بين الحكامة المالية ومتطلبات التنمية
د. نجيب جيري
باحث في الإدارة والمالية العامة، كلية الحقوق- طنجة
اكتسى موضوع تحديث الدولة وفق مقاربة تنظيمية واستراتيجية شاملة اهتماما كبيرا في الآونة الأخيرة، وضمن هذا الاهتمام وفى إطار البحث الجاد عن الآليات والوسائل الكفيلة بتحقيق مسعى تحديث وإصلاح مؤسسة الدولة، برز موضوع التحديث الميزانياتى أو إصلاح التدبير المالي. فالمغرب قد عبر منذ فترة ليست بعيدة عبر خطابه السياسي عن رغبته الأكيدة في تبنى سلسلة من الإصلاحات للوصول إلى تحديث مؤسسة الدولة، وبالتالي فموضوع تدبير الأداء المالي أضحى موضوعا لتحديث الدولة في سيرورة تفعيل الشأن العام وتحقيق التنمية.
إن التدبير المالي من المواضيع الأساسية التي تشكل مقاسا لدرجة تقدم وتخلف أي دولة ومدى مصداقيتها اتجاه مجتمعها المحلى أو الدولي، من خلال ما تقرره من قواعد وضوابط لصرف وتدبير الأموال التي تستخلصها من الشعب عن طريق الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة، وكذا ما تتوصل به من طرف غيرها من الدول والهيئات الدولية سواء على شكل قروض أو هبات أو إعانات…
فمن الملاحظ أن هناك تزايد في الرهانات على المالية العامة التي جاء بها النهج الليبرالي وسياسة التحرير مع بداية الألفية الثالثة، بحيث أن انسحاب الدولة من ممارسة الأنشطة الاقتصادية والتخفيف من تدخلاتها، لم يساعد الدول السائرة في طريق النمو إلى التقليص من حجم أعبائها، وبالتالي التقليل من حاجتها إلى الأموال، بل على العكس من ذلك تزايدت حاجتها إلى ذلك، نظرا لاستقرار يبئه ميزانيتها بسبب ثبات نفقات التسيير وارتفاع فاتورة المديونية، بالإضافة إلى ما تفرضه متطلبات التنمية في هذه الدول من تعبئة للموارد العمومية، حيث لازالت الدولة تعتبر قاطرة للتنمية وذلك بسبب هشاشة القطاع الخاص وضعف البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية أو انعدامها في كثير من الحالات. ومن المؤكد أن تدارك الخصاص الحاصل في هذه الميادين يتطلب اتساع نطاق التدخلات العمومية، وبالتالي تزايد الرهان على المالية العمومية لمواجهة تحديات التنمية، وهو ما يطرح صعوبة التوفيق بين الاستجابة لمتطلبات التنمية وضعف مردودية تدبير المالية العمومية. وبالفعل فقد أصبحت الدولة تواجه صعوبات متعددة تحد من قدرتها على الاستجابة لمتطلبات التأهيل الاقتصادي وتدارك العجز الاجتماعي. فأمام تعدد الإكراهات التي تواجه المالية العمومية بكيفية شبه قارة ودائمة أصبح هامش الحرية الذي تتوفر عليه الدول في المجال المالي يتضاءل باستمرار، حيث أصبحت هذه الأخيرة تواجه ضغوطات متعددة عند اتخاذ القرارات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي بحكم ما يفرضه هاجس التوازنات من إكراهات.
فبالإضافة إلى الإكراهات المرتبطة بنذره الموارد، ساهم خضوع تدبير المالية العمومية إلى مقاربة تقليدية في تزايد الإكراهات بفعل انغلاق مسلسل التدبير المالي، وما ترتب عنه من رؤية ضيقة تقتصر على الالتزام بمساطر جامدة وقواعد متقادمة غالبا ما تقود إلى الاقتصار على التصرف في الموارد المتاحة بسخاء وعشوائية دون الاهتمام بتنمية هذه الموارد وتطوير مناهج تدبيرها وبالتالي ترشيد أوجه استعمالاتها، مما يؤدي إلى غياب تفاعل تدبير الميزانية مع المستجدات التي يعرفها التدبير المالي وبالتالي عدم قدرة هذا التدبير على المواجهة الفعالة لإكراهات التنمية. بل وحتى أمام وجود منظومة
رقابية متنوعة الآليات ومتعددة الأجهزة، فإن وظيفتها ظلت قاصرة وبدون فعالية، حيث ساهمت في تنامى ظاهرة سوء تدبير المال العام من خلال مظاهر التسيب والتبذير والاختلاسات.
كل هذه الاختلاسات حالت دون تحقيق الميزانية لوظيفتها التنموية، هذا فضلا عن التطورات العالمية المتسارعة، خاصة وأن العالم أصبح قرية صغيرة تستشري فيه المنافسة الدولية وتتسارع فيه وتيرة التطور العولمتى وشابه فيه القيم والأفكار السياسية والاقتصادية، إضافة إلى التزام المغرب بتطبيق اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وانفتاح الاقتصاد الوطني على محيطه الدولي الذي يتسم اقتصاده بشراسة المنافسة، والمغرب كغيره من البلدان النامية يخضع بالضرورة لتأثير موازين القوى السائدة على الصعيد الدولي. وتترجم ماليته هذا الخضوع بشكل واضح وسياسته المالية تنبع عن إملاءات المؤسسات المالية الدولية بالأساس. وبفعل تزايد الإكراهات والتحديات الداخلية والخارجية، اتجهت الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات تدعو إلى الانخراط في إصلاح شامل للتدبير المالي، وتنطلق من فكرة أساسية هي التخلي عن المنهجية التقليدية نحو اعتماد منهجية حديثة تتخلى عن منطق الوسائل وتهتم بالنتائج ومؤشرات النجاعة في التدبير المالي.
وعلى هذا الأساس انطلقت سلسلة الإصلاحات المالية بالمغرب متأثرة ومقتبسة من التجربة الفرنسية التي كان لها السبق في هذا المجال، والتي كانت رائدة فيه، فجاءت الرسالة التوجيهية للوزير الأول في 25 دجنبر 2001كتتويج لهذا الاتجاه والذي دعت إلى انطلاق الإصلاح المالي عبر تبنى المقاربة الجديدة للتدبير المرتكز على النتائج لتحسين تدبير الميزانية حتى تكون مؤهلة لمواجهة التحديات. هذه المقاربة الحديثة جاءت كبديل للمقاربة الكلاسيكية التي أدت إلى سوء التدبير، ولتحقيق الترشيد العقلاني للميزانية والحد من المبالغة الشديدة في صرف نفقات التسيير وتبذير الأموال، وكذلك للانتقال بالإدارة من الإدارة المنفذة إلى الإدارة المبادرة من خلال وضع البرامج والأهداف في شكل مؤشرات مرقمة حسب مجالات اختصاصها.
وفى هذا الإطار، أعلنت وزارة المالية منذ سنة 2001 عن انطلاق مجموعة من الأوراش في مجال الإصلاح المالي، للبحث عن السبل الكفيلة لتدبير أحسن للميزانية، إيمانا منها بأن البرامج والمخططات المحددة في الاستراتيجية التي تبنتها لا يمكن تحقيقها إلا بالقيام بالإصلاح الميزانياتى الذي هو البوابة الرئيسية لبرامج الإصلاح الأخرى.
وعليه، فإن إصلاح التدبير المالي يقتضى إعادة هيكلة الميزانية العامة، حيث عمل المغرب منذ سنة 2001 كما سبق الذكر، على نهج إصلاح ميزانية الدولة الذي أملته ظروف معينة، تتجسد في شفافية المعطيات وتطوير وسائل البرمجة المتعددة السنوات والاعتماد على أنظمة المعلومات المندمجة للميزانية وتبسيط المساطر المتعلقة بالميزانية، وكانت الغاية الأساسية هي الانتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج.
على هذي هاته التوطئة، تتضح معالم إشكالية هذه الدراسة التي سوف نتناولها في المباحث التالية:
المبحث الأول: السياق العام للإصلاح المالي بالمغرب.
المبحث الثاني: الإصلاح الميزانياتى مقاربة جديدة لتدبير ميزانية الدولة.
المبحث الثالث: اعتماد الآليات الحديثة تفعيل للمقاربة الجديدة المرتكزة على النتائج.
المبحث لأول
السياق العام للأصلاح المالي بالمغرب
لقد ظل التدبير المالي بالمغرب وفيا لمقاربة تقليدية ساهمت في إحاطته بمجموعة من التراكمات السلبية، وبالتالي فإن التشخيص المتواصل إليه من خلال توصيف مكامن الخلل في البنية المالية (الموارد والنفقات) يستوجب إيجاد سبل لتجاوز هذه الاختلالات. وذلك لن يتم إلا عن طريق تدبير معقلن يرتكز على القدرة والكفاءة في المزج بين الوسائل، وبالتالي فواقع المالية العامة يتجاوز النظرة التقليدية بل ويحتاج إلى نسق جديد يضفى إضاءة جديدة على التسيير المالي مما يستلزم تغيير عمل ونسيج السلطات المالية، ومن هنا تبدو أهمية المقاربة الجديدة لتدبير المالية العامة وهى مقاربة جد مرنة قادرة على احتواء التحولات التي يعرفها الواقع[1].
فقد أصبح إصلاح الميزانية ضروري لجميع البلدان بغض النظر عن مستوى تنميتها لمواجهة التحديات والتعامل مع الضغوط والتغيرات في بيئة دولية تتسم بالأسواق المفتوحة، وبتسارع عملية عولمة التجارة والمنافسة الاقتصادية[2].
فتكيفا مع التغيرات الاقتصادية والمؤسسية والقانونية والإدارية اللازمة في البلاد وتلبية احتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كان لابد للدولة المغربية من تبنى أساليب جديدة في التدبير الميزانياتى كاستراتيجية حديثة ومناسبة تتلاءم وتساير الوتيرة المتسارعة لهذه التحولات الجارية في سير الاقتصاد العالمي.
من هذا المنطلق، اتخذت السلطات المغربية مجموعة من التدابير والإجراءات لتحديث وتحسين إدارة المالية العامة من خلال تنفيذ الإصلاح المالي من أجل النتائج، وهو ما يعرف في الأدبيات المالية بالمقاربة الجديدة لتدبير الميزانية على أساس النتائج.
هذا الخيار أملته مجموعة من العوامل والإكراهات المرتبطة بالظروف الداخلية أو بمستجدات الساحة الدولية والتي كانت لها انعكاسات على التدبير المالي، فكانت وراء الإسراع في اتخاذ التدابير الضرورية وإصدار مجموعة من النصوص التنظيمية (المراسيم والمناشير) لتأطير هذه العملية، من ثم سنحاول من خلال هذا المبحث الإحاطة بأسباب الإصلاحات المالية (المطلب الأول)، وأهميتها (المطلب الثاني).
المطلب الأول: أسباب إصلاح التدبير الميزانياتي بالمغرب
أعلنت وزارة المالية في سنة 2002 عن انطلاق مجموعة من الأوراش الإصلاحية للبحث عن السبل الكفيلة لتدبير فعال للمالية العمومية لتفادي اختلالات المقاربة التقليدية التي اتسمت بسوء التدبير، استجابة للإكراهات والدوافع الداخلية وتلبية لنداءات الساحة الدولية.
الفقرة الأولى: الأسباب الداخلية للإصلاح: فشل واختلالات المنهجية التقليدية
تدبير الميزانية بالمغرب واجه مجموعة من الصعوبات الداخلية التي حالت دون تحقيق الأهداف المتوخاة، حيث ظل المغرب وفيا لسياسة التدبير المالي بمنطق الوسائل لمدة طويلة، مما نتج عنه مجموعة من الاختلالات والصعوبات التي كانت لها انعكاسات سلبية على التدبير المالي بالأساس والتي يمكن إجمالها فيما يلى:
أولا: سوء تدبير المالية وغياب الشفافية
لا خلاف في أن المالية بالمغرب تشكل المورد الأساسي للاستثمارات العمومية فضلا عن دورها في تطوير وتقديم خدمات اجتماعية بجودة عالية الشيء الذي أدى إلى ارتفاع حجم الإنفاق العمومي.
ولتغطية هذه النفقات عمدت الدولة إلى البحث والرفع من مواردها في ظل تراجع مداخيل الخوصصة، فسوء التدبير في أي دولة يعتبر من أسباب تخلفها ويختلف من دولة إلى أخرى ومن وقت لآخر[3]ويطلق عليه عامة الفساد الإداري أو المالي وهى ظاهرة تتسم بتنوع الأساليب وتعدد المظاهر. وقد عرف البنك الدولي الفساد المالي: “إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص أو تعيين الأقارب على سلم الوظيفة العمومية أو سرقة أموال الدولة مباشرة”[4].
وبالتالي ظاهرة سوء التدبير لها تأثيراتها على تدبير الشأن العام وأبرزها:
- فقدان الدولة لحرمتها ومصداقيتها مما يتسبب في فقدان ثقة المواطنين بسبب انحرافها عن تأدية وظيفتها التي وجدت من أجلها.
- الرفع من تكلفة الخدمات المقدمة.
- عدم تكافؤ الفرص بين الجميع والشعور باللامساواة.
- الاغتناء الغير مشروع المؤدي إلى حدوث اختلال اجتماعي وواقع متردي ينتج عنه الفقر المدقع.
هذه الظاهرة عرفت تطورا ملحوظا ولتفادي انعكاساتها على التنمية في المغرب، جاء بتاريخ 2007/02/05[5]، الإصلاح الأخير للمرسوم المتعلق بالصفقات العمومية.
ثانيا: ضعف ترشيد النفقات العمومية
النفقة العمومية هي صرف مبلغ أو أموال من طرف هيئة عامة لتلبية وإشباع حاجة عامة. وتتعدد المساطر والقواعد القانونية التي تمر منها كما تخضع لمراقبة دقيقة تتسم بتعدد المتدخلين، ورغم ذلك فهي تعرف غياب الشفافية والفعالية نظرا لغياب برامج واضحة وأهداف محددة، والمغرب كغيره من الدول عرف تزايدا مستمرا على مستوى النفقات العمومية نتيجة اختياراته الاقتصادية الليبرالية حيث لم تنجح سياسة الإنفاق العمومي في المساهمة في تحقيق الانطلاقة الاقتصادية بالرغم من أن سياسة الانطلاق الاقتصادي من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية تفرض على مستوى ميزانية الدولة استعمالا سليما وعقلانيا للنفقات العمومية، استعمالا يراعى توفر شرطين أساسيين[6]:
- مستوى كمي مرتفع في الإنفاق العمومي.
- استعمال كيفي ورشيد.
وبالتالي فضعف ترشيد هاته النفقات العمومية له مظاهر متعددة:
- تنامي وثيرة الأنفاق العمومي
حيث يتم صرف النفقة في غياب البرمجة التوقعية بل حتى برمجة المشاريع العمومية لا يتم وفق دراسة عقلانية لتحديد الجدوى من إنجاز بعض المشاريع وتحقيقها للمردودية الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي إلى إنجاز مشاريع بتكلفة مرتفعة ومردوديتها ضعيفة أو منعدمة نظرا لغياب تقييم مردودية المشاريع، هذا فضلا عن تعثر وتجميد بعض المشاريع في غياب الدراسة المسبقة للجدوى الاقتصادية أو لغياب البرمجة والتخطيط وبالتالي فبعض المشاريع لا تنجز رغم ما يصرف عليها من أموال.
