التوازن المالي للعقد

مولاي الحسن الإدريسي

باحث في سلك الدكتوراه كلية الحقوق سلا

 

مقدمة:

يقصد بالتوازن المالي للعقد بقاء حقوق والتزامات الأطراف بصورة متوازنة من وقت نشوء العقد أي منذ لحظة إبرامه وحتى تمام تنفيذه ([160])، وهو أمر مفترض في كل عقد إدارى ومن حق المتعاقد مع الإدارة أن يعوض على مقتضاه في حالة الإخلال به دون حاجة إلى نص على ذلك في العقد ([161]).

أما العقد فيقصد به بصفة عامة توافق إرادتين على إنشاء أثر قانوني ذي طابع مالي ([162]) وبما أن العقد الذي يجمع بين المقاول والإدارة عقد إدارى فهو يخضع لذات أسس وأركان العقد المدني من حيث ضرورة توفر الرضا والمحل وقيام السبب وذلك على الرغم من اختلاف النظام القانوني الذي يخضع له كل منهما حيث يعزي هذا الاختلاف إلى تضمين العقود الإدارية شروطا غير مألوفة بالنسبة للعقود المدنية بشكل يؤدي إلى جعل كفتي المتعاقدين غير متكافئة خلافا لما هو عليه الأمر في العقود المدنية ([163])  .

ويقصد بالمقاول كل من يتعهد بالقيام بعمل معين مستكمل لشروط خاصة كبناء منشأة، أو إصلاح طريق، وتوضع التفصيلات له في عقد يوقعه المتعاقدان ([164]) .

أما الإدارة فهي مجموعة من الهيئات تمثل الدولة، والتي تتولى تنفيذ الأعمال للدولة وهذا التعريف حسب المعيار العضوي أما مفهوم الإدارة بالمعني الوظيفي فهو النشاط الذي تقوم به مختلف الهيئات وهذا النشاط هو الذي يؤدي إلى احتكاك الإدارة بالأفراد فتنتج عنه روابط وعلاقات شتي، فمن الأفراد من يتلقى هذا النشاط في صورة خدمات عامة ومنهم من يقوم بتحقيقه فيدخل في روابط تعاقدية مع الإدارة ([165]).

تتجلى أهمية هذا الموضوع من حيث عنصر الزمن في تنفيذ العقد المبرم بين الإدارة والمقاولة، إذ إن أغلب العقود تحتاج إلى مدة زمنية طويلة لتنفيذها مما يسمح بحدوث تغيرات اقتصادية وبروز معطيات جديدة لم تكن وقت التعاقد أو حدوث بعض الظواهر الطبيعية كالزلازل والفياضانات مثلا فيصبح بذلك أمر تنفيذ الالتزام الملقي على عاتق المقاول مرهقا، كما تتجلي أهمية هذا الموضوع على المستوي القانوني من حيث طبيعة العقد المبرم بين المقاول والإدارة والذي يعتبر عقد إدارياً بقوة القانون تملك فيه صاحب المشروع شروطا استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص بحيث لا يسمح بإعمال قواعد القانون المدني والتي من جملتها مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.

ويشكل القضاء الإدارى ضمانة أساسية حمائية لحقوق المقاول المتعاقد مع الإدارة صاحبة المشروع أمام الامتيازات والسلطات الاستثنائية التي تتمتع بها هذه الأخيرة، وعدم إمكانية التمسك بالقوة الملزمة للعقد من طرف المقاول كلما أختل توازن مركزه المالي جراء تصرفاتها المعدلة للعقد، لذلك يتدخل القاضي الإداري من أجل تصحيح الوضع وتقويم الخلل وإعادة التوازن المالي للعقد معتمدا على مجموعة من النظريات بدلا من الرجوع إلى الأليات التعاقدية التي قد لا تسعفه في الحفاظ على مصلحة المتعاقد المالية.

وعليه سوف سنكتفي ببيان نظريات التوازن المالي المتمثلة في نظريه فعل الأمير (المطلب الأول) ثم نظرية الظروف الطارئة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: نظرية فعل الأمير

إذا كانت إمكانية تعديل العقد بشكل انفرادي من طرف الإدارة صاحبة المشروع يزيد في أعباء المقاول ويخل بالتوازن المالي للعقد، لكن بالمقابل يمكن لهذا الأخير الحق في المطالبة بالتعويض أمام القضاء استنادا إلى نظرية عمل الأمير fait de prince إذن فما المقصود بهذه النظرية وما هي شروط تطبيقها (الفقرة الأولي) وما هي الأثار المترتبة على تطبيقها وكيف تعامل القضاء الإدارى معها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولي: ماهية نظرية فعل الأمير

يقتضي بحث هذه النظرية تعريفها وبيان مفهوما (أولاً) ثم توضيح صورها (ثانيا) فالتطرق إلى شروطها أو شروط تطبيقها(ثالثا).

أولاً: التعريف بنظرية فعل الأمير

يقصد بعبارة” فعل الأمير” كل إجراء تتخذه السلطات العامة من شأنه أن يزيد في الأعباء المالية للمتعاقد مع الإدارة أو في الالتزامات التي ينص عليها العقد، مما يطلق عليه بصفة عامة” المخاطر الإدارية ([166]) كما عرفها جانب من الفقه ([167])  بأنها تلك الأعمال المشروعة التي تصدر بصفة مفاجئة غير متوقعة عن سلطة عامة أثناء تنفيذ عقد إدارى دون خطأ من جانبها، ويترتب عليها الإساءة إلى المركز المالي للمتعاقد مع الإدارة؛ وينشئ فعل الأمير التزاما على عاتق الإدارة المتعاقدة بتعويض المقاول المتعاقد معها بتعويض المقاول المتعاقد معها عن كافة الأضرار التي لحقت به نتيجة هذه الأعمال بما يعيد التوازن المالي وفقا للأسس التي قام عليها العقد عند إبرامه.

ويعرف السيد محمد قصري فعل الأمير بقوله أنه” كل إجراء إداري صادر عن الإدارة المتعاقدة دون خطأ من جانبها والذي يرتب أثاراً ضارة بالمتعاقد وتزيد في أعبائه في إطار العقد، الأمر الذي يجعل الإدارة المتعاقدة ملزمة بتعويض المتعاقد عن كافة الأضرار التي ألحقت به جراء ذلك بما يعيد التوازن المالي للعقد” ([168])  .

كما ورد تعريف أيضا في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ([169])  أن عمل الأمير هو كل عمل يصدر عن سلطة عامة دون خطأ من جانبها ينجم عنه سوء مركز المتعاقد في عقد إدارى ويؤدي إلى التزام الإدارة المتعاقدة بتعويض المتعاقد المضرور عن كافة الأضرار التي تلحقه من جراء ذلك بما يعيد التوازن المالي للعقد.

وفي جملة هذه التعاريف يمكن إضافة تعريف مفاده أن عمل الأمير هو كل فعل أو إجراء مشروع ([170]) يصدر من الإدارة صاحبة المشروع يؤدي إلى تحميل المقاول المتعاقد معها أعباء أخرى ترهق عملية التنفيذ وتمس بالتوازن المالي للعقد فتجعله مختلا بشكل يضر للمقاول الشيء الذي يلزم الإدارة بتعويض المقاول ما دامت مسؤولة عن صيانة توازنه المالي.

هذا وتعتبر نظرية عمل أو فعل الأمير نظرية قديمة من ابتداع مجلس الدولة الفرنسي، وهي من أول النظريات التي أراد بها القضاء الإداري إقامة التوازن المالي في العقد الإدارى بين التزامات وحقوق المتعاقد مع الإدارة ([171])  وتعويض المتعاقد تعويضا كاملا عن الأضرار التي أصابته بسبب إصدارها إجراءات إدارية مشروعة تجعل تنفيذ المتعاقد للعقد أمرا مرهقا ماديا بالنسبة له ([172]) وهو النوع الثاني.

ثانياً: صور فعل الأمير

يتخذ فعل الأمير طابعا خاصا أو طابعا عاما ([173]) حسب الصورة التي يتخذها الفعل من الناحية العملية فقد يتجسد في صورة إجراء فردي خاص أو في صورة إجراء تنظيمي عام صادر عن السلطات العامة في الدولة

1-فعل الأمير في صورة إجراء خاص:

يؤدي هذا الإجراء إلى تعديل مباشر في شروط العقد وهو النوع الأول أو قد يكون مؤثرا في ظروف تنفيذ موضوعه([174]).

1-1 التعديل المباشر في شروط العقد: إن التعديل المباشر للإدارة في شروط العقد سواء بالنقصان أو بالزيادة يعد من الحقوق الهامة والخطيرة للإدارة تجاه المتعاقد معها، تمارسه بقرارات منها دون حاجة لرضاء المتعاقد حتى ولو لم ينص على هذا الحق في العقد ([175])

وإذا أدي هذا التعديل إلى إلحاق الضرر بالمتعاقد فيكون له الحق بضمان التوازن المالي وذلك بتعويضة عن الضرر في إطار نظرية فعل الأمير إذن فتدخل الإدارة سواء كان الأمر يتعلق بتعديل التزامات المقاول المتعاقد مع صاحبة المشروع أو بوضع حد للعقد قبل الأجل المتفق عليه يشكل نموذجا لفعل الأمير ولا يثير أية صعوبة، بل يعطي الحق للمتعاقد بالتعويض عن كامل التكاليف الإضافية والمصروفات الزائدة التي تكبدها بسبب تدخل الإدارة ([176]).

2-1 الإجراء المؤثر في ظروف التنفيذ: قد لا يكون الإجراء الخاص الذي تتخده جهة الإدارة المتعاقدة غير مؤثر على شروط العقد بصورة مباشرة ولكنه يؤدي إلى تغيير في ظروف تنفيذ العقد بكيفية من شأنها تحميل المتعاقد أعباءا جديدة لم تكن متوقعة وقت التعاقد، عند ذلك يجب تعويض المتعاقد أيضا تعويضا كاملا على أساس التوازن المالي للعقد ([177])  ويدخل في هذا المجال العديد من الإجراءات التي يصعب حصرها ولكن يمكن اختزالها على النحو التالي:

1-2-1 القرارات الصادرة من طرف الإدارة صاحبة المشروع إلى المقاول المتعاقد معها في مجال تنفيذ العقد بمقتضي سلطتها في مجال الرقابة والتوجيه؛ والتى تحمل المتعاقد أعباء جديدة وذلك مثل قرار تعديل سير العمل، أو إدخال وسائل جديدة مبتكرة ([178]) في تنفيذ العقد وهذا هو ما تم العروج عليه في معرض الحديث عن فعل التعديل الانفرادي للعقد كمظهر من مظاهر الإخلال بالتوازن المالي للعقد في الفرع الأول من هذا الفصل.

2-2-1 قيام الجهة الإدارية بأشغال عامة ينجم عنها للمتعاقد أضرار بمناسبة تنفيذ العقد؛ عندها يستحق المتعاقد التعويض عن هذه الأضرار استنادا إلى نظرية فعل الأمير في حال إغفال تنظيم العقد هذه المسألة.

3-2-1 بعض تدابير الضبط الإدارى الصادرة عن الإدارة والتي يترتب عليها أعباء المقاول، كالأمر الصادر من جهة الإدارة، بوصفها سلطة ضبط إلى المقاولة المتعاقدة بنقل أسلاك الكهرباء إلى موقع أخر حفاظا على سلامة الجمهور ([179]).

4-2-1 قيام الجهة الإدارية المتعاقدة بأعمال مادية من شأنها زيادة أعباء المقاول، ينجم عنها للمتعاقد أضرار بمناسبة تنفيذ العقد، عندها يستحق المتعاقد التعويض عن هذه الأضرار استنادا إلى نظرية فعل الأمير في حال إغفال العقد تنظيم هذه المسألة ([180]).

2-فعل الأمير في صورة إجراء عام:

وهو الإجراء الصادر عن جهة الإدارة والرامي إلى صدور قوانين ومراسيم ينتج عنها زيادة أعباء المقاول المتعاقد مع الإدارة وفي هذا الصدد يبرز تساؤل حول مدي إمكانية إعمال نظرية فعل الأمير، وتعويض المقاول عن الأضرار التي تلحقه من جراء هذه الإجراءات؟

وللجواب عن هذا السؤال يقتضي البحث في الاتجاهات المؤيدة والمعارضة لإعطاء التعويض في مثل هذه الحالة حيث يذهب البعض في فرنسا إلى استبعاد تطبيق نظرية فعل الأمير ما دام المتعاقد مع الجهة الإدارية غير مقصود بذاته بالتدابير العامة، وباعتبار أن هذه التدابير تطال جميع المواطنين وبالتالي لا يمكن تعويض المتعاقد عن الأضرار التي تصيبه أثناء تنفيذ العقد إلا في حالتين: الأولى عندما يرد نص في العقد يتضمن إلزام الإدارة بالتعويض، والثانية في حال ما إذا كان التدبير العام غير متوقع يستبعد تطبيق نظرية فعل الأمير؛ وإمكانية تطبيق نظرية الظروف الطارئة ([181]).

ويبدو أن هذا الاتجاه مناف للمنطق ولم يلق ترحيبا من طرف مجلس الدولة الفرنسي.

وفي هذا الصدد نجد حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ([182]) الذي ورد فيه أنه:” وحيث إنه مما لا جدال فيه أن المدعي المتعاقد مع المجلس الجماعي قد لحقه ضرر من جراء قرار الإدارة برفع أسعار المكوس والرسوم، ومن ثم فإن من واجبات الجهة المتعاقدة معها تعويضه عن ذلك تعويضا كاملا يشمل ما لحق هذا الأخير من خسارة بسبب عمل الأمير وما فاته من كسب باعتبار أن من حقه أن يعوض عن ربحه الحلال عن عمله ورأس ماله”.

والملاحظ على هذا النوع المسمي بالإجراء العام الصادر من طرف الإدارة صاحبة المشروع أنه ينقسم إلى نوعين، فنوع يؤدي إلى تعديل شروط العقد ونوع أخر يمس ظروف التنفيذ الخارجية.

فأما الإجراء العام المؤدي إلى تعديل شروط العقد فيسمي أيضا التعديل المباشر للعقد ([183]) ويترتب عليها تعديل شروط العقد أو إنهاءه وهنا يمكن للمقاول المتضرر المطالبة بالتعويض على أساس نظرية الأمير شريطة إثباته الضرر، بخلاف الإجراء العام المفضي إلى تعديل ظروف تنفيذ العقد الخارجية وهو ما يسمي بالتعديل غير المباشر حيث لا يقصد بها تعديل العقد نفسه، لكنها تؤثر على العقد فتجعل تنفيذه أشد عسرا وأكثر نفقة وأقل أرباحا؛ ومن هذا القبيل التشريع الضربي والرسوم الجمركية أو التشريع الاجتماعي الذي يستهدف تحسين أوضاع العمال والرفع من الأجور والتأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية، والتي تتطلب التزامات جديدة تكون من شأنها زيادة أعباء المقاول؛ أو التشريع الاقتصادي والمالي الذي يهم رفع الأثمان أو تنظيم عمليات التصدير والاستيراد.

وفي هذا المجال نجد أن القاعدة هي عدم تعويض المتعاقد ويجوز الخروج عن هذه القاعدة كحالة استثناء في حدود ضيقة لا يجوز التوسع فيها ([184])، غير أن بعض الأساتذة ([185]) قاموا بوضع تمييز بين ما إذا كان هذا الإجراء العام صادر من الجهة الإدارية المتعاقدة أو من جهة أخرى، فإذا كان الإجراء العام الصادر من الجهة الإدارية المتعاقدة طبقت النظرية (نظرية فعل الأمير) إذا كان من شأن الإجراء أن يؤثر على العنصر الرئيسي للعقد. وأعطي مثال فرض رسوم محلية على الفحم باعتباره مادة أولية وأساسية وتمس هذه الرسوم شخصا ملتزما بتوريد الإضاءة بالغاز، أو رفع الرسوم على الشعير على إثر التعاقد مع متعهد بتوريد هذا الصنف.

وفي هذا السياق يمكن إعادة الاستدلال بحكم إدارية البيضاء عدد 426 بتاريخ 28/04/2003 والذي سبقت الإشارة إليه حيث قضي بالتعويض الكامل للمقاول المتعاقد مع الإدارة معللا بالحيثية التالية” وحيث إن مما لا جدال فيه أن التصرف الذي أقدم عليه المجلس البلدي المدعي عليه من الزيادة في أسعار المكوس والرسوم المستحقة.. وما ترتب عن ذلك من إضراب التجار والحرفيين من مستغلى السوق والذي يمكن تصنيفه في إطار عمل الأمير.

وحيث إنه مما لا جدال فيه أن المدعي المتعاقد مع المجلس الجماعي قد لحقه ضرر من جراء قرار الإدارة برفع أسعار المكوس والرسوم ومن ثم فإنه من واجبات الإدارة تعويضه تعويضا كاملاً”.

ويستفاد من هذا الحكم أن القضاء المغربي الإداري يسير في اتجاه إقرار حق التعويض إذا صدر إجراء عام من طرف الجهة الإدارية المتعاقدة وأصيب المقال بالضرر.

أما إذا كان الإجراء العام صادر من جهة إدراية غير الجهة المتعاقدة ( كالتشريع الضريبي أو التشريع الاجتماعي…) فالأصل أنه يتم رفض التعويض على أساس أن لا يمكن مساءلة الدولة على أعمالها التشريعية وهذا ما كان يقضي به مجلس الدولة الفرنسي إلا أنه تطور وأصبح يقر بالتعويض شريطة أن تكون عناصر العقد التي مسها الإجراء (أثمان، ضرائب…) قد احتلت في ذهن المتعاقد مع الإدارة مكانة رئيسية وقت إبرام العقد، وأن يكون من شأن التعديل الإخلال بالتوازن المالي للعقد إخلالا جسيما ([186]).

مع الإشارة إلى أن المجلس رفض التعويض بمناسبة صدور تشريعات في مجال التدابير الاجتماعية الهادفة إلى تحسين ظروف وأحوال العمال([187]) لأنها لا تمس جوهر العقد. وفي هذا الإطار يمكن إعادة التساؤل حول مدي إمكانية شرط التثبت التشريعي في العقود الإدارية؟ أي أن ما يصدر من قوانين ومراسيم لا تطبق في مواجهة المقاول المتعاقد مع الإدارة ليبقي القانون المطبق هو قانون وقت إبرام العقد.

ثالثا: شروط تطبيق نظرية فعل الأمير

يقتضي تطبيق نظرية فعل الأمير توفر شروطها المتمثلة في وجود ضرر نتيجة فعل الإدارة وعدم توقع الفعل المسبب للضرر عند التعاقد ثم نسبة الفعل المسبب للضرر إلى الإدارة صاحبة المشروع فمشروعية العمل المسبب للضرر وسيتم تفصيل هذه الشروط كل على حدة.

1-وجود ضرر نتيجة فعل الإدارة

بادئ ذي بدء يجب أن يكون التعديل منصبا على عقد إدارى فعقود الإدارة المدنية تستبعد تطبيق هذه النظرية ويشترط لإقرار التعويض أن يؤدي عمل الإدارة إلى زيادة الأعباء على المتعاقد مما يؤدي إلى الإخلال بالتوازن المالي للعقد وفي هذا ضرر للمقاول.

ولا يشترط في هذا الضرر درجة معينة من الجسامة لتقرير التعويض استنادا لنظرية فعل الأمير؛ فقد يكون هذا الضرر فادحا أو يسيرا، وقد يكون ضررا فعليا ألحق خسائر بالمتعاقد مع الإدارة أو قد يؤدي إلى مجرد نقص في الأرباح التي قام على أساسها العقد ([188]).

كما يشترط في الضرر الناتج عن فعل الإدارة أن يكون خاصا بالمتعاقد يصيبه وحده أو يصيبه بصورة أشد جسامة مما نال مجموع الأفراد الذين يخاطبهم الإجراء مثار التعويض ([189]).

2- عدم توقع الفعل المسبب للضرر وقت التعاقد

ومفاد ذلك ان لا يكون المقاول المتعاقد مع الإدارة صاحبة المشروع غير متوقعا للإجراءات الصادرة عن الجهة الإدارية، فإذا توقع المقاول هذا الفعل أو كان من المفروض أن يتوقعه يحرم من التعويض ولا مجال لتطبيق نظرية عمل الأمير.

ويشترك فعل الأمير في هذا الشرط مع نظرية الظروف الطارئة ([190]) والصعوبات المادية غير المتوقعة ونظرية القوة القاهرة.

3-نسبة الفعل المسبب للضرر إلى الإدارة المتعاقدة

لقد تطلب مجلس الدولة الفرنسي لتطبيق هذه النظرية أن يكون الإجراء الضار صادرا عن جهة الإدارة المتعاقدة نفسها أما الإجراءات العامة التي تصدرها جهة تشريعية أو جهة إدارية غير الجهة المتعاقدة فتطبق في شأنها نظرية الظروف الطارئة ([191]) (التي سيأتي بيانها بعد قليل) ودليل هذا القول حكم المحكمة الإدارية العليا الذي قضي بأن «تدخل القضاء الإداري لتحقيق التوازن المالي للعقد الإداري تطبيقا لنظرية فعل الأمير مناطة توافر شروط هذه النظرية ومن بينها شرط أن يكون الفعل الصادر صادرا من جهة الإدارة المتعاقدة فإذا ما صدر هذا الفعل عن شخص معنوي عام غير الذي أبرم العقد تخلف أحد شروط نظرية فعل الأمير وامتنع مع ذلك تطبيق أحكامها كما قضي مجلس الدولة الفرنسي في أحد أحكامه إلى القول بأن القضاء لم يلجأ لتطبيق نظرية عمل الأمير إلا في حالة خاصة للمتعاقد في تنفيذ العقد وبالعكس إذا صدرت هذه التصرفات من سلطة أخرى غير السلطة المتعاقدة فالتعويض الذي يطالب به المتعاقد يكون على أساس نظرية الطواري ([192]). إذن يتبين مما سبق أنه للحصول على التعويض لابد من أن يكون الضرر ناتج عن إجراء صادر من طرف الإدارة صاحبة المشروع أي نفس الجهة المتعاقدة..

4-مشروعية العمل المنشئ للضرر

إن الأعمال الصادرة عن الإدارة بشكل قانوني وصحيح هي التي يمكن اعتبارها منشأة للمسؤولية العقدية بدون خطأ ([193])  وهذا الشرط يقضي بالضرورة أن الأعمال غير الصحيحة والتي تشكل أخطاءا لا يمكن إثارتها إلا في إطار المسؤولية العقدية بناءا على خطأ، لا في إطار نظرية فعل الأمير.

فعندما تستعمل الإدارة صلاحيتها المخولة لها قانونا كتعديل العقد أو فسخة ويؤدي هذا الفعل الصادر من طرفها إلى إلحاق الضرر بالمقاول المتعاقد معها، فإنها تصبح مسؤولة بالتعويض استنادا إلى نظرية عمل الأمير.

الفقرة الثانية: الأثار المترتبة على تطبيق نظرية فعل الأمير

إنه متي توفرت شروط نظرية فعل الأمير، يحق للمقاول المتعاقد مع الإدارة أن يحصل على التعويض لتغطية الضرر اللاحق به جراء فعل الإدارة من أجل إعادة التوازن المالي للعقد ويجب أن يشمل التعويض الخسائر المترتبة والربح الفائت.

وإذا كان الأثر الرئيسي المترتب على تطبيق نظرية فعل الأمير هو منح المتعاقد التعويض فإنه يوجد إلى جانب ذلك أثار أخرى تتمثل في:

v إعفاء المتعاقد من الالتزام بالتنفيذ إذا ترتب على عمل الأمير استحالة التنفيذ، كصدور تشريع يحظر استيراد سلعة معينة لا يمكن الحصول عليها إلا بالاستيراد من الخارج ([194]).

v إعفاء المقاول من الغرامات المالية كجزاء على التأخير إذا كان مرد هذا التأخير فعل الأمير أي الفعل الصادر من جهة الإدارة المتعاقدة ([195]).

v حق المطالبة بفسخ العقد إذا لم يكن بالإمكان متابعة التنفيذ أو في حالة زيادة أعباء المقاول بشكل يفوت إمكانيات المتعاقد المالية والفنية وبما أن الأثر الرئيسي المترتب على تطبيق نظرية فعل الأمير هو التعويض فلا بأس من البحث بإيجاز في أساس التعويض وكيفية تحديدة.

فالبنسبة لأساس التعويض في نظرية عمل الأمير فيستند على فكرة التوازن المالي للعقد(l’equilibre financier du contrat) إلا في غالب الاتجاهات([196]).

كما تجد أساسها في المسؤولية التعاقدية بلا خطأ كما وسبق الذكر أنفا حيث إنه إذ فقد الفعل الصادر من طرف الإدارة صاحبة المشروع مشروعيته واعتبر خطأ تصبح المسؤولية على أساس الخطأ.

أما بالنسبة لكيفية تحديد التعويض فيعوض تعويضا شاملا يغطي جميع الأضرار([197]) يشمل ما أصابه من خسارة أي ما أنفقه قبل صدور الفعل، وما فاته من كسب، أي المبالغ المعقولة التي كان المقاول يعول عليها قبل اختلال توازن العقد وقد ورد فيما سبق حكم إدارية البيضاء يبين ذلك بجلاء ووضوح.

أما إذا كان فعل الأمير صادر من طرف الإدارة بسبب الحرب التي تشهدها البلاد وتتمثل فعل الأمير في فسخ العقد فهنا يكون التعويض فقط عن الضرر اللاحق به دون أني نصرف إلى ما فاته من كسب، ويكون التعويض جزئيا أيضا في حالة ما إذا ساهم المقاول بخطئة في إحداث بعض الأعمال المترتبة على عمل الأمير ويراعي في تقدير التعويض مقدار ما ساهم به خطأ الإدارة ([198]).

إذن كان هذا بشكل موجز حول نظرية فعل الأمير تمت المحاولة في تحليلها وبيان صورها وعرض أهم التطبيقات القضائية لها فماذا إذن عن نظرية الظروف الطارئة؟ وما هي شروط تطبيقها وكذا الأثار الناجمة عن تطبيقها؟ هذا ما سيتم التطرق إليه في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: نظرية الظروف الطارئة

لقد سبق وأن تم التطرق إلى الأعباء الإضافية الناتجة عن طارئ غير متوقع بفعل الأمير ينتج عنه. لكن قد يتعرض المقاول أثناء تنفيذه العقد لظروف غير متوقعة أثناء إبرام العقد وخارجة عن إرادة المتعاقدين مما تجعل عملية التنفيذ جد مرهقة بالنسبة للمقاولة فتنقلب على إثرها اقتصاديات العقد ويختل توازنة المالي لذلك أنتج القضاء نظرية الظروف الطارئة لإعادة التوازن المالي للعقد وتمكين المتعاقد من التنفيذ وإنجاز ما تم الاتفاق عليه ويتطلب البحث في نظرية الظروف الطارئة التطرق إلى ماهيتها وشروط تطبيقها (الفقرة الأولى) تم معرفة الأثار المترتبة عن تطبيقها (الفقرة الثانية) باعتماد نفس النهج الذي اعتمد في دراسة نظرية فعل أو عمل الأمير.

الفقرة الأولي: ماهية نظرية الظروف الطارئة

لقد تم ترسيخ هذه النظرية عقب نشوب الحرب العالمية الأولي والاضطراب الذي شهده المجال الاقتصادي، في قضية بوردوغاز بتاريخ 30 مارس 1916([199]).

حيث لم تستطع الشركة أنذاك بسبب الحرب العالمية الأولي إنتاج الغاز وتوزيعه على مدينة بوردو وأن تحافظ على توازنها المالي بسبب ارتفاع أسعار الفحم وهو الأمر الذي لم يكن متوقعا أثناء إبرامها للعقد- وحينما تقدمت بطلب إلى مدينة بوردو للزيادة في سعر ثمن الغاز قوبل طلبها بالرفض ولما طرح النزاع أمام مجلس الدولة الفرنسي أصدر قرار بتحميل مدينة بوردو النصيب الأوفر من عجز الشركة معتبراً أن نشاط هذه الأخيرة مهدد بالتوقف بصفة نهائية نتيجة الظروف غير المتوقعة.

ويستفاد من هذا الحكم أنه تتحقق هذه النظرية عندما يتعرض صاحب الصفقة إلى أَضرار يرجع سببها إلى ظروف خارجة عن إرادة كل من المتعاقدين فيصعب عليه تنفيذ العقد إلا بعد مشاركة الإدارة لنصيب من الخسارة عن طريق التعويض الحزبي.

ولتطبيق هاته النظرية يقتضي الأمر تحديد مفهوما (أولا) وشروط تطبيقها ( ثانيا).

أولاً: مفهوم نظرية الظروف الطارئة

عندما تختل اقتصاديات العقد اختلالا جسيما ([200]) نتيجة وجود ظروف طبيعية أو اقتصادية أو من عمل جهة إدارية غير الجهة الإدارية المتعاقدة أو من عمل إنسان أخر لم يكن في حسبان المقاول المتعاقد مع صاحبة المشروع وقت إبرام العقد ولا يملك لها دفعا، يكون من شأنها أن تنزل به خسائر فادحة ([201]).

إذن فنظرية الظروف الطارئة، نظرية تمكن المتعاقد من الحصول على تعويض عندما يتعرض لأضرار يعود سببها إلى ظروف ليست من صنع الإدارة المتعاقدة، وذلك لتفادي تركه في وضع مرهق قد يؤدي به في بعض الأحيان إلى الإفلاس والعجز عن تنفيذ التزاماته ([202]) وتقوم هذه النظرية على فكر العدالة المجردة التي تعتبر مناط القانون الإدارى والهدف من ورائها تحقيق المصلحة العامة فإذا كان رائد الجهة الإدارية هو ضمان حسن سير المرفق العام بشكل منتظم فإن هدف المقاول المتعاقد مع الإدارة هو الحصول على مقابل مالي يعادل تأديته لالتزاماته المتفق عليها يقتضي العقد من صعوبات وطوارئ ([203])وهذه هي الغاية من نظرية الظروف الطارئة.

وهذا على خلاف التعامل في نطاق القانون المدني؛ إذ أن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين تجعل التنفيذ واجبا طالما أن الظروف الاستثنائية لم تبلغ درجة القوة القاهرة التي تجعل التنفيذ مستحيلا فيفسخ العقد على إثرها، كما يبقي عبئ الخسائر الفادحة على عاتق المدين، إلا أن عقد الصفقة الذي يعتبر عقدا إداريا يتعلق بمرفق عام ينبغي أن يستمر في أداء مهامة بانتظام واضطراد جعل القضاء الإدارى يقضي بتعويض المتعاقد عن الضرر الذي لحقه بفعل الظروف حتى لا ينقطع سير المرفق العام ([204])، ومن أجل تطبيق هذه النظرية لابد من توفر مجموعة من الشروط.

ثانيا: شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة

انطلاقا من التعريف الذي أعطي لنظرية الظروف الطارئة والذي تم إدراجه في النقطة الأولي يمكن استخلاص مجموعة من الشروط تتمثل فيما يلي:

  1. أن يكون الحديث طارئا استثنائيا
  2. عدم إمكانية توقع الحدث وعدم إمكانية دفعه.
  3. وقوع الحدث الطارئ خلال تنفيذ العقد.
  4. انقلاب اقتصاديات العقد.

وسيتم تناول كل شرط بتفصيل موجز؛

1- وقوع حدث طارئ واستثنائي

يشترط لتطبيق نظرية الظروف الطارئة في العقود الإدارية أن يقع حادث استثنائي أو ظرف طارئ معني الحادث الطارئ الاستثنائي أن يكون نادر الوقوع وغير مألوف، فلا يعول عليه الرجل العادي، ولا يدخل في حسبانه ([205])، سواء كانت هذه الأحداث اقتصادية كارتفاع باهض في الأسعار لا يمكن للرجل العادي توقعها أو طبيعية كالزلازل المدمرة أو الفياضات. إلا أن هناك اتجاه ([206]) يري بأن هذه النظرية تطبق في حالة حلول المخاطر الاقتصادية فقط باعتبار أن المخاطر الطبيعية يتم التعويض عنها في إطار نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة كما يتم التعويض عن المخاطر الإدارية في ظل نظرية فعل الأمير التي سبقت الإشارة إليها.

ورغم وجاهة هذا الرأي إلا أنه يبدو أن من الصعب التفرقة بين المخاطر الطبيعية والمخاطر الاقتصادية نظرا لتأثير الظرف الطبيعي على الجانب الاقتصادي فقد يحدث مثلا أن يقع زلزال أو فيضان يدمر المصانع ووحدات الانتاج ويؤدي إلى هلاك المواد وارتفاع الأسعار الشيء الذي ينعكس سلبا على المقاول الذي لا يستطيع تنفيذ العقد دون أن تشاركه الإدارة صاحبة المشروع بنصيب من التعويض يغطي حجم الضرر.

2- عدم إمكانية توقع الحدث وعدم إمكانية دفعه

يعد شرط إمكانية توقع الحدث وعدم إمكانية دفعه من أبرز شروط تطبيق نظرية الطارئة إذ من خلاله سميت النظرية باسمه، ومعناه أن يكون الحادث غير متوقع وخارج عن إرادة المتعاقدين فاق كل العقبات والمخاطر التي فطن تفكيره إليها عند شروعه في إبرام العقد مع الإدارة، وتجاوز الحدود القصوي التي توقعها الأطراف.

فالمقال حينما يشرع في التعاقد فهو يضع مجموعة من المخططات والاحتمالات التي يمكن أن تقع أثناء تنفيذه العقد وكيفية تجاوزها اللهم إذا حدث طارئ غير متوقع بتاتا ويمكن الاستدلال في الشأن بالثورات التي تشهدها الدول العربية والتي تأثر تأثيرا كبيرا على الجانب الاقتصادي الذي ينعكس سلبا على العقود المبرمة بين الإدارات والمقاولين أو مثل الأزمة الاقتصادية التي شهدت تداعياتها جل الدول والتي أثُرت على بعض القطاعات الحيوية.

ويقضي هذا الشرط أن لا يمكن دفع الحادث فإذا كان من الممكن تفاديه عن طريق بذل مجهود معقول فإنه يكون سببا لعدم تطبيق نظرية الظروف الطارئة، ويري الدكتور محمد عبد العال سناري أن معيار تحديد كون الحادث ممكن تفاديه أو دفعه هو معيار موضوعي، قوامه الرجل العادي، وليس معيارا ذاتيا قوامه المتعاقد نفسه، فإذا كان الحادث الذي وقع يمكن تفاديه أو دفعة وتفادي النتائج المترتبة عليه طبقا لمعيار الرجل العادي فإنه في هذه الحالة لا يعد ظرفا طارئا ولا يصلح كسبب لتطبيق نظرية الظروف الطارئة ([207])

وفي هذا الإطار قضت المحكمة الإدارية لمراكش ([208]) بالقول:” إن انتشار هجوم الفئران على منطقة الأغراس يشكل ظاهرة طارئة غير متوقعة للمتعاقد مع الإدارة”.

وهو الأمر سبق وأن أكدته محكمة الاستثئناف بالرباط سنة 1941 ([209]) في قضية تتلخص وقائعها أن نزاعا نشب بين بلدية مدينة سلا ومقاولة خاصة متخصصة في إنجاز أشغال تتصل بإنجاز مجاري عمومية، ذلك أن هذه الشركة اضطرت إنفاق مبالغ مالية إضافية جد باهضة من أجل المشروع الذي اتفقت على إنجازة مع بلدية سلا، نتيجة وجود فرشة مائية ضخمة في الحسبان فهي عقبة مادية لم تكن متوقعة مطلقا وقد اعتبر القضاء نتيجة لذلك بأن الأشغال والتوريدات الإضافية التي تولدت عن وجود فرشة مائية ضخمة لم يكشف البحث عنها من خلال التصميم الأولى؛ تمثل عملا غير متوقع لا عملا مكلفا يدخل في إطار التكلفة العامة للمشروع وقد أكدت ذات المحكمة موقفها سنة 1945 ([210]) في قضية أخرى تتعلق بوقف تنفيذ عقد إدارى نظرا لظروف الحرب العالمية الثانية التي كانت السبب الرئيسي في نقض كسبب في مادة البنزين.

3- وقوع الحدث الطارئ خلال تنفيذ العقد

لتطبيق نظرية الظروف الطارئة أن يقع الظرف الطارئ بعد إبرام العقد وقبل الانتهاء من تنفيذه ([211]) فإذا وقع قبل إبرام العقد فإنه لا يصلح لسبب لتطبيق نظرية الظروف الطارئة لأن من المفروض أن يكون المتعاقدين قد علما به وارتضيا وجودة ونفس الأمر ينطبق على مسألة وقوع الحدث بعد تنفيذ العقد لأنه أنذاك تنتهي كل أثار العقد.

4-انقلاب اقتصاديات العقد نتيجة الحدث الطارئ

يشترط لتطبيق نظرية الظروف الطارئة أن تكون هذه الظروف قد أصابت المتعاقد بخسائر فادحة تتجاوز الخسارة العادية التي يمكن احتمالها وتسبب انقلابا حقيقيا لاقتصاديات العقد على نحو يختل معها التوازن المالي اختلالا جسيما يلحق الضرر.

بالمقاول([212]) وهو ما أكدته محكمة القضاء المصري ([213]) بقولها” إن نظرية الظروف الطارئة أن يكون الظرف الطارئ أثقل وأشق كلفة وبأن تكون الخسارة الناشئة عنه والتي تلحق المتعاقد، فادحة واستثنائية تجاوز الخسارة العادية”.

فالقاضي حين ينظر في النزاع المعروض عليه يمحص بالأخص في حجم الضرر اللاحق بالمتعاقد أي حدة الإرهاق الذي أصاب عملية تنفيذ العقد فلتطبيق لنظرية الظروف الطارئة لابد تلحق المتعاقد خسارة فادحة تسبب له اختلالا جسيما في العقد تجعله صعب التنفيذ دون أن تجعله مستحيلا ([214])

الفقرة الثانية: الأثار المترتبة على تطبيق نظرية الظروف الطارئة

إذا كان الهدف المتوخي من نظرية الظروف الطارئة هو تمكين المقاول المتعاقد مع الإدارة من الاستمرار في تنفيذ العقد رغم حدة وطأة الظرف الطارئ وذلك بتعويضة للتخفيف من هذه الصعوبات فمن خلال ما سبق يتبين أن أهم الأثار المترتبة على تطبيق نظرية الظروف الطارئة هى التزام المقاول بالاستمرار في تنفيذ العقد إذ لا يحق له اتخاذ الظرف الطارئ حجة لتوقيف الأشغال طالما لم ينقلب الظرف الطارئ إلى قوة قاهرة؛ وتوقفه عن تنفيذ التزاماته يبرره توقيع الجزاء عليه([215]) هذا وبالإضافة إلى حقه في الحصول على التعويض لمواجهة هذه الظروف غير المتوقعة بعد أن يقوم بتحديد بداية الظرف وتجدر الإشارة أن التعويض يكون بنسبة 90% من مجموع الأعباء الإضافية التي سببتها الظروف الطارئة([216])

إضافة إلى أن تطبيق النظرية يتم بصفة مؤقتة إذ تهدف إلى تمكين المقاول من التغلب على الظرف الطارئ حتى تعود الحالة الطبيعية التي أبرم العقد خلالها. في الأخير، إذا كان القضاء الإدارى في هذا الصدد له صلاحية الموازنة بين المصلحيتن العامة والخاصة وإعادة توازن مالية العقد كلما أصابها خلل وتعويض المقاول تعويضا مناسبا يغطي حجم الضرر اللاحق به والكسب الذي فاته، فإنه هو الأخر يتسم بنوع من المحدودية في تحقيق الحماية للمقاول المتعاقد نظرا لطول وتعقيد الإجراءات ورتابة المساطر المتبعة للحصول على التعويض، ناهيك عن امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الصادرة ضدها.


[160] علي عبد العزيز الفحام، سلطة الإدارة في تعديل العقد الإدارى دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، جامعة عين شمس 1975 ص311 بإحالة من د. رشا على الدين، دور المحكم في إعادة التوازن لمالي للعقد الدولي، طبعة 2010 دار الجامعة الجديدة، ص15.

[161] د. هاني محمود حمزة، النظام القانوني الواجب الإعمال على العقود الإدارية الدولية أمام المحكم الدولي، الطبعة الأولي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2008، ص204.

[162] د. زيد قدري الترجمان، الموجز في القانون المدني، نظرية الالتزام، الجزء الأول مصادر الالتزام، طبعة 1992 بدون ذكر دار الطبع، ص26.

[163] أخذا عن د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة؛ الأسس العامة للعقود الإدارية طبعة 2007، دار الفكر الجامعي ص 16.

[164] د. قدري عبد الفتاح الشهاوي، عقد المقاولة في التشريع المصري والمقارن، طبعة 2002، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص7.

[165] انظر: د. عبد الحافظ أدمينو و د. الشريف الغيوبي، مبادئ أساسية القانون الإداري-التنظيم الإداري، الطبعة الثانية، مطبعة الخليج العربي 2006، ص4 و 5.

[166] د. خميس السيد إسماعيل، العقود الإدارية والتعويضات طبقا لقانون المناقصات والمزايدات الجديدة رقم 89 لسنة 1998، دون ذكر الطبعة، دار محمود للنشر والتوزيع، ص611.

[167] د. سليمان الطماوي؛ الأسس العامة للعقود الإدارية، مطبعة جامعة عين شمس، القاهرة، الطبعة الخامسة 1991، ص624.

[168] محمد قصري:” بعض الإشكاليات المتعلقة بالمنازعة في الصفقات العمومية” مجلة القصر، العدد22، يناير 2009 ص32.

[169] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 28/04/2003 عدد 426 أورده د. محمد الأعرج، القانون الإدارى المغربي (الجزء الأول) مرجع سابق ص 260.

[170] يجب أن يكون القرار أو الفعل الصادر من طرف الإدارة مشروعا وله وجه حق لأنه إذا كان غير شرعي يعتبر خطأ تسأل عنه.

[171] د. مصري منصور نابلسي، العقود الإدارية، دراسة مقارنة، مرجع سابق ص696.

– انظر كذلك مرجع محمد عبد العال سناري، مبادئ وأحكام العقود الإدارية في مجال النظرية والتطبيق، دار النهضة العربية بدون ذكر الطبعة والسنة، ص276.

[172] بلال أمين زين الدين،” المسؤولية الإدارية التعاقدية وغير التعاقدية” دراسة دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولي 2001. ص580.

[173] د. مليكة الصروخ، الصفقات العمومية (الأشغال-التوريدات-الخدمات”)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولي، 472. 2009.

[174] سليمان الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية، مرجع سابق، ص631.

[175] مليكة الصروخ، الصفقات العمومية بالمغرب، نفس المرجع ص 472.

[176] أخذا من د. نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية، دراسة مقارنة، منشورات زين الحقوقية بدون ذكر الطبعة والسنة ص701.

[177] نقلا عن د. نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية، نفس المرجع، ص702.

[178] سليمان الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية، مرجع سابق، ص632.

[179] نقلا عن د. نصري منصور نابلسي، نفس المرجع، ص702- 703.

[180] فؤاد عزوزي، دور القضاء الإداري في حماية حقوق أطراف العقد الإدارى”. منشورات المجلس الأعلى، سلسلة الندوات الجهوية المنظمة طيلة سنة 2007 من طرف وزارة العدل، الندوة الجهوية الثالثة بمراكش بتاريخ 21-22 مارس 2007 في موضوع « قضايا العقود الإدارية ونزع الملكية للمنفعة العامة وتنفيذ الأحكام من خلال اجتهادات المجلس الأعلى، خمسون سنة من العمل القضائي، ص129.

[181] أخذا عن د. نصري منصور نابلسي؛ العقود الإدارية دراسة مقارنة، مرجع سابق ص 704.

[182] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 426 بتاريخ 28/04/2003 قضية الجيلالي شكير ضد بلدية خريبكة، منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، الجزء الثاني، مرجع سابق ص 442.

[183] د. خميس السيد إسماعيل، العقود الإدارية والتعويضات، مرجع سابق ص 216.

[184] د. مليكة الصروخ، الصفقات العمومية بالمغرب، مرجع سابق ص 473.

[185] د. خميس السيد إسماعيل، نفس المرجع، ص217.

[186] خميس السيد إسماعيل، العقود الإدارية والتعويضات، مرجع سابق ص 217.

[187] د. نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية دراسة مقارنة؛ مرجع سابق ص 708.

[188] د. سليمان الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية، مرجع سابق، ص628.

[189] فتحي فكري، محاضرات في العقود الإدارية؛ دار النهضة العربية 1994 ص 111 أحال إليه د. نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية… مرجع سابق، ص 713.

[190] د. عبد الله حداد، صفقات الأشغال العمومية ودورها في التنمية”، منشورات عكاظ، 2000. ص148.

[191] بلال أمين زين الدين، المسؤولية التعاقدية وغير التعاقدية للإدارة مرجع سابق ص 382.

[192] بلال أمين زين الدين، نفس المرجع، ص583.

[193] مينة بنلمليح، أسس المسؤولية العقدية في القانون الإداري المغربي”، مقال منشور بالمجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد مزدوج 10/11/2010، ص255.

[194] د. نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص719.

[195] د. محمد عبد العال سناري؛ مبادئ وأحكام العقود الإدارية في مجال النظرية والتطبيق مرجع سابق، ص282.

[196] سليمان الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية، مرجع سابق، ص597.

[197] د. ماجد راغب لحلو: العقود الإدارية، بدون ذكر الطبعة، الدار الجامعية للنشر، 2007ص 186.

[198] د. محمد عبد العال سناري، مبادئ وأحكام العقود الإدارية في مجال النظرية والتطبيق ص 289 290.

[199]Revue de la«gazette» , n o17. cahier no 2-4/1630-28 janvier 2002 p 260.

– بإحالة من خالد أنطيطح، رقابة القضاء الإدارى على الصفقات العمومية؛ رسالة لنيل شهادة الماستر، جامعة مولاي إسماعيل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مكناس؛ السنة الجامعية 2010/2011، ص75.

– Voir aussi, de laubadere et autres, traite des contrats administratives, tome 2, 2eme edition- l.g.d.j.1984., page 839.

  • انظر كذلك د. محمد عبد العال سناري؛ مبادئ وأحكام العقود الإدارية.. مرجع سابق ص 292.
  • د. نصري منصور نابلسي، العقود الإدارية… مرجع سابق، ص731.

[200] د. عبد العال سناري، مبادئ وأحكام العقود الإدارية، مرجع سابق، ص 294.

[201] د. خميس السيد إسماعيل، العقود الإدارية والتعويضات، مرجع سابق ص235.

[202] د. عبد الله حداد، صفقات الأشغال العمومية ودورها في التنمية، مرجع سابق ص 157.

[203] د. خميس السيد إسماعيل، نفس المرجع ص 235 بتصرف.

[204] د. محمد الأعرج، نظام العقود الإدارية والصفقات العمومية وفق قرارات وأحكام القضاء الإدارى المغربي، مرجع سابق ص102.

[205] د. نصري منصور نابلسي؛ العقود الإدارية، مرجع سابق ص 750.

[206] د. مليكة الصروخ، الصفقات العمومية بالمغرب، مرجع سابق 477و 478.

[207] أخذا عن د. محمد عبد العالي سناري؛ مبادئ وأحكام العقود الإدارية؛ مرجع سابق، ص 348.

[208] حكم المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 7/06/2000، أورده محمد قصري، القاضي الإدارى ومنازعات الصفقات العمومية، مرجع سابق، ص 730.

[209] قرار محكمة الاستئناف بالرباط 22/07/1941 مجموعة قرارات محكمة الاستثئناف 1941-1942 ص 236 أوردته مينه بنلمليح؛ أسس المسؤولية العقدية في القانون الإداري؛ مرجع سابق؛ ص 259.

[210] قرار محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 13 فبراير 1945 مجموعة قرارات محكمة الاستئناف ص 109، أشارت إليه بنلمليح أسس المسؤولية العقدية.. نفس المرجع، ص 259.

[211] د. نصري منصور نابلسي؛ العقود الإدارية؛ مرجع سابق، ص758.

[212] د. خميس السيد إسماعيل، العقود الإدارية والتعويضات؛ مرجع سابق 237.

[213] محكمة القضاء الإدارى في مصر، جلسة 19 يونيو 1960 مجموعة المكتب الفني السنة 14 ص 261 أورده د. نصري نابلسي، نفس المرجع، ص762.

[214] إذا ترتب على الأحداث الطارئة استحالة تنفيذ العقد فإننا نصبح أمام نظرية القوة القاهرة وبالتالي لا يمكن تطبيق نظرية الظروف الطارئة

[215] عبد الله حداد، صفقات الأشغال ودورها في التنمية، مرجع سابق، ص159.

[216] إدريس الملاس: القاضي الإداري والعقد الإدارى: دراسة فعالية حماية حقوق المتعاقد المالية على ضوء الاجتهاد القضائي والواقع العملي؛ مرجع سابق، ص 51.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading