رشدي اسبايطي

باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط

إن سلطات الضبط الإداري تضيق وتتسع طبقا للظروف الواقعية، وتبعا لما تستلزمه السرعة في المحافظة على أمن الدولة وسلامتها سواء في الداخل أو الخارج.

ولقد شيد الفقه القانوني والقضاء الإداري نظرية الضرورة لمواجهة الظروف الاستثنائية، وبمقتضاها يجوز للإدارة في ظروف استثنائية معينة أن تتخذ أعمال الضرورة بالمخالفة للقوانين القائمة بشرط أن تكون هناك حالة ضرورة لا يمكن معها الانتظار. بيد أن السؤال المطروح ما طبيعة الوعاء النظري للظروف الاستثنائية وسماتها وأسسها؟

تقضي الظروف الاستثنائية ([1]) الترخيص للإدارة بممارسة السلطات الاستثنائية حتى ولو خالفت مبدأ المشروعية، مع ما يرتبه ذلك من تقييد للحريات الفردية، فالضرورات الحيوية للدولة ومصالح الدفاع القومي والأمن العام والدفاع عن الدولة تكون أولي بالرعاية من احترام حقوق وحريات الأفراد، بحيث تكون الحريات الشخصية في الأوقات العادية في الاعتبار الأول، أما في الظروف الاستثنائية فإنها تخلي مكان الصدارة لمقتضيات الدفاع عن الدولة ([2]).

ويمكن القول أن هناك قاعدة مستقرة في القانون الإداري الفرنسي مؤداها أنه إزاء التهديدات الجسيمة المخلة بالنظام العام والمثيرة للقلاقل والاضطرابات تستطيع الإدارة أن تتخذ من الأعمال والإجراءات اللازمة لمواجهة تلك التهديدات دون أن تثار مسؤوليتها على أساس الخطأ في مثل تلك الظروف، على الرغم من أنه لو اتخذت تلك الإجراءات في ظل الظروف العادية لأمكن قيام مسؤوليتها ([3]). غير أن ذلك لا يعفي من إلزام الإدارة بتعويض المتضرر حتى ولو حكم القضاء بمشروعية الإجراءات الاستثنائية على أساس نظرية المخاطر وتحمل التبعية ([4]).

لقد عبر الأستاذ ((Maurice Bourjol)) عن هذا المعني بقوله: “إن المفهوم التقليدي المتحرر يخضع سلطة الضبط لمبدأ المشروعية، وعلى هذا الأساس، أقام مجلس الدولة نظرية قضائية تقوم على أساس التوازن بين الحرية والسلطة، غير أنه في بعض الأحيان ينقلب ذلك التوازن لصالح مبدأ السلطة وذلك في ظل الظروف الاستثنائية”.

كما عبر عن المعاني السابقة مجلس الدولة الفرنسي في حكمه الشهير (Dol et Laurent)) حيث قرر بأنه: “لا تستوي القيود المفروضة على سلطات الضبط في وقت السلم ووقت الحرب، فمصالح الأمن القومي زمن الحرب توسع من مفهوم ومتطلبات النظام العام، كما تبرر إجراءات ضبط إداري أكثر شدة ([5])”.

من ثم تبرر الظروف الاستثنائية لهيئات الضبط الإداري في اتخاذ تدابير ضبط إدارية لا تقررها أي نصوص قانونية بل قد تبرر الخروج على المبادئ العامة للقانون أو قوة الشيء المقضي به ([6]).

تبرز أهمية الموضوع فيما تخوله الظروف الاستثنائية للسلطات العامة من أجل القيام بواجبها في الحفاظ على النظام العام وتسيير المرافق العامة، من أن تتحلل من بعض القيود القانونية وتخرج على مقتضي مبدأ المشروعية كما هو معروف في الظروف العادية ([7])، فتتسع تبعا لذلك سلطات الضبط الإداري على حساب حريات الأفراد، بهدف مواجهة تلك الأخطار المهددة للنظام العام دون التقيد بالنصوص الدستورية أو القانونية المنظمة للحريات في هذه الظروف، إلى جانب لجوء سلطات الضبط الإداري إلى الأعمال الضبطية التي أضفي عليها القضاء المشروعية في هذه الظروف غير العادية، غير أن هذا لا يعني تبرم سلطات الضبط من الخضوع لمبدأ المشروعية في هذه الظروف بل يجب أن يكون هذا المبدأ محل احترامها في الظروف العادية والاستثنائية على حد سواء. كل ما في الأمر هو أن هذه الظروف الطارئة تؤدي إلى تبرير سلطات الضبط الإداري وتحريرها مؤقتا من التقيد الحرفي بأحكام مبدأ المشروعية، وبالقدر الذي يمكنها من القضاء على المخاطر الناتجة عن هذه الظروف على أن تظل أعمالها وتصرفاتها خاضعة لرقابة القضاء ([8]).

بناء على ما سبق سنحاول تسليط الضوء على مختلف النظريات الفقهية التي ناقشت مشروعية توسع سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية وشروط ذلك (المطلب الأول)، في محاولة لتقييم أساليب القاضي الإداري في مواجهة هذه الظروف والمبادئ التي قررها في الرقابة على قراراتها لتحقيق التوازن بين متطلبات الحفاظ على النظام العام وحماية الحقوق والحريات (المطلب الثاني).

المطلب الأول

ماهية نظرية الظروف الاستثنائية وموقف الفقه

من نطاق سلطات الضبط الإداري فيها

يقوم مبدأ المشروعية على أساس وجود قواعد صارمة تلتزم الإدارة باحترامها ومراعاتها في تصرفاتها، فهو يفرض على السلطات الإدارية قيودا لصالح الأفراد، غير أن حماية الحقوق الفردية والحريات الجماعية يجب أن لا يحجب عن الأبصار حاجة الإدارة إلى قدر من الحرية تضمن به حسن تصريف أعمالها، لهذا يقرر الفقه والقضاء، بل المشرع نفسه للإدارة بعض الامتيازات تستهدف موازنة مبدأ المشروعية بمنح الإدارة قدرا من الحرية ([9]).

وتعد نظرية الظروف الاستثنائية صورة من الصور الثلاثة الممنوحة للسلطات الإدارية أي صورتي السلطة التقديرية ونظرية أعمال الحكومة أو السيادة، قصد الحفاظ على المصلحة العليا للدولة.

إن فكرة الظروف الاستثنائية من النظم القانونية العامة التي لها الأثر الواضح في إضفاء المشروعية على بعض الأعمال التي قد تكون مخالفة لمبادئ دولة القانون في الظروف العادية. وبناءا على ذلك سوف نقارب الجانب النظري واجتهاد القضاء الإداري فيما يخص هذه الظروف عبر الفروع التالية.

الفرع الأول: تأصيل نظرية الظروف الاستثنائية وخصائصها

تعتبر فكرة الضرورة أو الظروف الاستثنائية من النظم القانونية العامة التي لها الأثر الواضح في إضفاء المشروعية على بعض الأعمال المخالفة للقانون ([10])، وهي فكرة قديمة لازمت الفكر القانوني، حتى رجع إلى أصلين معروفين يقضيان بأن الضرورات تبيح المحظورات وأن الضرورة تقدر بقدرها.

الفقرة الأولي: مدلول نظرية الظروف الاستثنائية

إن الباحث في الجانب الفقهي لنظرية الظروف الاستثنائية يقف أمام مجموعة من المذاهب:

يذهب أصحاب الاتجاه الأول إلى القول بأن نظرية الظروف الاستثنائية وسلطات الحرب هي نظرية ابتدعها القضاء الإداري الفرنسي، وتتلخص في أن القرارات الإدارية غير المشروعة في الظروف العادية تعتبر مشروعة في الظروف الاستثنائية وبالتالي فإن هذه النظرية ليست تطبيقا عاديا لحالة الضرورة بل تقوم على واجبات السلطة الإدارية في المحافظة على النظام العام وسير المرافق العامة.

فيما يري أصحاب اتجاه ثان أن هذه النظرية تعتبر نظرية قانونية فهي تطبيق عادي للضرورة على أساس أن الضرورات تبيح المحظورات، أو على أساس الحق الشرعي في الدفاع عن النفس.

فيما اكتفي أصحاب اتجاه ثالث باعتبار نظرية الظروف الاستثنائية ما هي إلا نظرية الضرورة، وإن ألبسها مجلس الدولة ثوبا جديدا وهو سلطات الحرب والظروف الاستثنائية.

فيما يري اتجاه رابع أن نظرية الظروف الاستثنائية هي صورة خاصة من نظرية الضرورة وليست تطبيقا عاديا لنظرية الضرورة، وهذه الصورة الخاصة تستمر فترة طويلة من الزمن على عكس حالة الاستعجال وحالة القوة القاهرة التي لا تدوم طويلا ([11]).

وذهب اتجاه أخير إلى التفرقة بين نظرية الضرورة ونظرية الظروف الاستثنائية، حيث قرر أن نظرية الضرورة ليست اصطلاحا مرادفا لنظرية الضرورة فهي أعم في نظرية الظروف الاستثنائية وسابقة عليها في الوجود، ولكن مع ذلك فإن نظرية الظروف الاستثنائية لا تعتبر تطبيقا عاديا لنظرية الضرورة، لذا انتهي أصحاب هذا الاتجاه إلى اعتبارها حالة خاصة أو تطبيقا خاصا لنظرية الضرورة ([12]).

في نظرنا نعتقد أن نظرية الظروف الاستثنائية لا تعتبر تطبيقا عاديا لنظرية الضرورة فهي حالة خاصة أو تطبيقا خاصا لنظرية الضرورة، ذلك أن نظرية الظروف الاستثنائية تتميز عن حالة الضرورة في مجال الضبط الإداري بما يلي:

  1. المعروف أن حالة الضرورة تقوم في حالة وجود خطر جسيم ومفاجئ في مجال الضبط الإداري، وبالتالي فهي عبارة عن حالة طارئة أو مستعجلة تقتضي تدخل هيئات الضبط على وجه السرعة لمواجهتها والتغلب عليها، فهي تفترض أن يكون هذا الخطر مؤقتا وليس مستمرا، أما الظروف الاستثنائية فهي تستمر عادة وقتا أطول من الزمن، فالضرورة قد تبدأ بحالة طارئة، ولكنها قد تستمر بعد ذلك فترة طويلة من الزمن كما في حالة الحرب الخارجية التي تتعرض لها الدولة فتتحول هذه الحالة إلى ظروف استثنائية ([13]).

2. أن الضرورة ترتبط دائما بالمحافظة على النظام العام، والذي يعتبر شرطا لازما لها، أما نظرية الظروف الاستثنائية فقد أضافت شيئا جديدا وهو ضمان سير المرافق العامة بالإضافة إلى المحافظة على النظام، باعتبار أن واجبات السلطة الإدارية في المحافظة على النظام العام وسير المرافق العامة بانتظام هو الذي دفع الإدارة للخروج عن الحدود التشريعية في الظروف الاستثنائية، وهو ما تأكد من حكم وقفنا عليه للمحكمة الإدارية العليا المصرية ([14]) والذي نستخلص منه أن الظروف الاستثنائية ليست تطبيقا عاديا لنظرية الضرورة وانما هي حالة خاصة للضرورة وتختلف عن الصور المتعارف عليها للضرورة في أنها ليس الغرض من تطبيق أحكامها هو حماية النظام العام فقط بل يشمل أيضا ضمان سير المرافق العامة باضطراد.

3. أنه لا يترتب على نظرية الظروف الاستثنائية في حالة قيامها توسيع سلطات الضبط الإداري فقط، إنما توسع من سلطات الإدارة بصفة عامة مادام الأمر يتعلق بسير المرافق العامة، أما نظرية الضرورة فهي تطبق في مجال الضبط الإداري وتسمح بتوسيع سلطات الضبط الإداري فقط.

بالتالي يمكن القول أن نظرية الظروف الاستثنائية ليست تطبيقا عاديا لنظرية الضرورة وتختلف عن التطبيقات الأخرى كحالة الاستعجال وحالة القوة القاهرة.

كما نؤكد على أن نظرية الضرورة كانت سابقة على ظهور نظرية لظروف الاستثنائية فكانت هي السائدة في الفكر القانوني حتى ابتدع القضاء الفرنسي بمجلس الدولة نظرية سلطات الحرب والظروف الاستثنائية، وإذا كان يري بعض الباحثين أن هذا الارتباط قد يكون مقبولا في بادئ الأمر عند نشوء النظرية، ولكنه لا يبدو كذلك بعد استقرار الأوضاع القانونية، فاعتراف أول الأحكام بالظروف الاستثنائية والذي كان من تسعين عاما تقريبا حكمي (Dame Dol et Laurent/ General Verrier)، يجعل الفترة كافية لاعتماد نظرية الظروف الاستثنائية وظهورها ككيان مستقل.

الفقرة الثانية: خصائص نظرية الظروف الاستثنائية

عموما وإن كانت تتجه الأنظمة السياسية إلى تسمية حالة الاستثناء بحالة الطوارئ أو حالة الحصار أو حالة الضرورة الدستورية، فإن علتها واحدة هي حفظ سلامة الدولة واستمرارها، وأهم ما يميز حالة الاستثناء أنها:

 ذات طابع قانوني: فهي إجراء قانوني وليس إجراء سياسي يجد مصدر شرعيته في الدساتير والقوانين التنظيمية للبلاد وإن اختلفت التسمية ([15])، مما يعني أن حالة الاستثناء وما يترتب عليها من النتائج والآثار يبقي في إطار المشروعية، بخلاف الثورة أو الانقلاب مثلا اللذان وان توفرت بينهما بعض عناصر التعريف إلا أنهما لا يحكمهما القانون، لذلك فإن حالة الاستثناء نظام قانوني يخضع لمبدأ سيادة القانون ([16]).

 ذات طابع مؤقت: استثناء قد تمر الدولة بظروف غير عادية أو غير مألوفة تستوجب تطبيق نظام قانوني مؤقت غير مستمر في الزمان بحيث يعود الوضع إلى ما كان عليه بمجرد انتهاء مصوغاته، أي بمجرد ما يتم تجاوز هذا الظرف الطارئ، وهذه الصفة المؤقتة تشكل ضمانا للحقوق والحريات الأساسية والحفاظ على صيرورة القوانين العادية التي يجب أن تكون هي الأصل بينما القوانين الاستثنائية هي الاستثناء ([17]).

 هدفها مواجهة ظرف استثنائي: فلا يتم الإعلان عن حالة الاستثناء إلا إذا كان هناك ظرف طارئ أو استثنائي ارتقي إلى درجة عجزت معه السلطات العادية عن مواجهته، فالتغيير يخرج مثلا من دائرة الظرف الطارئ لأنه دائم وموجود في جميع المجتمعات وعبر العصور، وهذا الظرف الاستثنائي أو الطارئ يكون محددا ([18]).

 تولي السلطة التنفيذية مقاليد الأمور: يرجع ذلك إلى حركيتها وسرعتها في التقرير والتنفيذ التي تمتاز بها، وهو ما يتطلبه الظرف الاستثنائي، فغالبا ما يعهد إليها بمواجهة هذا الظرف وإسناد السلطات لرئيس الدولة أو الحكومة وهو أمر يختلف بحسب اختلاف الأنظمة السياسية ([19]).

 تجميد العمل بالقوانين العادية: حيث يتطلب الإعلان عن حالة الاستثناء التوقف عن احترام مجموعة من القوانين المختلفة خاصة تلك التي تتعلق بتنظيم ضمان الحقوق والحريات الأساسية بحجة أنها تحول دون مواجهة الظرف الطارئ القائم بشكل فعال، ويتم الرجوع إليها بمجرد زوال الحالة المعلنة. إذن فالأمر لا يتعلق بإلغاء القوانين بل فقط بتجميد أو توقيف العمل بها ([20]).

تنبغي الإشارة كذلك إلى وجود جانب من الفقه يري أن حالة الاستثناء ما هي إلا تطبيقا لفكرة الاستعجال ([21])، لكن وإن كان هناك نوع من الترابط بينهما إلا أنهما قد يختلفان أحيانا، مما يستوجب توضيح ذلك كالتالي:

– أن حالة الاستعجال لا تفترض بذاتها وجود أحداث جسيمة خطيرة بعيدة الأثر كما هو الحال بالنسبة للظروف الاستثنائية.

– أنه على الرغم مما يترتب على فكرة الاستعجال من اتساع سلطات الضبط الإداري في التنفيذ الجبري، إلا أن الاثار التي قد تترتب على الظروف الاستثنائية قد تكون أبعد مدي، ذلك لأن هذه النظرية لا تشمل حالة الحرب فقط، بل تشمل أيضا الحالات التي يكون فيها الصالح العام في خطر وهي ما لا يمكن تحديده مقدما.

– أن الثابت من أحكام مجلس الدولة الفرنسي إزاء فكرة الاستعجال هو جنوحه أحيانا إلى التوسع فيها، وأحيانا أخري يطبقها في حدود ضيقة وذلك تبعا للظروف، فقد ذهب في بعض أحكامه إلى تأكيد حق هيئات الضبط الإداري في تمزيق الإعلانات التي اشتبهت في معناها إذا كانت الجاسوسية منتشرة والدعايات المسموعة على أشدها دون حكم قضائي، وهذا يعني أن لهيئات الضبط الإداري وفي الفترات الحرجة حق التنفيذ المباشر ([22]).

كما قضي المجلس بأن قيام حالة الاستعجال يبيح لهيئات الضبط الإداري منع الاجتماع إذا كان المنع هو الطريقة الوحيدة لتفادي الخطر الذي يهدد الأمن من جراء الاجتماع ([23]).

ويقول مفوض الحكومة ((Romieu)) في قضية شركة (Saint guest) العقارية عند شرحه لفكرة الاستعجال والضرورة لتأكيد حق الإدارة في التنفيذ المباشر، “عندما تشتعل النار بمنزل لا يعقل أن يلجأ للقضاء لاستئذانه في إرسال رجال المطافئ لإطفاء الحريق” فحالة الاستعجال تستلزم السرعة وعلى الإدارة أن تتصرف مباشرة ([24]).

الفرع الثاني: موقف الفقه من سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية بمقتضي النصوص التشريعية

اختلف الفقه في موقفه من نطاق سلطات الضبط الإداري على الخصوص في القانون المقارن، ولم تقف في القانون المغربي على مثل هذا الاختلاف، غير أن التحليل القانوني لا يستغني عن إبراز هذا الاختلاف في القانون المقارن مركزين على كل من القانون الفرنسي والمصري بما يحقق الإفادة.

يطالعنا الفصل 42 من دستور 2011 بأن الملك رئيس الدولة هو الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات واحترام التعهدات الدولية للمملكة، ويكفل بمقتضي سلطاته استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

بعد ذلك يأتي الفصل 59 لتنظيم حالة الاستثناء بنصه أنه (إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير، بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة. ويخول الملك بذلك صلاحية اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية، ويقتضيها الرجوع في أقرب الآجال إلى السير العادي للمؤسسات الدستورية …).

طبقا للمادة المذكورة، فإنه تخول للملك سلطات واسعة تسمح له بعدم التقيد بالنصوص المخالفة، أي بتقرير ما يعاكس جميع النصوص القانونية السابقة لحالة الاستثناء، فيمارس سلطات تنفيذية وتشريعية لكن دون حل البرلمان، بهدف الدفاع عن حوزة التراب ورجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي ([25]).

نلاحظ أن الدستور المغربي سار على نفس نهج نظيره الفرنسي لكن مع الفارق، فمقارنة الفصل 59 مع الفصل 16 هي مقارنة مع الفارق، حيث ينظم الأول حالة الاستثناء بينما ينظم الثاني حالة الضرورة ([26])، غير أنه في كلتا الحالتين نحن أمام توسيع لصلاحيات رئيس الدولة، الأمر الذي يقتضي التوضيح من خلال الحديث عن اتجاهين بهذا الصدد.

الفقرة الأول ي: اتجاه موسع لاختصاصات السلطة التنفيذية

يري أنصار هذا الاتجاه أنه من الواجب في ظل تلك الظروف الاستثنائية إطلاق يد السلطة التنفيذية في اتخاذ إجراءات لها صفة الضرورة القصوى ذات طابع استعجالي سواء من حيث المكان أو الزمان وذلك لحماية النظام العام وضمان سير المرافق العامة ([27]).

وينصرف هذا التوسع إلى ما يتطلبه الفقه من توافر شروط نظرية الظروف الاستثنائية، وبالتالي فإنهم لم يتناولوا بالشرح ماهية الوضع الاستثنائي الذي يؤدي إلى خلق الظروف الاستثنائية المبررة لاستخدام وسائل غير مشروعة.

كما أن هذا الاتجاه اهتم فقط بأن السلطة المختصة بإصدار الإجراءات الاستثنائية تكون في وضع يستحيل معه أن تباشر اختصاصها دون إيضاح أن تطبيق القواعد العادية على هذه الحالة الشاذة سوف يؤدي إلى الإضرار بالنظام العام وسير المرافق العامة، كما أنهم اكتفوا بتوافر شرط المصلحة دون النظر في أن تكون هذه المصلحة جدية في نفس الوقت.

الفقرة الثانية: اتجاه متشدد إزاء توسيع هذه الاختصاصات

على الرغم من اتفاق أنصار هذا الاتجاه على أن الظروف الاستثنائية تقتضي اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية النظام العام وضمان سير المرافق العامة، إلا أنهم يتشددون في تعريف الوضع الاستثنائي المبرر لاتخاذ الإجراءات الاستثنائية، وقد تجلي ذلك في ما يتطلبه أنصار هذا الاتجاه لتحقيق شروط نظرية الظروف الاستثنائية ([28]).

تفصيل ذلك أنه فيما يتعلق بتواجد شرط الحالة الشاذة أو الظرف الاستثنائي، لا يكفي فقط إدعاء السلطة الإدارية بوجود الحالة الشاذة أو الظرف الاستثنائي، وإنما يجب أن يكون ذلك أيضا من اختصاص القاضي الإداري الذي يبحث عن هذه الظروف ويكشف عن وجودها.

كما أن وجود المصلحة المبررة لاتخاذ هذه الإجراءات يعد شرطا لازما لذلك، والمصلحة قد تكون محددة تشريعيا فلا خلاف إذن على ذلك، وإنما حينما لا تكون غير محددة فإن الإدارة يقع عليها عبء إثبات جدية المصلحة وأنها حقيقية وليست وهمية.

واشترطوا أيضا أن تكون السلطة الإدارية ملزمة بالتصرف تنفيذا لواجباتها، وأن تكون الإجراءات المستخدمة بمقتضي الظروف الاستثنائية مقصورة عليها وبالقدر الضروري لمواجهتها، وعلى القاضي الإداري أيضا عبء القيام بملاءمة الوسيلة المستخدمة مع درجة جسامة الحالة الاستثنائية ([29]).

من جهتنا نميل إلى الأخذ بالاتجاه الثاني علتنا في ذلك مجموعة من الأمور أهمها:

– أن مبدأ المشروعية يقتضي إحكام الرقابة على النشاط الواسع لوظائف الدولة عموما وسلطات الضبط الإداري خصوصا، بغية مواجهة التدخل المستمر بما يكفل حقوق الأفراد؛

– أن هذا التشدد مطلوب اتجاه التخوف المستمر من طغيان وظائف الإدارة على حريات الأفراد وحقوقهم، لكن بتوازن منطقي بين ما يتطلبه معالجة الظرف الاستثنائي وبين الحفاظ على هذه الحقوق؛

– أن تفسير النصوص القانونية في حالة الظرف الاستثنائي هو الأحوط والكفيل بتحقيق التوازن المذكور ([30]).

الفرع الثالث: موقف الفقه المغربي من حالة الاستثناء

إن المتأمل في أشكال خروج هيئات الضبط الإداري عن الحدود التشريعية يجدها كثيرة، وتعد حالة الإعلان عن حالة الاستثناء إحدى صور تلك الحالات، ويقصد بها وجود الأخطار الداخلية كالأزمات السياسية والعسكرية والكوارث الطبيعية كالأوبئة والاضطرابات الداخلية والفتن الدينية والطائفية لا تقل أهمية في تقدير الخطر وتحديد مصادره، شرط أن يكون الخطر جسيما وعلى وشك الوقوع، ولا يعتد بالأخطار المألوفة التي تقع في الحياة العادية، بهذا التقدير يمكن إزالة بعض الغموض والإبهام عن تطبيق حالة الاستثناء. إذن ما المرجعية الدستورية والقانونية لحالة الاستثناء بالمغرب والتي يمكن أن توسع من سلطات الضبط الإداري؟

الفقرة الأولي: فيما يخص تهديد حوزة التراب الوطني

بالنظر إلى المادة 59 السابقة، فقد اشترط لإعلان حالة الاستثناء شرطين موضوعيين اثنين، حالة تهديد حوزة التراب الوطني والتي لا تكون مهددة إلا في حالة وجود خطر، واشتراط الخطر هنا لم يحدده المشرع المغربي، لكن بالرجوع إلى الدساتير المقارنة نجد أن الخطر الذي يهدد وحدة الدولة الترابية يجب أن يكون حالا وجسيما ([31]).

والخطر الذي يهدد الدولة في وحدتها الترابية هو الخطر الخارجي كوقوع حرب خارجية أو التهديد بها، يستوي أن يكون الخطر كذلك داخليا كأزمة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية. وقد قصد المشرع الدستوري الفرنسي في المادة 16 الأخطار ذات الطبيعة الدولية وخاصة أضرار الحرب الذرية واحتمال احتلال الأراضي الفرنسية من دولة أجنبية ([32]).

فالخطر الذي يهدد حوزة التراب الوطني حسب المادة 59 يجب أن يذهب إلى تهديد الدولة من فعل اغتصاب أراضيها أو الاعتداء عليها من الخارج مثل قضية الأقاليم المغربية الصحراوية والخلاف مع الجزائر. ورغم ذلك فإن المشرع المغربي لم يحدد طبيعة الخطر ولا طبيعة التهديد، وعليه يجب أن يكون الخطر أو التهديد جديا أو على درجة من الخطورة والجسامة ([33]).

ويلاحظ أغلب الفقه بالمغرب أن النص الدستوري فيما يتعلق بهذا الشرط لم يحدد حالات الخطر، وبالتالي فإن هذا الشرط لا يعتبر قيدا على الصلاحيات والسلطات الواسعة التي يستخدمها الملك عند إعلان وتطبيق حالة الاستثناء، على عكس ما نص عليه الدستور الفرنسي في المادة 16 الذي اعتبر درجة الخطر في جسامته ومصدره قيدا هاما لاستخدام السلطات الاستثنائية ([34]).

من تم يمكن القول بأن الفصل 59 ترك شرط تقدير جسامة تهديد الدولة والأخطار المحذقة بها إلى تقدير ملك البلاد، فله مطلق الصلاحية في إعلان حالة الاستثناء وما يفترض ذلك من توسيع صلاحيات هيئات الضبط الإداري ([35]).

الفقرة الثانية: فيما يخص وقوع أحداث تعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية

أولي الملاحظات على هذا النص هي عبارة (أو وقع من الأحداث) والتي تطرح أكثر من تساؤل، فلم يحدد النص أحداثا بعينها تخول استعمال السلطات الاستثنائية والتي لا يمكن معالجتها بالمقتضيات القانونية التي وضعت في ظل الظروف العادية. من ناحية ثانية، فإن عرقلة السير العادي للمؤسسات الدستورية، وإن كان واضحا أن هذه المؤسسات تشمل المؤسسة الملكية والحكومة ومجلس النواب والقضاء والمحكمة الدستورية… فإن الأحداث التي تمس بسيرها وتعرقله لم يحددها النص وترك أمر تقديرها إلى الملك وحده بعد احترامه الشروط الشكلية الأخرى المنصوص عليها ([36])، وعلى هذا الأساس يتمتع الملك في هذا الصدد بسلطة استنسابية لا حدود لها على ضوء اعتبارات يقدرها بنفسه.

الواضح من الصيغة المستخدمة بالمادة المذكورة أنها تتضمن الاحتمال المستقبلي، بمعني أنه لا ضرورة من كون الأحداث قد مست بالفعل سير المؤسسات الدستورية وأدت إلى تعطيلها، وإنما يكفي أن تحمل هذه الأحداث في طياتها وبتقرير الملك احتمال التطور في المستقبل بشكل يؤدي معه إلى المساس بسير المؤسسات الدستورية ([37]).