- ارتفاع المقتنيات العمومية
إذا ما قارنا الخدمات والسلع التي يقتنيها الأفراد والقطاع الخاص مع ما تقتنيه الإدارة العمومية، فإن هذه الأخيرة تتميز بارتفاع التكلفة نظرا لانعدام الحس الترشيدي، حيث يتم انتقاء المعدات والخدمات بشكل غير عقلاني وفى غياب البرمجة التوقعية.
تضخم البنيات والهياكل
حيث تتم هيكلة الوزارات بشكل يطغى عليها تداخل الاختصاصات وعدم الوضوح في كثير من الحالات، وخير دليل على ذلك وزارة المالية التي تقوم بإعادة هيكلة مديريتها ليس بهدف تحسين الأداء بقدر ما هو لاعتبارات أخرى كصرف العلاوات لفائدة مسؤولي الوزارات مما يؤدي إلى ارتفاع نفقات التسيير مقابل نفقات الاستثمار التي تترجم السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
- تفاوت وتضخم كتلة الأجور
هذا النوع من النفقات يتميز بعدم المرونة وعدم القابلية للانخفاض [7]فرغم كل المحاولات الرامية إلى تقليص النفقات العامة، فإن صعوبة التقليص من الموظفين، تدفع الدولة رغم كل التدابير التقشفية إلى الزيادة في الاعتمادات المخصصة لها، لكن بنسب جد محدودة[8]. وقد شكل هذا الصنف من النفقات العمومية حوالى 42.7% من مجموع النفقات العامة خلال الفترة الممتدة بين 1996-2001 أي بنسبة 11.6% من الناتج الداخلي الإجمالي، وموازاة مع الأجور النظامية، يتم صرف مجموعة من التعويضات والمكافئات القطاعية التي تتسم أحيانا بعدم الشرعية ودون استحقاق، إذ غالبا ما تصرف بكيفية صورية دون مراعاة القيام بالمهام المبررة لصرفها.
ثالثا: تعقد المساطر
إن مسلسل تدبير الميزانية يعرف ويتميز بتعدد المتدخلين سواء على مستوى التنفيذ أو في عملية المراقبة، هذا التعدد الذي يرمى إلى عقلنة التدبير المالي وحمايته من سوء التدبير، يؤدي في نفس الآن إلى بطء وتعقيد مساطر تنفيذ الميزانية وهيمنة وزارة المالية على جل وأغلبية المراحل، على سبيل المثال كان لا يسمح بصرف الاعتماد رغم توفره ورغم وجود حاجة معبر عنها إلا إذا كانت تلك الحاجيات منسجمة مع عنوان الفقرة والبند واحترام لائحة المواد من نفس النوع المرفقة بمرسوم الصفقات العمومية، بحيث أن شراء توريدات أو القيام بأشغال مهما كانت ضرورتها لا ينبغي أن يتم إلا إذا كانت هذه التوريدات والأشغال تندرج ضمن اللائحة[9]. إضافة إلى تعدد أشكال الرقابة وأجهزتها (القبلية المواكبة البعدية)، فتعدد مستويات الرقابة وتعقد مساطرها واهتمامها بكل ما هو شكلي ساهم في عدم الوصول بالنفقة إلى أهدافها حيث تضيع الاعتمادات والوقت والمجهودات في شكليات إدارية ومحاسبية لا طائل من ورائها ولن تقدم أو تؤخر شيئا إذا ما أراد المفسدون نهب المال العام، فهي رقابة عديمة الجدوى والفائدة وتظل حبيسة الأوراق ولا تهتم بمراقبة ملائمة النفقات، وهو ما أدى إلى تحجيم فعلى لدورها على المستوى العملي، وترتبت عنها اختلالات ونتائج سلبية صارخة عمت كل المستويات. ولعل خلاصة تقارير التفتيش المالية واللجان البرلمانية للتحقيق تؤكد في هذا السياق على حقيقة أساسية، وهى وجود خلل ما في التجربة الرقابية المغربية[10] وفى منظومة التدبير المالي بشكل عام، مما عجل بعملية الإصلاح المالي بناءا على دراسة ميدانية مشتركة بين الوزارة المكلفة بالمالية والبنك الدولي.
الفقرة الثانية: الدوافع والإكراهات الخارجية للأصلح: ضرورة كحديث التدبير المالي
إن أي محاولة تصبو للإصلاح والتحديث لا جدوى منها إن كانت بمعزل عن استيعاب المتغيرات والتحولات الدولية، فالإصلاحات لا تكون وليدة اللحظة وإنما هي امتداد لسلسلة من المتغيرات، ونظرا لارتباط الدولة ببيئة خارجية تتحكم بشدة في تطور أليات الاشتغال وأساليب العمل والأداء الاقتصادي والاجتماعي والذي يحتم إعادة النظر في الكثير من الأسس.
أولا: مواكبة مسلسل العولمة
إن التأهيل والعولمة مبدان يمثلان نقلة نوعية زعزعت المبادئ التقليدية للتدبير وذلك بتوجيهه نحو تقنيات جديدة للتدبير والتسيير، فالتدبير المالي لم يعد مجرد أداة لعمل الإداري بل أصبح بفعل العولمة مدمجا اكثر فاكثر في دواليب النظام العالمي وفى منظومة التعاون الدولي، من هنا أصبح يلعب دورا رئيسيا في مسلسل العولمة خاصة في مجال التعاون وتشجيع الاستثمار. فالميزانية لم تعد مجرد أداة بيد الحكومة لتنفيذ سياستها بل أصبحت اليوم مدمجة في نظام عالمي إذ تساهم في تطوير العلاقات بين الدول عن طريق تشجيع ظهور مجال التعاون والاستثمار، كما أن للعولمة آثار عميقة على البلدان النامية حيث تمنحهم إمكانيات مهمة لتجديد التدبير المالي وتكييفه مع التنافسية الاقتصادية وتوسيع الأسواق، وتنويع المنتوجات التجارية والاستفادة من دخول رؤوس الأموال الخاصة[11]. إن مواكبة العولمة تستوجب وضع حد لكل الأنشطة التي كان هدفها تحقيق الربح الخاص والقضاء على التبذير والوظائف الغير المنتجة وتأمين الأمن القانوني والاقتصادي. فمسلسل العولمة فرض على الدولة تحولات كبرى في أدوارها وذلك قصد مواجهة متطلباتها، فهي مسؤولة عن السياسات الاقتصادية وإلغاء العراقيل أمام حرية الاقتصاد وتبسيط المساطر التي تخنق روح المبادرة والتنافس، وفى هذا السياق يقول رئيس البنك الدولي “جيمس دو ولسوف” في جواب [12]على طلب الملك الراحل الحسن الثاني يوم 15/09/1995: “وكنا ونحن بصدد إنجاز هذا العمل نهتدي بأن المغرب قد دخل بطريقة لا رجعة فيها في معركة بناء اقتصاد منفتح وتنافسي في مهمة تحسين وضعية سكانه بوجه عام”. وبالتالي أصبحت الأدوات المالية والنقدية بصفة اكثر وضوحا تشكل محوراً فاعلاً في سياسة التبعية، لتبقى الدول النامية تحت وصاية المؤسسات الدولية التي تكرهها على الأخذ بإصلاحات وتدابير[13].
ثانيا: إكراهات المؤسسات المالية الدولية
بعد عشر سنوات من سياسة التقويم الهيكلي (1983-1993)، وجد المغرب نفسه أمام تقرير جديد للبنك الدولي يدعو إلى إصلاحات جديدة ومستعجلة تهم التعليم، الإدارة، والاقتصاد. وقد ظل المغرب مهتما بهذه التقارير ومطيعا في تطبيق تعليمات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، إلا أن الحصيلة كانت تقرير عنيف وقوي موجها إلى الدولة قصد مراجعة أليات اشتغالها في الميادين الاقتصادية والاجتماعية لمسايرة موجة العالمية.
لقد حدد تقرير البنك الدولي ضعف الإدارة المغربية في فئتين أساسيتين[14]:
الفئة الأولى: مكونة من سلسلة أنظمة عمل متقادمة في الوظيفة العمومية والتسيير المالي والرقابي والمساطر وكذا النظام القضائي، إذ أنظمة العمل هاته هي المسؤولة جزئيا عن العراقيل التي تعرفها الدولة للتلاؤم مع وظائفها الجديدة الخاصة بالضبط، اكثر من الإدارة المباشرة للنشاطات الاقتصادية من أجل وضع علاقات جديدة مع القطاع الخاص والمواطنين.
الفئة الثانية: تتكون من نقاط الضعف المنتمية خصوصا إلى الحالة المغربية وهى اكثر خطورة في المغرب عن غيره من البلدان الأخرى، وتتجلى في التسيير الروتيني وجمود المساطر المالية وعدم شفافيتها، وأثناء تطرق التقرير للخطوط الكبرى للإصلاح كد على وضع عملية تسيير فعالة للميزانية وللمالية وإحلال عملية محاسبة عمومية محل أعمال المراقبة المسبقة وذلك بتبسيط وعقلنة الإجراءات كمحور أول للإصلاح أما المحور الثاني فهو لا مركزية القرارات والإجراءات من أجل إعطاء المزيد من الاستقلالية للمسيرين في مختلف المستويات حيث ستمكن هذه العملية من دعم اللامركزية وتطويرها، وفى نفس السياق وجه صندوق النقد الدولي مذكرة توجيهية سنة 1997 تؤكد على أن التدبير العمومي
الجيد يساهم في الاستقرار الماكرو اقتصادي وفى النمو. وعليه يجب أن تتجه الدولة إلى تركيز جهودها نحو محاربة الفساد وسوء التدبير.
في هذا الصدد تم انعقاد منتدى روما سنة 2003 حول مواكبة السياسات والممارسات العملية للمؤسسات، مع تلك المتبعة من طرف الدول الشريكة من أجل تطوير فعالية المساعدات لأجل التنمية وبذلك المساهمة في تحقيق أهداف التنمية للألفية[15].
وفى سنة 2004، تم تنظيم مائدة مستديرة بمراكش، من طرف المنظمات الدولية حول التدبير على أساس النتائج.
وقد أسفر مؤتمر باريس في سنة 2005، عن عدة توصيات من بينها:
- الاتفاق بين دول الشمال ودول الجنوب على تبنى تطبيق وتدبير أمثل للمساعدات، وذلك بتبني مقاربة التدبير على أساس النتائج.
وكل هذه الملتقيات الدولية كانت نتيجة للضغوطات والإكراهات الخارجية من طرف كل من:
- الوكالة الأمريكية الدولية للتنمية (USAID 1990): وذلك استجابة لضغوطات كل من الرأي العام الأمريكي ومجلس الشيوخ بغية إثبات أهميته.
- الوكالة الكندية للتنمية الدولية (ACDI) سنة 1995: وذلك استجابة لمكتب المراقبة العامة الكندية لتقديم تقارير حول النتائج المنجزة.
- برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD) وبرنامج الأمم المتحدة للتغذية والطفولة (UNICEF) ما بين سنة 1995 و 2000 وذلك لمواجهة العجز الذي عرفته هاتين المنظمتين في مجال موارد التموين.
- البنك الإفريقي للتنمية (BAD) ما بين سنة 2001 و 2005 وذلك استجابة للممولين الدوليين الذين يطالبون بشفافية اكبر واستعمال فعال للمساعدات.
كل هذه الضغوطات ساهمت في إنشاء حس بالمسؤولية الشيء الذي أدى إلى تعبئة الجميع من أجل التغيير في مجال التدبير المالي.
إن المؤسسات الدولية ركزت على التحديث وضرورة تحسين التسيير من أجل عقلنة التدبير وضمان الفعالية الاقتصادية، وبالتالي فإن إملاء شروطها وضرورة إتباع سياسة افتراضية معينة من شأنه استيعاب المساعدات والوفاء بالالتزامات.
المطلب الثاني: أهمية الإصلاح المالي في تحديث منهجية تدبير الميزانية
يعد الإصلاح المالي قفزة نوعية لاعتماد منهجيته على تقنيات متطورة وسريعة حيث تعمل على استعمال الموارد المتاحة كوسيلة وليس كغاية، وتساهم في إيجاد موارد جديدة لتطبيق البرمجة المعتمدة، فهي تنطلق من الحاجيات والأولويات وتقوم بتسطيرها وعلى وفقها تقوم بالبرمجة. وصرف الاعتماد ليس إلا وسيلة في النهاية لقياس درجة ومستوى تحقيق الأهداف. ونظرا لهذه الأهمية التي يحظى بها الإصلاح المالي في الرقى بالتسيير والتدبير والرفع من حسن الأداء وتحقيق الحكامة المالية، عملت الحكومة على تحديد دعاماته ومحاوره وإيجاد الإطار القانوني لتطبيقه. وسنسعى من خلال هذا المطلب إلى استعراض النصوص التنظيمية لهذا البرنامج الإصلاح وأهم محاوره مرورا بالأهداف المتوخاة منه.
الفقرة الأولى: أهداف الإصلاح المالي
إن الوعي بأهمية الإصلاح أصبح قائما (لدى المهتمين به) خصوصا بعد تقرير البنك الدولي حول وضعية الاقتصاد، التعليم، الإدارة. وقد أصبح الكل مقتنعا ومتفقا على ضرورة إصلاح وتحديث تدبير الميزانية باعتبارها البوابة الرئيسية لأي إصلاح للحد من النفقات العمومية والتقليص من الاختلال المالي وكذا وفرة بعض الموارد التي يمكن تخصيصها للاستثمار. والتجربة المغربية لا تختلف عن نظيرتها الفرنسية من حيث التطلعات والأهداف (البحث عن الحكامة الجيدة للمالية العمومية، لتحقيق التنمية ).
أولا: ترشيد النفقات العمومية توخيا للأداء الجيد
وهو أهم محور في الإصلاح المالي ونقصد به أن تقوم الإدارة المكلفة بالإنفاق باتخاذ مجموعة من التدابير من أجل تأهيل النفقة العمومية لتحقيق المنفعة العامة بأقل التكاليف الممكنة مع مراعاة جودة الخدمات بكيفية تؤدي إلى الرفع من مردودية النفقة العامة، أي الحرص على الإنفاق الجيد عوض الإنفاق الكثير، ويعتبر هذا الهدف أهم العناصر الرئيسية لتعريف النفقة العامة التي تؤديها بالنسبة للمجتمع. فكلما انخفضت تكلفة النفقة العامة إلا وتحقق النفع العام بكيفية اكثر، ولا يعنى الاقتصاد في النفقة التقتير إلى حد التقشف ولكنه يعنى حسن التدبير والابتعاد عن الإسراف وتبذير الأموال العامة في مجالات غير مفيدة أو بكيفية مبالغ فيها. وتبعا لذلك تكون للنفقة مردودية اقتصادية واجتماعية تعكس قيمة الأموال التي صرفتها عن طريق توجيه الاهتمام إلى المشاريع التي ترمى تحقيق مردودية بالنسبة للمجتمع، هذا الترشيد والعقلنة في التدبير هو ما يؤدي إلى ترسيخ ثقافة المساءلة وتقييم النتائج.
ثانيا: إشاعة الشفافية في عمليات الإنفاق
وذلك بتحسين استيعاب مضامين الميزانية وتعزيز مصداقيتها اتجاه الرأي العام، ودعم مبادئ المساءلة والمحاسبة. ونقصد بالشفافية وضوح موضوع النفقة وسلامة أهدافها وطرق إنجازها بمعنى إنجاز عملية الإنفاق بكيفية واضحة المعالم تسمح بمعرفة جميع تفاصيلها والتأمل فيها، فشفافية التدبير العمومي تنطوي على تفادي العمليات الضبابية والحيلولة دون ما يسمى النفقات السوداء أي إخراج عملية النفقة من الدائرة السوداء إلى دائرة النور والوضوح[16]. فهي تساهم في تحكم الإدارة في النفقة العامة بكيفية تراعى مردوديتها وفعاليتها حيث تكون الإدارة على بينة بأن جميع هفواتها وأخطائها ستكشف بسهولة، وتتمكن من تصحيحها وتجنب كل ما يعرض تدبيرها للمساءلة، وتقوية علاقة الثقة بين الإدارة والمجتمع باعتبارها تسمح للرأي العام بالوقوف على تفاصيل عمليات الإنفاق من خلال التقارير لتقييم مدى فعالية النفقات العامة وتقييم مردودية المرفق العام.
ثالثا: تكييف وملاءمة مسلسل الميزانية مع اللاتركيز
ستمكن هذه المقاربة من تحقيق تحول هام في العلاقة القائمة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة [17]التي ستعمل على تسيير مواردها المالية والبشرية الموضوعة تحت تصرفها، وذلك في حدود اختصاصها الترابي طبقا للالتزام الصريح مع إدارتها المركزية حول كيفية تطبيق برامجها. لتحسين تدبير الشأن العام وللاستجابة عن قرب لحاجيات السكان، فتعزيز اللامركزية في الميزانية سيعمل على توفير المزيد من الحرية والمسؤولية للآمر بالصرف، وذلك بتمكينه عند الاقتضاء من القيام بإعادة توزيع الاعتمادات ما بين السطور دون اللجوء لوزارة المالية وذلك مقابل التزامه بتحقيق الأهداف المحددة مسبقاً وتقييم الإنجاز من حيث نفقات التنفيذ، وهذا سيعزز الإدارة المحلية لتلبية توقعات المواطنين، ويتضح أن المشرع المغربي يصبو إلى تقليل وتبسيط الإجراءات للسيطرة على الإنفاق العام، لأن بعض النفقات لا تتحمل الروتين الإداري والمسطرة البطيئة، مما سيؤسس للاستقلالية في تصريف الاعتماد، لكن هذا يستدعى بذل مجهودات من طرف السلطة العمومية للتصدي إلى تبذير الأموال وتوجيهها لخدمة المصالح الخاصة.
رابعا: تكييف مراقبة النفقات العمومية مع التدبير الجديد
وذلك بالانتقال من الطابع الشكلي للمراقبة إلى مراقبة الجوهر، هذه المقاربة تساهم في إضفاء المرونة والسرعة على المراقبة بتخويل حيز اكبر من المسؤولية لمصالح الآمر بالصرف، وبالتالي اتساع نطاق المسؤولية عن أعمالها المرتبطة بالتصرف في المال العام، وهكذا ستمتد اختصاصات المراقبين إلى الاعتمادات المفوض فيها للآمر بالصرف حق التصرف، وتجري المراقبة قبل مباشرة تنفيذ الالتزام وتتم بالتأشير عليها المصحوب بملاحظات على مقترح الالتزام بالنفقة لكنها لا توقف أداء النفقة. هذا الإصلاح يهدف إلى منح مرونة اكبر في تدبير ملفات الالتزام بالنفقة، وحيز اكبر من المسؤولية للآمرين بالصرف وبالتالي تحسين العلاقة بين مختلف المتدخلين والتي كانت غامضة بسبب تعقد المساطر وعدم وضوح القواعد القانونية المنظمة لها. فهذا الإصلاح من شأنه أن يعمل على ملاءمة المرسوم المنظم للمراقبة مع الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي همت المنظومة المالية، ومع التنظيم الجهوي، فهي ترتكز على إشراك جميع مصالح المراقبة مركزيا وجهويا وإقليميا في مسلسل اللاتركيز، مما سيمكن المراقبين من تحمل مسؤولياتهم وتقريبهم من المتعاملين معهم. وحسب ما سبق فإن تحديث المراقبة يتجلى من خلال تطبيق المقتضيات المتعلقة بالتدبير المالي القائم على منطق النتائج وذلك بتخفيف الرقابة القبلية وتكريس الرقابة البعدية مما سيعزز سلطة الآمرين بالصرف في تصريف الأموال بإزالة القيود المفروضة عليهم، ويتعلق الأمر بتطبيق المقتضيات المتعلقة بالتدبير المالي القائم على منطق النتائج بـ[18]:
- تخفيف الرقابة القبلية.
- تحسين تدخلها.
- تكريس الرقابة البعدية.
- تبسيط المساطر.
هذا الإصلاح يستجيب لمجموعة من المتطلبات الأساسية منها:
- تحسين مستوى عيش المواطنين والمواطنات كهدف أسمى للسياسات العامة.
- مواجهة التحديات بفعل العولمة.
- انفتاح الأسواق لتوفير أسباب المناعة للاقتصاد الوطني.
وبناءا على كل ما سبق تم الدفع بالقطاعات الوزارية إلى اتخاذ الإجراءات المهمة والتدابير التي من شأنها مراجعة طرق تدبير المال العمومي لتحقيق النجاعة ومزيد من الفعالية.
ولتحقيق هذه الأهداف (الحكامة المالية ) كان لابد من وضع المحاور ومجموعة من الهياكل القانونية المؤطرة لعملية الإصلاح.
الفقرة الثانية: كحديد الإطار القانوني للأصلاح وأهم محاوره
لقد أطلق المغرب مجموعة من الأوراش الإصلاحية في السنوات الأخيرة لجعل التدبير العمومي اكثر استجابة للتطور المجتمعي وللتحولات العالمية وفى مستوى تطلعات المواطنين الشيء الذي يستلزم وضع برنامج متكامل يهدف تحديث الدولة. في هذا الإطار ومن أجل خلق دينامية جديدة، قامت وزارة المالية بوضع برنامج شامل يشمل مجموعة من الإصلاحات.
ولاشك أن تبنى برنامج الإصلاح المالي يستلزم وجود تنظيم قانونى لهذه العملية يبين أبعادها ووسائل تحقيقها، وذلك في محاولة لإيجاد الإطار المحدد حتى يتم إنجاح البرنامج.
أولا: التأطير القانوني والمؤسساتي
لقد بادرت بعض القطاعات الوزارية بالانخراط في سلسلة الإصلاحات المتعلقة بالجانب المالي، عبر نهجها للمقاربة الجديدة المرتكزة على النتائج بتبنى أليات جديدة للتدبير المالي الحديث معتمدة في ذلك النصوص التنظيمية التالية:
- المناشير
- منشور الوزير الأول في 25 دجنبر 2001 الذي أوصى بمجموعة من التدابير منها اعتماد مقاربة جديدة لتدبير ميزانية ترتكز على النتائج.
- منشور الوزير الأول في 20 أبريل 2005 حول نظام التدبير المندمج للنفقات.
- منشور لوزير الاقتصاد والمالية حول الخوصصة والسياحة بتاريخ 28 فبراير 2002.
- المراسيم
يتعلق بتطبيق الفصل 17 مكرر للمرسوم السابق:
- مرسوم 31 دجنبر 2001 المعدل لمرسوم 26 أبريل 1999 المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية[19] من خلال إضافة المادة 17 مكرر، حيث سعى المشرع إلى جعل مساطر تحويل الاعتمادات من سطر إلى آخر داخل نفس الفقرة اكثر مرونة كخطوة أولى في تبنى مبدأ شمولية الاعتمادات، كما عدل المادة 23 مكررة لنفس المرسوم من أجل تحسين إجراءات وشروط تنفيذ الميزانيات المتعلقة بمرافق الدولة المسيرة بطريقة مستقلة (SEGMA)[20].
- مرسوم 24 دجنبر 2004 المعدل لمرسوم 26 أبريل 1999 الذي تناول تبسيط مسطرة تحويل المناصب المستعملة، من أجل تسوية وضعية أصحابها لترقيتهم في الدرجة من خلال هذا الإجراء ثم توسيع حرية الآمرين بالصرف وتحميلهم مسؤولية نتائجه.
- رسالة توجيهية للوزير الأول حول إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2006 والذي تضمن فقرة مهمة حول سبل تحضير وتنفيذ الميزانية العامة للدولة وفق المقاربة الجديدة.
- دليل التدبير المرتكز على النتائج المرافق لمنشور الوزير الأول بتاريخ 25 دجنبر 2001.
- دورية الوزير الأول رقم 2003 – 07 بتاريخ 27 يونيو 2003: تحدد نموذج الشراكة بين الدولة والجمعيات.
- الرسالة التوجيهية للوزير الأول لسنة 2007 التي كدت على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والتي أصبحت محل دراسات وأبحاث وتقارير لوزارة المالية بالرغم من عدم صدور نص قانونى بشأنها[21].
- دورية الوزير الأول بتاريخ 5 مارس 2007 حول إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات التنموية لمختلف القطاعات.
- دورية وزير المالية عدد 483 ع 2 بتاريخ 28 فبراير 2002 وقد تم توجيهها لأعضاء الحكومة وقد وضعت برنامجا خاصا بالمراقبة وتداول المعلومة.
ثانيا: المحاور والدعامات الأساسية للأصلاح
تتمحور المقاربة الجديدة التي تم اعتمادها من طرف الوزارة المكلفة بالمالية على ست دعامات أساسية :[22]
- تدبير الميزانية بمنطق النتائج:
- شمولية الاعتمادات.
- التعاقد.
- الشراكة.
- اعتماد البرمجة المتعددة السنوات.
- تبسيط المساطر.
- التدبير المعلوماتي.
- ملاءمة مراقبة النفقات العمومية مع المحيط الجديد للميزانية.
- إدراج مقاربة النوع الاجتماعي أو ما يعرف بجندرة الميزانية.
وتتميز هذه الدعامات بترابطها وبتظافرها في بلوغ أهداف الإصلاح تدريجيا.
المبحث الثاني
الإصلاح الميزانياتي ، مقاربة جديدة لتدبير ميزانية الدولة
اعتبارا لارتباط العمل الرقابي بالمحيط الذي يعمل فيه، فإنه من الضروري التأقلم مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية واعتماد أساليب حديثة في التدبير العمومي، وفى هذا المضمار، تطرح أهمية وضرورة تصور سياسة مالية تكون في خدمة السياسات العمومية، الاقتصادية والاجتماعية، فالمالية العمومية وسيلة وأداة لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة. وفى هذا السياق تستعمل الميزانية كوسيلة من وسائل التدخل سواء عن طريق الإنفاق أو عن طريق الموارد[23].
وإذا كان تفعيل المراقبة المالية عملية سوسيولوجية وسيكولوجية كما يرى أحد المحللين الماليين [24]، فلابد أن يرتكز على تحديد رؤيا واضحة في تدبير الميزانية العامة للدولة، وإصلاح الهياكل الإدارية وتقويم الأخطار وأعداد الموارد البشرية الكفاءة، وبالفعل، فإن الإجراءات المتخذة في هذه المنحى لا تزال محدودة، وتتطلب تكاثف الجهود لإعادة هيكلة الميزانية العامة حتى تتلاءم والمناهج الرقابية الحديثة.
واضح إذن أن اعتماد سياسة مالية ناجحة يمر عبر تحديث وسائل التدبير المالي ضمن استراتيجية اقتصادية مدروسة، تقع الميزانية العامة في جوهرها، ذلك أن هذه الأخيرة، تستقطب اهتمام الفقهاء والفاعلين الاقتصاديين على حد سواء، مما دفع المسؤولين الحكوميين في السنوات الأخيرة إلى محاولة تجاوز الوضع الحالي، والمبادرة إلى اتخاذ إجراءات مرحلية تروم مراجعة أسلوب تدبير الميزانية (المطلب الأول)، في انتظار إصلاحات أشمل وأعمق تستهدف تحديث بنيتها وتركيبتها (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مراجعة أسلوب تدبير الميزانية
إن عقلنة أسلوب تدبير الميزانية العامة للدولة يقتضى مقاربة جديدة ترتكز على التوفيق بين الأبعاد المالية والاقتصادية والاجتماعية، وسلوك أساليب الضبط والترشيد والشفافية في الإنفاق العام، وإرساء نظام عقلاني يقوم على تحديد وتوضيح الأهداف، واعتماد منهجية تقييم الأداء والنتائج وتحليل وتقييم السياسات العمومية، والعمل وفق مسار اللامركزية واللاتركيز الإداري، كاختيار أساسي في تدبير الميزانية العامة وتنفيذها وتتبع تنفيذها، بعد تخويل المصالح الخارجية اللامركزية استقلالية في التسيير المالي وتدبير الاعتمادات المالية المرصودة لها، باعتبار أن الغاية هي إشاعة ثقافة جديدة داخل الإدارة، مبنية على تحميل الآمرين بالصرف مسؤولية تسيير الميزانية وتقييم النتائج المحصل عليها مقارنة بالوسائل البشرية والمادية والمالية المتوفرة [25].
يستدعى تحقيق هذه الأهداف مقاربة جديدة للتدبير المالي للدولة، سواء على الصعيد المركزي أو على صعيد المصالح اللاممركزة، عبر اتخاذ مجموعة من الإجراءات والعمليات تهم المجالين التاليين:
- اعتماد منهجية جديدة لتدبير الميزانية تقوم على النتائج وتولى أهمية خاصة للالتزامات المتبادلة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة (الفقرة الأولى).
- تكريس النتائج في إعداد ميزانية البرامج وتتبع تنفيذها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تدبير الميزانية على أساس النتائج: المفهوم والمضمون
من الأكيد توضيح مفهوم التدبير الميزانياتى على أساس النتائج ودراسة مضمون ومحتوى هذا التدبير.
أولا: مفهوم التدبير المرتكز على النتائج
يمكن تعريف التدبير المرتكز على النتائج كمسلسل يتشكل ويحدد كل سنة وفى إطار برنامج يمتد إلى ثلاث سنوات، ويقوم هذا التدبير على احترام المسؤوليات من طرف الإدارة المركزية التي تتصرف في سلطة قرار تسيير الوزارة، كما أن المصالح اللاممركزة التابعة لنفس الوزارة تستفيد من تفويض السلطة على أساس تحقيق الأهداف المحددة في الاتفاق المشترك مع الإدارة المركزية [26].
إن المنهجية الجديدة لتدبير الميزانية على أساس النتائج ستمكن من تحقيق تحول هام في العلاقات القائمة بين الإدارات المركزية ومصالحها اللاممركزة، حيث ستعمل هذه الأخيرة على تسيير الموارد البشرية والمالية الموضوعة رهن إشارتها في حدود اختصاصاتها الترابية طبقا لالتزام صريح ومتفق عليه مع إدارتها المركزية حول كيفية تطبيق برامجها.
ويستهدف التدبير الميزانياتى على أساس النتائج مبدئيا مساءلة المصالح اللاممركزة التي تتولى مهام إدارة القرب وذلك من خلال [27]:
- تقريب الإدارة من المواطنين.
- تحسين جودة الخدمات المقدمة من طرف الإدارات العمومية.
- تبسيط اللاتركيز في سلطة التدبير.
- توجيه كل الطاقات على العمل عبر مسلسل يؤمن تحقيق النتائج.
- تأسيس توازن حقيقي بين المسؤولية تجاه النتائج من جهة، ومن جهة أخرى الاستقلالية الضرورية للمسؤولين العمليين. وتتضح هذه المسؤولية من خلال الرقابة التي يمارسها البرلمان وتكون على أساس النتائج والأهداف المحققة.
- تحسين قدرات ومؤهلات الإدارة في إعداد السياسات العمومية الناجعة.
إن طبيعة الالتزامات المتبادلة بين الإدارات المركزية واللاممركزة، تتميز بخاصيات مهمة من خلال تبنى التدبير الميزانياتى المرتكز على النتائج، حيث تتطلب أن تكون هناك [28]:
- جودة في العلاقات بين الأطراف ذات أهمية أساسية.
- إن الالتزامات المتبادلة تستلزم تنمية العلاقات التشاركية، فكل طرف عمل ملزم بتحقيق الأهداف المشتركة، ولن يتأتى هذا إلا بتقاسم المعلومة وتأسيس حوار دائم بين أطراف الالتزام.
- تأسيس ألية تتجه نحو ترجمة الشؤون والسياسات الحكومية إلى أهداف استراتيجية وعملية تنضبط للزمان والمكان.
- هذه الالتزامات المتبادلة تسمح بإنشاء اعتمادات في الموارد بناء على قواعد ملموسة، وذلك قصد توضيح العلاقات بين الوسائل والأهداف.
وتمتد مدة هذه الالتزامات المتبادلة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة، ثلاث سنوات، غير أن الالتزام يخص الموارد مع عدم أخذ المدة السنوية الأولى التي تناسب الاعتمادات المفتوحة بواسطة قانون المالية.
إن التحولات الجارية في سير الاقتصاد العالمي والوتيرة المتسارعة لهذه التحولات تحتم وضع استراتيجيات مناسبة، ترمى إلى تكييف الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للدولة حتى يتوفر لديها ما يكفى من القوة والمرونة لمسايرة التطورات الحالية، وعليه لابد من تبنى أساليب جديدة في التدبير العمومي ترتكز على النتائج وعلى عقلنة عملية الإنفاق.
وفى هذا السياق، فإن التوجهات الرسمية[29] تركز على اعتماد أساليب حديثة في تدبير الميزانية من خلال:
- مراجعة طريقة إعداد الميزانيات الفرعية للوزارات بوضع حد لتمرير اعتمادات سرية داخل الميزانيات القطاعية، وبالقطيعة مع أشكال ومظاهر التبذير وتبديد الموارد، وترك أمر إعداد الميزانيات للإدارة وحسب، دون اهتمام الوزراء كآمرين بالصرف رئيسيين، بكون الميزانيات هي الأداة الأولى الأساسية لتصريف البرامج الحكومية وتحقيق أهدافها.
- دعوة الإدارة إلى مزيد من عقلنة وترشيد الأليات المستعملة في تحضير الميزانية وفى استشراف تنفيذها لضبط وتيرة الالتزامات وإصدار النفقات، عبر جدولة تروم التوزيع الأفضل للنفقات على مدى السنة المالية، وتمكن من المتابعة الحثيثة لمراحل التنفيذ للتحقق من نجاعة وفعالية المنجزات بأقل التكاليف وأحسن النتائج.
- التأكيد على أن تدبير الميزانية لا يقتصر على اعتبارات قانونية النفقة ومشروعيتها ومطابقتها للاعتماد المرصود في الميزانية، بل يجب أن يشمع ليشمل مقاييس ومعايير الملاءمة والحرص على تحقيق المقاصد بالوسائل الأنسب والأقل تكلفة، وهو ما يترتب عنه اعتماد أسلوب جديد للمراقبة يتمثل في تقييم الإنجاز الفعلي [30].
إن من شأن هذا التوجه أن يكون مدخلا ضروريا لتدبير الميزانية على أساس النتائج، من خلال اعتماد مقاربة جديدة تنبني على تحديد مسؤولية الإدارة المركزية من جهة ومسؤولية المصالح اللاممركزة في تحقيق أهداف يتفق عليها الطرفين في إطار برنامج متوسط المدى.
وتستند هذه المقاربة إلى ثلاث ركائز أساسية: تفويض الاختصاصات الضرورية للقيمين على تنفيذ الميزانية، منحهم صلاحيات واسعة للتصرف في الوسائل الموضوعة رهن إشارتهم وأخيرا إخضاعهم للمساءلة على أساس ما حققوه من نتائج فعلية.
ثانيا: مضمون الالتزامات المتبادلة بين الإدارات المركزية واللاممركزة
إن المقتضى الجديد للتدبير الميزانياتى المرتكز على النتائج يأخذ أشكالا متنوعة حسب وظيفة الخصوصيات القطاعية، حيث يلتزم في هذا الإطار الطرفين التزامات متبادلة تشتمل على أربع مكونات رئيسية:
- وثيقة إطار تعدها الإدارة المركزية وتتضمن الأهداف التي حددتها للقطاع الوزاري المعنى بالأمر على المدى القصير والمتوسط.
- بيان بالالتزامات المتبادلة بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة بين الوسائل الموضوعة رهن إشارة هذه الأخيرة، والأهداف الواجب تحقيقها، على أن الإدارة المركزية ستعجل بوضع الاعتمادات المالية اللازمة رهن إشارة الآمرين المساعدين بالصرف لتحقيق مهامهم، وتقدم لهم الدعم كلما دعت الضرورة لذلك[31]
- برنامج عمل متوسط المدى يبين بوضوح أساليب تحقيق الأهداف المتفق عليها، ويتطلب ذلك فتح حوار بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة للتشاور وتتبع تنفيذ الالتزامات المتبادلة بينهما أخذا بعين الاعتبار خصوصية القطاعات الوزارية المعنية.
- مؤشرات الإنجاز وتقييم النتائج، ذلك أنه من شأن الالتزامات المتبادلة بين الإدارة المركزية ومصالحها الخارجية أن تبرز الأهداف ومؤشرات نجاعة أداء الإدارة اللاممركزة في نطاق ترابها.
وستمكن تقارير وبيانات الأنشطة الدورية التي سيتم إعدادها من طرف المدبرين الترايبين من إطلاع الإدارة المركزية على تتبع تنفيذ النفقات العمومية [32].
ويتطلب اعتماد هذه المنهجية فتح حوار بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة، وتجسيد هذا التفاعل في إعداد ميزانية برامج عبر أربع مراحل [33]:
- إعداد إطار استراتيجي من طرف الإدارة المركزية ينطلق من المهام الأساسية للقطاع الوزاري، يتم إرساله فيما بعد لمسؤولي المصالح اللاممركزة.
- تقوم كل مصلحة لاممركزة بتحديد أهدافها العملية والخطوط الكبرى لبرنامج عملها وتضمنه مؤشرات تقييم النتائج التي تسمح بمتابعة تنفيذ البرنامج.
- مناقشة ميزانية البرامج بين الإدارة المركزية وكل مصلحة لا ممركزة على حدا. لوضع التصور النهائي لبرنامج العمل، في هذا الإطار تقوم الإدارة المركزية بتحليل ودراسة اقتراحات المصالح الخارجية، وتكون آنذاك الفرصة مواتية لعرض مختلف وجهات النظر حول الأهداف المبتغاة والوسائل المتوفرة لوضعها تحت تصرف هذه المصالح وتحديد أسلوب متابعة التنفيذ، ويتم الاتفاق على إجراءات وضع البرامج حيز التنفيذ، تقوم بعدها كل مصلحة لا ممركزة بإعداد الصيغة النهائية للوثائق التعاقدية لميزانية البرامج لعرضها على مصادقة الإدارة المركزية.
- تبادر الإدارة المركزية لإعداد ميزانية برامج القطاع الوزاري على أساس ميزانية البرامج المنجزة مع المصالح اللاممركزة.
ولأن تدبير الميزانية على أساس النتائج انطلاقا من هذه المقاربة تستوجب المتابعة وتقييم نجاعة الأداء، فإن أجهزة المراقبة الإدارية مدعوة لتجديد أسلوب عملها بناء على المناهج الحديثة في التتبع والتقييم.
وبملاحظة هذه العناصر نستطيع أن نستخلص مجموعة من الخصائص التي يمثل الإلمام بها شرطا ضروريا لتكامل الفهم حول هذه المقاربة وأهمها:
- أن تدبير الميزانية على أساس النتائج يستند في فلسفته وأسلوب عمله إلى قواعد الإدارة العلمية، التي تفترض قياس الإنتاج وربطه بقياسات محددة للتكلفة سواء كانت مالاً أو وقتاً أو جهداً أو موارد، وذلك حتى يتسنى اختصار التكلفة إلى أدنى حد ممكن.
- أن هذا الأسلوب لا يخرج على الدور الإداري الذي يترتب على الأخذ بميزانية البنود والمتمثل في تحقيق الرقابة على الإنفاق العمومي، بل يحافظ على هذا الدور، وبالمقابل يعمل على تغيير أسلوب الرقابة وتطوير ذلك بالتركيز على مراقبة أهداف الإنفاق ونتائجه بدلا من الاهتمام بتحديد أوجه هذا الإنفاق وعناصره، ومن أهم ما ترتب على هذا التغيير[34]:
- أن هذا الأسلوب أدى إلى مضاعفة قدرة الميزانية العامة للدولة على ممارسة العملية الرقابية وجعلها عملية هادفة وقادرة على ممارسة النظرة المدققة والفاحصة والقائمة على أساس موضوعي يربط بين النفقة وبين هدفها، كما يتمثل في المقارنة بين الإنجاز الفعلي والإنجاز المخطط، وكذلك بين التكلفة الفعلية والتكلفة المقدرة.
- أن هذا الأسلوب يمكن من القيام بعمليات التقييم الموضوعية ومتابعة مراحل التنفيذ ومقارنتها مع الأهداف والتوقعات.
الفقرة الثانية: تكريس النتائج في إعداد ميزانية البرامج وتتبع تنفيذها
يتميز إعداد ميزانية البرامج بين الإدارات المركزية واللامركزية بالتركيز على إدخال مقاربة النتائج والأهداف، كما يتوجب تتبع تنفيذ ميزانية البرامج كعنصر جديد في التدبير الميزانياتى على أساس النتائج.
أولا: إعداد ميزانية البرامج بين الإدارات المركزية واللاممركزة
إن مسلسل إعداد هذه الوثيقة يمر عبر أربع مراحل أساسية [35]:
- المرحلة الأولي: إعداد التأطير الاستراتيجي
التدبير الميزانياتى المتمحور على النتائج يعد استثمارا مهما في الوقت والموارد بالنسبة للإدارة المركزية، وتنقسم هذه المرحلة بدورها إلى مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: وتتمثل في تقطيع نشاط الوزارة في وظيفة المجالات الاستراتيجية للنتيجة، بعد تأسيس علاقة قوية بين نشاط المرافق وسياسات الحكومة، وتتبع الأهداف من طرف المجالات الاستراتيجية لكى تنسجم كر مع السياسات القطاعية على المدى المتوسط وتفعيلها من طرف القطاع الوزاري المعنى.
وكمثال على ذلك، فيما يخص وزارة التربية الوطنية الأهداف هي:
- تعميم التعليم الأساسي.
- تنمية وإصلاح التعليم الثانوي.
- تحسين جودة التعليم.
هذه هي الأهداف الثلاث تخص المجالات الاستراتيجية الثلاث للنتيجة والمحددة للأهداف عمليا ومخططات العمل داخل كل مصلحة لا ممركزة والوزارة ككل.
المرحلة الثانية: تشخيص وضعية كل مصلحة لاممركزة
بالنظر إلى كشف مكامن القوى والضعف، ومدى الاجتهاد في إتمام النتيجة، وكما أنه قد يتطلب العمل كثيرا من الوقت عند التفعيل الأولى للتدبير الميزانياتى على أساس النتائج. كما أن عملية التشخيص تسمح للإدارة المركزية بتحديد حاجيات كل مصلحة لاممركزة من جهة، والوسائل التي يجب وضعها لمواجهتها من جهة أخرى، كما أن استشراف الحالة المقبلة لمجموع المصالح يعد إلزاميا لتحديد المخصصات وتأطير الموارد بتقسيم ميزانية الوزارة بين مختلف المصالح، كما أنه يتعين دائما الأخذ في الحسبان الخاصية المحدودة للموارد العمومية، ويعود إلى الإدارة المركزية تحديد محدودية الموارد على أساس المعلومات التي تترتب عن تطور الوضعية المالية للدولة والأولويات الحكومية، مما يفترض قيام حوار دائم يتأسس بين القطاعات الوزارية ووزارة المالية، مع مراعاة تحسين رؤية هذين العنصرين إلى مؤسسة التوقعات الميزانياتية.
وعليه، فالإدارة المركزية ترسل إلى كل مصلحة لا ممركزة رسالة تأطيريه وتشير فيها بالخصوص إلى:
- تقدير حالة مختلف المجالات الاستراتيجية للنتائج والجهد الذي تم أداؤه.
- حجم الموارد التي ستتصرف فيها المصلحة اللاممركزة على ضوء تنفيذ الميزانية المقبلة.
- الدعوة إلى إعداد مدة محددة لمخطط عمل ثلاثي يسمح بتحقيق التوجهات المعطاة ومناقشتها مع الإدارة المركزية.
- المرحلة الثانية: الانعكاس الاستراتيجي علي مستوي المصلحة اللاممركزية
إن الرسالة التأطيرية تنعكس على المصلحة اللاممركزة من خلال التوجهات الواردة بها وتشمل:
- الوضعية أو الحالة الحقيقية للمجالات الاستراتيجية للنتيجة وتوقعاتها للنتيجة.
- إمكانيات الشراكة مع مختلف الفاعلين المحليين.
- إمكانية المصلحة اللاممركزة تحديد أهدافها ومخططات عملها في إطار مجال استراتيجي للنتائج وبيانات الإدارة المركزية.
كما يمكن للمصلحة اللاممركزة أن تحضر وتضع تقديرا بالرجوع إلى الإدارة المركزية، وتأسيس مخطط عمل يشكل النواة الصلبة لعملها، ويجب الإشارة إلى أن مدة المرحلة الثانية لا تزيد عن شهر.
- المرحلة الثالثة: مناقشة ميزانيات البرامج [36]
تعمل الإدارة المركزية على تحليل مقترحات المصالح اللاممركزة وإعداد المناقشات، فهذه الأخيرة تكون فرصة لتأسيس مواجهة بين وجهات النظر للطرفين حول جودة الأهداف (المصداقية وإمكانية الثقة…)، حيث إن وسائل اعتماد الموارد وكيفية تتبع تنفيذ هذا الاعتماد يفتح في أساسه قاعدة للعمل الرضائي الذي يلزم الطرفين أثناء مسلسل تطبيق البرنامج.
إن مناقشة ميزانية النتائج يقودها المسؤول عن المصلحة اللاممركزة، وتشترك فيها أغلب مديريات الإدارة المركزية، الأمر الذي يستوجب وضع تنسيق فعال على مستوى الإدارة المركزية مع مراعاة عدم التأخر في المناقشات وضياع الموارد.
بناءا على نتائج هذه المناقشات، تنهى المصلحة اللاممركزة وثائقها التعاقدية والقوائم بتصديق الإدارة المركزية، إذ أن ميزانيات البرامج بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة تخضع لتوقيع الوزير المكلف بالقطاع الوزاري وبعدها لكل رئيس مصلحة لا ممركزة، وتجب الإشارة أن مدة هذه المرحلة لا ينبغي أن تتجاوز شهر.
- المرحلة الرابعة: إعداد ميزانية البرامج
إعداد ميزانية – البرامج للوزارة على أساس مختلف ميزانيات – البرامج المقررة مع المصالح اللاممركزة، الإدارة المركزية تقوم بتدعيمها بالنظر إلى إنشاء ميزانية البرنامج للوزارة.
ثانيا: تتبع تنفيذ التزامات ميزانيات البرامج
يعد التتبع عنصر جديد في التدبير الميزانياتى المتمحور على النتائج، حيث يسمح بتقييم اكثر دقة ممكنة للتدبير المالي للمصالح اللاممركزة، فميزانيات البرامج تقدم على شكل وثيقة لنموذج تعاقدي، فمن جهة أولى تتضمن الالتزامات المتبادلة بين الإدارات المركزية ومصالحها اللاممركزة، ومن جهة أخرى مجموعة من المؤشرات التي تندرج في جدول أو عدة جداول للمعطيات [37].
لكن، ما هو مضمون هذه المؤشرات ؟ وكيف يتم إعدادها؟
- مضمون المؤشرات
المؤشرات متنوعة لقياس أو تقدير كلى أو جزئي لحالة معينة أو نشاط أو برنامج معين، وهى أليات اكثر وأقل تعقيدا لقياس النتائج، فالمؤشر هو نتاج مجموعة من العمليات التجريبية التي تمارس لمساعدة إحدى الأجهزة لمدها بالمعلومة.
إن مؤشرات الجودة تقوم على الخاصيات التالية [38]:
- الدقة وغياب الالتباس: المؤشر سيحدد جيدا وبدقة كيفما كان الحساب ويقدم التأويل البسيط بكيفية متناسقة ودون لبس.
- سهولة الإعداد: استقبال المعلومات الضرورية لحساب المؤشر والذي لا يقدم صعوبات مهمة.
- الملاءمة والخصوصية: اختيار المؤشر الذي يمكنه الإجابة على مشكل بهدف تنوير خصوصي على نشاط أو برنامج مدروس أو تحليله.
- التحسيس: قيام المؤشر بالتحسيس بتحولات حالة مجال أو قطاع لنشاط أو برنامج يخص ضمان تقدير أحسن لتطور نتائجه وتقدم المؤشرات على شكل:
- مؤشرات بسيطة تثير ملاحظات.
- مؤشرات مركبة ناتجة عن تقرير.
- مؤشرات تقدم أنواع الخصوصيات.
- مؤشرات النشاط بقياس الإنتاج.
- مؤشرات جودة الخدمة وتقاس على أساس المخصصات المسلمة إلى مستعملي المرافق العمومية وملاءمتها لطلبهم.
- مسلسل إعداد المؤشرات
مسلسل إعداد المؤشرات يمتد إلى:
- كل عملية خاصة في كل قطاع وزاري.
- تحديد الأهداف المحددة في كل قطاع حسب البرنامج، وتحت البرنامج وتقدم من طرق البنية اللامتمركزة، وهذه الأهداف تكون متسلسلة.
- اختبار المؤشرات.
لكن، لكى نتمكن من تحقيق رقابة على التدبير الميزانياتى المتمحور حول النتائج لابد من تعبئة وسائل المعلومات والتواصل بالمعلومات في سبيل تحقيق شفافية النفقة العمومية.
- وسائل المعلومات
لابد من معرفة ما يجري داخل الإدارة اللاممركزة المكلفة بجمع المعطيات وأعداد المؤشرات وفحصها، هذه البنية الإدارية تعد كمسؤول يحدد سند ومحيط جمع المعلومات وطرق نشر المعطيات التي تكون على شكل مؤشرات، كما أن جدول المعطيات يؤسس ألية لتحليل الحالات المعاينة على أساس المؤشرات ويسمح بتحليل وتفسير المعلومات حول مكان تنفيذ النفقة، ومن خلال النتائج المحققة يتم إعداد الأعمال الجديدة لتحقيقها بشكل اكثر نجاعة.
ونشير إلى أن المغرب انخرط بموجب اقتراح صندوق النقد الدولي (FMI) في القاعدة الخاصة بنشر المعطيات (Normes spéciale de diffusion des données) في أكتوبر 2005، حيث تنشر المعطيات حول المالية العمومية حسب التاريخ الميلادي وفى مدة مدققة [39]، فهذا الإجراء في نظرنا مهم في سبيل تفعيل الرقابة البرلمانية على المالية العامة، فالأمر يحتاج إلى تتبع البرلمانيين لهاته المعطيات لكى يمارسوا أهم وظيفة وهى الرقابة على التدبير الميزانياتى عبر النتائج.
إن الإصلاح الميزانياتى المرتكز على مقاربة النتائج والانتقال من ميزانية الوسائل إلى الأهداف جاء بمجموعة من الإجراءات المتكاملة فيما بينها من خلال[40]:
- جعل الإدارة اكثر قربا من المواطنين للاستجابة لانشغالاتهم بصورة أفضل، ولضمان المساواة فيما بينهم في الاستفادة من خدمات المرافق العمومية.
- تقوية الحوار المباشر بين الدولة وشركائها المحليين، أي الجماعات المحلية والقطاع الجمعوي والقطاع الخاص بهدف استعمال الروابط الأكثر توافقا مع الواقع الاجتماعي.
- تعزيز انسجام تدخلات الإدارة الترابية والتنسيق فيما بينها لوضع برمجة كر نجاعة على الصعيد المحلى.
وعليه، فتحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى مقاربة جديدة للتدبير المالي للدولة سواء على الصعيد المركزي أو على صعيد المصالح اللاممركزة تتمحور حول النتائج، الأمر الذي يستدعى إصلاح نظام المراقبة المالية بتحسين تدخلها، حيث يجب إقرار نظام جديد للمراقبة يرتكز على تخفيف الرقابة القبلية والاحتفاظ بها لأنها ضرورية ومبدأ مؤسسا للمالية العامة، وإذ بدورنا نساير هذا الاتجاه الذي يرى أنها مراقبة للمشروعية وضمان الترخيص البرلماني، وتتوخى إضفاء المصداقية على عمل الدولة والوقاية من الخروقات القانونية ولها دور بيداغوجى تجاه المحيط، وتقوم بدور إخباري فيما يتعلق بتنفيذ الميزانية
والمساهمة في تحديث التدبير وتحديث المراقبة نفسها [41].
وعليه، نؤكد أنه لابد من التوجه نحو تقوية الرقابة البعدية على تنفيذ الميزانية، لكى تستجيب للتدبير الميزانياتى المرتكز على النتائج، وتسمح بالمتابعة الدقيقة للاعتمادات المدبرة من طرف المصالح المركزية وتلك المحولة إلى المصالح اللاممركزة، وأفضل جهاز بإمكانه القيام بذلك هو البرلمان، لأنه المؤسسة المحايدة والجهاز المقابل للحكومة ويستطيع مراقبتها، فما عليه إلا أن يتفاعل مع المنظور الجديد للتدبير الميزانياتى، فالإصلاح الميزانياتى يعد فرصة أمام البرلمان المغربي ليستعيد وظيفته الرقابية على المالية العامة.
المطلب الثاني: مراجعة بنية وتقسيم الميزانية: نحو تبني التدبير الاستراتيجي للنفقات العمومية
لاشك أن الميزانية هي الأداة التي تعتمد عليها الدولة للحصول على الإيرادات الضرورية لتغطية النفقات، لكنها أيضا أداة للتحكم في الاقتصاد، فكلما عالجنا موضوع الميزانية العامة، إلا ويظهر أنها تحتفظ بخصائص متميزة، ويلزمها الإطار المناسب الذي يسمح باستخدامها كأداة أساسية لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك يمكن التأكد بأن السياسة الموازنية تتحدد أبعادها بالدور الذي تضطلع به الدولة في النشاط الاقتصادي، وبأن نجاحها في تحقيق أهدافها على المستوى الوطني يتوقف على عاملين أساسيين، ما يملكه المجتمع من موارد اقتصادية ودرجة الكفاءة في استخدام هذه الموارد في عمليات الإنفاق.
والحقيقة أن الميزانية كانت ولا تزال في الأصل، هي ذلك المفهوم المركزي الذي يهيمن على مجموع المالية العامة، فجميع الأليات المالية كانت محكومة مباشرة أو بشكل غير مباشر بالميزانية، وبالتالي فإذا كان المفهوم الكلاسيكي يحدد الميزانية في كونها عبارة عن نفقات وإيرادات الدولة، فإن هذا المفهوم عرف تطورات مهمة شملت هيكلة الميزانية ووظائفها[42].
وفى إطار إعادة الاعتبار للقانون الموازنى بناء على الدستور والقانون التنظيمي للمالية، يلاحظ في المغرب بأن البنية والتنظيم المالي للحماية قد طبعت بقوة أليات ويبية الميزانية.
وبهذا الخصوص يمكن القول بأن الميزانية العامة أو السياسة الموازنية بالمغرب قد تطورت بشكل مهم، بحيث انتقلت من مجرد إدارة التوازن المالي سنوات الستينات، إلى إدارة العجز الموازنى سنوات السبعينات وبعد ذلك ومنذ مجيء عقد الثمانينات عملت على تقنين اختيارات الميزانية مع تطبيق برنامج التقويم الهيكلي إلى غاية سنة 1993 [43]، ليبدأ التفكير في أساليب جديدة للتدبير الموازنى.
وفى كل هذه المراحل ظلت الميزانية مشدودة إلى خدمة الديون، الشيء الذي دفع المهتمين بالشأن المالي إلى المناداة بتغيير ينية الميزانية والقيام بالإصلاحات اللازمة في سياق مقاربة جديدة تهدف إلى الرفع من أدائها وفاعليتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية[44]، وتشكل ميزانية الأداء، نموذجا عمليا لهذه المقاربة (الفقرة الأولى)، في مقابل اعتماد تدبير للنفقة العمومية يندرج في إطار المقاربة القائمة على تدبير وتقييم النتائج (الفقرة الثانية ).
الفقرة الأولى: نموذج ميزانية الأداء
تعود الإرهاصات الأولى لميزانية الأداء إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما برز دورها في تنظيم الحياة العامة وتوجيه الاقتصاد الوطني، وهذا ما دفع إلى تشكيل “لجنة هوفر” بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي كلفت بإجراء دراسة تهدف تغيير نظام الميزانية العامة.
وكان من أبرز توصيات هذه اللجنة العمل على تعديل الفكرة الكاملة التي تقوم عليها الميزانية التقليدية والأخذ بنظام الموازنة القائم على تحديد المهام والنشاطات والمشروعات، وتسمية ذلك بميزانية الأداء[45]. من هنا كان من الضروري أن يخضع هذا النظام لتطورات تاريخية حسب حاجيات وخصائص كل بلد.
تتلخص فكرة ميزانية الأداء في إعادة تقييم جانب النفقات العامة للميزانية بحيث تظهر ما تنجزه الدولة من أعمال وليس ما تشتريه من سلع وخدمات، وبالتالي، فإن الاهتمام في تقسيم ميزانية الأداء لا يوجه في المقام الأول إلى تحديد عناصر الإنتاج المستخدمة بكل وحدة إدارية بل إلى المنتج النهائي نفسه.
وتأخذ عناصر الإنتاج في هذا التصنيف وضعها الصحيح حيث ينظر إليها كأشياء بسيطة لا تشترى لذاتها بل لإنجاز عملية معينة أو تحقيق هدف محدد. وعلى ذلك، فالجديد في تقسيم ميزانية الأداء هو اختلاف النظرة إلى طبيعة الأشياء التي تشتريها الدولة، ومن ثم اختلاف طريقة تصنيف هذه المشتريات، فالتركيز ينصب على العملية النهائية وهذا
ما يسمى وحدة الأداء.
ولقد زاد اهتمام الكتاب على اختلاف تخصصاتهم في السنوات الأخيرة بموضوع ميزانية الأداء وترتب على ذلك تعدد التعريفات وغموض المصطلحات التي استخدموها في دراساتهم، فاستخدم الكثير منهم ميزانية البرامج وميزانية الأداء وميزانية الإنجاز كمسميات مختلفة لشيء واحد [46].
هناك عناصر أساسية لابد من توافرها كحد أدنى للعمل بنظام ميزانية الأداء:
أولا، أن تعنى بتكوين خطط الأنشطة وبرمجتها زمانيا، وهذا يعنى أنها تهتم بماذا تريد الحكومة أو أية منظمة من منظماتها أو إدارتها تحقيقه ولماذا ؟ وكم من وحدات العمل تريد إنجازه ؟ ومتى؟
ثانيا، أن تهتم بعملية التمويل وذلك بإحداث مقاربة بين تكاليف الخطط والنشاطات مع مصادر التمويل أي تحديد ما الذي يمكن إنجازه بالاستناد إلى مصادر التمويل المتاحة، وهذا يفترض حساب التكاليف بصورة دقيقة.
ثالثا، أن تهتم بتحقيق الخطط والأهداف التي تم اعتمادها خلال الوقت المحدد وطبقا لنظام وتوزيع الموارد المتاحة.
إن من شأن هذه العناصر، أن تفتح أبواب الدراسات الكمية التي أصبحت ضرورية لإنجاح أسلوب ميزانية الأداء، حيث لابد من قياس الأداء وقياس تكاليفه سواء كانت تكاليف مادية أو غير مادية، والعمل على تحويل كافة التكاليف إلى حسابات وأرقام مالية.
وهذا الأسلوب يشكل مجالا ملائما لتفعيل المناهج الحديثة في المراقبة [47]، فالقياس يساعد على تحديد الأسباب التي تؤدي إلى زيادة التكلفة لأحد النشاطات أو الأعمال، وهل جاءت هذه الزيادة نتيجة زيادة في حجم العمل المبذول أم لزيادة التكلفة الطبيعية الناجمة عن زيادة في الأثمان والأسعار، أم الانخفاض في الكفاية الإنتاجية للعاملين، أم لحصول هدر وإسراف.
ولتسهيل العمل بأسلوب ميزانية الأداء يمكن الاستفادة في المجال التطبيقي من بعض الخطوات والترتيبات التالية:
- تقسيم العمل إلى مراكز مختلفة وقد يكون ذلك حسب الهيكل التنظيمي.
- قيام كل مركز بتقسيم نفقاته إلى نفقات ثابتة وأخرى متغيرة.
- فصل تكلفة الأعمال الجاري تنفيذها عن تكلفة الأعمال الجديدة أو التي يرغب في توسيعها.
- تحديد التكاليف اللازمة لإنجاز الأعمال الخاصة بكل وحدة من وحدات الأداء، ثم لكل مركز من مراكز التكلفة، كذلك لابد من وجود بعض الشروط [48]:
- نظام مالي دقيق تتقيد به الإدارات الحكومية في الدولة،
- أفراد كفاء مدربون يعملون في الإدارات المالية والتنفيذية،
- نظام دقيق للمعلومات وتسجيل البيانات المالية والفنية،
- تعاون وثيق بين الإدارات التنفيذية وبين مديرية الميزانية.
علاوة على هذه الخصائص التي تجعل من ميزانية الأداء أسلوبا يستجيب لمتطلبات الأساليب والمناهج الحديثة في التدقيق والمراقبة، فإنها تتقاطع مع نظام التخطيط بل تشكل أداة أساسية في إنجاح المخططات الاقتصادية والاجتماعية التي يعمل بها المغرب.
وينبغي الإشارة في هذا الصدد إلى أن هناك تكاملا بين أسلوب ميزانية الأداء ونظام التخطيط، ويعود ذلك للتداخل الوظيفي بينهما من خلال عدم التركيز على عناصر أو بنود الإنفاق التي يحتكم إليها، والتركيز بدلا من ذلك على الإنجاز المطلوب تحقيقه، فأين يبرز هذا التكامل الوظيفي:
- إن ميزانيات الأداء تركز على النشاطات والأعمال التي تسعى الحكومة أو الإدارة المعنية لإنجازها خلال فترة الميزانية، وهى بذلك تتعامل مع كل نشاط أو عمل أو إنجاز وكأنه هدف في حد ذاته، وتصبح أهداف هذه الميزانية بالتالي متمثلة في إنجاز هذه النشاطات والأعمال. في حين أن المخطط يحتوي على الهدف العام الذي تسعى هذه النشاطات والأعمال إلى الوصول إليها، ثم يبدأ في تحديد أهم النشاطات والأعمال اللازمة لتحقيق ذلك الهدف بأقل تكلفة أو جهد، ومراعاة التداخل والترابط بين هذه الأعمال وضرورات التناسق بينها في إطار الهدف الواحد، وبذلك فإن المخطط يضيف للميزانية بعدا مستقبليا وتفكيرا بعيدا يتعدى حدود الجزئيات، ليبنى برامج ونظما شاملة وكلية، بينما تركز ميزانيات الأداء على أسلوب التعامل والتفكير الجزئي.
- إن المخطط يهتم بتقسيم النشاط العام لحكومة على المدى المتوسط والبعيد إلى برامج عديدة وعريضة، ويتكون كل برنامج من عدد من الأعمال والنشاطات التي يتكون منها كل عدد من وحدات الأداء، وهذا يؤدي إلى بعض الملاحظات:
- أن تكاليف كل برنامج تحتسب بجمع تكاليف وحدات الأداء المختلفة التي يتكون منها، وبذلك تصبح وحدات الأداء جزئيات هامة في إطار البرنامج الواحد.
ومن هنا يبدو التداخل ملحوظا بين ميزانية الأداء التي تركز على وحدات الأداء وتكاليفها وسبل تحقيق كفاءتها، والمخطط الذي يركز على كيفية الاستفادة من هذه الوحدات في تحقيق الأهداف الأساسية للبرنامج.
- يتم إعداد المخططات أساسا على ضوء إعداد ميزانيات الأداء الفعلية عن مرحلة سابقة أو يتم الاستعانة بميزانيات الأداء التقديرية في أول الفترة.
- إن ميزانيات الأداء تركز على ما تم إنجازه، وبالتالي فإنها تلعب دورا رقابيا وتقويميا هاما على النتائج، وما مدى ابتعادها أو قربها من التقديرات المحددة لها وعن مدى نجاح المخطط في استيعاب وفى تخطيط البرامج المرحلية، وهو بذلك يلعب دورا جديدا على مستوى العملية الإدارية، حيث تتعدى وظيفته الدور الرقابي لتصبح وظيفة تخطيطية بالدرجة الأولى، لأن التخطيط هو الذي يهدف إلى رصد الحركة في المستقبل.
لذلك وحتى يتحقق التمفصل الإيجابي بين الميزانية بهذا المفهوم الحديث والمخطط الاقتصادي والاجتماعي يجب أن يتضمن هذا الأخير بعض العناصر الأساسية [49]:
أولا، تحديد الأهداف التي تسعى الحكومة تحقيقها، وتحليل هذه الأهداف وبرمجتها في صورة عملية تضمن التعامل معها وتحقيقها وهذا يفترض أن ترتبط هذه الأهداف باتجاهات السياسة العامة وبالاختيارات القومية، السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
ثانيا، تحليل وبرمجة التكاليف الإجمالية لكل برنامج، وللبرامج المختلفة ضمن منظور تخطيط متوسط وطويل المدى.
ثالثا، تحديد وتحليل وتقييم البدائل المختلفة التي يمكن تحقيق الأهداف من خلالها، ولابد أن يتم التحليل والتقييم بالاستناد إلى أسلوب العائد التكلفة، ويمثل هذا العنصر الأساسي الذي يتم تحديد تكلفة الهدف.
ومن الطبيعي أن تختلف البرامج البديلة التي يتم المفاضلة بينها باختلاف مستوى التنظيم الإداري، فالبرامج البديلة التي يتم المفاضلة بينها على مستوى الحكومة تختلف عن البرامج البديلة على مستوى الوحدات الإدارية التابعة لكل قطاع وزاري.
وهكذا، من الطبيعي أيضا أن يستخدم في إجراء هذه الفاضلات واختيار البرامج كافة أساليب التحليل العلمي واتخاذ القرارات، ومن بينها أسلوب تحليل التكاليف والمنافع مع الأخذ في الاعتبار كافة انعكاسات البرامج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
الفقرة الثانية: التدبير الاستراتيجي للنفقات العمومية: نحو بناء نظام تدبير مندمج للنفقات
تعد النفقات العمومية أداة لإنجاز السياسات العمومية، لكن المراقبة عليها تميزت بعدم النجاعة وقلة الموارد البشرية المختصة والمتمكنة من تكنولوجيا المعلومة والتواصل العاملة بحقل النفقات العمومية، كما يلاحظ أن هناك استعمال متفاوت لتكنولوجيا المعلومات وتطوير غير منظم وغير متوازي للأنشطة المعلوماتية، وكذا انعدام التنسيق بين هذه الأنظمة، الأمر الذي تترتب عليه آثار عديدة كارتفاع الكلفة والبطء في إنجاز الطلبات العمومية والتأخر في إعداد الحساب الإداري ومشاريع قوانين التصفية، وارتفاع كلفة اقتناء وصيانة الأجهزة المعلوماتية.
أمام هذه المعطيات، لابد من بناء نظام تدبير مندمج للنفقات يعتمد على نظام المعلومات لتدبير النفقات لكل الفاعلين وذلك من خلال عقلنة وتبسيط المساطر والعمل على تقليص آجال معاملات النفقات العمومية وتسهيل تدخل الآمرين بالصرف وموردي الدولة في عمليات التدبير وتتبع النفقات والتوجه نحو تقليص إنجاز قوانين التصفية، وتتبع فعال لإنجاز قوانين المالية، وذلك ليكون رافعة لبرنامج تحديث الإدارة وإرساء قاعدة للإصلاحات ذات العلاقة بالميزانية، كما يتضمن نظام التدبير المندمج للنفقات عدة أبعاد أساسية [50]:
البعد السياسي: يتجلى من خلال تقديم الحسابات أمام البرلمان داخل الآجال الدستورية وتوفير شفافية اكبر في تدبير أموال الدولة وكذا التقيد بالمعايير الدولية والسليمة لتدبير المالية.
البعد الاستراتيجي: يتجسد من خلال المواكبة لسياسة تدبير النفقات بالنتائج الموجهة لتلبية احتياجات الإدارة ودعم اللامركزية وقيادة وتتبع دقيق للمساطر وسياق تدبير النفقات عن طريق لوحات قيادية ناجعة.
البعد المالي: وذلك من خلال تقليص كلفة المعاملات وآجال إنجاز الصفقات والطلبات العمومية، وتبادل الخبرات لتحقيق اقتصاد على مستوى استعمال وصيانة الأنظمة المعلوماتية.
البعد الوظيفي: وذلك بتحقيق تغطية شاملة لمجمل النفقات العمومية، وإدماج واستيعاب للمقاربة المرتكزة على ميزانية النتائج واستعمال الإعلاميات في كل المحاسبات.
إن مخطط إنجاز التدبير المندمج للنفقات، يتطلب تحليل مناخ تدبير النفقات العمومية عند الشركاء، وتجميع المعلومات الأولية حول النظم وتنظيم عملية تدبير النفقات العمومية داخل الوزارات والقطاعات،
وقد أسفرت النتائج العامة للعملية التي همت 33 قطاع واتضح أن قلة من الآمرين بالصرف هم الذين يتوفرون على تطبيقات معلوماتية لتتبع تدبير النفقات، وعلى إصدار ملفات للتبادل الإلكتروني في المعلومات.
إن إصلاح مسار النفقة العمومية مسألة مهمة وفى بالغ التعقيد، حيث من الضرورة أن تستجيب للتدبير الميزانياتى الذي يرتكز على مقاربة النتائج والتوجه نحو ترشيد وعقلنة تدبير النفقات العمومية التي ينبغي أن تتميز بالنجاعة والفعالية وملاءمتها مع الرقابة البعيدة التي يمارسها البرلمان، بالموازاة مع مؤسسات أخرى للرقابة على المالية من خلال قانون التصفية الذي أصبح يراقب النتائج والمنجزات، كما هو الشأن بفرنسا منذ 2001 بتبني الإصلاح المالي والذي يعد بمثابة إصلاح الدولة.
ولأهميته فقد تم التنصيص عليه دستوريا في دستور 2011، وهو ما لم يكن واردا في الدستور السابق، حيث كان قانون التصفية مؤطرا ومنصوصا عليه بموجب القانون التنظيمي لقانون المالية وليس بموجب الدستور.
هكذا، فقد تبنى المغرب الإصلاح الميزانياتى في 2001، وأدخل أليات جديدة للتدبير الميزانياتى تتأسس في الأساس على مقاربة الأهداف والنتائج.
المبحث ال ثالث
اعتماد الآليات الحديثة للتدبير المالي تفعيل للمقاربة الجديدة المرتكزة على النتائج
لقد تبنى المغرب الإصلاح الميزانياتى حيث انتقل من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج، وذلك في سبيل تحقيق مرونة اكبر في التصرف في الاعتمادات، حيث أصبحت عملية تدبير الاعتمادات عند الآمرين بالصرف تتميز بالبساطة وتم تحسين الالتزامات المتبادلة بين المصالح المركزية والمصالح اللاممركزة وذلك من خلال إقرار الشمولية في الاعتمادات (الفقرة الأولى)، وإدخال البعد الجهوي على الميزانية بتفعيل منطق الشراكة والتعاقد في التدبير الموازنى (الفقرة الثانية).
المطلب الأول: إقرار الشمولية فبم اعتمادات الميزانية Globalisation des credits
وهى أداة هامة من شأنها إعطاء ديناميكية لتحديث تدبير المالية العمومية وتكريس اللامركزية المالية حيث جاءت نتيجة تعقد مساطر الميزانية، وهى الآلية التي من شأنها تمكين المصالح اللاممركزة من اعتماد مقاربة أفقية فعلية في تدبير النفقات العمومية لأنها تسمح بتفويض سلطة تدبير الاعتمادات الموضوعة رهن إشارة هذه المصالح للمسؤول الترابي عنها[51]، طبقا لالتزام صريح ومتفق عليه مع إدارتها المركزية حول كيفية وضع برامجها [52].
وعليه سنحاول إبراز ماهيتها وشروطها (الفقرة الأولى)، ثم إبراز أهمية هذه الآلية في التدبير المالي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مضمون وشروط آلية شمولية الاعتمادات
يتعلق الأمر باعتماد مقاربة جديدة المنتظر منها أن تشكل قطيعة مع الماضي فيما يخص القواعد التي تتحكم في تدبير النفقات العمومية، بالتحول من منطق الوسائل السائد، والذي يكتفى بالسهر على استعمال الاعتمادات المتوفرة وفقا للقوانين والتنظيمات الجاري بها العمل، إلى منطق النتائج الذي يستلزم بالإضافة إلى ما سبق، اعتبار النتائج المحصل عليها مقارنة مع الأهداف المسطرة[53].
ومن ثم فإن شمولية الاعتمادات المفوضة تعتبر الآلية التي من شأنها تمكين المصالح اللاممركزة من اعتماد مقاربة أفقية فعلية لتدبير النفقات العمومية، لأنها ستسمح بتفويض تدبير الاعتمادات الموضوعة رهن إشارة هذه المصالح للمسؤول الترابي عنها.
وسيتم في مرحلة أولى تخويل سلطة التد بير للآمرين والآمرين المساعدين بالصرف على مستوى فقرات ميزانية الدولة، وستحذف تبعا لذلك، التأشيرة القبلية لوزارة المالية بالنسبة لتحويل الاعتمادات [54].
وكخطوة أولى في تنفيذ هذه المقاربة، تم بالموازاة مع قانون مالية سنة 2002 تعديل المرسوم المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية، لإضفاء المزيد من المرونة على شروط تحويل الاعتمادات بين السطور داخل الفقرات برسم ميزانية التسيير وميزانية الاستثمار [55].
وتطبيقا لهذه المقتضيات أصدرت الوزارة المكلفة بالمالية دورية تهدف إلى تدقيق كيفية إنجاز التحويلات ما بين السطور داخل نفس الفقرة برسم فصل المعدات والنفقات المختلفة وفصل نفقات الاستثمار، بالميزانية العامة وميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والحسابات الخصوصية للخزينة [56].
وتتوخى هذه المقتضيات تبسيط مساطر تدبير الميزانية وتوفير مرونة اكبر في استعمال الاعتمادات، وذلك بتمكين المصالح المعنية عند الاقتضاء، من القيام بإعادة توزيع اعتماداتها بين السطور داخل الفقرة، دون اللجوء للوزارة المكلفة بالمالية، في حين يتعين على القطاعات الوزارية القيام بإعادة هيكلة تفاصيل الميزانية بشكل تظهر معه بوضوح مختلف المهام والبرامج والمشاريع على مستوى الفقرات، ووضع أهداف يمكن قياسها ومؤشرات لتقييم النتائج مقارنة مع الاعتمادات المخولة على صعيد كل فقرة.
وستتيح هذه المرونة في استعمال الاعتمادات، التي تشكل المرحلة الأولى في تطبيق منهجية شمولية الاعتمادات المالية، إعطاء المزيد من المسؤولية للجهات المكلفة بالأمر بالصرف، والانتقال التدريجي في مجال تدبير الميزانية من منطق الوسائل إلى منطق النتائج.
وفى هذا الصدد، يتعين على الوزارات المعنية أن تتقدم بطلب للاستفادة من هذه المقتضيات خلال السنة المالية، شريطة تحديد مؤشرات مرقمة للأداء وبالموازاة مع الاعتمادات المخولة على صعيد كل فقرة من فقرات الميزانية، حيث يتعين ربط المؤشرات بكل فقرة من الفقرات بشكل يثبت العلاقة بين الاعتمادات المرصدة والنتائج المتوخاة من استعمالها، ويمكن أن تتخذ هذه المؤشرات شكل نسب مئوية أو وحدات أو أعداد حسب طبيعة ونوعية موضوع الفقرة المعنية.
وعليه يتعين على الآمر بالصرف اعتماد الإجراءات التالية:
- إعادة تصنيف بنود الميزانية قصد الحصول على فقرات منسجمة في مضمونها وذلك بتطابقها مع تنفيذ برنامج أو مشروع معين أو عملية محددة.
- وضع مؤشرات مرقمة بهدف تقييم مدى تحقيق الأهداف المتوخاة، بشكل يمكن معه الربط بين الاعتمادات المرصدة لهذا البرنامج أو المشروع والنتائج المنتظر تحقيقها من خلال إنجازه.
- عرض اقتراح على الوزير المكلف بالمالية، قصد اتخاذ قرار يرخص للآمرين بالصرف والآمرين المساعدين بالصرف، بموجب مقررات تغيير المخصصات المدرجة في السطور بنفس الفقرة داخل أبواب الميزانية العامة المتعلقة بنفقات المعدات والنفقات المختلفة ونفقات الاستثمار[57].
ومن شأن تطبيق هذه المنهجية الجديدة في تدبير الاعتمادات، توسيع مسؤولية المشرفين على المصالح اللاممركزة في اتخاذ القرارات الإدارية والمالية، حيث سيصبح بإمكانهم من جهة، القيام بالتعديلات الضرورية في استعمال الإمكانيات الإجمالية الموضوعة رهن إشارتهم، لملائمة برامجهم ومشاريعهم مع الأهداف المحددة لتحقيق التنمية، دون الرجوع إلى الوزارة المكلفة بالمالية قصد الترخيص بتحويل الاعتمادات وإعادة برمجة الاعتمادات المالية التي تكون قد توفرت من الاعتمادات والمفوضة لاستعمالات أخرى من جهة ثانية[58] في حين ستتيح الإجراءات المتعلقة بعدم تركيز الاعتمادات ربط علاقات شراكة مع الفاعلين المحليين وتحقيق أفضل النتائج لتدخلات المشرفين على المصالح اللاممركزة.
إن نجاح هذه المقاربة يستلزم التغيير في ذهنيات مختلف المتدخلين في تنفيذ الميزانية العامة، وبذل المزيد من الجهود لتحديد أهداف مرقمة بالنسبة لكل مشروع أو عملية أو نشاط يتم إدراجه في هذا الإطار، كما يستلزم هيكلة الميزانية بأسلوب يرتكز على التخطيط وتتبع الإنجاز وتقييم النتائج باعتماد التقييم الحديث في يبئه الميزانية، ولعل ميزانية البرامج والأداء تعتبر من الأشكال المتطورة للتقسيمات الحديثة التي تعمل على تطوير أساليب المراقبة من خلال التركيز على الأداء والإنجازات والتتبع والتقييم.
الفقرة الثانية: أهمية اعتماد آلية شمولية الاعتمادات
لإبراز أهمية هذه الآلية (شمولية الاعتمادات) سنقوم بمقارنتها مع النظام القديم حيث تبرز التغييرات التالية:
جدول المقارنة[59]
| النظام الجديد | النظام القديم |
| – تحسين نجاعة وفاعلية الإدارة. – ترشيد النفقات العمومية. – إشعار الآمرين بالصرف بمسؤولية أكبر في تدبير النفقات العمومية. – تحسين برمجة وتنفيذ ومراقبة النفقات العمومية. – استفادة الفئة المستهدفة من النفقات العمومية بشكل أقوى. – تقوية اللامركز باعتباره محورا أساسيا للإصلاح الإداري. | – نسبة صرف الميزانية ضعيفة في بعض القطاعات. – عدم استهلاك الاعتمادات بالكامل من الناحية الكمية في عدة قطاعات نظرا لكثرة الإجراءات والتأشيرات. – عدم تلبية حاجيات السكان في نفس القطاعات. – صرف الاعتمادات بشكل عشوائي وبصفة غير مستهدفة (خاصة في نهاية السنة وذلك من أجل تبرير صرف الاعتمادات ) أي لا تستهلك الأموال العامة في الأغراض المسطرة لها عند اعتماد الميزانية. |
قبل تطبيق هذه المقاربة كانت نسب صرف الميزانية ضعيفة في بعض القطاعات حيث كانت لا تتعدى أحيانا 50% وبالتالي بروز مفارقة تتمثل في عدم استهلاك الاعتمادات بالكامل في عدة قطاعات من الناحية الكمية، وعدم تلبية حاجيات السكان في نفس القطاعات، كما أنه في بعض الحالات تم صرف الميزانية بصفة غير مستهدفة وبشكل عشوائي، خاصة في الشهور الأخيرة من السنة بهدف تبرير صرف الاعتمادات، الأمر الذي يعنى أن الأموال العمومية لا تستهلك في الأغراض المسطرة لها عند اعتماد الميزانية[60]، وهو ما تهدف الإصلاحات المالية الجديدة إلى تجاوزه من خلال اعتماد ألية شمولية الاعتمادات عبر تحسين نجاعة وفعالية الإدارة، ترشيد النفقات العمومية وتقوية اللاتمركز باعتباره محورا أساسيا للإصلاح الإداري، وتعزيز استقلالية المشرفين على المصالح اللاممركزة إلى جانب إشعار الآمرين بالصرف بمسؤولية اكبر في تدبير النفقات العمومية واستفادة الفئات المستهدفة من النفقات بشكل أقوى.
إن اعتماد هذه المنهجية أدى إلى تحسين تنفيذ النفقات، حيث عرفت نسبة إنجاز النفقات العمومية تطورا مهما حيث انتقلت من 64% إلى 71.5% على التوالي خلال سنتي 2005 و 2007 في حين انتقلت الاعتمادات التي تم تفويضها للمصالح اللاممركزة (دون احتساب الإعانات من 34.39% سنة 2001 إلى 42.13% سنة 2006) [61] فيما يخص الأداء ونقصد به الاستخدام الأمثل للموارد لتحقيق أهداف محددة مسبقا وقياس التقدم المحرز فمحتوى الأداء هو زيادة في مرونة المسيرين في استخدام الموارد من خلال التحويل التدريجي للاعتمادات داخل البرامج، منح مسؤولية للمديرية لتحقيق الأهداف تقاس بمؤشرات الأداء[62].
وإذا كانت ألية شمولية الاعتمادات فعالة وأساسية في تدبير الميزانية وتستجيب لمسلسل تطور الرقابة على تنفيذ الميزانية، فما هي وظيفة التعاقد والشراكة كأليتين جديدتين تحاول الحكومة بواسطتهما القضاء على المشاكل المشتركة بين المصالح المركزية والمصالح اللاممركزة.
المطلب الثاني: إضفاء الطابع الجهوي على الميزانية وتفعيل منطق الشراكة والتعاقد في التدبير الموازني
يرمى هذا المرتكز إلى التمكن من جهة من التوفر على منظور واضح للأهداف المزمع تحقيقها، وللموارد المالية والبشرية اللازمة لذلك. ومن جهة أخرى، من تحديد بشكل واضح لحقوق والتزامات مختلف الشركاء فيما يتعلق بتحقيق تلك الأهداف.
وحيث أنه ابتداء من سنة 2002، تم الشروع في مسلسل تحديث المساطر المتعلقة بإعداد وتنفيذ قانون المالية، وهو ما يعرف بالمقاربة الجديدة لتدبير ميزانية الدولة والتي تقوم على أربعة ركائز أساسية وهى كالتالي [63]:
- إضفاء مزيد من المرونة على طرق تنفيذ قانون المالية عبر شمولية الاعتمادات.
- رفع وتيرة مسلسل اللاتركيز داخل الإدارات العمومية.
- إضفاء الطابع الجهوي على الميزانية.
- تشجيع علاقات الشراكة بين المصالح الخارجية للوزارات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين المحليين.
وهكذا، فقد تم إدخال الطابع الجهوي بصفة تدريجية على الميزانية، ابتداء من السنة المالية 2006، وذلك استجابة للمستلزمات الثلاثة التالية [64]:
- التعليمات السامية الواردة في الرسالة الملكية بتاريخ 9 يناير 2002 الموجهة للوزير الأول والمتعلقة بالتدبير اللامتمركز للاستثمار.
- إعطاء مزيد من الشفافية للمبادرات الحكومية ذات الطابع الجهوي.
- ترجمة سياسة اللاتركيز الإداري وسياسة القرب في الوثائق المتعلقة بالميزانية، وذلك في المناخ الجديد المتسم بشمولية الاعتمادات واعتماد التعاقد كوسيلة لتنفيذ الميزانية.
ففي إطار التوجه الحالي نحو دعم اللامركزية والجهوية من الطبيعي أن يعهد إلى المسؤولين المحليين بالسهر على تنفيذ مختلف المشاريع العمومية بالمناطق التي يتواجدون بها، ومدهم بالوسائل المالية عن طريق تفويض الاعتمادات المالية وتبسيط مساطر حركتيها، حتى تتحقق المرونة المطلوبة في برمجة عمليات الميزانية العامة للدولة، ومتابعة تنفيذها بفعالية من طرف أجهزة المراقبة الإدارية المختصة.
وعليه سنتطرق إلى كل من التعاقد كألية تهدف القضاء على المشاكل المشتركة، والشراكة كألية للمساهمة في التمويل.
الفقرة الأولى: التعاقد في التدبير الموازني كأداة للقضاء على المشاكل المشتركة
يعتبر التعاقد أداة رئيسية لتحديد نوعية العلاقات بين الإدارات المركزية ومصالحها الخارجية، تعميقا لعملية اللاتركيز الإداري وذلك بإدخال علاقات تدبيرية جديدة ترتكز على تحسين الأداء والنتائج واللاتركيز وتوسيع مجال مبادرات المديرين من خلال إبرام عقد بين الإدارة المركزية من جهة والمصالح الخارجية من جهة أخرى.
كما أن هذا النوع الجديد من العلاقة يسمح بإعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات على المستوى المحلى، وتنسيق وتوافق العلاقات على مستوى تحت دولتي، حيث إن الرؤية الجديدة للتدبير الميزانياتى تترجم بتشكيل علاقات بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة عن طريق عقد الأهداف، الوسائل، فبمقتضى هذا العقد المصلحة اللاممركزة تستلم أخذ تكليف لتحقيق عدد من الأهداف والإدارة المركزية تلتزم بالتمويل [65].
إن ألية التعاقد تهدف أيضا إلى مجاورة المصالح اللاممركزة في التنفيذ، وأن يتم إعداد علاقات وطرق التدبير بطريقة التعاقد حول النتائج الجيدة، مع مراعاة الفعالية والشفافية، كما تتوخى هذه الآلية إعادة توزيع المسؤوليات تجاه مستويات اللاتمركز الإداري وتقوية البرمجة وإمكانية تجميع المرافق اللاممركزة في قطب التنمية الجهوية [66].
كما يجب تعليل المشاريع والأهداف المتوخاة، وتحديد المؤشرات التي من خلالها يمكن قياس درجة تحقيق الأهداف، ومن جهة أخرى يجب القيام يبيان موجودات الوسائل البشرية والمالية الضرورية في تنفيذ المشاريع وتحقيق أهداف عقد النتائج -الوسائل.
إن هذه المعطيات تعطى للمصلحة اللاممركزة تأسيس مخطط عمل وميزانية البرامج في توافق مع الإدارة المركزية، إذ تلتزم هذه الأخيرة بمنح الوسائل الضرورية، خصوصا الميزانياتية قصد تحقيق المشاريع ومساعدة ودعم الإدارة اللاممركزة [67].
إن هذه المقاربة تم تطبيقها بالعالم القروي لإنجاز بعض المشاريع الصغرى كفك العزلة عن العالم القروي وإدخال بعض التجهيزات الصحية وبعض المرافق لفائدة الساكنة المحلية وذلك في إطار سياسة القرب التي تنهجها الدولة بغاية القضاء على المشاكل المشتركة بين مختلف القطاعات والفاعلين المتدخلين في برامج الإصلاح [68]، كما أن التقييم يتم بناء على بيانات وتقارير سنوية تقوم بإعدادها المصالح اللاممركزة وترسلها إلى الإدارات المركزية [69].
إن تنفيذ هذه الآلية من شأنه أن يحسن التدبير الميزانياتى في المغرب ويتماشى مع الإصلاحات التي تنهجها الدولة في إطار علاقاتها مع المحيط اللاممركز وتحقيق التنمية، ويساهم أيضا في تبسيط مساطر الرقابة على النفقات وملاءمتها للتدبير الميزانياتى.
ويتم تطبيق هذا النظام بشكل تدريجي على مدى ثلاث سنوات بحيث يتم إعداد رسالة تأطير العمل الاستراتيجي من طرف الوزارة موجهة للمصالح اللاممركزة، ثم تقوم كل مصلحة لا ممركزة بتحديد أهداف وبرامج العمل، بعد ذلك يتم مناقشة وإنهاء ميزانية البرنامج وبرامج العمل بتنسيق مع الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة لتأتى المرحلة الأخيرة مرحلة التقييم وتتبع الإنجازات عبر إعداد تقارير دورية من طرف المصالح اللاممركزة.
هذا النوع الجديد من العلاقة يسمح بإعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات على المستوى المحلى، وتنسيق وتوافق العلاقة على مستوى تحت دولتي، حيث أن الرؤية الجديدة للتدبير الميزانياتى تترجم بتشكيل علاقات بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة من خلال تحديد الالتزامات المتبادلة والأهداف المتوخاة في مقابل الموارد والإمكانيات المادية والبشرية والتقنية الموضوعة رهن إشارة هذه المصالح [70]، ومن شأن الالتزامات المتبادلة بين الإدارة المركزية ومصالحها الخارجية أن تبرز الأهداف ومؤشرات نجاعة أداء الإدارة اللاممركزة في نطاقها الترابي.
هكذا ستمكن عملية التعاقد من جعل المسؤولين المحليين اكثر وعيا بالمسؤولية من خلال إدماجهم داخل مسلسل التدبير الميزانياتى بشكل مباشر وعلى جميع المستويات ويمكن إبراز بعض المتغيرات التي كانت سائدة قبل تبنى تقنية التعاقد من خلال هذه المقارنة:
جدول المقارنة
| النظام الجديد | النظام القديم |
| علاقة تنسيق وشراكة في كافة مراحل المسلسل: – شراكة بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة – شراكة بين الفاعلين المحليين من أجل التخطيط والبرمجة – انخراط أكبر للمصالح اللاممركزة – تقترب أكثر من السكان – تتحمل مسؤولية أكبر – تبحث عن أقصى مستويات إنجاز المشاريع | دور المصالح اللاممركزةدور تنفيذي |
| برمجة دقيقة: – دراسة الحاجيات، وضع الأولويات، تصنيفها، وترتيبها – البحث عن الملاءمة بين الحاجيات والموارد – تحسين الأداء بنفس الموارد – البحث عن تعبئة أكبر للموارد والإمكانات | ضعف الفعالية في استعمال الموارد أو عدم استغلالها بالكامل |
| التكييف مع متطلبات النجاعة والمردودية: – تبسيط مساطر تدبير الاعتمادات اللاممركزة، وضع المؤشرات للتتبع والتقويم | ضعف في التدبير المالي |
إن وضع إطار تعاقدي لضبط العلاقات بين الإدارة المركزية والمصالح الخارجية والفروع، يضع علاقات الشراكة بين هذه المصالح ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين المحليين والجمعيات والقطاع الخاص، من أجل تعزيز مسلسل اللاتمركز واللامركزية الذي يشكل الإدارة الجوهرية للحكم الجيد المحلى بفعل اعتماده على سياسة القرب التي تتمكن من محاربة الفقر وتحسين ظروف عيش السكان من خلال اختيار دقيق للمشاريع وللمستفيدين منها، حسب استراتيجيات وأولويات معينة.
فإذا كانت العلاقة بين الإدارة المركزية والمصالح الخارجية هي علاقة وصاية أو رقابة الوحدات الأولى للثانية، فإن هذه الرقابة تقتضى التعاون والتوجيه والترشيد انطلاقا من مقاييس علمية عقلانية.
الفقرة الثانية: الشراكة للمساهمة في التمويل
إن اعتماد ألية الشراكة إلى جانب شمولية الاعتمادات والتعاقد، تعد من بين أهم حلقات الإصلاح الميزانياتى إذ تتم بين المصالح والفاعلين المحليين من جماعات ترابية وجمعيات وقطاع خاص [71]، حيث إن النسيج الجمعوي يتطور بشكل سريع فهناك اكثر من 300.000 جمعية تتوجه نحو تحقيق التنمية، فلقد تعددت التدخلات التي تستهدف القرب وتحقيق التنمية المستدامة والتوازن وذلك من خلال محاربة الفقر والأمية وكل أشكال الاستبعاد الاجتماعي.
غير أن هذه الآلية تتطلب إعطاء الأهمية للوسائل المالية بتوزيع 260 مليون درهم في السنة قصد تمويل عقود الشراكة [72]، كما أن نظام الشراكة يمكن مختلف الفاعلين أن يضعوا بشراكة مواردهم البشرية والمالية بغاية تحقيق الأهداف المتوخاة في المجال الاقتصادي والاجتماعي.
إن أهم الأهداف بصفة عامة التي تخص مسلسل الشراكة تتجلى فيما يلى [73]:
- إعمال إدارة القرب.
- تعريف الإطار الجديد للشراكة والمطابقة لمبادئ الحكامة الجيدة بين الإدارات اللامركزة والمتدخلين المحليين.
- زيادة قدرات عمل الدولة وشركائها والتي من شأنها تحقيق حركية أفضل للموارد المجهزة.
إن علاقات الشراكة تتجه نحو مشاركة الموارد البشرية والمادية أو المالية بالنظر إلى المخصصات الاجتماعية ومشاريع التنمية وتغطية الخدمات العمومية، كما يتم أيضا إعفاء تأشيرة مديرية الميزانية على قرارات منح المكافأة للمساهمة العمومية في الجمعيات بعنوان مشاريع الشراكة، فالشراكة تتوجه إلى تقوية علاقات الشراكة مع الإدارة والفاعلين المحليين والمفروض فيها احترام كل الشروط المحددة بموجب دورية الوزير الأول المتعلقة بالشراكة بين الدولة والجمعيات وتتجلى هذه الشروط فيما يلى [74]:
- تأسيس داخل كل وزارة مختصة على المستوى المركزي واللامركزي لجنة منتخبة مكلفة بنظام ملاءمة مستوى التمويل العمومية للمشاريع.
- إن المكافأة أو المساهمة المالية تكون على أساس معايير الأهداف والشفافية، والتدقيق في إطار كتيب للمساطر والذي تتولى إعداده كل مصلحة مختصة، حيث إنه في قاعدة الحسابات المصادق عليها عند المساهمة العمومية السنوية تكون في حدود 500.000 درهم.
تقييم ومتابعة المشاريع المنجزة في إطار برنامج الشراكة بإنجاز تقرير دوري يتعلق يبيأن تنفيذ المشاريع، هذا على أن “المخطط ” يكون التمويل والمحاسبة بناءا على تقرير وطني حول حالة الشراكة، كما أن التقارير النصف سنوية للتقييم وتتبع المشاريع التي توضع من طرف الوزارات النشيطة في إطار الشراكة تنقل قبل الأوان إلى الوزير المكلف بالمالية. وفيما يلى رسم بياني لتوضيح تقنية الشراكة:
إن تفعيل هذه الآليات الحديثة في التدبير الميزانياتى تتطلب تغيير عميق في ثقافة المسيرين بوضع الاهتمام على تخطيط الأهداف وقياس النتائج، كما أن هذه الآليات تتطلب بعد تدبيري لوظائف المسؤولية، فهذه الآليات توسع من هامش التصرف في الاعتمادات من طرف الآمرين بالصرف، الأمر الذي يجعلها تستجيب وتلائم نظام الرقابة البعدية والتي تتولاها أجهزة الحكومة والمحاكم المالية وكذلك البرلمان والذي يعد أهم جهاز في الدولة من خلال ممارسة الرقابة على التدبير المالي بتخويل لجان المالية الرقابة على تنفيذ النفقات والحرص على إعداد تقارير تعرض على الجهاز التشريعي قد تصل إلى حد مساءلة الحكومة وإحراجها، والبرلمان المغربي لابد أن يبادر ويستعيد وظيفته على ضوء الآليات الجديدة بتحقيق رقابة اكثر فعالية وتتيح الإمكانية للحديث عن الشفافية وتوضح الحقيقة للمجتمع حول مسار الأموال التي يؤديها كضرائب.
خاتمة
إن المقاربة الجديدة للميزانية تعتبر مشروعا جديا، بإمكانه المساعدة على الانتقال إلى تدبير مالي يتميز بجودة ومصداقية، لأنه يرتكز في توجيهاته الكبرى على ممارسة الإدارة للأنشطة المالية وفق مساطر وإجراءات واضحة، واعتماد أليات محكمة ومعقلنة لتجاوز الاختلالات التي يعرفها تدبير النفقات العمومية والاعتماد على مبادئ الدقة والشفافية والفعالية، والعمل على تحسين الأداء بتقديم الخدمات المطلوبة بشكل أفضل.
لكن هاته الإصلاحات المالية بالرغم من نجاح بعض الوزارات (كوزارة الصحة والمتطوعة الأولى) في تطبيقها بالاندماج الكامل في مختلف المراحل وإثر تفعيل أليات الإصلاح المالي في الجانب التدبيري والجانب الرقابي، قد عرفت مجموعة من الانتقادات. لذلك ينبغي في رأينا، انفتاح هذه التجربة على المؤسسة التشريعية وباقي مكونات المجتمع المدني المعنية، وذلك من أجل مساهمة الجميع في إغنائها وإثرائها وتقوية حظوظ نجاحها، لأنها في المحصلة ورش مجتمعي يعنى الجميع، والكل مطالب بالانتقال إلى التحديث والحكامة الجيدة في المجال المالي.
كما يجب تدعيمها بإصلاحات دستورية وقانونية شرط توفير الإرادة السياسية الصادقة، للوصول إلى مجتمع العدالة، الذي تتمتع فيه كل الكفاءات بتكافؤ الفرص والمساواة في الانتفاع من الموارد والنفقات العامة، التي تعد الميزانية السنوية للدولة ألية تجسيدها في الواقع، وتقوم على إحلال منطق النتائج محل منطق الوسائل الذي كان سائدا إلى وقت قريب.
[1] Oualalou (F.), Colloque international sur: « la reforme budgétaire et la gouvernance financière dans les pays du Maghreb le 4 mai 2007, Rabat.
[2] Oualalou (F.), op. cit.
[3] أنظر جريدة المعلم بتاريخ 02/08/2000.
[4] محمد حركات، “مظاهر الفساد الإداري وتداعياته”، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 11، يونيو 2000، ص. 8.
[5] المادة 36 من المرسوم عدد 388/06/02 بتاريخ 2007/02/05 ج.ر. عدد 5518 بتاريخ 2007/04/19.
[6] إدريس جناتي الغالي، “سياسة الميزانية بالمغرب”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية الحقوق، الدار البيضاء، السنة الجامعية: 1982-1983 ص. 19
[7] عبد الفتاح بلخال، “علم المالية العامة والتشريع المالي المغربي”، الطبعة الأولى، 2005، ص. 70.
[8] إبراهيم ايت باء، “النفقات التعليمية بالمغرب وإشكالية تمويلها، نموذج وزارة التربية الوطنية “، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية الحقوق، الدار البيضاء، السنة الجامعية: 2000- 2001، ص.11.
[9] قرار الوزير الأول رقم 3-07772 بتاريخ 5 رمضان 1428 ( 18 شتنبر 2007).
[10] ملد عويس، “منظومة الرقابة المالية بالمغرب أي دور لحماية المال العام”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية الحقوق، الدار البيضاء، السنة الجامعية: 2001-2002، ص. 3.
[11] خالد بوشمال، “البرنامج الحكومي لتأهيل الإدارة ورهان التحديث”، بحث لنيل دبلوم السلك العالي في التدبير الإداري، المدرسة الوطنية للإدارة بالرباط، السنة الجامعية: 2004-2005، ص. 19.
[12] جواب رئيس البنك الدولي، جريدة العلم عدد 16-16607 أكتوبر 1995، ص.8.
[13] عبد الله دمومات، الإصلاح الضريبي المغربي العام وبرنامج التقويم الهيكلي: محاولة في التركيب، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء 1995، ص. 48.
[14] أنظر تقرير البنك الدولي لسنة 1995 .
[15] منشور وزارة العدل حول الأيام التكوينية الخاصة بالإصلاح المالي المعتمد سنة 2006.
[16] محمد حنين، “تدبير المالية العامة الرهانات والإكراهات”، الطبعة الأولى، 2005، ص. 318.
[17] منشور الوزير الأول رقم 12-01 بتاريخ 25 دجنبر 2001 حول ملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز، الرباط في 9 شوال 1422 الموافق لـ 25 دجنبر 2001، ص. 3.
[18] دليل إصلاح الميزانية 2005، وزارة المالية، ص. 40.
[19] Benyahya (M.), le Budget de l’Etat, Collection « Guide de gestion », REMALD, n° 12, 2002, p. 50.
[20] Aiden (E.), « La réforme budgétaire au Maroc : cadre juridique et institutionnel », REM AD, n° 21, décembre 2005, p. 45-47.
[21] Revue Almaliya, n° 39 septembre 2006, p. 7.
[22] الحميد عواد، “قانون المالية 2006 ومستلزمات إصلاح الإطار المحاسباتى والميزانياتى”، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 21 دجنبر 2005، ص. 52.
[23] عبد القادر التيعلاتى، المالية العامة قانون الميزانية، منشورات المعهد العالي للدراسات القانونية والجبائية التطبيقية، الرباط، الطبعة الأولى 1995، ص. 39.
[24] محمد حركات، “حول بعض الشروط الكفيلة بتفعيل المراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة”، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 15، دجنبر 2002، ص. 46-41.
[25] أنظر منشور الوزير الأول رقم 08/2002 بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2003 الصادر بتاريخ 24 يونيو 2002.
[26] Circulaire n° 12-2002 du 25 décembre 2001 relative à l’adaptation de la programmation et de l’exécution du budget de l’Etat dans le cadre de la déconcentration.
[27] Ibid.
[28] محمد الشطون، “التدبير المالي بالمغرب: سؤال الحكامة ووظيفة الرقابة “، مجلة مسالك، عدد 15-16، 2011، ص. 7.
[29] أنظر:
– تصريح الوزير الأول أمام مجلس النواب حول حصيلة حكومة التناوب، غشت 2002.
– منشور الوزير الأول رقم 2002/8، رسالة توجيهية بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2003، الرباط في 12 ربيع الآخر1423 الموافق لـ 24يونيو 2002.
[30] مصطفى الكثيري، تأملات في التغيير والإصلاح بالمغرب، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2002، ص. 253.
[31] منشور الوزير الأول رقم 12/2001 حول ملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز، مرجع سابق.
[32] نفسه.
[33] الدليل الملحق بمنشور الوزير الأول رقم 12/2001 حول ملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز.
[34] أنظر عيسى عيسى، “المراقبة الإدارية على تنفيذ الميزانية العامة بالمغرب”، أطروحة لنيل الدكتوراه فى القانون العام، كلية الحقوق، الدار البيضاء، السنة الجامعية: 2004-2005، ص. 218.
[35] Circulaire n° 12-2002 du 25 décembre 2001 relative à l’adaptation de la programmation et de l’exécution du budget de l’Etat dans le cadre de la déconcentration.
[36] Circulaire n° 12-2002 du 25 décembre 2001, op. cit.
[37] Ibid.
[38] Ibid.
[39] Oualalou (F.), « Stratégie et axes de la réforme budgétaire engagée au Maroc », REMAD, n° 25, 2008, p. 20.
[40] راجع منشور الوزير الأول رقم 2001/12 بتاريخ 25 دجنبر 2001 السابق ذكره.
[41] محمد الشطون، التدبير المالي بالمغرب: سؤال الحكامة ووظيفة الرقابة، مرجع سابق، ص. 11.
[42] للاطلاع على تطور مفهوم الميزانية أنظر:
عبد القادر التيعلانى، المالية العامة: قانون الميزانية، منشورات المعهد العالي للدراسات القانونية والجبائية التطبيقية، الرباط،
الطبعة الأولى، 1995، ص. 27-41.
[43] Khoudry (D.), Finances publiques et management stratégique, Les éditions Al Ahmadiya, Casablanca, 1998, p. 43.
[44] أنظر بهذا الصدد: عبد القادر برادة، “تقويم السياسة المالية والاقتصادية بالمغرب”، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 21، 2005، ص.10.
مصطفى الكثيري، “تأملات في التغيير والإصلاح بالمغرب”، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2002، ص. 249-253.
Harakat (M.), Finances publiques et droit budgétaire au Maroc, Ed. 2002, chapitre IV.
[45] ألين سكيك، “الطريق إلى نظام التخطيط والبرمجة والموازنة، مراحل الإصلاح في مجال الموازنة “، ترجمة محمد سعيد أحمد، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، سلسلة “الفكر الإداري المعاصر”، عدد 4، القاهرة 1977، ص. 37.
[46] حامد عبد المجيد دراز، مبادئ المالية العامة، مركز الإسكندرية للكتاب، الإسكندرية، طبعة 2000، ص. 528.
[47] Khoudry (D.), Le contrôle des finances de l’Etat au Maroc, Editions Ediprim, 1992, p. 162.
[48] عيسى عيسى، “المراقبة الإدارية على تنفيذ الميزانية العامة بالمغرب”، م.س، ص. 225.
[49] عيسى عيسى، مرجع سابق، ص. 227.
[50] محمد الشطون، مرجع سابق، ص. 13-14.
[51] عائشة رحيم، “التدبير الجديد المرتكز على النتائج “، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية الحقوق الرباط، السنة الجامعية: 2007-2008، ص. 15.
[52]عائشة رحيم، مرجع سابق، ص. 10.
[53] كلمة السيد فتح الله ولعلو وزير الاقتصاد والمالية في إطار أعمال المناظرة الوطنية للإصلاح الإداري، المنظمة من طرف وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري يومي 7 و 8 ماي 2002، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 68، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2002، ص. 46.
[54] منشور الوزير الأول رقم 12/2001 حول ملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز الصادر في 25 دجنبر 2001، م.س، ص. 4.
[55] المرسوم رقم 2.01.2676 صادر في 15 شوال 1422 ( 31 ديسمبر 2001) بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.98.401 الصادر في 9 محرم 1420 (6 أبريل (1999 المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية، ج.ر. عدد 4965 بتاريخ 15 شوال 1422 (31 ديسمبر 2001).
[56] دورية وزير المالية رقم 483/E حول تطبيق المادة 17 المكررة من المرسوم رقم 2.98.101، الصادر في 26 أبريل 1999 المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية، كما تم تغييره وتتميمه، والصادرة في 28 فبراير 2002.
[57] أنظر المادة 17 المكررة من المرسوم رقم 2.98.401 صادر في 9 محرم 1420 (26 أبريل 1999) يتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية كما تم تغييره، ج.ر.، عدد 4688 في 9 محرم 1420 (6 ماى 1999).
[58]للاطلاع على مسطرة تحويل الاعتمادات وفق المنهجية الجديدة، أنظر دورية وزير المالية رقم 483/E، م.س.
[59] دليل إصلاح الميزانية 2005، ص. 35.
[60] عائشة رحيم، مرجع سابق، ص. 15.
[61] وزارة المالية والخوصصة، مديرية الميزانية.
[62] Tazi (S.), « Réforme budgétaire et renforcement de la performance de dépense séminaire sur la nouvelle approche budgétaire axée sur les résultats », Tunis 26 juin 2006, sur le site suivant : www.finances.gov.ma.
[63] أنظر الملحق العربي لمجلة المالية، العدد الأول، مارس 2005، م.ش، ص. 2، على الموقع الإلكتروني التالي:
www. Finances. gov.ma/ arabe
[64] نجيب جيرى، “إشكالية منظومة الرقابة المالية بالمغرب بين التقنين والتفعيل “، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، كلية الحقوق، طنجة، السنة الجامعية: 2007-2008، ص. 185.
[65] Sbihi (M.), Précis de gestion budgétaire, Edition Net Maroc, Rabat, 2007, p. 70.
[66] Belhiti (C.), « Nouvelle approche budgétaire axée sur les résultats : Cas de la santé et de l’université », REMAD, n° 21, 2005, p. 59.
[67] Sbihi (M.), Précis de gestion budgétaire, op. cit., p. 72.
[68] محمد الشطون، مرجع سابق، ص. 17.
[69] Belhiti (C.), « Nouvelle approche budgétaire axée sur les résultats », op. cit., p. 59.
[70] Sbihi (M), Précis de gestion budgétaire, op. cit., p. 72.
[71] الحميد عواد، “قانون المالية 2006 ومستلزمات إصلاح الإطار المحاسباتي والميزانياتي “، ص. 52-53.
[72] Belhiti (C.), op. cit., p. 59.
[73] Aiden (E.), « La réforme budgétaire au Maroc : cadre juridique et institutionnel », op. cit., p. 45-46.
[74] La circulaire du premier ministre n° 7/2003 du 27 juin 2003 portant sur le partenariat entre l’Etat et les associations.


