المصطفى قريشي
يمكن صياغة الإشكالية المحورية لهذا الموضوع كالتالي: إلى أي حد يمكن أن تساهم الحكامة الترابية في تجاوز إكراهات وصعوبات التنمية المحلية؟ وكيف يمكن لها أن تكرس التدبير الديمقراطي والحر للشأن المحلي؟ وما هي أبرز مقومات ودعائم الارتقاء بالتدبير الحكامتي للإدارة الترابية، في أفق تحقيق التنمية المستدامة؟ وإلى أي حد استطاعت الحكامة الترابية بلورة وخلق حكامة محلية فاعلة؟
يعتبر موضوع اللامركزية من أهم المواضيع التي استأثرت باهتمام المجتمعات الحديثة، نظرا لارتباطه بترسيخ الديمقراطية وبناء صرح التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتكريس العدالة الاجتماعية، من خلال توزيع الاختصاصات والمشاركة المحلية في صناعة القرار. وهكذا، نجد معظم دول العالم في عصرنا الحالي يزداد اهتمامها، يوما عن يوم، بالجماعات الترابية، كإطار ملائم للمساهمة في بلورة إستراتيجية جديدة للتنمية، قوامها الحكامة الترابية والتنمية المستدامة، غير أن ذلك لن يتأتى إلا عن طريق رد الاعتبار للإدارة الترابية للدولة وسن إصلاحات حقيقية.
أما التنمية، فتعتبر خطة شاملة وسياسة مجتمعية، تهم مناحي الحياة الاجتماعية الاقتصادية والتعليمية والثقافية والسياسية[1]. وتعني كذلك عملية انتقال من مستوى إلى مستوى أرقى، خلال مدة زمنية معينة، بناء على جهد إرادي، لتحقيق أهداف معينة محددة بتلك الفترة. يتضح من خلال ما سبق ذكره تواجد علاقة وظيفية بين الإدارة الترابية والتنمية المحلية المستدامة، حيث لن نستطيع تحقيق التنمية على المستوى الوطني، دون ترسيخ الديمقراطية المحلية، لأن غياب هذه الأخيرة يعتبر بمثابة عائق في وجه التنمية. ولذا، يجب الارتقاء بمستوى الإدارة الترابية، لكي تصبح فضاء استراتيجيا لتدبير الشأن العام المحلي، وفق مبادئ الحكامة الترابية التي تعتبر نمطا ومقاربة جديدة لتدبير محلي جيد، يهدف إلى تحقيق تنمية، تعتمد أساسا على توسيع المشاركة الشعبية وعلى الشفافية المالية وضمان الحرية بين كل الفاعلين. وقد عرفها كذلك البنك الدولي بأنها «أسلوب ممارسة السلطة في تدبير الموارد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، من أجل التنمية».
هذا، ولقد شكلت اللامركزية خيارا لا رجعة فيه وورشا وطنيا يحظى بالأولوية، وبالموازاة مع ذلك، شهدت وظيفة الجماعات الترابية بالمغرب تطورا تدريجيا[2]، منذ 1960 إلى يومنا هذا، حيث شكّل الميثاق الجماعي المؤرخ في 23 يونيو1960[3] أول نص ذا طابع عام، اعتبر بمثابة النواة الأولى للامركزية إدارية جعلت دور الجماعة آنذاك يقتصر على التسيير الإداري. وفي وقت لاحق، صدر ظهير 12 دجنبر 1963[4]، الذي أحدث بمقتضاه مستوى ثان من اللامركزية، متمثل أساسا في مجالس العمالات والأقاليم، ليتوج مسلسل تعزيز الديمقراطية المحلية مع صدور ظهير 30 شتنبر 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي[5]، والذي اعتبر وقت صدوره، انطلاقة حقيقية لمساهمة الجماعات الترابية في التنمية المحلية. وفي أبريل 1997، تم إحداث صنف جديد من الجماعات الترابية بمقتضى القانون المتعلق بالجهات[6]، وذلك بعد أن تم الارتقاء بالجهة إلى جماعة ترابية، بعد التعديلات الدستورية لسنتي 1992 و1996، لتشكل بذلك إطارا ملائما لتطوير آليات ومناهج جديدة، كفيلة بتثمين أمثل للموارد البشرية والطبيعية والبيئية للجهة.
ولإعطاء نفس جديد لنظام للامركزية ببلادنا، تم سنة 2002 إصدار القانون 78.00 بمثابة الميثاق الجماعي[7]، والقانون 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم[8]، كما شهدت سنة 2009 إصدار القانون 17.08[9]، المغير والمتمم للقانون 78.00، والذي يهدف بالأساس إلى مسايرة التحولات وتطوير أساليب التدبير المحلي، لتتوج سنة 2011 بدسترة الجهوية المتقدمة، لتمكين المغرب من جهوية متقدمة ديمقراطية الجوهر، مكرّسة للتنمية المستدامة والمندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، تكون مدخلا لإصلاح عميق لهياكل الدولة، من خلال السير الحثيث والمتدرج على درب اللامركزية والديمقراطية المعمقة والحكامة الجيدة والتحديث الاجتماعي والسياسي والإداري للبلاد.
وانطلاقا مما سبق، فإن الجماعات الترابية[10]، تعد أهم تجسيد للامركزية، والمجال الخصب لتحقيق التنمية المحلية الشاملة والمستدامة، مستنيرة بمبادئ الحكامة الجيدة والتدبير الحر؛ فمفهوم التنمية من المفاهيم الأكثر تداولا من قبل الأفراد والهيئات الحكومية، باعتباره الأداة أو الوسيلة التي من خلالها تستطيع هذه الدول مواجهة عوامل التخلف وإزاحة كل المعوقات التي تحول دون انبثاق الإمكانيات الذاتية الكامنة داخل كيان معين، وتوفير الترتيبات المؤسسية التي تساعد على نمو هذه الإمكانيات الإنسانية المنبثقة إلى أقصى حدودها[11].
إن نجاح التدبير التنموي الاقتصادي والاجتماعي للجماعات الترابية يمر حتما عبر توفير مجموعة من الشروط والتدخلات. وفي هذا الإطار، يأتي الجانب القانوني في مقدمة هذه المحددات، حيث يعتبر العنصر الأول والمؤسس لنوعية الأدوار التي تقوم بها اللامركزية الترابية. لذا، يجب توفر إطار قانوني محفز وأكثر إيجابية، كما يحتاج في تفعيله إلى محددات أخرى، وعلى رأسها الوسائل المادية، ذلك أن المالية المحلية تشكل أحد أهم الوسائل التي تؤثر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية. لكن، الإشكالية التنموية والتدبير الحكامتي لها يبقى رهينا بالمستوى التعليمي والتدبيري للمنتخبين المحلين الذين يملكون المبادرة ويحددون السياسة العامة لجماعتهم المحلية ويخططون لبرامجها.
ومما سبق، تتضح أهمية الحاجة إلى تغيير مقاربة الدولة للجماعات الترابية، من وحدات ترابية إدارية، إلى جماعات تنموية واقتصادية، تدبر وفق مبادئ الحكامة الجيدة، تعمل إلى جانب الشركاء الرئيسيين للدولة في المبادرات الكبرى، وتقوم بتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية وإنعاش الاستثمارات وحل المشاكل الاجتماعية؛ بمعنى تغيير طريقة تسيير الشأن العام المحلي، وذلك بالانتقال من النظرة التسييرية الضيقة إلى المقاربة التدبيرية التشاركية الحديثة والمتجددة.
أولا: دور الجماعات الترابية في التنمية والبحث عن الحكامة الجيدة
لقد أضحت الجماعات الترابية بالمغرب في الآونة الأخيرة إحدى المحددات الرئيسية للتدخلات العمومية في مختلف مظاهر الحياة العامة للدولة. ولم تأت هذه الأهمية بمحض الصدفة ولا من فراغ، بل كانت نتيجة طبيعية لتطورات وطنية ودولية، أملتها ظروف ومعطيات معينة، أفرزت لنا وحدات ترابية مبادرة، نشيطة، فعالة وساهرة على تدبير الشأن العام المحلي ومساهمة في القضايا الكبرى للبلاد.
ومن جملة تلك الظروف المتحكمة في تنامي دور الجماعات الترابية، ما يتعلق بالعوامل الدولية، والمتجلية أساسا في انتشار الفكر الديمقراطي والمشاركة السياسية ودعائم دولة الحق والقانون[12]، والتي تدعو إلى إشراك الساكنة المحلية في جميع المبادرات التي تهم الشأن العام المحلي، حتى تكون أكثر إسهاما في التعاطي مع الرهانات المطروحة عليها. وإذا كانت العوامل الدولية قد ساهمت بشكل كبير في تنامي الجماعات المحلية للعب دور أكثر ديناميكية، فإن المعطيات الداخلية كرست أيضا هذه الطفرة، نتيجة عدة أسباب؛ من بينها تراجع دور الدولة، بسبب أزمة القطاع العام وتزايد النفقات العمومية وسوء التسيير[13]، زيادة على مشكل المديونية وضعف مؤشرات الاقتصاد وانتشار الفقر والأمية والإقصاء الاجتماعي.
إن التنظيم اللامركزي[14] وما شهده من تطورات متلاحقة، يعتبر من أبرز حلقات المسلسل الديمقراطي، الذي يسعى إلى تعزيز الديمقراطية المحلية وتقريب سلطة التقرير من المواطنين وتمكينهم من المشاركة في تدبير الشأن المحلي، اعتمادا على الموارد والمؤهلات المحلية، لإنجاز مشاريع تنموية تستجيب لحاجياتهم الحقيقية، عن طريق هيآت منتخبة تتحمل مسؤولية تصريف الشؤون المحلية، لكن تحت رقابة سلطة الوصاية، حتى لا تفضي اللامركزية إلى تنازع في مصالحها أو بين تلك المصالح والمصلحة الوطنية، وذلك من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات المواكبة، والتي تعمل على تقوية دور المؤسسات التمثيلية وتمنعيها، وترمي إلى توسيع قاعدة الحريات، لضمان حقوق الأفراد والجماعات، من أجل إنشاء مجتمع حداثتي يكسب رهان التنمية ويتطلع إلى استشراف مستقبل أفضل.
إن تجربة الجماعات المحلية بالمغرب هي تجسيد لخيار اللامركزية الإدارية الذي اعتمده المغرب منذ الاستقلال، وهي تمثل خيارا لا رجعة فيه وورشا يحظى بالأولوية في السياسات العامة للمملكة. وتعني اللامركزية تحويل سلطة اتخاذ القرار إلى أجهزة، غير الأجهزة المركزية، خارج السلطة التسلسلية، ومنتخبة من طرف المواطنين. يتعلق الأمر إذن بالنظام الإداري الذي يعهد للجماعات المحلية بسلطة تسيير شؤونها الخاصة بواسطة ممثليها المنتخبين تحت وصاية السلطة المركزية؛ فاللامركزية لا تعني وجود كيانات محلية تنافس وحدة الدولة السياسية، بقدر ما يتعلق الأمر بتقسيمات إدارية ذات اختصاصات محددة، حسب حجم الوصاية التي تمارس الدولة المركزية، على وحدتها الإدارية المحلية؛ فإذا كانت اللامركزية تتضمن اعترافا للسكان – عبر منتخبيهم – في إدارة شؤونهم المحلية، فإن الوصاية تعتبر الضابط Le régulateur ) ( الأساسي في تحديد حجم هذا الاعتراف.
يعد النهوض والرفع من مستوى التنمية المحلية، أحد الأهداف الرئيسية والجوهرية التي من أجلها نهج المغرب نظام اللامركزية، بل هو بعد من أبعاده ورهان من رهاناته. حيث تسعى من خلاله السلطات المركزية، خلق أقطاب للتنمية المحلية، بتفويض مجموعة من الصلاحيات، للمسؤولين المحليين في جميع الميادين خاصة ما يتعلق بالمجال الاقتصادي والاجتماعي. ولكي لا يبقى عمل الجماعات الترابية ضمن المنظور الشكلي، ورغبة في تمكينها من ممارسة اختصاصاتها التنموية وجعلها نواة أساسية تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية والحركة الإنتاجية وجلب الاستثمارات وخلق الثروات وتوزيعها بشكل يلائم طموحات الساكنة الجماعية، قام المشرع بمنحها الإمكانيات والوسائل الضرورية، فأخصها بمجموعة من الموارد الجبائية والقروض والإمدادات، كما أمدها بهيئة من المنتخبين المحليين يسهرون على ترجمة تطلعات وحاجيات الساكنة المحلية، يؤازرهم في تحقيق ذلك الطموح هيئة من الموظفين المحليين.
وتأسيسا على ما سبق يتضح أن المشرع المغربي قد سعى إلى خلق الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي، وبالتالي المساهمة في حوكمة الجهاز الإداري اللامركزي وعصرنته وتقوية كفاءته، وإعمال مبادئ الحكامة، أملا في الوصول إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
بالرجوع إلى مفهوم الحكامة، نجد أن هذا الأخير قد تطور بالموازاة مع تطور مفهوم التنمية، لاسيما لما انتقل محور الإهتمام من التركيز على النمو الإقتصادي إلى التركيز على الرأسمال الإجتماعي ثم إلى التنمية الإنسانية، ليظهر مفهوم الحكامة بجلاء عندما أضحت التنمية تعتمد على نهج متكامل، يعتمد على مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل الأمد، ومرتبط بالتكامل بين النشاط الإجتماعي، الإقتصادي، السياسي، الثقافي والبيئي، ومستند على العدالة في التوزيع والمشاركة.
من هنا نشأت العلاقة بين مفهوم الحكامة والتنمية المحلية، لأن الحكامة هي الضامن لتحويل النمو الإقتصادي إلى تنمية حقيقية مستدامة، على اعتبار أن مسألة التنمية وأهداف الحكامة يعتبران المدخل الهام، بل الأرضية الوحيدة المنتظر منها تحقيق الإقلاع الإقتصادي والإجتماعي ، الأمر الذي جعل من مطلب الحكامة في بعده التنموي دعامة أساسية لتقوية مسلسل اللامركزية، وآلية أساسية في النهوض بالدور التنموي للجماعات المحلية بالمغرب.
وبالمقابل فإن عجز الطرق التقليدية في التدبير العمومي، عن التصدي لسيل المشاكل التي تعترض سبل تحقيق التنمية الإدارية بصفة خاصة، والمساهمة في تحقيق التنمية الشمولية بصفة عامة، بسبب نمطية أساليب التدبير وتأسيسها على مقاربة قانونية وموازناتية. وهي مقاربة أصبحت متجاوزة في ظل التحديات الخارجية والداخلية التي تحولت في ظلها الإدارة المحلية نحو تبني مقاربات وآليات الحكامة الترابية، التي أثبتت نجاعتها على مستوى حل الإشكالات التدبيرية[15].
إن تنمية الجماعات الترابية وتدبير شأنها اليومي مرتبط بشكل وثيق بنجاعة مسييريها وحرفيتهم وحكامة مجالسها، حيث أصبحت الحكامة الجيدة في المغرب هدفا أساسيا لكل سياسية عمومية تبذلها الدولة، وتوج هذا التوجه بتشريع دستوري متين، بتخصيص الباب الثاني عشر من الدستور 2011 للحكامة الجيدة، وكرسته مسودة مشروع القانون التنظيمي للجماعات، كتشريع قانوني يهم الجماعات الترابية، ويعكس ترسيخ المغرب لنهج الحكامة الجيد من مستوى المركزي إلى مستوى المحلي.
وعموما تعتبر الديمقراطية المحلية بحق أكبر دليل على انفتاح الدولة على مجتمعها، وقد وجدت في التنظيم الإداري المحلي فضاء خصبا للتطبيق العملي، ومجالا مناسبا لتنظيم مشاركة المواطنين في الحياة السياسية للبلاد[16]؛ وهكذا عرفت وظيفة التدبير المحلي عدة تطورات تبعا لتطور وظيفة الدولة، بحيث ارتبط مفهوم التدبير المحلي في بدايته بتمثيلية السكان وتقديم الخدمات الإدارية، ليتسع بعد ذلك ليشمل كل الميادين والمجالات.
يتضح من خلال ما سبق ذكره تواجد علاقة وظيفية بين الإدارة الترابية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث لا يمكن تحقيق التنمية على المستوى الوطني دون ترسيخ الديمقراطية المحلية لأن غياب هذه الأخيرة يعتبر بمثابة عائق في وجه التنمية، لذا يجب الارتقاء بمستوى الإدارة الترابية لكي تصبح فضاء استراتيجيا لتدبير الشأن العام المحلي.
ثانيا: العوائق البنيوية المعترضة للحكامة الترابية بالمغرب
رغم المجهودات المبذولة من طرف الدولة في السنوات الأخيرة لتعزيز الديمقراطية المحلية عن طريق توسيع مشاركة الساكنة المحلية في تدبير شؤونها، فإن واقع الحال يؤكد أن هذه الأخيرة ما تزال تشكو العديد من الإكراهات والمعيقات التي تحول دون تحقيقها للرهان التنموي المنشود. فمظاهر المحدودية كثيرة ومتنوعة، ويعود جزء منها إلى المنظومة القانونية وما يطبعها من ثغرات وإشكاليات متعددة، خاصة عدم ملاءمة النصوص القانونية للتدبير التنموي وغموض توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، إضافة إلى التقسيم الإداري والترابي الذي زاد من تخلف التنمية المحلي باعتبار أن المتحكم فيه هو الاعتبارات الأمنية والسياسية وليس الاعتبارات الاقتصادية والتنموية، بالإضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بالعنصر البشري، تتجلى في ضعف مستوى تدبيره للشأن العام المحلي، وبعض الإكراهات المرتبطة بالمالية المحلية ومكوناتها.
إن دراسة واقع التنمية المحلية تجعلنا نقف على مجموعة من الإكراهات والحدود والمعيقات التي تعاني منها؛ فبالرغم من منح المشرع المغربي للمجالس المحلية ولرؤسائها اختصاصات واسعة جعلتهما يمارسان صلاحيات مهمة في الشؤون المحلية، فإنه بالمقابل تم إخضاع تلك الاختصاصات للوصاية الإدارية المشددة، والتي تشكل مقياسا حقيقيا للاستقلالية التي تضطلع بها الجماعات الترابية[17].
وعلى الرغم من الإيجابيات التي طرأت على نظام الوصاية، فإنها ظلت محدودة، لكونها انحصرت في نقل بعض اختصاصات وزير الداخلية في مجال الوصاية إلى الولاة والعمال وتقليص آجال المصادقة. فتلك التعديلات لم تواكب الواقع العملي للجماعات الترابية ولم تتمكن من تجاوز الآثار السلبية للوصاية، حيث أصبحت هذه الأخيرة آلية للتحكم في حركية المجالس المنتدبة ومبادراتها، الأمر الذي يؤثر على فعاليتها ويعطل برامجها التنموية، ويشكل مسا حقيقيا بمبدأ استقلالية المجالس المنتدبة، لاسيما أنها تنصب على الاختصاصات الأكثر أهمية[18].
كما أن الممارسة أثبتت وجود العديد من الاختلالات التي كشفت أن الوصاية غطاء لمجموعة من التجاوزات، كغياب النزاهة والاستقامة، سواء لدى ممثلي سلطة الوصاية أو لدى المنتخبين، إضافة إلى استغلال سلطة الوصاية لنقص تأطير المستشارين وضعف مستواهم التعليمي وعدم استطاعتهم فهم فصول القانون، خاصة في الجماعات القروية. كل هذا أدى إلى حضور ثقيل لسلطة الوصاية، سواء بشكل مبرر أو غير مبرر.
تأسيسا على ما سبق، يبدو أن الوصاية تعيق عملية التنمية، وتحد من إعمال الحكامة الترابية التي أصبحت تفرض تجاوز مرحلة الوصاية الإدارية، بمفهومها الضيق والتقليدي، والمتجلي في الرقابة من أجل الرقابة[19]، مما يتطلب تدابير إصلاحية، حيث أوصت اللجنة الاستشارية حول الجهوية المتقدمة، بالقيام بعدة تدابير، يمكن إجمالها في تحويل مفهوم الوصاية إلى مفهوم المراقبة، الحد من الرقابة القبلية، وتقوية نظام التدقيق لصالح الرقابة البعدية، خاصة الرقابة القضائية، حيث ينحصر دور ممثل الدولة في حق الإحالة على القاضي الإداري لكل مقرر يعتبره غير قانوني[20]، كما نص على ذلك المشرع الفرنسي؛ وهي التوصيات التي تم تكريس بعض منها المشرع في مشاريع القوانين التنظيمية[21].
وعلى صعيد أخر، تجدر الإشارة إلى أن التقطيع الترابي بالمغرب أفرز لنا عدة ملاحظات منذ سنة 1959، حيث إن الهدف من هذا التقطيع لم يكن تنمويا، بل كان يستند إلى معطيات إدارية وسياسية، كما أن الخصوصية الترابية الحالية لا تنسجم مع الحقائق الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة، مما خلق تباينات كبيرة بين الوحدات الإدارية[22]. إن استنطاق مكونات بنية التنظيم الجهوي الجديد- مشروع التقسيم المقدم للمصادقة في 2015- حتى وإن كانت في ظاهرها تحمل مكامن التغيير والتجديد والتقسيم الذي استند على فلسفة وهيكلة جديدة، قائمة على أساس تحقيق الفعالية والتراكم والتجانس والوظيفية والقرب والتناسب والتوازن، وهي مقاربة ماكرو تنظيمية/ ترابية، لم تستطع أن تقطع مع المقاربات السابقة التي يغلب عليها الجانب الأمنو- تقني والإداري والسياسي، ولم تحدث أي قطيعة مع معطيات وركائز المغرب النافع والمغرب غير النافع، ذلك أن مضامين وتراسيم وإحداثيات التقسيم الجديد يكرس حالة من اللاتوازن وعدم التكافؤ بين الجهات، والتي من شانها أن تعزز براديغم الجهات الغنية مقابل الجهات الفقيرة؛ فالاعتماد فقط على المعطى الكمي، من خلال تقليص عدد الجهات، لا يمكن أن يعتمد أو أن يكون مؤشرا إيجابيا أو مقياسا للحكم على فعالية التقسيم الجهوي الجديد؛ فلا يمكن اختزال جل اختلالات التقسيم الجهوي في تضخم عدد الجهات (16 جهة) [23].
ووفق نفس المنطق السابق، عرفت مشكلة تداخل الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية وهيئاتها اتساعا وتعقيدا كبيرا، بالرغم من توالي صدور القوانين المنظمة للجماعات الترابية[24]. ويرجع تداخل الاختصاصات بين الدولة والجماعات الحضرية والقروية لعدة أسباب، يمكن تحديدها بصفة عامة في اعتمادها الصيغ العامة الموجودة في القوانين المؤطرة لاختصاصات الجماعات الترابية، الأمر الذي جعل من الصعب وضع حد فاصل بين تدخلات ومسؤوليات هذه الجماعات وتلك الموكولة للدولة ومؤسساتها وهيئاتها، حيث لا يمكن مع هذه الصيغ والمقتضى العام للاختصاصات وضع حد لتدخلاتها[25].
كما أن هذا التداخل قد تسبب فيه من الناحية العملية تعدد مستويات الجماعات الترابية إلى جانب الدولة وتعدد وحدات عدم التركيز الإداري، مما أفضى إلى تشابك التدخلات والأدوار، بحيث يصعب على المهتم والمتتبع لتدبير الشأن العام الركون إلى حقيقة الجهة المختصة للقيام بعمل أو نشاط معين أو إنجاز مشروع ما، الأمر الذي زاد من هذا التعقيد، بل قد تسبب في تداخل الهياكل الإدارية أيضا. يضاف إلى ما سبق جهل المنتخبين المحليين والأطر التابعة للدولة والجماعات الترابية بالنصوص القانونية الجاري بها العمل، والمتعلقة بتدبير مختلف الشؤون المحلية، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى التطاول على الاختصاصات أو التنصل من المسؤولية بدعوى عدم الاختصاص.
وتؤكد تجربة السنوات الماضية أن التداخل بين اختصاصات الدولة والجماعات الترابية له تجليات كثيرة، ويظهر في أكثر من ميدان، بل يمكن القول بأنه لا يخلو مجال معين منه؛ ففي المجالات الاقتصادية والاجتماعية، كما في مجالات التعمير والبيئة والتجهيزات التحتية يبدو تشابك الاختصاصات واضحا، اللهم إذا استثنينا الحالات التي يحتفظ فيها المشرع للدولة أو لإحدى الجماعات الترابية بصريح العبارة باختصاص قانوني معين.
ومن بين الصعوبات الأخرى التي يعاني منها التسيير المالي المحلي وتحد من استقلالية المالية المحلية، مسألة تعقد وبطء الإجراءات المتعلقة بمصادقة سلطة الوصاية التي تنصب في جزء كبير منها على الميزانية المحلية، بحيث تتبعها في كل مراحلها من تحضير ووضع وإعداد ومصادقة وتنفيذ، وكذا الحصول على الأداء لتنفيذ النفقات، الأمر الذي يتعارض والظروف الراهنة التي تفرض تدبيرا محكما للوقت[26].
إن تحقيق لا مركزية حقيقية، بالإضافة إلى توفر الموارد المالية رهين بوجود موارد بشرية قادرة على تدبير الشأن العام المحلي وتحقيق الأهداف المسطرة لبلوغ التنمية المستدامة. لكن الحقيقة والممارسة العملية أثبتت بأن مهام التسيير المحلي تعترضه مجموعة من الصعوبات، التي لها تأثير سلبي على سير المجالس المنتدبة، أهمها ضعف المستوى الثقافي والتعليمي للمنتخبين المحليين[27]. الذي يشكل عائقا أساسيا يحول دون إنجاح تجربة اللامركزية والنهوض بالمجتمع المحلي[28]. ويفتح المجال لاحتمالين، إما سوء تدبير الشأن المحلي وإما نقل ممارسة تلك الاختصاصات إلى سلطة الوصاية، وفي كل الحالات، هناك مساس بالديمقراطية المحلية وتطاول على مصالح الجماعة والمواطنين على السواء.
ومن جملة المشاكل، أيضا التي تعاني منها الإدارة المحلية، نجد ظاهرة غياب المنتخب المحلي، والتي أصبحت سمة غالبة في الإدارة المحلية. ولعل السبب الرئيسي في ذلك هو انعدام الوعي الحقيقي بأهمية الوظيفة الجماعية، كأسلوب يسمح بتحسين ظروف العيش، انطلاقا من القرارات التي يتخذها المنتخبون المحليون[29]، في الوقت الذي يرى فيه البعض بأن طبيعة مهام المنتخب المجانية – رغم التعويضات عن المهام التمثيلية التي أقرها الميثاق الجماعي الأخير- تعد مشكلا بارزا، تسبب في مشاكل عديدة، أهمها الغياب والتهافت على اقتسام التعويضات المنصوص عليها.
وبالإضافة إلى المشكل الذي يطرح على مستوى التوزيع اللامتكافئ للموارد البشرية، فإن هناك صعوبات أخرى تعترض الوظيفة العمومية المحلية، والتي يمكن إجمالها في عدم مسايرة النص القانوني المنظم للوظيفة العمومية الجماعية لخصوصية مهام الموظف الجماعي، وغياب التماسك بين سياسة التكوين المستمر والسياسات الأخرى المتبعة في تدبير الموارد البشرية (التوظيف، الترقية، الأجور، التعيين في مناصب المسؤولية…) وضعف التأطير داخل الإدارة.
ثالثا: المقومات الأساسية للارتقاء بالحكامة الترابية بالمغرب
لقد شهد مسار التنمية المحلية بالمغرب تحولات نوعية، مواكبة للتطورات والتراكمات التي زادت من اتساع المجالات التنموية – الاقتصادية والاجتماعية- التي تتدخل فيها الجماعات الترابية. ومن أجل الاستغلال الأمثل لتلك التراكمات، أصبح من الضروري العمل باحترافية أكبر في ممارسة تدبير الشأن العام المحلي، باعتماد مبادئ الحكامة المحلية التي أضحت تشكل إطارا مرجعيا جديدا، يسعى إلى ترشيد وعقلنة الموارد المحلية وتطويرها، بهدف تحقيق أقصى النتائج، والبحث عن المقومات الجديدة للارتقاء بتدبير التنمية المحلية، غير أن تحقيق هذه الغايات يبقى رهينا بإجراء إصلاحات متعددة واستخدام الطرق الحديثة في مجال تدبير الموارد البشرية، فضلا عن ضرورة تحسين الوضع المالي المحلي، وذلك تجسيدا لمفهوم الحكامة المحلية.
إن الجماعات الترابية لم تعد مجالا للتسيير العشوائي والتقليدي، بل الأمر يشترط وجود منتخب مؤهل ثقافيا وأخلاقيا للقيام بواجبه أحسن قيام تجاه المواطن. وعليه، فتكوين المنتخب المحلي عنصر لا محيد عنه في كل إستراتيجية حقيقية للتنمية المحلية[30]، باعتباره يتعلق بتنمية قدرات ومؤهلات المنتخبين المحليين في تسيير شؤونهم والنهوض بالمجتمعات المحلية[31]. كما أن تحسين مهارة المنتخب وإغناء تجاربه وتنمية مؤهلاته في التخطيط والتدبير، والرقي بالمنظومة البشرية إلى مستوى يضمن لها خلق الشروط والظروف التي تبعث على العمل الجاد والإبداع في ابتكار الحلول للإشكاليات التنموية، انطلاقا من الخصوصية المحلية، بما يستجيب للحاجيات المتجددة للمواطنين. لذا يتعين أن يتدخل المشرع لإقرار الحق في التكوين، على أن يكون شاملا وبصفة دورية لكافة أعضاء المجالس، ويستحسن أن يكون في بداية الولاية الانتخابية، ومطابقا للمهام التي يمارسها المنتخب بصفته عضوا في المكتب أو اللجان[32].
والجدير بالذكر، أن المناظرات الوطنية للجماعات الترابية شكلت إحدى الآليات والتقنيات في مجال تكوين المنتخب المحلي، باعتبارها فضاء يمنح الفرصة لمختلف الفعاليات، من جامعيين ومنتخبين ورجال الإدارة للتشاور والتحاور وتبادل الأفكار والاقتراحات وتقييم المنجزات وتقديم المقترحات والتوصيات، من أجل تقويم المنهج اللامركزي[33]. غير أن هذا التكوين يجب أن ينبني على إستراتيجية واضحة ومحددة في غاياتها، وضبط مصادر تمويلها، على أساس أن تقسم مسؤولية تطبيقها بين الدولة والجماعات الترابية والهيئات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى المعنيين بهذا التكوين ووضعيتهم. وينبغي أن يتم توجيه التكوين المستمر إلى إعادة تأهيل الموارد البشرية الجماعية وتوجيهها إلى الجانب التقني والتخصصات الجديدة التي تفتقر إليها الجماعات الترابية، من قبيل التدبير المالي، الجبايات المحلية، القروض، التخطيط، مراقبة التسيير، التدقيق الداخلي…[34].
إلا أنه، وبالرغم من ضرورة التأطير القانوني، فهو ليس المرجع الكافي لتطوير أداء المنتخبين المحليين؛ فقد أضحت مسألة تجديد النخب المحلية أمرا محوريا، على اعتبار أنها تمثل إرهاصا معنويا وماديا، يترجم بشكل أو بآخر حركية المجتمع، بما يضمن تحقيق التنمية والتدبير الجيد للشأن العام المحلي[35].
وفي الأخير، نقول بأن عملية تكوين المنتخب المحلي تشكل حجر الزاوية في العملية التنموية؛ إذ يلزم تزويده بمختلف الوسائل والآليات التي تمكنه من التدبير الجيد للمصالح المحلية وجعل العملية التنموية عملا يتسم بالجودة والفعالية، واللتان تعتبران أهم مرتكزات الحكامة المحلية. ويمكن إجمال هذه الإجراءات والآليات الحكامتية في ضرورة سن قانون خاص بالموظفين الجماعاتيين، تراعى فيه خصوصية الإدارات الجماعاتية، على مستوى مسطرة الإلحاق والترقية والتعويضات، وسن نظام الحوافز المادية والمعنوية، حتى يصبح الموظف الجماعاتي فاعلا في تدبير مصالح الجماعة، وبالتالي تشجيعه على تنفيذ مهامه بجد وكفاءة، إلى جانب العمل بالتكوين المستمر[36]، كما أن المسؤوليات الجماعية الجديدة تستوجب اتخاذ مجموعة من التدابير الناجعة والإصلاحات، لتشجيع الأطر الكفأة للإقبال على ولوج سلك الوظيفة العمومية الجماعية؛ إذ يرى أغلب رؤساء الجماعات الترابية بأن الحياة الوظيفية المنظمة بمرسوم 1977 لا تقدم أي حوافز بالنسبة للأطر العليا، لذا يجب تمكين الجماعات بنظام تعويضات محفز وجدير بالاهتمام.
إن إشكالات التوظيف بالجماعات الترابية كثيرة ومتعددة، ولعل ذلك لا يمكن تفسيره إلا بغياب الرؤية الإستراتيجية لتدبير الموارد البشرية لدى القائمين على الإدارة[37]. ولتجاوز هذا العجز في الكفاءات والفائض في الموظفين وإعمال مبادئ الحكامة الترابية، يجب ترشيد التوظيف ليقتصر على الحاجيات الحقيقية للإدارة وإعطاء الأولوية للأطر للرفع من مستوى تأطير الإدارة المحلية، والعمل على تجديد نمط التوظيف عبر تقنية التعاقد، على غرار ما هو معمول به في الدول الأنجلوساكسونية، والذي أثبت نجاعته وفعاليته، لارتباطه بمردودية وإنتاجية الموظف.
إضافة إلى ما سبق، تمثل الإدارة المالية الجيدة الدعامة الأساسية للحكامة الشاملة في شتى تجلياتها وتداعياتها، باعتبار أن التدبير المالي هو الأداة الأساسية التي تقوم عليها البرامج والمشاريع التنموية المحلية، غير أن ما يميز المالية المحلية هو ضعفها ومحدوديتها، الأمر الذي يستدعي دعمها وتطويرها، بغية إنعاش التنمية المحلية، شريطة أن تخضع في تدبيرها إلى المراقبة بشتى أنواعها؛ فقد أصبح التدبير المالي الجيد أو الحكامة المالية لشؤون الجماعة الترابية، يفرض نهج أسلوب عقلاني يفضي إلى البحث الدائم في خلق موارد جديدة، من شأنها أن تساهم في تنمية مالية الجماعات الترابية وتجاوز الأسلوب الكلاسيكي في التسيير، وإعادة النظر في نسبة الضرائب المحولة من طرف الدولة واعتماد معايير جديدة موضوعية في توزيعها على الجماعات الترابية بأصنافها، وذلك أخذا بعين الاعتبار الموقع الجغرافي والوضع المالي ومستوى برامج الجماعة ومدى تأهيلها للاندماج الاقتصادي وحل المشاكل الاجتماعية. وهذا ما دعا إليه تقرير اللجنة الملكية حول الجهوية الموسعة، حيث اقترح رفع نسبة الضريبة على الشركات المحولة لفائدة الجهات من %1 إلى %5[38].
إن الجماعات الترابية ملزمة بعقلنة وترشيد الموارد المتوفرة حاليا، ذلك أن جوهر إشكالية التسيير المالي بالنسبة للجماعات الترابية، هو كيفية تدبير الموارد المتاحة، بالنظر إلى حجم هذه الموارد، وبالنظر إلى الأولويات التي يجب تحديدها، انطلاقا من دراسة واقعية ومعمقة للمعطيات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وبالتالي فحدوث أي خلل في التدبير سيؤدي لا محالة إلى ضياع وهدر أموال وموارد هامة، الأمر الذي من شأنه تعطيل مسار التنمية المنشودة، وهذا ما يثبته الواقع العملي، زيادة على الارتجالية في صرف المال العام، وبالتالي غياب التخطيط؛ إذ غالبا ما يخضع التدبير لاعتبارات آنية دون الاستناد إلى برامج تحدد فيها الأولويات وتراعى في تنفيذها تطلعات الساكنة المحلية وحاجياتها الضرورية. إن سوء تدبير المالية المحلية يفرض ضرورة ممارسة الرقابة على صرف وإنفاق المال المحلي، بما يضمن حسن وعقلنة تدبيره.
وتهدف الرقابة على المالية المحلية، بمختلف أنواعها ومراحلها إلى ضمان احترام مبدأ الشرعية وتحسين مردودية التسيير المالي للجماعات الترابية، كيفما كانت هذه الرقابة. وهي لا تقتصر حاليا على ضبط المخالفات وتطبيق العقوبات، بل أصبحت تسعى إلى حث المسؤولين على اتخاذ قرارات ملائمة للظروف المالية والمخططات الاقتصادية وتحفيزهم على تحسين تسييرهم وتدبيرهم المالي، بحيث تعتبر مراقبة التسيير آلية رقابية حديثة تتوخى تقييم وتقويم مناهج التسيير داخل المؤسسات، عبر اقتراح الإجراءات التصحيحية قصد تحقيق الأهداف المعلنة، وهو ما يجعل منها مراقبة مندمجة في التسيير وليست خارجة عنه[39]. وتتجلى أهمية هذه الطريقة في التدبير في كونها عبارة عن مبادرة وليست تقنية مفروضة من الخارج؛ أي أن الجماعات الترابية هي صاحبة القرار في الاستعانة بها. كما أن هذه الطريقة في المراقبة تعتبر آلية تسمح بالتأكد من أن استعمال الموارد المالية يتم بكيفية فعالة[40].
وفي هذا الإطار، يعتبر التدقيق الداخلي أداة من أدوات الحكامة، وعرف بداية في المجال المالي والمحاسبي، قبل أن ينتقل إلى مجال المقاولة والإدارة، وهو ما كان يعرف بالتدقيق العملي[41]. ويعتبر التدقيق الداخلي من الركائز الأساسية للتدبير العمومي المحلي؛ فهو تقنية حديثة تقدم الكثير من المزايا والإيجابيات للتحكم في عمل الجماعات الترابية، سواء في الجوانب المالية أو المحاسبية أو التنظيمية بشكل دوري، وتفادي تبعا لذلك الخروقات القانونية والمالية التي أضحت ملازمة للعمل الجماعي، وبالتالي تحسين نظام المراقبة الداخلية. ويختلف التدقيق الداخلي عن مراقبة التسيير في كونه لا يكتفي بنقل المعلومات إلى المقررين، بل يتفحص أيضا مدى صحتها ويدقق في نتائج الرقابة ذاتها، كما يعمل على تقييم الأداء العام بها ومدى نجاعة نظامها التنظيمي والتدبيري[42]. ومن مزايا التدقيق كذلك تسهيل المهام على أجهزة الرقابة الخارجية[43]، خاصة المجالس الجهوية للحسابات في حالة الرقابة القضائية، والمفتشية العامة للمالية في حالة المراقبة الإدارية، حيث يكون من الأفيد إيجاد مخاطب لهذه الوحدات داخل الجماعات الترابية تقوم بتزويدها بالمعلومات المطلوبة في نطاق اختصاصها.
لقد تم إحداث المجالس الجهوية للحسابات في إطار تعزيز النظام الرقابي للمغرب، وكذلك من أجل التخفيف من ضغط الملفات المعروضة أمام المجلس الأعلى للحسابات، خاصة أمام تزايد عدد الجماعات الترابية. وتمارس المجالس الجهوية للحسابات رقابة قضائية على حساب الجماعات الترابية وهيئاتها وحساب المؤسسات العمومية والمقاولات التي تملك رأسمالها كليا جماعات محلية أو هيئاتها، أو مؤسسات عمومية خاضعة لوصاية الجماعات الترابية، والتي تتوفر على محاسب عمومي. وهذه المراقبة تنصب على مشروعية عمليات موارد ونفقات الجماعات الترابية [44]، وتشمل بالإضافة إلى مراقبة المحاسبين المحليين مراقبة الآمرين بالصرف على المستوى المحلى وكل شخص يثبت في حقه التسيير الفعلي. وتهدف هذه المراقبة إلى التأكد من قانونية العمليات المالية للهيئات المحلية[45]. كما يعتبر اختصاص رقابة التسيير اختصاصا إداريا محضا، ويستهدف تحقيق مراقبة شاملة ومندمجة لكل أوجه ومظاهر التدبير المحلي، وذلك عن طريق تقييمها لمدى تحقيق الأهداف، والبحث في طبيعة ونوعية العمليات المالية ومضمونها وتكلفتها ومردوديتها، والإدلاء عند الاقتضاء باقتراحات حول الوسائل الكفيلة بتحسين طرقه والزيادة في فعاليته[46].
رابعا: التدبير الحكامتي للإدارة الترابية
في إطار السعي نحو تكريس الديمقراطية المحلية، ومنح اختصاصات موسعة للجماعات الترابية، بات من الضروري اعتماد فلسفة التدبير الحكماتي، التي تقوم على أساس تدبير مخطط ومبرمج، يستجيب لأحدث معايير التنظيم والتسيير، ويعتمد على التوثيق الكافي للمساطر ولمواصفات المهام والأعمال، توخيا للفعالية والنجاعة، مع تعميم الحس بالمسؤولية والحرص الدائم على الشفافية، بغية تطوير الممارسات الإدارية وتعزيز الحكامة الإدارية، كما أن نجاح أي إدارة رهين بصياغة وتنفيذ الاستراتيجيات التي يعمد المنتخب المحلي بمعية الجهاز الإداري والشركاء إلى بلورتها وأجرأتها، من أجل ترشيد التدبير المحلي وتعميق الديمقراطية التشاركية. ومن ثم، الإدارة المحلية مطالبة، قبل أي وقت مضى، بتبني إستراتيجية إصلاحية وتحديثية[47]، تتسم بالشمولية والفعالية.
إن أهم تحدي يواجه الإدارة المحلية المغربية، لكي ترتقي بعملها من عمل تقليدي إلى عمل حديث، هو استعمالها لتكنولوجيا المعلومات. ويعتبر إدخال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ثورة حقيقية في عالم الإدارة، مفادها تحويل الأعمال والخدمات الإدارية التقليدية إلى أعمال وخدمات إلكترونية، تعمل على الارتقاء بأداء الإدارة المحلية وتحقيق الاستخدام الأمثل للخدمات بسرعة عالية ودقة متناهية.
وفي المجال التطبيقي، تحظى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الإدارة بأهمية إستراتيجية، لما تُسهم فيه من دعم ومساندة، في مجالات تبسيط الإجراءات الإدارية وتسهيل وتسريع عملية صنع القرار، وتمكين الإدارات من التخطيط بكفاءة وفاعلية وتقديم الخدمات الإلكترونية وفق معايير فنية وتقنية وجودة عالية تواكب العصر؛ فالمعلوميات، باعتبارها إحدى وسائل تحديث وعصرنة الإدارة، يراهن عليها العديد من المهتمين في إعادة ترتيب البيت الإداري وترسيخ الديمقراطية والحكامة الإدارية، والتخلص من طرق الإدارة التقليدية المتسمة بالبيروقراطية والانغلاق[48]. ولبلوغ جميع هذه الأهداف، لا بد من وضع مخطط استراتيجي لبلورة السياسة الخاصة بتنمية استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال بالإدارة المحلية، ومن تم تحديد خطة تدريجية على المدى المتوسط، لتعميمها على صعيد كافة الجماعات الترابية بأصنافها الثلاثة.
إن مبادئ الحكامة الجيدة تفرض إقامة تواصل دائم[49]، من أجل تحسين علاقة الإدارة بالمرتفقين، مما يخلق دينامية على مستوى تدفق المعلومات وتداولها بين مختلف الفاعلين، وبالتالي مساهمة الجميع في اتخاذ القرار وتنفيذه[50]؛ فهو بذلك اللبنة الأساسية لتحقيق وضمان تدبير تشاركي، وتقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى بخصوص الاستراتيجيات المفروض نهجها في مختلف القضايا، والوصول إلى الأهداف المسطرة ضمن برنامج عمل محدد ومضبوط، وبالتالي يلزم الإدارة العمومية بالتقيد بالشفافية والوضوح والمشروعية والإنصاف. ويهدف التواصل إلى ترسيخ العلاقة بين المسؤولين والموظفين وتمتينها، مما سيزيد في تحسين أدائهم ويضمن مردودية ذات جودة عالية، وتعزيز الثقة داخل الوحدة الترابية، وتقوية روح الانسجام والتماسك، وتداول فعال ومرن ومستمر للمعلومات بين المخاطبين، بهدف توحيد الجهود وبث روح التعاون بين الفاعلين.
وإلى جانب ما سبق، تعتبر الشفافية خاصية من خصائص الحكامة[51] وعنصرا من العناصر التي يجب أن يتأسس عليها التدبير الجيد للشأن العام المحلي، وتعني توفر المعلومات في وقتها وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع عليها[52]، مما يساعد في اتخاذ القرارات الصائبة وتوسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاربة الفساد. وإذا كان المفهوم الغربي لمبدأ الشفافية في الإدارات العمومية يعتبرها بمثابة صناديق من زجاج، تتيح للمواطنين تتبع طريقة تسيير الشأن العام المحلي من قبل المسؤولين بوضوح تام، ومن ثم مراقبتها وتقييمها فيما بعد والوصول إلى نتائج معينة يمكن الوقوف عليها في المحطات الانتخابية، فلا زالت هذه المعطيات غائبة في الثقافة التدبيرية المغربية، حيث أن المواطن مازال خاضعا للسلطة العمومية، في حين أن الصواب والمنطق يؤكد أن تكون الأخيرة (الإدارة )هي الخاضعة لسلطة الأول ومتأثرة بتوجيهاته[53].
إن حضور مبدأ الشفافية يساهم بشكل جلي في تعزيز الديمقراطية المحلية وترسيخ مبادئ الحكامة الترابية، في الوقت الذي يؤدي غيابها إلى فتح الباب على مصراعيه لبيروقراطية إدارية محلية معقدة بالإجراءات المسطرية والسرية في العمل ورتابة في الممارسة وبطئ في التنفيذ، وهذا ما لا يتماشى والمفهوم الجديد للتدبير والحكم الرشيد[54]. وتأسيسا على ما سبق، تبقى الشفافية خاصية أساسية لتعميق أسس الديمقراطية المحلية وتعزيز قواعدها وتوفير الأسس المناسبة للتدبير الجيد للشأن المحلي في المجالات التنموية.
وبالتبعية، يعد التخليق بدوره مدخلا رئيسيا للإصلاح الإداري ومرتكزا أساسيا لكل المبادرات الإصلاحية، ذلك أن معظم مظاهر القصور والاختلالات التي تشوب الإدارة تعزى في الأصل إلى انحطاط الأخلاق أو غيابها؛ فالأخلاق “هي أساس من أسس الدولة، تقوم بقيامها وتنهار بانهيارها”. إن هذا القصور في الجانب الأخلاقي بالإدارة المحلية يضرب في العمق كل اﻟﻤجهودات التنموية[55]، ويؤدي إلى إهدار جزء كبير من الموارد والرفع من تكلفة الأنشطة الاقتصادية والتجارية، بالإضافة إلى زعزعة النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي يتسبب في نفور المستثمرين وتكريس الأزمة بين الإدارة والمواطن[56]. ومن ثم، أضحت تنمية البعد الأخلاقي بالمرفق العام هاجسا رئيسيا يقتضي القيام بعدة إصلاحات تستهدف:
– وضع ميثاق أخلاقي في الوظيفة المحلية وإعداد مواثيق حسن السلوك؛
– ترسيخ مبدأ إقرار المساءلة وتقييم الأداء على جميع أعمال وأنشطة الإدارة المحلية والأشخاص العاملين بها، وتوطين هذه المهام ضمن اختصاصات أجهزة الرقابة الموجودة؛
– ضبط مفهوم السر المهني، تفاديا للغلو في التعاطي معه؛
– تعزيز الدور التحسيسي، من خلال التوعية والتربية والتواصل في مجال تخليق الحياة العامة.
وفي نفس السياق، فقد أظهرت الطرق التقليدية في التدبير الإداري المحلي عجزها عن التصدي لسيل المشاكل التي تعترض سبل تحقيق التنمية الإدارية المحلية بصفة خاصة، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة، والسبب في ذلك يرجع إلى نمطية أساليب التدبير وتأسيسها على مقاربة قانونية، وهي مقاربة أصبحت متجاوزة في ظل التحديات الخارجية والداخلية، الأمر الذي يقتضي نهج مقاربات جديدة، من قبيل المقاربة التشاركية وسياسية التخطيط الإستراتيجي.
هذا ويعتبر التدبير التشاركي ضرورة ملحة وآلية من آليات الحكم الرشيد، يؤمن النجاعة والفعالية في تسيير وتدبير الشأن العام المحلي، حيث يقوم هذا التدبير على إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات الحاسمة، سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة[57]؛ فالمشاركة العمومية تشكل إحدى المداخل الكبرى لملاءمة السياسات العمومية مع متطلبات المرحلة، خاصة مع ظهور مفهوم الحكامة أو التدبير الجيد الذي يتطلب ضرورة استيعاب مختلف الطلبات الصاعدة أو النابعة عن الفئات الاجتماعية وإدماجها في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية. ذلك أن إحدى أهم وظائف الديمقراطية المحلية هي إشراك المواطنين إشراكا حقيقيا في تسيير شؤونهم المحلية[58]. ذلك أن اللامركزية باعتبارها مشروعا فعالا للمجتمع تستدعي إشراكا فعليا للسكان في عمليات صياغة القرار التنموي وتنفيذه ومتابعته.
إن القيمة المضافة والنوعية للحكامة المحلية والتدبير التشاركي تتمثل في إدخال فاعلين جدد ضمن العملية التنموية، كضرورة حتمية لتحقيق التنمية البشرية والتنمية الشاملة والمستدامة، لأن القرار التنموي أصبح قرارا مشتركا بين جميع فئات المجتمع وهيئاته الرسمية، ولأن الجماعة المحلية لم توجد إلا بسبب كونها تنبثق من السكان وتحظى برضاهم ودعمهم، كما تعمل على خدمة مصالحهم اليومية[59]. وقد أكد الدستور المغربي المراجع أخيرا ذلك ونص على تقنية العرائض التي ستمكن السكان المحليين من تقديم وجهات نظرهم ومقترحاتهم وتوجهاتهم للإدارة والمجالس المحلية بشكل إيجابي.
إن التطور الذي عرفته الجماعات الترابية ببلادنا والرهانات المختلفة التي تعلق عليها في النهوض بالتنمية المحلية، يفرض على الدولة ضرورة تجاوز فكرة التخطيط واعتماد آلية التخطيط الاستراتيجي في تدبير الشأن العام المحلي[60]. وتتحدد أهمية التخطيط الاستراتجي في كونه يمكن الجماعات الترابية من تحديد الطريقة التي بواسطتها تتملك جماعة ما الأدوات والإمكانيات التي ستمكنها من تحقيق أهدافها والغايات التي تسعى الوصول إليها، وبذلك، فهو عملية مستمرة لتنظيم وتنفيذ قرارات الجماعات الترابية وتوفير المعلومات الكافية الخاصة بمستقبل تنفيذها وقياس نتائجها، على أن تعتمد في ذلك مقاربة تقوم أساسا على المرونة والتشاور الواسع والتنسيق مع مختلف الفاعلين والشركاء من إدارات عمومية وخواص.
ولهذا أصبح من الضروري وضع إطار قانوني واضح يبين بجلاء مسطرة وميكانيزمات إعداد المخططات التنموية وقنوات المساهمة فيها من لدن مختلف الفاعلين والشركاء، وخلق أجهزة قانونية للتنسيق والتشاور والتحاور حول مختلف الأمور التي تتطلبها عملية التخطيط، كما يجدر أن تلم إدارات الجماعات الترابية، وهيئاتها التنفيذية، إن لم تكن المجالس المنتخبة ذاتها، بالجوانب التقنية المرتبطة بكل آليات التخطيط والبرمجة ووضع المشاريع، وعلى الدولة من جانبها أن تلتزم بحد أدنى من التأطير لإستراتيجياتها الإجمالية والقطاعية والجهوية في مجال التنمية، مما قد يمنح للجماعات الترابية مرجعا موجها، ويضمن الانسجام والتفاعل والتكامل بين المخططات.
يمكن القول بأن مسلسل التغيير الذي تعرفه الدولة من جهة، والمتغيرات والتحولات التي يعرفها المجتمع محليا ودوليا من جهة ثانية، أصبح يفرض إعادة النظر في البنيات الإدارية المحلية اللامركزية، ببناء إدارة جماعية فاعلة لها من وسائل العمل ما يكفي لتمكينها في أرض الواقع من سلطتها، وتحكمها في اختياراتها التنموية؛ فنجاح الإدارة المحلية في القيام بمهامها التنموية لا يقتصر فقط على الاعتراف للهيئات المحلية المنتخبة بالاستقلال الإداري والمالي، وإنما يتوقف بشكل أساسي على مدى ما تتوفر عليه من عناصر بشرية مؤهلة، وموارد مالية كافية لتمويل أنشطتها وممارسة اختصاصاتها. وبذلك يشكل العنصر المالي والبشري تكاملا وظيفيا لإنجاح التنمية المحلية وتكريس الحكامة الترابية.
ولابد هنا من وضع إستراتيجية شاملة ومتكاملة، من أجل السهر على تأهيل الموظفين وضمان كفاءتهم، خاصة وأن التقنيات الجديدة في التدبير تتطلب كفاءات قادرة على خوض غمار التدبير التوقعي الذي يفترض استخدام مناهج صارمة في التحليل والتنبؤ، مبنية على البحث عن التطابق بين حاجيات الجماعة الترابية والوسائل المتاحة، وكذا خلق التلاؤم والانسجام بين المهام والمسؤوليات الإدارية ومؤهلات الموظفين. وفي إطار آخر، لا ينبغي أن يقتصر التكوين المستمر على المعارف والمعطيات الإدارية المحضة، بل يجب أن يتعداها إلى بعض المجالات الجديدة والتقنيات الحديثة، لاسيما تلك المتصلة بالتدبير المالي والمحاسبي، وتدبير الموارد البشرية والتركيز على الإدارة الإلكترونية، وكذا التعرف على آليات التواصل الحديثة، سواء مع الإدارات الأخرى أو مع المواطنين.
لذا، على الدولة الإسراع بتعديل جذري للميثاق الجماعي وتبسيط المساطر للتعامل مع الجماعات المحلية في كل المجالات التنموية، حتى تصبح الجماعات شريكا استراتيجيا في التنمية، في ظل تعزيز الديمقراطية، ودولة الحق والمؤسسات، وإرساء المفهوم الجديد للسلطة، وكذا توسيع استقلالية وصلاحيات المجالس المنتخبة، في مجال التنمية، فضلا عن تقليص الوصاية، وضرورة تعزيز المجالس الجهوية للحسابات، إصلاح النصوص الشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمحاسبة والقانون التنظيمي للمالية واعتماد نظام جديد وشفاف للمساءلة، وتوفير الشروط الموضوعية لتجسيد الممارسة الديمقراطية الحقيقية، بهدف جعل الجماعة المحلية فضاء تنمويا فعليا.
وختاما، ومن خلال العناصر السابقة يتضح بما لا يدع مجالا للشك، أن هناك ضرورة لإعادة النظر في السياسة التي تنهجها الدولة تجاه الجماعات الترابية، والقيام بإصلاحات تتناسب مع أهمية هذه الوحدات الترابية وما تختزنه من قدرات وطاقات من شأنها أن ترفع من المستوى التنموي الشامل للبلاد، خاصة بعد صدور دستور2011، والذي جاء ليرفع تحديات كبرى وإصلاحات هامة تمس جميع مناحي الحياة، بما في ذلك الشأن المحلي وتعميق الديمقراطية المحلية والحكامة الترابية. كما تم دسترة الجهوية المتقدمة التي يراهن عليها في النهوض بالاقتصاد المحلي. ومن خلال تصفح مشاريع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية يتضح التوجه نحو تكريس مبادئ الديمقراطية المحلية، وقواعد الحكامة الجيدة في تدبير الشأن المحلي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء آليات تشاركية للتشاور والحوار. لكن، وبالرغم من ذلك، فإن تلك المشاريع القانونية، وإن أتت بمستجدات متقدمة نسبيا، فإنها تشتمل للأسف الشديد على نقائص وثغرات وعيوب دقيقة وعميقة ما زالت تعتري مواد كثيرة نأمل أن يتم تداركها وتصحيحها.
هوامش
[1]– عبد الله شنفار: “الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية، دراسة سوسيو قانونية وتحليلية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، “سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية”، عدد 19، 2000، ص 18.
[2]-Mechrafi Amal: “Autonomie et développement local dans la nouvelle charte communale”, in Remald, série «thèmes actuels», Nº44, 2003, p 17.
[3] – ظهير شريف رقم 315.59.1 بشأن نظام الجماعات، الجريدة الرسمية عدد2487، صادرة بتاريخ 29 ذي الحجة 1379 (24 يونيو 1960)، ص1970.
[4] – ظهير شريف رقم273.63.1 بشأن تنظيم العمالات والأقاليم ومجالسها، الجريدة الرسمية عدد 2655 بتاريخ 24 ربيع الثاني 1383(13شتنبر1963)، ص2151.
[5] – ظهير شريف رقم 583.76.1 صادر بتاريخ 5 شوال 1396( 30 شتنبر1976) بمثابة قانون التنظيم الجماعي، الجريدة الرسمية عدد3335 مكرر بتاريخ 1 أكتوبر1976، ص3025.
[6] – ظهير شريف رقم84.97.1 صادر بتاريخ 23 ذي القعدة1417(2أبريل1997) القاضي بتنفيذ القانون 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات، الجريدة الرسمية عدد4470 بتاريخ3 أبريل1997، ص556.
[7] – ظهير شريف رقم 297.02.1 صادر في 25 رجب 1423(3 أكتوبر 2002)، القاضي بتنفيذ القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي، الجريدة الرسمية عدد 5058، بتاريخ 21 نونبر 2002، ص3468.
[8] – ظهير شريف رقم269.02.1 صادر بتاريخ 3أكتوبر2002، القاضي بتنفيذ القانون 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم، الجريدة الرسمية عدد 5058، بتاريخ 21 نونبر 2002، ص3490.
[9] – ظهير شريف رقم 153.08.1 صادر بتاريخ 22 صفر 1430 (18 فبراير 2009) القاضي بتنفيذ القاتون رقم 17.08 المغير والمتمم بموجبه القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي كما تم تغييره وتتميمه، الجريدة الرسمية عدد 5711 صفر 1430 (23 فبراير 2009)، ص536.
[10]– ظهير شريف رقم 91.11.1 الصادر بتاريخ 27 من شعبان 1432(29 يوليوز2011) والمتعلق بتنفيذ الدستور المراجع بتاريخ 1 يولبوز2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، صادرة بتاريخ 30يوليوز 2011، ص3600.
[11]– نبيل رمزي: التنمية، كيف ولماذا ؟ التنمية بين المفهوم والآليات، قضايا نظرية وبحوث ميدانية، دار الفكر الجامعي الإسكندرية، مطابع روبال، 1992، ص12.
[12]– D.Huron et J.Spindler : «Le Management public local », L.G.D.J , 1998, p. 2.
[13]– أحمد بوعشيق: ” المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة” ، الطبعة الثامنة، 2004، ص 123.
[14]– عبد الله إدريسي: التنظيم الإداري المغربي، مطبعة دار الجسور، وجدة، 2008، ص35.
[15]– بهيجة هسكر: الجماعة المقاولة بالمغرب (الأسس، المقومات والرهانات)، مطبعة طوب بريس، الطبعة الأولى-2010، ص، 120.
[16]– إبراهيم الزياني: ” دراسات في الإدارة المحلية من منظور علم الإدارة، دار القلم، الرباط، طبعة 2000، ص- 21.
[17]– أمل المشرفي: ” الوصاية الإدارية في مشروع إصلاح الميثاق الجماعي”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد32، 2001، ص39.
[18] – عبد الرحمان زنان: ” اللامركزية والديمقراطية المحلية، ملاءمة الجهاز القانوني وحدوده”، فضاء الجمعيات، دار القلم الرباط، الطبعة الأولى، 2003، ص23.
[19]– منية بلمليح: الجهوية المتقدمة ورهان التغيير بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد خاص 71، سنة 2011، ص39.
[20]– Jean Louis Autin et Catherine Ribot: «Droit administratif général », Imprimerie de Normandie Roto,4 eme édition, juillet 2005, p 58-59.
[21]– مشاريع القوانين التنظيمية حول الجهات، والجماعات، المنشورة بموقع الأمانة العامة للحكومة.
http://www.sgg.gov.ma/arabe/ProjetsTextesDiffus%C3%A9sMembresGouvernement.aspx
[22]– أحمد بوعشيق: “الحكامة المحلية على ضوء الميثاق الجماعي الجديد”، رسالة الجماعات المحلية، المديرية العامة للجماعات المحلية، عدد13، 2005، ص16.
[23]– عثمان الزياني: “التقسيم الجهوي الجديد يحكمه هاجس سياسي انتخابوي من شأنه أن يذكي الصراعات بدل التجانس والتنمية”، الموقع الالكتروني :www.chnotra.com
[24]– راجع بهذا الخصوص حسن بنخيي: ” توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات المحلية”، منشورات المديرية العامة للجماعات المحلية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2006، ص73-79.
[25]– مليكة وكاس: الحكامة المحلية، على ضوء الميثاق الجماعي الجديد00-78، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، 2003-2004، ص65.
[26]– محمد بوجيدة: تداخل اختصاصات الدولة والجماعات المحلية بين القانون والممارسة العملية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، عدد، ،2008، ص154.
[27]– فاطمة السعدي مزروع: الإدارة المحلية اللامركزية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003، ص126.
[28] -Houssine Hassani Ben Bachir: “La Problématique des compétences Accordées aux collectivités locales “,REMALD,N° double, 57-58, 2004, p 24.
[29]– عبد الواحد مبعوث :التنمية الجهوية بين عدم التركيز الإداري واللامركزية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال،الرباط، 99-2000، 258.
[30]– أحمد أجعون: “تكوين المنتخب الجماعي والميثاق الجماعي الجديد”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد44، 2003، ص132.
[31]– عبد الله ادريسي: “منطلقات من أجل إصلاح البنيات الإدارية المحلية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 6، 1996، ص326.
[32]– عبد الله الحارسي: “إشكالية تكوين المنتخب الجماعي والناخب في المغرب”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد32، 2001، ص109.
[33]– إدريس جردان: دور العنصر البشري في تنمية الجماعات المحلية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط، 2001-2002، ص50.
[34]– منشورات المديرية العامة للجماعات المحلية، مديرية تكوين الأطر الإدارية والتقنية، 2010.
[35]– محمد زين الدين:” إشكالية تجديد النخب بالمغرب”، مجلة فكر ونقد، عدد 81، 2006، ص5.
[36]– فاطمة السعدي مزروع: الإدارة المحلية اللامركزية بالمغرب، م س، ص18.
[37]– حميد أبو لاس: تدبير الموارد البشرية – نموذج الإدارة الجماعية– دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 2005، ص318 .
[38]– تقرير اللجنة الملكية حول الجهوية المتقدمة: الكتاب الثالث، ص32.
[39] -Fadoua Laghzaoui: «Contrôle interne et bonne gouvernance locale » in la gouvernance locale au maroc, sous la direction de Mohammed Harakat, GREURE, Imprimerie El Maarif El Jadida,Rabat, 2003, p144.
[40]– محمد حيمود: إشكالية تقييم التدبير المحلي، مقاربة نقدية على ضوء التوجهات الرقابية الحديثة، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، 2001-02، ص233.
[41]– عبد الحق عقلة: دراسات في علم التدبير، مطبعة دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 2006-07، ص113.
[42]– ادريس خدري: “الفحص والتدقيق والتقويم الجهوي”، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، عدد2001، 45، ص104.
[43] -Fadoua Laghzaoui: “Evolution des politiques locales vers la bonne gouvernance “Revue Tangis de droit et d’économie, N°5, 2005, p 92.
[44]– فزيزة أشبهار: دور الصفقات العمومية في التوجيه الاقتصادي الوطني، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، أكدال، 2002- 03، ص140 .
[45]– توفيق سعيد: الصفقات العمومية المبرمة من قبل الجماعات المحلية، نظام القانون الجديد، طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2003، ص 337 .
[46] – المادة 148 من مدونة المحاكم المالية.
[47]– علي سدجاري: الدولة والإدارة بين التقليد والتحديث، دار المناهل للطباعة والنشر، الرباط، 1994، ص 22.
[48]– العرابي الغماري: تحديث الادارة الترابية للدولة في المغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2003-04، ص57.
[49] -Mostapha Fikri: «La bonne gouvernance administrative au Maroc, Mission Possible »,Expose Art et Culture, 2005, p 538.
[50] -AFILAL ,R: «Mieux comminiquer pour mieux agir », Revue ,Najah El Jadida, Casablanca, N° 1, 1996, p 100.
[51] -Harakat Mohammed: “Le Concept de Gouvernance Au Maroc “,La Revue Marocaine D’audit et de Développement ,N° 5, 2004, p 9.
[52]– فتيحة بشطاوي: “الحكامة والتنمية”، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، عدد 13-14، 2010، ص61.
[53]– محمد اليعقوبي: “الديمقراطية الإدارية بالمغرب”، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد5، 2004، ص77.
[54]– علي سدجاري: الدولة ضد المدينة، منشورات حول المجال والتراب، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2000، ص83.
[55]– رسالة الجماعات المحلية :الأخلاق والشفافية في الحكامة المحلية، منشورات المديرية العامة للجماعات المحلية، عدد خاص، 2001، ص29.
[56]– العرابي الغماري: تحديث الادارة الترابية للدولة في المغرب، م س، ص35.
[57] -Abbadi Driss: «Gouvernance participative locale au maroc » Imprimerie de Fédala, Mohammedia, 2004, P17 .
[58]– محمد زين الدين: “التدبير الجماعي والديمقراطية التشاركية”، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، عدد11-12، 2009، ص26.
[59]– محمد الغالي:”سياسة القرب مؤشر على أزمة الديمقراطية التمثيلية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد53، 2006، ص25.
[60]– محمد اليعقوبي: التناقضات الكبرى لتطور الإدارة المغربية، ضمن مؤلف تأهيل الإدارة للعولمة، تحت إشراف علي سدجاري، منشورات كريت، 2000، ص201.