وقد اعتبر البعض ([38])، أنه لا تقتصر الأحداث الجسيمة المهددة للمؤسسات الدستورية في الاضطرابات الخطيرة كالعصيان المسلح، وإنما كذلك يمكن أن تشمل هذه الأحداث حتى الأزمات السياسية التي تعيق نشاط المؤسسات الدستورية كالحكومة والبرلمان.

ومن ثم يمكن أن نخلص إلى أن عبارة (أو وقع من الأحداث) تتسع لتشمل عدة أحوال ناشئة عن عدة أحداث، وهذا يخالف الدستور الفرنسي الذي اشترط لإعلان حالة الاستثناء التعطيل الفعلي للسلطات العمومية وعدم الاكتفاء بوقوع ما من شأنه أن يمس سيرها ([39]).

إذن فالعبارة المذكورة تتيح المجال لإقحام حالات كيرة كيفما كانت طبيعتها ونوعيتها للاعلان عن حالة الاستثناء وتكون هذه الأخيرة مبرر ومشروعة حسب الفصل 59، غير أنه لا يمكن فهم أو تحليل هذه المادة بمنأى عن الفصل 42، الذي يجعل من ملك البلاد الضامن لدوام الدولة واستمرارها والساهر على حسن سير المؤسسات الدستورية… وصيانة حقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات…، وهو ما يجعل منه صاحب الحق والتقدير في مدي توافر أحد الشرطين الموضوعين لإعلان حالة الاستثناء وتوسيع سلطات هيئات الضبط الإداري تبعا لذلك.

الفرع الرابع: موقف الفقه فيما استقر عليه القضاء الإداري

إن المتأمل في صور خروج هيئات الضبط الإداري عن الحدود التشريعية يجدها كثيرة، لكن يمكن حصرها في ثلاث صور، وهي خروج هيئات الضبط عن الإجراءات الشكلية التي نص عليها القانون، وكذلك الخروج عن قواعد الاختصاص المنصوص عليها قانونا وكذا امتناع هيئات الضبط عن تنفيذ أحكام قضائية واجبة النفاذ.

لقد استقر القضاء الفرنسي على مشروعية هذه الصور الثلاث وإقرار حق هيئات الضبط في ذلك واعتبر ذلك من قبل المشروعية الاستثنائية la legalite exceptionnelle ([40])، طالما أنه لم تعد الحقوق الفردية والحريات العامة مطلقة من كل قيد تستمد وجودها من القانون الطبيعي، بل باتت في المدلول الحديث مجرد وظائف اجتماعية، فللدولة أن تقيدها أو تحد منها بالقدر الذي يتلاءم مع مصلحة الجماعة التي تعلو مصلحة الأفراد ([41]).

لقد حاول الفقهاء وضع نظريات لتساير ذلك، وأمكن حصر تلك النظريات في أربع وهي التفويض الضمني أو الموظف الفعلي أو الاختصاص الجديد أو خلق سلطة جديدة.

الفقرة الأولي: نظرتي التفويض الضمني والموظف الفعلي

سوف نقارب مضمون النظريتين من خلال العناصر التالية:

أولا: التفويض الضمني

يقوم هذا الرأي على أساس نقل اختصاص السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية وهيئاتها الضبطية دون أن يسمح القانون بذلك، وإنما قرر على أساس من تصور التصريح الضمني بالتفويض من جانب المشرع في الظروف الاستثنائية، وحينما أجاز القضاء الإداري الفرنسي ذلك فإنه استند إلى فكرة التصريح الضمني بالتفويض من جانب المشرع في هذه الظروف الاستثنائية المستعجلة ([42]).

ويضيف أنصار هذا الرأي أيضا بأن صورة هذا التفويض الضمني تشمل أيضا – ليس فقط التفويض بين سلطتين – وإنما كذلك من سلطة إدارية عليا إلى سلطة إدارية محلية، ويستند أصحاب هذا الاتجاه فيما قرره مجلس الدولة الفرنسي في قضية ((Saupiquet)) وهي الشركة التي اعترضت على قرار صادر من اللجنة الخاصة بالخطوط الحديدية برفع كافة الضمانات على المواصلات التجارية على اعتبار أن مثل هذا القرار يجب صدوره من وزير الحرب طبقا للقانون، وأيضا فيما قرره المجلس في قضية الجمعية التعاونية للاتحاد الزراعي حينما استولي أحد العمد على حمولة قمح خاصة بها فطعن في القرار على اعتبار أن ذلك مخالف للقانون، لأن الاستيلاء من حق المحافظ فقط وليس العمدة وجاء قرار مجلس الدولة مؤيدا لذلك بحيث استند القاضي الإداري في حكمه على أساس فكرة التفويض الضمني ([43]).

لقد أخذ بعضهم على مسألة التفويض الضمني مجموعة من الأمور أهمها ([44]):

– أن ما دعا القضاء الإداري الفرنسي إلى إقرار مشروعية تصرفات الإدارة ليس على اعتبار افتراض التفويض الضمني بقدر ما هو إلا تطبيق للظروف الاستثنائية، فالقضاء بإقراره لهذه الظروف فإن يقرر هذه التصرفات الغير مشروعة رغم خروجها عن الحدود التشريعية؛

– أن هذا الاتجاه لا يستطيع تفسير كافة أحكام القضاء مثل امتناع هيئات الضبط عن تنفيذ حكم قضائي واجب التنفيذ؛

– أن ترك الأمر للافتراضات الغير واقعية في مجال شائك كالظروف الاستثنائية وحقوق وواجبات الأفراد أمر بالغ الخطورة، لما يمكن أن يؤديه من انحراف في استعمال السلطة.

ثانيا: الموظف الفعلي

في اعتقاد مؤيدي هذا الاتجاه، فإن الشخص العادي قد يتحول إلى موظف عمومي في الظروف الاستثنائية ويمارس بعض الاختصاصات الإدارية، بحيث يجوز للشخص العادي أن يمارس نشاطا إداريا إذا كانت الضرورة تقتضي ذلك والنشاط الإداري الذي يمارسه هذا الشخص من النوع الذي يمكن أن تسند إليه ممارسته أو يحتمل تنصيبه فيه ([45]).

وهم يفسرون مسلك مجلس الدولة الفرنسي تبعا للحكم الصادر في مارس 1948 بشأن قضية جمعية رعاية مصالح المدينة حينما مارسوا مهام الإدارة أثناء هجرة الأفراد من إحدى الولايات الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية، وحينما طعن في الإجراءات التي اتخذوها، جاء حكم مجلس الدولة مقررا أنهم اتخذوا إجراءات مشروعة بناء على السلطات الفعلية وذلك في الظروف الاستثنائية الناشئة عن الاحتلال الألماني ([46]).

في تقدير هذا الاتجاه تمت ملاحظة الاتي ([47]):

– أن هذا الحكم بالرغم من إشارته إلى فكرة السلطات الفعلية، إلا أنه لم يشتمل على كافة شروط الموظف الفعلي التي قررتها النظرية، ولا سيما فيما اشترطوا فيه أن يكون هناك احتمال إسناد العمل الإداري إلى الأفراد الممارسين للسلطات الفعلية.

– أن هذا الاتجاه لا يستوعب جميع التطبيقات لمجالات نظرية الظروف الاستثنائية خاصة في المجالات التشريعية.

الفقرة الثانية: نظرتي الاختصاص الجديد وخلق سلطة جديدة

وهما نظرتين على قدر كبير من الأهمية كما سنري.

أولا: الاختصاص الجديد

اتجه أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بأن الذي يحدث ليس إلا خلق اختصاص جديد بمناسبة الضرورة، ويكون هذا الخلق للاختصاص بمعرفة القاضي الإداري الذي يتطلب ظروف حقيقية وليست صورية.

ينتهي مؤيدو هذا النظر إلى أن الأوضاع التي تنشأ عن الظروف الاستثنائية تأخذ صورتين الأولي هي استحالة قيام السلطة المختصة بالتصرف بممارسة سلطاتها ونفوذها، وفي هذه الحالة يجب القول بضرورة تحويل هذا الاختصاص إلى سلطة أخري يمكنها ممارسته، والصورة الثانية هي التي لا تفترض الاستحالة ولكن تفترض أن الإجراءات المنصوص عليها في القانون غير كافية لمواجهة حالة الاستعجال التي توجب اتخاذ إجراءات على وجه السرعة ([48]).

ويلاحظ على هذا الاتجاه ما يلي ([49]):

– أن هذه النظرية أيضا لا تستوعب كل صور الظروف الاستثنائية، حيث أنها لا يمكنها أن تفسر حالة امتناع هيئات الضبط عن تنفيذ الأحكام القضائية الواجبة التنفيذ في بعض الحالات الاستثنائية، حيث أن حالة الامتناع هنا لا تخلق اختصاصا جديدا لهيئات الضبط؛

– أن هذه النظرية لا تستطيع تفسير مخالفة الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في القانون.

ثانيا: خلق سلطة جديدة

انتهي أنصار هذه النظرية إلى أن تفسير أحكام القضاء الإداري في الظروف الاستثنائية ليس على اعتبار نقل الاختصاص، سواء عن طريق التفويض الضمني أو عن طريق الموظف الفعلي، كما أنه لا يوجد خلق لاختصاص جديد، وإنما الحقيقة في رأيهم هي عملية خلق سلطة جديدة لمواجهة هذه الظروف، وأن الإدارة ملتزمة باستخدام هذه السلطة خلال الظروف الاستثنائية فقط وليس قبلها أو بعدها ([50]).

أما بالنسبة للباعث الذي دعا القاضي إلى خلق هذه السلطة الجديدة فهو تحقيق الصالح العام متمثلا في المحافظة على النظام وضمان سير المرافق العامة بانتظام.

وقد ذهب هذا الاتجاه في التدليل على نظريته إلى أن صور الخروج على القواعد التشريعية هي ثلاث، الخروج عن القواعد الشكلية والخروج على قواعد الاختصاص والخروج على القواعد الوضعية متمثلة في الامتناع عن تنفيذ بعض الأحكام القضائية المشمولة بالنفاذ، فالمسألة – كما يرون – ليست خلقا لاختصاص جديد وإنما هي خلق لسلطة جديدة لم تنص عليها القوانين العادية أو حتى في بعض الأحيان القوانين الاستثنائية.

خلاصة القول، نعتقد أن النظريات الأربع السابقة كانت تدور في فلك واحد وهو محاولة تفسير الأثار التي تترتب على نظرية الظروف الاستثنائية، واعتراف القاضي بوجود ظروف استثنائية مبررة لخرق هيئات الضبط الإداري للقواعد القانونية.

إن الأمر كله ليس خرقا للقانون أو خروجا عن مبدأ المشروعية وإلا كان الأمر يمثل فوضي تشريعية، فليس الأمر اختصاصا جديدا يخلق أو سلطة جديدة تضاف بمناسبة معينة وليس الأمر تفويضا ضمنيا أو للموظف الفعلي، وإنما الأمر لا يعدو إلا أن يكون عودة إلى مبدأ المشروعية الاستثنائية.

فبمقتضي المشروعية الاستثنائية يتم توسيع سلطات الضبط الإداري فتشمل أمورا لم ينص عليها القانون، وتظهر اثار هذه النظرية بعد ذلك من اعتراف القاضي بوجودها. فالأعمال الإدارية التي تعتبر غير مشروعة في الظروف العادية تعد مشروعة في الظروف الاستثنائية لحفظ النظام واستمرارية سير المرافق العامة خاصة في فترات الحرب والأزمات والطوارئ ([51]).

نافلة القول، فإن نظرية الظروف الاستثنائية من إنشاء القاضي الإداري لسد العجز في القوانين ولمواجهة الحالات المضطربة العصيبة التي لا تتضمنها هذه القوانين. غير أن ذلك ليس بدون ضوابط محددة كما سنري في المطلب الموالي.

المطلب الثاني

نطاق سلطة الضبط الإداري في الظروف

الاستثنائية في اجتهاد القضاء الإداري

تعتبر الحلول القضائية من الأهمية بمكان خاصة وأن المشرع قد يتوقع ظرفا استثنائيا معينا فيضمنه نصا دستوريا أو قانونا تشريعيا، بينما في حالة عدم توقع المشرع لظرف استثنائي معين أو مشاكل معينة يضطر القضاء إلى التدخل لسد ما يشوب الحلول التشريعية للظروف الاستثنائية من نقص وقصور. وهنا لا بأس من التذكير بفضل القضاء الفرنسي في وضع القواعد الأساسية لنظرية الظروف الاستثنائية حيث أقر أن مجرد قيام ظروف استثنائية كاف لوحده – في تقديره – للاعتراف للإدارة بممارسة اختصاصات جديدة لا سند لها في التشريع حتى تستطيع أن تواجه المصاعب التي تحدثها هذه الظروف.

الفرع الأول: أساليب القضاء الإداري لمواجهة الظروف الاستثنائية

يمكن تلخيص أساليب القضاء الإداري في مواجهة الظروف الاستثنائية في أسلوبين اثنين أولهما التفسير الواسع لنصوص الدساتير والقوانين ([52])، وثانيهما الترخيص للإدارة في مخالفة القوانين وتقرير اختصاصات جديدة لها.

الفقرة الأول ي: التفسير الواسع لنصوص الدساتير والقوانين

لقد أخذ القضاء الإداري بأسلوب التفسير الواسع لنصوص الدساتير والتشريعات، غير أن الذي يهمنا في هذا البحث ما تعلق منها بمجال الضبط الإداري.

بداية تنبغي الإشارة إلى أن التفسير على ثلاثة أنواع، تفسير تشريعي وتفسير قضائي واخر فقهي، وما يعنينا هو التفسير القضائي الذي يعرف بأنه غير موحد عكس التفسير التشريعي، لأن المحكمة وهي بصدد النظر في نازلة معينة تبحث عن الإرادة المفترضة للمشرع، فتفسر النص على طريقة معينة، إلا أن نفس المحكمة قد تنظر في نازلة مماثلة أو مختلفة تخضع لنفس النص الغامض، فتعطيه تفسيرا اخرا مخالفا للتفسير السابق، كما أن هذا التفسير القضائي غير ملزم، فالتفسير الصادر عن المحكمة وهي بصدد النظر في نازلة لا يلزم باقي المحاكم ولو كانت قضايا مشابهة ([53]).

إذا كان التفسير الخاطئ للنص القانوني أو التنظيمي الذي يستند إليه قرار الضبط الإداري يؤدي إلى عدم مشروعية القرار في ظل الظروف العادية، فقد ثار التساؤل عن موقف القضاء من تفسير نصوص قوانين الأحكام العرفية (الطوارئ) التي تقيم مقام الحالة القانونية العادية حالة قانونية استثنائية تتناسب مع الظروف التي أدت إليها.

الواقع أن القضاء لم يتخذ وجهة واحدة، فثمة أحكام للقضاء الإداري المصري حرصت على تفسير نصوص هذه القوانين تفسيرا ضيقا ([54]). وقد أيد بعض الفقه هذا الاتجاه القضائي للتفسير الضيق لنصوص الظروف الاستثنائية.

في حين صدرت أحكام من القضاء الإداري الفرنسي منحت التعبيرات القانونية التي تتضمنها هذه النصوص معني أوسع في ظل الظروف الاستثنائية ([55]).

وقد تبنت أحكام للقضاء المصري هذا المنهج القضائي ([56]).

ويتبين من استقراء أحكام محكمة القضاء الإداري المصرية ([57]) أن المحكمة تحكم رقابتها على أسباب قرارات الضبط الإداري التي تنطوي على مساس بالحريات الشخصية وتصدر بناء على قوانين الأحكام العرفية (الطوارئ) أو قوانين الضرورة، لتقف المحكمة على جدية هذه الأسباب وأهميتها على نحو يسوغ تدخل سلطة الضبط الإداري لتقييد الحريات العامة.

وقد أخذت المحكمة الإدارية العليا في أول عهدها بهذا الاتجاه لدرجة أنها رددت في بعض أحكامها نفس عبارات أحكام سبق أن أصدرتها محكمة القضاء الإداري ([58])، بيد أن المحكمة الإدارية العليا ما لبثت أن رجعت عنه بالنسبة إلى قرارات الضبط الإداري المقيدة للحريات الشخصية، والتي تصدر في ظل العمل بقوانين الأحكام العرفية (حالة الطوارئ) وطبقا لها ([59])، وقررت أن السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية، هي التي تستجمع العناصر والأدلة، بوصفها الجهاز المسؤول المختص، وهي التي تقدر مدي خطورتها على الأمن والنظام العام، وخلصت المحكمة في حكمها، إلى أن الشبهات التي قام عليها القرار المطعون فيه قد استخلصها مصدره من تحريات جدية.

وبهذا تكون المحكمة الإدارية العليا قد امتنعت، بمنهجها الرقابي عن رقابة مدي صحة الوجود المادي للأسباب التي بني عليها القرار المطعون فيه، وتبعا لذلك عن رقابة تقدير تناسب الاعتقال مع ما نسب إلى المعتقل.

وإذا كانت هذه هي حدود رقابة القاضي الإداري على تناسب محل تدابير الضبط الإداري وأسبابه في ظل قوانين الأحكام العرفية (الطوارئ)، وتطبيقا لها، فهل مدي الرقابة على هذا النوع من التدابير التي تصدر وفقا للنظرية القضائية للظروف الاستثنائية هو ذات مدي رقابة التدابير التي تصدر إعمالا لتلك القوانين؟

من حيث المدي، تختلف رقابة القاضي الإداري لتناسب محل قرارات الضبط الإداري التي تصدر وفقا للنظرية القضائية للظروف الاستثنائية عن رقابته لتناسب قرارات الضبط الإداري المقيدة للحريات العامة للأفراد، والتي تصدر طبقا للقوانين الاستثنائية أو قوانين الاستعجال والضرورة، فهي أوسع مدي في ظل النظرية القضائية للضرورة، عنها في كنف القوانين الاستثنائية.

ويبرر رأي في الفقه ([60]) هذا الاختلاف بين حالتي الرقابة على أساس أن المشرع في حالة العمل بقانون الأحكام العرفية (الطوارئ) يمنح هيئات الضبط الإداري اختصاصات واسعة لمواجهة ظروف معينة، واستجابة لقصد المشرع في تخويل هيئات الضبط حرية واسعة في التصرف يفسر القاضي الإداري هذه النصوص تفسيرا واسعا ([61]).

ولا يقف القاضي الإداري، فقط عند تفسير نصوص قانون الأحكام العرفية التي تستند إليها سلطة الضبط الإداري تفسيرا واسعا، بل لا يجوز له أن يراقب قيام الضرورة التي اقتضت إعمال أحكام قانون الأحكام العرفية، إذ أنه من المقرر أن مرسوم إعلان الأحكام العرفية (الطوارئ) يعتبر عملا من أعمال السيادة ([62]).

كما لا يراقب القاضي الإداري الملاءمة للتحقق من التناسب بين التدبير المتخذ وأهمية الوقائع والظروف إلا في حالات قليلة ([63]).

ويمتنع القاضي، كذلك، وبمحض إرادته، عن مباشرة رقابة تناسب تدابير الضبط الإداري التي تصدر استنادا إلى نصوص قوانين الأحكام العرفية (الطوارئ).

وهو بتفسيره الواسع لقانون الأحكام العرفية (الطوارئ)، وبامتناعه عن مباشرة رقابة التناسب للقرارات التي تصدر ارتكانا إليها، يؤثر ويقدم، بهذين التفسيرين، مقتضيات المحافظة على أمن المجتمع ونظامه على حريات من تمسهم القرارات المطعون فيها أمامه.

  أما في حالة رقابته للقرارات التي تمس حريات الأفراد والتي تصدرها هيئات الضبط الإداري وفقا لمقتضيات النظرية القضائية للظروف الاستثنائية، فهو وإن كان يوسع من اختصاصات السلطات المذكورة ويخفف من قيود المشروعية التي تفرض عليها في الظروف العادية، إلا أنه يمارس رقابة التناسب مرجحا بهذا المنهج الرقابي، ضرورات حماية حقوق وحريات الأفراد وبالقدر الذي لا يمس متطلبات المحافظة على النظام العام.

فيترتب، إذن، على إعمال القضاء لنظرية “الظروف الاستثنائية” زيادة سلطات هيئات الضبط الإداري، وفي ذات الوقت، تقوية رقابته القضائية على ما تصدره هذه الهيئات من قرارات. فبعد أن يتحقق من وجود الظروف الاستثنائية وقت اتخاذ التدبير الضبطي المطعون فيه، يراقب تناسب هذا التدبير مع هذه الظروف، ويقضي بمشروعيته إذا ثبت أن ما ينطوي عليه من خرق للمشروعية العادية كان ضروريا لمواجهة الظروف الاستثنائية ([64]).

وقيل إن مرد إعمال القضاء لرقابة التناسب في ظل النظرية القضائية للظروف الاستثنائية، هو إلغاء السلطة التقديرية للإدارة ([65]). وقيل ([66]) إن الخلاف بين منهج القاضي الإداري في رقابة قرارات الضبط الإداري التي تنطوي على مساس بحريات الأفراد الأساسية وتصدر وفقا لقانون الأحكام العرفية (الطوارئ)، وبين منهجه في رقابة هذه القرارات إذا ما صدرت وفقا للنظرية القضائية للظروف الاستثنائية، هذا الخلاف، وان كان في نظر هذا الرأي خلافا نسبيا إلا أن له ما يبرره، ذلك لأن القضاء بنظرية الظروف الاستثنائية هو الذي يوسع من سلطات الإدارة، ولذا يتعين أن يكون المناط في الاعتراف بهذه السلطات هو أن يكون التصرف لازما لدفع خطر جسيم يهدد النظام العام، هذا إلى أن السلطات الحكومية قد تتذرع بما تمنحه لها القوانين الاستثنائية من سلطات واسعة لتقييد الحريات بتدابير لا تدخل في نطاق السلطات المقررة لها ولا تسمح بها تلك النصوص رغم تفسيرها الواسع، وحينئذ يتعين على القاضي – حماية للحقوق والحريات – ألا يقر مشروعية هذه التدابير إلا إذا كانت ضرورية ولازمة وفقا لنظرية الظروف الاستثنائية.

والواقع أن القضاء الإداري يسلم بإمكانية تطبيق النظرية القضائية للظروف الاستثنائية إلى جانب النصوص المنظمة لحالة الضرورة والاستعجال، ومن ثم فإنه يراقب تناسب تلك التدابير عندما يقدر، أحيانا أنها لا تدخل في نطاق تطبيق النصوص، ويقضي بإلغاء التدابير إذا تبين له أنه لم تكن لازمة لدفع الخطر طبقا للنظرية القضائية للظروف الاستثنائية.

ويضيف هذا الرأي أن هذه الحالات التي تطبق فيها النظرية المذكورة إلى جانب النصوص الدستورية أو التشريعية المنظمة للضرورة، توضح الفائدة العملية من فرض رقابة جدية للتحقق من توافر الظرف الاستثنائي، ومن تناسب التدبير المتخذ معه عند تطبيق النظرية، وتعني أيضا أن القاضي يمارس في نفس الوقت قدرا من الرقابة على القرارات المستندة إلى نصوص القوانين الاستثنائية، وذلك عندما يقرر أن التدبير يتجاوز حدود تلك النصوص ويطبق عليه أحكام النظرية القضائية للظروف الاستثنائية.

فيما يخص التفسير الذي يلجأ إليه القاضي الإداري المغربي فهو يتأرجح بين اللجوء نحو التوسع أحيانا والتضييق (أحيانا أخري)، غير أن هدفه يظل واحدا، هو من جهة تطبيق روح القانون واحترام المبادئ العامة المقررة في القانون، وتوضيح إرادة المشرع بما ينسجم وضمان الحقوق والحريات من جهة أخري.

من ذلك التوسع في إقرار المسؤولية الإدارية، استقرار الاجتهاد القضائي الإداري المغربي على نهج تقنية التفسير الواسع في مجال التعويض عن الأضرار التي تتسبب فيها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، غير مبال بالسلطة الضيقة التي تحكمه عند تحريك دعوي القضاء الشامل ([67]).

وأمام ندرة الأحكام التي تبين منهج هذا الأخير في الظروف الاستثنائية، فإنه بالقياس على بعض مقتضيات الأحكام الصادرة في الظروف العادية، ومن الحيثيات التي اشتملت عليها، يمكن أن نستخلص ميل المحاكم الإدارية المغربية نحو التفسير الواسع لقرارات الضبط الإداري بما يخدم مصالح الأفراد وحماية حرياتهم وحقوقهم.

فرغم إيمان هذا القضاء بالسلطة التقديرية لسلطة الضبط الإداري، إلا أنه يري ضروريا من إخضاع قراراتها في الظروف الاستثنائية لرقابة القضاء “… وحيث إن السلطات الأمنية تتوفر على قدر من السلطة التقديرية يخولها اتخاذ إجراءات الحيطة والحذر كلما قامت أسباب أو قرائن أو دواعي ذات صلة بالمصلحة العليا للبلاد، غير أن ذلك يبقي تحت مراقبة القضاء الإداري …” ([68]).

ومثال التوسع في تفسير المقتضيات الدستورية ما نصت عليه مجموعة من الأحكام الإدارية بخصوص حرية التجول المنصوص عليها دستوريا، حيث نص قضاؤها بشكل صريح أن حرية التجول المنصوص عليها دستوريا تغل يد الإدارة في التضييق منها، فقد وقفت المحكمة الإدارية للرباط عند الأساس الدستوري لحرية التجول معتبرة منع الطاعن من مغادرة التراب الوطني للالتحاق بمقر عمله بعلة أنه من أفراد أسرة أحد الإرهابيين، عملا مناقضا لأحكام الدستور (منعه من السفر بدون موجب قانوني يعتبر مخالفة صريحة لمقتضيات الفصل 9 من الدستور الذي يضمن حرية التجول لكل مواطن وحيث أن القرارات الإدارية يجب أن تحترم كافة القواعد القانونية وفي مقدمتها دستور المملكة، مما يجعل القرار المطعون فيه مشوبا بتجاوز السلطة لعيب مخالفة القانون) ([69]).

ومما تجدر الإشارة إليه أن المجلس الأعلي نعي على القرار الإداري في نازلة عبد السلام ياسين مؤسس جماعة العدل والإحسان ذات التوجه الإسلامي المس بحرية التجول، موضحا نطاق سلطة الإدارة التقديرية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يضرب الحصار على المواطن ليحرمه من حرية الحركة والتنقل والاتصال بالناس (وحيث إنه في النازلة الحالية وحتي ولو سلمنا بأن ما قامت به الإدارة في حق الطاعن بأنه كان عبارة عن مجرد إجراءات واحتياطات تدخل في إطار حماية النظام العام والعمل على استتباب الأمن والسكينة والهدوء، وهي صلاحيات لا يمكن أن يجادل أحد في أنها تدخل في صميم اختصاصات وصلاحيات الإدارة، إلا أن هذه الإجراءات باستمرارها لفترة طويلة أصبحت تكتسي طابعا ملزما بالنسبة للمعني بالأمر مما خوله حق الطعن فيها مما تكون معه دعوي الإلغاء مقبولة شكلا) ([70]).

كما يتوسع القاضي في التفسير الإداري بشأن ضمانة وقف تنفيذ القرار الإداري الضبطي بهدف رغبته في حماية حق لا يمكن تداركه فيما بعد، لذا يسعي من خلال مراقبته لشروط إيقاف التنفيذ التي يتوسع في تفسيرها إلى فرض تلك الحماية.

فالقاضي الإداري يتمتع بسلطة مطلقة في تكييف تلك الخطورة التي ينادي بها الطاعن ولو كان الأمر في الظروف الاستثنائية، فقد قال القضاء الإداري بالمحكمة الإدارية بالرباط بأن (للمحكمة الإدارية سلطته تقديرية في الاستجابة لطلب إيقاف التنفيذ تبعا لظروف القضية وملابستها) ([71]).

لقد توسع هذا القضاء في ضمانة وقف تنفيذ القرارات الإدارية بغض النظر عما إذا كانت قد نفذته الإدارة تنفيذا تاما أو جزئيا حيث صرح بأن “القرار المطلوب إيقافه شرع في تنفيذه، بل تم تنفيذه، ومع ذلك فهذا لا يحول دون الحكم بوقف تنفيذه، بعلة أن الإدارة لا يجوز لها أن تستفيد من تصرفها حتى لا تتذرع الإدارة من انعدام المصلحة في طلب وقف التنفيذ، لكونه يصبح غير موضوع ما دام القرار قد نفذ، وحيث أنه ودون مناقشة ما إذا كان القرار قد نفذ تنفيذا تاما أو جزئيا نري بأن الاستمرار في تنفيذ قرار الهدم الذي من شأنه أن يلحق بالمدعية أضرار أخري يصعب تداركها في حالة الحكم بإلغاء القرار الإداري المطعون فيه، لذلك يكون طلب الإيقاف مبررا ويتعين الاستجابة له” ([72]).

في الجهة المقابلة يميل القضاء الإداري المغربي كذلك إلى وسيلة التفسير الضيق للنصوص التشريعية في مجالات عديدة يصعب حصرها هدفه الدائم هو الميل إلى حماية أفضل لحقوق الأفراد وحرياتهم نذكر على سبيل المثال:

– عدم التوسع في تفسير الاستثناء، فالفلسفة الكامنة وراء لجوء المشرع إلى سن قاعدة الاستثناء التي ترد على الأصل، هي التخفيف على المعنيين بالقاعدة القانونية، بالعمل على تنظيم مراكز قانونية غير متوقعة تجنبا للفراغ التشريعي، وتماشيا مع ظروف طارئة أو انتقالية، لا ينبغي التوسع فيها إلا بالقدر اللازم والضروري لها.

وهو ما دأب عليه الاجتهاد القضائي في عدة ميادين، جعلت تقنية التفسير الضيق لقاعدة الاستثناء، تختلف باختلاف طبيعة الحق المراد حمايته، وتتكيف حسب الآلية المعتمدة في تحريك الدعوي الإدارية ([73]).

التفسير الضيق للمادة 21 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، والتي تنص على أنه: “يجب أن يكون طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة مصحوبا بنسخة من القرار الإداري المطلوب إلغاؤه”. لقد فسر القاضي الإداري بالمحكمة الإدارية بالرباط هذا المقتضي القضائي حيث قال بأنه: “الطلب جاء مجردا من أي وثيقة تثبت الادعاء الوارد فيه بما في ذلك قرار إعلان طلب العروض المطعون فيه… كما أن المذكرات اللاحقة التي أدلت بها الطاعنة تعقيبا على جواب المكتب المطلوب في الطعن لم يتم إرفاقها هي الأخرى بالقرار المطعون فيه، حتى تتأكد المحكمة من صحة الدفع المشار من طرف هذا الأخير بشأن عدم اختصاصها نوعيا للبت في الطلب من عدمه” ([74]).

الفقرة الثانية: الترخيص للإدارة في مخالفة القوانين وتقرير اختصاصات جديدة لها

أقر هذا الأسلوب مجلس الدولة الفرنسي وتبعه في ذلك القضاء الإداري المصري، ويستند هذا الأخير على الترخيص للإدارة، عند قيام ظروف استثنائية في أن تهدر أحكام القوانين السارية وأن تباشر اختصاصات جديدة لا سند لها في هذه القوانين، وذلك إذا ما تبين أن إعمال هذه الأحكام في ظل الظروف الاستثنائية القائمة لا يمكنها من المحافظة على الأمن والنظام والسير المنتظم للمرافق العامة. ويظهر ذلك في مجال الضبط الإداري في الترخيص للسلطة القضائية أن تفرض قيودا على ممارسة الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور، إذا رأت أن ممارستها قد تؤدي إلى الإخلال بالأمن والنظام والسير العادي للمرافق العامة.

في فرنسا حكم في قضية ((Dehaene)) الذي أوقف عن العمل لقيامه بالإضراب عن العمل واخرين رغم أن الدستور قد نص على حق الإضراب، قضي بأنه: “يحق للحكومة باعتبارها المسؤولة عن سير المرافق العامة أن تحدد بنفسها طبيعة ونطاق القيود التي تخضع لها ممارسة حق الإضراب، فإذا ما تبين أن ممارسة الحق قد تؤدي لتعرض النظام العام لخطر جسيم كان للإدارة الحق في فرض قيودا على ممارسة ومعاقبة المخالفين” ([75]).

اتجه القضاء المصري نفس الاتجاه حيث قررت محكمة القضاء الإداري في حكمها الصادر بتاريخ 28 مارس 1961 والذي جاء فيه أنه: “للمحاكم العسكرية سلطة في إصدار قرارات بتعطيل إصدار المجلات إذا أدي إصدارها إلى حدوث إخلال بالأمن العام، رغم أن الدستور المصري قرر أن حرية الصحافة مكفولة في حدود القانون ورغم خلو قانون الأحكام العرفية من نص يخول هذه السلطة”.

  وكذلك نصت المحكمة في حكمها الصادر في ماي 1966 القضية رقم 1276 للسنة 11 بأن: “للمحاكم العسكرية أن تعتدي على الحرية الفردية بأن تضع تحت المراقبة أحد الأشخاص ممن قامت حوله الشبهات في أن يستخدم أمواله للإضرار باختصاصات البلاد، رغم عدم تحويل قانون الطوارئ لهذه السلطة للمحاكم العسكرية” ([76]).

وفي نفس السياق وبالنظر إلى الرقابة التي تباشرها الغرفة الإدارية بشأن مجال بيع المنشورات وترويجها يمكن القول أنه قد تم إرساء مجموعة من القواعد من قبيل ([77]):

– لا يجوز منع بيع كتاب أو منشور أو ممارسة حق الرقابة عليه إلا إذا كان يخل فعلا بالنظام العام أو بالأخلاق الحميدة.

– أن الكتب السماوية كالإنجيل مثلا لا تعتبر منشورات مخلة بالنظام العام، وأن منع عرضها وتداولها وبيعها يعد من قبيل الشطط في استعمال السلطة.

في المقابل قررت الغرفة الإدارية ما نصه: “أن الإدارة اعتمدت في اتخاذ قرار منع صدور جريدة الوطن على ما نشر فيها في العدد الأول بتاريخ 19/6/1991 من مقالات حول وضعية بعض المعتقلين، والرسائل المرفوعة من عائلاتهم إلى بعض الجهات المسؤولة وكذا الموجهة إلى أحزاب المعارضة وإلى بعض النقابات وغير ذلك من المقالات والتحليلات المنشورة في العدد المذكور الموضوع بصفة قانونية بالملف، مما اعتبرت معه الإدارة بما لها من سلطة تقديرية أن ما نشر يمس بالأمن العمومي وبأسس الأوضاع السياسية والدينية للمملكة، وتبعا لذلك وعلى عكس ما نعتته الوسيلة، فإن المقرر المطعون فيه يرتكز على وثائق ثابتة ويجد سنده فيما أثبتته الإدارة من إخلال الطاعن بالتزاماته الصحفية”.

وفي حكم آخر لإدارية فاس قضت بأنه “بالنظر إلى وضعية المدعي الذي سبقت إدانته من أجل جريمة مسيئة لسمعة وطنه أدخل بسببها السجن بالديار الفرنسية وأبعد بعد قضائه للعقوبة الحبسية من تلك الديار … فإن جهة الإدارة عندما رفضت منحه جوار السفر المطلوب للسبب المذكور فإن تكون قد تصرفت في حدود ما يمليه عليها القانون من جهة، ومصلحة الوطن العليا من جهة أخري، ويكون لذلك قرارها مصادقا للقانون في صحيحه وغير مشوب بالتجاوز في استعجال السلطة” ([78]).

الفرع الثاني: المبادئ التي قررها القضاء بشأن الظروف الاستثنائية

إن سلطات الضبط الإداري ملزمة بحفظ النظام العام في كافة الظروف، فضلا عن أن الضرورات تبيح المحظورات، وإذا كانت سلطات الضبط تتسع كثيرا في الظروف الاستثنائية، فمؤدي ذلك أن الأعمال المعتبرة غير مشروعة في الظروف العادية تصبح كذلك إذا ثبت لزومها للمحافظة على النظام العام أو دوام تسيير المرافق العمومية.

غير أن استخدام هيئات الضبط الإداري لسلطات الظروف الاستثنائية لا يعفيها من رقابة المشروعية، كما أن الإدارة قد تلتزم بتعويض المتضرر من جراء الإجراءات الاستثنائية ولو حكم القضاء بمشروعيتها على أساس نظرية المخاطر وتحمل التبعية ([79]).

إذا كانت الدولة الحديثة تلجأ إلى تقنيات عديدة من أجل الحرص على سمو المقتضيات الدستورية فضلا عن مبدأ المشروعية، أي تقنية مراقبة دستورية القوانين والرعاية القضائية لضمان الحريات من التعسف في الظروف العادية والاستثنائية، فإن الأهم عندنا هو المبادئ التي قرر القضاء الإداري بخصوص الظروف الاستثنائية.

الأمر الذي يستوجب التطرق إلى الإعلان عن حالة الاستثناء على مستوي أعلي سلطة في الدولة قبل تناول تلك القرارات الناجمة عن هيئات الضبط الأخرى، وسبب ارتباطهما هو أن الإعلان عن الظروف الاستثنائية يتخذ من أعلي سلطة وتبعا له تتبلور القرارات المتخذة من لدن سلطات الضبط الإداري.

الفقرة الأولي: نطاق سلطات الملك الاستثنائية

يفيد الفصل 59 من دستور 2011 أنه من حق الملك اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية ويقتضيها الرجوع في أقرب الآجال إلى التسيير العادي للمؤسسات الدستورية.

وإذا كانت المؤسسة الملكية هي أعلي سلطة ضبط في الدولة، فهل تخول الأزمة أو الحالة الطارئة الموجودة التي تمر بها المملكة لعاهلها حق إلغاء أو تعديل الدستور.

بالرجوع إلى الدستور الفرنسي نجد أنه قد ثار جدل قانوني وفقهي حول موضوع مراجعة الدستور أثناء حالة الاستثناء، بحيث انقسم الفقه إلى اتجاهين أحدهما يقر بالمراجعة الدستورية والاخر نكرها لاحتمال مقتضيات الدستور الفرنسي للتأويل ([80]). وقد أجمع رجال الفقه القانوني الفرنسي أن سلطة رئيس الجمهورية وقت إعلان حالة الاستثناء تكون مطلقة لا تعرف قيودا وحدودا باستثناء ما يتعلق بتعديل الدستور ([81])، ويقرر الأستاذ ((Vedel))، إن عدم إمكانية تعديل الدستور يرجع إلى أن المادة (16) لم توضع إلا من أجل إعادة الأوضاع الطبيعية للمؤسسات الدستورية، كما أنها لم توضع ضمن الوثيقة الدستورية بقصد إمكان تعديل الدستور في ظل الظروف غير العادية ([82]).

وبالرجوع إلى الفصل 35 من دستور المملكة لسنة 1996 والذي عوضه الفصل 59 من دستور 2011 نجد أن الوضع الاستثنائي دستوريا لا يكرس إلا من أجل الحفاظ على الدستور ذاته وذلك بعد التغلب على الأزمة، ذلك أنه إذا كان هدف الفصل 59 هو الحفاظ على السير العادي للمؤسسات الدستورية، فإن تعديل وضعية هذه المؤسسات بشكل دائم أمر غير جائز، وذلك أن إعطاء صلاحيات واسعة لرئيس الدولة يبرره وجود حالة استثنائية تمر بها الدولة، تخول له صلاحية إعادة السير الطبيعي للمؤسسات، ولا يدخل ضمن هذه الصلاحيات البعيدة المدي والأثر المساس بالدستور سواء بالتعديل أو الإلغاء، لأن هذا الإجراء يعتبر من الإجراءات التي تترك اثار بصفة دائمة أو التي تبقي قائمة حتى بعد الإعلان عن رفع حالة الاستثناء، وهذا لم يستهدفه الفصل 35 ([83]).

لقد حددت الدساتير المغربية السلطة المخولة بتعديل الدستور، فقد خولت في دستور 1962 بيد الوزير الأول والبرلمان، بينما حصرت بدستور 1970 للملك وحده عن طريق الاستفتاء الشعبي، في حين جعلها دستور 1992 للملك ومجلس النواب ([84])، وخولها اخر دستور في 2011 للملك ولرئيس الحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين طبقا لشروط محددة ([85]).

يؤكد بعض الأساتذة ([86]) أنه لا يجوز السماح بتعديل الدستور في حالة تطبيق حالة الاستثناء، ذلك أن الظروف الاستثنائية أو اللحظات العصيبة التي تمر بها الدولة تجعل الحكام والمحكومين منشغلين في هذه الفترة بالحدث والأزمة التي تمر بها الدولة حتى في فترة توقف سير المؤسسات أو بعضها عن العمل، ذلك أن إلغاء الدساتير لا يتم إلا بنص قانوني وعن طريق سلطة مخولة لها هذا الحق، فحالة الاستثناء التي أعلنت في المغرب من 1965 وحتي 1970 بموجب الفصل 35 من الدستور أوقفت عمل بعض المؤسسات وخاصة البرلمان، وظلت المؤسسة الملكية تمارس التشريع من لدن الملك، فلا تتيح هذه التدابير الاستثنائية إلغاء الدستور ولا تعديله، لأن ذلك يخالف مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المشروعية.

خلاصة القول أنه لا يجوز تعديل الدستور وقت قيام حالة الاستثناء، بحيث يتعارض ذلك مع مقتضيات المواد 41 و42 و59 من دستور 2011، بحيث إذا أريد تعديل الدستور فيجب رفع حالة الاستثناء وإجراء مراجعة دستورية بالطرق العادية المقررة ([87]).

الفقرة الثانية: رقابة القضاء الإداري على قرارات الظروف الاستثنائية الصادرة عن هيئات الضبط

إن بزوغ واتساع نشاط هيئات الضبط الإداري مرتبط بالظروف الاستثنائية، تلك الظروف المؤثرة في صيرورة الدولة العادية غالبا ما تعلن عنها من أعلي سلطات الدولة حسب تنظيم كل دولة، لتتقدم بعد ذلك هيئات الضبط باتخاذ ما تراه مناسبا حرصا على النظام العام، وقد انقسم الفقه والقضاء في كل من فرنسا ومصر بصدد خضوع قرارات رئيس الجمهورية عند تطبيق حالة الاستثناء للقضاء.

استقر مجلس الدولة الفرنسي على خضوع قرارات رئيس الجمهورية الخاصة بحالة الاستثناء لرقابته إذا كانت واقعة في المجال المتروك أصلا للسلطة التنفيذية. أما تلك التي تدخل في الظروف العادية في اختصاص السلطة التشريعية وفقا للفصل 34 من الدستور فلا تخضع لرقابة القضاء الإداري ([88]).

بالرجوع إلى القانون المغربي فإن الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية يمنع على المحاكم أن تبت في دستورية قانون أو مرسوم، هذا المنع الوارد في الفصل 25 يرجع إلى أن المجلس الأعلي (الغرفة الإدارية) يضفي الحصانة المطلقة على الظهائر الملكية ويمتنع بالتالي النظر في دعاوي الشطط المرفوعة ضد الظهائر الملكية سواء تضمنت تدبيرا فرديا أو تشريعيا ([89]).

بهذا الصدد ينبغي التمييز بين التدابير التي يتخذها الملك في نطاق السلطة التشريعية، والتدابير التي يتخذها في نطاق ممارسة السلطة التنظيمية التي تعتبر في الحالة العادية من اختصاص رئيس الحكومة (الوزير الأول) ذلك أنه من الضروري أن يحترم الفصل المادي للسلطتين، ولو كان الملك من الناحية العضوية هو الذي يمارس السلطتين معا فبناء على الفصل المادي للسلطتين تظل التدابير المتخذة في المجال التنظيمي خاضعة لنظام الأعمال الإدارية، حيث أن حالة الاستثناء لا تعطل مثلا مراقبة المجلس الأعلي لهذه الأعمال ([90]).

تجدر الإشارة إلى أنه رغم الاختصاصات الواسطة التي يتمتع بها الملك في حالة الاستثناء إلا أنه عند تطبيق حالة الاستثناء ما بين 7 يونيو 1965 إلى 30 يوليوز 1970 فإنه لم يتخذ أي تدبير في المجال القضائي، وهكذا ظل القضاء خلال تلك الفترة مستقلا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ([91]).

في نفس الإطار نشير إلى رئيس المجلس الأعلي السيد (أحمد اباحنيني) بخصوص التعليق الذي كان قد قام به الأستاذ “روسي” ([92]) حول الدور المحوري للمؤسسة الملكية والذي جاء فيه بأن “التدابير المتخذة في المجال التنظيمي تعد خاضعة لنظام الأعمال الإدارية، أي خاضعة لمراقبة المجلس الأعلى …..” حيث إنه صرح بشأن الحكم الذي أصدره المجلس الأعلي في قضية (الشركة الفلاحية لمزرعة عبد العزيز) ضد المرسوم الملكي الصادر في 11 يونيو 1968 بعدم اختصاصه في الطلب المقدم، مقررا أن قرارات الملك في السلطة التنظيمية لا تخضع لرقابة القضاء، وخلاصة القول يقول رئيس المجلس الأعلي أن السلطة الملكية بما اشتملت عليه من مهام الحكم كالتشريع والقضاء والإدارة وحدة لا تتجزأ ولا يمكن أن يتميز منها الجانب الإداري وتفرض عليه رقابة القضاء كما تفرض على الأعمال الإدارية.

من هذا المنطلق لا يمكن اعتبار الملك أثناء ممارسة لسلطة رئيس الحكومة (الوزير الأول) التنظيمية خلال حالة الاستثناء مطلقا سلطة إدارية، فالحصانة لا تقتصر على الظهائر فحسب، بل تشمل حتى المقررات الملكية أيضا سواء كانت ذات صبغة تنظيمية أو فردية، هذا الذي سار عليه الاجتهاد القضائي.

إذن منذ تأسيس المجلس الأعلي اتخذ موقفا مختلفا عن موقف الفقه والقضاء الفرنسي في هذا المجال. وفيما يخص النصوص التي يتم اتخاذها في مجال القانون عند ممارسة الملك لاختصاصاته الاستثنائية، فإن مضمون الفصل 35 من الدستور الفصل 59 حاليا يعطي كامل الحرية للملك في اتخاذها وليس هناك أي رقابة للمجلس الأعلي عليها لأنها ليست بمقررات إدارية.

الفقرة الثالثة: المبادئ التي قررها القضاء الإداري بالنسبة لهيئات الضبط الإداري الأخرى

تتمظهر المبادئ من خلال القيود المفروضة على الإدارة في الظروف الاستثنائية من خلال ما قرره القضاء الإداري في ذلك، فإذا كان المتعارف عليه أنه لا يمكن إخضاع أعمال السيادة للرقابة القضائية مما يشكل ثغرة أو استثناء على تطبيق مبدأ المشروعية، فإن أعمال الضرورة لا تمثل ثغرة في تطبيق هذا المبدأ إذ أنها تخضع للرقابة القضائية التي تعد أهم ضمانات تطبيق هذا المبدأ ويمكن توضيح هذه القيود فيما يأتي:

1. وجود الظروف الاستثنائية: للقاضي الإداري أن يتحقق من وجود هذه الظروف الاستثنائية، فإذا اتضح له عدم وجودها فإنه يحكم بإلغاء هذه الإجراءات التي اتخذت بناء على ذلك ([93])، وهي الحالة غير العادية، بحيث يؤدي التطبيق العادي للقواعد التشريعية على هذه الحالة إلى إحداث تهديد خطير للنظام العام وتعطيل سير للمرافق العامة، ويترتب على الاعتراف بوجود ظرف استثنائي غير عادي مشروعية تدخل سلطات الضبط الإداري لحماية النظام العام ([94]).

وعلى ذلك فعلي هيئات الضبط إثبات أن هناك ظروف استثنائية لم تتضمنها القوانين العادية أو القوانين الاستثنائية، كما عليها إثبات أن هذه الإجراءات الاستثنائية اتخذت خلال الظروف الغير عادية ([95]).

وفي مصر نصت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار كان قد أصدره وزير الداخلية في 14 مارس 1960 باعتقال أحد الأشخاص وأسست المحكمة حكمها على عدم صحة الوقائع التي ذكرتها جهة الإدارة في إصدار قرار الاعتقال ([96]).

كذلك في المغرب قضت المحكمة الإدارية بالبيضاء بإلغاء قرار المديرية العامة للأمن الوطني الرافض تجديد سند إقامة المعني لعدم إدلائها بما يفيد كون وجود الأجنبي على التراب المغربي يهدد النظام العام ([97]).

2. ضرورة الإجراء الاستثنائي ولزومه: بعد وجوب التحقق من وجود الظروف الاستثنائية، فإن التحقق بعد ذلك يكون من أن مواجهة هذه الظروف كانت تتطلب اتخاذ إجراء استثنائي لا تسعف به التشريعات السارية وإلا حكم بالإلغاء.

ويقع على عاتق الإدارة عبء إثبات أن الإجراء كان لازما لتحقيق المحافظة على النظام العام، ونستشهد بالحكم السابق (Delmotte) لسنة 1915، حيث أشار إلى أن الأمر الصادر من الحاكم العسكري بإغلاق بعض الحانات رغم خروجه عن الأحكام العرفية، إلا أنه كان لازما حتما لما قد يحدث في تلك الحانات من اجتماعات مثيري الفتن في البلاد. إن هذه الضرورة هي السبب الذي يدفع بالقضاء إلى بحث كافة الظروف الواقعية المبررة لاتخاذ هذه الإجراءات، فالمشروعية الاستثنائية تجد سلامتها في ضرورتها ([98]).

3. وجود مصلحة جدية ومحققة: هذا الشرط يرتبط بسابقه، فقد استلزم الفقه أن توجد مصلحة جديدة تبرر اتخاذ الإجراء الضبطي، والقاضي الإداري لا يجد صعوبة إذا كانت هذه المصلحة محددة قانونا، كما في القوانين المتعلقة بالطوارئ، لكن يصعب الأمر حالة عدم تحديدها، وهنا ينتقل عبء الإثبات على الإدارة لإثبات جدية المصلحة وتحققها الفعلي ([99]).

والمقصود بالمصلحة الجدية اعتماد سلطات الضبط على أسباب جوهرية في تبرير تصرفاتها بحيث لو لم تتصرف على هذا النحو الذي اتخذته لاختل النظام العام ولتوقف سير المرافق العامة، أما المصلحة المحققة هي أن تكون الأسباب التي اعتمدت عليها الإدارة لتبرير تصرفاتها وفق إجراءاتها الاستثنائية حقيقية وليست وهمية ([100]).

وهذا ما استندت عليه محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش في حيثيات حكمها في معرض تعليلها مرتكزة على الاجتهاد القضائي المصري، والذي جاء فيه أنه: “ومتي كانت المشروعية تتوقف على حسن تقدير الأمور، خصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة وجب أن يكون تدخل الإدارة لأسباب جدية تبرره، فالمناط والحالة هذه في مشروعية القرار الذي تتخذه الإدارة باعتبار هذا الإجراء الوسيلة الوحيدة لمنع هذا الخطر وللقضاء الإداري حق الرقابة على قيام هذا المسوغ أو عدم قيامه). ([101])

4. التزام السلطة الإدارية بالتصرف تنفيذا لواجباتها: لأن واجبات السلطة الضبطية هي المحافظة على النظام العام والعمل على سير المرافق العامة باستمرار، وهو مقتضي دستوري ([102])، فإذا طرأت ظروف استثنائية تهدد بالإخلال بالنظام العام، فإن السلطات الضبطية تتدخل لأداء واجباتها المفروضة عليها مستخدمة التدابير الضبطية الاستثنائية.

فالتزام السلطات الإدارية بالتدخل حماية للنظام العام والعمل على سير المرافق العامة واجب وطني يحتمه عليه طبيعة عملها.

5. اقتصار الإجراء الضبطي على الظروف الاستثنائية: أمام مرونة نظرية الظروف الاستثنائية لم يكتف القضاء الإداري بالتحقق من وجود الظرف الاستثنائي، وأن الإدارة كانت ملزمة بالتدخل تنفيذا لواجباتها القانونية، وأن الإجراءات التي استخدمت كانت خلال هذه الظروف، بل أوجب المجلس أيضا أن تكون هذه الإجراءات متناسبة مع درجة الخطر حيث يقوم القاضي الإداري بملاءمة الوسيلة المستخدمة مع درجة جسامة الحالة الاستثنائية فإذا وجد أن الوسيلة المستخدمة أشد من درجة جسامة الخطر فإنه يحكم بعدم مشروعية هذه الإجراءات ([103]).

6. خضوع الإجراء الضبطي الاستثنائي لرقابة القضاء: بهذا الصدد يتفق كل من القضاء الإداري الفرنسي والمغربي على حق الأشخاص في رفع دعاوي إلغاء أو تعويض من جراء الإجراءات المطبقة في حالة الظروف الاستثنائية التي تمس بهم، وهو ما يتفق تماما مع ما نص عليه الدستور في البند ما قبل الأخير في الفصل 59 أنه: “تبقي الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة”.

فيما يخص تعويض المضرور عن هذه الإجراءات فالأمر يختلف بين فرنسا ومصر، ففي فرنسا فإنه مستوحى من نظرية المخاطر أو تحمل التبعية، وعلى ذلك ففي فرنسا تسأل الإدارة عن الأضرار التي تصيب الأفراد من جراء أعمالها دون تكليف طالب التعويض أن يثبت خطأ الإدارة، وبذلك يجوز للقضاء الإداري أن يحكم بالتعويض للأضرار التي لحقت الغير رغم اعترافه بمشروعية تصرف الإدارة ([104]).

في الفقه المغربي فإن الإدارة ملزمة بتعويض المتضرر من جراء الإجراءات الاستثنائية حتى ولو حكم القضاء بمشروعيتها وذلك على أساس نظرية المخاطر وتحمل التبعية ([105]).

وقد درج القضاء الإداري المغربي في الظروف العادية بإقرار التعويض عن الأخطاء المرفقية في كثير من اجتهاداته، فقد قضت إدارية مكناس أنه: “إذا كان لا يمكن مساءلة الدولة عن الأعمال القضائية إلا في مسطرة مخاصمة القضاة، فإن تجاوز ضباط الشرطة القضائية لاختصاصاتهم المحددة قانونا يعتبر من قبيل العمل الإداري القابل للطعن فيه أمام الإدارية. إن ضباط الشرطة الإدارية لا يجوز لهم نزع رخصة السياقة من المخالف إلا وفقا للحالات المحددة قانونا، تحت طائلة اعتبار قرار النزع غير محترم للقانون مرتب للمسؤولية الإدارية على أساس أنه خطأ مرفقي موجب للتعويض المادي والمعنوي …” ([106]). بالنسبة لقرارات الهدم قضت إدارية فاس بأنه: “يجب أن يشمل الهدم الأجزاء المخالفة للقانون من البناء، فإذا انصب على أجزاء أخري من المرخص بها، فإن الإدارة المعنية تكون مسؤولة عن الأضرار اللاحقة بالمخالف استنادا إلى نظرية الأعمال المادية لكونها لم تتخذ الحيطة والتبصر عند سهرها على تنفيذ قرار الهدم حتى لا يطال الأجزاء الأخرى” ([107]).

وفيما يتعلق بالمسؤولية على أساس المخاطر فقد قضت إدارية الرباط أنه: “مادامت أن الإدارة تعد مسؤولة عن الأضرار الناشئة عن نشاطها الخطر دون حاجة إلى إثبات ارتكابها لخطأ مرفقي كما هو الحال بالنسبة لنشاطها المتعلق بمطاردة الجناة مما يتعين معه ترتيب مسؤوليتها عن الضرر اللاحق به والفعل المسبب له استنادا إلى نظرية المسؤولية الإدارية على أساس المخاطر. تعد الإدارة مسؤولة عن الضرر اللاحق بالضحية إثر مطاردة رجال الشرطة لأحد الجناة …” ([108]). وفي مجال نزع الملكية قضت المحكمة الإدارية بمكناس بأن التراجع عن مسطرة نزع الملكية وإن كان حقا معترفا به للإدارة وفقا للقانون، بما فيها سلطات الضبط لأغراض النظام العام، إلا أن هذا الترخيص التشريعي لا يحول دون مساءلة الجهة المتراجعة بالتعويض في حالة تسبب ذلك في إلحاق أضرار خاصة بالأشخاص المباشرة في حقهم المسطرة ([109]).

أما أساس مسؤولية الإدارة في مصر فتقوم على فكرة الخطأ الذي يسبب ضرر للغير وقيام علاقة سببية بين الخطأ والضرر، وعلى ذلك فالإدارة تسأل عن الخطأ البسيط في الظروف العادية بينما في الظروف الاستثنائية فلا تسأل إلا عن الخطأ الجسيم الذي يصل إلى التعسف المصحوب بسوء النية ([110]).

جماع القول فإن سلطات هيئات الضبط الإداري في مجال الظروف الاستثنائية ليست مطلقة عن كل قيد بل تخضع لضوابط، أي قيامها على حالة واقعية أو قانونية تدعو إلى التدخل وأن يكون تصرف هذه السلطات لازما لمواجهة هذه الحالة بوصفه الوسيلة الوحيدة لمواجهة الموقف الاستثنائي، وأن يكون غاية هذه هيئات المصلحة العامة، وبذلك تخضع مثل هذه التصرفات لرقابة القضاء الإداري، لا على أساس التحقق من مشروعية القرار من حيث مطابقته للقاعدة أم لا، وإنما على أساس توافر الضوابط السابقة، وعلى كل حال يجب أن لا تتجاوز هذه السلطات الظروف الاستثنائية لا من حيث الزمان أو المكان، وهو ما جاء صريحا في البند الأخير من المادة 59 حيث “ترفع حالة الاستثناء بمجرد انتفاء الأسباب التي دعت إليها وباتخاذ الإجراءات الشكلية المقررة لإعلانها”.

الفرع الثالث: مظاهر اتساع سلطات الضبط الإداري بالتطبيق لنظرية الظروف الاستثنائية

تتجلي مظاهر اتساع سلطات الضبط في نوعين رئيسيين وهما: مظاهر متعلقة بإصدار مراسيم (لوائح) الضرورة والمراسيم (اللوائح) التفويضية ومظاهر أخري تتعلق بالحريات العامة.

والواقع أن إصدار مثل تلك المراسيم أو اللوائح سواء أكانت تفويضية أو ضرورة يمثل أكبر مظهر من مظاهر اتساع سلطات الضبط الإداري بالتطبيق لنظرية الظروف الاستثنائية، خاصة وأنه على ضوئها يمكن أن تصدر مجموعة من القرارات الضبطية بغاية صيانة النظام العام وحماية المصلحة العليا للدولة، وتكون مقيدة لبعض الحريات.

الفقرة الأولي: مظاهر تقييد الحريات العامة

إن قيام سلطات الضبط بممارسة السلطة الاستثنائية المتعلقة بالمراسيم أو باللوائح التفويضية أو لوائح الأزمات الخاصة أو أثناء قيام حالة الطوارئ، هذه الممارسة كلها تخلق أوضاعا ومظاهرا تمس بالحريات العامة.

ولقد جاء دستور 2011 صريحا بنصه على هذه الحريات في الباب الثاني تحت عنوان الحريات والحقوق الأساسية من المادة 19 إلى المادة 40، علاوة على التصدير الذي نص على حمايتها كما اتفق عليها دوليا.

الواقع أن مفهوم الحريات العامة مفهوم نسبي، وتوصف الحرية بأنها عامة فيما يترتب فيها من واجبات يتعين على الدولة القيام بها سواء اكانت واجبات سلبية أو إيجابية، عن طريق خلق فرص ممارسة المواطن لحريته الشخصية ومنع كل ما يعكر صفو ذلك، فالحريات العامة إذن ليست مجرد حقوق في مواجهة الأفراد بعضا ببعض وإنما هي امتيازات للأفراد في مواجهة السلطة العامة ([111]).

ولقد نص الدستور المصري لسنة 2014 على هذه الحريات تحت عنوان: “الحقوق والحريات والواجبات العامة” وذلك في الباب الثالث بداية من المادة 51 من الدستور حتى المادة 93 منه.

والواقع أن محاولة تصنيف الحريات العامة لإلقاء الضوء على مضمون هذه الحريات ومعرفة مدي اتساع سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية، ومظاهر هذا الاتساع على الحريات العامة أمر لا يمكن تحقيقه بسهولة، لأن تصنيف الحريات في الواقع أمر نسبي حيث أن ممارسة حرية ما من الناحية الواقعية يحتاج معه ضمان العديد من الحريات الأخرى ([112]).

لا أحد ينكر اتساع سلطات الضبط في أوقات الأزمات على حساب حريات الأفراد العامة بهدف مواجهة الظروف الاستثنائية، ولذلك توجد نصوص تشريعية منظمة لسلطات الإدارة وكذا نظريات قضائية، هذه النصوص والنظريات السابق الإشارة إليها تؤدي إلى التضييق على الحريات العامة، إلى أنها لا تصل إلى حد إلغاء مبدأ المشروعية إذ تظل أعمال وتصرفات سلطات الضبط خاضعة لرقابة القضاء الذي يأخذ في عين الاعتبار الظرف الاستثنائي عند تقدير مشروعية العمل الإداري.

وعند دراستنا لهذه المظاهر جميعا فإننا سوف نقتصر على أكثر الاثار خطورة على الحريات العامة، وهي تلك التي تترتب نتيجة إعلان حالة الطوارئ، واتساع نطاق تطبيق مرسوم الاعتقال الإداري وتقييد حرية الصحافة والنشر باعتبارها أهم مظاهر سلطات الضبط عند تطبيق الظروف الاستثنائية، وقد اخترنا للبحث في هذا الصدد النموذج الفرنسي لتأثر القانون المغربي به في كثير من اجتهاداته في المادة، وكذلك النموذج المصري المعروف بطول مدة إعلان حالة الطوارئ به وتعلقها بظروف مختلفة.


1. في فرنسا

يصف البعض قرار رئيس الجمهورية بإعلان تطبيق المادة 16 من الدستور الفرنسي أنه اتساع لسلطات الضبط الإداري بصورة توصف بأنها غير محدودة، مما يترتب عليها في رأيهم اثار بالغة الخطورة بالنسبة للحريات العامة للمواطنين بسبب اتساع المجال المستخدم فيه السلطات لإعادة النظام العام والمحافظة عليه ([113]).

وقد أعلنت الجمهورية الفرنسية عن حالة الضرورة في مرات محدودة ([114])، وتقدم أحداث أبريل 1961 في فرنسا نموذج لذلك بسبب وضع المادة 16 موضع التطبيق ويتعلق هذا الاتساع لثلاثة مظاهر: الأول هو امتداد حالة الطوارئ دون قيد زمني، والثاني هو اتساع مجال تطبيق الأحكام الخاصة بالاعتقال والثالث هو تقييد حرية الصحافة والنشر.

* امتداد حالة الطوارئ دون قيد زمني: إثر إعلان حالة الطوارئ في فرنسا في 23 أبريل 1961 أصدر رئيس الجمهورية قراره بالاستناد على المادة 16 بمد حالة الطوارئ دون قيد زمني، رغم أن القانون الصادر في 3 أبريل 1955 الخاص بحالة الطوارئ الفرنسي لا يجيز ذلك إلا بعد موافقة البرلمان وبعد مضي 12 يوما من إعلان حالة الطوارئ ويكون المد بقانون ([115]).

ويلاحظ هنا – كما يقول الأستاذ “محمد حسنين عبد العال” أن قرار امتداد حالة الطوارئ دون قيد زمني لم يرتب لذاته اتساع سلطات البوليس، ولكنه هو الذي أتاح لتلك السلطات أن تلجأ إلى مباشرة اختصاصاتها الواسعة المقررة لها قانونا دون أن تكون مقيدة بقيد زمني تم تحديده بصورة قاطعة على نحو ما يتطلب ذلك قانون الطوارئ ذاته.

  ويترتب على ذلك أيضا اتساع امتداد سلطات البوليس في ظل المادة 11 من قانون الطوارئ في اتساع سلطات وزير الداخلية لتشمل تحديد الإقامة وإغلاق المحالات وحظر الاجتماعات ومراقبة الصحف والمطبوعات والإرسال الإذاعي والمرئي وهي تعني تقييدا لحرية التنقل والاجتماع.

* اتساع نطاق تطبيق المرسوم الصادر في 7 أكتوبر 1958 بشأن الاعتقال الإداري: وهو مظهر ثان من مظاهر اتساع سلطات الضبط الاداري بالتطبيق للظروف الاستثنائية في فرنسا، حيث أنه طبقا للوضع العادي لا يجوز لهذه السلطات اصدار أوامر الاعتقال ويحظر على وزير الداخلية انشاء معسكرات أو أماكن للاعتقال الاداري ([116]).

واتساع نطاق تطبيق هذا المرسوم يرجع إلى أن الأصل في تطبيق المرسوم هو أنه كان يطبق على من يقدم عونا لثوار الجزائر، وامتد بعد ذلك ليشمل كل شخص يشارك بأية وسيلة كانت في محاولة انقلاب أو تخريب توجه ضد سلطات الجمهورية وقوانينها ويشجع على ذلك.

وهذا شيء بالغ الخطورة لغموض اصطلاح الانقلاب الذي يشمل العديد من صور النشاط السياسي، كما انه اصبح يشمل اي نشاط أو مشاركة وليس قاصرا على العون المادي فقط كما كان من قبل، والأمر الأخير أن القرار المذكور يتضمن صياغة معيبة لتوسيعها بصورة غير عادية لنطاق نظام الاعتقال، مما اسفر عن اعتقال اشخاص لمجرد القيام بمقابلة مع بعض قادة حركة الجيش السري الفرنسي، ويرجع ذلك لصعوبة تحديد الألفاظ واستخدام عبارات واسعة الدلالة مما قد يؤدي ذلك إلى ترتيب أوضاع واتساع غير محدود ([117]).

* تقييد حرية الصحافة والنشر: وهو المظهر الثالث في فرنسا حيث ان الأصل طبقا للمادة 11 من قانون حالة الاستعجال ان لوزير الداخلية سلطة عامة في مراقبة الصحف ومصادرة المطبوعات بشتي صورها، ومع ذلك فان التوسع جاء من صياغة القرار التي تمت بطريقة موسعة، حيث صيغ قرار رئيس الجمهورية في 27 ابريل 1961 الخاص بتوسيع سلطات الإدارة بخصوص تقييد مراقبة حرية الطباعة والنشر بطريقة من شانها ان ترتب اثارا بالغة الشدة في مجال تقييد الصحافة والنشر، ولقد ساعد على ذلك المسلك الذي اتخذه مجلس الدولة بالتوسيع من سلطات وزير الداخلية. هذا القرار اجاز حظر نشر ومصادرة المطبوعات دورية كانت ام غير ذلك سواء اتخذت شكل نشرات او كراسات او اوراق اخبارية وبغض النظر عن طريقة توزيعها.

2. في مصر

أخطر توسع لسلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية في مصر تم عند تطبيق قانون الطوارئ ([118])، وعند استخدام المادة 74 من الدستور ([119])، هذه المادة التي حلت محلها المادة 154 من دستور 2014 بمقتضيات أكثر تحديدا من سابقتها ([120])، وسوف نقصر حديثنا على المادة 74 وعلى قانون الطوارئ باعتبارهما تشكلان أكثر مظاهر الاعتداء على الحريات العامة كالآتي:

* بالنسبة للمادة 74 من الدستور المصري: طبقت هذه المادة في مصر مرتين الأولي خلال عام 1974 والثانية عام، 1981 والملاحظ أن التطبيق الأول لم يترتب عليه أي اثار في مجال الضبط الإداري وإنما تحقق أثره في المجال التشريعي فقط، حيث أصدر رئيس الجمهورية في ذلك الوقت القرار بمثابة قانون رقم 2 لسنة 1977 متضمنا توسيعا غير عاديا في مجال التجريم وتشديدا استثنائيا بالغ القوة للعقوبات المقررة بشأن بعض الجرائم الجنائية ([121]).

بينما تمثل التطبيق الثاني للمادة 74 من الدستور في مجموعة من القرارات الجمهورية من رقم 489 إلى رقم 495 الصادرة في 2 سبتمبر 1981 والتي تضمنت اعتداء صارخا على الحريات العامة، تجلي ذلك في الآتي:

1. نقل بعض الصحفيين وبعض العاملين باتحاد الإذاعة والتلفزيون وبعض أعضاء هيئات التدريس بالجامعات والمعاهد العليا إلى جهات أخري دون التقيد بأحكام القوانين واللوائح المنظمة لشؤونهم.

2. عزل الباب شنودة، بابا الإسكندرية وتعيين لجنة للقيام بمهام البابوية.

3. حل بعض الجمعيات.

4. التحفظ على مجموعة كبيرة من الأشخاص.

5. إلغاء ترخيص بعض المجلات والصحف والمطبوعات.

6. التحفظ على أموال بعض الجمعيات التي تم حلها.

7. تعديل قانون حماية القيم من العيب بالنص في البند الخامس على توسيع اختصاص محكمة القيم وجعلها دون غيرها تختص بالفصل في التظلمات من الإجراءات المتخذة وفقا للمادة 74 من الدستور.

يتضح أن تطبيق المادة 74 من الدستور قد أدي إلى التوسع في سلطات الضبط الإداري بصورة كبيرة، تماما كما حدث من قبل في فرنسا إبان أحداث 1961 وترتبت عليه اثار بالغة الخطورة في شأن الحقوق والحريات العامة للمواطنين.

والملاحظ أن نطاق مباشرة السلطات الاستثنائية وفقا للمادة 74 لم تحدده المادة، على أساس أن تحديد هذه السلطات يختلف من حالة إلى أخري، لكن هذا لا يعني أن تكون سلطة مطلقة وإلا أصبحت استبدادية.

* بالنسبة للإعلان عن حالة الطوارئ: تنص المادة الثالثة من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 المعدلة بقانون حماية الحريات رقم 37 لسنة 1972 على أن لرئيس الجمهورية:

– وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور والقبض على المشتبه فيهم والخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم، والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية.

– مراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل القيد والدعاية والإعلان.

– تحديد مواعيد فتح المجالات العامة واغلاقها وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال والاستيلاء على أي منقول أو عقار.

– سحب التراخيص بالأسلحة والذخائر أو المفرقعات وتسليمها وضبطها أو إغلاق مخازنها.

– إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتقييدها بين المناطق المختلفة.

كل هذه الإجراءات تظهر بشكل جلي إطلاق يد السلطة التنفيذية في اتخاذ ما تراه مناسبا من التدابير للمحافظة على النظام والأمن العام، واستخدام العبارات العامة يعد إهدارا لضمانات الحقوق والأفراد وحرياتهم العامة.

ولعل أخطر ما ورد بالفقرة الأخيرة من نص المادة 3 من قانون الطوارئ بأنها أجازت إصدار أوامر شفوية بخصوص التدابير المنصوص عليها في نفس المادة، وهو أمر بالغ الخطورة وذلك لتعلق هذه التدابير بصفة عامة بالحريات العامة. فكيف يصل الأمر، إلى الحد الذي يمكن به للقائم على مباشرة التدابير الاستثنائية إلى التعدي على الحريات المقررة دستوريا بأمر شفهي.

على الرغم من تدارك المشرع لبعض ذلك، حيث قرر أنه يشترط في الحالات المستعجلة التي تتخذ فيها التدابير المشار إليها في هذه المادة بمقتضي أوامر شفهية، تعزيزها كتابة خلال ثمانية أيام، إلا أننا نري أن التدابير تمس الحريات العامة للأفراد لا يجوز إصدارها شفهية حتى ولو كانت في الحالات المستعجلة كما قرر المشرع.

جدير بالانتباه أن الحريات العامة وهي تمارس في الدولة لا يمكن أن تنعزل عما يدور في الدولة من التيارات السياسية المختلفة، فتأثير تطبيق المادة 74 على المجال الدستوري أو التشريعي أو الإداري أو غيرها ينصرف بالضرورة إلى الحريات العامة ولا ينعزل عنها ([122]).

كما أن منح سلطات الطوارئ هذه السلطات المطلقة أدي إلى جور سلطات الضبط العالي على اختصاصات السلطات التشريعية والقضائية، وما تمثله هذه السلطات أيضا من ضمانات للحرية العامة والحريات الشخصية، الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من التوضيح لحالة الإعلان عن حالة الطوارئ وما يرتبط بها من الأحكام العرفية.

الفقرة الثانية: قوانين حالة الطوارئ

إن دراسة هذه القوانين لا ينفي عنها صفة الاستثنائية إذ أنها لا تطبق إلا استثناءا لفترات معينة، ومن تم فلا يمكن للسلطة التنفيذية أن تتمتع بالسلطات الخاصة التي تنظمها هذه القوانين إلا خلال تلك المدة المحددة.

هذه القوانين الاستثنائية تمثل مظهرا من مظاهر اتساع سلطات الضبط الإداري استنادا للظروف الاستثنائية، حيث إنها تتفق في أنها لابد أن تصدر استنادا إلى نص دستوري وفي أنها تبيح للسلطة التنفيذية اختصاصات استثنائية خاصة بظروف معينة ومؤقتة بمدة محددة، وهي سلطات لا تستطيع السلطة التنفيذية استخدامها في الظروف العادية أو في ظروف أخري غير المحددة في القانون.

ومن أهم أمثلة هذه القوانين قوانين الأحكام العرفية والتي تسمي في مصر حاليا بقوانين الطوارئ، وترجع أهمية تلك القوانين في أنها تعد أقوي مظهر للتشريعات الاستثنائية، وأكبر شكل وأهم مظهر لمظاهر اتساع السلطات الضبطية ([123]). من ناحية أخري، تعتبر أهم وأشد القوانين خطورة على الحقوق والحريات، وهي أسبق قوانين التفويض ظهورا سواء في مصر أو في فرنسا أو غيرهما، وترجع أهمية قوانين الأحكام العرفية كذلك إلى أن الدساتير سواء في مصر أو في فرنسا ساهمت في تنظيم كيفية اللجوء إليها، وفي سن بعض القواعد التي تحكمها وتتقيد بها كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ما أورده المشرع الدستوري المصري في المادة 154 – والذي احتفظ بنفس المقتضيات التي كانت في المادة 148 منه – بعد انتفاضة 25 يناير، والمادة 36 من الدستور الفرنسي الحالي ([124]).

ويمكن أن نستنبط شروط اللجوء إلى الأوامر العسكرية التنفيذية طبقا لقانون الطوارئ كالاتي:

1. أن يتوافر أحد أسباب أو مبررات قيام حالة الطوارئ.

2. أن تعلن حالة الطوارئ.

3. أن يعرض إعلان حالة الطوارئ على البرلمان.

ويترتب على إعلان حالة الطوارئ قيام نظام الطوارئ في الدولة وهو نظام استثنائي، تترتب عليه اثار خطيرة تمس السلطات العامة في الدولة كما تمس الحقوق والحريات.

تنص قوانين الطوارئ والأحكام العرفية على مجموعة من الأثار كإعادة توزيع السلطات بين السلطة المدنية والعسكرية، وعلى تزويد السلطة التنفيذية ببعض الاختصاصات البرلمانية، كذلك تأثيرها في السلطة القضائية من حيث إنشاء قضاء استثنائي خاص لتولي سلطات معينة.

كما يترتب أيضا على ذلك تمتع السلطة القائمة على حالة الطوارئ بسلطة لائحية لها قوة القانون، تتمثل في إصدار أوامر عسكرية تنظم موضوعات ينظمها القانون عادة في الأوقات العادية وهو ما يعني سلطة الحكومة اللائحية التي تتزايد على حساب سلطة البرلمان التشريعية.

اختلف الفقه الفرنسي حول مرسوم إعلان حالة الطوارئ فمنهم ([125]) من اعتبر إعلان حالة الطوارئ ذاته يعد من قبيل أعمال السيادة كونه خاضعا بالأساس لمصادقة البرلمان ويتم بقانون، ومن غير المعقول الطعن قضائيا في قرار البرلمان بالتصديق لأن هذا العمل امتياز للبرلمان ولأن رئيس الدولة يمارس هذا الحق استثناءا كمفوض بصفة مؤقتة من البرلمان الذي يملك القرار النهائي بصدد مرسوم الإعلان إما بإقراره أو بإسقاطه ([126]).

هذا، إلى جانب غياب صاحب المصلحة المباشرة في إجراء مثل هذا الطعن لعدم مساس مرسوم الإعلان بحقوق وحرية الأفراد ومصالحهم. فالمرسوم بذاته في غير حالة التنفيذ لا ينتج عنه أثر عملي وبالتالي لا يسبب ضررا لأحد وأن الضرر قد يجيء نتيجة الإجراءات الخاصة بتنفيذه ([127])، كما وأن الطعن في مرسوم الإعلان نفسه غير مفيد لأن رقابة البرلمان يفترض أن تمكن المواطن من ضمانة كافية واسعة، كما أنه مستحيل، لأنه يؤدي إلى نقد المرسوم الذي يفترض أن يتم – عن طريق المحاكم – في نقد البرلمان الأمر الذي لا تملكه أي محكمة في فرنسا ([128]) هذا إلى جانب أن المرسوم يعد نوعا من الأعمال الداخلة في العلاقة بين الحكومة والبرلمان.

ويعلل الأستاذ ((Duiz)) في اعتبار مرسوم إعلان الأحكام العرفية من قبيل أعمال السيادة لأن قرار البرلمان سيصدر قبل حكم القضاء، ولا يستطيع مجلس الدولة أن يخاطر بأن يجعل من حكمه معدلا لتقدير البرلمان الذي يجتمع بقوة القانون، وهذا الموقف من المجلس اتجاه البرلمان يتشابه مع موقفه أيضا بالنسبة للقانون والأعمال البرلمانية حيث لا يمد رقابته عليها في فرنسا للأسباب ذاتها ([129]).

أما الأستاذ ((Bosch)) فيري أن القضاء قد أضفي على مرسوم الأحكام العرفية صفة العمل الحكومي، وأن تعليل اعتباره عملا حكوميا هو نفس تعليل اعتبار أعمال الحرب من أعمال السيادة وذلك لأنها لا تعلن إلا وقت الحرب ([130]).

أما الاتجاه الاخر من الفقه ([131]) الذي استقر الرأي على تغليبه فيري خضوع مرسوم الإعلان لرقابة القضاء وينكر إضفاء صفة أعمال السيادة عليه، بحجة أنه لم يصدر بعد حكم من مجلس الدولة الفرنسي ليضفي عليه هذه الصفة كغيره من الأعمال الإدارية ([132]).

كما أن إضفاء صفة السيادة على المرسوم لا يتعلق بمجرد امتيازات البرلمان بقدر تعلقه بحماية حقوق وحريات الأفراد التي يهددها إعلان الأحكام العرفية. والقول بخلاف ذلك يعني انقلاب رقابة البرلمان التي بالأصل وجدت لحماية هذه الحقوق إلى أداة لمنع الطعن في مرسوم إعلان الأحكام العرفية في حالة صدوره بغير الشروط القانونية وإهداره للحقوق الفردية والحريات العامة، كما وأن كون البرلمان مختص برقابة المرسوم لا يحول دون رقابة القضاء شأنه في ذلك شأن سائر الأعمال الإدارية التي تخضع للرقابة البرلمانية إعمالا بمبدأ المسؤولية الوزارية والتي تخضع لرقابة القضاء نفسها.

لأن رقابة البرلمان رقابة سياسية، ورقابة القضاء رقابة مشروعية، وكل منها لا تغني عن الأخرى ([133]). كما يري الأستاذ ((Michou)) أن قبول الطعن مباشرة في المرسوم أفضل من مجرد الطعن في الإجراءات التنفيذية لأنه يعطي المواطنين ضمانات كاملة، ذلك لأن إسقاط المرسوم نفسه من لحظة إعلانه يجعل الفرد سلفا في مأمن من كل اعتداء ([134])، كما وأن القول بأن الرقابة القضائية غير مفيدة لتوافر الرقابة البرلمانية في حالة قيام البرلمان لا ينهض دليلا وحجة في حالة ما يكون البرلمان منحلا، كما لا يعتبر رئيس الدولة وهو يصدر مرسوم الأحكام العرفية أنه يقوم بوظيفته كأحد عضوي السلطة التشريعية، بل بصفته رئيس السلطة التنفيذية.

وأخيرا فإن المرسوم يجب أن يصدر في الشروط التي حددها القانون، وأن هذه الشروط يجب أن تخضع لرقابة القضاء للتأكد من صدوره في حدود القانون. وإلا فمن يراقب عدم مراعاة الحكومة في حالة التعدي والتجاوز في الاختصاص ومخالفة الشروط المحددة سلفا. وفي هذا يؤكد الأستاذ (Berthelemy) ([135]) أن هذا العمل يعتبر عملا إداريا غير مشروع ويجب من باب أولي أن يكون محل الطعن أمام مجلس الدولة، خاصة وأنه لا يوجد نص ولا مبدأ قانوني يمكن الاستناد إليه في عدم خضوعه للرقابة القضائية، وكما يري الفقيه (Duguit) ([136]) بأن الطبيعة الذاتية لقرار إعلان الأحكام العرفية لا تمنع ولا تحول من دون أن يكون محلا للطعن القضائي.

ويرجع سبب عدم إمكانية الطعن بهذا القرار قضائيا لطبيعة العضو أو الجهة التي أصدرته، فإذا كان البرلمان هو المختص بإعلان الأحكام العرفية فلا يجوز الطعن قضائيا بأعمال البرلمان، وإذا كان رئيس الجمهورية هو المختص بإعلان الأحكام العرفية فإن القانون يخضعه لرقابة البرلمان المباشرة والفورية مما يجعل الرقابة القضائية غير مجدية وغير مفيدة.

أما الفقه المصري، فمازال منقسما بشأن اعتبار إعلان حالة الطوارئ من أعمال السيادة أم لا، فقد ذهب جانب منه ([137])، بأن الإعلان هو الإجراء الوحيد بين أعمال الحكومة المتعلقة بالأمن والنظام العام الذي لايزال معتبرا من أعمال السيادة على أساس أن هذا الإعلان له قوة القانون، وبذلك يخضع للرقابة السياسية التي يمارسها البرلمان ولا محل معها لرقابة القضاء.

أما الجانب الاخر ([138]) أي (الفقه الحديث) فإنه يستبعد اعتبار إعلان حالة الطوارئ من أعمال السيادة طالما أن القانون حدد شروط هذا الإعلان وعدد قيوده التي تتقيد السلطة التنفيذية بها بعد إعلانه، وبالتالي خضوعها للرقابة التي تكفل مراعاتها لهذه القيود وعدم الخروج عليها.

من ثم يعد هذا الإعلان عملا إداريا ([139]) مثل سائر أعمال الإدارة، ويضيف أصحاب هذا الرأي إلى أنه حتى مع التسليم بأن الإعلان له قوة القانون فإنه لا يتمتع بطبيعته، وحتي لو سلمنا جدلا بأنه يعادله من ناحية الرقابة القضائية قانونا أقره البرلمان، فمن المسلم به خضوع القوانين للرقابة على دستوريتها من جانب المحكمة الدستورية العليا، كذلك فإن الرقابة السياسية للبرلمان على إعلان حالة الطوارئ لا تتعارض مع إخضاعه لرقابة القضاء ولا تحول من دونها ([140]).

ويري الأستاذ “محمد فؤاد عبد الباسط” أن اعتبار قرار إعلان حالة الطوارئ مثلا عملا من أعمال السيادة واعتبار القرارات الإدارية الصادرة تطبيقا لها قرارات إدارية، يمكن الطعن فيها بالإلغاء، لا تمثل حماية كاملة ضد تعسف الإدارة ومغالاتها في الإجراءات الاستثنائية التي تقررها، إذ أنه يمكن تضمين قرار إعلان حالة الطوارئ نفسه سلطات استثنائية واسعة مغالى فيها، بحيث تتطابق معها في النهاية القرارات الإدارية الصادرة عن سلطات الضبط الإداري المغالى، فيها مما يستتبع صعوبة ملاحقتها بالإلغاء ([141])، ورغم ما قاله جانب من الفقه في اعتبار إعلان حالة الطوارئ عمل من أعمال السيادة، فإن قضاء مجلس الدولة الفرنسي وهو يعمل على التضييق من نطاق تدابير الأمن الداخلي، قد حسم الخلاف مقررا أن إعلان السلطة التنفيذية لحالة الطوارئ لا يعتبر من أعمال السيادة وأنه يخضع لرقابة القضاء ([142]) وإمكان الطعن فيه بدعوي تجاوز السلطة.

وكان ذلك بمقتضي حكم شهير صدر من الجمعية العامة للقسم القضائي في 23 تشرين الأول عام 1953 في قضية ((huackel)) حيث أعلن فيه (أن هذا القرار قد صدر من سلطة إدارية فرنسية فإنه يكون بطبيعته قابلا للطعن فيه بتجاوز حد السلطة أمام مجلس الدولة بصفة هيئه قضائية ([143])، وبناء على هذا الحكم ذهب الأستاذ (Vedel) ([144]) إلى القول بأن إعلان الأحكام العرفية لا يعد بذاته أو بطبيعته خارجا عن رقابة القاضي الإداري ولذلك قرر استبعاد مراسيم إعلان الأحكام العرفية من قائمة أعمال السيادة، كما وأن الإجماع منعقد في فرنسا في الوقت الحاضر ([145]) على أن إعلان الأحكام العرفية لا يترتب عليه إيقاف مبدأ المشروعية إيقافا تاما، فلا ينقص من الحريات العامة للأفراد إلا بما نص عليه قانون الأحكام العرفية صراحة ([146])، وفيما عدا ذلك يظل الأفراد يتمتعون طبقا لأحكام المادة 11 من قانون الأحكام العرفية بالحقوق التي نص عليها الدستور ومنها حقهم في الالتجاء إلى القضاء لحماية هذه الحقوق التي نص عليها الدستور ولم يمسها قانون الأحكام العرفية.

ولقد عمل القضاء الإداري المصري على اعتبار قرار إعلان حالة الطوارئ عمل من أعمال السيادة التي لا يجوز الطعن فيها أمام القضاء. وهذا ما ذهبت إليه محكمة القضاء الإداري ([147]) في حكمها الصادر في 26 يونيو 1951 قضية 587 وكذلك حكمها الصادر في 31 يوليو 1951 قضية 132.

وأكدت المحكمة الإدارية العليا ذلك أيضا في حكمها الصادر في 1979/12/29 بقولها: “وعلي ذلك فإن ساغ القول بأن قرار إعلان حالة الطوارئ من أعمال السيادة التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة بحسبانه من الإجراءات التي تتخذ في سبيل الدفاع عن كيان الدولة أو استتاب الأمن أو النظام … ([148])”. كما أبت المحكمة العليا خلال قيامها إلا أن ترفض عدم اعتبار إعلان حالة الطوارئ من أعمال السيادة، وقررت أكثر من مرة بأنه: “… ومن حيث إن نظرية أعمال السيادة قد استقرت في نظامنا القضائي … فإن قرار رئيس الجمهورية الصادر بإعلان حالة الطوارئ مما يدخل في نطاق الأعمال السياسية التي تنحسر عنها الرقابة القضائية باعتباره من الأعمال التي تتخذها الدولة في حدود وظيفتها السياسية للمحافظة على سلامتها وأمنها ([149]).

فيما يخص الإجراءات الصادرة بتطبيق قانون الطوارئ: تبرز أهمية هذه الإجراءات كونها تتعلق بحقوق وحريات الأفراد من المواطنين أو الأجانب في داخل الدولة لا سيما في حالة الحرب كتصفية أملاكهم أو رفض التصريح لهم بالإقامة أو أعمال الرقابة والحراسة وتقييد حرياتهم في التنقل داخل الدولة وقرارات الاعتقال والاستيلاء ([150]).

ورغم اعتبار غالبية الفقه الفرنسي – في الوقت الذي قال بمعيار الباعث السياسي – هذه الإجراءات من قبيل أعمال السيادة، فإن قضاء مجلس الدولة الفرنسي قد استقر على تقرير رقابته لهذه الإجراءات الصادرة تنفيذا لمرسوم الأحكام العرفية باعتبارها أعمالا إدارية خاضعة لرقابة القضاء ويقبل الطعن فيها بالإلغاء ([151])، وهذا ما قضي به المجلس في حكمه الصادر في 5 يونيو 1874 في قضية ((Cheron)) وكان موضوعها إلغاء القرار الصادر من الحاكم العسكري بإلغاء تحريم ظهور بعض الصحف بناءا على الفقرة الرابعة من المادة التاسعة من قانون الأحكام العرفية.

كما اكد المجلس الرأي نفسه في قضية (Memorial des Vosges) ([152]) رغم طلب الحكومة من المجلس رفض الدعوي واعتبارها غير مقبولة، على أساس أن الأمر الصادر بناءا على الأحكام العرفية يمنع ظهور الجريدة طبقا للمادة 9 من قانون الأحكام العرفية يعتبر عملا حكوميا (عمل سيادة).

أما مجلس الدولة المصري، وأمام صراحة نص المادة السابعة من قانون مجلس الدولة رقم (9) لسنة 1949 التي جاء فيها الا تقبل أمام المجلس الطلبات المقدمة عن القرارات المتعلقة بالتدابير الخاصة بالأمن الداخلي والخارجي للدولة) ([153])، فإنه سلك سلوكا مغايرا لمجلس الدولة الفرنسي، حيث حاولت محكمة القضاء الإداري منذ البداية تفهم النص بمعناه السليم ([154])، وتحديد مدلول هذه الإجراءات في حكمها الصادر في 19 نيسان 1956، معتبرة بعض التدابير الخاصة بالأمن الداخلي التي تتخذها الدولة – كعمل سياسي عام – للمحافظة على كيانها أو مصالحها العليا الأساسية عمل من أعمال السيادة أما التدابير الأخرى المتعلقة بالأمن الداخلي فتعد من أعمال الإدارة ([155]).

وذهبت في حكم اخر إلى اعتبار القرارات الإدارية العادية التي تتخذ تنفيذا للقوانين واللوائح ليست من أعمال السيادة في شيء، فالقرار الإداري الذي يصدر بالتطبيق لهذا النص يندرج في دائرة أعمال الحكومة الصادرة حتى ولو كان هذا القرار، إنما هو تطبيق لإجراء يعتبر من أعمال السيادة كما هو الشأن في القرارات الإدارية التي تتخذ تنفيذا للأحكام العرفية ([156])، وقد أيدت المحكمة الإدارية العليا ذات المسلك حيث أخضعت لرقابتها القرارات الصادرة من الحاكم العسكري وإن كانت قد اعتبرت أن سلطته تقديرية أناطه بها المشرع لمواجهة ما تقتضيه الظروف الاستثنائية التي تستدعي إعلان الأحكام العرفية ([157]).

وقد اكدت المحكمة ذاتها بأن: “التدابير التي يتخذها القائم على إجراء النظام العرفي تنفيذا لذلك النظام سواء كانت التدابير فردية أو تنظيمية يتعين أن تتخذ في حدود القانون وتلزم حدوده وضوابطه وأن لا تنأى عن رقابة القضاء ولا تتجاوز دائرة القرارات الإدارية التي تخضع للاختصاص القضائي لمجلس الدولة ([158])”، وفي حكم حديث للمحكمة الإدارية العليا صدر في 1993/5/23، اكدت اختصاصها بنظر قرار رئيس الجمهورية بإحالة القضايا إلى القضاء العسكري وفقا لسلطته المخولة بذلك طبقا لقانون الطوارئ ([159])، كما قضت في حكمها الصادر بتاريخ 1999/8/8 اختصاصها بنظر الطعن في القرار الصادر من رئيس الجمهورية بتشكيل محكمة أمن دولة عليا طوارئ من ضباط فقط كون القضية تتعلق أساسا باتهام ارتكاب جرائم من جرائم القانون العام ([160]).

بالنسبة للإجراءات الصحية والوقائية: وهي الإجراءات التي تتخذها الدولة – بموجب المراسيم الصادرة من رئيس الدولة – في مواجهة الكوارث التي قد تعرض الناس إلى خطر أو لمنع انتشار الأمراض الوبائية التي تصيب الأفراد أو الحيلولة من دون انتشار مجاعة أو زيادة الأسعار، وقد ذهب جانب من الفقه الفرنسي وعلى رأسه الفقيهان ((Laferriere)) و((Hauriou)) ([161]) إلى اعتبار تلك الإجراءات من قبيل أعمال السيادة مما لا يحق معه طلب إلغاءها أو التعويض عنها حتى لو أصابت بعض المصالح الخاصة للأفراد، وقد فرق الفقيهان بين الإجراءات التي تتضمن قواعد عامة وبين التي تصدر تنفيذا لها، حيث تعد الأولي من أعمال السيادة فيما تعتبر الثانية أعمال إدارية خاضعة لرقابة القضاء.

واستند الأستاذ ((Laferriere)) إلى اعتبار تلك الإجراءات أعمال سيادة من الناحية التشريعية إلى قانون 3 مارس 1822 الذي قرر لضمان تنفيذها عقوبات شديدة لمخالفتها، ومن الناحية القضائية إلى حكم مجلس الدولة في قضية ((Chen)) الصادر في 26 يناير 1857 بالنسبة للإجراءات الوقائية ضد المجاعة.

كما استند الأستاذ ((Hauriou)) إلى حكم مجلس الدولة في قضية ((Guilband)) الصادر في 26 شباط 1863 بالنسبة للإجراءات الصحية كما فسر الأستاذ ((Duguit)) و((Michou)) عدم خضوع الإجراءات الصحية لرقابة القضاء لفكرة السلطة التقديرية، واستندوا إلى أن قانون 3 مارس 1822 الذي أعطي لرئيس الدولة اختصاصات واسعة غير محدودة، بحيث لا يتصور معه وجود سبب للبطلان وبالتالي الطعن بالإلغاء أما عدم التعويض عنها، فقد برره ((Michou)) بفكرة القوة القاهرة.

أما الفقه الحديث ([162]) فقد اعتبر هذه الإجراءات الصحية والوقائية أعمالا إدارية خاضعة لرقابة القضاء وهذا ما استقر عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي ([163]) بخلاف القضاء الإداري المصري ([164]).

إلا أن المشرع عاد وانتهز فرصة إصداره لقانون 37 لسنة 1972 بشأن حماية الحريات ليعدل بدون مبرر من تشريع الطوارئ على نحو يزيد من احتمالات تعسف سلطة الطوارئ، وتمثل ذلك في العدول عن مبدأ تحديد نطاق الاختصاصات الاستثنائية على سبيل الحصر وإطلاقها في يد السلطة القائمة على حالة الطوارئ شريطة أن يتعلق ذلك بالمحافظة على الأمن والنظام العام، كما تلتزم سلطة الطوارئ كذلك بعدم مخالفة المبادئ القانونية العامة أو القوانين الأخرى القائمة والتي لا علاقة لها بالمحافظة على الأمن العام والنظام العام ([165]).

ولضمان تحقيق رقابة قضائية فقد استقر الرأي في فرنسا ومصر أن ما تمارسه السلطة التنفيذية أثناء حالة الطوارئ من أعمال أو إجراءات وما تصدره من قرارات أو أوامر هي جميعا من قبل الأعمال الإدارية التي تخضع لرقابة القضاء أيا كان سندها أو مصدرها.

الفقرة الثالثة: إصدار مراسيم أو لوائح الضرورة

يقصد بلوائح الضرورة (مراسيم الضرورة) تلك التي تصدرها السلطة التنفيذية استنادا إلى النصوص الدستورية المباشرة أي المادة 147 أو 74 من الدستور المصري ([166]) والمادة 16 من الدستور الفرنسي، أو هي تلك التي تصدرها السلطة التنفيذية استنادا إلى صلاحيات تشريعية طبقا للدستور، فالاختلاف بين الاثنين راجع إلى سند الممارسة هل هو تفويض من السلطة التشريعية أم لا؟ ([167]).

في مصر تتجلي لوائح الضرورة فيما ورد في المادة 147 من الدستور المصري وكذلك المادة 74 من الدستور الدائم لسنة 1971، بينما في فرنسا تتجلي في المادة 16 من دستور 1958 فقط.

وطبقا لنص المادة 147 يمكن استخلاص شروط اللجوء لهذا النص وتحديدها في شرطين، الأول أن تحدث ظروف الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير ويمكن أن يطلق عليها تعبير الظروف العاجلة، والشرط الثاني أن تحدث هذه الظروف أثناء غيبة البرلمان (مجلس الشعب) وباجتماع هذين الشرطين تتحقق الظروف الاستثنائية التي تتيح لرئيس الجمهورية اللجوء للمادة 147 من الدستور.

ويلاحظ أن استخدام رئيس الجمهورية ممثلا للسلطة التنفيذية سلطة في إصدار اللوائح تطبيقا للمادة 147 من الدستور يعتبر حقا له وحده وليس لغيره من أعضاء السلطة التنفيذية حيث إن الدستور قد خص رئيس الجمهورية وحده بالسلطة اللائحية الاستثنائية المتمثلة في كافة لوائح الضرورة سواء في المادة 74 أو 108 أو 147 أو 148 من الدستور وذلك دون أن يقرر أن له الحق في تفويض هذه السلطة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن نص المادة 147 أشار إلى أن تعرض هذه القرارات أو اللوائح على مجلس الشعب خلال الخمسة عشر يوما التالية لصدور هذه القرارات إذا كان المجلس قائما أو في أول اجتماع للمجلس في حالة الحل أو وقف الجلسات.

وتنبغي الإشارة إلى أن إصدار لوائح تشريعية في غيبة البرلمان دون تعلق ذلك بظروف استثنائية تستوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، يجعلها غير مشروعة وباطلة لمخالفتها صميم قصد المشرع في المادة من الدستور.

ويلاحظ أن خطورة هذا المظهر من مظاهر الاتساع لسلطات الضبط فيما يتعلق بحقها في إصدار لوائح الضرورة طبقا للمادة 147 يكمن في أن الطبيعة القانونية لتلك اللوائح بعد العرض على البرلمان يكون لها قوة القانون بوجه نهائي. معني ذلك، أن السلطة التنفيذية تستطيع أن تنظم بهذه اللوائح كل ما يمكن أن ينظمه القانون وبالتالي تستطيع إلغاء أو تعديل أي قانون من القوانين العادية وهذا هو جانبها الإيجابي، ولكنها من ناحية أخري، لا تملك ما لا تملكه القوانين فلا تستطيع مخالفة الدستور، كما لا تستطيع أن تتناول ما لا يمكن أن يتناوله القانون ذاته كتقرير رجعية جريمة من الجرائم أو وضع عقوبة المصادرة العامة للأموال.

والسبب في ذلك يرجع إلى أن الدستور يجعل لوائح الضرورة في قوة القانون لا أقوي منه وعلى ذلك لا يكون في وسعها عدم التقييد بما أورده الدستور من بنود على القانون ذاته ([168]).

وعلى ذلك، فإن استخدام المادة 147 لابد أن يتسم بطابع استثنائي مؤقت حيث إنه يشكل ممارسة للوظيفة التشريعية من سلطة غير مختصة بها دستوريا، وذلك بسبب الظروف الاستثنائية وهذا مما يعد إحدى مظاهر الاتساع لسلطات الضبط في الظروف الاستثنائية. لكن ما هي تجليات هذا التوسع؟

إن أهم مظهر لاتساع هذه السلطات هو ما يتعلق بالمراسيم المرتبطة بالأزمات الخاصة، وهي الواردة بالمادة 74 من الدستور المصري والمادة 16 من الدستور الفرنسي ([169])، وهذه النصوص تعد تطبيقا لنظرية الضرورة، ومع ذلك فليس هناك اصطلاح محدد تختص به الإجراءات الصادرة استنادا إليها سوي الإشارة إلى أنها تتعلق بحالات الخطر الداهم أو الظروف الاستثنائية الغير عادية، وهذه النصوص تعالج حالات محددة على سبيل الحصر من الأزمات التي تمثل الظروف الاستثنائية، لذلك أطلق عليها البعض لوائح الأزمات الخاصة وهي الإجراءات التنظيمية التي تصدر استنادا إلى تلك النصوص سواء في فرنسا أو في مصر.

وتظهر في المادة 16 والمادة 74 أكبر مظاهر اتساع سلطات الضبط نتيجة الظروف الاستثنائية، ويرجع ذلك إلى أن المادتين لم تحدد نطاق ومدي السلطات الاستثنائية التي تمنح لرئيس الجمهورية على اعتبار أن أساس تحديد هذه السلطات قد يختلف من جهة إلى جهة، ومن حالة إلى أخري، كما يرجع ذلك لصعوبة تحديد ذلك مقدما، ويمكن تقسيم مظاهر هذا الاتساع في المجالات الدستورية والتشريعية والقضائية والإدارية على التفصيل الاتي:

* في المجال الدستوري

المواد 16 و 74 تهدف إلى تركيز السلطات إلى حد ما بين يدي رئيس الجمهورية إلى أن تنتهي الأزمة التي تتعرض لها الدولة، وهو نفس المقتضي الذي ينص عليه الفصل 59 من تركيز السلطات بيد الملك في مثل هذه الأزمات. إلا أنه مع ذلك لا يجوز له – طبقا للفقه الراجح – أن يباشر إجراءات من شأنها إلغاء أو تعديل الدستور أو بعض أحكامه وبالتالي لا يجوز له سوي أن يوقف العمل ببعض أحكام الدستور. وعلى ذلك، فإن وقف الدستور أو بعض أحكامه يجب ألا يتحقق من تلقاء نفسه بمجرد اللجوء إلى تلك السلطات الاستثنائية، وإنما ينبغي أن يصدر قرار صريح بوقف بعض أحكام الدستور المحددة على سبيل الحصر، وينبغي تحديد هذه المواد بدقة ([170]).

* في المجال التشريعي

في المجال تتسع سلطات الملك، وهو أمر وقف عليه عند إعلانه لحالة الاستثناء – كما كان عليه الحال في حالة الاستثناء من يوم 7 يوليوز 1965 حتى 8 يوليوز 1970 – حيث تم تعطيل البرلمان، وكانت الظهائر الملكية تصدر بمقتضي الدستور بالإشارة إلى الفصول التي تخول للملك سلطاته أو التي تعطيه حق اتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية اللازمة لقيام المؤسسات الدستورية ولتدبير شؤون الدولة ([171]).

وإذا كان نص الفصل 35 في الدساتير السابقة يعطي الملك الحق في حل البرلمان وأن يحل محله في اتخاذ صلاحياته بظهائر، فإن هذه الإمكانية قد زالت بموجب التعديل الدستوري لـ 1992، وما تلاه حتى دستور 2011 الذي نص البند الثاني من الفصل 59 بأنه: “لا يحل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية”، ولعل زيادة هذه الفقرة تعتبر تدعيما لدولة القانون، بما يكفل عقلنة الحياة الدستورية والسياسية بالمغرب بصفة خاصة، وفي اتجاه تطوير المؤسسة القضائية في إعطائها القيمة اللائقة بها بين المؤسسات بصفة عامة، رغم أن النص يبقي غامضا بشأن الصيغة التي يمكن للبرلمان أن يمارس فيها اختصاصاته خاصة وأن فترة الاستثناء تؤدي إلى تركيز كافة السلطة في يد الملك ([172]).

في فرنسا تتسع سلطات رئيس الجمهورية الاستثنائية، وبالتالي ما تحت يديه من سلطات ضبط، في ظل الأزمات حيث يملك التدخل بإجراءاته في مجال القانون دون أن يقيده شيء سوي أن تكون هذه الإجراءات مما تقضيه الظروف، وعلى ذلك فإن هذه المباشرة للوظيفة التشريعية تعد جوهر السلطات الاستثنائية.

ويلاحظ، أن تدخل رئيس الجمهورية في فرنسا في المجال التشريعي يكون في مجال القانون المحدد في المادة 34 والمواد الأخرى المكملة له، وكذلك في نطاق القوانين الأساسية، وإن كان اشتراط أن يكون الإجراء مما تقتضيه الضرورة وبقدرها يجعل من التدخل في مجال القوانين الأساسية أمر بعيد الاحتمال ([173]).

في مصر، لرئيس الجمهورية التدخل في نطاق القانون بما في ذلك موضوعات النطاق المحتجز للقانون باعتبار أن المادة 74 تمثل اكبر حدود المشروعية الاستثنائية، على اعتبار أن قواعد الفصل بين السلطات تختفي في الظروف الاستثنائية لصالح القائم على سلطة الضرورة ([174]).

* في المجال الإداري

أوكل دستور 31 يوليوز 1970 حيث تم الإعلان قبل ذلك عن حالة الاستثناء بشكل صريح، السلطة التنظيمية برمتها إلى الملك، كما منحه حق تفويض جزء منها إلى الوزير الأول بمقتضي الفصل 29، وفعلا قد مارس الملك خلال تلك الفترة السلطة التنظيمية بصفة شخصية أو عن طريق تفويض التوقيع لاتخاذ بعض التدابير التنظيمية. بالإضافة إلى بعض التفويضات الجزئية في السلطة يتجلى أهمها في التفويض المسند إلى الوزير الأول بالظهير الصادر في 28 أبريل 1971.

هذا التحول في ممارسة السلطة التنظيمية أملاه فشل التجربة الدستورية الأولي والممارسة الطويلة لحالة الاستثناء، فاقتضي الأمر تركيزها في يد السلطة العليا في الدولة لضمان حسن تسييرها. إلا أن هذا التركيز قد أدي إلى إضعاف جدي لمركز الوزير الأول (رئيس الحكومة)، وطرح إشكال حول تفسير الفصل 60 من الدستور الذي ينص على أن: “الحكومة تسهر على تنفيذ القوانين، الإدارة موضوعة تحت تصرفها”، وعندما نقول الإدارة فإننا نعني كذلك سلطات الضبط الإداري، فكيف يمكن تنفيذ القوانين وتسيير الإدارة بدون ممارسة السلطة التنظيمية؟

لقد قاد ذلك إلى القول بأن الوزير الأول (رئيس الحكومة) لا يتمتع بأي سلطة تنظيمية خاصة، بل إن صلاحياته رهينة بالسلطة التقديرية للملك الذي يمكن أن يفوض له هذه السلطة في بعض الميادين، وهو ما يناقض الظهير الذي صدر في 17 غشت 1971 الذي أسند تفويضا عاما في السلطة التنظيمية لفائدة الوزير الأول (رئيس الحكومة) ([175]).

في فرنسا رئيس الجمهورية هو المسؤول الأول عن أعمال السلطة التنفيذية كافة وما تتمتع به الإدارة من اختصاصات في الظروف العادية على النحو الذي يراه ملائما لمواجهة الظروف الاستثنائية.

فله القيام بالأعمال المادية والقرارات الفردية واللوائح العادية، وقد مارس رئيس الجمهورية فعلا خلال التطبيق الثاني للمادة 74 في عام 1981 في قرارات سبتمبر الشهيرة الكثيرة من هذه السلطات، حيث قام بإصدار مجموعة من القرارات التي اتسمت بالطابع الفردي والضبطي وهي إن كانت مخالفة لأحكام القوانين العادية، إلا أنها تعد مع ذلك مشروعة في إطار من المشروعية الاستثنائية.

وإذا كانت ليس هناك مشكلة في مصر بالنسبة لرئيس الجمهورية حيث لا توجد عليه أية قيود، فهو الذي يتولى السلطة التنفيذية طبقا للمادة 137 من الدستور، فإن الأمر مختلف في فرنسا حيث إن الدستور الفرنسي يأخذ بنوع من الثنائية فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية حيث يتقاسمها رئيس الجمهورية مع الوزير الأول ([176]).

ولكن مع ذلك فإن المادة 16 والعمل بها يؤدي إلى توسيع السلطات الإدارية التي يتمتع بها رئيس الدولة إلى أقصي حد ممكن، بحيث يستطيع أن يجمع كل اختصاصات السلطة التنفيذية المتعلقة بالحكم أو بالإدارة، سواء باشرها منفردا أو بالاستعانة بالوزير الأول وبالقدر الذي يحدده رئيس الدولة نفسه وعلى النحو الذي يقدر ضرورته وجدواه ([177]).

* في المجال القضائي

يثار هنا تساؤل حول إمكانية الممارسة القضائية بالمعني الفني الدقيق أي بإصدار أحكام قضائية مثل فرض العقوبات على البعض؟ ولندرة السوابق بشأن هذه الممارسة فإن البعض خلص إلى أنه نظريا ليس هناك ما يمنع ذلك طبقا للمادة 16 أو المادة 74 أو المادة 59.

ولكن وفق واقع الأمر، فإن الاعتراف بذلك ليس له ما يبرره مهما بلغت شدة الظروف الاستثنائية وذلك حتى يستقيم الوضع القانوني في البلاد، ولكن مع ذلك فإن هناك بعض العقوبات الإدارية والسياسية التي يمكن للرئيس أن يستخدمها، كفصل أحد الموظفين بغير الطريق التأديبي أو اعتقال بعض الأفراد فترة الأزمة أو فرض الحراسة مؤقتا على بعضهم سواء على أشخاصهم أو على أموالهم أو منع البعض من السفر للخارج، أو إغلاق بعض الأمكنة والمحلات بالطريق الإداري أو الاستيلاء على بعض المنقولات لصالح مواجهة الأزمة وغير ذلك من العقوبات التي لا تتسم بالطابع الجنائي.

في فرنسا لوحظ خلال التطبيق للمادة 16 من الدستور الفرنسي أنه لم تقع أية قرارات ذات طبيعة قضائية، وكذلك الأمر خلال تطبيق المادة 74 في مصر للمرة الأولي ([178]). نفس الأمر بالنسبة لحالة الاستثناء في المغرب طبق للفصل 35 من دستور 1996.

الفقرة الرابعة: مظاهر الاتساع في المراسيم( اللوائح) التفويضية

يقصد بالمراسيم التفويضية تلك المراسيم (اللوائح) التي تصدرها السلطة التنفيذية بناء على تفويض من السلطة التشريعية في شأن المسائل الداخلة في اختصاص هذه السلطة الأخيرة، وهي على خلاف مراسيم الضرورة لا تصدر إلا بعد الحصول على موافقة البرلمان على إصدارها ولذلك فإنها لا تصدر إلا في وجود البرلمان.

للقانون أن يأذن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدد ولغاية معينة، بمقتضي مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها … ([179])، كما يمكن للحكومة أن تصدر خلال الفترة الفاصلة بين الدورات مراسيم قوانين ([180]).

من ثم لا يوجد مانع من أن يكون الظرف المباشر لتدخل الحكومة كما أشير ما تفرضه الظروف الطارئة أو المستعجلة الاستثنائية، طالما أنها تمثل السلطة التنفيذية.

يجيز البرلمان الفرنسي والمصري تفويض اختصاصه التشريعي أو جانب منه إلى السلطة التنفيذية، وما يصدر عن السلطة التنفيذية بناء على هذا التفويض يطلق عليه اللوائح التفويضية أو المراسيم التفويضية، وهي نوع من لوائح الضرورة لمواجهة بعض المشاكل التي قد تحتاج إلى حلول سريعة.

وقد أجاز ذلك الدستور المصري في المادة 108 من دستور 1971 وكذا الدستور الفرنسي الحالي في المادة 38 منه، وبجانب هذه الإجازة الدستورية، فإن المشرع قد قام بتنظيم بعض صور الظروف الاستثنائية فقام بإصدار بعض القوانين التي تعتبر تفويضات دائمة لتنظيم حالات استثنائية محددة، ومن أمثلتها قانون الأحكام العرفية الذي يسمي بحالة الطوارئ في مصر وكذا في فرنسا قانون الأحكام العرفية والقوانين المكملة المعدلة له.

ويظهر بظهور اتساع سلطات الضبط للظروف الاستثنائية في المراسيم التفويضية، على اعتبار أن السلطة التنفيذية تشارك السلطة التشريعية في مباشرة وظيفة التشريع رغم وجود السلطة الأصلية وقيامها بأداء دورها الطبيعي، وهنا كان مكمن خطورة المراسيم التفويضية ومظهر اتساع سلطات الضبط. ويشترط لإصدار المراسيم المذكورة انفا شروطا دستورية وهي:

  • أن تعرض هذه المراسيم أيا كان نوعها على البرلمان بقصد المصادقة عليها عند انتهاء الأجل الذي حدده بقانون الإذن بإصدارها؛
  • إذا ما وقع جل مجلسي البرلمان أو أحدهما فإنه يبطل قانون الإذن؛
  • الاتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا مجلسي البرلمان خلال الفترات الفاصلة بين دورات البرلمان؛

إن شروط اللجوء إلى اللوائح التفويضية كما وردت في المادة 38 من الدستور الفرنسي والمادة 108 من الدستور المصري هي شروط ثلاثة ينبغي توافرها معا حتى يمكن للسلطة التنفيذية في مصر أو فرنسا إصدار اللوائح التفويضية وهذه الشروط هي:

  • أن تتوافر حالة الضرورة التي تتمثل في مصر في الظروف الاستثنائية وهو الأمر الذي سكت عنه الدستور الفرنسي.
  • أن يكون البرلمان قائما.
  • أن تحصل السلطة التنفيذية، رئيس الجمهورية في مصر والحكومة في فرنسا على إذن البرلمان بإصدار اللوائح التفويضية.

ويتم تحديد شروط تطبيق اللوائح التفويضية في مصر وفرنسا كما يلي:

  • أن تصدر اللوائح من رئيس الجمهورية في مصر ومن مجلس الوزراء في فرنسا بعد توقيع رئيس الجمهورية عليها.
  • أن تعرض اللوائح قبل إصدارها على مجلس الدولة؛
  • أن تعرض اللوائح على مجلس الشعب في مصر في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض، وأن يعرض مشروع قانون التطبيق عليها في فرنسا على البرلمان قبل انتهاء المدة المحددة في قانون التفويض.

لكن كيف يمكن أن تعتبر المراسيم التفويضية مظهرا من مظاهر اتساع سلطات الضبط بالتطبيق للظروف الاستثنائية؟

يمكن الإجابة على ذلك من خلال دراسة النتائج المترتبة على مباشرة تلك المراسيم، حيث إن هذه المباشرة تؤدي إلى أن تحل السلطة التنفيذية محل التشريعية في تنظيم موضوعات التفويض كما يلي:

أ بالنسبة للوظيفة التشريعية للبرلمان

في فرنسا يؤدي التفويض إلى حرمان البرلمان من ممارسة الوظيفة التشريعية في الموضوعات محل التفويض ما لم تتغاضي الحكومة عن ذلك، هذه الموضوعات التي قد تكون متعلقة بحماية النظام العام أو إعادة استتباب الأمن العام، وبعد انتهاء مدة التفويض فإن البرلمان الفرنسي يسترد سلطته التشريعية كاملة سواء في موضوعات التفويض أو غيرها وتكون له سلطة كاملة بشأن هذه الأوامر سواء بالمخالفة أو بالتعديل أو بالإلغاء ([181]).

أما في مصر، فليس هنالك قيد على الوظيفة التشريعية للبرلمان خلال مدة التفويض، فيجوز للبرلمان أن يتدخل بالتشريع في نفس موضوعات التفويض وإن كان يجوز لرئيس الجمهورية أن يستخدم حقه في الاعتراض على ذلك طبقا للمادة 112 من الدستور، وفي هذه الحالة يردها للمجلس خلال ثلاثين يوما من تاريخ إبلاغه بها طبقا للمادة 113 من الدستور، إذا ما تم ذلك يتعين على المجلس أن يقره بأغلبية ثلثي أعضائه حتى يمكن اعتباره قانونا ملزما وفي هذه الحالة فإنه يعتبر إلغاءا ضمنيا للتفويض الذي قرر لرئيس الجمهورية بشأن هذا الموضوع الذي يمسه القانون ([182]).

ب بالنسبة للوظيفة الرقابية للبرلمان

الأصل أن الرقابة البرلمانية على أعمال الإدارة اللائحية لها دورها الفعال والضروري، ويزداد دورها إذا كانت الرقابة تتعلق بأمر من اختصاصات البرلمان نفسه كما في حالة اللوائح التفويضية.

والوظيفة الرقابية للبرلمان تمارس من خلال رقابة سابقة، تشمل تحديد مدة التفويض تحديدا زمنيا وتحديدا دقيقا لموضوعات التفويض وأسسه والهدف منه، وأيضا من خلال رقابة لاحقة للحد من أي تعسف في استخدام هذه السلطة اللائحية الاستثنائية، باستعمال وسائل قانونية مثاله طرح الأسئلة، وعرض هذه المراسيم على البرلمان قصد المصادقة عليها خلال دورته العادية الموالية.

من ثم نصت المادة 37 في فرنسا على أن يعرض مشروع قانون التصديق على الأوامر التفويضية أمام البرلمان قبل نهاية المدة المحددة في قانون التفويض.

خاتمة

صفوة القول، فإن القرارات المتخذة من لدن سلطات الضبط الإداري، كي تكون في إطار المشروعية القانونية، وهي تواجه الحرية في الظروف الاستثنائية، لابد أن تكون ضرورية ولازمة، ومتناسبة وجسامة الخلل والاضطراب المهدد للنظام العام، وملاءمة لمتطلبات الأحداث وبالقدر الذي يكفي لمعالجتها دون إفراط أو تفريط.

كما تبين عند استعراضنا لأحكام قانون الطوارئ، في فرنسا أو في مصر أن شروط تطبيقه المبررة لاتخاذ الإجراءات الاستثنائية التي ينص عليها القانون والتي توسع من قرارات الضبط الإداري، هو تعرض البلاد لمبررات قيام حالة الطوارئ وأن تعلن حالة الطوارئ في البلاد وأن يعرض إعلان حالة الطوارئ على البرلمان.

لكن الملاحظ أن إعلان حالة الطوارئ بناء على توافر حالة من حالات الاستثنائية – بالرغم – من أن القانون قد حددها حصرا، إلا أن دراستها تمكن من القول أن إعلان حالة الاستثناء قد يكون استنادا إلى سبب عاجل تستقل الحكومة بتقديره لحفظ النظام العام.

إن الاثار التي تترتب على الإعلان عن حالة الاستثناء وقانون الطوارئ في غاية الخطورة بالنسبة للأفراد وحرياتهم العامة بظهور سلطة جديدة هي سلطة الطوارئ، وهي السلطة التنفيذية التي توسع من نطاق اختصاصاتها على حساب السلطتين التشريعية والقضائية وتملك المساس بالحقوق والحريات الفردية، الأمر الذي أدي في كثير من الأحيان إلى مقاومة مثل هذا الإعلان وطلب إلغائه ([183]).

وعلى ذلك، فإن الضمان الحقيقي الوحيد – إذا اعتبر ذلك ضمانا – هو اعتبار وإضفاء طبيعة العمل الإداري على الإجراءات المتخذة طبقا للمواد التي تنظم الظروف الاستثنائية، وهو ما يؤدي عمليا إلى خضوع هذه الأعمال للرقابة القضائية على دستوريتها ومشروعيتها أمام القضاء سواء اكانت رقابة شكلية أو موضوعية.

  ولعل ذلك يتماشى مع السند الدستوري في الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل 59 من دستور 2011، التي نصت على بقاء الحريات والحقوق الأساسية المنصوص مضمونة إبان حالة الاستثناء، وهو ما قد يعطي للرقابة القضائية على قرارات الضبط الإداري مبررها، كما يضع الدستور المغربي في ريادة دساتير الدول العربية، التي عاشت في ظل قوانين للطوارئ ألغت الحقوق والحريات لعشرات السنين، كما يحقق تقدما في هذا الباب حتى في مواجهة عدد من الدساتير الأوروبية، مثل الدستور الفرنسي الذي لا يقيد سلطة رئيس الجمهورية عند إقدامه على إعلان حالة الظروف الاستثنائية إلا بشرطين لا ثالث لهما، موضوعي، وجود تهديد أو خطر يمس بسلامة الدولة ويمنع السير المنتظم للسلطات الدستورية، واخر شكلي يتمثل في استشارة كل من رؤساء الجمعية الوطنية، الحكومة ومجلس الشيوخ إضافة إلى إعلان للأمة، وطبعا دون أدني إشارة من الفصل 16 من الدستور الفرنسي المؤطر لحالة الاستثناء إلى وضعية الحقوق والحريات خلالها.


[1] إن دراسة القانون لا تدع مجالا للشك في نشأة نظام الطوارئ منذ أقدم العصور، وقد رددت آراء المفكرين منذ عقود سحيقة ما يبرر الالتجاء إلى نظام الطوارئ وتصبغ عليه قانونية وسلامة أهدافه. ومن هذه الأفكار التي تليت عن نظام الطوارئ نذكر:

– مونتسيكيو في مؤلفه روح القوانين إذ قال: “أن هناك من الظروف ما يوجب إسدال الستار على الحرية كما تحجبت تماثيل الآلهة”.

– شيشرون حيث يقول: “إن سلامة الشعب وأمنه تسمو على كل قانون وضعي، وإنه من الضروري الالتجاء إلى أنجع علاج لمواجهة الأزمة العصيبة”. ذ. محمد فتوح محمد عثمان، رئيس الدولة في النظام الفيدرالي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1977، ص. 190.

– مكيافيلي في مؤلفه: الأمير إذ يقول: “إن الأمير عندما يري بلاده في خطر يتوجب عليه أن يدافع عنها سواء ضد أعدائه الخارجيين أو مواطنيه”، نيكولا ميكيافيلي، الأمير، تعليق ذ. فاروق سعد، تعريب خالد حمادة، منشورات دار الآفاق الجديدة، طبعة 1985، ص. 41.

– اللورد هرينج حيث قال: “حين تجد الدولة أنها أصبحت في مركز استثنائي تضطر فيه إلى الخيار بين التضحية بالقانون أو التضحية بالشعب، فإن الدولة لها الحق في أن تضحي بالقانون أو الدستور وأن تحتفظ بكيان الشعب، وليس ذلك فحسب، بل هو كذلك واجبها”. ذ. عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية منشأة المعارف، الإسكندرية، طبعة 1993، ص. 210.

[2] C.E, 28 juin 1918, Heyries, Rec. 651. Cit. ins. 1922, 3.49.

[3] Jaques Robert, les Violations de la liberté individuelle commises par l’administration (le problème de responsabilité), 1956, LGDJ, p. 233.

[4] ذة. مليكة الصروخ، القانون الإداري، مطبعة النجاح الجديدة، طبعة 2010، ص. 424.

[5] C.E. 28 février 1919. Dames Dol et Jeanne Laurent, Rec. 208 S. 1918-1919. 3.33.

– قضي هذا القرار بمشروعية قرارات مدير “مقاطعة تولون” البحرية التي ينظم بها في وقت الحرب طبقا لقانون 9 أغسطس 1849 بشأن الأحكام العرفية، بوليس الآداب في مدينة ((Touloune)) حظرا على بائعي الشراب بالتجزئة أن يستقبلوا في محلاتهم البنات المرافقات أو غير المرافقات لرجال أو تقديم شراب لهن. ومانعا عليهن أن يرتدن حانات الشراب، ومقررا في حالة المخالفة غلق الحانة، وبحجز البنات في سجن البلدية بالطريق التأديبي، إذ أن من شأن هذه السلطة بالنظر إلى الظروف الخاصة التي اتخذت فيها هذه القرارات والأهمية البالغة للمكان، أن تتخذ كل التدابير اللازمة لضمان المحافظة على النظام العام والصحة العامة ومنع الخطر الذي يتهدد الأمن القومي من ارتياد أشخاص مشكوك فيهم، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إفشاء الأسرار، فهذه القرارات لا يشوبها في ضوء تلك الظروف الاستثنائية عيب تجاوز السلطة، ولا تنطوي على اعتداء على حرية التجارة والحريات الفردية. برغم عدم وجود نص لا في قانون 9 أغسطس 1849 بشأن الأحكام العرفية ولا في قانون البلديات الصادر في 5 أبريل 1884 يقرر هذه التدابير. مجموعة أحكام مجلس الدولة، ص. 208.

– قرار 30 مايو 1952 Confederation rationale des producteurs de fruits et legumes الذي أقر لهيئات الضبط الإداري في حالة الظروف الاستثنائية أن تخرج على مبدأ حرية التجارة دون أن يوصم قرارها بعدم المشروعية. مجموعة أحكام مجلس الدولة، ص. 289.

– قرار 18 مايو 1983 M. Felix Rodes، قضي بمشروعية قرار المدير (المحافظ) بحظر مرور وملاحة السفن التجارية في منطقة معينة وبإخلاء جزء من جزيرة ((la Gaudeloupe)) بالرغم من عدم وجود نص يخول له ذلك، لأن ظروف الزمان والمكان الاستثنائية التي كانت تشكلها مخاطر ثورة بركان ((La Soufriere)) إبان صيف 1976 كانت تقتضي منه اتخاذ هذه التدابير. مجموعة أحكام مجلس الدولة، ص. 199.

[6] لا يجوز في الأصل للقرار الإداري أن يعطل تنفيذ حكم قضائي نهائي، وإلا كان مخالفا للقانون، إلا إذا كان يترتب على تنفيذ الحكم فورا إخلال خطير بالصالح العام يتعذر تداركه، كحدوث فتنة أو تعطيل مرفق عام، فيرجح عندئذ الصالح العام على الصالح الفردي الخاص ولكن بمراعاة أن تقدر الضرورة بقدرها. راجع في ذلك حكم المحكمة الإدارية العليا 10 يناير 1959، السنة 4، ص. 533، 23 شتنبر 1961، السنة 7، ص. 112.

[7] ذ. ثورية لعيوني، القانون الإداري المغربي، دار النشر الجسور، طبعة 1999، ص. 196.

[8] ذ. عادل السعيد أبو الخير، البوليس الإداري، دار الفكر الجامعي، طبعة 2008، ص. 380.

[9] ذ. سليمان الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية، مطبعة دار نشر الثقافة، 1950، ص. 26.

[10] Il semble plus exact de fonder l’état d’exception sur l’idée d’une légalité exceptionnelle, propre aux périodes de crise, ainsi que sur le devoir fondamental des autorités politiques d’assurer en toutes circonstances le maintien de l’ordre public. Le droit élaboré pour des périodes normales ne peut être le même, dans l’esprit de ses auteurs, que celui qui doit régir les périodes exceptionnelles, et le premier devoir de l’autorité gouvernementale est bien d’assurer le fonctionnement de l’Etat. L’état d’exception ne se situe pas en dehors du droit, il peut être compatible avec l’Etat constitutionnel. C’est un problème d’aménagement qui se pose. (Jean-Louis de Corail, «Exception d’Etat», Encyclopédia Universalis, consulté le 19 juin 2014).

[11] الباحث في حالة الاستثناء أو حالة الطوارئ يقف على مجموعة من التعريفات كما يلي:

يعرفها الفقيه ((De Laubadere)) “بأنها نظام استثنائي للبوليس تبرره فكرة الخطر الوطني”. يري الأستاذ ((Berthelemy)) أنها “إجراء استثنائي يهدف إلى حماية كامل البلاد أو بعضها بمقتضي نظام بوليسي خاص ضد احتمال هجوم مسلح”.

يعرفها الأستاذ “مصطفي فهمي” بأنها “نظام قانوني أعد لمواجهة الظروف الاستثنائية ويقوم مقام قوانين السلطة الكاملة”.

كما يعرفها الأستاذ “محمد السنوسي” أنها “نظام قانوني يتقرر بمقتضي قوانين دستورية حماية للمصالح الوطنية ولا يلجأ إليها إلا بصفة استثنائية ومؤقتة لمواجهة حالات طارئة لا تتلاءم والقوانين العادية”.

لكن هذه التعريفات تميزت بنسبيتها وتعرضت للانتقاد فتعريف ((De Laubadere)) أعيب عليه أنه يحمل نتائج إعلان حالة الطوارئ للسلطات البوليسية، بيد أن هذه النتائج تنسحب لكل السلطات والأنشطة في الدولة تشريعية أو تنفيذية أو إدارية أو قضائية.

وأخذ على تعريف الأستاذ ((Berthelemy)) أنه حصر اللجوء إلى نظام حالة الاستثناء والطوارئ إلى احتمال الهجوم المسلح أو إذا تولدت منه أخطار، ولم يرد في تعريفه ذكر المبررات الأخرى كالاضطرابات والكوارث الطبيعية والأوبئة، وهي حالات اتسعت في مفهوم وتبرير حالة الاستثناء.

أما تعريف الأستاذ “مصطفي فهمي” فقد انتقد لكونه يخرج على روح تشريع حالة الطوارئ، لأن نظام حالة الاستثناء وإن وسع من اختصاص السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية فهو لا يهدد في حقيقته مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة ولا يخرج عنه. (للوقوف على هذه التعريفات والتعمق في الانتقادات الموجهة إليها، يمكن مراجعة ذ. محمد فتوح عثمان، رئيس الدولة في النظام الفيدرالي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1977، ص. 190، ذ. محمد عبد الحميد محفوظ، حالة الطوارئ في القانون المقارن وفي تشريع الجمهورية العربية المتحدة مطبعة المعارف، 1966، ص. 11، ذ. محمد السنوسي صبري، الاعتقال الإداري بين الحرية الشخصية ومقتضيات النظام العام، دون دار النشر، 1996، ص. 121-118.

[12] ذ. أشرف إبراهيم مصطفي سليمان، التحريات كأساس لإصدار قرارات الضبط الإداري والرقابة القضائية عليها، دار النهضة، طبعة 2008، ص. 199 و100 (وقد جمع هذه الآراء عن كل من ذ. سليمان الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية: دراسة مقارنة، طبعة 1976، دار الفكر العربي، ص. 120، ذ. ممدوح عبد الحميد عبد المطلب السيد، سلطة الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية: دراسة مقارنة، اكاديمية الشرطة، 1991، ص. 41.

[13] ذ. عبد الفتاح ساير داير، نظرية أعمال السيادة في القانون الفرنسي والمصري، دون دار النشر، طبعة 1954، ص. 94.

[14] المحكمة الإدارية العليا، مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا، السنة الثانية 1957، القضية رقم 195، ص. 886 (… تختلف الأمور في الظروف الاستثنائية عنها في الظروف العادية حيث تتمتع سلطات البوليس الإداري بسلطات واسعة، تضاف إلى سلطتها العادية، فكل إجراء تتخذه الجهات الإدارية في مثل هذه الظروف والحروب والأزمات أو الأوقات العصيبة، ومن شأنه تأمين سير المرافق العامة أو حماية النظام العام، ولو كان هذا الإجراء باطلا لتجاوز الاختصاص أو مخالفة القوانين، فإنه يعتبر سليما مادام هو ضروري لهذا التأمين أو تلك الحماية وليس ذلك تطبيقا لحالة الضرورة وإنما تأسيسا على واجبات السلطة الإدارية إذا تبين للجهة الإدارية أن المشروعية تحول دونها وبين اتخاذ قرار أداء واجباتها الملقاة على عاتقها، وبناء على ذلك، فإن القبض على المدعي في الظروف التي تم فيها توطئة لاستصدار أمر من الحاكم العسكري باعتقاله كان له ما يبرره).

[15] ذ. محمد صبري السنوسي، مرجع سابق، ص. 160.

[16] ذ. إسماعيل البدوي، اختصاصات السلطة التنفيذية في الدولة الإسلامية والنظم الدستورية المعاصرة دار النهضة العربية، طبعة 1993، ص. 461.

[17] ذ. هشام حسن مختار بابكر، حالة الاستثناء: دراسة دستورية مقارنة، جامعة محمد الأول بوجدة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 1999-1998، ص. 5.

[18] ذ. إسماعيل البدوي، مرجع سابق، ص. 457.

[19] ذ. محمد فتوح عثمان، رئيس الدولة في النظام الفدرالي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977، ص. 190 (في المغرب يوكل لملك البلاد صلاحيات تنفيذ حالة الاستثناء طبقا للفصل 59 من الدستور، أما النظام الأمريكي، الذي يتبع أسلوب نظام الطوارئ المختلط، يخول للرئيس الأمريكي مهام وصلاحيات تنفيذ حالة الطوارئ، كذلك يخول النظام الفرنسي لرئيس الجمهورية صلاحيات تنفيذ حالة الاستثناء).

[20] ذ. محمد صبري السنوسي، مرجع سابق، ص. 119.

[21] ذ. قدري عبد الفتاح الشهاوي، الموسوعة الشرطية القانونية، عالم الكتاب، طبعة 1977، ص. 920.

[22] حكم مجلس الدولة الفرنسي في 1943/10/31، مجلة القانون العام لسنة 1943، ص. 597 (أورده ذ. قدري عبد الفتاح الشهاوي، المرجع السابق، ص. 921).

[23] حكم مجلس الدولة في 1933/5/19، مجلس أحكام الدولة لسنة 1933، ص. 541 (أورده ذ. قدري عبد الفتاح الشهاوي، المرجع السابق، ص. 921).

[24] حكم محكمة التنازع في 1925/12/20 في قضية ((Anduran)) مجلة Dalloz، ج. 3، ص. 43 (أورده ذ. يحي الجمل، نظرية الضرورة في القانون الدستوري وبعض تطبيقاتها المعاصرة: دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، طبعة 1994، ص. 10).

[25] Driss Basri, Michel Rousset et George Vedel, Toutes années de vie constitutionnelles au Maroc (ouvrage collectif), LGDJ, Paris, 1993, p. 248-252, voir aussi El Rhazi Fathellah, Droit constitutionnel et institutions publiques, Al Jossour, 1997, p. 51.

وقد قيل حول النص السابق أنه يتضمن أغلب ما جاء به النص الفرنسي بالمادة 16 من الدستور، الذي يعطي السلطة التنفيذية سلطات استثنائية واسعة في الأحوال غير العادية تؤدي إلى تقوية سلطات رئيس الدولة في الظروف الاستثنائية، وكذلك المادة 36 من دستور 1958 التي عدلت قانون الطوارئ الصادر في كل من سنة 1849 و1878.

[26] للمزيد من التعمق في حيثيات المادة 16 و36 من القانون الفرنسي، المرجو مراجعة ذ. هشام حسن مختار بابكر، مرجع سابق، ص. 285-284.

[27] ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 125.

[28] ذ. محمد شريف إسماعيل عبد المجيد، سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية: دراسة مقارنة، دار لوتس للطباعة، طبعة 1980، ص. 498.

[29] ذ. ممدوح عبد المجيد، سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية: سلطات البوليس في قوانين الطوارئ، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، طبعة 1992، ص. 187.

[30] بهذا الصدد يقول العميد عبد الرازق السنهوري أنه “يجب تفسير النصوص القانونية المتعلقة بالأحكام العرفية تفسيرا ضيقا فلا يجوز التوسع فيها، فإذا ورد لفظ يحتمل معنيين كلفظ (المتشردين والمشتبه فيهم) الوارد في المادة الثالثة من قانون الأحكام العرفية، وجب تفسيره لا بالمعني الواسع، بل بالمعني الضيق المحدد في قانون المتشردين والمشتبه فيهم حماية للحقوق والحريات العامة”، “مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية”، مجلة مجلس الدولة، السنة الثالثة، 1952، ص. 20.

أورده الأستاذ فاروق عبد البر، دور مجالس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة، الجزء الثاني، 1991، ص. 702.

[31] الفصل 16 من الدستور الفرنسي والفصل 120 من دستور الجزائر الحالي، والفصل 47 من دستور السينغال الحالي.

[32] El Rhazi Fathllah, op. cit., p. 150.

[33] ذ. هشام حسن مختار بابكر، مرجع سابق، ص. 293.

[34] ذ. محمد عرب صاصيلا، الموجز في القانون الدستوري، طبعة 1981، مطبعة النجاح الجديدة، ص. 340.

[35] كما يعتد بالخطر الخارجي لإعلان حالة الاستثناء، فإن الأخطار الداخلية كالأزمات السياسية والعسكرية والكوارث الطبيعية كالأوبئة والاضطرابات الداخلية والفتن الدينية والطائفية لا تقل أهمية في تقدير الخطر وتحديد مصادره، شرط أن يكون الخطر جسيما وعلى وشك الوقوع، ولا يعتد بالأخطار المألوفة التي تقع في الحياة العادية، بهذا التقدير يمكن إزالة بعض الغموض والإبهام عن تطبيق حالة الاستثناء.

[36] أي بعد استشارة كل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ورئيس المحكمة الدستورية وتوجيه خطاب للأمة.

[37] ذ. محمد عرب صاصيلا، مرجع سابق، ص. 341.

[38] ذ. عبد الكريم غلاب، التطور الدستوري والنيابي بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، 1988، ص. 238، وذ. عبد الرحمان القادري، محاضرات في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، الجزء الثاني، دار أكدال، 1987، ص. 192.

[39] ذ. عبد الهادي بوطالب، المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، الجزء الثاني، دار الكتاب، مطبعة 1980، ص. 188.

[40] ذ. ممدوح عبد المجيد، مرجع سابق، ص. 188.

[41] ذ. طعيمه الجرف، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون، دار النهضة العربية، طبعة 1976، ص. 10.

[42] Fahmy Madany, «Les théories des circonstances exceptionnelles en droit administratif français et égyptien», 1954, p. 92 et 100 (C.E. 1er août 1919, Saupiquet, Rec., p. 713).

[43] Fahmy Madany, op. cit., mêmes pages.

[44] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 189 و190.

[45] M. Gazier, «Le contrôle de la légalité des réquisitions immobilières», RDP, 1947, p. 5.

[46] C.E. 5 mars 1948, 3. 1943-3-53.

[47] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 191.

[48] Nizaed Lucien, «La jurisprudence administrative des circonstances exceptionnelles et la légalité», thèse, 1962, p. 141 et 142.

[49] ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 192.

[50] ذ. ممدوح شريف إسماعيل، مرجع سابق، ص. 353.

[51] ذة. ثورية لعيوني، مرجع سابق، ص. 33.

[52] يمكن تعريف التفسير بأنه: “ما يقوله شخص ما لإضفاء معني على الأقوال، فإذا كان المعني واضحا في الحال، فإنه لا داعي لتفسير القول، ولكن إذا لم يتسم المعني بالوضوح أو لم يكن واضحا صراحة يجب أن نلجأ للتفسير نفسه، عندئذ يكون الشخص ملزما بالاختيار ما بين أسلوبين أو أكثر لفهم ما قيل”. كما يعرف التفسير أيضا أنه: “ما يفيد الظهور أو الإظهار، من هنا فإن إظهار معاني الأحكام أو القواعد القانونية تتناوله تفاسير متنوعة، إما صادرة بالأصالة عن المشرع الذي لا يخلو تشريعه من مقاصد قصد إليها ومن معاني بتها في أحكامه. وإما من القاضي الذي يكون ملزما بفهم صحيح وصريح للقانون وإلا اختل قضاؤه فيعرض له أن تلتبس لديه بين النازلة والنص التشريعي، فيعهد إلى تفسيره في ظل ممارسة وبغية تطبيقه، وإما من فقيه اجتهد نصيبه لكي يستجلي مستغلقات النصوص التشريعية” (ذ. عبد الواحد شعير، النظرية العامة للقانون، نظرية القانون والحق، طبعة 2000، مطبعة النشر المغربية، ص. 230).

[53] للمزيد من التعمق المرجو مراجعة مؤلف الأستاذ عبد القادر باينة تحت عنوان: مدخل لدراسة القانون الإداري، دار النشر المغربية، طبعة 1990، ص. 80، ذة. رجاء الناجي، مدخل للعلوم القانونية، نظرية القانون، مطبعة المعارف الجديدة، طبعة 1998، ص. 316.

[54] من ذلك حكم محكمة القضاء الإداري بـ 7 أبريل 1952، السنة السادسة، ص. 1355، والذي جاء فيه: “إن المادة 3 من قانون الأحكام العرفية لا تجيز القبض إلا على المتشردين والمشتبه فيهم، ولهذين اللفظين مدلول اصطلاحي عرفته المادتان الأولي والثانية من القانون رقم 24 لسنة 1923 الخاص بالمتشردين والأشخاص المشتبه فيهم. وهو قانون معاصر لقانون الأحكام العرفية ومفسر له بحكم هذه المعاصرة، وبحكم أن السلطات القائمة على إجراء الأحكام العرفية هي سلطات استثنائية يجب تفسيرها في حدود ضيقة”، كما حرصت المحكمة في ذات الحكم على أن لا توسع في سلطة القائم على إجراء الأحكام العرفية بطريق التفويض في الاختصاص بمجرد التوسيع في الاختصاصات إلا بناء على قرار تفويض جديد يتضمن تفويض المفوض إليه في الاختصاصات الجديدة.

وفي ذات المعني حكم 4 ماي السنة الثامنة، ص. 1366، وحكم 18 يناير 1955 السنة التاسعة، ص. 246، وجاء به: “إن الأمر العسكري رقم 15 الصادر في 5 فبراير 1952 الذي أصدر القرار المطعون فيه بالاستناد إليه. والذي خول وزير الداخلية سلطة القبض على المتشردين والمشتبه فيهم. قد جاء خاليا مما يشير إلى اتجاه المشرع فيه إلى الخروج على القواعد التي لا تبيح اعتبار الشخص متشردا أو مشتبها فيه إلا إذا صدر بذلك حكم قضائي من المحكمة المختصة. بل إن استعماله لعبارة المتشردين والمشتبه فيهم التي تخصصت بمدلول اصطلاحي معين لورودها من قبل في القانون رقم 24 لسنة 1923 الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم. له دلالته في انصراف قصد المشرع إلى المعني الاصطلاحي الذي اتخذته هذه العبارة، ومن تم فإن هذا الأمر العسكري لا ينطبق إلا في حق من يكون قد سبق الحكم باعتباره متشردا أو مشتبها فيه: والقول بغير ذلك يؤدي إلى إحلال الحاكم العسكري في هذا الشأن محل المحاكم المختصة في أمور هي من صميم اختصاصها القضائي”.

[55] حكم مجلس الدولة بـ 6 أغسطس 1915 ((Delmotte)) – وفيه فسر الفقرة الرابعة من المادة التاسعة من قانون 9 غشت 1849 بشأن حالة الطوارئ التي تنص على أنه: “للسلطة العسكرية الحق ….. 4. أن تحظر المطبوعات والاجتماعات التي تقدر أن من شأنها أن تحض أو تؤدي إلى الاضطراب”، بأن رفض ما ذهب إليه الطاعن من أن المقصود بالاجتماعات في حكم هذه الفقرة، الاجتماع الذي تعقده مجموعة من الأفراد بناء على دعوة لمناقشة أمر خاص يتعلق بمصالحهم وحقوقهم. أما تواجد الأفراد في المقاهي والحانات، فلا يعتبر اجتماعا بالمعني القانوني الذي تقصده الفقرة الرابعة من المادة التاسعة المذكورة، رفض المجلس هذا الدفع من الطاعن استنادا إلى أن المادة المذكورة تمنح السلطة العسكرية المكلفة بحماية الأمن العام في المناطق المعلنة فيها هذه الأحكام حق منع الاجتماعات ولو تمت عرضا في الأماكن المفتوحة للجمهور كالمقاهي والحانات، وذلك إذا قدرت أنها تؤدي إلى الإخلال بالنظام على نحو يعرض مصالح الدفاع الوطني للخطر، ولذلك يتعين رفض الطعن”. مجموعة أحكام مجلس الدولة، ص. 215.

– حكم 7 فبراير 1958 “Synd. des propriétaires des forêts de chênes-lièges d’Algérie”، أقر كذلك بمشروعية القرارات التي صدرت تطبيقا لقانون 16 مارس 1956، حتى ولو كانت مخالفة لمبدأ قانوني عام (المساواة أمام القانون والمساواة أمام الأعباء العامة، أو نص دستوري)، مجموعة أحكام مجلس الدولة، ص. 74.

– حكم 22 أبريل 1966 ((Societe Union africaine de presse))، وفيه توسع المجلس في تفسير أحكام قرار رئيس الجمهورية الصادر في 27 أبريل 1961 استنادا إلى السلطة الممنوحة له بالمادة 16 من دستور 1958، الذي منح وزيري الداخلية والإعلام أن يحظرا بقرار مشترك نشر أي موضوعات تفصح، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عن الترويج لمشروع انقلاب أو مساندته أو تتضمن إذاعة معلومات عسكرية أو إدارية، إذ فسر عبارة (معلومات سرية)، بأنها لا تنصرف فقط إلى الأسرار التي يحميها القانون الجنائي وبالتالي فإن حظر النشر يكون مبررا إذا استهدفت المعلومات التي قدرت الحكومة عدم إذاعتها تحاشيا لنتائج غير مرغوبة يكون من شأنها التأثير على النظام العام، مجموعة أحكام مجلس الدولة، ص. 276.

[56] من ذلك حكم محكمة القضاء الإداري في 18 مارس 1956، السنة 10، ص. 251، وقد جاء به: “إن قصد الشارع من لفظي (والمشتبه فيهم) الوارد ذكرها في الفقرة السابعة من المادة الثالثة من قانون الأحكام العرفية رقم 15 الصادر في 26 يوليو 1923، لا ينصرف إلا إلى المعني اللغوي والمنطقي الذي يجب أن يسود ميدان القانون العام المنظم لأصول الحكم وإرساء قواعد وأسباب الأمن وأركان النظام. فالمشتبه فيه داخل هذا النطاق هو كل من تحوم حوله شبهات توحي بأنه خطر على الأمن العام والنظام، وليس المقصود بذلك المتشردين والمشتبه فيهم بالمعني الاصطلاحي الضيق. واية ذلك أن قانون الأحكام العرفية قد صدر في تاريخ سابق على قانون المتشردين والمشتبه فيهم”.

ومنهج محكمة القضاء الإداري في تفسير السلطات التي تقررها النظم الاستثنائية تفسيرا واسعا هو الذي اتبعته المحكمة الإدارية العليا في العديد من أحكامها من ذلك:

– أحكام المحكمة الإدارية العليا بـ 30 يونيو 1962، السنة 7، ص. 1165، وبـ 23 فبراير 1963، السنة 8، ص. 872، وبـ 23 مارس 1963، السنة 8، ص. 873، وبـ 14 شتنبر 1963، السنة 9، ص. 228، وبـ 11 أبريل 1970 السنة 15، ص. 276.

[57] من ذلك حكم محكمة القضاء الإداري بـ 29 أبريل 1953، السنة 7، ص. 1027، والذي جاء به: “إن قرار الحاكم العسكري كأي قرار إداري آخر، ينبغي أن يكون له سبب وأنه إذا كانت الإدارة في الأصل تملك حرية وزن مناسبات العمل وتقدير أهمية النتائج التي تترتب على الوقائع الثابت قيامها والتي من أجلها تتدخل لإصدار القرار، إلا أنه حيثما تختلط مناسبة العمل بشرعيته ومتي كانت هذه الشرعية تتوقف على حسن تقدير الأمور، خصوصا فيما يتصل بالحريات العامة، وجب أن يكون تدخل الإدارة لأسباب جدية تبرره، فلا يكون العمل الإداري حينئذ مشروعا إلا إذا كان لازما”.

– حكم 24 نونبر 1954، السنة 9، ص. 56، وجاء به: “خطورة الشخص على الأمن والنظام، كي تكون سببا جديا يبرر اتخاذ مثل هذا الإجراء المقيد للحرية (الاعتقال)، يجب أن يستمد من وقائع حقيقية منتجة في الدلالة على هذا المعني، وأن تكون هذه الوقائع أفعالا معينة يثبت ارتكاب الشخص لها ومرتبطة ارتباطا مباشرا بما يراد الاستدلال به عليه، ولذا فإن مجرد انتماء الشخص إلى جماعة ذات مبادئ متطرفة أو منحرفة عن الدستور أو النظام الاجتماعي، لا يعني حتما وبذاته اعتباره من الخطرين على الأمن، بالمعني المقصود من هذا اللفظ على مقتضي قانون الأحكام العرفية، مادام لم يرتكب فعلا وشخصيا أمورا من شأنها أن تصفه حقا بهذا الوصف”.

– حكم 3 يناير 1956 السنة 10، ص. 138، وقد جاء به: “إن إجراءات الاعتقال وتحديد الإقامة يجب ألا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى التي يستدعي فيها اللجوء إلى الإجراءات العادية، لما في ذلك من مساس بالحرية الشخصية، وأن يكون ذلك بالقدر الضروري للمحافظة على الأمن”.

– حكم 18 أبريل 1961، السنة 15، ص. 615، وجاء به: ((إن كان يجب لكل قرار إداري أن يقوم على سبب يبرر إصداره ويدفع الجهة الإدارية إلى التدخل والعمل، إلا أن هذا الشرط أكثر لزوما للقرارات التي تمس الحريات الشخصية، وجهة الإدارة، وإن جاز لها في الظروف الاستثنائية أن تتخذ من التدابير السريعة ما من شأنه المساس بتلك الحريات على وجه لا يجوز مباشرته في الظروف العادية، إلا أن التصرف أو التدبير الذي تتخذه في هذا الشأن، يلزم أن يكون ضروريا لمواجهة حالات معينة من دفع خطر جسيم يهدد الأمن والنظام باعتبار هذا التصرف هو الوسيلة الوحيدة لمنع هذا الخطر”.

[58] حكم المحكمة الإدارية العليا في 13 أبريل 1956، السنة 6، ص. 886.

[59] حكم المحكمة الإدارية العليا في 25 أبريل 1959، السنة 4، ص. 1163، راجع تعليق الأستاذ محمد حسنين عبد العال، فكرة السبب في القرار الإداري ودعوي الإلغاء، ص. 174، وقارنه بحكمها في 30 مايو 1964، السنة 9، ص. 1071.

– حكم 14 شتنبر 1963، السنة 9، ص. 328، وفيه راقبت المحكمة الوجود المادي للوقائع التي تشكل ركن السبب في قرار الاعتقال المطعون فيه، كما راقبت التكييف القانوني الذي أسبغه عليها مصدر القرار. ولم تتجاوز رقابة المحكمة هذين النوعين من رقابة أسباب القرار المطعون فيه، إذ لم تقترب المحكمة من رقابة مدي تناسب محل القرار مع أسبابه خروجا على الأصل العام المقرر، وهو أن للقاضي الإداري أن يباشر هذا النوع من الرقابة على القرارات التي تنطوي على مساس بحريات الأفراد العامة.

[60] D. Loschak, «Le rôle politique du juge administratif français», thèse, Paris, 1972, p. 194.

[61] حكم المحكمة الإدارية العليا ب 23 مارس 1963، السنة 8، ص. 873، وفيه فسرت المحكمة عبارة ذوي الشبهة والمتشردين، تفسيرا واسعا على عكس ما كانت محكمة القضاء الإداري قد انتهت إليه بـ 18 يناير 1955، السنة 9، ص. 246.

[62] من ذلك حكم محكمة القضاء الإداري في 10 يونيو 1952، السنة 6، ص. 1266، وفي 15 يوليوز 1952، السنة 6، ص. 1392.

– حكم المحكمة الإدارية العليا في 29 شتنبر 1979، مجموعة مبادئ المحكمة الإدارية العليا في 15 عاما الجزء الأول، ص. 38، وحكم 6 مارس 1988، السنة 33، ص. 1048، وحكم 25 يونيو 1989، السنة 34، ص. 1207.

– حكم مجلس الدولة، في 2 مارس 1963 ((Rubin des servens))، مجموعة الأحكام، ص. 143، وفيه قرر أن قرار رئيس الجمهورية بتاريخ 23 أبريل 1961 بتطبيق المادة 16 من دستور 1958، ينطوي على طبيعة عمل السيادة، ومن ثم لا يختص مجلس الدولة لا بتقدير مشروعيته ولا برقابة مدة تطبيقه.

يمكن مقارنة حكمي محكمة القضاء الاداري بـ 22 شتنبر 1981 في الدعوي رقم 186 لسنة 36 ق بـ 11 فبراير 1982 في الدعوي رقم 3123 لسنة 35 ق، واللذين نصا بأن قرارات رئيس الجمهورية في 1981/9/6 استنادا إلى نص المادة 74 من دستور 1971 هي مجرد قرارات إدارية وليست من أعمال السيادة، ومن تم يدخل طلب وقف تنفيذها وإلغائها في اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري.

يمكن مراجعة تحليل هذه الأحكام في مؤلف الدكتور محمد حسنين عبد العال، الرقابة القضائية على قرارات الضبط الإداري، دار النهضة العربية، طبعة 1992، ص. 149 وما بعدها.

[63] M. Long et autres, les Grands arrêts, 5e éd., 1969, p. 143.

[64] حكم مجلس الدولة بـ 11 شتنبر 1942، ((Champeavoir))، المجموعة، ص. 344.

– حكم 26 أبريل 1968، ((Morel et Riviere))، المجموعة، ص. 261.

– محكمة القضاء الإداري بـ 26 يونيو 1951، السنة 5، ص. 1099، وتخلص ظروف هذه القضية أن مجلس الوزراء أصدر قرارا بمصادرة جريدة مصر الفتاة استنادا إلى أنها ((تنشر مقالات تحض على الثورة في استفزاز جارف مدمر لكل أصل من أصول المجتمع المصري، وهي تنزع نزعة ظاهرة إلى الانتقاص على النظم المقررة في الدستور، بالدعوة إلى تمليك الأرض لغير مالكيها وتحريك طبقات الشعب طبقة ضد طبقة، وتحريض الفقراء على الأغنياء، وتأليب من تسميهم بالجياع من الفلاحين والعمال على من تدعوهم بأقطاب الرأسماليين. مما جعل هذه الجريدة تمثل خطرا داهما على الأمن والنظام العام يحتم مصادرتها فورا بالطريق الإداري”.

فقضت المحكمة بإلغاء القرار المطعون فيه، لأن إلغاء الصحيفة إجراء خطير يمس حرية الصحافة في الصميم، وينبغي أن يستند إلى حالة من الخطورة جد كبيرة تبرر الإلغاء الفوري.

[65] Dans ce sens voir Gustave Peiser, Droit administratif, mémento Dalloz, 2001, p. 154.

في حين ذهب الأستاذ Gilles Lebreton “إلى عكس هذا فالسلطة التقديرية تتسع في ظل الظروف الاستثنائية، لأن رقابة القاضي للتناسب لا تكون سوي رقابة جزئية، ومرد ذلك في الحقيقة، هو أن القاضي يكون دائما إلى حد ما غير قادر على تقدير استثنائية الظروف، لأن هذه الظروف تتعلق بمحض واقع، وأن مصدر القرار وحده هو الذي بإمكانه أن يقدر علي أرض الواقع هذه الظروف مع درجة خطورتها. ونتيجة لذلك ولأن القاضي لا يستطيع أن يقدر درجة استثنائية الظروف، فإنه يكون غير قادر على تقدير ملائمة القرار مع الظروف. وهذا هو ما يفسر أنه في غالبية الحالات، يقرر صحة التدابير التي تتخذها الإدارة. وهو عندما ينتهي إلى هذا ليس لأنها تناسب الظروف، ولكن لعدم قدرته على أن يثبت عدم تناسبها فالشك يفسر لصالح الإدارة وعليه فإن النظرية القضائية للظروف الاستثنائية تفتح للإدارة هامشا من السلطة التقديرية لا يجوز إغفالها”.

ثم يستدرك قائلا: “بيد إن هذا لا يعيب هذه النظرية، ولكن يتطلب تطبيقها في منتهي الحذر”

– Gilles Lebreton, Droit administratif général, 2e édition, 1996.

[66] ذ. محمود عاطف البنا، حدود سلطات الضبط الإداري، طبعة 1980، ص. 159-l58، الذي أورد حكم مجلس الدولة الصادر بـ 19 اكتوبر 1962 Canal, Robin, Godot,، مجموعة الأحكام، ص. 553، للتدليل على ما يقول به.

تخلص ظروف هذه القضية في أن رئيس الجمهورية أصدر في أول يونيو 1962، استنادا إلى نص المادة الثانية من القانون رقم 62-421، في 13 أبريل 1962، القرار رقم 618-26، بإنشاء وتنظيم محكمة عسكرية استثنائية حلت محل المحكمة العسكرية العليا التي كان قد سبق أن أنشأها بقرار اتخذه تطبيقا للمادة 16 من دستور 1958، على أن تختص بمحاكمة مرتكبي بعض الجرائم التي يكون لها صلة بأحداث الجزائر، والمساهمين معهم وقد حكمت المحكمة العسكرية المذكورة بجلسة 17 شتنبر 1962 بإعدام السيد ((Cana1))، الذي بادر إلى الطعن لتجاوز السلطة أمام القضاء الإداري في ذات الوقت الذي كان قد حكم فيه. أيضا على السيدين ((Robin et Godot على قرار رئيس الجمهورية بإنشاء وتنظيم محكمة عسكرية استثنائية، ولما كان تنفيذ حكم الإعدام على الطاعن قد حدد له يوم 20 أكتوبر 1962، فقد فصل مجلس الدولة في 19 اكتوبر 1962 في الطعن لتجاوز السلطة، وقضي بإلغاء القرار المطعون فيه.

ولقد جري منهج مجلس الدولة في رقابة مشروعية القرار المطعون فيه على خطوتين متلاحقتين: الأولي، اكد فيها المجلس على أن القرار المطعون فيه مازال قرارا إداريا قابلا بوصفه كذلك للطعن لتجاوز السلطة، ومكتفيا في هذا الخصوص، بالإشارة إلى أنه “يبين من عبارات نص المادة الثانية من قانون 13 أبريل 1962، أن هذا القانون رخص فقط لرئيس الجمهورية أن يستعمل استثناءا سلطته التنظيمية في النطاق والحدود المحددة لاتخاذ تدابير تدخل في المجال التشريعي، وأنه لم يفوضه بأي حال من الأحوال في أن يباشر السلطة التشريعية ذاتها.

والخطوة الثانية، وهي التي قرر فيها المجلس بعد ذلك بأنه لما كانت كل سلطة تنظيمية تلتزم باحترام المبادئ العامة للقانون، على أن تخضع في هذا لرقابة القاضي، وأنه لما كان الأمر يتعلق في هذه الحالة بالمبادئ العامة للقانون الجنائي وحقوق الدفاع، وأن قرار أول يونيو 1962 المطعون فيه، ينطوي على انتهاكات جسيمة وخطيرة لهذه المبادئ، وبصفة خاصة بالنسبة للإجراءات التي نص عليها وباستبعاد كل طريق من طرق الطعن، فإنه يكون بذلك قد خرج على حدود التفويض، ويغدو غير مشروع، إلا إذا تبين أنه ضروري – في ضوء ظروف الحال – لتنفيذ السياسة التي أعلنتها الحكومة بخصوص الجزائر، وإذ تبين للمجلس عدم تحقق هذا الشرط لذلك قضي بإلغاء القرار المطعون فيه.

[67] ذ. عبد القادر مساعد، “القضاء الإداري المغربي ضمانة للحقوق والحريات”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، أكدال، بالرباط، 1999، ص. 327.

[68] قرار المجلس الأعلي عدد 540 في ملف إداري عدد 2004/1/04/2301 المؤرخ في 2008/6/25، مجلة المحاكم المغربية، عدد 116 شتنبر – اكتوبر 2008، ص. 148).

[69] المحكمة الإدارية بالرباط، الحكم عدد 266 بتاريخ 28 شتنبر 1995، عمر واقا ضد وزير الداخلية، أورده الأستاذ حميد أربيعي في مقاله تحت عنوان: “حماية حقوق الإنسان بالمغرب بين النص القانوني والاجتهاد القضائي الإداري”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، العدد 55، 2007، ص. 113.

[70] قرار المجلس الأعلي (الغرفة الإدارية) رقم 816 بتاريخ 21 يونيو 2001، قضاء المجلس الأعلي، عدد 61، أورده الأستاذ حميد أربيعي بمرجعه السابق، ص. 116.

[71] حكم إدارية الرباط رقم 58 الصادر في الملف رقم 94/223 بتاريخ 1995/2/21.

[72] نفس المحكمة في حكمها رقم 50 الصادر في الملف رقم 94/125 بتاريخ 1994/10/6، أشير إلى هذين الحكمين في أطروحة الأستاذ عبد القادر مساعد، ص. 329.

[73] ذ. عبد القادر مساعد، مرجع سابق، ص. 341.

في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط رقم 13 الصادر في الملف رقم 94/127غ بتاريخ 1995/1/19 صرح بأنه: ((إذا كان الأصل هو أن تعيين القضاة ونقلهم وعزلهم لا يتم إلا بظهير شريف بناء على اقتراح من المجلس الأعلي للقضاء، والاستثناء هو أن يتم نقلهم بانتداب من وزير العدل، ومن المبادئ الأصولية الثابتة، أن الاستثناء لا يتوسع في تفسيره ولا يلجأ غيره إلا عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها وباستقراء الفصل 7 من ظهير 1974/11/11، يستفاد أنه لا يمكن لوزير العدل أن ينتدب قاضيا إلا عند الحاجة ولملء الفراغ، وعليه فإن للانتداب شروطا لابد أن تتوفر حتى يكون مبررا فالوزير في هذه الحالة لا يملك الفكاك من قاعدة الاختصاص المقيدة والغاية الملزمة”.

[74] حكم إدارية الرباط رقم 1516 في ملف 04/1/40 بتاريخ 2004/12/28 وحكم رقم 18 في ملف رقم 03/176 غ بتاريخ 2006/1/5 غير منشور.

[75] C.E, 7 juillet 1950, Dehaene, Rec. Lebon p. 426, et les Grands arrêts de la jurisprudence administrative, 1re éd. 1969, p. 328.

[76] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 174 و175.

[77] القرار عدد 178 الصادر بتاريخ 1985/10/17 ك.م، عامل إقليم فاس، منشور في المجلة المغربية للقانون، العدد 1، 1986، ص. 42، القرار عدد 199 بتاريخ 1992/9/17 ك في الملف عدد 91/10174، أورده الأستاذ الحسن سيمو في مقاله: “الرقابة القضائية على قرارات الضبط الإداري”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 24، 1998، ص. 33.

[78] المحكمة الإدارية بفاس، حكم عدد 2001/1341 بتاريخ 4 دجنبر 2001، مجلة المعيار، عدد 29، 2003، أورده الأستاذ حميد أربيعي، المقال السابق، ص. 119 و120.

[79] ذة. مليكة الصروخ، مرجع سابق، ص. 424.

[80] ذ. عبد الهادي بوطالب، مرجع سابق، ص. 189.

[81] L’article 16 de la Constitution: «Lorsque les Institutions de la République, l’indépendance de la Nation, l’intégrité de son territoire ou l’exécution de ses engagements internationaux sont menacées d’une manière grave et immédiate et que le fonctionnement régulier des Pouvoirs publics constitutionnels est interrompu, le Président de la République prend les mesures exigées par ces circonstances, après consultation officielle du Premier ministre, des présidents des assemblées ainsi que du Conseil constitutionnel.

– Il en informe la Nation par un message.

– Ces mesures doivent être inspirées par la volonté d’assurer aux pouvoirs publics constitutionnels, dans les moindres délais, les moyens d’accomplir leur mission. Le Conseil constitutionnel est consulté à leur sujet.

– Le Parlement se réunit de plein droit.

– L’Assemblée nationale ne peut être dissoute pendant l’exercice des pouvoirs exceptionnels.» (le site SENAT. Service des études juridiques. l’Etat d’urgence. Consulter le 18 juin 2014).

[82] ذ. مصطفي قلوش، “النظم السياسية” (القسم الثاني)، دار أكدال، طبعة 1983، ص. 215، أورده ذ. هشام حسن مختار بابكر في أطروحته السابقة، ص. 306.

[83] من خطاب الملك الراحل الحسن الثاني في 1965/7/7، أورده ذ. هشام حسن مختار بابكر، مرجع سابق، ص. 306.

[84] ذ. المختار مطيع، المبادئ العامة للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، شركة بابل للطباعة والنشر، طبعة 1995، ص. 86.

[85] الرجوع إلى المواد 172 و173 و174 من دستور 2011.

تنبغي الإشارة إلى أن الخطاب الملكي الذي أعلن حالة الاستثناء في 7 يونيو 1965 تضمن فكرة تعديل بعض مواد الدستور وعرضها للشعب لإبداء رأيه فيها بواسطة استفتاء شعبي لتلافي الثغرات التي أبان عنها سير التجربة البرلمانية.

(انظر ذ. المختار مطيع، مرجع سابق، ص. 88).

[86] ذ. المختار مطيع، مرجع سابق، ص. 88.

[87] ذ. هشام حسن مختار بابكر، مرجع سابق، ص. 307.

[88] ذ. محمد المعتصم، مختصر النظرية العامة للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، مؤسسة إيزيس، طبعة 1992، ص. 73 و84.

[89] ذ. محمد المعتصم، المرجع السابق، طبعة 1992، ص. 84.

[90] ذ. هشام حسن مختار بابكر، مرجع سابق، ص. 313.

[91] ذ. عبد الرحمان القادري، “محاضرات في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية”، الجزء الثاني، الأنظمة السياسية، دار أكدال، طبعة 1987، ص. 193.

[92] يقول الأستاذ ميشيل روسي: “أن السلطة الملكية تشكل محور السلطة التنفيذية، متسائلا أليست اختصاصات الملك في ترأسه لمجلس الوزراء، وتعيين موظفي الدولة والإدارة الفعلية لشؤون الدفاع، والحلول محل الوزير الأول خلال حالة الاستثناء في جميع أعمال تسيير الإدارة، أليست هذه الاختصاصات تدخل في نطاق الممارسة الجزئية أو الكلية للوظيفة التنفيذية؟ إن إنكار هذا الواقع لا يعد كافيا لإزالته”. ذ. عبد الرحمان القادري، مرجع سابق، ص. 193.

[93] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 181.

[94] ذ. أشرف إبراهيم مصطفي سليمان، التحريات كأساس لإصدار قرارات الضبط الإداري والرقابة القضائية عليها، دار النهضة، طبعة 2008، ص. 202.

[95] على ذلك قضي مجلس الدولة الفرنسي بعدم مشروعية قرار صادر عن محافظة “السين” بفرض قيود على تداول المواد الغذائية لمدة غير محددة بحجة وجود ظروف استثنائية مبررة لذلك، (راجع حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية 1944/5/19، منشور بمجموعة sirey سنة 1945، القسم الثالث، ص. 12).

[96] حكم القضاء الإداري بتاريخ 1961/4/18 في القضية رقم 869 لسنة 14 قضائية من مجموعة الأحكام.

– Rivero J., Droit administratif, Dalloz, 8e éd, 1977, p. 420.

[97] المحكمة الإدارية بالبيضاء، حكم رقم 83 ملف عدد 2010/01/72، بتاريخ 2010/3/2.

[98] Une mesure de police n’est légale qu’autant qu’elle est nécessaire au maintien de l’ordre, c’est ce qui amène le juge à l’égard des décisions qui relèvent de son contrôle normal, à examiner de près les circonstances de fait, et à vérifier l’adéquation des mesures prises les circonstances de fait et à vérifier la déquation des mesures prises aux circonstances.

[99] ذ. أشرف إبراهيم مصطفي سليمان، مرجع سابق، ص. 203.

[100] ذ. محمد شريف إسماعيل، مرجع سابق، ص. 500، “اكدت المحكمة الإدارية العليا المصرية أنه لا يكفي أن تثبت أن هناك مصلحة جدية ومحققة لتبرير استخدامها للوسائل غير الشرعية، بل لابد أن تقيم الدليل على أن هناك تهديدا خطيرا لهذه المصلحة، فإذا لم تستطع تقديم هذا الدليل فإن تصرفها يكون معيبا وغير مشروع، وهذا التهديد يقاس بالآثار الخطيرة التي يترتب عليها الإخلال بالنظام العام وسير المرافق العامة”، حكمها الصادر في 14 أبريل 1962، السنة السابعة، ص. 605.

[101] قرار محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش رقم 1362 بتاريخ 2009/11/25 ملف رقم 1-2009/05/419 (أورده الأستاذ محمد الأزهر في مؤلفه: الحريات العامة في القضاء المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، طبعة 2012، ص. 35).

[102] ينص البند الثاني من الفصل 6 من دستور 2011 على أن: “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية …”، كما ينص الفصل 21 في البند الثاني كذلك على أن: ((تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع”.

[103] حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 18 مارس 1956، منشور بمجموعة أحكام القضاء الإداري، السنة العشرة، ص. 251.

[104] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 252.

[105] ذ. مليكة الصروخ، مرجع سابق، ص. 424.

[106] ذ. محمد الأعرج، “مسؤولية الدولة والجماعات الترابية في تطبيقات القضاء الإداري المغربي”، طبعة 2013، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مؤلفات وأعمال جامعية”، ص. 96.

[107] ذ. أحمد أجعون، “القضاء الإداري ودولة القانون بالمغرب العربي”، أعمال اليوم الدراسي الذي نظمته شبكة القانونيين المغاربيين والمدرسة الوطنية للإدارة والمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية يوم 17 و18 أبريل 2008 بالرباط، “حماية القضاء الإداري للملكية العقارية بالمغرب”، ص. 54.

[108] حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1290، الصادر بتاريخ 2009/10/14، أورده الأستاذ محمد الأعرج في المرجع السابق، ص. 117.

[109] ذ. أحمد أجعون، “حماية القضاء الإداري للملكية العقارية بالمغرب”، مرجع سابق، ص. 55.

[110] حكم القضاء الإداري في جلسة 1954/12/14، مجموعة أحكام محكمة القضاء الإداري، جلسة 1954/12/14، قضية رقم 7، لسنة 9 ق، ص. 134.

[111] ذ. سعاد الشرقاوي، “نسبية الحريات العامة وانعكاساتها على التنظيم القانوني”، مرجع سابق، ص. 5 وما بعدها.

[112] ذ. ثروت بدوي، النظم السياسية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1975، ص. 414 وما بعدها.

– Claude Albert Colliard, Libertés publiques, 5e édition, Précis Dalloz, 1975, p. 26-27.

لعل أقرب التصنيفات إلى الواقع هو تصنيف الحريات إلى حقوق وحريات تقليدية تندرج تحتها الحرية الشخصية وحرية الفكر والتجمع والحريات الاقتصادية، فتشير الحريات الشخصية إلى حرية التنقل والأمن والمسكن والمراسلات، وتشير الحريات الفكرية إلى حرية العقيدة والتعلم والصحافة والثقافة والفن وحرية الرأي، وتشير حريات التجمع إلى حرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات، وتشير الحريات الاقتصادية إلى حرية التجارة والصناعة وحق الملكية وحق العمل وتكوين النقابات. للتعمق المرجو مراجعة مؤلف الأستاذ ماهر عبد الهادي، حقوق الإنسان وقيمتها القانونية، دار النهضة العربية، 1984، ص. 85 وما بعدها.

[113] ذ. محمد حسنين عبد العال، “رقابة مجلس الدولة لقرارات الضبط الإداري”، مرجع سابق، ص. 15.

[114] Les applications de l’état d’urgence en France:

1955: L’état d’urgence a été appliqué en Algérie juste après sa création. Il a été prorogé pour six mois le 7 août 1955 et a été ainsi actif pendant 12 mois.

1958: Le 13 mai 1958, il a été appliqué en Algérie après que des manifestations organisées pour saluer la mémoire de trois soldats français exécutés par le FLN et pour s’opposer à la formation du gouvernement Pierre Pflimlin tournent à l’émeute.

1961: Il est appliqué en Algérie du 23 avril au 30 septembre 1961 par le général de Gaulle après le putsch des généraux à Alger.

1984: En décembre 1984, le Premier ministre français Laurent Fabius et son gouvernement décrètent l’état d’urgence en Nouvelle-Calédonie. Il est suivi d’une loi transférant au haut-commissaire de la République (Edgard Pisani) jusqu’au 30 juin 1985 les pouvoirs du préfet.

2005: Le 8 novembre 2005, pour mettre fin aux émeutes de 2005 dans les banlieues françaises, le Président de la République française Jacques Chirac décrète, en Conseil des ministres, l’état d’urgence, permettant ainsi aux préfets des zones concernées de déclarer des couvre-feux. Le décret rend applicable la loi dans tout ou partie de vingt-cinq départements.

Le 15 novembre 2005 l’Assemblée nationale française vote le projet de loi du gouvernement de prolonger l’état d’urgence pour une durée maximale de trois mois, à compter du 21 novembre. Le 16 novembre 2005, c’est au tour du Sénat français de voter le projet; l’état d’urgence est donc maintenu, alors que les violences ont cessé. Le 2 janvier 2006, le Président de la République Jacques Chirac, après une proposition de Dominique de Villepin, declare qu’il «mettra fin à l’état d’urgence à compter du 4 janvier» et que ce point sera à l’ordre du jour du Conseil des ministres du 3 janvier (http://fr.wikipedia.org/wiki/etat_d’urgence_en_France).

[115] Voisset, «L’article 16 de la Constitution du 4 octobre 1959», thèse, Paris, 1969, p. 43 et s.

[116] راجع قانون حالة الاستعجال (الطوارئ) الفرنسي، وكذا حكم مجلس الدولة في حكم كيدار سنة 1956.

[117] ذ. محمد حسنين عبد العال، رقابة مجلس الدولة على قرارات الضبط الصادرة استنادا للمادة 16 و74، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، 1982، ص. 23.

[118] استمرت حالة الطوارئ في مصر سنوات طويلة، وتحكم مصر بالأحكام العرفية أكثر من 50 عاما، ولم ترفع فيها حالة الطوارئ اكثر من خمس سنوات متفرقة أطولها 3 سنوات من 1964 إلى سنة 1967، على التفصيل التالي:

– أعلنت حالة الطوارئ في نوفمبر 1914 خلال الاحتلال الإنجليزي حتى عام 1922، ثم من أول سبتمبر 1939 حتى 7 اكتوبر 1945.

– من فاتح ماي 1948 حتى 28 أبريل 1950 مع استمرارها جزئيا ولمدة سنة قابلة للتجديد في المناطق الحدودية في محافظة سيناء والبحر الأحمر (حرب 1948).

– أعلنت عقب قيام ثورة 23 يوليو في 26 يناير سنة 1952 (حريق القاهرة)، وألغيت بالقانون رقم 270 لسنه 1956 في 1956/6/20.

– أعلنت الأحكام العرفية في 1956/11/1 عند قيام العدوان الثلاثي على مصر بالقرار الجمهوري رقم 329 لسنة 1956.

– استمرت حالة الطوارئ بعد الوحدة بين مصر وسوريا بالقرار بقانون 1174 لسنه 1958 لتنتهي في 1964/3/24.

– إعلان حالة الطوارئ في 5 يونيو 1967 خلال النكسة حتى 1980/5/14 فيما سمي بثورة التصحيح.

– الإعلان في 6 اكتوبر سنة 1981 عند اغتيال السادات، ثم مدت لمدة عام آخر ثم صدر القرار 387 لسنة 1983 بمد حالة الطوارئ لمدة سنة.

– صدور القرار 366 لسنة 1984 في 27 سبتمبر 1984 بمد حالة الطوارئ من السادس من اكتوبر 1984 حتى آخر أبريل 1986.

– صدور القرار 167 لسنة 1986 بمد حالة الطوارئ لمدة ثلاث سنوات أخري تنتهي في آخر أبريل 1988.

– صدور القرار 116 لسنة 1988 بمد حالة الطوارئ من أول ماي سنة 1988 حتى 1991/5/31.

– صدور القرار 183 لسنة 1991 بمد حالة الطوارئ اعتبارا من أول نوفمبر 1991 حتى 1994/5/31.

– استمرارها إلى يومنا هذا خاصة مع الانتفاضات الشعبية والاضطرابات السياسية الأخيرة.

[119] تنص المادة 74 من دستور 1971 على أنه: “لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانا إلى الشعب، ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها”.

[120] إذا كانت المادة 74 المعدلة قد تضمنت صيغة عامة (قيام خطر) فإن المادة 154 تحدثت فقط عن إعلان (حالة الطوارئ) على الشكل التالي: “يعلن رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأي مجلس الوزراء حالة الطوارئ، على النحو الذي ينظمه القانون، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية ليقرر ما يراه بشأنه. وإذا حدث الإعلان في غير دور الانعقاد العادي، وجب دعوة المجلس للانعقاد فورا للعرض عليه. وفي جميع الأحوال تجب موافقة أغلبية عدد أعضاء المجلس على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر، ولا تمد إلا لمدة أخري مماثلة، بعد موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس. وإذا كان المجلس غير قائم، يعرض الأمر على مجلس الوزراء للموافقة، على أن يعرض على مجلس النواب الجديد في أول اجتماع له.

ولا يجوز حل مجلس النواب أثناء سريان حالة الطوارئ”.

[121] محمد حسنين عبد العال، المرجع السابق، نفس الصفحة.

[122] راجع ما سبق ذكره من تأثير تطبيق المادة 74 على هذه المجالات في المبحث السابق في هذا البحث.

[123] ذ. إبراهيم درويش، “نظرية الظروف الاستثنائية في القانون الوضعي”، مجلة إدارة قضايا الحكومة، السنة 11، العدد 3، ص. 795.

[124] يلاحظ أن قانون الأحكام العرفية ليس فقط القانون الوحيد، لكن هناك في فرنسا قانون الأحكام العرفية الفرنسي الصادر في 9 غشت 1849 والمعدل في 3 أبريل 1878 وفي 1817 وفي 1944، وكذا قانون حالة الطوارئ الفرنسي الصادر بتاريخ 3 أبريل 1955 والمعدل في 7 غشت 1955 وفي 15 أبريل 1960.

وفي مصر قانون الأحكام العرفية رقم 162 لسنة 1958 المعدل بالقانون 60 لسنة 1968، والقانون رقم 37 لسنة 1972 والمعدل بالقانون 50 لسنة 1982، وكذا قانون الدفاع المدني المصري رقم 148 لسنة 1959 المعدل بالقانون رقم 10 لسنة 1965، والقانون رقم 20 لسنة 1974 وقانون التعبئة العامة المصري رقم 87 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 54 لسنة 1961، والقرارات بقوانين أرقام 131 لسنة 1962 و96 لسنة 1963 و35 لسنة 1968 والقانون رقم 18 لسنة 1972. وقانون الطوارئ المعلن عنه بـ 2013/8/14 عقب الأحداث المصرية الأخيرة.

[125] من هذا الرأي الفقهاء Jeze, De Laubadere, Laferriere، انظر للتفصيل في رأي الفقه الفرنسي ذ. عبد الفتاح ساير داير، المرجع السابق، ص. 409.

[126] ذ. سامي جمال الدين، المرجع السابق، ص. 335.

[127] Duguit, Traité de droit constitutionnel, T. 2, 2e éd., Paris, Boccard, 1923, p. 339.

[128] ذ. سليمان الطماوي، القضاء الإداري، المرجع السابق، ص. 315.

[129] انظر ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 335. ومن الجدير بالذكر أن إعلان الأحكام العرفية في فرنسا يعتبر بصفة أصلية داخلا في اختصاص البرلمان ويتم بقانون، ولكن في ظروف خاصة يدخل في اختصاص السلطة التنفيذية ويتم بمرسوم، ولا تثور مشكلة اعتبار مرسوم الأحكام العرفية في فرنسا من أعمال السيادة ومدي رقابة القضاء عليه إلا في حالة واحدة، هي حالة إعلانها والبرلمان منحلا مع مخالفة الحكومة لنصوص القانون. وتعلن الأحكام العرفية السياسية في فرنسا في حالتين، حالة قيام حرب بين فرنسا ودولة أجنبية والثانية حالة قيام ثورة مسلحة داخل فرنسا. انظر ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 399، وما بعدها.

[130] ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 191.

[131] من هذا الرأي الفقهاء Bonnard, Waline, Vedel, Odent, Berthelemy. انظر ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 409-412.

[132] ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 329-328.

[133] ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 445.

[134] ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 414.

[135] ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 328.

[136] أشار إليه ذ. على خطار شنطاوي، مرجع سابق، ص. 105.

– Duguit, Traité de droit constitutionnel, op. cit., p. 259.

[137] من هذا الرأي ذ. حافظ هويدي، مرجع سابق، ص. 167، ذ. عبد الحميد متولي، الوسيط في القانون الدستوري، الطبعة 1956، ص. 468، ذ. وحيد فكري رأفت، رقابة القضاء الإداري لأعمال الدولة، مكتبة عبد الله وهبة، طبعة 1942، ص. 200-199، ذ. السيد محمد المدني، مسؤولية الدولة عن أعمالها المشرعة في القانون المصري، المطبعة العالمية، طبعة 1952، ص. 299.

[138] انظر من هؤلاء ذ. سعد عصفور، “رقابة القضاء وضرورة حماية الفرد في الدولة الحديثة”، مجلة المحاماة نقابة المحامين في مصر، العددان الثامن والتاسع، السنة الحادية والخمسون، اكتوبر ونوفمبر 1971، ص. 143، ذ. إبراهيم درويش، “نظرية الظروف الاستثنائية”، مجلة إدارة قضايا الحكومة، اكتوبر 1966، ص. 70، ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 747.

[139] ذ. سامي جمال الدين، لوائح الضرورة مرجع سابق، ص. 330.

[140] يقول ذ. سامي جمال الدين في هذا الصدد: “إن إنكارنا لوجود أعمال السيادة أو على الأقل تمسكنا بسقوطها وزوالها في ظل دستور 1971 المادة 68 منه، على الأخص يدفعنا إلى الموافقة من دون تردد على إخضاع قرار السلطة التنفيذية بإعلان حالة الطوارئ للرقابة القضائية مثله في ذلك مثل أي قرار إداري”، انظر مؤلفه أعلاه، ص. 339.

[141] انظر مؤلفه، مرجع سابق، ص. 156.

[142] ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 337، ومن أحكام القضاء الفرنسي انظر الحكم الصادر من محكمة التنازع الفرنسي في قضية ((Pelletier)) عام 1878 وحكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في قضية ((Cheron)) في 5 يونيو سنة 1874 (أشار إليه ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 402 وما بعدها).

[143] ذ. مصطفي أبو زيد فهمي، مرجع سابق، ص. 425، ذ. سليمان الطماوي، النظرية العامة، مرجع سابق، ص. 158.

[144] انظر مؤلفه، دروس في القانون الإداري، للسنة الثانية، سنة 1954-1953، ص. 274، نقلا عن ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 408.

[145] يشير الأستاذ عبد الفتاح ساير داير أنه: “من استطراد أحكام مجلس الدولة الفرنسي يتضح أنه يقرر أوجه الطعون المتعلقة بدستورية مرسوم الأحكام العرفية أو بنفاذه أو بإعلانه ولم يرفض قبوله هذه الأوجه من الطعون باعتبارها خاصة بعمل من أعمال السيادة، كما أن محكمة التنازع الفرنسية لم تنكر عليه هذا الحق بل إن الحكومة نفسها لم تحاول أن تدفع بعدم اختصاص المجلس بنظر هذه الأوجه من الطعون بحجة أن مرسوم إعلان الأحكام العرفية يعتبر من أعمال السيادة”. انظر مؤلفه السابق، ص. 424 وما بعدها.

[146] ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 425-424.

[147] أشار إليه ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 342، ويضيف الأستاذ: “… ومع ذلك رغم قضاء المحكمة باعتبار الإعلان من أعمال السيادة إلا أنها راقبت مع ذلك ملاءمة هذا الإعلان”، أما الأستاذ سعد عصفور فيقول: “يبدو أنه كان اتجاها مغايرا لاعتبار الإعلان عن حالة الطوارئ من أعمال السيادة بدأت تأخذ به محكمة القضاء الإداري ففي حكم لها في 1975/2/5 اكدت المحكمة خضوع إعلان حالة الطوارئ للرقابة القضائية باعتباره قرارا إداريا وذلك لمطابقته مع المادة الثانية من قانون الطوارئ مع تعديلها بالقانون رقم 37 لسنة 1992″، انظر مقاله المنشور في مجلة المحاماة السنة 56، عدد 4-3، ص. 152.

[148] أشار إليه ذ. حمدي ياسين عكاشة، مرجع سابق، ص. 124.

[149] حكم المحكمة العليا الصادر في 1976/7/3، وحكمها الصادر في 1977/2/5. أشار إليه ذ. سامي جمال الدين، المرجع السابق، ص. 343.

[150] ذ. عصام البرزنجي، المرجع السابق، ص. 108.

[151] ذ. عبد الفتاح ساير داير، المرجع السابق، ص. 422.

[152] ذ. محسن خليل، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار النهضة العربية، طبعة 1967، ص. 100.

[153] يذهب الأستاذ مصطفي أبو زيد إلى أن دخول هذه الأعمال في نظرية أعمال السيادة في مصر كان أمرا حتميا لكون المشرع المصري قد ذكرها صراحة من بين أعمال السيادة في قانون 1949-1946، وأن مجلس الدولة الذي جاء في ظل هذين القانونين كان مضطرا في التسليم بوجودها في أعمال السيادة أمام صراحة النصوص الواردة في قانونه، غير أن الوضع تغير في القوانين الأخيرة للمجلس (قانون 1959-1955) والقانون الحالي رقم 47 سنة 1972 فلم يعد ثمة إلزام عليه أن يعترف بهذا العمل أو ذاك كعمل من أعمال السيادة. ومن هنا يكون قد استرد حريته الكاملة في إرساء المبادئ القضائية التي يريد في التطبيق، والتضييق إن شاء فيما يعتبر من أعمال السيادة. انظر مؤلفه، القضاء الإداري ومجلس الدولة، المرجع السابق، ص. 427.

[154] ذ. عصام محمد عبد الوهاب البرزنجي، مرجع سابق، ص. 109.

[155] أشار إليه ذ. محمد فؤاد عبد الباسط، المرجع السابق، ص. 145، وانظر كذلك حكم محكمة القضاء الإداري الصادر في 1948/4/13 وقرارها الصادر في 1950/6/6، أشار إليه ذ. حمدي ياسين عكاشة، مرجع سابق، ص. 121.

[156] حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بتاريخ 17 يناير 1957، أشار إليه ذ. سليمان الطماوي، القضاء الإداري، مرجع سابق، ص. 319.

[157] انظر حكم المحكمة الإدارية الصادر في 13 مارس 1963، أشار إليه ذ. سليمان الطماوي، النظرية العامة، مرجع سابق، ص. 159-158.

[158] انظر حكم المحكمة الإدارية الصادر في 1979/12/29، أشار إليه ذ. حمدي ياسين عكاشة، مرجع سابق، ص. 124، وكذلك ذ. مصطفي أبو زيد، القضاء الإداري، المرجع السابق، ص. 426.

[159] ذ. ماجد راغب الحلو، القضاء الإداري، المرجع السابق، ص. 50.

[160] ذ. محمد ماهر أبو العينين، المرجع سابق، ص. 254.

[161] ذ. حافظ هريدي، المرجع السابق، ص. 172.

لقد أنكر الفقه القانوني القديم اعتبار الإجراءات الصحية والوقائية من أعمال السيادة حتى لو نص المشرع على عدم المسؤولية عنها لكون المشرع لا يملك تكييف أعمال السيادة. كما انتقد بعض الأساتذة التفرقة التي قال بها ((Laferriere)) و((Hauriou)) فيروا “أن العمل في الحالتين واحد وذو طبيعة واحدة وهو أنه عمل تقديري كما أنكر اعتبار الإجراءات الصادرة من رئيس الدولة أعمالا حكومية بناءا على أنه لا يستمد سلطته في مباشرتها من الدستور”. انظر فيما تقدم من الانتقادات بالتفصيل ذ. عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 429. ومن الفقه العربي انتقد ذ. عبد الفتاح ساير داير رأي ((Laferriere)) و((Hauriou)) من حيث الحجة التشريعية ويري أن الحكمين اللذين استندا لهما الفقيهان لاعتبار الإجراءات الصحية والوقائية من أعمال السيادة ليس قاطعين في التدليل بل على العكس يتنافران كل التنافر مع خصائص العمل الحكومي. انظر الأستاذ عبد الفتاح ساير داير، مرجع سابق، ص. 428.

[162] ذ. مصطفي أبو زيد فهمي، مرجع سابق، ص. 426.

[163] ذ. حافظ هريدي، مرجع سابق، ص. 172.

[164] يلاحظ أن الأوامر العسكرية الصادرة من سلطة الطوارئ، تعتبر أعمالا إدارية من حيث الطبيعة وإن كان لها قوة القانون من حيث القوة القانونية، لكن ليس لسلطة الطوارئ إصدار أية أوامر أو قرارات منشئة لقواعد قانونية أو تنظيمية دائمة، وإن كان لها اتخاذ إجراءات مؤقتة عارضة لمواجهة حالة الضرورة، أما ما جري عليه العمل أثناء سريان حالة الطوارئ من تنظيم للشؤون الداخلية بتشريعات الطوارئ الاستثنائية فهو أمر على قدر كبير من الخطورة.

ولقد حددت المادة الثالثة من قانون الطوارئ عند صدوره لأول مرة نطاق هذه الأوامر العسكرية في موضوعات محددة على سبيل الحصر تشمل تقيد حرية الصحافة والنشر واتساع نطاق تطبيق الاعتقال وفرض الرقابة على كافة المراسلات والقيود على حرية التجارة والملكية. (للتعمق المرجو مراجعة ذ. عثمان خليل وذ. سليمان الطماوي، موجز القانون الدستوري، مرجع سابق، ص. 617).

[165] راجع حكم المحكمة العليا الصادر في 1976/4/13، القضية رقم 4 للسنة 5 قضائية دستورية، مجلة إدارة قضايا الحكومة، السنة 21، عدد 2، ص. 183. وكذا حكم 1976/5/15 في طلب التفسير رقم 2 للسنة 6 قضائية، مجلة إدارة قضايا الحكومة، السنة 21، عدد 2، ص. 510، وكذا مجلة العلوم الإدارية، السنة 19، العدد 2، ص. 153.

[166] تنص المادة 147 من دستور 1971 على أنه: ((إذا حدث في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون.

ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائما، وتعرض في أول اجتماع له في حالة الحل أو وقف جلساته، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان له من قوة القانون دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، وإذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأي المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب على آثارها بوجه آخر”.

وقد حافظت على نفس المقتضيات المادة 156 من دستور 2014 بنصها على أنه: “إذا حدث في غير دور انعقاد مجلس النواب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، يدعو رئيس الجمهورية المجلس لانعقاد طارئ لعرض الأمر عليه. وإذا كان مجلس النواب غير قائم، يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوما من انعقاد المجلس الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، إلا إذا رأي المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، أو تسوية ما ترتب عليها من آثار”.

[167] هي تلك اللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية بناء على تفويض من السلطة التشريعية في شأن المسائل الداخلة في اختصاص هذه السلطة الأخيرة. فاللوائح التفويضية على خلاف لوائح الضرورة لا تصدر إلا بعد الحصول على موافقة البرلمان على إصدارها، لذلك فإنها لا تصدر إلا في وجود البرلمان.

ويطلق الشراح على اللوائح التفويضية “المراسيم بقوانين”، إلا أن معظمهم يري أن هذه التسمية يجب أن تطلق فقط على المراسيم التي يصدرها من تركزت السلطات في أيديهم عقب قيام ثورة أو انقلاب أو تغيير في النظام، أو على المراسيم التي تصدرها الحكومات الاستبدادية، فهذه المراسيم لها طبيعة وقوة القوانين منذ صدورها. أما اللوائح التفويضية – طبقا للمعيار الشكلي – هي قرارات إدارية إلى أن يصادق عليها البرلمان، فعندئذ تكتسب طابعا تشريعيا يخرجها عن نطاق الرقابة القضائية، رغم أن البعض يسمي اللوائح التفويضية “مراسيم” لها قوة القانون أو “تشريع حكومي له قوة القانون”، مبررا ذلك بأن هذه اللوائح لها قوة القانون وتستطيع الحكومة أن تعدل أو تلغي بها القوانين السارية، ويفضل البعض استخدام اصطلاحي “اللوائح التفويضية” لأنها الأكثر شيوعا ولا يحدث لبس في فهمها على عكس اصطلاح “مراسيم لها قوة القانون أو تشريعي حكومي له قوة القانون”.

للمزيد من التعمق، انظر الأستاذ أحمد مدحت على في مؤلفه بعنوان: نظرية الظروف الاستثنائية: دراسة مقارنة في فرنسا ومصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1978، ص. 42 و43.

[168] ذ. سامي جمال الدين، لوائح الضرورة وضمانة الرقابة القضائية، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1986، ص. 100 وما بعدها.

[169] تناول الفصل 74 سلطات رئيس الجمهورية في بعض الظروف الاستثنائية الخاصة التي تتسم بالخطورة البالغة فقررت هذه المادة أنه: “لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر ويوجه بيانا إلى الشعب، ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال 60 يوما من اتخاذها”.

[170] الملاحظ أنه لم تجر أية محاولة للمساس بالدستور الفرنسي إلا في حالة واحدة حينما أصدر رئيس الجمهورية الفرنسية قرارا في 1961/4/65 من شأنه وقف تطبيق المادة 4/64 من الدستور الفرنسي والتي تقضي بأن القضاة غير قابلين للعزل. بهذا الصدد يمكن مراجعة:

– Voisset, l’Article 16 de la constitution du 4 octobre 1958, Paris, LGDJ, 1969 , p. 84.

بينما في مصر اعتبر أن الإجراءات الواردة في القرار رقم 2 لسنة 1977 والخاصة بحرية تكوين الأحزاب يعد مخالفا للمادة الخامسة من الدستور والتي نصت على اعتبار الاتحاد الاشتراكي العربي هو التنظيم السياسي الوحيد بالبلاد.

[171] ذ. عبد الهادي بوطالب، مرجع سابق، ص. 189.

[172] منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، “سلسلة مواضيع الساعة”، المسألة الدستورية والمسار الديمقراطي في المغرب، العدد الخامس، 1996، ص. 168.

[173] ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 179 وما بعدها.

[174] عمليا في فرنسا عام 1961 وبمناسبة تطبيق المادة 16 أصدر رئيس الجمهورية ثمانية عشر قرارا خلال فترة التطبيق من 23 أبريل إلى 25 دجنبر من هذا العام، تعلق بعضها بتوسيع سلطات الضبط والبعض الآخر بتعديل النظام القضائي وسير السلطات القضائية وبعض الضمانات للوظائف المدنية والعسكرية.

[175] ذة. مليكة الصروخ، مرجع سابق، ص. 89.

[176] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 208.

[177] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 208.

[178] ذ. ممدوح عبد الحميد، مرجع سابق، ص. 209.

[179] البند الثالث من الفصل 70 حول سلطات البرلمان من دستور المملكة المغربية 2011.

[180] البند الأول من الفصل 81 حول الممارسة التشريعية من دستور المملكة المغربية 2011.

[181] راجع:

– Ebraro, «L’article 38 de la Constitution du 4 octobre 1958 et la Ve République», RDP, 1969, p. 259-287.

[182] ذ. سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص. 306 وما بعدها.

[183] 1984: en décembre 1984, le Premier ministre français Laurent Fabius et son gouvernement décrètent l’état d’urgence en Nouvelle-Calédonie. Il est suivi d’une loi transférant au haut-commissaire de la République (Edgard Pisani) jusqu’au 30 juin 1985 les pouvoirs du préfet.

En réponse à cette action, le parti politique RPR alors dans l’opposition, avait saisi le Conseil constitutionnel sur la base que la Constitution de 1958 ne prévoit pas l’état d’urgence. Le Conseil constitutionnel a rejeté le recours sur la base du fait que la loi de 1955 n’était pas contraire à la Constitution de la Ve République.

Le 15 novembre 2005 l’Assemblée nationale française vote le projet de loi du gouvernement de prolonger l’état d’urgence pour une durée maximale de trois mois, à compter du 21 novembre. Le 16 novembre 2005, c’est au tour du Sénat français de voter le projet; l’état d’urgence est donc maintenu, alors que les violences ont cessé.

Début décembre 2005, 74 professeurs et maîtres de conférences de droit, avaient saisi le Conseil d’Etat pour obliger le gouvernement à suspendre ce régime d’exception. Le Conseil d’Etat a jugé que, bien que la situation eût «sensiblement évolué», le maintien de l’état d’urgence n’était pas une «illégalité manifeste». De son côté, le Premier ministre Dominique de Villepin et Nicolas Sarkozy avaient déclaré qu’ils préféraient maintenir l’état d’urgence jusqu’à la fin des fêtes de fin d’année pour prévenir d’éventuels troubles. (http://fr.wikipedia.org/wiki/etat_d’urgence_en_France. Consulter le18 April 2014).

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading