دكتور/ الطيب حسين محمود

كلية القانون -جامعة جوبا

مقدمة

تمهيد وتقسيم:

من المسلم به أن القرار الإداري ([1]) يستند في وجوده إلى ظروف (أسباب) واقعية أو قانونية تبرر إصداره. ويراقب القضاء الإداري مدى مشروعية هذه الظروف أو الأسباب من حيث وجودها المادي، وتكييفها القانوني، ومدى ملاءمة القرار الإداري للوقائع ([2])

على أن السؤال المطروح والذي تحاول هذه الدراسة الإجابة عليه هو: هل إن تغير الظروف الواقعية أو القانونية التي استوجبت إصدار القرار الإداري يؤدي إلى طلب إلغائه لعدم المشروعية؟

تبدو أهمية الإجابة على هذا السؤال في أن الظروف أو الأوضاع التي تحدث بعد صدور القرار الإداري قد تجعل الأفراد متضررين من وجود هذا القرار الذي كان قد صدر في ظل ظروف واقعية أو قانونية تبرر إصداره .

هذا وقد تعرض القضاء الإداري الفرنسي والمصري لما تحدثه الظروف الجديدة من أثر على مشروعية القرار الإداري، ولذلك فإن الباحث يتناول موضوع الدراسة في هذا الاطار، عسى أن يأخذ القضاء الإداري في السودان بهذه الفكرة، حماية لحقوق وحريات الأفراد.

وسوف يكون ذلك من خلال ثلاثة مباحث على النحو الاتي:-

المبحث الأول: ماهية القرار الإداري.

المبحث الثاني: تغير الظروف بين اللائحة الإدارية والقرار الإداري الفردي

المبحث الثالث: مدى مشروعية اللائحة الإدارية في ضوء تغير الظروف.

المبحث الأول

ماهية القرار الإداري

يتناول الباحث في التمهيد لهذه الدراسة ماهية القرار الإداري الذي قد يتأثر بالظروف الواقعية أو القانونية الجديدة. ويشمل ذلك: تعريف القرار الإداري، والتمييز بين اللائحة الإدارية والقرار الإداري الفردي لتحديد أيهما تتأثر مشروعيته بالظروف الواقعية أو القانونية اللاحقة على صدوره، ثم السبب الذي يحتم تدخل الادارة بإصدار القرار الإداري، وذلك فيما يلي:-

أولا: تعريف القرار الإداري:-

أورد الفقه والقضاء والتشريع تعريفات عديدة للقرار الإداري. فمن الناحية الفقهية جرى تعريف القرار الإداري بأنه عمل قانوني يصدر من جانب واحد بإرادة إحدى السلطات الإدارية في الدولة ويحدث آثارا قانونية بإنشاء وضع قانوني جديد أو تعديل أو إلغاء وضع قانوني قائم ([3]).

وقد ذهبت محكمة القضاء الإداري في مصر، وسايرتها في ذلك المحكمة الإدارية العليا ([4]) إلى أن القرار الإداري هو ” إفصاح الادارة في الشكل الذي يحدده القانون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح بقصد إحداث مركز قانوني معين متى كان ذلك ممكنا وجائزا قانونا وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة “([5]).

على أن هذا التعريف تعرض للانتقاد: فهو من ناحية ليس دقيقا، وذلك أن عبارة ” إفصاح الادارة ” الواردة في التعريف تنطبق على القرارات الإدارية الصريحة دون الضمنية، وهي قرارات لها نفس القيمة القانونية. ومن ناحية أخرى، إن هذا التعريف اهتم فقط بذكر شروط صحة القرار الإداري وأهمل الخصائص الأخرى والتي تميزه عن العمل المادي. وأخيرا إن التعريف قد حصر آثار القرار الإداري في إحداث مركز قانوني معين، في الوقت الذي يمكن أن يترتب على القرار- فضلا عن ذلك – تعديل أو إلغاء هذا المركز ([6]).

وقد عرف المشرع السوداني القرار الإداري في المادة الثالثة من قانون القضاء الإداري لسنة 2005 م بأن “يقصد به القرار الذي تصدره أية جهة بوصفها سلطة عامة بقصد إحداث أثر قانوني معين يتعلق بحق أو واجب شخص أو أشخاص ويشمل رفض تلك الجهات أو امتناعها عن اتخاذ قرار كانت ملزمة قانونا باتخاذه “.

وعند الباحث إن القرار الإداري هو العمل الذي يصدر بالإرادة المنفردة للإدارة بوصفها سلطة عامة بقصد تحقيق أثر قانوني معين.

ومن خلال التعريفات المذكورة أعلاه يمكن إجمال الخصائص المميزة للقرار الإداري فيما يلي:-

أ/ صدور القرار عن جهة إدارية:

وتعني هذه الخاصية للقرار الإداري أن يصدر القرار عن سلطة مختصة قانونا بممارسة شؤون الوظيفة الإدارية. وتشمل الجهات الإدارية السلطات الإدارية المركزية واللامركزية والهيئات والمؤسسات العامة وكافة الجهات المتمتعة بسلطات أشخاص القانون العام مثل النقابات المهنية كنقابة المحامين ونقابة الأطباء ([7]).

وتستفاد هذه الخاصية للقرار الإداري في القانون الفرنسي مما نصت عليه المادة (9) من قانون مجلس الدولة الصادر في 24 مايو 1872م والمادة (32) من القانون المنظم للمجلس الصادر في 31 يوليو 1945م من أن الطعن بدعوى تجاوز السلطة يكون في الأعمال الصادرة عن السلطات الإدارية المختلفة ([8])، والتي منها بطبيعة الحال القرارات الإدارية. أما في القانون المصري فإن هذه الخاصية واردة في تعريف القضاء للقرار الإداري بأنه ” افصاح الادارة ..”.

وقد جاء في قانون الخدمة المدنية القومية لسنة 2007 م في السودان أن عبارة “الوحدة ” أو الجهة الإدارية “يقصد بها أي رئاسة لوزارة أو أمانة أو جهاز تابع للحكومة القومية أو ديوان منشأ بقانون خاص أو هيئة أو جامعة حكومية أو مجلس مهني متخصص “([9]).

وهكذا فلا تعتبر القرارات الصادرة عن غير الجهات أو الوحدات الإدارية قرارات إدارية، كتلك الصادرة عن السلطتين التشريعية والقضائية.

ومن جهة أخرى ان خاصية صدور القرار الإداري عن سلطة إدارية تقتضي أن يصدر القرار بالإرادة المنفردة لهذه السلطة. ومن ثم فلا يدخل في معنى القرار الإداري الأعمال التي تقترن فيها إرادة الادارة بإرادة أخرى كالعقود مثلا.

وتطبيقا لخاصية صدور القرار الإداري عن جهة إدارية قضت المحكمة القومية العليا في السودان بأن ” كل قرار صادر من فرد أو هيئة تابعة للسلطة التنفيذية أثناء أدائها لوظيفتها يكون قرارا إداريا قابلا للطعن بالإلغاء” ([10]).

على أنه يلاحظ أن المشرع قد أغفل النص في المادة الثالثة من قانون القضاء الإداري لسنة 2005 م على الطبيعة الإدارية للجهة التي تصدر القرار الإداري حتى يكون القرار إداريا، وذلك بتعريف القرار الإداري بأنه القرار الذي تصدره (أية جهة) وكان يجب أن يحصر الأمر في جهة الادارة كما كان ينص قانون القضاء الدستوري والإداري لسنة 1996م الذي ألغي بقانون القضاء الإداري لسنة 2005م.

 ب / إصدار الجهة الإدارية القرار باعتبارها صاحبة سلطة عامة:

الخاصية الثانية للقرار الإداري هي أن يصدر القرار عن جهة إدارية بوصفها شخصا من أشخاص القانون العام. أي أن تصدر جهة الادارة هذا القرار وهي بصدد ممارسة وظيفة إدارية. أما اذا كان القرار قد صدر عن جهة إدارية متجردة عن هذه الصفة، أي كشخص من أشخاص القانون الخاص فلا سبيل إلى اعتبار هذا القرار قرارا إداريا.

وقد أشارت المحكمة القومية العليا إلى هذه الخاصية في حكمها الصادر بتاريخ 31/5/2005 م بقولها: ” ومن هذا التعريف (تعريف القرار الإداري وفقا لنص المادة 2 من قانون القضاء الدستوري والإداري لسنة 1996م الملغي الذي يقابل نص المادة 3 من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م ) يتضح لنا بأن القرار الإداري يجب أن يكون مصدره شخص من أشخاص القانون العام أي كسلطة عامة أو أحد فروعها المركزية أو المحلية أو هيئاتها أو مؤسساتها العامة. في الطعن الذي أمامنا إن من أصدر القرار لا يدخل في

وصف السلطة العامة المشار إليها وذلك لأن جامعة أم درمان الأهلية ليست مؤسسة عامة وبالتالي ينتفي الاختصاص للمحكمة الإدارية ” ([11]).

وحكمها أيضا ب ” أن ما ينازع فيه مقدم الطلب لا يمكن أن يكون قرارا إداريا حيث إن تعريف القرار الإداري والخاضع لمراقبة المشروعية من المحاكم هو القرار الذي تصدره أي جهة بوصفها سلطة عامة بقصد إحداث أثر قانوني معين يتعلق بحق أو واجب أي شخص أو أشخاص ويشمل رفض تلك الجهات أو امتناعها عن اتخاذ قرار كانت ملزمة قانونا باتخاذه، وواضح أن هذه الهيئة ” الهيئة المشتركة ” (لمياه النيل بين السودان ومصر) لا ينطبق على ما قررته ما جاء في هذا المعنى وهي هيئة مشتركة بين حكومة السودان وجمهورية مصر العربية وهي بذلك ليست سلطة عامة ” ([12]).

ج/ أن يستهدف القرار تحقيق أثر قانوني معين:

بالنظر إلى أن القرار الإداري تصرفا قانونيا فإنه يجب أن يكون القصد منه- ككل تصرف قانوني – تحقيق نتيجة قانونية معينة، بإنشاء مركز قانوني جديد لصاحب الشأن أو تعديل أو إلغاء هذا المركز.

ويقتضي تحقيق القرار الإداري للأثر القانوني توافر عنصرين أساسيين هما: وجوب أن تتولد آثار قانونية من القرار الذي تم اصداره، وأن يكون من شأن هذا القرار إحداث ضرر بذاته. ومن ثم يخرج عن وصف القرار الإداري الأعمال الإدارية التي لا تنتج آثارا قانونية أو تلحق ضررا بالأفراد، مثل المنشورات والتعليمات المصلحية ([13]) والأعمال المادية للإدارة.

وقد طبقت المحكمة القومية العليا خاصية إحداث القرار الإداري لأثر قانوني معين بأن “العمل القانوني الذي يتضمن تنظيما لسلوك الأفراد في المجتمع ويصدر بإرادة إحدى السلطات الإدارية في الدولة ويحدث آثارا قانونية بإنشاء وضع جديد أو تعديل أو إلغاء وضع قانوني قائم يعتبر قرارا إداريا ” ([14]).

ومن جهة أخرى يكون قرارا إداريا أيضا رفض أو امتناع الجهة الإدارية عن اتخاذ قرار كانت ملزمة قانونا باتخاذه، وهو ما نصت عليه المادة الثالثة من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م أعلاه وطبقتها المحكمة القومية العليا من أن ” امتناع السلطة عن الوفاء بالتزاماتها القانونية وحرمان مستخدميها استحقاقاتهم القانونية يدخل في معنى القرار الإداري ويطعن فيه أمام المحكمة الإدارية ” ([15]).

وبالإضافة إلى ما سبق فقد لخصت المحكمة القومية العليا خصائص القرار الإداري بقولها: ” 1- عرفت المادة (3) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005 م القرار الإداري بأنه ” … القرار الذي تصدره أية جهة بوصفها سلطة عامة بقصد إحداث أثر قانوني معين يتعلق بحق أو واجب شخص أو أشخاص ويشمل رفض تلك الجهات أو امتناعها عن اتخاذ قرار كانت ملزمة قانونا باتخاذه “. من هذا التعريف نجد خصائص القرار الإداري وهي:

1. أن يصدر القرار عن جهة إدارية أثناء ممارستها لوظيفتها المخولة لها قانونا.

2. بوصفها سلطة عامة.

3. أن يكون القرار تعبيرا عن إرادة جهة الادارة المنفردة أي في غير حالات الفصل في خصومة أو منازعة.

4. أن يتعلق القرار بحق شخص أو أشخاص معينين بذواتهم.

5. بقصد إحداث أثر قانوني بحق الشخص أو الأشخاص المعينين …”([16]).

ثانيا: اللائحة الإدارية والقرار الإداري الفردي:

يجري تعريف اللائحة الإدارية من الناحية الفقهية بأنها العمل الإداري الذي يتضمن قواعد عامة وغير شخصية، بحيث تنطبق أحكامها على كافة الأشخاص أو الحالات التي تتوافر فيها أوصاف تطبيقها دون الاعتداد بشخص بذاته أو بحالة معينة بذاتها.

ووفقا لهذا المعنى فإن اللائحة الإدارية تنشئ أو تعدل أو تلغي مركزا قانونيا عاما، بعكس القرار الفردي الذي ينشئ أو يعدل أو يلغي مركزا قانونيا خاصا أو حالة معينة بالذات ([17]).

أما القرار الفردي فهو العمل الإداري الذي يخاطب فردا أو أفرادا معينين بذواتهم أو حالة معينة بذاتها، كالقرار الصادر بتعيين مواطن في الخدمة المدنية أو بإزالة مبنى آيل للسقوط. هذا كما أن اللائحة الإدارية باعتبارها قاعدة عامة مجردة لا يستنفد موضوعها وإنما تظل قابلة للتطبيق في المستقبل، بعكس القرار الفردي الذي ينقضي بتنفيذه ([18]). وكذلك فإن الاختلاف بين اللائحة الإدارية والقرار الفردي يتجلى في وقت تقدير المشروعية في كل منهما. فاللائحة الإدارية تقدر مشروعيتها وفقا للظروف الواقعية والقواعد القانونية الحالية والمستقبلة، أما القرار الفردي فيحكم على مشروعيته وفقا للظروف والقواعد القانونية القائمة وقت صدوره فحسب ([19]).

ثالثا: السبب في القرار الإداري:

على الرغم من أن المشرع لم ينص صراحة، سواء في القانون السوداني أو المقارن، على السبب كوجه مستقل من أوجه الطعن في القرار الإداري لعدم المشروعية، إلا أن القضاء الإداري قد استقر على إلغاء القرار الإداري لعدم مشروعية السبب فيه باعتباره ركنا من أركان هذا القرار. ومن ثم يجب أن يقوم كل قرار إداري على سبب صدقا وحقا.

ومما قضت به المحكمة القومية العليا في السودان في هذا المجال حكمها بأن كل ” .. قرار إداري يجب أن يقوم على سبب صحيح ويستند إلى قاعدة قانونية وإلى حالة واقعة معينة سابقة على القرار، وأن التحقق من الوقائع المادية التي استند عليها القرار من أوجه الرقابة القضائية على أعمال الادارة للتأكد من مبدأ المشروعية فإذا ثبت للقاضي الإداري عدم وجود سبب معين في قرار الادارة كان قرارها باطلا. “([20]).

وحكمها أيضا بأنه ” لا خلاف في أن للإدارة سلطة تقديرية في الاحالة للمعاش بناء على الصالح العام ولكن مطلوب من الادارة الابتعاد عن القرارات التي لا تقوم على سند من الواقع، ومن القرارات التي لا تقوم على أساس قانوني سليم فالمعيار في هذه الحالة ليس معيارا ذاتيا وإنما هو معيار موضوعي يبنى على إثبات ركن السبب “([21]).

وقد ذهبت المحكمة الإدارية العليا المصرية فيما يتعلق بضرورة السبب في القرار الإداري إلى أن القرار الإداري ” .. يلزم أن يقوم على سببه المبرر له، فلا تتدخل الادارة إلا إذا قامت حالة واقعية أو قانونية تسوغ تدخلها.. وللقضاء الإداري سلطة مراقبة صحة قيام هذه الوقائع، وصحة تكييفها القانوني، نزولا على مبدأ المشروعية وسيادة القانون ” ([22]).

وسبب القرار الإداري هو الحالة الواقعية أو القانونية التي توحي إلى الادارة بالتدخل وإصدار القرار ([23]). أي تلك الظروف المادية أو القانونية السابقة على القرار والتي تحمل على إصداره. فحدوث فيضانات لمياه نهر النيل يمثل الحالة الواقعية (السبب الواقعي) التي تدفع الادارة إلى اتخاذ قرار إداري للمحافظة على أرواح المواطنين. كما أن استقالة الموظف العام تمثل الحالة القانونية (السبب القانوني) التي تبرر إصدار القرار الإداري بإنهاء علاقة هذا الموظف بالإدارة.

وهكذا فإن الظروف التي تبرر إصدار القرار الإداري، هي أحوال تتم بعيدا عن الادارة ومستقلة عن إرادتها، تتضمن إشارة بالتدخل واتخاذ القرار ([24]).

ووفقا لما تقدم، فإن الظروف الواقعية هي الوقائع المادية التي تدفع الادارة إلى إصدار القرار الإداري، فالحالة المادية التي يوجد فيها منزل آيل للسقوط تمثل السبب الواقعي الذي يبرر اتخاذ القرار بهدم هذا المنزل. أما الظروف القانونية فهي الأحوال التي يحددها القانون وتحمل الادارة على التدخل بإصدار قرار إداري بشأنها، فالمخالفة الإدارية تمثل السبب القانوني الذي يدفع الادارة إلى التدخل لأحداث مركز قانوني معين قبل العامل المتهم وهو الجزاء الإداري.

وعلى الرغم من أن الادارة لا تتدخل بإصدار القرار الإداري دون قيام ظروف واقعية أو قانونية معينة على النحو السابق، إلا أن الادارة حرة في اختيار ما تشاء من الظروف أو الأسباب التي تحمل القرار، اللهم إلا إذا حدد لها المشرع سببا بعينه، الأمر الذي يحتم في هذه الحالة تدخل الادارة بإصدار القرار الإداري بمجرد توافر هذا السبب ([25]) .

على أنه يجب على الادارة، وهي بصدد اختيار ظروف أو أسباب تدخلها، أن تختار الظروف أو الأسباب التي تبرر هذا التدخل ([26]).

المبحث الثاني

تغير الظروف بين اللائحة الإدارية والقرار الإداري الفردي

سبق القول أن من آثار التمييز بين اللائحة الإدارية والقرار الفردي هو اختلاف وقت الحكم على المشروعية في كل منهما. فمشروعية اللائحة الإدارية تقاس، فضلا عن قواعد القانون السارية وقت صدورها، بالنظر إلى القواعد والظروف المستجدة عقب هذا التاريخ أيضا. أما مشروعية القرار الفردي فتقدر من تاريخ صدوره فحسب. أي يفحص القرار الفردي من هذا التاريخ للتأكد مما إذا كان مطابقا للقواعد القانونية النافذة والظروف السائدة أم لا، وذلك دون أدنى اعتبار للقواعد والظروف اللاحقة على ذلك.

وقد قضت محكمة القضاء الإداري المصرية في هذا المعنى ب ” أنه يتعين للحكم على مشروعية القرار الإداري (الفردي) الرجوع إلى القوانين القائمة وقت صدوره وإلى الظروف التي لابسته، ومدى تحقيقه للمصلحة العامة، وذلك عند صدور القرار فقط دون ما يصدر من قوانين لاحقة، أو ما يستجد من ظروف يكون من شأنها زوال السند القانوني للقرار أو تعديل المركز القانوني الذي أنشأه “([27]).

وقررت نفس المحكمة كذلك في قضية الطعن الإداري رقم 1060 لسنة 27 القضائية الصادر حكمها بتاريخ 4/4/1978م ” إن العبرة في تقدير صحة القرار (الفردي) هي وقت صدوره دون أثر للظروف اللاحقة المستحدثة، فلا يسوغ في مقام الحكم على مشروعية القرار وسلامته، جعل أثر الظروف المستجدة ينعطف على الماضي لإبطال قرار صدر صحيحا أو تصحيح قرار صدر باطلا في حينه “([28]).

ويتضح مما تقدم، أن مشروعية القرار الفردي لا تتأثر بالظروف، الواقعية والقانونية، التالية لصدوره ([29]). بمعنى أن القرار الفردي يبقى سليما حتى ولو استجدت

ظروف ينتفي معها سبب وجوده. وعلة ذلك أن القرارات الفردية ترتب حقوقا ومراكز قانونية خاصة للأفراد، ومن ثم فانه لا يجوز التضحية بهذه الحقوق أو المراكز لمجرد تغير الأوضاع التي صدرت هذه القرارات في ظلها.

على أن القضاء الإداري قد أورد بعض الاستثناءات التي يتأثر عندها القرار الفردي بالظروف اللاحقة على صدوره، وهي: حالة صدور تشريع جديد يرتد بآثاره إلى الماضي، وحالة سحب الادارة للقرار الفردي المعيب بأثر رجعي، وحالة صدور حكم من القضاء الإداري حائز لحجية الشيء المقضي به بإلغاء القرار الفردي ففي هذه الحالات الثلاث يمكن طلب إلغاء القرار الفردي الذي كان سليما وقت صدوره استنادا إلى هذه الظروف الجديدة ([30])

وترجع هذه المغايرة، بين اللائحة الإدارية والقرار الفردي، إلى أن اللائحة الإدارية تصرف دائم لا ينشئ حقوقا مباشرة للأفراد وهي تستهدف التنظيم للمستقبل، وبالتالي فانه يتعين أن تكون متوافقة مع الظروف الجديدة حتى تساير الأوضاع الجديدة وألا تكون جامدة ([31])

والخلاصة أن مشروعية اللائحة الإدارية تتأثر بما يجد بعد إصدارها من ظروف واقعية وقواعد قانونية بعكس القرار الفردي، ولذلك فإن اللائحة الإدارية توصم بعدم المشروعية إذا ما طرأت ظروف جديدة تتناقض والظروف التي أحاطت بإصدارها ابتداء.

المبحث الثالث

مدى مشروعية اللائحة الإدارية في ضوء تغير الظروف

تشمل الظروف التي تستجد عقب صدور اللائحة الإدارية وتؤثر على مشروعيتها الظروف الواقعية والظروف القانونية. ولا يخرج الحال بالنسبة للائحة التي تتأثر بهذه الظروف عن أحد فرضين:

الأول: إما أن تكون هذه اللائحة قد صدرت سليمة، لكونها قد استندت إلى أسباب صحيحة تبرر إصدارها، غير أنها قد فقدت مبررات وجودها فيما بعد بزوال الظروف الواقعية أو القانونية التي تمثل ركن السبب فيها.

الثاني: وإما أن تكون قد صدرت معيبة بعيب السبب، ولكنها قد تحصنت بمضي ميعاد الطعن فيها، وحدث أن تغيرت الظروف التي بنيت عليها بمرور الزمن ([32])

ففي هذين الفرضين يثور التساؤل عن مدى حق صاحب الشأن في طلب إلغاء مثل هذه اللائحة لكون أن الظروف التي صدرت في ظلها لم تكن ملائمة الان ؟

بالنظر إلى أن مشروعية اللائحة الإدارية تقدر كما رأينا طبقا للوقائع والظروف القانونية السابقة واللاحقة معا، فإن مجلس الدولة الفرنسي قد سمح للأفراد بطرح مشروعية هذه اللائحة أمام القضاء الإداري لتغير الظروف. وقد بدأ المجلس يحسب للظروف الجديدة أثرها على مشروعية اللائحة الإدارية خلال الفترة من سنة 1925 م وحتى سنة 1930م. وقد كانت أحكام المجلس في هذه الفترة تتعلق بفحص مشروعية القرارات البلدية التي تمنع إقامة الاحتفالات الدينية والمواكب الخارجية. ففي حكمه الصادر بتاريخ 26/ 1 /1929م في قضية (Retailleau) أشار المجلس لأطراف الدعوى – رغم الحكم بعدم قبولها – أن يطلبوا إلى جهة الإدارة (العمدة) إلغاء اللائحة وتعديلها نتيجة لتغير ظروف إصدارها والتي حدت من حرية الأفراد في ممارسة الشعائر الدينية.

ومن أحكام مجلس الدولة الفرنسي كذلك الحكم الصادر في مارس 1929م في قضية (Abbe Carlett) حيث قرر المجلس في هذه الدعوى بأن تغير الظروف القانونية التي بررت إصدار لائحة تجردها من المشروعية ([33]).

وقد تأكد هذا الاتجاه للمجلس في قضية (Despujol) والتي تتلخص وقائعها في أنه في شهر مايو 1926م فرض المجلس البلدي والعمدة لقرية (Loire- Chaumont – Sur ) في فرنسا رسوما على السيارات التي تقل السواح الوافدين لزيارة القلعة الكائنة بالقرية المذكورة نظير انتظار هذه السيارات لمدة تجاوز خمس عشرة دقيقة، وذلك بقصد تنظيم حركة المرور.

وقد طلبت جهة الادارة من السيد (Despujol) سداد الرسوم المستحقة عليه لعدم تنفيذ اللوائح الخاصة بتنظيم المرور. غير أن السيد (Despujol) أقام دعوتين أمام مجلس الدعوى الفرنسي، الأولى ضد قرارات العمدة، وقد فصل المجلس في هذه الدعوى بعدم القبول لفوات الميعاد. أما الدعوى الثانية فقد كانت ضد مداولات المجلس البلدي التي تم فيها فرض الرسم المذكور. وقد استند الطاعن في هذه الدعوى إلى أن القانون الصادر بتاريخ 13 /8/1926م خلق حالة قانونية جديدة تتعارض مع اللائحة التي طبقت عليه، وهي عدم جواز فرض رسم مقابل انتظار السيارات، وهذه الحالة تنشئ- في رأيه – مصلحة للأفراد في الطعن القضائي على اللائحة اعتبارا من تاريخ ظهور هذه الحالة القانونية الجديدة.

ومع أن مجلس الدولة الفرنسي قد حكم برفض الطعن موضوعا لأسباب أخرى إلا أنه قد أقر الدفع الذي أبداه السيد (Despujol) وقرر صراحة أنه ” لكل ذي مصلحة في حالة زوال الظروف التي بررت قانونا إصدار لائحة بلدية أن يقدم طلبا في أي وقت إلى العمدة يطلب فيه تعديل أو إلغاء اللائحة وقت رفض طلبه يطعن في قرار الرفض الصريح أو الضمني أمام مجلس الدولة.

ولكنه إذا قدم طلبا مباشرا بإلغاء اللائحة فيجب أن يقدم هذا الطلب في الميعاد القانوني لطلب الالغاء من تاريخ نشر اللائحة أو من تاريخ نشر القانون الذي غير الظروف” ([34]).

ويبدو من هذا الحكم أنه قد تضمن شقين أولهما يتعلق بتغير الظروف الواقعية وثانيهما يتعلق بتغير الظروف القانونية. ويضاف إلى هذه الظروف تغير القضاء.

أولا: تغير الظروف الواقعية:

سبق القول أن الظروف الواقعية تمثل الوقائع المادية لركن السبب في القرار الإداري.

واللائحة الإدارية، كغيرها من القرارات الإدارية، تقوم على سبب يبرر إصدارها، ومن شأن تغير هذه الأسباب أو الظروف أن تكون اللائحة بلا سبب يبرر وجودها ([35]). ولهذا فإن مجلس الدولة الفرنسي قد قرر أنه لكل ذي مصلحة في حالة تغير الظروف الواقعية التي بررت إصدار اللائحة الإدارية أن يقدم طلبا – دون التقيد بميعاد -إلى الادارة يلتمس فيه إلغاء أو تعديل هذه اللائحة، وفي حالة رفض طلبه يطعن في قرار الرفض الصريح أو الضمني أمام مجلس الدولة الفرنسي.

ومفاد هذا القضاء أنه في حالة تغير الظروف الواقعية التي استوجبت إصدار اللائحة الإدارية على صاحب المصلحة التقدم، في أي وقت، إلى السلطة الإدارية مصدرة اللائحة بطلب إلغاء أو تعديل هذه اللائحة، وفي هذه الأثناء لا يخرج موقف الإدارة عن أحد حلين: إما أن تجيب الطاعن إلى طلبه، وهذا أقصى ما يسعى إلى تحقيقه، وإما أن تستمر في غيها برفض الطلب صراحة أو ضمنا. وفي حالة الرفض لصاحب المصلحة أن يطعن بالإلغاء خلال المدة – وهي ستون يوما (شهران في فرنسا) من تاريخ رد الادارة على الطلب أو مضي هذه المدة (أربعة أشهر في فرنسا) دون رد بالنسبة للقرار الضمني -في التصرف الصريح للإدارة باعتباره قرارا إداريا أو في تصرفها الضمني لكونه قرارا إداريا ضمنيا بالرفض أمام محاكم القضاء الإداري ([36]).

وعلى هذا النحو يتضح ما للظروف الواقعية من أثر على مشروعية اللائحة الإدارية وبقائها، على أن البعض في الفقه الإداري ذهب إلى أن الظروف اللاحقة على صدور القرار الإداري لا تؤثر على مشروعيته، ولم يستثن هذا الاتجاه من الفقه سوى حالة الظروف القانونية. غير أن هذا الرأي يغلب عليه التعميم، وذلك لما استقر عليه الفقه والقضاء من أن الظروف الواقعية الجديدة (والقانونية كما سنرى)، تؤثر على مشروعية القرار الإداري، على أن يقتصر هذا الأثر على اللائحة الإدارية دون القرار الفردي، وهذه الظروف تجعل اللائحة المشروعة معيبة كما سبق القول، ثم أن هذا الرأي مع تسليمه بأثر الظروف القانونية على المشروعية في القرار الإداري لم يحدد نوع القرار الذي يتأثر بهذه الظروف لائحيا كان أم فرديا ([37]).

ويجب لتطبيق حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية (Despujol) فيما يتعلق بالظروف الواقعية توافر شرط أساسي وهو ضرورة حدوث تغيير في الظروف الواقعية التي بررت إصدار اللائحة وشروط ثانوية أخرى وهي تأكد القاضي الإداري من وجود التغيير في الظروف الواقعية، وتأسيس صاحب الشأن طعنه على وجود ظروف تبرر إلغاء أو تعديل اللائحة دون أي سبب آخر ([38])

1 حدوث تغيير في الظروف الواقعية:

ومؤدى هذا الشرط أنه حتى يمكن للأفراد تحدي اللائحة الإدارية بعيب عدم المشروعية لتغير الظروف الواقعية، يجب أن تكون الظروف التي صدرت على أساسها هذه اللائحة قد أصابها التغيير بالفعل. وفي هذه الحالة على صاحب المصلحة إثبات عدم التوافق أو الانسجام بين اللائحة والظروف الجديدة.

وفي الواقع إن هذا الشرط يقوم على أساس منطقي، وذلك أن اللائحة الإدارية- كأي قرار إداري آخر- تستند إلى وقائع مادية أو ظروف واقعية تمثل ركن السبب فيها، وهذه الوقائع أو الظروف هي التي تدفع الإدارة إلى إصدار اللائحة كما سبق القول، ولهذا فإذا حدث تغيير في هذه الوقائع أو الظروف فإن اللائحة تفقد سند وجودها وتغدو غير مشروعة لهذا السبب.

2- تحقق القاضي الإداري من وجود تغيير في الظروف الواقعية:

ووفقا لهذا الشرط على القاضي الإداري الذي رفع إليه الطعن -عقب رفض الإدارة إلغاء اللائحة الإدارية أو تعديلها – أن يستوثق من أن هناك انقلابا في الظروف الواقعية التي استوجبت إصدار اللائحة، لكون أن هذه الظروف تمثل عنصرا في المشروعية.

وللقاضي الحكم برفض الدعوى المرفوعة ضد قرار الإدارة برفض طلب الالغاء أو التعديل إذا تبين له عدم حدوث تغيير في الظروف الواقعية التي قامت عليها اللائحة الموصوفة بعدم المشروعية.

3- أستناد صاحب المصلحة إلى وجود ظروف تبرر إلغاء اللائحة أو تعديلها:

حتى تلتزم جهة الإدارة بإلغاء اللائحة الإدارية أو تعديلها، يتعين على صاحب المصلحة أن يؤسس طلبه على حدوث تغيير في الظروف الواقعية التي قامت عليها اللائحة وظهور ظروف جديدة تقتضي إلغاء هذه اللائحة أو تعديلها، أما إذا استند الطاعن إلى سبب آخر كعدم مشروعية إجراءات إصدار اللائحة أو أنه لم يتمكن من إثبات ما يدعيه فإنه لا يستفيد من الطعن في اللائحة بدعوى التغيير في ظروفها الواقعية. بل إنه سيقضى حتما برفض طلبه سواء من جهة الإدارة أو القضاء.

وفضلا عن هذه الشروط المذكورة، فقد أضاف مجلس الدولة الفرنسي شروطا أخرى في معرض تطبيقه لنظرية تغير الظروف الواقعية على الأمور الاقتصادية. وقد حكم المجلس في هذا الشأن ب ” أنه فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية، فإن تغير الظروف التي بنيت اللائحة على أساسها من شأنها أن تجردها من أساسها القانوني ويشترط أن يكون تغير الظروف قد أحدث انقلابا في الأوضاع القائمة لم يتوقعه مصدر اللائحة، وأن يكون هذا الانقلاب في الأوضاع قد أفقد اللائحة الأساس القانوني الذي قامت عليه ” .

ويبدو من هذا الحكم أن الشروط التي أقرها مجلس الدولة الفرنسي فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية هي: ألا تكون لإرادة الخصوم دخل في إحداث تغير الظروف، وأن يكون من شأن تغير الظروف تقويض الأساس القانوني للائحة، وأن يحدث تغير الظروف انقلابا في الأوضاع التي قامت عليها اللائحة، ويجب ألا تكون الظروف الجديدة واردة في تقدير السلطة مصدرة اللائحة ([39]).

ثانيا: تغير الظروف القانونية:

تمثل الظروف القانونية الشق الثاني لحكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية (Despujol). وقد ساوى المجلس بين هذه الظروف والظروف الواقعية من حيث الأثر وسمح للأفراد بالطعن في اللائحة الإدارية بتغير الظروف القانونية، وذلك بقوله” ولكنه (صاحب المصلحة) إذا قدم طلبا مباشرا بإلغاء اللائحة فيجب أن يقدم هذا الطلب في الميعاد القانوني لطلب الإلغاء من تاريخ نشر اللائحة أو من تاريخ القانون الذي غير الظروف ” .

ويجري تبرير هذا القضاء لمجلس الدولة الفرنسي من الناحية الفقهية بأن اللائحة الإدارية بمثابة القانون من حيث الموضوع، ولكنها أضعف منه. وطبقا لقاعدة المشروعية فإن التشريع الأضعف يخضع للتشريع الأقوى، ولذلك يجب أن تكون اللائحة مطابقة، فضلا عن التشريعات القائمة وقت صدورها، للتشريعات التي تصدر في المستقبل أيضا، ومن ثم فإذا صدر تشريع جديد يتعارض مع اللائحة القائمة فإن هذه اللائحة تعد ملغاة ضمنا، ويقع على عاتق الإدارة مصدرة اللائحة – التزاما بالمشروعية- واجب إلغائها أو تعديلها. أما إذا لم تفعل فإنه يحق لكل ذي مصلحة التقدم إلى الإدارة بطلب الإلغاء أو التعديل، وهنا – كما في حالة تغير الظروف الواقعية – لصاحب المصلحة الطعن في قرار الإدارة الصريح أو الضمني بالرفض أمام القضاء الإداري، على أن يكون هذا الطعن خلال الميعاد الذي يبدأ من تاريخ نشر اللائحة أو القانون الذي أنشأ هذا الوضع الجديد ([40]).

على أن ما يلاحظ أن مجلس الدولة الفرنسي قد ميز بحكمه في قضية(Despujol) بين الظروف الواقعية والظروف القانونية من حيث آلية الطعن. فبالنسبة للظروف الواقعية أن الطاعن لا يستطيع رفع دعواه أمام القضاء الإداري كما رأينا إلا بعد التظلم إلى الإدارة ورفض طلبه، أما في حالة الظروف القانونية، فإن صاحب المصلحة يطعن مباشرة أمام المحكمة الإدارية وفي اللائحة ذاتها ([41])

هذا كما أن التظلم إلى الادارة يجري دون التقيد بميعاد عند الطعن بتغير الظروف الواقعية، أما في حالة الطعن بتغير الظروف القانونية فإن طلب إلغاء اللائحة يجب أن يقدم في الميعاد القانوني من تاريخ نشر اللائحة أو القانون الذي غير الظروف.

غير أن الجديد في الأمر، أن مجلس الدولة الفرنسي قد بدأ يتخلى جزئيا في أحكامه اللاحقة عن آلية الطعن التي أقرها بشأن الظروف القانونية، وساوى بين هذه الظروف والظروف الواقعية من حيث أساس الطعن، وذلك أن المجلس قد أجاز للأفراد الطلب إلى الإدارة إلغاء اللائحة المدعى بتغير ظروفها القانونية أو تعديلها أولا ثم الطعن بعد ذلك في قرار الادارة الصريح أو الضمني بالرفض أمام مجلس الدولة كما في حالة تغير الظروف الواقعية. مع اختلاف طفيف وهو أن مجلس الدولة الفرنسي جعل ميعاد التظلم إلى الإدارة متاحا في كل وقت في حالة تغير الظروف الواقعية، وقيد هذا الميعاد بمدة شهرين من تاريخ نشر القانون أو اللائحة في حالة تغير الظروف القانونية ([42])

ومرد هذا الاختلاف إلى أنه يستحيل تحديد الوقت الذي تبدأ فيه الظروف الواقعية الجديدة في الحالة الأولى، أما في الحالة الثانية فإن هذا التحديد يكون ممكنا لكون أن التغيير في الظروف القانونية يرتبط بصدور قانون جديد أو لائحة جديدة أو تعديل أي منهما ([43])

ثالثا: تغير القضاء:

إلى جانب حالتي تغير الظروف الواقعية والقانونية السابق دراستهما، فقد أجاز القضاء أيضا للأفراد طلب إلغاء اللائحة الإدارية أو تعديلها نتيجة لتغير القواعد القضائية. ومضمون هذه الحالة أنه إذا اعتنق القضاء الإداري تفسيرا معينا للقوانين واللوائح، وكانت اللائحة الإدارية قد صدرت سليمة طبقا لهذا التفسير، ثم عدل القضاء عن هذا التفسير وأرسى مبادئ جديدة فإنه يجوز للأفراد أصحاب الشأن التقدم إلى الادارة مصدرة اللائحة بطلب إلغاء هذه اللائحة أو تعديلها لتتلاءم مع التفسير الجديد للقضاء. أما إذا تغافلت الإدارة أو غفلت عن هذا الواجب فللأفراد في هذه الحالة الطعن في قرارها الصريح أو الضمني بالرفض أمام القضاء الإداري كما في حالتي تغير الظروف الواقعية والقانونية تماما ([44]).

وقد أعطى مجلس الدولة الفرنسي هذا الحق للأفراد لتقديره إن الذي صد الفرد عن طلب إلغاء اللائحة الإدارية عند صدورها علمه بأنه سوف يرفض طلبه للتفسير الذي يأخذ به، ولذلك يكون من العدل أن يستفيد الأفراد عند تعديل المجلس لقضائه ([45]).

ومن الأحكام القضائية في شأن تغير القضاء ما حكمت به محكمة القضاء الإداري في مصر من أنه ” من مقتضى حكم المحكمة الإدارية العليا بأن دبلوم مدرسة الخدمة الاجتماعية يعتبر من الدبلومات العالية التي نص عليها البند 14 من الجدول المرافق لقانون المعادلات الدراسية رقم 371 لسنة 1935 أن يفتح أمام المدعي ميعادا جديدا حيث يكون له أن يتقدم إلى جهة الإدارة بطلب تصحيح الوضع كما في حالة صدور تشريع جديد تماما، ويسري الميعاد الجديد للطعن من تاريخ العلم اليقيني بالحكم المذكور وليس من تاريخ صدوره أو نشره لأن أحكام مجلس الدولة لا يتعين نشرها بطريقة رسمية حتى يمكن القول بأن المدة تبدأ من تاريخ النشر” ([46]).

ووفقا لما تقدم يجوز للأفراد طلب إلغاء اللائحة الإدارية أو تعديلها نتيجة لتغير ظروف الواقع أو القانون التي صدرت على أساسها أو تغيرت القواعد التي يسير عليها القضاء الإداري في تفسير القوانين واللوائح. على أن التساؤل الذي يتبادر إلى الذهن: هل أن جهة الإدارة ملزمة قانونا بإجابة طلبات الأفراد في هذه الحالة؟

استقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي على أنه يقع على عاتق الإدارة التزام قانوني بالتدخل لإلغاء اللائحة الإدارية أو تعديلها في حالة تغير الظروف الواقعية أو القانونية التي قامت عليها أو ترك التفسير الذي يعتنقه القضاء بشأن القوانين واللوائح ([47]).

على أنه مع ذلك فقد حرص المجلس على تأكيد السلطة التقديرية للإدارة في هذا المجال، ولذلك فإن مجرد تغير الظروف لا يؤدي حتما إلى إلغاء اللائحة الإدارية أو تعديلها ([48]).

وينتهي الباحث مما تقدم إلى أن القضاء الإداري، ممثلا في القضاء الفرنسي والمصري قد استقر على أن تغير الظروف الواقعية أو القانونية أو القضاء يؤثر على مشروعية اللوائح الإدارية دون القرارات الإدارية الفردية. بحيث يكون للمضرور من اللائحة الإدارية بسبب تغير الظروف الطلب إلى الإدارة – في أي وقت في حالة تغير الظروف الواقعية وخلال الميعاد في حالة تغير الظروف القانونية أو القضاء – إلغاء أو تعديل هذه اللائحة، وفي حالة الرفض له اللجوء – خلال الميعاد – إلى القضاء الإداري بطلب إلغاء قرار الإدارة الصريح أو الضمني بالرفض. ومما لا شك فيه أن القاضي الإداري، إما أن يجيب الطاعن إلى طلبه، في حالة التحقق من عدم مشروعية اللائحة الإدارية لتغير الظروف، وإما أن يرفض الطلب لعدم تغير الظروف.

ويرجع السبب في تأثر مشروعية اللوائح الإدارية بالظروف الجديدة إلى أن اللائحة الإدارية تصرف يتميز بخاصية الدوام النسبي ولا تنشئ حقوقا مباشرة للأفراد، وهي كذلك تستهدف التنظيم للمستقبل. أما القرارات الفردية فلا تتأثر مشروعيتها بالظروف الجديدة، وذلك أن هذه القرارات تكسب الأفراد حقوقا وتنشئ لهم تبعا لذلك مراكز قانونية خاصة لا يجوز المساس بها في حالة تغير الظروف التي صدرت هذه القرارات على أساسها.

المراجع

أولا: المؤلفات العامة والرسائل:

  1. الجرف طعيمة. رقابة القضاء لأعمال الإدارة العاملة -قضاء الإلغاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 1984م.
  2. الحراري محمد عبدالله. أصول القانون الإداري الليـبي – الجزء الثاني – وسائل مباشرة الإدارة الشعبية لوظائفها، بدون مكان، منشورات جامعة ناصر، 1994م.
  3. الحراري محمد عبدالله. الرقابة على أعمال الإدارة في القانون الليـبي (رقابة دوائر القضاء الإداري )، منشورات مجمع الفاتح للجامعات، 1990م.
  4. الطماوي سليمان محمد. النظرية العامة للقرارات الإدارية، دار الفكر العربي، بدون مكان، 2006م.
  5. الطماوي سليمان محمد. القضاء الإداري، الكتاب الأول – قضاء الإلغاء، بدون مكان، دار الفكر العربي، 1986م.
  6. حافظ محمود محمد. القرار الإداري – دراسة مقارنة، الجزء الأول – معيار تمييز القرار الإداري وأنواع القرارات الإدارية، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون تاريخ.
  7. عطية نعيم. حسن الفكهاني. الموسوعة الإدارية الحديثة – مبادئ المحكمة الإدارية العليا وفتاوى الجمعية العمومية منذ عام 1946 وحتى عام 1985م. الجزء التاسع عشر، بدون ناشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1986م-1987م
  8. عبد الحميد حسني درويش. نهاية القرار الإداري عن غير طريق القضاء، رسالة دكتوراه، بدون مكان، دار الفكر العربي، بدون تاريخ.
  9. عبدالله عبدالغني بسيوني. الوسيط في القانون الإداري – دراسة مقارنة لأسس ومبادئ القانون الإداري وتطبيقاتها في مصر، بدون مكان، بدون ناشر، 2007 م.
  10. . محمود الطيب حسين. الرقابة القضائية على القرارات اللائحية – دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى كلية القانون، جامعة قاريونس، 1996م، (غير منشورة).
  11. مهنا محمد فؤاد. حقوق الأفراد ازاء المرافق العامة والمشروعات العامة، بدون مكان، معهد البحوث والدراسات العربية، 1970م.
  12. مهنا محمد فؤاد. مبادئ وأحكام القانون الإداري في جمهورية مصر العربية، مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، بدون مكان، 1973م.

ثانيا: مجلة الأحكام القضائية:

1. مجلة الأحكام القضائية السودانية (2005م).

2. مجلة الأحكام القضائية السودانية (1998م).

3. مجلة الأحكام القضائية السودانية (1991م).

4. مجلة الأحكام القضائية السودانية (1987م).

5. مجلة الأحكام القضائية السودانية (1981م).

ثالثا: الأحكام غير المنشورة:

1. ورثة أحمد أبو القاسم ضد ورثة أحمد محمد إبراهيم – الرقم: م ع/ط أ س/4/2005م، مراجعة: 8/2006م

2. شركة هوسبتاليا وآخرين ضد بنك فيصل الإسلامي وآخرين- الرقم: م ع/ط أ س/143/2005م.

3. محمد عبدالقادر ضد الهيئة المشتركة لمياه النيل – الرقم: م ع/ط أ س/245/2004م.

رابعا: مجموعات القوانين:

  1. مجلد قوانين السودان، المجلد السابع، الطبعة الخامسة 1974م

[1] تجدر الإشارة إلى أن مصطلح القرار الإداري في القانون الفرنسي والمصري يشمل اللائحة الإدارية والقرار الفردي معا، أما في القانون السوداني فإن اللائحة الإدارية قانونا وليست قرارا إداريا وفقا لنص الرابعة من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م الذي يقضي بأن عبارة “قانون ” “يقصد بها أي تشريع بخلاف الدستور ويشمل القوانين والأوامر المؤقتة وأي لوائح أو قواعد أو تشريعات فرعية أو أوامر صادرة بموجب القوانين.

كما تشمل القوانين والأوامر الصادرة بموجب قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972م أو أي قانون آخر صادر من مجلس الشعب الإقليمي ومجالس الشعب الإقليمية ” – مجلد قوانين السودان، المجلد السابع، 1974م، الطبعة الخامسة، ص136.

[2] الحراري، محمد عبدالله. الرقابة على أعمال الإدارة في القانون الليبي (رقابة دوائر القضاء الإداري)، منشورات مجمع الفاتح للجامعات، بدون مكان، 1990م، ص219، 226 وما بعدها.

[3] مهنا، محمد فؤاد. مبادئ وأحكام القانون الإداري في جمهورية مصر العربية، مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، بدون مكان، 1973م، ص 670

[4] قضت المحكمة الإدارية العليا ب “أن القرار الإداري هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة للأفراد بناء على سلطتها العامة بمقتضى القوانين واللوائح حين تتجه إرادة الإدارة إلى إنشاء مركز قانوني يكون جائزا وممكنا قانونا وبباعث من المصلحة العامة والتي يبتغيها القانون “. حكم مشار إليه في: عطية، نعيم. حسن الفكهاني. الموسوعة الإدارية الحديثة – مبادئ المحكمة الإدارية العليا وفتاوى الجمعية العمومية منذ عام 1946 وحتى عام 1985م. الجزء التاسع عشر، بدون ناشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1986م – 1987م، ص417

[5] حكم مشار إليه في: عبدالله، عبد الغني بسيوني .الوسيط في القانون الإداري -دراسة مقارنة لأسس ومبادئ القانون الإداري في مصر، بدون مكان، بدون ناشر، 2007 م، ص 452

[6] نفس المرجع، ص 452 -453.

[7] نفس المرجع، ص458 وما بعدها

[8] حافظ، محمود محمد. القرار الإداري – دراسة مقارنة، الجزء الأول -معيار تمييز القرار الإداري وأنواع القرارات الإدارية، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون تاريخ، ص25.

[9] المادة 3 من القانون

[10] مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1981م، دعوى محافظ مديرية الخرطوم ضد بشير عبدالله السلمابي، الرقم: م ع /ط م/ 1981م، ص 192.

[11] مجلة الأحكام القضائية السودانية، 2005 م، دعوى إبراهيم محمد إبراهيم ضد جامعة أم درمان الأهلية، الرقم: م ع/ط أ س/23/2005 م، ص215.

[12] دعوى محمد عبد القادر ضد الهيئة المشتركة لمياه النيل، الرقم: م ع/ط أ س/245/2004م – مراجعة /68/2005 م، (حكم غير منشور).

[13] عبد الله، عبد الغني بسيوني المرجع السابق، ص 460 وما بعدها

[14] مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1987م، دعوى ياسمينة ميلاس ضد ورثة عثمان فضل، الرقم: م ع/ط م/42/1983م، ص 209

[15] مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1998م، دعوى العوض إبراهيم عوض الكريم وآخرين ضد الهيئة العامة للطيران المدني، الرقم: م ع/ط م/846/1998م، ص149.

[16] ورثه احمد أبو القاسم ضد ورثه احمد محمد إبراهيم، الرقم: م ع/ط أ س/4/2005م – مراجعة /8/2006 م، (حكم غير منشور).

[17] محمود، الطيب حسين. الرقابة القضائية على القرارات اللائحية – دراسة مقارنة، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون، جامعة قاريونس، 1996م، غير منشورة، ص 66.

[18] الطماوي، سليمان محمد. النظرية العامة للقرارات الادارية، بدون مكان، دار الفكر العربي، 2006 م، ص 466.

[19] محمود، الطيب حسين. المرجع السابق، ص 66-67.

[20] دعوى شركة هوسبتاليا وآخرين ضد بنك فيصل الاسلامي وآخرين، الرقم: م ع/ط أ س/143/2005 م، (حكم غير منشور).

[21] مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1991م، دعوى 1-وزارة الطاقة والتعدين 2-مجلس الوزراء ضد هاشم المعتصم، الرقم: م ع/ط أ س /45/1990م، ص 114.

[22] حكم مشار إليه في: الطماوي، سليمان محمد. النظرية العامة للقرارات الإدارية. المرجع السابق، ص 204(الهامش).

[23] الطماوي، سليمان محمد. القضاء الإداري، الكتاب الأول -قضاء الإلغاء، بدون مكان، دار الفكر العربي، 1986م، ص917

[24] الطماوي، سليمان محمد. النظرية العامة للقرارات الإدارية، المرجع السابق، ص 200 .

[25] نفس المرجع، ص208.

[26] نفس المرجع، ص 210

[27] حكم مشار إليه في: عبد الحميد، حسني درويش. نهاية القرار الإداري عن غير طريق القضاء، رسالة دكتوراه، بدون مكان، دار الفكر العربي، بدون تاريخ، ص98

[28] حكم مشار إليه في: نفس المرجع، نفس الصفحة.

[29] محمود. الطيب حسين. المرجع السابق، ص 66

[30] عبد الحميد، حسني درويش. المرجع السابق، ص 97-98

[31] نفس المرجع، ص99.

[32] مهنا، محمد فؤاد. حقوق الأفراد ازاء المرافق العامة والمشروعات العامة، بدون مكان، معهد البحوث والدراسات العربية، 1970م، ص 270-272

[33] عبد الحميد، حسني درويش. المرجع السابق، ص 102-104

[34] نفس المرجع، ص105-107

[35] الطماوي، سليمان محمد القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، ص 641

[36] نفس المرجع، 108-109

[37] الحراري، محمد عبد الله. أصول القانون الإداري الليبي -الجزء الثاني- وسائل مباشرة الإدارة الشعبية لوظائفها، بدون مكان، منشورات جامعة ناصر، 1994م المرجع السابق، ص 191-192.

[38] انظر هذه الشروط وتفصيلها: عبد الحميد، حسني درويش. المرجع السابق، ص 112 ومابعدها

[39] نفس المرجع، ص147-148

[40] الطماوي، سليمان محمد. القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، المرجع السابق، ص 641

[41] عبد الحميد، حسني درويش. المرجع السابق، ص119

[42] نفس المرجع، ص 125 وما بعدها

[43]نفس المرجع، ص152.

[44] الجرف، طعمية. رقابة القضاء لأعمال الإدارة العاملة – قضاء الإلغاء، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 233.

[45] الطماوي، سليمان محمد. القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، المرجع السابق، ص645.

[46] الجرف، طعمية. المرجع السابق، ص 332

[47] عبد الحميد، حسني درويش. المرجع السابق، ص 164-165.

[48] الطماوي، سليمان محمد. القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، المرجع السابق، ص645.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading