في المغرب

صلاح الدين كرزابي

طالبا باحث ماستر التدبير الإداري المحلي

كلية الحقوق سلا  جامعة محمد الخامس السويسي

مقدمة:

الموارد البشرية هي ذلك الجزء من السكان الذي ينتج ليس فقط لاستهلاكه وتأمين حاجاته ، وإنما ينتج للاستهلاك وإعالة أنفسهم وكذا الفئات الأخرى من السكان غير المنتجين خارج سن العمل من أطفال وشباب قبل سن العمل والشيوخ وكبار السن الذين تجاوزت أعمارهم سن المعاش وأصبحوا غير منتجين .

لذلك تضم الموارد البشرية كل الأفراد العاملين في المنظمة من مختلف الأصناف والجنسيات ومهما اختلفت وتنوعت مستويات ومهاراتهم وأنواع الأعمال التي يقومون بها [1] . وأكيد أن أي برنامج لتحديث المرافق العامة يجب أن ينطلق من العنصر البشري ، باعتبار هذا الأخير جوهر العملية المرفقية ومحركها الفعلي وبالتالي فإن الاهتمام بتأهيله وتثمينه والاهتمام بمتطلباته المادية والمعنوية ، يوفر فرضا حقيقية لتحسين أداء المرافق العامة وفعاليتها ومردوديتها ، فمن أهم جوانب الحكامة الجيدة ما يخص التدبير الجيد لموارد مكونة ومؤطرة ومحفزة بشكل جيد [2] وفي المغرب فقد جعلت الحكومة من إصلاح الإدارة العمومية وتطويرها وتأهيل الموارد البشرية إحدى الأولويات الأساسية في برنامج العمل الحكومي ،وفي هذا السياق توجه الإهتمام إلي إصلاح نظام الحكامة الإدارية من خلال تحسين النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ، وتكريس مجموعة من الآليات الحديثة التي من شأنها أن تساهم في تطوير وتأهيل الأساليب المعتمدة في تدبير الموارد البشرية في مجال الوظيفة العمومية ، وبالرجوع إلي حصيلة منجزات وزارة تحديث القطاعات العامة ( وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة حاليا ) برسم سنتي 2010-2011 نجد أنها عملت علي اعتماد عدة مقتضيات قانونية وتنظيمية من أجل تدبير محكم وجيد للموارد البشرية ، وعلي هذا الأساس سنعمل علي تحليل الآليات التي تهدف بشكل عام إلي تثمين الموارد البشرية ( أولا )، لننتقل بعد ذلك إلي دراسة أحد البرامج ” إعادة الانتشار ” التي حاولت من خلالها الوزارة المنتدبة لدي رئيس الحكومة المكلفة بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة التأسيس لنوع من التوازن في توزيع الموظفين ما بين الإدارات العمومية والجماعات الترابية أو ما بين الإدارات المركزية لمختلف القطاعات الوزارية ومصالحها غير الممركزة ( ثانيا ) .

أولا: تثمين الموارد البشرية:

بالنظر لأهمية الموارد البشرية باعتبارها رافعة أساسية للنهوض بالإدارة العمومية ولإنجاح برامج تحديثها ، فقد إنصب الاهتمام في المغرب من طرف الجهات المختصة علي تطوير المنظومة القانونية لموظفي الإدارة العمومية وذلك من أجل تحسين وضعية الموظفين والرقي بجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين وتكييف منظومة تدبير الموارد البشرية مع المهام التي تضطلع بها الإدارة فهدف الانتقال من تدبير تقليدي للموارد البشرية إلى تدبير عصري يراعي الكفاءة ويثمن الاستحقاق والمردودية ، ومن أجل الوصول إلي هذه الغاية عملت الجهات المختصة في المغرب علي تكريس مجموعة من الميكانزمات والآليات الحديثة من أجل تدبير أفضل للموارد البشرية ويمكن تلخيصها في النقط التالية :

1- إعداد الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات :

يعتبر الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات من الوسائل الأساسية التي تساهم بشكل فعال في تدبير الموارد البشرية ، ويمثل هذا الأخير الوثيقة المعيارية التي تقوم كل إدارة بإنجازها بواسطة فريق عمل مختص لهذه الغاية ، من خلال تحليل وتشخيص لما تتضمنه كل وظيفة وتحديد الشروط التي يجب توفرها في الشخص المرشح لشغلها .

ويتم إعداد الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات علي مستويين المستوى الأولى مشترك بين القطاعات الوزارية حيث يتم إحداث لجنة مختصة ومشتركة تترأسها وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة وتتكلف هذه اللجنة بتنسيق أعمال مختلف القطاعات الوزارية والمصادقة علي الأشغال التي تم إنجازها ، أما المستوى الثاني فيتم إعدادها بشكل قطاعي من خلال تعيين فريق عمل مختص لأعداد الدليل المرجعي من أجل التأسيس لتدبير منهجي وتوقعي للموارد البشرية [3] .

2- تعميم الدليل المنهجي للتدبير التوقعي للوظائف والكفاءات :

الدليل المنهجي هو عبارة عن مجموعة من المعارف والمناهج والتقنيات التي تمكن الجهات المسؤولة عن تدبير الموارد البشرية علي مستوى القطاع العمومي من الأساليب الضرورية لإعداد الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات، وقد عملت وزارة تحديث القطاعات العامة علي إنجاز الدليل المنهجي للتدبير التوقعي للكفاءات البشرية ، بمساعدة جهات أجنبية تمثلت في مجموعة من الخبراء الدوليين إلي جانب أعضاء لجنة الإشراف المشتركة بين الوزارات التي تعمل علي إعداد الدلائل المرجعية ، وقد عملت الوزارة علي تعميم هذا الدليل علي مختلف الإدارات العمومية من أجل التأسيس ، لمرجعية واحدة في هذا المجال ، ونظمت تحت تأطير مجموعة من الخبراء الدوليين وبتمويل من البنك الدولي والإتحاد الأوروبي عدة لقاءات ومدارسات لتمكين المسؤولين عن تدبير الموارد البشرية من تقنيات التدبير التوقعي المعتمدة دوليا في هذا المجال [4] .

3- المرجع المشترك لتدبير الموارد البشرية :

تهدف وزارة تحديث القطاعات العامة ( وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة حاليا ) من إنجاز المرجع المشترك لتدبير الموارد البشرية ،تحقيق مجموعة من الأهداف التي تتمثل أساسا في التأسيس لمجموعة من الآليات التي من شأنها توحيد المفاهيم وقواعد التدبير وتحسين جودة المعطيات ،بالإضافة إلي الاستجابة لمتطلبات الجهات المشرفة علي تدبير الرأسمال البشري ، وذلك بوضع مرجع لتدبير الموارد البشرية علي الموقع الإلكتروني الخاص بالوزارة منذ فاتح فبراير 2010 ويتضمن هذا المرجع مجموعة من الدلائل .

دليل خاص بالمفاهيم وهو عبارة عن مجموعة من البطائق التي تم تجميعها لوصف المفاهيم المتداولة في مجال تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية المكونة من التعريف والمراجع المتعلقة بالنصوص القانونية والتعاليق المحتملة لفهمها ، ثم الدليل الخاص بالمساطر الإدارية في تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية، بالإضافة معجم مشترك لإبراز وصف تقني للمعطيات المشتركة المستعملة في نطاق تدبير الموارد البشرية [5].

ويمكن القول أن الهدف من وضع المرجع المشترك بين الإدارات العمومية في مجال تدبير البشرية هو من أجل تأمين تقسيم فعال للوظائف من شأنه أن يتدارك الأخطار المحتملة [6] .

ثانيا: برنامج ” إعادة الإنتشار”

كآلية لتدبير الموارد البشرية:

علي إثر الوضعية التي تعيشها الإدارة المغربية والمتجسدة في سوء توزيع الموارد البشرية وغياب تدبير معقلن لهذه الموارد كل هذه العوامل دفعت بالجهات المختصة إلي تهيئ برنامجا أطلقت عليه ” إعادة الإنتشار ” ، وكان الهدف من وراء هذه البرنامج هو تبسيط وتيسير مختلف المقتضيات التنظيمية المرتبطة بنقل الموظفين وإعادة تعيينهم وإلحاقهم مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الترابي والبعد المشترك بين القطاعات إذن حرى نبا أن نتساءل عن الإطار القانوني المنظم لهذا البرنامج ، ثم أين تجسدت تطبيقاته ؟ وكيف يمكن تقييمه ؟

1- الإطار القانوني لبرنامج إعادة الإنتشار :

لم يظهر مفهوم ” إعادة الإنتشار ” في مصطلحات قطاع الوظيفة العمومية ، إلا بعد صدور الفصلين 38 مكرر و38 مكرر مرتين من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية [7] ، المتعلقين بحركية موظفي الدولة بهدف توسيع مجال انتقال الموظفين ما بين المؤسسات العمومية والجماعات الترابية ، وذلك في إطار حركيتهم سواء من إدارة عمومية إلي جماعة ترابية أو العكس .

وقد أضافت التعديلات الجديدة التي لحقت النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية إمكانية تخويل الموظفين المنقولين تعويضا إذا كان قرار الإلحاق سيؤدي إلي تغيير محل إقامة الموظفين ، كما أشار الفصل 38 مكرر مرتين من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية أنه في حالة تحويل مصالح من إدارة عمومية إلي إدارة أخرى أو في حالة لا تركيز أو لا مركزية إحدى المصالح فإن الموظفين المنتمين لهذه المصالح ينقلون أو يلحقون بصورة تلقائية .

2- وضعية الإلحاق كصورة من صور إعادة الإنتشار :

لقد تم تنظيم وضعية الإلحاق في الفصول من 47 إلي 53 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ، حيث أشار الفصل 47 إلي أنه يعتبر الموظف في وضعية الإلحاق إذا كان خارجا عن سلكه الأصلي مع بقائه لهذا السلك ومتمتعا بحقوقه في الترقية والتقاعد ويعتبر الإلحاق إحدى الوضعيات الأربع التي يمكن أن يكون فيها الموظف وقد تمت الإشارة في التعديل الجديد لقانون الوظيفة العمومية في الفصل 48 إلي قائمة الإدارات والهيئات التي يمكن إلحاق الموظفين إليها .

كما تم تحديد القواعد المتعلقة بإعادة إدماج الموظفين الملحقين ، حيث أن الموظف الملحق الذي يرجع إلي إدارته الأصلية لأي سبب غير ارتكابه لهفوة في مزاولة مهامه والذي لا يمكن إعادة إدماجه في سلكه الأصلي بسبب عدم وجود منصب شاغر مطابق لدرجة الموظف في إطاره الأصلي ، يستمر في تقاضي أجرته المطابقة لوضعيته النظامية خلال السنة الجارية من الإدارة التي كان ملحقا بها حسب ما أشار إليه الفصل 51 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية .

3تقييم  برنامج إعادة الإنتشار  .

تميزت عملية توزيع أو إنتشار موظفي الدولة ما بين القطاعات الوزارية بعدم التطابق والتوازن بين المهام الموضوعة من أجلها والموارد المرصودة لها ، فمن خلال الإطلاع علي مختلف بيانات توزيع موظفي الدولة يلاحظ عدم وجود توازن بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة ، بالإضافة إلي هذا المشكل ظهرت مجموعة من التحديات الأخرى والمرتبطة أساسا بتعدد الأنظمة الأساسية والخاصة بمجال الوظيفة العمومية وكثرة الدرجات ، كل هذه العوامل وغيرها ساهمت بشكل مباشر في إفشال مشروع إعادة انتشار موظفي الدولة في مجال الوظيفة العمومية .

وفي إطار الدور الجديد للدولة ومتطلبات اللامركزية وعدم التركيز الإداري والوعي المتزايد للمرتفقين للحصول علي خدمات جيدة وبالسرعة المطلوبة ، تضل عملية إعادة الإنتشار دعامة أساسية لتحديث وتطوير الإدارة المغربية وعاملا محوريا في تنمية الكفاءات البشرية وتطوير مهاراتها التقنية والعمل علي التأسيس لذلك في التعديلات التي ستلحق المنظومة القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية وبمجال الموارد البشرية بشكل عام .

لائحة المراجع:

1- مراجع باللغة العربية :

– إبراهيم كومغار ، المرافق العامة الكبري علي نهج التحديث ، الطبعة الأولى 2009 .

– عبد الله العبدلي ” تأهيل الموارد البشرية في الإدارة العمومية ، دولة الإمارات نموذجا ” رسالة لنيل دبلوم – الدراسات العليا المعمقة في القانون العام جامعة محمد الخامس ، أكدال ، 2002-2003 .

– حصيلة منجزات وزارة تحديث القطاعات العامة 2010-2011 ، نونبر 2011 .

– الظهير الشريف رقم 1.58.008 المؤرخ في 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأٍساسي العام للوظيفة العمومية .

2- مراجع باللغة الفرنسية :

– MMSP : realization d’une nomenclature commune de classification des employs : rapport de la phase 1 .

– MMSP : nomenclature commune de classification des employs de l’administration publique : rapport de la phase 3 .


[1] – عبد الله العبدلي ” تأهيل الموارد البشرية في الإدارة العمومية ، دولة الإمارات نموذجا ” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، جامعة محمد الخامس أكدال ، 2002 – 2003 ص ، 22 .

[2] إبراهيم كومغار ، المرافق العامة الكبرى علي نهج التحديث ، ص 291 .

[3] Ministere de la modernization des secteure public : realization d’une nomenclature commune de classification des empli\ois : rapport de la phase 1 : p13 .

[4] حصيلة منجزات وزارة تحديث القطاعات العامة 2010-2011 ، ص 17 .

[5] – نفسه ، ص 23 .

[6] – MMSP : nomenclature commnune de classification des employs de I’administation publique : rapport de la 3 : p3 .

[7] الظهير الشريف رقم 1.58.008 المؤخر في 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading