ذة . منية بلمليح

أستاذة بكلية الحقوق بمكناس

إذا كانت المركزية كتنظيم إداري ([1]) قد فرض على المغرب في مرحلة معينة من تاريخه وذلك لمواجهة ظروف الاستعمار وحماية الوحدة الوطنية، فإنها بعد الاستقلال أصبحت غير كافية لوحدها لتحقيق أهداف الصالح العام، خصوصا بعد زيادة وتيرة النمو الديموغرافي وتزايد حاجيات السكان واتساع رقعة البلاد وانفتاح المغرب على العالم الخارجي. ذلك أن متطلبات العولمة واقتصاد السوق فرضت على جميع الدول تغييرات جذرية في بنياتها لتواكب التطورات الكبرى التي يشهدها العالم. من هنا أصبحت اللامركزية الخيار الاستراتيجي لتحقيق هذه الأهداف وذلك بإشراك مختلف الفعاليات المحلية في تسيير الشأن العام وتحقيق الديمقراطية المحلية المنشودة.

إذن تأتي اللامركزية لتخفيف العبء عن السلطة المركزية وتقريب الإدارة من المواطنين وإسناد المصالح المحلية لمن يهمهم الأمر لإشباع حاجياتهم عن طريق هيآت منتخبة تتحمل مسؤولية تصريف الشؤون المحلية لكن تحت رقابة سلطة الوصاية حتى لا تفضي اللامركزية إلى تنازع في مصالحها أو بين تلك المصالح والمصلحة الوطنية.

وتعتبر الجماعات المحلية أهم تجسيد للامركزية بهذا المعنى وهي تتكون حسب الفصل 100 من الدستور المغربي من الجماعات الحضرية والقروية، العمالات والأقاليم والجهات. وقد مرت الجهة من مجموعة من المراحل قبل أن تصل إلى ما هي عليه الآن ، فإلى حدود التعديل الدستوري لسنة 1992 لم تكن الجهة جماعة محلية كباقي الجماعات الأخرى بل كانت حسب ظهير 16 يونيو 1971 المؤسس لها أحد الشركاء والفاعلين الاقتصاديين الرئيسيين للدولة إلى جانب المؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة.

ولمسايرة التحولات التي تفرضها التنمية الاقتصادية ولمواكبة التطورات الإقليمية والعالمية عمل المغرب على تثبيت برنامج تقويم هيكلي في إطار إصلاح إداري ودستوري جعل المشرع يعترف بأهمية الجهة ويرتقي بها إلى مصاف الجماعات المحلية ([2]) . وقد تم تكريس هذا التوجه بصدور القانون رقم 96/47 ([3])

ليجعل من هذه الوحدة الترابية قطبا تنمويا مهما ووسيلة لتحقيق التوازن والتكامل بين مختلف المناطق والعمل على التوزيع المتكافئ للثروات وللمشاريع التنموية.

لقد أتت الجهة لإغناء المشهد المؤسساتي الوطني، هذه الجماعة الترابية جاءت في مرحلة من التحديث المكثف لأجهزة الدولة وتكريس التسيير اللامتمركز المنطلق منذ 1976. لقد اعتبر قانون 47- 96قفزة نوعية في مسار اللامركزية بالمغرب ودعامة لتكريس نظام حكم قائم على قواعد ديمقراطية يسعى إلى مواجهة التخلف وتوفير متطلبات التنمية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا في إطار واسع من المشاركة وبتوزيع عقلاني وفعال للمسؤوليات ، لاسيما بعد تكريس أسس قواعد الحكم المحلي المرتكز على أركان الديمقراطية المحلية واللامركزية الإدارية.

لكن يلاحظ أنه منذ تاريخ إنشائها لم تسهم هذه الأخيرة في تحقيق الأهداف المتوخاة منها. حاليا ومع التطور الذي يعرفه المغرب على مختلف المستويات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ومع تطور عدد السكان وتنوع حاجياتهم وبالنظر لاستفحال الفوارق التنموية بين جهات متعددة داخل الدولة ، أصبح من الضروري إعادة النظر في الجهوية القائمة وإعطائها نفسا جديدا والعمل على تفعيلها للنهوض بالاقتصاد الوطني وتحقيق التوازن بين الجهات المختلفة وجعل الجهة فعلا قاطرة للتنمية المحلية والأهم من ذلك هو توسيع الجهات لتشمل المناطق الصحراوية وإدماجها في مسلسل التنمية الشاملة التي يسعى المغرب إلى تحقيقها وذلك تطبيقا لفكرة الجهوية الموسعة التي تحدث عنها جلالة الملك محمد السادس في الكثير من خطبه الملكية.

إن المغرب يعرف اليوم تحولات نوعية تتطلب أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر في منظومته التشريعية، التنظيمية والمؤسساتية . فالانفتاح على الخارج وتطور التكنولوجيا وانتشار العولمة يضاف إلى ذلك المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الجماعات المحلية، كل ذلك فرض ضرورة التفكير في تحديث البنيات والمؤسسات وتطوير القوانين المتعلقة بها. وقد شكل تعديل الميثاق الجماعي لسنة 2002 طفرة نوعية وخطوة إيجابية على مستوى المبادئ التي تحكم التنظيم والتسيير الجماعيين وذلك بالانتقال من المقاربة القطاعية إلى المقاربة التشاركية ومن الديموقراطية التمثيلية إلى التدبير التشاركي الذي من بين أهم خصوصياته إدماج مختلف الفعاليات المجتمعية في تدبير الشأن المحلي وإشراك الجميع في تحقيق التنمية المستدامة.

بعد محطة تعديل الميثاق الجماعي تتوج اللامركزية في الوقت الحالي بورش آخر من الإصلاحات التي تروم إدخال تغييرات بنيوية على مستوى التنظيم الجهوي وذلك لجعل الجهة أداة حقيقية لتحقيق التنمية المحلية، وتوسيع الجهوية والانتقال بها من جهوية إدارية إلى جهوية سياسية واقتصادية قادرة على مواجهة مختلف التحديات التي يعرفها العالم اليوم، جهوية تخول فيها للجهات استقلالية أكبر في تصريف الأمور لكن دائما في إطار دولة واحدة وموحدة.

ودون الخوض في المرتكزات التي تقوم عليها الجهوية الإدارية سنحاول الوقوف عند أهم الثغرات التي تشوب هذا التنظيم والتي تشكل العوامل الرئيسية التي تحتم الانتقال إلى جهوية موسعة وذلك في محاولة لتجاوز السلبيات وطرح البدائل والوسائل الكفيلة بتحقيق الإصلاحات الضرورية. لهذا يجدر بنا أولا رصد الاختلالات التي تعتري التنظيم الجهوي الحالي وطبيعة المشاكل المرتبطة به، على أساس أن نتناول بعد ذلك أهمية الانتقال إلى جهوية متقدمة والدلالات الكبرى لهذا التوجه الجديد الذي يعتزم المغرب خوض غماره .

المبحث الأول

الاختلالات التي تعتري التنظيم الجهوي الحالي ودواعي الانتقال إلى الجهوية المتقدمة

تعتبر الجهوية ركيزة أساسية للديمقراطية المحلية ودعامة أساسية لللامركزية والوسيلة الناجعة لمواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف العبء عن الجهاز المركزي. إنها اختيار سياسي يرمي لتحقيق تنمية متوازنة والقضاء على الفوارق بين مختلف الجهات .

ويعود تقنين التنظيم الجهوي إلى سنة 1971 وذلك بإصدار ظهير 16 يونيو 1971 والذي عرف الجهة في الفصل الثاني منه كما يلي :” يراد بالجهة مجموعة من الأقاليم التي تربط بينها أو يحتمل أن تربط بينها على الصعيد الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي علاقات كفيلة لتقوية نموها والتي تقتضي من جراء ذلك القيام بتهيئة عامة فيها، وتؤلف الجهة إطار عمل اقتصادي يباشر داخله إجراء دراسات وإنجاز برامج قصد تحقيق تنمية منسجمة ومتوازنة لمختلف أجزاء المملكة “.

لكن الجهة حسب هذا الظهير ليست بجماعة محلية ولا بوحدة ترابية لامركزية، الأمر الذي جعل وضعية التنظيم الجهوي غامضة من الناحية القانونية مما أدى إلى غياب الإطار القانوني للجهة وبالتالي عدم فعالية الأجهزة والمؤسسات التي نظمها هذا الظهير، حيث ظلت اختصاصاتها ذات طبيعة استشارية لا تضمن لها الاستقلالية في التسيير والحرية في اتخاذ القرارات وتحديد الأولويات. كما أن التقسيم الجهوي الذي جاء به هذا الظهير لم يفلح في تجاوز الفوارق بين مختلف الجهات والمناطق الاقتصادية، حيث ظلت هذه الأخيرة بعيدة عن تجميع الأنشطة الاقتصادية الجهوية والخدمات العمومية الضرورية لحياة السكان كتوفرها على مصالح اقتصادية واجتماعية وثقافية وكذلك التجهيزات والبنيات الضرورية وحتى إن وجدت، فإن تنظيمها يأخذ أبعادا إدارية لا تساير التقسيم الجهوي بل إن الطابع الإقليمي كان هو السائد على كل التنظيمات الإدارية المحلية ([4]).

ولتجاوز هذه الوضعية ورغبة في الارتقاء بالجهة إلى مصاف الجماعات المحلية الأخرى وجعلها هيئة تقريرية تتحكم في مخططات التنمية الجهوية وتسهر على إعداد التراب وتساهم في تهيئ المخططات الوطنية، تدخل المشرع بإصدار قانون يعترف بواسطته بالجهة كوحدة ترابية مستقلة بعدما أعطي للجهة طابع دستوري بمقتضى الفصل 94 من دستور 1992 والفصل 100 من دستور 1996 .

لقد شكل قانون 2 أبريل 1997 بداية انطلاق الجهة كجماعة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي وتتويجا للجهود المبذولة من طرف السلطات العمومية من أجل تطبيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية المرجوة .

إن هذا التوجه يعكس ترجيح المقترب السياسي المؤسساتي على المقترب التأسيسي القانوني لمعالجة الأوضاع القائمة، كما أن له دلالة مهمة في مسار تعميق النظام اللامركزي الترابي الذي اعتمده المغرب منذ الاستقلال كنظام لتدبير الشأن المحلي . ومن شأن هذا الإصلاح المهم أن يسمح للجماعات الجهوية بالنهوض بدورها التنموي بالشكل المطلوب وخصوصا تحقيق التوازن المفقود بين الجهات أو بين أجزاء الجهة الواحدة وتخفيف حدة الفوارق بين المدن والبوادي .

لاشك أن القانون المنظم للجهات خول هذه الأخيرة اختصاصات متعددة تهم كل القطاعات وتسمح لها بالاضطلاع بدورها المتعدد المشارب في مختلف المجالات التنموية. كما مكنها القانون المذكور بأجهزة منتخبة لها الصلاحية الكاملة للنهوض بالشأن المحلي وتقريب الإدارة من المواطنين والتخفيف من أضرار الروتين الإداري. كما تهدف الجهة كتنظيم توفير مجال للتنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وخلق مجال للتضامن في إطار مجموعة مندمجة تسعى إلى تكامل مكوناتها والعمل على استثمار الصلاحيات المخولة إليها والإمكانات الموضوعة رهن إشارتها ([5]).

لقد أنيطت بالجهة مجموعة من المسؤوليات على قدر كبير من الأهمية وعلقت عليها آمال كبيرة لتحقيق التنمية الشاملة ، لكن يلاحظ أنه بعد مرحلة معينة من إنشائها لم تسهم هذه الوحدة الترابية بشكل فعال في تحقيق الأهداف المنشودة ، وهذا راجع لمجموعة من الاختلالات التي طبعت التجربة الجهوية سواء على المستوى المؤسساتي أو على المستوى القانوني مما كان له تأثير سلبي على أدائها.

المطلب الأول: الاختلالات المؤسساتية ، الاقتصادية والاجتماعية

لابد من تسجيل بعض الملاحظات في البداية بخصوص مؤسسة الجهة، فالمجال الجهوي يتكون من المستشارين الجهويين وأعضاء الغرف المهنية وممثلي المأجورين وكل هؤلاء ينتخبون عن طريق الاقتراع غير المباشر ما يؤثر مباشرة في مبدأ التمثيلية، إذ لا يشعر المواطنون بانتماءهم للجهة بالقدر نفسه مثلا اتجاه جماعة حضرية أو قروية خصوصا أن التقطيع الترابي اعتمد 16 جهة شاسعة المساحة يصعب معها التواصل مع الساكنة وتقديم خدمات ملموسة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ([6]).

من جهة أخرى أبانت التجربة الجهوية على ترجيح كفة السلطة التنفيذية المتمثلة في شخص والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم ([7]) على حساب السلطة التداولية، فالقانون المنظم للجهة لم يخول المهمة التنفيذية لرئيس المجلس الجهوي بل منحها لممثل الدولة ومن ثم يكون المشرع قد أقر نظاما لا مركزيا ضعيفا على مستوى الجهة بالمقارنة مع باقي الجماعات المحلية الأخرى. كما يثير هذا الوضع التساؤل حول مدى استقلالية المجالس الجهوية في تصريف الشأن العام الجهوي والقدرة على اتخاذ القرارات وحرية المبادرة وتأثير ذلك على التنمية المحلية بصفة عامة . الشيء الذي يجعل من هذه المجالس مجرد مجالس استشارية ليس إلا، ولا تملك أية سلطات تقريرية وتنفيذية حقيقية تمكنها من تنفيذ مخططاتها التنموية.

إن التنمية الجهوية أصبحت تتطلب تجاوز مرحلة الوصاية الإدارية بمفهومها الضيق والتقليدي والمتجلي في الرقابة من أجل الرقابة والتي يمكن أن تحد من قدرتها على العطاء والتقدم.

فبالرجوع إلى الباب الخامس من قانون الجهة، نجد بأن اختصاصات السلطة التنفيذية من الأهمية بمكان بالمقارنة مع السلطة التداولية. فوزير الداخلية هو المقرر في مسألة تنفيذ الميزانية الجهوية وكل الأعمال والقرارات ذات الصلة بالأمور المالية والضريبية، حيث يشرف على إعداد الحساب الإداري بواسطة عامل العمالة أو الإقليم الذي يظل في آخر المطاف ممثله وفي حالة رفض الحساب الإداري الجهوي فإنه يعرض على أنظار المجلس الجهوي للحسابات. كما أنه من حق وزير الداخلية أن يطالب بإعادة قراءة أي قرار صادر عن مجلس الجهة حيث يصبح في نفس الوقت الحكم في حالة وقوع نزاع بين عامل العمالة أو الإقليم مركز الجهة ومجلس الجهة. أما العامل فباعتباره ممثلا للدولة، يظل العنصر المهيمن على مؤسسات الجهة باعتباره جهازا تنفيذيا لمقررات مجلس الجهة. يظهر إذن بأن هذا الوضع سيزيد من حدة تدخل السلطة المركزية عن طريق ممثليها في الشؤون الجهوية مما سيكون له الأثر السلبي على استقلالها وعلى دورها التنموي بصفة عامة.

إن إقرار هذه الازدواجية على مستوى الجهات التنفيذية للجهة بإشراك ممثل الدولة بجانب رئيس المجلس الجهوي لن يسمح بتسيير الشؤون الجهوية بشكل فعال، إذ لابد من وضع حدود فاصلة بين المؤسستين من أجل ضمان استقلالية أكبر للمجالس الجهوية لتحقيق الأهداف المتوخاة.

وبالنسبة للمجلس الجهوي فتظل اختصاصاته محدودة بالمقارنة مع الدور المنوط به كأداة لتحقيق التنمية الجهوية . فالمجلس يمارس اختصاصات خاصة به وأخرى يمكن أن تنقلها إليه الدولة ([8]) كما يبدي رأيه ويقدم اقتراحات في عدد من المجالات التي يرجع فيها الاختصاص للدولة والأشخاص المعنوية العامة ([9]) . إذن تتمتع المجالس الجهوية باختصاصات واسعة في مجال تدبير الشأن العام الجهوي، لكن عدم تفعيلها بإخراجها إلى حيز الوجود من الناحية العملية قد أدى في نهاية المطاف إلى الاقتصار على عقد اجتماعات الدورات العادية والاستثنائية للمجالس الجهوية واجتماعات اللجان الدائمة لهذه المجالس التي قامت بصياغة التوصيات والملتمسات دون أن تعرف هذه الأخيرة طريقها إلى التنفيذ.

كما يلاحظ على مستوى الأجهزة الجهوية المنتخبة أنه بعد تعاقب ثلاث مجالس جهوية في تولي الوظيفة الانتخابية يبدو جليا أن المستشار الجهوي لم يستطع بعد التخلص من انتماءه للدائرة الانتخابية الجماعية التي انبثق منها. وهذه الظاهرة تبدو بوضوح من خلال تدخلاتهم واختياراتهم التي تفتقد للبعد الجهوي . فانعدام ثقافة الجهوية لدى المستشار الجهوي وهيمنة عقلية المنتخب الجماعي في تفكيره وانشغالاته تجعله حبيس حسابات انتخابوية ضيقة لا ترقى إلى الدور المنتظر منه على مستوى الجهة بكاملها ومن هنا أصبحت الحاجة ملحة إلى الفصل بين الدائرة الانتخابية الجهوية والدائرة الانتخابية الجماعية وهذا ما يتطلب إعادة النظر في طريقة الانتخاب ونمط الاقتراع ([10]) .

إن التجربة الحالية للجهوية لا زالت تعاني من إشكاليات طرحها عدم توفرها على موارد بشرية وأطر كفئة للقيام بدورها إضافة إلى محدودية الموارد المالية التي لا تزال رهينة ما تحصل عليه كمنح من الدولة، زد على ذلك أن الاختصاصات المنقولة لا زالت حبيسة المركز الذي يحتكرها بشدة مما يستدعي إيجاد إطار قانوني لنقل الاختصاصات وفق جدولة زمنية محددة مسبقا. إن تفعيل دور الجهة كاملا لا زال لم يستنفذ جميع الصلاحيات الممنوحة لها والتي تبقى رهينة توفر الإمكانات المادية والموارد المالية.

أما إنعاش التنمية وإحداث المرافق واختيار طبيعة الاستثمارات العمومية وإعداد التراب الوطني والمخطط الوطني للتنمية، فهي مهام تبقى من اختصاص الدولة على الصعيد المركزي مما يثير التساؤل عن نجاعة دور المجلس الجهوي وأهميته. حيث يتبين أن هذا الدور يظل هامشيا وثانويا بالمقارنة مع باقي الأجهزة الممثلة للسلطة المركزية. فالجهة ستظل إطارا ترابيا فقط لتنفيذ مخططات التنمية الوطنية وليست أداة فاعلة في التخطيط تتولى وضع مخططها الجهوي الخاص بها. كما أن الاختصاصات المنقولة إليها من طرف الدولة تظل رهينة بتحويل الموارد المالية اللازمة لذلك وفي أغلب الأحيان ما يكون هذا النقل رهينا بمجموعة من الشروط تفرضها السلطة المانحة مما قد يحد من استقلالية الجهة.

لا شك في أن التمويل الذاتي يعد أحد العناصر الأساسية التي تمكن الجهة من القيام بنشاطها وتمويل مشاريعها التنموية – تغطية النفقات الاستهلاكية وتمويل الاستثمارات – إنه يعبر عن درجة استقلالية الجهة بالنسبة للمركز، لكن يلاحظ باستقراء نظام تمويل الجهة بأن هذه الوسائل غير كافية لجعل الجهة أداة فعالة في تحقيق التنمية المحلية . فالمنح والإعانات المقدمة من الدولة أو من باقي أشخاص القانون العام للجهة تظل خاضعة لرغبة المانحين وخاصة الدولة التي أصبحت تتعامل بصرامة كبيرة بسبب الضائقة المالية البنيوية التي تواجهها. كما أن الاعتماد على عائدات هذا المصدر من شأنه أن يمس باستقلالية القرار الجهوي وان ينعكس سلبا على تفعيل وترشيد السياسة المالية الجهوية ([11]).

إذن من الناحية المالية نجد بأن الإمكانيات المالية للجهة جد هزيلة إذا ما قورنت بالدور المنوط بها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. فمواردها تظل ضعيفة وتتكون أساسا من الرسوم والضرائب الجهوية وضرائب الدولة أما باقي الموارد فتبقى غير مهمة، يضاف إلى ذلك أن المجالس الجهوية لا تملك الحرية في تدبير ماليتها وفرض قيود على دورها في فرض رسوم أو ضرائب وتحديد طرق جبايتها ومراجعتها وغير ذلك. كما أن السلطة الوصية تفرض على المجالس الجهوية قائمة النفقات الإجبارية التي يجب أن تحترمها تحت طائلة الحلول التلقائي لوزارة الداخلية في حالة عدم اعتمادها، مما يزيد من حدة الوصاية المالية بالإضافة إلى الوصاية الإدارية والرقابة القضائية ورقابة الخزينة العامة والقباضات، إلخ. هذا ودون إغفال الدور المحتشم للمجلس الجهوي في إعداد الميزانية الذي يظل حكرا على والي الجهة. ولا شك أن هذه الوضعية
تحد بشكل كبير من استقلالية المجالس الجهوية وتؤثر بشكل سلبي على دورها التنموي.

تجدر الإشارة أيضا إلى غياب التنصيص على أجهزة للتنسيق والتشاور بين الجهات وغيرها مما يطرح صعوبات عملية في تسيير الشؤون الجهوية نظرا لتعدد الأجهزة والسلطات المتدخلة على المستوى الجهوي ولتداخل الاختصاصات والأدوار، مما يطرح ضرورة إحداث جهاز قانوني يتاح في إطاره التنسيق والتحاور والتشاور من أجل توحيد الرؤى والقرارات ([12]).

من ضمن المشاكل التي تعاني منها الجهوية أيضا نجد مشكل التقسيم الجهوي الذي يجب أن يجد مبرراته المعيارية في عناصر غير العناصر التي سبق الاعتماد عليها في التقسيم الجهوي الحالي والذي اعتبر تقسيما موسعا بجهاته الستة عشر كما أنه وإلى جانب التوجه المؤسساتي الذي أصبح يفرض التقليل من عدد الجهات، فإن الجهوية الموسعة تقتضي التعاطي مع إشكالية على جانب كبير من الأهمية وهي إشكالية وسائل العمل الجهوي المادية والبشرية والتي أبانت عن محدوديتها في ظل التجربة الحالية بل هامشية في الأرقام والمعطيات المالية للجهات ليس فقط في علاقتها مع الدولة المركزية بل أيضا مع باقي الجماعات المحلية الأخرى .

كما نجد ظاهرة الاختلال المجالي والاقتصادي والاجتماعي للمنظومة الجهوية. وتتجسد هذه الظاهرة في الاختلاف والتفاوت بين الجهات سواء من حيث المساحة أو عدد السكان أو من حيث البنيات والتجهيزات التحتية أو من خلال الإمكانات الطبيعية التي تتوفر عليها كل جهة، فمن الجانب الديمغرافي نجد ثلاث جهات: الدار البيضاء الكبرى، مراكش -تانسيفت – الحوز، سوس ماسة – درعة، تضم 32.4 في المائة من مجموع السكان حسب إحصاء 1994 . وفي القطاع الفلاحي وانطلاقا من مؤشر المساحة المزروعة يوجد هناك اختلال بين جهتي الغرب -الشراردة بني حسن وسوس ماسة درعة، نفس الاختلال يلاحظ بشكل أكثر وضوحا في القطاع الصناعي ، إذ تبقى جهة الدار البيضاء الكبرى قطبا مهما في المغرب حيث تحظى بالحصة الكبرى من الاستثمارات: 45 في المائة من مجموع الاستثمارات العمومية . وهذا الاختلال يقتضي بالضرورة إعادة النظر في التقطيع الجهوي الحالي.

كما يجب أن لا ننسى المعوقات ذات الطبيعة الاجتماعية المتمثلة في كون الكثير من النخب الاجتماعية والسياسية السائدة لم تتمكن بعد من إنضاج وعي اجتماعي وسياسي مسؤول مما يفسر عدم استفادة بعض الجهات والأقاليم وعزلتها، وذلك بفعل خضوع هذه التجارب للعديد من المراهنات والصراعات وتنازع المصالح وفق العقلية القبلية والعشائرية، إلخ . مما انعكس سلبا على مستوى عقلنة أساليب اتخاذ القرار على مستوى الجهات مما حال دون تطور العمل الجماعي إلى مؤسسة بالمفهوم السوسيولوجي أي محكومة بأنماط من القيم والأعراف والتقاليد المهنية ([13]) .

تبقى الجهة منذ إنشائها تعترضها مجموعة من العوائق التي تحد من فرصها في رفع وتجاوز تحديات التنمية: ضعف الموارد البشرية المؤهلة، ضعف الموارد المالية، ضخامة الرقابة الوصائية والعجز في تحقيق تمثيلية حقيقية للسكان .

المطلب الثاني: المشاكل ذات الطبيعة القانونية والسياسية

إن جرد حصيلة التجربة الجهوية على المستوى القانوني، يبين مجموعة من الاختلالات وأهمها عدم تفعيل بعض المقتضيات المتعلقة بالقانون الجهوي، وذلك يرجع بالأساس إلى عدم استيعاب مغزى ومحتوى هذه المقتضيات من طرف المستشارين الجهويين. كما أن غياب الإمكانات البشرية ومحدودية وسائل العمل لدى هذه الجهات قد زاد في استفحال الوضع داخلها.

يضاف إلى ذلك غياب نصوص قانونية من شأنها أن توضح العلاقة بين الجهات والدولة من جهة والجماعات المحلية الأخرى من جهة أخرى وذلك في مجال الاختصاصات المنوطة بكل طرف على حدة. كما أن من شأن ضبط العلاقة بين الجهات والدولة في المجالات المنقولة إليها مستقبلا بواسطة نص قانوني ليؤدي حتما إلى تبيان كيفية نقل الاعتمادات المالية الموازية لهذا النقل وكذا الجدولة الزمنية التي سيتم من خلالها نقل مختلف الاختصاصات المعنية ([14]) . كما يلاحظ غياب النصوص التنظيمية والتطبيقية للقانون الجهوي كتلك المتعلقة بإحداث صندوق الموازنة والتنمية الجهوية أو تلك المتعلقة بتنظيم ممتلكات الجهة.

لقد حاول دستور 1996 إدماج الجهة في المجال السياسي بواسطة نظام التمثيلية مثلها مثل الأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية وذلك في إطار مجلس المستشارين كمؤسسة دستورية تمارس السيادة بصفة غير مباشرة وفقا للفصل الثاني من الدستور. ورغم الضمانات التي أوردها المشرع لفائدة المؤسسة الجهوية، فإن الدستور لم يمنح أية ضمانة دستورية للجهات فيما يتعلق بالشخصية المعنوية تاركا الأمر للقوانين التشريعية، كما أن الدستور لم يحدد ولو بشكل عام اختصاصات الجهات وأعطى الصلاحية في ذلك للسلطة التنظيمية في تحديد الاختصاصات الجهوية، بالإضافة إلى أنه لم يحدد الموارد المالية المستحقة لفائدة الجهات كما لم ينص على الطريقة التي يتم بها انتخاب أعضاء المجلس الجهوي ([15]).

إن القانون المنظم للجهة لم يتضمن أية مقتضيات تبين كيفية تقسيم الأملاك والوسائل المختلفة في حالة تقسيم جهة إلى جهتين أو في حالة إزالة جهة من عداد الجهات المحددة بالمرسوم المتعلق بها. أضف إلى ذلك أن مسألة تحديد الجهات ومسطرة إحداثها وتسميتها والتغييرات التي يمكن أن تدخل عليها وكذا تقسيم الأملاك الخاصة بها قد عهد به المشرع إلى السلطة التنظيمية – مرسوم الوزير الأول – وليس للسلطة التشريعية كما نجد في عديد من الدول. فعدم تنظيم المشرع لمسألة تقسيم ممتلكات الجماعات ووسائلها البشرية يفضي إلى العشوائية في التوزيع واعتماد أكثر من أسلوب لذلك – قرارات أو محاضر- الشيء الذي يترتب عليه مشاكل الملكية وصعوبة الاعتراف بالجهة المالكة من قبل المحافظة العقارية ([16]) .

من ناحية أخرى وبالرغم من التقليص المقرر للوصاية على أعمال وقرارات المجالس الجهوية سواء من حيث عدد المواد والقضايا الخاضعة للمصادقة أو من حيث الأجل المحدد لها، فإن ذلك لم يوسع كثيرا من استقلال الجماعات الجهوية ([17]). يضاف إلى ذلك وجود نصوص أخرى تفرض الوصاية على بعض الأعمال غير الواردة بالقانون المنظم للجهة، مثال ذلك الصفقات العمومية الخاضعة بموجب المرسوم المنظم لها لمصادقة وزارة الداخلية وتأشيرة القابض الجهوي. ومن الناحية العملية فقد تخضع بعض العمليات العقارية للوصاية تطبيقا لنصوص قانونية تهم الجماعات الحضرية والقروية ([18])، فالإدارة الوصية أخضعت هذه العمليات لمصادقة الوزير الأول بعد تأشيرة وزير المالية ووزير الداخلية تطبيقا للنصوص المنظمة للأملاك البلدية وهو ما يعد خرقا لقانون الجهة وتطبيقا خاطئا لقانون يهم البلديات على الجهات ([19]).

يضاف إلى ذلك أن غموض النصوص القانونية وضالة التعاون بين الدولة والجماعات المحلية على أسس قانونية واضحة أدت في الممارسة العملية إلى تشابك أدوار الجماعات العمومية وتضارب في اختصاصاتها في مجالات متعددة بما يرتبط بذلك من أثر سلبي على تسيير الشؤون المحلية بصفة عامة.

فالجهات أحدثت لتقوم بدور أشمل وأوسع من الجماعات الأخرى وتتفرغ بالخصوص للمشاريع الاقتصادية وكل ما من شأنه أن يشجع أو ينمي الاستثمارات خصوصا في ظل الأوضاع الراهنة التي ذهبت فيها الحكومة بعيدا في عدم التركيز الإداري لتقوية السلطات الجهوية وتخفيف الوصاية عن الجهات وغيرها تطبيقا للتوجيهات السامية المضمنة في الرسالة الملكية حول التدبير اللامتمركز للاستثمار. وبعبارة أخرى كان من المفروض أن يكون للجهة تخصص محدد أو مهيمن وخاصة في المجال الاقتصادي بدل التكلف بالشؤون الاجتماعية البسيطة كتقديم الإعانات للجمعيات ومساعدة الجماعات في المجالات الثقافية والقضايا المحلية البسيطة كمحو الأمية وغيرها ([20]).

لابد أن نشير أيضا إلى المشاكل المرتبطة بتداخل الاختصاصات وانعكاساته السلبية على الحكامة الجيدة. ذلك أنه لا يساعد على التدبير الجيد للشؤون المختلفة والتوظيف الأمثل للطاقات والوسائل المتاحة ومن تم لا يخدم بتاتا التنمية المستدامة والمندمجة المنشودة من قبل الجميع.

فلا يمكن مع تداخل الاختصاصات اعتماد تخطيط عقلاني ومحكم للمشاريع والعمليات والأنشطة، لأن لا أحد يستطيع معرفة ما يجب التخطيط له وتصنيفه ضمن الأولويات المسؤول عن إنجازها. وحتى في حالة برمجة لمشاريع معينة فقد تتسابق جهات أخرى إلى إنجاز بعضها ولو لم ينعقد لها الاختصاص في ذلك وهذا راجع إلى سوء فهم النصوص الجاري بها العمل وغموض بعض مقتضياتها. كما أن عدم التنسيق بين الجهات المتدخلة يترتب عليه ازدواجية المشاريع مما يؤثر سلبا على الحكامة ويؤدي إلى تشتيث الجهود والأموال العامة والحيلولة دون تحقيق العوائد الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة ([21]).

تظل إذن حصيلة الجهوية حصيلة هزيلة بالمقارنة مع باقي النصوص المنظمة لللامركزية الإدارية. وبالنظر للإصلاحات التي عرفتها الجماعات المحلية الأخرى خصوصا على الصعيد المحلي، يأتي مشروع إصلاح الجهة اليوم في محله. كما أن الانتقال إلى جهوية متقدمة أو موسعة يعتبر خطوة أساسية في المسار الإصلاحي العام الذي ينتهجه المغرب حاليا من أجل تحديث هياكله ومؤسساته وضبط قوانينه وتحيينها وجعلها مواكبة للتحولات العامة التي يعرفها العالم.

إذن تطرح ضرورة ملحة لإصلاح الجهة بدءا بضبط القانون المنظم لها ومعالجة عيوبه الكثيرة سواء فيما يخص المقتضيات المتعلقة بأجهزتها واختصاصات المجلس الجهوي ورئيسه أو فيما يتعلق بتوضيح العلاقات بين الجهاز التنفيذي والأجهزة المنتخبة أو فيما يخص الوصاية الممارسة عليها وطبيعة تدخل المحكمة الإدارية والمجلس الجهوي للحسابات. كما أن الأمر يستدعي إعادة النظر في التقسيم الجهوي المعتمد الذي يعوزه المنطق السليم والدقة المطلوبة خصوصا مع وجود تباينات وفوارق صارخة بين جهات آهلة بالسكان وأخرى غير آهلة بهم وبين جهات صغيرة وأخرى واسعة بالإضافة إلى التفاوت على مستوى الإمكانات والطاقات والثروات ([22]).

كما يجب أن لا ننسى المشاكل ذات الطابع السياسي التي يعاني منها المغرب والتي تشكل عاملا أساسيا من عوامل الانتقال إلى جهوية متقدمة. إن الأمر يتعلق بمشكل الصحراء الذي عمر طويلا وآن الأوان لوضع حد له باعتماد المقاربة الجهوية وخلق جهات لها من الاستقلال ما يمكنها من تدبير شؤونها لكن دون الانسلاخ عن الهوية الوطنية والوحدة الترابية. حيث أكدت مختلف القوى الدولية المتدخلة في ملف الصحراء بأن أي حل خارج الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية ماله الفشل.

يأتي إذن في مقدمة الدوافع السياسية للجهوية القضية الوطنية الأولى وهي استكمال الوحدة الترابية وطي ملف النزاع المفتعل في الصحراء المغربية. فكما هو معلوم فقد ساهم وضع الأقاليم الجنوبية المسترجعة ومتطلبات التحاقها بركب النماء إلى جانب نظيراتها في شمال المملكة لتدارك التأخر الذي عانت منه تحت نير الاستعمار الإسباني في التسريع ببلورة فكرة الجهوية بالمغرب. وكما هو معلوم فقد تقدم المغرب بمبادرة جريئة وصفت بالجادة وذات المصداقية وباركها المجتمع الدولي وهي مقترح الحكم الذاتي للصحراء المغربية وذلك من أجل الوصول إلى حل سياسي وتوافقي ونهائي للنزاع المفتعل بالمنطقة.

وإذا كان إطار الحكم الذاتي المقترح قد رسم معالم جهة متقدمة وموسعة في أرقى مظاهر الجهوية تمنح إمكانية قيام مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية في ظل الوحدة والسيادة المغربية وفي انسجام تام واحترام للتشريعات الوطنية وخصوصيات المنطقة، فإن جزئيات هذا التصور ووضع أليات بلورته وتفعيله تبقى موضع النقاش والتفاوض. فهذه الدوافع تولد عنها مبادرة ملكية تتجلى في الإرادة الحكيمة في الارتقاء بالجهة من وضعها الحالي إلى جهة موسعة لها ما يكفي من الصلاحيات والسلط ومن الإمكانات والموارد البشرية والمالية ما يسمح بالقيام بدورها الجديد كاملا حتى تساهم في بناء دولة المؤسسات ودولة الجهات ([23]) .

لهذا جاء الإعلان عن جهوية موسعة من أجل إعداد فعلي وعملي لبداية تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء، وذلك بعدما مهد لذلك حينما أعلن في نونبر 2005 عن المبادرة المبنية على حل توافقي يخول الأقاليم الصحراوية أحقية إدارة نفسها بنفسها في إطار نظام جهوي متقدم بغية قطع الطريق أمام محاولات احتكار الحل وطي كل المعالجات العشوائية التي شكلت جزءا من ممارسات الماضي ([24]) .

لقد أصبحت الجهوية اليوم في قلب اهتمام جميع الفاعلين إداريين واقتصاديين وسياسيين وغيرهم. وبالنظر للتطورات الكبرى التي يعرفها العالم والتحولات الجذرية التي تشهدها الساحة الوطنية على مختلف المستويات والرغبة في تحقيق إقلاع اقتصادي وتنمية مستدامة وحكامة ترابية يحكمها منطق الفاعلية والجودة، أصبح من الضروري التفكير في صيغة جديدة للجهوية بعد ورش الإصلاح الجماعي باعتبار الجهة الإطار الأمثل لتحقيق مختلف السياسات والبرامج التنموية التي تحتاجها البلاد. فما هي إذن الخطوط العريضة والدلالات الأساسية للجهوية المتقدمة المرتقبة؟

مبحث ثاني

الانتقال نحو الجهوية المتقدمة ومتطلبات الإصلاح

تندرج الجهوية المتقدمة في إطار السياسة العامة للمغرب التي وضع أسسها جلالة الملك محمد السادس انطلاقا من خطاباته المتتالية وذلك من أجل استكمال الصرح المؤسساتي الوطني والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستويين الوطني والمحلي ([25]) .

لقد أولى المغرب منذ سنوات عدة أهمية خاصة لفكرة الجهوية وذلك في إطار إرادته الرامية إلى تحديث الإدارة وترسيخ اللامركزية ، وإذا كان اهتمامه في البداية قد انصرف إلى التأكيد على أهمية الجماعات المحلية والأخذ بجهوية متدرجة ، فإنه في الآونة الأخيرة أصبح يركز على ضرورة الانتقال إلى جهوية متقدمة أو موسعة تخضع لمنطق الملاءمة والتوازن السوسيو اقتصادي وتفعيل أسلوب اللاتمركز الإداري بجعل الجهات حكومات محلية تتحمل مسؤوليتها في التنمية المحلية ([26]) .

لقد حدد التوجه الملكي أهدافا ثلاثة للجهوية الموسعة: ترسيخ الحكامة المحلية، تعزيز سياسة القرب من المواطنين، تفعيل التنمية الجهوية المندمجة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أما عن مرتكزاتها فتتمثل في الوحدة، التضامن، التوازن والللاتمركز الواسع دون أن ننسى التأكيد على الخصوصية المغربية في التوجه الجهوي المقبل واستحضار الرصيد التاريخي في مجال اللامركزية الإدارية والابتعاد ما أمكن عن التقليد الحرفي للتجارب الأجنبية في الجهوية.

إن الجهوية المتقدمة تقوم على مجموعة من الأسس والدعامات تعتبر أساسية لنقلها من مجرد فكرة إلى حقيقة ملموسة على صعيد الواقع . هذه الجهوية التي يراد لها أن تكون جهوية شاملة بكل ما للكلمة من معنى وقادرة على تحقيق تحول نوعي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية.

المطلب الأول: على المستوى الإداري

تقتضي الجهوية المتقدمة أولا تحقيق ديمقراطية محلية وجهوية بإعطاء كل مؤسسة دورها في التسيير وذلك بالانتقال من المركز إلى المحور مع التأكيد على ضرورة تكامل جهود الدولة مع جهود الفاعلين الجهويين في وقت أصبحت تتداعى فيه مركزية القرارات ومركزية التسيير والتدبير وتتأكد فيه أليات الحكومات المحلية.

تعتبر الجهوية الموسعة تحولا نوعيا في أنماط الحكامة المحلية، الهدف منها التأسيس لدينامية جديدة للإصلاح المؤسسي العميق القائم على التكامل بين مختلف مكوناته ومراعاة التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات المحلية مع تفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات المركزية.

كما يستهدف هذا الشكل من الجهوية تحقيق لا تمركز واسع في نطاق حكامة ترابية ناجعة قائمة على التناسق والتفاعل بين الإقليم والمركز، وإحداث مجالس ديموقراطية لها صلاحيات واسعة وموارد من شأنها النهوض بالتنمية الجهوية المندمجة وخلق جهات حقيقية وقابلة للتطور والاستمرار.

تثير الجهوية المتقدمة مشكلة أساسية طالما شكلت عائقا أساسيا أمام التنمية الجهوية، إن الأمر يتعلق بالتوازن في توزيع الاختصاصات داخل الجهة ما بين السلطة المنتخبة من لدن الشعب والسلطة المعينة التي تمثل الدولة وكذا توزيع الاختصاصات ما بين المجالس الجهوية والدولة المركزية. وتحقيق هذا التوازن يعني حصر اختصاصات السلطات المركزية وترك المجال واسعا للسلطات الجهوية في إطار نوع من التكامل بين الاختصاصات .

إن تحقيق مبدأ التوازن والتناسق بين الصلاحيات يقتضي تحديد الاختصاصات الحصرية المنوطة بالدولة مع تمكين المؤسسات الجهوية من الصلاحيات الضرورية للنهوض بمهامها التنموية مع مراعاة لمستلزمات العقلنة والانسجام والتكامل. هذا التوجه يقابله مبدأ يقوم على قاعدة توازن الدولة الذي يجعل الدولة في إطار الجهوية الموسعة تحتفظ بمقومات الفعل السياسي وما يستتبعه من مهام واختصاصات. فهو لا يعني تذويبا لصلاحيات الدولة ولا تضخيما غير معقلن لصلاحيات الجهات التي تبقى الفاعل المرجعي في شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية ([27]) .

إن الضرورة تفرض تدشين أساليب حديثة في الممارسة الإدارية والسياسية والانتقال بالوضع القانوني والدستوري للجهة إلى آفاق جديدة تعبر عن إرادة التأهيل الديمقراطي الذي يعترف باختلاف المقومات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للجهات ويمنحها الحق في تسيير شؤونها بنفسها وتدبير مواردها بواسطة هيئات منتخبة بطريقة ديمقراطية والتخفيف من حدة البيروقراطية والمركزية التي تعتبر أكبر معوقات التنمية على الصعيدين الوطني والمحلي.

كما يجب أن يعاد النظر في صلاحيات الوالي كممثل للدولة وحصر دوره في حدود المراقبة والتوجيه وخدمة المجلس وإعطاء سلطة التقرير والتنفيذ لرئيس المجلس الجهوي مع حصر دور السلطة الوصية في التوجيه والتقويم . أيضا لابد من إعادة النظر في نمط انتخاب المستشارين الجهويين لإعطائهم الشرعية الجهوية من خلال الاقتراع المباشر على أساس دوائر انتخابية جهوية أوسع من الدوائر الانتخابية الجماعية مع الاحتفاظ بالنمط اللائحي لضمان تمثيلية سياسية أوسع. ومن الضروري أيضا تمكين الجهة من الموارد المالية المناسبة والكافية وإسناد صلاحية الآمر بالصرف لرئيس المجلس الجهوي ، تزويد المجالس الجهوية بالموارد البشرية الكفئة والمكونة لبلورة تدخلات الجهة على أرض الواقع وتزويد المجالس الجهوية بمجلس جهوي اقتصادي واجتماعي يلعب دورا استشاريا يساعد مؤسسة الجهة في مهامها الاقتصادية والاجتماعية. وفي نفس السياق ولإبعاد خطر عدم الانسجام والتناسق في الأنشطة بين مختلف المصالح الخارجية والمؤسسات العمومية الجهوية، يكون من الضروري إحداث لجنة تقنية جهوية تطبيقا لإحدى توصيات لجنة الجهات التابعة للمناظرة الوطنية السابعة للجماعات المحلية وتفعيل دورها بتسريع إصدار المرسوم المتعلق باللاتركيز الإداري. ومن الأمور الواجب أخذها بعين الاعتبار ضرورة الفصل بين مهام والي الجهة ومهام العامل التي يقوم بها حاليا ومنها المحافظة على النظام العام، ذلك أن جمعه لعدة وظائف لا يؤهله للقيام بدوره بشكل فعال على المستوى الجهوي، فمجهوداته ستظل مشتتة إذا استمر في الجمع بين مهام والي الجهة وعامل العمالة أو الإقليم. فبالنظر للدور التنموي الذي يجب أن تلعبه الجهة يجب حصر دوره في كل ما يتصل بالاستثمار والجوانب الاقتصادية ومنها التنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين المختلفين ([28]) . وبذلك يمكن نقل مجموعة من اختصاصاته للمجالس الجهوية المنتخبة باعتبارها الأجهزة الكفيلة للقيام بذلك وبالتالي الحد من تدخل الجهاز التنفيذي في مجالات لا تتواءم مع أدواره الحقيقية.

إن إنجاح أي سياسة للجهوية يتطلب أولا وقبل كل شيء إصلاح سياسة اللاتركيز الإداري، هذه السياسة التي تعد أحد أهم الرهانات لبرامج الإصلاح الإداري وترتبط مباشرة بالاستجابة لتطلعات المواطنين والفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين للدولة على الصعيد المحلي. كما أن تحقيق اللاتركيز الإداري يعد أمرا ضروريا لإنجاح عملية ترشيد العمل الإداري وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها الدولة.

وتتطلب سياسة اللاتركيز الإداري تطوير سياسة الشراكة بين مختلف مصالح الدولة والجماعات المحلية، تحديد طبيعة الاختصاصات المخولة للإدارة المركزية وتلك التي ينبغي أن تفوت للمصالح الخارجية، حيث يجب أن تظل المصالح المركزية تمارس فقط الاختصاصات المرتبطة بمجالات التصور والتوجيه والتقييم والمراقبة، في حين تسند الأعمال ذات الطابع المحلي للمصالح الخارجية. كما ينبغي دعم العمل المشترك والتنسيق المحكم والتوجيه الموحد لأعمال المصالح الخارجية الممثلة لجميع الوزارات على صعيد واحد لأجل تنفيذ السياسات التنموية الجهوية وتطبيق برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية المندمجة نظرا لتشعب المشاكل المطروحة، الأمر الذي يستلزم إيجاد حلول شمولية واتخاذ إجراءات متناسقة ([29]) .

يظهر إذن بأن اللاتركيز الإداري يعتبر إحدى أهم الأولويات في مجال الإصلاح الإداري ونمط أساسي لإعادة تنظيم الإدارة بهدف الرفع من فعاليتها، فالجهة بإجماع كل المهتمين أصبحت أداة أساسية في تفعيل سياسات اللامركزية واللاتمركز، خصوصا بعد مأسسة نظام ولاة الجهات ([30]) ووضع أليات قانونية لللاتمركز الإداري في مجال تفعيل وتنشيط الاستثمار الجهوي. ولهذا السبب يصبح من الضروري إعادة النظر في الإطار القانوني والمؤسساتي لللاتمركز الإداري ووضع ميثاق وطني له قصد عصرنة هياكل الدولة وتحديث وسائل عملها دون أن ننسى إعادة النظر في تنظيم المصالح الخارجية واختصاصاتها على الصعيد الجهوي ومنحها سلطات تقريرية تجعلها محاورا فعالا وإيجابيا في السياسة التنموية العامة.

يأتي إذن الخطاب الملكي ليوم 6 نونبر 2008 كمرحلة حاسمة في تعزيز المقاربة الجهوية من خلال دعوة الحكومة إلى إعداد ميثاق لللاتمركز يضمن توزيعا حقيقيا للاختصاصات بين الإدارة المركزية والمصالح اللامركزية وتفعيل الإصلاح الذي شمل الميثاق الجماعي عبر إعطاء صلاحيات واسعة للمؤسسات الجهوية. ولكي تكون هذه الأخيرة في المستوى المطلوب يجب تقييم عملها عبر تعزيز أليات الشفافية والمساطر القانونية لكي تصبح اللامركزية أداة تجعل من كل جهة قوة اقتصادية منتجة لا مستهلكة ([31]).

وعلى المستوى القانوني والتنظيمي ينبغي تحديد إطار عمل المندوبيات ومنح التفويض لرؤساء المصالح الخارجية في البث والتقرير بغية ضمان سرعة الإنجاز ناهيك عن تعزيز صلاحيات الجهة ومراجعة أمر الوصاية عليها مع تفعيل دور اللجان خاصة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية . كما لا يفوتنا الحديث على ضرورة توفير مراصد جهوية للتعرف على معدلات الشغل والتنمية مع التنصيص قانونا على نشر المعطيات التي تتوصل إليها لما لذلك من أهمية بالغة سواء في وضع خطط للتنمية الجهوية أو في إغناء البحث العلمي كما يجب التأكيد على وجوب الضبط العقاري ومعرفة الملك الجماعي لأن من شأن ذلك توفير موارد مالية قارة للجهة ولباقي الجماعات المحلية الأخرى ([32]) .

إن السعي الملكي لإيجاد جهات قائمة الذات وقابلة للاستثمار من خلال بلورة معايير عقلانية وواقعية لمنظومة جهوية جديدة أصبح يفرض التعاطي العقلاني والموضوعي والإدماجي للمعايير التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع مراعاة الإمكانات والمؤهلات الاقتصادية والاجتماعية للجهات. وعليه فإن التقسيم المؤمل للجهات حسب بعض الباحثين يجب أن لا يتجاوز ثماني أو ست جهات بالشكل الذي يعمل على تجميع إمكاناتها ومؤهلاتها الاقتصادية ويخدم آفاق تطورها المستقبلي في ظل العولمة. هذا التوزيع السداسي الضيق قد يحقق فائدة التقسيم الجهوي القطبي المعتد بالقيمة المرجعية للحواضر المغربية الكبرى، إلا أنه قد يستدعي ضرورة التعامل معه بالمعايير الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضرية وأيضا إمكانات التطور المستقبلي الماكرو والميكرو اقتصادي للإمكانات الجهوية المتوفرة ([33]) .

إن التقسيم الجهوي المنتظر ينبغي أن يتأسس على معايير علمية وموضوعية تقوم على إدماج المؤهلات والخصوصيات المحلية الجغرافة والثقافية والاجتماعية لإنشاء مؤسسات جهوية قادرة على تحقيق رهانات التنمية الجهوية، كما يجب أن يراعي تحقيق التكافؤ بين الجهات على مستوى المقومات الديمغرافية والاقتصادية وعلى مستوى الإمكانيات التجهيزية والمرافق الاقتصادية بغية تنمية متوازنة ومتناسقة تعود بالفائدة على مجموع المكونات الترابية والبشرية للجهة.

تقتضي الجهوية الموسعة أيضا إشراك النخبة المحلية في تدبير الشأن العام، يعني تمكين الجهات من أجهزة تنفيذية وتشريعية تتمتع بقدر من الاستقلالية وقادرة على اتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنمية الشاملة.

لكن الاستقلال المطلوب للجهات هو استقلال إداري ومالي لا يختلف كثيرا عن الاستقلال الممنوح لباقي الجماعات المحلية لتمكينها من مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية لتسريع وثيرة اتخاذ القرارات في الوقت المناسب دون الرجوع إلى المركز بما يتطلبه ذلك من ضياع للوقت والجهد، وتمكينها من الموارد المالية الضرورية لتحقيق المشاريع التنموية اللازمة. وكل ذلك يجب أن يتم في إطار الدولة الوطنية الموحدة ، لأن الهدف من هذا الاستقلال ليس هو الخروج عن السيادة الوطنية أو تجزئ هذه السيادة بل الانخراط والانضمام لهذه السيادة والإسهام في المحافظة على الوحدة الوطنية.

المطلب الثاني: على المستوى الاقتصادي والاجتماعي

إن من أهم الدعامات التي ترتكز عليها الجهوية المتقدمة هو ترسيخها لمفهوم التضامن. هذا المفهوم الذي دشن له المغرب منذ إعلانه عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وأكد عليه في الإصلاحات المتتالية والمتعلقة خصوصا بالتعديل الذي طال الميثاق الجماعي والذي ركز على أهمية التدبير التشاركي والتضامني القائم على أساس إشراك جميع الطاقات والفعاليات للنهوض بالشأن المحلي وحل المشاكل المتعلقة به، مع إدماج النوع البشري في مسلسل التنمية على جميع المستويات . واليوم تستمر الجهود في نفس المنحى بإقرار التضامن على المستوى الجهوي أيضا، حيث أن التنمية الجهوية لن تكون متكافئة إلا إذا كان هدفها هو تمكين كل جهة من استثمار مؤهلاتها وإمكاناتها على الوجه الأمثل في إطار من التعاون والتكامل مع الجهات الأخرى .

إن التضامن بين الجهات أو التضامن الوطني وكلها مسميات لقاعدة مقابلة وهي قاعدة تضامن الدولة مطلب رئيسي في إطار الجهوية الموسعة، إذ ان التنوع في الإمكانات والوسائل يلزم أن يتوحد على مستوى دعم شروط تنمية الدولة الواحدة اقتصاديا واجتماعيا، وهذا ما يستدعي استثمار كل جهة لمؤهلاتها على الوجه الأمثل مع إيجاد أليات ناجعة للتضامن المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق في مغرب موحد ([34]) .

إن مبدأ التضامن يفرض إعادة النظر في توزيع الثروات اعتمادا على أليات محددة ومدروسة وذلك للتغلب على الفوارق والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين الجهات ولتجاوز مجموعة من المشاكل طالما أثيرت في التجارب الجهوية في العالم وخصوصا وجود جهات غنية بجانب أخرى فقيرة مما سيطرح مشكل توزيع الثروات بشكل أكثر حدة في المغرب. لذلك أكد جلالة الملك على أن التضامن الوطني الذي يعتبر حجر الزاوية في الجهوية المتقدمة يقتضي بالإضافة إلى تحويل الاختصاصات للجهة، توفير موارد مالية ذاتية وعامة. كما أن نجاح الجهوية رهين باعتماد تقسيم ناجع يتوخى قيام مناطق متكاملة اقتصاديا وجغرافيا ومنسجمة اجتماعيا وثقافيا اعتمادا على المقاربة الديمقراطية التشاركية. فالجهوية الموسعة لا يمكن اختزالها في تغيير للهياكل الإدارية للدولة فحسب ، بل تعني تقييد الدولة المركزية وإعطاء استقلالية أكبر للجماعات المحلية بما فيها الجهات، وإعادة توزيع السلطة والثروة ونهج سياسة القرب في تسيير الشأن المحلي. فالجهة تعتبر المستوى الملائم لمشروع التنمية الترابية باعتبارها فضاء انتقاليا بين المنظور الوطني وبين الطموحات المحلية ووسيلة لتحقيق التكامل بين السياسات الوطنية والبرامج المحلية. إنها شكل من أشكال المصالحة مع المجال وإقامة نوع من التوازن بين المغرب النافع والمغرب غير النافع على اعتبار أن هذه الجهوية تشكل إمكانات كبرى لتعميم التنمية والتوزيع العادل للثروات ([35]) .

وتحقيق الشراكة كمطلب أساسي في مشروع الجهوية المتقدمة ليس بالأمر الهين، حيث يصعب تحقيقها في ظل اختلاط الأدوار وفوضى التدخلات والمسؤوليات وصعوبة معرفة حدود اختصاص كل طرف. فتدقيق الاختصاصات هو وحده الذي يسمح بتحقيق شراكة حقيقية وعلى أسس واضحة يعرف فيها كل شريك ما له وما عليه ويتحقق التكامل الذي يخدم الحكامة الجيدة والتدبير الناجع للشأن العام .

إن تحقيق الحكامة الجيدة يتطلب بالضرورة التوظيف السليم والعقلاني للموارد المالية والبشرية المتاحة لخدمة التنمية المنشودة، ولن يتحقق ذلك إلا في إطار تحديد المسؤوليات ورسم الحدود للتدخلات المختلفة يتبعها تقييم دور كل طرف على حدة بواسطة مراقبة التدبير التي ترمي إلى الوقوف على فعالية الأداء ومدى تحقيق الأهداف المسطرة بأقل كلفة وبأقل توظيف للأموال العامة ([36]) .

إن ضرورة تدقيق وتوضيح الاختصاصات يجب أن ترافقها إعادة توزيع الموارد بين الجماعات العمومية بشكل يتناسب مع حجم اختصاصاتها وتقوية وتفعيل التنسيق بينها وبين مصالح الدولة لتحقيق الانسجام في تدخلاتها بدل التضارب والتنازع. وهنا لابد من الإشارة للدور الذي يمكن أن يلعبه والي الجهة سواء في علاقته بالمصالح الخارجية للدولة وخاصة الجهوية منها أو في علاقاته مع الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية. فبالرغم من عدم وجود نصوص قانونية تحدد بدقة حدود دوره، فإن الرسالة الملكية حول التدبير اللامتمركز للاستثمار الموجهة للوزير الأول بتاريخ 9 يناير 2002 ([37]) قد أكدت على أهمية الاختصاصات المنوطة به ودوره كممثل فعال للدولة على مستوى الجهة وذلك للدفع بوتيرة الاستثمارات نحو الفعالية والسرعة والتنسيق بين تدخلات مختلف القطاعات بشكل يضمن توحيد اتخاذ القرارات .

ولقيام والي الجهة بهذه المهام حثت الرسالة الملكية على إحداث مراكز جهوية للاستثمارات تحت رئاسته تكون بمثابة الأداة الأساسية لتحفيز الاستثمارات وتحقيق التكامل والانسجام والتناسق بشأنها.

كما لا يفوتنا التذكير بأهمية التخطيط في المقاربة الجهوية الجديدة وذلك لتحقيق التكامل في أدوار واختصاصات الفاعلين العموميين وكل الناشطين في حقل التنمية. إذ يطرح البعد التخطيطي نفسه على المستوى الجهوي بعدما تم التأكيد عليه في الميثاق الجماعي الجديد ([38]) باعتبار أن التخطيط هو الوسيلة المثلى لرصد الحاجيات والإمكانات وبلورة الاستراتيجيات التدبيرية الكفيلة بتفعيل هذه الإمكانات وتلبية هذه الحاجيات. إنه وسيلة مهمة تمكن من التركيز على الأولويات وتحديد الهياكل والوسائل المناسبة لتنسيق مختلف التدابير وتتبع مشاريع التنمية كما يشكل منهجية توجه مختلف الفرقاء المحليين وتسهل عملية التواصل بينهم.

وتفعيل التخطيط على هذا المستوى من شأنه فتح باب التشاور والتنسيق بين الجهود والإمكانات المتاحة بين الأطراف المعنية وتعميق مساهمة مختلف مكونات المجتمع المدني في كل مراحل إعداد المخططات للوقوف على الحاجيات الحقيقية للسكان وإقرار أليات للتتبع والتقييم لإنجاح البرامج والمشاريع المزمع إنجازها. ولابد في هذا الإطار من توخي التنسيق بين المخططات المحلية بما فيها المخططات الجهوية والمخططات الوطنية وفق مقاربة شمولية تشجع النظام التعاقدي بين الدولة والجماعات المحلية.

كما يجب دعم اللامركزية المالية وذلك من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات يبقى من أهمها تمكين الجهة من موارد مالية قارة خاصة من خلال إحداث نظام جبائي جهوي رصين مع تمكين الجهة من الحصول على قروض إضافية وتعزيز المكانة القانونية لرقابة المجالس الجهوية للحسابات. هذا إلى جانب العمل على خلق مناطق صناعية ومساهمة الجهة في شركات الاقتصاد المختلط ودعم إحداث المقاولة دون أن ننسى الدور الذي تلعبه المراكز الجهوية للاستثمار في تبسيط الإجراءات وتشجيع المقاولين من خلال نظام الشباكين ([39]) .

تعتبر الجهة بصفة عامة الإطار الأمثل لبلورة استراتيجيات بديلة للتنمية مبنية على تعبئة الطاقات المحلية والجهوية ومساهمة السكان . لقد أصبحت مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالبحث عن أنجع الوسائل والحلول للمشاكل الاقتصادية المطروحة وخصوصا تعقد الآليات القانونية والإدارية التي لها انعكاسات سلبية على مشاريع الاستثمار الوطنية والأجنبية ([40]). فاستقطاب الاستثمارات يشكل إحدى الآليات الضرورية لتمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما يعد من أهم الوسائل للتسريع بوتيرة النمو الاقتصادي زيادة على الاستفادة من الخبرات الأجنبية في هذا المجال .

إن الأمر يفرض تحديد استراتيجية للتنمية الجهوية تكون قادرة على مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الآنية والمستقبلية عبر إجراءات ذات طابع محلي وجهوي تتم في إطار مقاربة مجالية جديدة وذات أبعاد متعددة تستمد أسسها من الاندماج المنسق لمختلف الاختيارات والأهداف الوطنية ومن تعبئة الطاقات والإمكانات المحلية التي تزخر بها الجهات المغربية في اتجاه يسعى إلى الرقي بالتنمية الجهوية وجعلها سياسة اقتصادية واجتماعية متطورة ([41]).

وتحقيق الشراكة لا يقتصر فقط على المجال الاقتصادي، بل يجب أن يطال أيضا المجال الاجتماعي بإشراك الجميع في مسلسل التنمية المستدامة، باعتبار أن الديمقراطية تبقى عقيمة في ظل غياب مشاركة حقيقية للمجتمع المدني. هذا الأخير الذي يضم الجمعيات الوطنية والمحلية وجمعيات الأحياء ومنظمات غير حكومية وغيرها، يعتبر شريكا حقيقيا للتنمية وجماعة ضغط جديدة يمكن أن تلعب أدوارا طلائعية وديناميكية من خلال تأطيرها للمواطنين ومساعدتهم ماديا ومعنويا.

أما تعزيز القرب من المواطن، فإنه يشكل هو الآخر التوجه المتجدد لمتطلبات الإدارة المواطنة القريبة من اهتمامات وتطلعات المواطن في الخدمة العمومية الجيدة، كما أن مطلب الاندماجية في مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يعتبر هو الآخر آخر الأدبيات التي تحكم التوجهات التنموية المعاصرة ([42]) .

تأتي اللامركزية اليوم بمستوياتها الثلاثة في سياق البحث عن توازن سياسي جديد وتوزيع جديد للسلطة وتصور جديد للمجال لتجاوز الاختلالات التي رافقت أزمة الدولة فاتجهت لدعم مشروعية سياسية جديدة طلبا للفعالية والجودة والعقلانية. وليست الحكامة سوى إنتاج مباشر لعدم قدرة السياسات العمومية على تحقيق النتائج المرغوبة على مستوى التقليص من الفوارق الاجتماعية والتصدي للتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية السلبية الناتجة عن المنافسة الدولية، إنه بعد تحويلي من أبعاد الفعل العمومي يقوم بتحويل الرغبات والآمال نحو المناطق كما لو كانت ستجيب بطريقة أحسن عن نتائج الأزمة ([43]) .

المطلب الثالث: على المستوى السياسي: من الجهوية الإدارية إلى الجهوية السياسية

إن اللامركزية الإدارية يجب أن تصاحبها لامركزية سياسية لخلق تنافس حقيقي بين الجهات وإشراك هذه الأخيرة كسلطة تقريرية في مختلف البرامج والمشاريع التنموية. يجب إذن إعطاء الشرعية الديمقراطية لمؤسسات الجهوية لتعزيز الدينامية السياسية التي يجب أن تسود بين المواطن والسياسي لجعل الجهوية الموسعة أداة حقيقية لزرع أدبيات سياسة القرب والتدبير التشاركي ([44]) .

إن الجهوية المتقدمة ليست جهوية إدارية واقتصادية فقط ولكنها أيضا جهوية سياسية تسعى إلى مأسسة العمل الجهوي محليا بإحداث مؤسسات جديدة لها سلطات تقريرية وتنفيذية وهذا ما تفتقده التجربة الجهوية الحالية التي تعاني من كثير من الاختلالات على المستوى القانوني والتنظيمي وغيره. إن التحدي الذي يواجه المغرب الآن يتمثل في كيفية الحفاظ على وحدته الوطنية وفي الوقت نفسه اعتماد نظام جهوي فعال يضمن توزيعا عادلا للموارد والثروات والتوازن في الاختصاصات بين السلطة المركزية والسلطات المحلية.

إن إعطاء صلاحيات كبرى للجهات المحلية ما هو إلا تطبيق عملي لخيار الحكم الذاتي ([45]) الذي اقترحه المغرب لتحرير أقاليمه الصحراوية ونموذج يمكن هذه الأقاليم من تسيير شؤونها بنوع من الاستقلالية وتحقيق التنمية المرجوة على جميع المستويات لكن دون الانسلاخ عن السيادة المغربية والوحدة الوطنية ([46]).

إذن يمكن لمشروع الحكم الذاتي ([47]) أن يجد بعض مقوماته في الجهوية الموسعة خصوصا بالنسبة لأقاليمنا الصحراوية وليس بالضرورة أن يشمل جهات أخرى غير الصحراء. إن المناداة اليوم بالجهوية الموسعة الغرض منها إيجاد تسوية للمشكل القائم في الصحراء المغربية والوصول إلى حل بشأن هذه الأخيرة، لكن هذا لا يعني أن الجهوية الموسعة تتطلب تفعيلا في باقي الجهات وعندما تطرح ضرورة تفعيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية فيجب اعتباره نموذجا من نماذج الجهوية الموسعة ([48]) .

لقد أصبح النظام الجهوي المتقدم من بين أهم الخيارات لحل قضية الصحراء الغربية، وذلك بتوسيع اللامركزية وتمكين السكان المحليين من بناء جهاتهم من خلال المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية على الصعيد الوطني والمحلي وبناء نظام ديمقراطي يتكامل فيه البعد السياسي مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إن الجهوية السياسية المرجوة هي فضاء للتشاور والتحاور وأسلوب يمكن من تجميع الجهود وتنميتها من أجل تعميق مبادئ اللامركزية وتحقيق تنمية شاملة. ليس الهدف إذن من الجهوية الموسعة فقط تجاوز ثغرات الجهوية الإدارية المعمول بها حاليا، بل أيضا محاولة استيعاب مشكل الصحراء المغربية بشكل ديبلوماسي وإيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف المعنية.

إنها أسلوب سياسي وإداري يسهل عملية الاندماج والوحدة والتعاون بين مختلف الجهات وتعميق التعددية السياسية والثقافية ، إنها أقصى درجات اللامركزية في إطار الدولة الموحدة دون الوصول إلى مستوى الدولة الفيدرالية، حيث تتوفر الجهة من خلالها على سيادة واستقلال نسبي وبالتالي، فهي وسيلة لتحديث الدولة دون تجزئ سيادتها. إن مقترح الحكم الذاتي بإمكانه منح الجهة فرصة لتوجيه جهودها نحو بناء اقتصادياتها وثقافاتها وهوياتها.

إن الجهود منصبة على تأسيس نظام قانوني وسط بين الدولة الموحدة والدولة الاتحادية، نظام يتعدى نطاق اللامركزية الإدارية ولا يرقى إلى مستوى الدولة الاتحادية. إن الأمر يتعلق بسلطة سياسية حقيقية متميزة عن سلطة الدولة، إنها جماعة ديمقراطية يتم تسييرها من قبل أجهزة سياسية منتخبة بطريقة مباشرة وهي لا تتوفر فقط على اختصاصات إدارية بل أيضا على اختصاصات تشريعية وتنظيمية محددة دستوريا.

فلكل جهة سلطة تشريعية وهي مجلس الجهة الذي يعود له اختصاص إصدار القوانين وسلطة تنفيذية تتولى تنفيذ القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية مع حق تنظيم شؤونها الذاتية بنفسها. لكنها في كل ذلك مقيدة بمراعاة الدستور واحترام قوانين الدولة والمصلحة الوطنية بصفة عامة . ولهذا فإن استقلال الوحدات الجهوية في إطار الجهوية الموسعة لا يغني عن وجود رقابة من قبل الدولة الوصية والتي يمكن أن تتخذ أشكالا عديدة قد تتعدى نطاق المشروعية لتتناول أيضا الملائمة ، هذا دون أن ننسى أهمية الرقابة القضائية وغيرها لتحقيق نوع من التجانس بين المصالح الجهوية والمصلحة الوطنية.

لقد أخذت العديد من الدول بنموذج الجهوية الموسعة مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ([49]) . فهذه الأخيرة مثلا تبنت سياسة جهوية متقدمة استطاعت بفضلها أن تحتوي النزعات الانفصالية والمحافظة بالتالي على وحدة البلاد، ويطلق عليها الباحثون في علم السياسة بدولة الجهات المستقلة. كما أن إيطاليا والتي يطلق عليها بالدولة الجهوية، كانت تعرف اختلافا واضحا بين شمالها وجنوبها وساهم إقرار الجهوية السياسية في احتواء الثورات داخلها ونجحت في تقويم سلطتها التي كانت مهددة بانفصال الجنوب الإيطالي عنها. كما أن الأسلوب الجهوي للدولة الألمانية والمتمثل في أسلوب اللاندر دعم وحدة هذه الدولة وساهم في تطورها وقوتها ([50]) .

هذه الأمثلة الناجحة في مجال الجهوية المتقدمة يمكن للمغرب أن يحتذي بها بالرغم من أنها جاءت أساسا لتقديم أجوبة سياسية لقضايا عرقية وانفصالية أكثر منها تكريسا لنظام ديمقراطية محلية، حيث يمكنه اغتراف الشكل والمضمون الذي يجب أن يكون عليهما التنظيم الجهوي المغربي الموسع، لكن من الضروري مراعاة الخصائص التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية المغربية، هذا الأمر يجب أن يواكبه تفكير في مسألة إعادة النظر في التقسيم الجهوي الحالي وكذا مسألة الهياكل الواجب وضعها والاختصاصات المنوطة بكل منها.

ويعتبر الفكر الحسني السباق في وضع الأسس والإرهاصات الأولى للجهوية المتقدمة وخصوصا منح الصحراء المغربية حكما ذاتيا في إطار الدولة المغربية. ففي حديث صحفي خص به المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني صحيفة لوموند الفرنسية في 4 غشت 1988 أكد فيه : ” … لقد قلت دوما منذ أن توليت الحكم أني آمل أن أترك لخلفي مغربا مبنيا على شاكلة المقاطعات الألمانية المسماة اللاندر، لأن بلدي له من التنوع ما يجعلني لا أرغب في أن أضعف قوته ، إني أحب أن تكون هناك براعم عن اليمين وعن اليسار حتى لو كانت بها أشواك ولكن إذا تعين علي أن أقوم بشيء من أجل الصحراء بعد ذلك فإني لن أقوم به من أجل الصحراء فقط وهذا إذا قال الصحراويون أنهم يريدون أن يبقوا مغاربة كما أنا مقتنع بذلك ” . كما أن الخطاب الذي القاه في نفس السنة أمام المجلس الاستشاري الجهوي للوسط الشمالي أكد فيه على فكرة تكريس النظام الجهوي الشيء الذي جعل من هذا الخطاب الإطار المرجعي الذي وضع الخطوط العريضة لمستقبل الجهة بالمغرب : ” إن ما كنت دائما أحلم به هو أن أترك لخلفي مغربا ينعم ببرلمان يمثل الوطن أسمى تمثيل
وحكومة تنفذ السياسة التي تكون قد قررها الملك بعد الإنصات إلى الحكومة والبرلمان وأساس ذلك كله هياكل جهوية لها من الإمكانات تشريعيا وماليا وإداريا ما يجعلها قادرة على أن تعبر بصوت جماعي بقطع النظر عن اختلاف الأحزاب أو المشارب السياسية عن الحاجيات وعن المطامح المخططة والبانية والمطبقة على أراضيها… ” .

ويأتي الملك محمد السادس ليكمل المسيرة التي بدأها والده وجعلها حقيقة ملموسة مؤكدا في خطابه السامي لسادس نونبر 2009 على : ” أن تكون الأقاليم الصحراوية في صدارة الجهوية المتقدمة المنشودة بما يعزز تدبيرها الذاتي لشؤونها المحلية “. ولهذا السبب بالذات تم تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية من طرف جلالة الملك من أجل تفعيل الجهوية المتقدمة من خلال إعادة النظر في بنية الدولة ومقومات النظام السياسي وعلاقة السلطة المركزية بالسلطات المحلية وتقييم موضوعي للسياسات الترابية المتبعة وإعطاء دفعة قوية للمشهد السياسي الذي يعرف تعثرات وعوائق عديدة.

ونظام الجهوية الموسعة ستمكن بدون شك لكافة الصحراويين مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء وستمكنهم من تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع باختصاصات حصرية، كما ستوفر لهم الموارد المالية الضرورية لتنمية الجهة في كافة المجالات والإسهام الفعال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة ، مع احتفاظ الدولة باختصاصاتها في ميادين السيادة لاسيما الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية والدينية لجلالة الملك أمير المؤمنين ([51]).

إن الاستراتيجية التي يسلكها المغرب حاليا لتكريس وحدته الترابية، من شأنها أن تمكنه من تطوير مشروعه الديمقراطي المرتكز على الجهوية بتفعيله على أرض الواقع وتمكين الأقاليم الصحراوية مع باقي الجهات من إنشاء أجهزة تمثيلية ذات اختصاصات وإمكانات فعلية تسمح لها بتدبير شؤونها المحلية وتحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والثقافية المنشودة. وبالرغم من التخوفات التي تطرحها هذه الجهوية الموسعة، فإنها تبقى محطة ضرورية لابد منها . فالجهة تظل جماعة محلية وهي موجودة على أي حال وتطويرها إلى جهوية سياسية يقتضي وضع الكثير من الترتيبات التي تحمي الدولة الوطنية وفي الوقت ذاته منح سلطات تشريعية وتنفيذية للجهات مع وضع ضمانات لذلك قد تكون دستورية ورقابية يتم بموجبها الحفاظ على الوحدة الوطنية وذلك لتفادي مشاكل الحركات الانفصالية كما عرفتها بعض التجارب الأوربية وعلى رأسها إسبانيا التي أخذت بهذا النموذج. لابد إذن من تحصين الوحدة الترابية عبر إجراءات دستورية وغيرها احترازية واحتياطية مع إمكانية إقرار جهوية موسعة للجهات فيها صلاحيات واسعة ولكن على ([52]).

إن أهم ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن يكون نموذج هذه الجهوية مغربي مغربي كما أكد على ذلك جلالة الملك ، بمعنى أن يكون مرتبطا بالهوية الوطنية أرضا وفكرا من خلال التأكيد على التميز المغربي المتنوع الروافد الثقافية والمجالية المنصهرة في هوية وطنية موحدة. إذن لابد من استيعاب الخصوصيات الثقافية والتعددية الإثنية من جهة والحرص على تحقيق التكامل المجتمعي والتضامن بين الجهات والاعتراف بنوع من السيادة للجهة لتحديث الدولة لكن دون تجزئة سيادتها. بصيغة أخرى فإن الجهوية المتقدمة تسعى إلى تغيير طبيعة التعاقد السياسي إلى تعاقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع يستلهم أسسه من الهوية التاريخية للمغرب ، ويستند إلى الإصلاحات الميكروسياسية أي ما يتعلق بالسياسات
العمومية من خلال إعادة التقطيع الترابي ونقل السلطات في إطار نظام الدولة الموحدة .

فالوحدة التي تنبني على وحدة الدولة والوطن والتراب والتي تحيل في معناها الملكي إلى التشبث بمقدسات الأمة وثوابثها، بالإمكان اعتبارها المرجعية الصلبة في كل توجه مستقبلي للجهوية الموسعة ، بل إن التجارب الدولية في هذا الإطار تؤكد على الأولوية التي يجب إعطاءها لهذا المبدأ المحوري الذي يجعل وحدة الدولة القاعدة الجامعة لاعتبارات التنوع المجالي والاثني والثقافي . فالجهوية الموسعة يجب “أن تكون تأكيدا ديمقراطيا للتميز المغربي الغني بتنوع روافده الثقافية والمجالية المنصهرة في هوية وطنية موحدة ” ([53]) .

إن أي تصور للجهوية الموسعة لابد أن يأخذ بعين الاعتبار التغيرات والعوائق السياسية والاجتماعية التي طبعت المسار الديمقراطي للبلاد، وأن يعطي إجابات عملية للمشاكل العالقة الأمر الذي يدعو إلى سن سياسات جديدة للتخطيط وإعادة النظر في التدبير والمعالجة السابقة ومراجعتها على أسس ناجعة ومعقلنة، على اعتبار أن تطبيق الجهوية لن ينجح في ظل غياب إصلاحات عميقة وحقيقية خاصة بعدما طلب الملك من اللجنة الاستشارية للجهوية أن تضع نصب أعينها ضرورة إيجاد خارطة طريق لنموذج مغربي للجهوية نابع من خصوصيات بلدنا لا يستثني الأقاليم الجنوبية المعنية الأولى بتطبيق الجهوية الموسعة كخطوة هامة نحو بداية الإعداد العملي لبناء التصور المغربي حول الحكم الذاتي في الصحراء ([54]) .

إن الخصوصية المغربية تكمن أولا في تنوع جهات المغرب بفعل تميز كل جهة بخصوصياتها من حيث الطبيعة والمناخ والتقاليد والعادات لدرجة أن لكل جهة ثقافتها المتميزة وطابعها الخاص في ظل الوحدة الوطنية. لذا فإن هذه الخصوصيات لابد من أخذها بعين الاعتبار في وضع تصور لنظام جهوي مغربي متقدم. فمن خلال الخطاب الملكي نستنتج أن ما عدا مسألة المقدسات، فإن كل شيء قابل للنقاش حتى يساير التطورات المستجدة الهادفة إلى تحقيق النماء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بكيفية متوازنة ومعقلنة. لذا فإن خصوصيات الأقاليم الجنوبية المسترجعة تفرض نفسها ضمن هذا التصور لجهوية متقدمة وهذا ما جاء به مقترح الحكم الذاتي فعلا. كما أن الجهوية الموسعة لابد أن تأخذ بعين الاعتبار وضع الجهات الأخرى كجهة الدار البيضاء الكبرى التي تتكون بكاملها من نسيج حضاري صرف. في حين هناك جهات شبه صحراوية في الجنوب الشرقي كالراشيدية وورزازات وهناك أيضا الجهات الشمالية التي لها خصوصياتها المتميزة لعدة عوامل. فمن الضروري أن تحدث إلى جانب منطقة الحكم الذاتي للصحراء المغربية المسترجعة جهات ذات نظام خاص اعتبارا لوضعها وخاصياتها وهذا ما يمكن أن يتصور عبر محورين أساسيين وهما: أولا عملية التقطيع الجهوي الذي ينبغي أن يتحكم فيه المنظور الجديد لجدوى الجهات الكبرى والتكامل والانسجام بين مكونات الجهة. ثانيا مسألة الاختصاصات التي من الضروري أن تكون أوسع بالنسبة لنظام الحكم الذاتي وتحمل كذلك استثناءات تميز الجهات ذات النظام الخاص. ولعل مسألة ما يخول من صلاحيات للجهة قد يكون هو المرآة التي تعكس مدى مكانة الجهة في سلم مسلسل تعميق اللامركزية ولا تمركز في التنظيم الترابي الجهوي المرتقب علما أنه بإمكان الدولة الاحتفاظ بوظائفها السيادية المرتبطة أساسا بالعدل والأمن والشؤون الخارجية ونقل أكثر ما يمكن من الاختصاصات للجهة.

عموما تبقى الجهوية المتقدمة حجر الزاوية في البناء التنموي الديمقراطي، لكنه رهين بإشراك الجميع أفرادا ومؤسسات لتحقيقه ومنحهم حرية الاختيار والعمل التشاركي لكن في إطار الدولة الوطنية، لأن لا جهوية بدون دولة راعية قادرة على استيعاب مختلف الشرائح الاجتماعية بتعدد مشاربها وتوجهاتها الثقافية والإثنية واللغوية.

إن المغرب اليوم يوجد أمام مجموعة من الرهانات التي تفرضها الجهوية المتقدمة، أولها اقتصادي أساسه تقليص الفوارق الجهوية والحد من الاختلالات المترتبة عن الانفجار الديمغرافي والتفاوت في الثروات وذلك عن طريق تنمية متوازنة لمختلف أجزاء المملكة فضاءها الجهة كإطار للدراسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية وإعداد التراب وأداتها جهوية التخطيط لتحقيق تنمية مندمجة للجهة الواحدة وتكامل بين مختلف الجهات. أما الرهان الثاني فهو رهان سياسي هدفه تقسيم السلطة بين الدولة والسلطة المنتخبة حلا لأزمة السلطة بوضع تصور جديد لها وذلك بإعادة النظر في تعريف وتحديد دور الدولة تخفيفا من مسؤولياتها وإعادة تأهيل دور الجهة بتفويض اختصاصات هامة لها في إطار جهوية متقدمة.


[1]تعني المركزية في مفهومها العام التوحيد وعدم التجزئة، أما في مجال التنظيم الإداري فيقصد بها توحيد مظاهر النشاط الإداري في الدولة وتجميعها في يد السلطة التنفيذية وفروعها في العاصمة والأقاليم بشكل يسمح بتوحيد النمط الإداري وتجانسه لكل أقاليم الدولة ولعموم شعبها. انظر مليكة الصروخ، القانون الإداري: دراسة مقارنة، طبعة 2، 1992 ، ص . 80.

[2]أنظر الفصل 94 من دستور 1992 والفصل 100 من دستور 1996.

[3]القانون رقم 96-47 المتعلق بالجهات الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير الشريف رقم 84-97-1 بتاريخ 23 من ذي القعدة  1417، 2 أبريل 1997 .ج .ر . عدد 4470 بتاريخ   1997/4/3 ص . 556 .

[4]المهدى بنمير، التنظيم الجهوي بالمغرب: دراسة تحليلية للقانون رقم 47-96 المتعلق بتنظيم الجهات ، سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية ، عدد 1997. 6 ص . 27 .

[5]أحمد محمد قاسمي، الشأن المحلي في سياق اللامركزية وعدم التمركز، السلسلة الإدارية ، عدد 1999 .4 ص . 33 .

[6]محمد دريب ، الجهوية بالمغرب: محاولة في التأصيل، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية عدد2010 . 6، ص . 32.

[7]ينص الفصل 102 من الدستور: ” يمثل العمال الدولة في العمالات والأقاليم والجهات ويسهرون على تنفيذ القوانين وهم مسؤولون عن تطبيق قرارات الحكومة كما أنهم مسؤولون لهذه الغاية عن تدبير المصالح المحلية التابعة للإدارات المركزية ” .

[8]  الفصول 6 و 7 و 8 من قانون الجهة.

[9]  الفصل 9 من قانون 97-47 .

[10]صالح المستف، الجهوية في مغرب الجهات، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية ، عدد6 ،2010 ، ص . 184.

[11]  محمد بوجنون ، السياسة الجهوية بالمغرب بين إكراهات الواقع ومتطلبات التنمية المحلية ، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية ، عدد 6 ، 2010 ، 67.

[12]محمد بوجيدة ، التنظيم الجهوي اللامركزي بالمغرب: دراسة تحليلية نقدية على ضوء القانون الجديد للجهات والممارسة العلمية، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع ، طبعة 1، ماي 2000 ، ص .4

[13]خالد فريد، الجهوية الموسعة بالمغرب وأهمية البعد السوسيوسياسي في مقاربة تدبير الشأن المحلي، سلسلة اللامركزية

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading