مجموعة من الأقاليم التي تربط أو يحتمل أن تربط بينها على الصعيد الجغرافي والاقتصادي علاقات كفيلة لتقوية نموها، والتي تقتضي من جراء ذلك القيام بتهيئة عامة فيها، وتؤلف الجهة إطار عمل اقتصادي يباشر داخله إجراء دراسات وإنجاز برامج قصد تحقيق تنمية منسجمة ومتوازنة لمختلف أجزاء المملكة”.
مع القفزة النوعية التي عرفتها الديمقراطية المحلية، من خلال الميثاق الجماعي لـ 30 شتنبر 1976، ونظرا للغموض القانوني والطبيعة الاستشارية لاختصاصات الجهات، وكذلك التقسيم الجهوي الذي لم يستطيع تجاوز الفوارق بينها وبين المناطق الاقتصادية، فإن كل ذلك أدى إلى عدم فعالية الأجهزة والمؤسسات المنظمة بموجب هذا الميثاق، مما ساهم بارتقائها ضمن مقتضيات دستور 1992 إلى جماعة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري كباقي الجماعات.
كما تم تدعيم مركز الجهة كذلك في التعديل الدستوري لسنة 1996، في اتجاه تقويتها، حيث أصبح لها إطار قانوني يحدد اختصاصاتها ومصادر تمويلها؛ كونها جماعة محلية تتوفر على مجلس يتمتع بسلطة تداولية وبإمكانية مراقبة السلطة التنفيذية (عامل مركز الجهة)، من خلال آلية تتسم بالابتكار والتجديد وتغليب جانب التشاور والإخبار والتعاون. بالإضافة إلى ذلك، تمارس الوصاية تحت مراقبة المحكمة الإدارية، في حين يضمن المجلس الجهوي للحسابات سلامة تدبير الميزانية والمالية.
كما حظيت كذلك بالتأطير القانوني والمؤسساتي مع القانون 96-47 المنظم للجهات والصادر بمقتضى ظهير شريف في 2 أبريل 1997؛ فقد أضحى للجهة كيان وتنظيم مستقل تمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، واختصاصات قانونية تقريرية واستشارية، وتحولت بالتالي هذه الوحدة الترابية من الطابع الإداري الروتيني إلى الطابع الاقتصادي التنموي، ومن مجرد إطار لعدم التركيز الإداري إلى جماعة ترابية حقيقية، تتمتع بمجموعة من الوظائف والسلط الفعلية. وإن كانت لم تؤت أكلها كما كان منتظرا، بسبب محدودية التجربة، فإنها استطاعت على الأقل أن تفرض على الدولة إعادة النظر في مقاربتها للامركزية وفي أسلوب اللاتمركز الإداري، كدعامة لقيامها.
جاء دستور2011 ليؤسس لتنظيم ترابي لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، حيث خصص بابه التاسع للجهات والجماعات الترابية الأخرى، وجعل التنظيم الجهوي والترابي للمملكة يرتكز على ” مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن؛ ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”)الفصل 136 (. واعتبر أن الجهات والجماعات الترابية الأخرى تساهم على حد السواء في” تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين”)الفصل137 (والذي ينتخب أعضائه بالاقتراع العام غير المباشر لمدة ست سنوات. فالتعاقد التشاركي المندمج، كمبدأ استراتيجي في دستور 2011، يجعل من كل الأطراف التي شملتها الديمقراطية التشاركية في النص الدستوري شركاء فعليين للدولة، يضطلع كل منهم بأدوار وصلاحيات هامة وأصيلة، تتميز بالتنوع والتكامل بذل التشابه و التماثل.
لكن، ومن دون أي وصاية لكل منهما على الأخرى “تتبوأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات”
(الفصل143)، مما يؤشر على استمرار وصاية المركز (الدولة) على الجهة بالرغم من انتخاب مجالسها بالاقتراع العام المباشر وتوفرها على موارد مالية ذاتية وأخرى مرصودة لها من طرف الدولة، وذلك من خلال سهر الولاة والعمال، باسم الحكومة، على تنسيق وحسن سير أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية تحت سلطة الوزراء المعنيين ومساعدة رؤساء الجماعات الترابية، وبخاصة منهم رؤساء المجالس الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية في إطار لا ينفصل عن ممارستهم المراقبة الإدارية، بدعوى تأمين تطبيق القانون وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها.
وإذا كانت الجهوية، كما قال جلالة الملك الذي جعل من اللاتمركز الإداري محطة أساسية، وفكرة متكررة في معظم خطاباته، تعد “تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية”، فإن إطلاق ورش الجهوية المتقدمة سيمكن من” توطيد الحكامة الترابية الجيدة والتنمية المندمجة”. والمراد بكلمة الجهوية “المتقدمة”، هو توسيعها وتكريسها وترسيخها، وليست تلك المعهودة في إدارتنا حتى اليوم؛ بمعنى إعادة التوزيع الواضح والدقيق للسلط والاختصاصات بين المركز والجهات من جهة، والتقطيع الترابي الناجع، وتعزيز مسار اللاتمركز، واللذان يعدان أبرز الأسس والركائز والدعامات الحقيقة لقيام جهوية موسعة ومندمجة، قادرة على كسب تحديات التنمية وتكريس مبادئ الديمقراطية والحكامة من جهة أخرى، حيث إن خطاب الملك في 6 نونبر 2008 رهن نجاح الجهوية “…باعتماد تقسيم ناجع، يتوخى قيام مناطق متكاملة اقتصاديا وجغرافيا ومنسجمة اجتماعيا وثقافيا”.
لقد راكم المغرب تجربة كبيرة على مستوى اللاّمركزية، وخاصة الإدارية منها، لكن ذلك لم يصاحبه تطور وفعالية على المستوى الاقتصادي والمالي. ولتحقيق هذا الهدف، وجب على الجماعات الترابية التوفر على الإمكانات البشرية والتقنية والمالية، التي تمكنها من القيام بأدوارها كاملة، في ظروف جيدة.
إن إقرار اللامركزية كاختيار استراتيجي، وكنظام ديمقراطي، وكقاعدة إدارية لتدبير الشأن المحلي، وكذلك الإجماع الوطني على ضرورة تطوير المؤسسات المحلية وتوسيع اختصاصاتها والزيادة من مواردها وإمكاناتها، كل ذلك يفرض مهام وأدوار ومسؤوليات جديدة على النخب المحلية، حتى تشكل بالفعل احتياطا اجتماعيا وسياسيا هاما وفاعلا يستحق الاعتبار.
إن البطء الذي ظل يميز الانتقال نحو الديمقراطية بالمغرب، بالرغم من النتائج الإيجابية المحققة على أكتر من صعيد، يرجع في جانب كبير منه إلى معضلة تدبير الشأن المحلي، الذي لا يتم وفق طرق ومناهج حديثة وعقلانية، حيث لازالت العديد من القرارات والسياسات المحلية تعاني من ضعف إنتاج وتداول النخب، وتراجع مصداقية المؤسسات المنتخبة، وعدم وجود آليات علمية للمراقبة والتقييم والمحاسبة. . .
إن الإصلاحات الكفيلة بتحقيق الحكامة الترابية، لا يمكن اختزالها في مجرد إصدار نصوص قانونية جديدة، مهما بلغت من التطور و النضج، ولا في تفريخ هياكل إدارية واختصاصات إضافية ، بل لابد من رؤية شمولية ذات أهداف دقيقة وأبعاد إستراتيجية.


