قراءة في دور المراكز الجهوية للاستثمار على ضوء القانون رقم 47.18

د . عمر قواديــر

دكتور في الحقوق

باحث في القانون والعلوم الإدارية

تعد المراكز الجهوية للاستثمار مرآة تعكس الخطط والبرامج التي تقدمها الدولة لجذب وتشجيع الاستثمار، والتي تختلف من بلد إلى آخر، كل بحسب السياسة الاقتصادية التي ينتهجها، فإذا انصبت السياسة الاستثمارية بالأساس على تشجيع الاستثمار في المشاريع المنتجة فإنه بلا شك ستحقق الدول الهدف المرجو من التشجيع.

بهذا فالدولة لم تعد تحتكر عملية الاستثمار والهيمنة على القطاعات التقليدية التي أصبحت أنشطة اقتصادية خاضعة لقانون السوق والفعالية في التدبير بعيدا عن تدخل الدولة.

وبالتالي فالامتيازات التي أضحت تحظى بها المراكز الجهوية للاستثمار لا تشكل وزنا فعالا في قرار الاستثمارات، ليس لكونها خاضعة فقط لامتياز قانوني ما، ولكنها خاضعة أيضا للمحيط الاقتصادي والاجتماعي ثم السياسي. وتبقى بذلك التحفيزات المقدمة في هذا المجال من شأنها التأكد على اعتراف الدولة بأن الاستثمار هو البديل لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التنمية بشكل عام، كما أن الإدارة تعتبر المتغير الحاسم في تلك التعبئة.

فمن ثم تكون للعلاقة بين التنمية والإدارة والمستثمرين طابعها الجدلي الذي يفرض ضرورة تطوير أدوات العمل الإداري المحددة في استحضار البعد العالمي للاقتصاد، وضرورة استيعاب خصوصيات المرحلة المحتكمة إلى ضرورة تفعيل كل الإمكانات المتاحة لأجل الدفع بالاستثمار. ومن ثم وجب التفكير في إعادة النظر بخصوص دور المراكز الجهوية للاستثمار بشكل شمولي، سواء من حيث الاختصاصات أو اتخاذ القرارات مع تتبع المشاريع الاستثمارية، وهو ما سنعمل على بحثه من خلال مقتضيات القانون رقم 47.18.

كما أن سياسة التدبير اللامتمركز للاستثمار تقوم على تدعيم المجال المحلي والجهوي على اعتبار أن قرار الاستثمار هو عملية تتخذ بناءا على أسباب وعوامل هي بالدرجة الأولى محلية وجهوية، لهذا جاءت الرسالة الملكية الموجهة للوزير الأول في 09 يناير2002 حول التدبير اللامتمركز للاستثمار، حيث تم التنصيص على إحداث المراكز الجهوية للاستثمار كمؤسسة جهوية تهتم بالاستثمارات الوطنية والأجنبية، لذا تم وضع سياسة ترمي إلى تبسيط المساطر الإدارية، وبالخصوص الإجراءات المتبعة من أجل خلق المقاولة، وبالتالي المساهمة في تطوير الاستثمار العمومي والأجنبي.

وبالموازاة مع ذلك ولهذا الغرض تمت مراجعة هذه الأخيرة من خلال منحها بعض الاختصاصات والصلاحيات، وهو ما جاء به القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.19.18 في الجريدة الرسمية عدد 6754، بتاريخ ( 21 فبراير 2019)، يتبين مما تقدم، أن الجهاز الإداري المغربي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى للعمل وفق منظور قائم على مبدأ التشارك والتعاون مع المستثمر كضرورة لأجل إعادة تكييف المنظومة الإدارية مع متطلبات التسيير الحديث والفعال، اعتمادا على منظور الإدارة المجاورة Administration de proximité et de synergie، فبعد رجوعنا لكل من الإطار القانوني والمؤسساتي للاستثمار، وجدنا أنفسنا نتساءل حول دور المراكز الجهوية للاستثمارات في تحقيق التنمية؟ خاصة بعد صدور القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح هذه المراكز، وبالتالي الإجابة عن نقط قوتها ومكامن ضعفها من خلال قراءة في دور المراكز الجهوية للاستثمار على ضوء مستجدات هذا القانون.

حيث أن هذه الأخيرة أصبحت بمثابة مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي وتخضع لأحكام القانون رقم 47.18، كما أنه يطابق النفوذ الترابي لكل جهة من جهات المملكة  مركزا، يحدد مقره داخل النفوذ الترابي للعمالة أو الإقليم مركز للجهة، خاضعة لوصاية الدولة التي يكون الغرض منها العمل على احترام الأجهزة المختصة بالمراكز لكافة مقتضيات هذا القانون.

الفقرة ألأولى:  اختصاصات المراكز الجهوية للاستثمار على ضوء مستجدات القانون رقم 47.18:

تعتبر المراكز الجهوية للاستثمار أهم ميكانيزمات التدبير الاقتصادي والهادفة إلي تديل كل الصعاب والعراقيل التي تواجه المقاولين والفاعلين في مجال الاستثمار، حيت أن تجسيد هذه الإستراتيجية يتضح من خلال العمل على تسهيل سبل خلق المقاولات والعمل على مواكبتها ومؤازرة كافة المشاريع الاستثمارية إلى حين استكمال البنيات الأساسية لكل مشروع على حدة [1].

كما تضم المراكز الجهوية للاستثمار جميع الإدارات المختصة المتدخلة في إنشاء المقاولات، ولا سيما المكتب المغربي للسلطة الصناعية والتجارية، المحكمة التجارية، المديرية الجهوية للضرائب، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ثم المطبعة الرسمية وكذلك مصلحة تصحيح الإمضاء.

وتعتبر هذه الأخيرة مرفقا للدولة يسير بطريقة مستقلة، بحيث يعد كل من الوالي ومدراء المراكز آمرين بالصرف، كما أن هذه المراكز تنشئ بقرار مشترك لكل من وزير الداخلية ووزير المالية والتجارة والصناعة بناءا على اقتراح من والي الجهة المعين [2]، ولعل السبب وراء منح الوالي رئاسة هذه المراكز راجع للحد من الطابع الصارم الذي يغلب على تعامل الإدارة المغربية مع مثل هذه الملفات المتعلقة أساسا بالاستثمار [3].

ويتولى الإشراف على المركز موظف سام من رتبة مدير للإدارات المركزية، يعين بظهير ملكي ضمانا للاستقلالية، يساعده في ذلك مجموعة من الأطر دوي الاختصاص الإداري والقانوني المتنوع في الميادين القانونية المتعلقة بالاستثمار والاقتصاد الجهوي والمحلي، ويتوقف على هؤلاء نجاح أو فشل المركز في أداء الوظيفة الأساسية المنوطة به قصد تحقيق الاستثمار الجهوي.

من هذا المنطلق، تضل المراكز الجهوية للاستثمار صلب الهدف الاستراتيجي للتدبير اللامتمركز للاستثمار وفق مضامين المفهوم الجديد للسلطة في بعده السياسي والاقتصادي والاجتماعي [4]، لهذا جاء القرار الملكي الرامي إلى إنشاء المراكز الجهوية للاستثمار والذي سجل فعلا منعطفا هاما في مظهر السلطة العامة بالنسبة للعملية الاستثمارية، من خلال وضع حد لتصلب مختلف المصالح الإدارية تجاه قرارات الاستثمارات الوطنية والأجنبية [5].

يعد تحسين ظروف استقطاب الاستثمارات في القطاعات ذات الأولوية والمردودية العالية، وتقريب الإدارة من المواطنين في مجال الاستثمار ومباشرة مشاكل وحاجيات المستثمر، وتفعيل الجهة في جل الميادين من أهم أهداف المراكز الجهوية للاستثمار انطلاقا من مضمون نص الرسالة الملكية، كل ذلك قصد امتصاص أكثر لنسبة العطالة في الأفق والرفع من نسبة النمو.

هكذا تم إحداث مراكز جهوية للاستثمار في مجموع ربوع التراب الوطني، وبذلك شكل خلق هذه المراكز نقلة نوعية لمشروع التبسيط الإداري وإزاحة العقبات التي تعترض سبيل المستثمر، الذي سيجد رهن إشارته المخاطب الوحيد والمكان الأقرب الموحد والوثيقة الموحدة لإنشاء مقاولته أو تنمية الاستثمار، سواء أثناء إنشاء مقاولته أو حين مباشرته للعملية الإنتاجية. لأجل ذلك تقوم هذه الأخيرة تقديم كافة الخدمات المتعلقة بخلق المقاولة ومواكبتها أولا، ثم تقديم الدعم الإداري والتحفيز الاقتصادي للمستثمرين ثانيا.

أولا – تقديم كافة الخدمات المتعلقة بخلق المقاولة ومواكبتها:

يواجهون المستثمرين المغاربة والأجانب على حد سواء، والراغبين في إنشاء مقاولة أو مشروع، لا محالة مجموعة من الصعوبات والعراقيل خاصة فيما يخص الحصول على الرخص اللازمة للوصول إلى مبتغاهم، وما يتطلبه ذلك من جهد ومصاريف عبر التوجه إلى عدة إدارات متباعدة فيما بينها للحصول على الرخصة، حتى أن بعضهم كان يتخلى عن المشروع لهذه الأسباب، وما تتطلبه من مصاريف ووقت [6].

وللتغلب على هذه العراقيل والتقليل منها، فقد تدخل الملك ليؤكد في خطابه السامي على ضرورة العمل لأجل إعادة تنظيم علاقات الإدارة بالمستثمرين وفق منظور جديد وعلى أسس واضحة وشفافة، وإرساء الأجهزة الملائمة لإنعاش الاستثمار على الصعيد الوطني والإقليمي والعمل على تنظيمها وتحديد اختصاصاتها، بما يؤهلهم للقيام بدور المخاطب الوحيد المدرك لأهمية الرهانات المطروحة في هذا المجال الحيوي، والكفيل بتذليل العقبات وتيسير مختلف العمليات المرتبطة بالاستثمار، وتنفيذا لتوجيهاته السامية ومن خلال إحداث المراكز الجهوية للاستثمار التي تنسجم مع التصور الجديد لإدارة القرب [7]، حيث يضطلع شباك المساعدة على تأسيس المقاولات باعتباره المخاطب الوحيد للأشخاص الذين يرغبون في إنشاء المقاولات بجملة من المهام، إذ يضع رهن إشارتهم مطبوعا موحدا يتضمن كل المعلومات القانونية والضرورية لإحداث أي مقاولة. هذا ما أكدت عليه المادة 4 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.19.18 الصادر في 13 فبراير 2019.[8]

تعد بذلك المراكز الجهوية للاستثمار خطوة لتحقيق نوع من التواصل الايجابي بين الإدارة ومحيطها الاقتصادي، وتجعلها أكثر استجابة لمطالب القوى الإنتاجية عبر مركزة مساطر الحصول على التراخيص الضرورية وإزالة العراقيل التي كانت تعيق مشاريع الاستثمار[9]، وهو ما يجب أن يترجم من خلال تقليص مدة منح التراخيص وبالأساس عبر فعالية اكبر في  تعيين الموارد العمومية الكفيلة بتنمية وتطوير الجهة، ذلك أن إعمال النموذج اللامركزي واللاممركز في التعامل مع ملفات المستثمرين يستجيب لضرورة تحفيز بطء الإدارة الاقتصادية وعدم فعاليتها، واعتماد السرعة في الانجاز باعتباره المؤشر الحقيقي لإصلاح وعصرنة الإدارة [10]، ومن ثم إنعاش الاستثمار والنهوض به، ولتحقيق كل ذلك تعمل المراكز الجهوية للاستثمار على عدة مراحل أساسية منها:

– تجميع الإدارات المعنية بإحداث المقاولات مع تحديد مدة زمنية أقصاها أسبوع واحد للقيام بجميع الإجراءات المتعلقة بإحداث المقاولة، وذلك في سياق تسريع العمل الإداري وإنعاش الاستثمار وإعطاء صورة عن إدارة الشفافية والجاهزية والحيوية، وإحداث قطيعة حقيقية وايجابية مع الأشكال والممارسات السابقة؛

– القيام عن بعد بجميع الإجراءات المتعلقة بإحداث المقاولة؛

– اعتماد رقم استدلالي موحد Identifiant unique لجميع الإدارات، كما أن جميع الإدارات المعنية بإحداث المقاولات ممثلة بشباك المساعدة على إحداث المقاولات ؛

– تقديم خدمات لفائدة المستثمرين ومواكبة المقاولات المتوسطة والصغرى والصغيرة جدا، من خلال تقديم المساعدة للمستثمرين في القيام بالمساطر والإجراءات الإدارية التي يستلزمها إحداث مقاولاتهم، خاصة منها  المتوسطة والصغيرة ثم الصغيرة جدا، عن طريق تلقي ملفات الاستثمار وطلبات التراخيص والقرارات الإدارية، ثم دراستها وإعداد القرارات الضرورية بشأنه.

كما أنها تسهر على تقديم الاستشارة والمساعدة اللازمة للمقاولات الصغيرة طيلة فثرة مزاولة هذه الأخيرة لنشاطها، مع السهر على نزع الصفة المادية عن المساطر والإجراءات المتعلقة بدراسة ملفات مشاريع الاستثمار. إلى جانب تطوير منصات إليكترونية مخصصة للاستثمار على الصعيد الجهوي. قصد وضع كافة المعلومات ذات الطابع العمومي، بكل الوسائل المتاحة، رهن إشارة المستثمرين والمقاولات.[11]

يبدو بأن الحاجة إلى شباك وحيد تظهر أكثر واقعية على المستوى الترابي منها على المستوى المركزي، نظرا لتواجد مختلف المكاتب على هذا المستوى، وارتباط المستثمرين وتوجيههم إليها باستمرار، والقيام بهذه التجربة على أحسن وجه، حيث منح للوالي دور خاص باعتباره أعلى سلطة ترابية وممثل الدولة بصفة عامة في مواجهة المصالح اللامتمركزة، وكذا الجماعات الترابية والقطاع الخاص. بالإضافة إلى كونه رئيس اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار.[12]

يتعين في هذا الصدد أخد موافقة وتأشيرة الوزارات الوصية، وأن يقوموا باستثمار كل الوسائل التقنية والبشرية للنهوض بهذا المشروع الإصلاحي، ونشير كذلك إلى أن المخاطب الوحيد يتطلب أيضا الأخذ بعين الاعتبار المساطر النابعة من اختصاص الجماعات الترابية، إذ أن إدارة التنسيق بين هذه الأخيرة والدولة أضحى أمرا ضروريا لنجاح الشباك.

ثانيا- تقديم الدعم الإداري والتحفيز الاقتصادي للمستثمرين:

يضل تحقيق الإصلاح الاقتصادي رهين بمدى دمقرطة الإدارة وجعلها أداة فعالة في خدمة المستثمر، وتقديم الدعم والمساعدات للمستثمرين وتزويدهم بكافة المعلومات الممكنة حول الإمكانات المتوفرة في الجهة بمختلف القطاعات والعقارات المتاحة بها، وكذا كلفة ومعاملات الإنتاج والإجراءات القانونية الواجب إتباعها لتمكين المستثمر من اتخاذ قرار الاستثمار وتنمية مشروعه الاستثماري في أحسن الظروف.

ومن بين أهم الأدوار التي يضطلع بها شباك مساعدة الاستثمار، إيجاد الشروط الملائمة لدعم الاقتصاد الجهوي وتحقيق تنمية متوازنة من خلال التوجه نحو القطاعات التي بإمكانها جدب المستثمرين وتحقيق إقلاع حقيقي للاقتصاد الجهوي (السياحة، التقنيات الجديدة للمعلومات والاتصال…)، وبهذا الصدد فإن المستثمرين الوطنيين أو الأجانب سيجدون أمامهم كل المعلومات المتعلقة بمناخ الاستثمار.

هكذا، فان شباك مساعدة المشاريع الاستثمارية يتولى في الأصل مهمة:

* تزويد المستثمرين بكل ما يفيده من معلومات بشان الاستثمار الجهوي؛ من خلال وضع المعلومات ذات الطابع العمومي، بكل الوسائل المتاحة، خاصة منها المعطيات والإرشادات المتعلقة بإمكانية الجهة والإطار القانوني الذي ينظم الاستثمارات وأهم قطاعات الأنشطة بالجهة؛

* إعداد كتيبات تتضمن المساطر الإدارية والإجراءات الواجب القيام بها، وتحدد لائحة الوثائق الواجب الإدلاء بها قصد الحصول على التراخيص المطلوبة لإنجاز المشاريع الاستثمارية؛

* ثم دليل يتضمن المنظومة المحفزة عن الاستثمار في مختلف القطاعات؛[13]

* دراسة كل طلبات الترخيص الإداري أو تحضير جميع الوثائق الإدارية الضرورية لإنجاز مشاريع الاستثمار، في كل من قطاع الصناعة والتصنيع الفلاحي والمعادن والسياحة والصناعة التقليدية والسكن، كذلك بالنسبة للمشاريع المقدرة بما دون 200 مليون درهم، وذلك حتى يتمكن والي الجهة من تسليم التراخيص، أي توقيع القرارات الإدارية المتعلقة بالاستثمار؛

* دراسة مشاريع العقود أو الاتفاقيات التي ستبرم مع الدولة من أجل تمكين المستثمرين من امتيازات خاصة بالنسبة للاستثمارات المتعلقة بالقطاعات المذكورة سابقا، والتي تساوي أو تفوق مبلغ 200 مليون درهم، والقيام بتوجيهها إلى السلطة الحكومية المختصة من أجل المصادقة والتوقيع عليها من لدن الأطراف المتعاقدة، ويقوم الوالي في حدود اختصاصاته بإعداد وتنفيذ الاتفاقية التي يتكفل بتنفيذها [14]؛

* تتبع الاتفاقيات المتعلقة بتهيئة المناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية وتطويرها؛

* اقتراح الحلول التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين المستثمرين والإدارات؛

وفيما يخص دائما الدعم الإداري تحفيز المستثمر من خلال تسوية النزاعات والخلافات القائمة بين المستثمر والإدارة بطرق حبية وودية، من خلال القيام بمساعي التوفيق، بناء على رغبة المستثمرين، قصد التوصل إلى تسوية ودية لخلافهم مع الإدارات والهيئات العمومية المعنية خلال إنجاز مشاريع الاستثمار أو استغلالها.

وفي حالة عدم تسوية الخلاف، يرفع المركز اقتراحاته إلى والي الجهة قصد التوصل قدر الإمكان إلى حل توافقي وذلك في إطار احترام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.[15]

كما يتعين على كل من السلطات الحكومية في إطار تنفيذ السياسات العمومية المتعلقة بالاستثمار، أن تطلع المراكز الجهوية للاستثمار على كل إستراتيجية وطنية قطاعية أو بين قطاعية وعلى كافة التوجهات العامة وبرامج ومشاريع التنمية التي تقررها لإنعاش الاستثمار.

كما يجب أيضا على كافة الإدارات والهيئات العمومية والجماعات الترابية المعنية موافاة المركز، بناء على طلب منه بكافة المعطيات والمعلومات وكذا الوثائق التي تتوفر عليها والتي تعتبر ضرورية للقيام بمهامه.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم منح شباك مساعدة المستثمرين صلاحيات قانونية وتنظيمية لاتخاذ القرارات الإدارية اللازمة لإنجاز استثمارات، نيابة عن أعضاء الحكومة المختصين أو بتفويض منهم دون إعفاء الحكومة من مسئوليتها في هذا الإطار[16].

والى جانب الشباكين السابقين، تتوفر المراكز الجهوية للاستثمار على قسم يتكلف بالتفكير في القطاعات الواعدة والإصلاحات التي تفرضها العولمة، وتهيئ وضع الإجراءات لتحسين جاذبية الجهة للمشاريع الاستثمارية، هذا ما بدأ يتحقق فعليا مع مطلع دستور2011، بعدما تمت دسترة الجهوية رسميا ولما منحها من اختصاص في مجال الاستثمار بالإضافة إلى القانون، رقم14.111، و14.112 ثم14.113، وكذا متابعة الملفات القطاعية كالسياحة، النسيج والخدمات، هذا ما يشير إليه الفصل الثاني المتعلق بوضعية الاستثمار العمومي والأجنبي بشيء من التفصيل.

الفقرة الثانية: عجز القانون رقم 47.18 في معالجة مكامن ضعف المراكز الجهوية للاستثمار.

لقد كانت الغاية من إحداث المراكز الجهوية للاستثمار تبسيط الإجراءات الإدارية التي يتعين انجازها، لكن يلاحظ من خلال دراسة القانون المنظم لهذه المؤسسة، أن هناك جملة من المعوقات وبعض مكامن الضعف التي تحد من فعاليته والتي قد تحول دون تحقيق هذه المراكز الغاية المرسومة لها، ما لم يجيب عنه القانون رقم 47.18 بشكل دقيق، ونجد من ضمن هذه الثغرات :

* عدم وجود نص تنظيمي يلزم المقاولين بالمرور عبر المراكز الجهوية للاستثمار لتأسيس مقاولاتهم مما يجعل البعض يلجئ إلى المسطرة القديمة بغية التهرب من التصريح بالإجراء لدى صندوق الضمان الاجتماعي، وأداء ما يترتب عن ذلك من مساهمات، وينتج عن ذلك أن المركز يصبح غير قادر على توفير إحصائيات دقيقة عن خلق المقاولات.

* أن المشرع لم يرتب أي مسؤولية على المراكز الجهوية للاستثمار، فإذا ما ارتكبت خطا فلا يمكن أن تكون مسؤوليتها محل إثارة، حيث أن المسؤولية تقع على المصرح دون المركز، فلا يعتبر المصرح في منأى عن متابعة مراحل تأسيس شركته بمجرد إيداع الوثائق وقبولها من المركز بعد فحصها، بل عليه متابعته شخصيا لكافة الشكليات التي يقوم بها المركز لحسابه.

كما أن هذه المراكز تخضع للمراقبة المالية للدولة التي يمارسها مندوب للحكومة يعينه الوزير المكلف بالمالية، ويتولى بذلك مراقبة أنشطة المركز والسهر على تقيد هذا الأخير بكافة الأحكام التشريعية التي تخضع لها كافة الأنشطة.

كما يتمتع مندوب الحكومة بحق المراقبة والاطلاع الدائم، ويحضر كافة اجتماعات مجلس الإدارة واجتماعات اللجن المحدثة في حضرته بصفة استشارية.

كما أصبحث هذه المراكز تخضع في مراقبتها الآنية إلى بنية للمراقبة الداخلية، من خلال عمليات التدقيق المنتظمة، والسهر على تقيد مختلف أجهزة المراكز ومصالحها إلى كافة المساطر والمعايير التي تخضع لها أنشطتها، مع ضرورة  وضع رهن إشارة مراكز التدقيق المحدثة في شكل شركة مقيدة في جدول هيئة الخبراء المحاسبين قصد البث في جميع حسابات المراكز، مع تقديم تقرير مفصل بذلك على أنظار مجلس الإدارة [17].

* تعدد الرسوم والحقوق المفروضة على إحداث المقاولات مما يجعل من الصعب التعرف المسبق عليها.

إن المراكز الجهوية للاستثمار تلعب فقط دور الوسيط بين المصرح وباقي الجهات الإدارية الأخرى، كإدارة الضرائب وكتابة الضبط ومؤسسة الضمان الاجتماعي، فهذه المؤسسات الأخيرة هي التي تقوم فعليا بفحص الوثائق والتأكد من مدى صحتها، كما تسجل بطء المراكز الجهوية للاستثمار في إرسال التصريحات للجهات الإدارية المعنية، ويترتب عن ذلك تأخير مسطرة تأسيس الشركة [18].

* غياب صيغة متفق عليها تحدد بمقتضاها تسعيرة النشر بالجريدة الرسمية، والتي لا تتوفر على تمثيل على الصعيد الجهوي مما يعرقل من محاولات التقليص من المدة الزمنية التي تقتضيها عملية النشر.

* عدم توفر بعض الإدارات المشاركة في عملية خلق المقاولات على نظام متطور للمعلوميات ولعناصر بشرية مؤهلة، مما يتسبب في طرح صعوبات على مستوى السرعة والدقة في انجاز الأعمال، وغياب إستراتيجية واضحة لتتبع مسار انجاز المشاريع المرخصة، بقصد تقديم الدعم اللازم للاستثمارات التي تصطدم بالعراقيل، إضافة إلى أنه يخشى أن تكون هذه المراكز مصدر التزامات إضافية، لأن المراقبة القانونية للتصريحات بجدية لا يتم إلا بعد استنفاذ المصرح لمشوار طويل، بشكل قد يجعل المقاولة في وضعية شاذة، كأن تسجل الشركة لدى إدارة الضرائب وأن لا تكون مسجلة بالسجل التجاري لاكتشاف كاتب الضبط خللا في الوثائق المقدمة، وهكذا سوف تكون الشركة قد أضاعت من الوقت ولأموال الشيء الكثير، لتكتشف في النهاية أنها لم تسجل بالسجل التجاري، ولم يتم الاعتراف لها بالشخصية المعنوية [19].

* افتقار تام للمعلومات العقارية الضرورية، وهذا راجع أساسا لانعدام تصميم للمعلومات الجغرافية لهذه الجهات، ومحدودية السلطات المخولة للولاة في الميدان العقاري خاصة مع تنوع الأراضي وأملاك الدولة، هذا ما لم يجيب عنه القانون رقم 47.18 رغم محاولة تداركه ذلك بعدما نص في الفقرة 9 من المادة 4 على ضرورة وضع خرائط للوعاء العقاري العمومي والمناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية المتوفرة داخل نفوذ المركز الترابي، والتي يمكن أن تحتضن مشاريع استثمارية منتجة ومحدثة لمناصب الشغل، أيضا تمكين المستثمرين من معطيات متعلقة بالموارد البشرية وإمكانية التمويل وفرص الشراكة والمساعدة الممكنة.[20]

وإذا كان الهدف المنشود من الإدارة هو المساهمة في الرفع من الفعالية العامة، فإن التطورات التي تعرفها البنيات الإدارية وخاصة إدارة الإستثمار الأجنبي ما فتئت تبرهن عن تخلفها عن مسايرة متطلبات الاستثمار، ولعل النموذج التالي يعكس الرحلة الطويلة التي يتعين على المستثمر المرور منها.

يتبين من خلال ما سبق، أن هناك سلسلة من الرخص الإدارية يتعين على المستثمرين الحصول عليها لأجل انطلاق مشاريعهم، فرحلة المستثمر الأجنبي في المغرب تبتدئ على مستوى القنصليات المغربية بالخارج المكلفة بمنح التأشيرات، وبالرغم من شكلية هذا الإجراء فإنه من وجهة نظر المستثمر تعتبر إضافة لتكاليف لا مبرر لها، إلى جانب الأساليب الإدارية المعمول بها التي تتسم بالتعقيد والبطء [21].

خاصة بعدما تمت إضافة اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار في القانون الجديد، حيث سيصبح تدخلها حصريا في جميع إجراءات التقييم المسبق للمشاريع الاستثمارية المعروضة عليها من الجانب الاقتصادي والاجتماعي والعمراني ثم البيئي، أيضا البث أو إبداء رأيها أو رأيها المطابق حسب الحالة، البت أيضا في طلبات تفويت الأراضي التابعة لأملاك الدولة الخاص أو كرائها …. إلخ، مما سيؤدي إلى تعدد المتدخلين وبالتالي العرقلة في بلوغ مرامي هذا القانون.[22]

ولعل أول صعوبة تعترض المستثمر هي صعوبة الحصول على الموافقة للانطلاق، حيث يجب عليه الانتظار لمدة 48 ساعة للحصول على شهادة الترخيص، كما نجد عائق المدة التي يقتضيها إجراءات تسجيل العقود المطلوبة لأجل التعريف بشكلها القانوني واكتسابها الشرعية، وهي تتطلب يومين إلى أربعة أيام.

أما إجراءات التسجيل في السجل التجاري بمكتب التسجيل فإنها  تتطلب أسبوعا على الأقل، وتظل مرحلة التهيئة أهم مرحلة وأصعبها، حيث يتوجب على المستثمر القيام بعدد من الإجراءات تجعله في دوامة الذهاب والإياب بين الأجهزة لأنه يصطدم بمسطرة تحرير مختلف الرخص من طرف الإدارات المعنية مدتها تزيد أحيانا عن شهرين من تاريخ طلب إصدار الرخصة [23]، أما مرحلة الحصول على رخصة البناء والتي تعتبر شرطا لإتمام باقي إجراءات  التهيئة والهدف منها التأكيد من جهة بمطابقة إقامة المشروع بالوثائق وقانون التعمير ومخالفة النصوص المرتبطة بها، سواء بالصحة أو البيئة،… الخ.

ومن جهة ثانية تقديم ضمانات لفائدة طالب الرخصة بمنحه بعض الحقوق التي تمكنه من بناء عقاره أو إدخال تعديلات على بناء قائم، لهذا تخضع الملفات لعدة إجراءات وترسل إلى عدة مصالح خارجية [24].

وتأتي بعد ذلك مرحلة ربط المشروع بالتجهيزات الأساسية التي تتطلبها العملية الإنتاجية، خاصة الإيصال والتزويد بالماء والكهرباء، (مدتها تصل إلى 45 يوما) وترتفع المدة والتكاليف كلما كان المشروع بعيدا عن المراكز الحضرية.  

مما سبق، نلاحظ أن تسجيل المقاولة يعتبر أكثر تعقيدا خصوصا بالنسبة للمستثمر الصغير والمتوسط، فالمراحل  التي يجب المرور منها تصل إلى تسعة مراحل، في حين أن الوثائق التي يجب الحصول عليها تقتضي تدخل خمسة أجهزة إدارية مختلفة على الأقل، وهذا ما يدفع بالمستثمر إلى البحث عن طرق موازية غير رسمية تساهم في تسريع مشروعه وتخفف من ضغط البيروقراطية، ولعل هذا ما دفع إلى المناداة بضرورة إنشاء مصلحة واحدة تجمع كل الاختصاصات والإجراءات التي يحتاجها المستثمر لإقامة مشروعه، بحيث تكون هذه المصلحة بمثابة المخاطب الرئيسي.

وتجدر الإشارة إلى الجوانب السلبية التي تعرفها سياسة الدولة في مجال التهيئة وغيرها من تعميم الاستفادة من التجهيزات الحيوية، وضمن هذا السياق تعتبر الوضعية السيئة للعديد من المناطق الصناعية بالمغرب تعبيرا واضحا عن الاختلالات المشار إليها، فعدد من المناطق تفتقر للطرق المعبدة وشبكات الاتصال والماء والكهرباء والتطهير مما يجعلها غير مؤهلة لاستقطاب أي استثمار.

إلى جانب كل ما سبق، نجد ضعف تكوين الموارد البشرية في المادة الاستثمارية، ويبرز في هذا السياق من خلال الواقع العملي للمراكز الجهوية للاستثمار، محدوديتها النسبية في تفعيل الصلاحيات المخولة لها، أضف إلى ذلك عدم تمكن هذه المراكز من إزالة الطابع الإداري لمسطرة المصادقة على المشاريع الاستثمارية [25].

وبالتالي، يعد ضعف نظام متابعة الاستثمارات من أبرز الأسباب التي تحد من فعالية سياسة إنعاش الاستثمار بهذه المراكز[26]، والتي يجب أن تنبني على التعاون النشيط بين المستوى الجهوي والوطني، إلى جانب ذلك يلاحظ ضعف التنسيق بين هذه المراكز ومديرية الاستثمارات بسبب تعدد المتدخلين في إنعاش الاستثمار، الشيء الذي يؤدي إلى تكرار الإجراءات الإدارية المطلوبة داخل الإدارة الواحدة، مما يدل على أن المستثمر قد يضطر لولوج نفس المرفق أكثر من مرة للحصول على وثيقة إدارية وتسليمها لأجهزة إدارية أخرى، وكذا عدم وجود مؤسسة متخصصة وفعالة توحد صلاحيات المؤسسات الحكومية المتدخلة في هذا المجال، كما يلاحظ عدم توفر شباك دعم المقاولات ومساعدة المستثمرين من خلال آليات عملية لفض النزاعات بين الإدارة والمستثمر.

عموما، فإذا كانت مسألة التنمية تقتضي العمل على تعبئة كل مكونات البلد الذاتية والبشرية، فيتحدد الجانب الأخر باعتبار الإدارة متغيرا حاسما في تلك التعبئة، ومن ثم تكون للعلاقة بين الإدارة والتنمية طابعها الجدلي الذي يفرض ضرورة تطوير أدوات العمل الإداري المحددة في اكراهات وأزمات التشغيل والبعد العالمي للاقتصاد، وضرورة استيعاب خصوصيات المرحلة المحتكمة إلى ضرورة تفعيل كل الإمكانات المتاحة لأجل الدفع بالاستثمار [27].

يتضح مما تقدم، أن الفصل بين تنمية الاستثمارات ومسألة إصلاح الإدارة وتحديثها هو في الحقيقة فصل تعسفي، ومن تم فالجهاز الإداري المغربي مدعو أكثر للعمل وفق منظور قائم على مبدأ التشارك والتعاون مع المستثمر الوطني والأجنبي، كضرورة لأجل إعادة تكييف المنظومة الإدارية مع متطلبات التسيير الحديث والفعال، مع الاعتماد على منظور Administration de proximité et de synergie الإدارة المجاورة [28]، خاصة وأن الإدارة ليست وسيلة فوق المجتمع، بل هي شريك كامل يلعب دورا تحفيزيا في المجتمع الحديث إذا توفرت فيه شروط الشفافية والاستقامة، وتحديد المسؤوليات ونشر قيم المعادلة والمحاسبة، وكذا تطبيق التدبير التشاركي الذي يهدف إلى تطوير استخدام الموارد البشرية وتدعيم قوة المنظومة الإدارية.

وما بينته دراسة هذا الموضوع السهل الصعب في نفس الوقت، أن دور المراكز الجهوية للاستثمار في تحقيق التنمية دورا جوهريا بحيث يشكل أداة الربط بين المستثمرين والإدارة بكافة مكوناتها، علما أن  الاستثمار لازال في شق طريقه الصحيح، كونه في طور البناء رغم حداثة القوانين الاستثمارية.

يبقى بذلك موضوع المراكز الجهوية للاستثمار، موضوعا ذو شجون عميق، يغري بالبحث والدراسة والتحليل والمقارنة، فهو بذلك يعد في نظرنا بمثابة تلك ” المعادلة السهلة الصعبة ” قصد تحقيق التنمية المنشودة والمستدامة في آن واحد.


[1] عبد العزيز الصقلي: ” قانون المنافسة المغربي “، سلسلة قانون الأعمال والقانون الاقتصادي، مطبعة سجلماسة، مكناس، 2005، ص: 27.

[2]  وتتجلى بعض قرارات الإنشاء في :

    –  قرار رقم 02.1462 بتاريخ 23 شتنبر 2002.

    –  قرار رقم 02.1523 بتاريخ 27 شتنبر 2002.

    –  قرار رقم 02.1505 بتاريخ 24 شتنبر 2002.

    –  قرار رقم 02.1520 بتاريخ 27 شتنبر 2002.

[3] Nazih AWAL  les walis : ” animateurs économiques une obligation de résultat, les temps du maroc “, n°317, novembre 2001; p :4.

[4] يتجلى البعد السياسي من خلال وضع الإدارة في خدمة المواطن، والبعد الاقتصادي في وضع الإدارة في خدمة المستثمر، أما البعد الاجتماعي فيتجلى في تحقيق التضامن والسلم الاجتماعي.

[5] Integración regional e inversión extranjera directa en las economías en desarrollo y en transición , Nota preparada por la secretaría de la UNCTAD, Junta de Comercio y Desarrollo, Comisión de la Inversión, la Empresa y el Desarrollo, Reunión multianual de expertos sobre inversión, innovación, e iniciativa empresarial para el fomento de la capacidad, productiva y el desarrollo sostenible, Primer período de sesiones, Ginebra, 28 a 30 de enero de 2013, Conferencia de las Naciones Unidas, sobre Comercio y Desarrollo, Distr. General,3 de diciembre de 2012, Español, Original: inglés.

[6] لحسين بيهي: ” الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربية “، مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الثانية، 2007، ص:204.

[7] Lailla TRIKI : ” casablanca, le guichet unique est pour 2001 “, la vie économique n°4097, 22-28 Décembre 2000, p :16.

[8] الجريدة الرسمية عدد 6754 – 15 جمادى الأخرة 1440 ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[9]Integración regional e inversión extranjera directa en las economías en desarrollo y en transición , Nota preparada por la secretaría de la UNCTAD, Junta de Comercio y Desarrollo, Comisión de la Inversión, la Empresa y el Desarrollo, Reunión multianual de expertos sobre inversión, innovación, e iniciativa empresarial para el fomento de la capacidad, productiva y el desarrollo sostenible, Primer período de sesiones, Ginebra, 28 a 30 de enero de 2013, Conferencia de las Naciones Unidas, sobre Comercio y Desarrollo, Distr. General,3 de diciembre de 2012, Español, Original: inglés.

[10] Jacques CHEVALIER,” L’accélération de l’action administrative “, Revue française de l’administration publique, n°84, Octobre / Décembre 1997 , p :593.

[11] المادة 4 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.19.18 الصادر في 13 فبراير 2019، الجريدة الرسمية عدد 6754 – 15 جمادى الأخرة 1440 ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[12] القسم الثاني من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[13] القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 835.

[14] Mustapha NASSIRI : ” Une véritable charte de développement régional ” L’Opinion, n°13400, du 15 Janvier 2002,p :1-2.

[15] هذا ما نصت عليه الفقرة ج من المادة 4، من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[16] تفويض السلطة إلى ولاة الجهات في إطار التدبير اللامتمركز للاستثمار تضمن المراسيم والقرارات : التالية

* مرسوم رقم 2.02.138 صادر في 20 من ذي الحجة 1422 (05 مارس 2002) بتغير وتتميم القرار الصادر في فاتح جمادى الأولى 1340(21 دجنبر1921) بتحديد طريقة تدبير شؤون الملك البلدي.

* مرسوم رقم 2.02.139 صادر في 20 من ذي الحجة 1422 (05 مارس 2002) يتعلق بالمصادقة على مداولات مجالس الجماعات القروية المتعلقة بملكها العام والخاص.

* مرسوم 2.02.185 الصادر في 20 من ذي الحجة 1422 (05 مارس 2002) بتغيير وتتميم رسوم الملكية رقم 330.60 بتاريخ 10 محرم 1387 (21 ابريل 1967) بسن نظام عام للمحاسبة العامة.

[17] المادة 23 و24 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق، الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة:  839 و840.

[18] لحسن بيهي: ” الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية بالمغرب “، مرجع سابق، ص: 206.

[19] محمد أنوار: ” الجهة والاستثمار – أية ازدواجية وأية حصيلة “، ماي/يونيو 2007، ص: 134.

[20] المادة 4 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[21] الكركار حورية: ” تطور النظام القانوني للاستثمار بالمغرب “، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط ،2003 – 2004، ص: 42.

[22] المادة 29 من القسم الثاني المتعلق باللجان الجهوية الموحدة بلاستثمار، القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[23] عمر قوادير، ” آليات تشجيع الاستثمار الأجنبي بالمغرب “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، مركز الدراسات في القانون والاقتصاد والتدبير، تخصص القانون والعلوم الإدارية، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، 2017 / 2018.

[24] عبد الله شنفار: ” الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية: دراسة سوسيو قانونية وتحليلية “، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ع 19، 2000، ص: 65.

[25] tarik karimi : ” les investissements arabes au maroc “, DESA.Universite Mohamed V, FSJES, Rabat, Agdal, 2005.p 137.

[26] فالإحصاءات تنصب فقط على الجانب المتعلق بالتأسيس أو بنية التأسيس ولا يتعدى ذلك من اجل التعرف على الأحداث الفعلية أو تصفية المقاولة بعد الفترة الموالية للإحداث، انظر :

” Rapoort. Examen de la politique de l’investissement du maroc 2006.confernce des nations unies sur le commerce et le developpement” .

[27] خليل الفاهي: ” المديونية والاستثمار – دراسة في تأثير المديونية على التوجه الاستثماري للدولة منذ التسعينات “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، جامعة الحسن الثاني ، كلية الحقوق عين الشق الدار البيضاء، 2004 – 2005، ص: 401.

[28] محمد يحي: ” السلطات الإدارية المستقلة وجدلية الانتقال الديمقراطي في المجال السياسي إلى الفضاء الإداري”، مجلة طنجيس، عدد 2، 2001، ص: 24  و25.

د . عمر قواديــر

دكتور في الحقوق

باحث في القانون والعلوم الإدارية

تعد المراكز الجهوية للاستثمار مرآة تعكس الخطط والبرامج التي تقدمها الدولة لجذب وتشجيع الاستثمار، والتي تختلف من بلد إلى آخر، كل بحسب السياسة الاقتصادية التي ينتهجها، فإذا انصبت السياسة الاستثمارية بالأساس على تشجيع الاستثمار في المشاريع المنتجة فإنه بلا شك ستحقق الدول الهدف المرجو من التشجيع.

بهذا فالدولة لم تعد تحتكر عملية الاستثمار والهيمنة على القطاعات التقليدية التي أصبحت أنشطة اقتصادية خاضعة لقانون السوق والفعالية في التدبير بعيدا عن تدخل الدولة.

وبالتالي فالامتيازات التي أضحت تحظى بها المراكز الجهوية للاستثمار لا تشكل وزنا فعالا في قرار الاستثمارات، ليس لكونها خاضعة فقط لامتياز قانوني ما، ولكنها خاضعة أيضا للمحيط الاقتصادي والاجتماعي ثم السياسي. وتبقى بذلك التحفيزات المقدمة في هذا المجال من شأنها التأكد على اعتراف الدولة بأن الاستثمار هو البديل لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التنمية بشكل عام، كما أن الإدارة تعتبر المتغير الحاسم في تلك التعبئة.

فمن ثم تكون للعلاقة بين التنمية والإدارة والمستثمرين طابعها الجدلي الذي يفرض ضرورة تطوير أدوات العمل الإداري المحددة في استحضار البعد العالمي للاقتصاد، وضرورة استيعاب خصوصيات المرحلة المحتكمة إلى ضرورة تفعيل كل الإمكانات المتاحة لأجل الدفع بالاستثمار. ومن ثم وجب التفكير في إعادة النظر بخصوص دور المراكز الجهوية للاستثمار بشكل شمولي، سواء من حيث الاختصاصات أو اتخاذ القرارات مع تتبع المشاريع الاستثمارية، وهو ما سنعمل على بحثه من خلال مقتضيات القانون رقم 47.18.

كما أن سياسة التدبير اللامتمركز للاستثمار تقوم على تدعيم المجال المحلي والجهوي على اعتبار أن قرار الاستثمار هو عملية تتخذ بناءا على أسباب وعوامل هي بالدرجة الأولى محلية وجهوية، لهذا جاءت الرسالة الملكية الموجهة للوزير الأول في 09 يناير2002 حول التدبير اللامتمركز للاستثمار، حيث تم التنصيص على إحداث المراكز الجهوية للاستثمار كمؤسسة جهوية تهتم بالاستثمارات الوطنية والأجنبية، لذا تم وضع سياسة ترمي إلى تبسيط المساطر الإدارية، وبالخصوص الإجراءات المتبعة من أجل خلق المقاولة، وبالتالي المساهمة في تطوير الاستثمار العمومي والأجنبي.

وبالموازاة مع ذلك ولهذا الغرض تمت مراجعة هذه الأخيرة من خلال منحها بعض الاختصاصات والصلاحيات، وهو ما جاء به القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.19.18 في الجريدة الرسمية عدد 6754، بتاريخ ( 21 فبراير 2019)، يتبين مما تقدم، أن الجهاز الإداري المغربي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى للعمل وفق منظور قائم على مبدأ التشارك والتعاون مع المستثمر كضرورة لأجل إعادة تكييف المنظومة الإدارية مع متطلبات التسيير الحديث والفعال، اعتمادا على منظور الإدارة المجاورة Administration de proximité et de synergie، فبعد رجوعنا لكل من الإطار القانوني والمؤسساتي للاستثمار، وجدنا أنفسنا نتساءل حول دور المراكز الجهوية للاستثمارات في تحقيق التنمية؟ خاصة بعد صدور القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح هذه المراكز، وبالتالي الإجابة عن نقط قوتها ومكامن ضعفها من خلال قراءة في دور المراكز الجهوية للاستثمار على ضوء مستجدات هذا القانون.

حيث أن هذه الأخيرة أصبحت بمثابة مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي وتخضع لأحكام القانون رقم 47.18، كما أنه يطابق النفوذ الترابي لكل جهة من جهات المملكة  مركزا، يحدد مقره داخل النفوذ الترابي للعمالة أو الإقليم مركز للجهة، خاضعة لوصاية الدولة التي يكون الغرض منها العمل على احترام الأجهزة المختصة بالمراكز لكافة مقتضيات هذا القانون.

الفقرة ألأولى:  اختصاصات المراكز الجهوية للاستثمار على ضوء مستجدات القانون رقم 47.18:

تعتبر المراكز الجهوية للاستثمار أهم ميكانيزمات التدبير الاقتصادي والهادفة إلي تديل كل الصعاب والعراقيل التي تواجه المقاولين والفاعلين في مجال الاستثمار، حيت أن تجسيد هذه الإستراتيجية يتضح من خلال العمل على تسهيل سبل خلق المقاولات والعمل على مواكبتها ومؤازرة كافة المشاريع الاستثمارية إلى حين استكمال البنيات الأساسية لكل مشروع على حدة [1].

كما تضم المراكز الجهوية للاستثمار جميع الإدارات المختصة المتدخلة في إنشاء المقاولات، ولا سيما المكتب المغربي للسلطة الصناعية والتجارية، المحكمة التجارية، المديرية الجهوية للضرائب، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ثم المطبعة الرسمية وكذلك مصلحة تصحيح الإمضاء.

وتعتبر هذه الأخيرة مرفقا للدولة يسير بطريقة مستقلة، بحيث يعد كل من الوالي ومدراء المراكز آمرين بالصرف، كما أن هذه المراكز تنشئ بقرار مشترك لكل من وزير الداخلية ووزير المالية والتجارة والصناعة بناءا على اقتراح من والي الجهة المعين [2]، ولعل السبب وراء منح الوالي رئاسة هذه المراكز راجع للحد من الطابع الصارم الذي يغلب على تعامل الإدارة المغربية مع مثل هذه الملفات المتعلقة أساسا بالاستثمار [3].

ويتولى الإشراف على المركز موظف سام من رتبة مدير للإدارات المركزية، يعين بظهير ملكي ضمانا للاستقلالية، يساعده في ذلك مجموعة من الأطر دوي الاختصاص الإداري والقانوني المتنوع في الميادين القانونية المتعلقة بالاستثمار والاقتصاد الجهوي والمحلي، ويتوقف على هؤلاء نجاح أو فشل المركز في أداء الوظيفة الأساسية المنوطة به قصد تحقيق الاستثمار الجهوي.

من هذا المنطلق، تضل المراكز الجهوية للاستثمار صلب الهدف الاستراتيجي للتدبير اللامتمركز للاستثمار وفق مضامين المفهوم الجديد للسلطة في بعده السياسي والاقتصادي والاجتماعي [4]، لهذا جاء القرار الملكي الرامي إلى إنشاء المراكز الجهوية للاستثمار والذي سجل فعلا منعطفا هاما في مظهر السلطة العامة بالنسبة للعملية الاستثمارية، من خلال وضع حد لتصلب مختلف المصالح الإدارية تجاه قرارات الاستثمارات الوطنية والأجنبية [5].

يعد تحسين ظروف استقطاب الاستثمارات في القطاعات ذات الأولوية والمردودية العالية، وتقريب الإدارة من المواطنين في مجال الاستثمار ومباشرة مشاكل وحاجيات المستثمر، وتفعيل الجهة في جل الميادين من أهم أهداف المراكز الجهوية للاستثمار انطلاقا من مضمون نص الرسالة الملكية، كل ذلك قصد امتصاص أكثر لنسبة العطالة في الأفق والرفع من نسبة النمو.

هكذا تم إحداث مراكز جهوية للاستثمار في مجموع ربوع التراب الوطني، وبذلك شكل خلق هذه المراكز نقلة نوعية لمشروع التبسيط الإداري وإزاحة العقبات التي تعترض سبيل المستثمر، الذي سيجد رهن إشارته المخاطب الوحيد والمكان الأقرب الموحد والوثيقة الموحدة لإنشاء مقاولته أو تنمية الاستثمار، سواء أثناء إنشاء مقاولته أو حين مباشرته للعملية الإنتاجية. لأجل ذلك تقوم هذه الأخيرة تقديم كافة الخدمات المتعلقة بخلق المقاولة ومواكبتها أولا، ثم تقديم الدعم الإداري والتحفيز الاقتصادي للمستثمرين ثانيا.

أولا – تقديم كافة الخدمات المتعلقة بخلق المقاولة ومواكبتها:

يواجهون المستثمرين المغاربة والأجانب على حد سواء، والراغبين في إنشاء مقاولة أو مشروع، لا محالة مجموعة من الصعوبات والعراقيل خاصة فيما يخص الحصول على الرخص اللازمة للوصول إلى مبتغاهم، وما يتطلبه ذلك من جهد ومصاريف عبر التوجه إلى عدة إدارات متباعدة فيما بينها للحصول على الرخصة، حتى أن بعضهم كان يتخلى عن المشروع لهذه الأسباب، وما تتطلبه من مصاريف ووقت [6].

وللتغلب على هذه العراقيل والتقليل منها، فقد تدخل الملك ليؤكد في خطابه السامي على ضرورة العمل لأجل إعادة تنظيم علاقات الإدارة بالمستثمرين وفق منظور جديد وعلى أسس واضحة وشفافة، وإرساء الأجهزة الملائمة لإنعاش الاستثمار على الصعيد الوطني والإقليمي والعمل على تنظيمها وتحديد اختصاصاتها، بما يؤهلهم للقيام بدور المخاطب الوحيد المدرك لأهمية الرهانات المطروحة في هذا المجال الحيوي، والكفيل بتذليل العقبات وتيسير مختلف العمليات المرتبطة بالاستثمار، وتنفيذا لتوجيهاته السامية ومن خلال إحداث المراكز الجهوية للاستثمار التي تنسجم مع التصور الجديد لإدارة القرب [7]، حيث يضطلع شباك المساعدة على تأسيس المقاولات باعتباره المخاطب الوحيد للأشخاص الذين يرغبون في إنشاء المقاولات بجملة من المهام، إذ يضع رهن إشارتهم مطبوعا موحدا يتضمن كل المعلومات القانونية والضرورية لإحداث أي مقاولة. هذا ما أكدت عليه المادة 4 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.19.18 الصادر في 13 فبراير 2019.[8]

تعد بذلك المراكز الجهوية للاستثمار خطوة لتحقيق نوع من التواصل الايجابي بين الإدارة ومحيطها الاقتصادي، وتجعلها أكثر استجابة لمطالب القوى الإنتاجية عبر مركزة مساطر الحصول على التراخيص الضرورية وإزالة العراقيل التي كانت تعيق مشاريع الاستثمار[9]، وهو ما يجب أن يترجم من خلال تقليص مدة منح التراخيص وبالأساس عبر فعالية اكبر في  تعيين الموارد العمومية الكفيلة بتنمية وتطوير الجهة، ذلك أن إعمال النموذج اللامركزي واللاممركز في التعامل مع ملفات المستثمرين يستجيب لضرورة تحفيز بطء الإدارة الاقتصادية وعدم فعاليتها، واعتماد السرعة في الانجاز باعتباره المؤشر الحقيقي لإصلاح وعصرنة الإدارة [10]، ومن ثم إنعاش الاستثمار والنهوض به، ولتحقيق كل ذلك تعمل المراكز الجهوية للاستثمار على عدة مراحل أساسية منها:

– تجميع الإدارات المعنية بإحداث المقاولات مع تحديد مدة زمنية أقصاها أسبوع واحد للقيام بجميع الإجراءات المتعلقة بإحداث المقاولة، وذلك في سياق تسريع العمل الإداري وإنعاش الاستثمار وإعطاء صورة عن إدارة الشفافية والجاهزية والحيوية، وإحداث قطيعة حقيقية وايجابية مع الأشكال والممارسات السابقة؛

– القيام عن بعد بجميع الإجراءات المتعلقة بإحداث المقاولة؛

– اعتماد رقم استدلالي موحد Identifiant unique لجميع الإدارات، كما أن جميع الإدارات المعنية بإحداث المقاولات ممثلة بشباك المساعدة على إحداث المقاولات ؛

– تقديم خدمات لفائدة المستثمرين ومواكبة المقاولات المتوسطة والصغرى والصغيرة جدا، من خلال تقديم المساعدة للمستثمرين في القيام بالمساطر والإجراءات الإدارية التي يستلزمها إحداث مقاولاتهم، خاصة منها  المتوسطة والصغيرة ثم الصغيرة جدا، عن طريق تلقي ملفات الاستثمار وطلبات التراخيص والقرارات الإدارية، ثم دراستها وإعداد القرارات الضرورية بشأنه.

كما أنها تسهر على تقديم الاستشارة والمساعدة اللازمة للمقاولات الصغيرة طيلة فثرة مزاولة هذه الأخيرة لنشاطها، مع السهر على نزع الصفة المادية عن المساطر والإجراءات المتعلقة بدراسة ملفات مشاريع الاستثمار. إلى جانب تطوير منصات إليكترونية مخصصة للاستثمار على الصعيد الجهوي. قصد وضع كافة المعلومات ذات الطابع العمومي، بكل الوسائل المتاحة، رهن إشارة المستثمرين والمقاولات.[11]

يبدو بأن الحاجة إلى شباك وحيد تظهر أكثر واقعية على المستوى الترابي منها على المستوى المركزي، نظرا لتواجد مختلف المكاتب على هذا المستوى، وارتباط المستثمرين وتوجيههم إليها باستمرار، والقيام بهذه التجربة على أحسن وجه، حيث منح للوالي دور خاص باعتباره أعلى سلطة ترابية وممثل الدولة بصفة عامة في مواجهة المصالح اللامتمركزة، وكذا الجماعات الترابية والقطاع الخاص. بالإضافة إلى كونه رئيس اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار.[12]

يتعين في هذا الصدد أخد موافقة وتأشيرة الوزارات الوصية، وأن يقوموا باستثمار كل الوسائل التقنية والبشرية للنهوض بهذا المشروع الإصلاحي، ونشير كذلك إلى أن المخاطب الوحيد يتطلب أيضا الأخذ بعين الاعتبار المساطر النابعة من اختصاص الجماعات الترابية، إذ أن إدارة التنسيق بين هذه الأخيرة والدولة أضحى أمرا ضروريا لنجاح الشباك.

ثانيا- تقديم الدعم الإداري والتحفيز الاقتصادي للمستثمرين:

يضل تحقيق الإصلاح الاقتصادي رهين بمدى دمقرطة الإدارة وجعلها أداة فعالة في خدمة المستثمر، وتقديم الدعم والمساعدات للمستثمرين وتزويدهم بكافة المعلومات الممكنة حول الإمكانات المتوفرة في الجهة بمختلف القطاعات والعقارات المتاحة بها، وكذا كلفة ومعاملات الإنتاج والإجراءات القانونية الواجب إتباعها لتمكين المستثمر من اتخاذ قرار الاستثمار وتنمية مشروعه الاستثماري في أحسن الظروف.

ومن بين أهم الأدوار التي يضطلع بها شباك مساعدة الاستثمار، إيجاد الشروط الملائمة لدعم الاقتصاد الجهوي وتحقيق تنمية متوازنة من خلال التوجه نحو القطاعات التي بإمكانها جدب المستثمرين وتحقيق إقلاع حقيقي للاقتصاد الجهوي (السياحة، التقنيات الجديدة للمعلومات والاتصال…)، وبهذا الصدد فإن المستثمرين الوطنيين أو الأجانب سيجدون أمامهم كل المعلومات المتعلقة بمناخ الاستثمار.

هكذا، فان شباك مساعدة المشاريع الاستثمارية يتولى في الأصل مهمة:

* تزويد المستثمرين بكل ما يفيده من معلومات بشان الاستثمار الجهوي؛ من خلال وضع المعلومات ذات الطابع العمومي، بكل الوسائل المتاحة، خاصة منها المعطيات والإرشادات المتعلقة بإمكانية الجهة والإطار القانوني الذي ينظم الاستثمارات وأهم قطاعات الأنشطة بالجهة؛

* إعداد كتيبات تتضمن المساطر الإدارية والإجراءات الواجب القيام بها، وتحدد لائحة الوثائق الواجب الإدلاء بها قصد الحصول على التراخيص المطلوبة لإنجاز المشاريع الاستثمارية؛

* ثم دليل يتضمن المنظومة المحفزة عن الاستثمار في مختلف القطاعات؛[13]

* دراسة كل طلبات الترخيص الإداري أو تحضير جميع الوثائق الإدارية الضرورية لإنجاز مشاريع الاستثمار، في كل من قطاع الصناعة والتصنيع الفلاحي والمعادن والسياحة والصناعة التقليدية والسكن، كذلك بالنسبة للمشاريع المقدرة بما دون 200 مليون درهم، وذلك حتى يتمكن والي الجهة من تسليم التراخيص، أي توقيع القرارات الإدارية المتعلقة بالاستثمار؛

* دراسة مشاريع العقود أو الاتفاقيات التي ستبرم مع الدولة من أجل تمكين المستثمرين من امتيازات خاصة بالنسبة للاستثمارات المتعلقة بالقطاعات المذكورة سابقا، والتي تساوي أو تفوق مبلغ 200 مليون درهم، والقيام بتوجيهها إلى السلطة الحكومية المختصة من أجل المصادقة والتوقيع عليها من لدن الأطراف المتعاقدة، ويقوم الوالي في حدود اختصاصاته بإعداد وتنفيذ الاتفاقية التي يتكفل بتنفيذها [14]؛

* تتبع الاتفاقيات المتعلقة بتهيئة المناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية وتطويرها؛

* اقتراح الحلول التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين المستثمرين والإدارات؛

وفيما يخص دائما الدعم الإداري تحفيز المستثمر من خلال تسوية النزاعات والخلافات القائمة بين المستثمر والإدارة بطرق حبية وودية، من خلال القيام بمساعي التوفيق، بناء على رغبة المستثمرين، قصد التوصل إلى تسوية ودية لخلافهم مع الإدارات والهيئات العمومية المعنية خلال إنجاز مشاريع الاستثمار أو استغلالها.

وفي حالة عدم تسوية الخلاف، يرفع المركز اقتراحاته إلى والي الجهة قصد التوصل قدر الإمكان إلى حل توافقي وذلك في إطار احترام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.[15]

كما يتعين على كل من السلطات الحكومية في إطار تنفيذ السياسات العمومية المتعلقة بالاستثمار، أن تطلع المراكز الجهوية للاستثمار على كل إستراتيجية وطنية قطاعية أو بين قطاعية وعلى كافة التوجهات العامة وبرامج ومشاريع التنمية التي تقررها لإنعاش الاستثمار.

كما يجب أيضا على كافة الإدارات والهيئات العمومية والجماعات الترابية المعنية موافاة المركز، بناء على طلب منه بكافة المعطيات والمعلومات وكذا الوثائق التي تتوفر عليها والتي تعتبر ضرورية للقيام بمهامه.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم منح شباك مساعدة المستثمرين صلاحيات قانونية وتنظيمية لاتخاذ القرارات الإدارية اللازمة لإنجاز استثمارات، نيابة عن أعضاء الحكومة المختصين أو بتفويض منهم دون إعفاء الحكومة من مسئوليتها في هذا الإطار[16].

والى جانب الشباكين السابقين، تتوفر المراكز الجهوية للاستثمار على قسم يتكلف بالتفكير في القطاعات الواعدة والإصلاحات التي تفرضها العولمة، وتهيئ وضع الإجراءات لتحسين جاذبية الجهة للمشاريع الاستثمارية، هذا ما بدأ يتحقق فعليا مع مطلع دستور2011، بعدما تمت دسترة الجهوية رسميا ولما منحها من اختصاص في مجال الاستثمار بالإضافة إلى القانون، رقم14.111، و14.112 ثم14.113، وكذا متابعة الملفات القطاعية كالسياحة، النسيج والخدمات، هذا ما يشير إليه الفصل الثاني المتعلق بوضعية الاستثمار العمومي والأجنبي بشيء من التفصيل.

الفقرة الثانية: عجز القانون رقم 47.18 في معالجة مكامن ضعف المراكز الجهوية للاستثمار.

لقد كانت الغاية من إحداث المراكز الجهوية للاستثمار تبسيط الإجراءات الإدارية التي يتعين انجازها، لكن يلاحظ من خلال دراسة القانون المنظم لهذه المؤسسة، أن هناك جملة من المعوقات وبعض مكامن الضعف التي تحد من فعاليته والتي قد تحول دون تحقيق هذه المراكز الغاية المرسومة لها، ما لم يجيب عنه القانون رقم 47.18 بشكل دقيق، ونجد من ضمن هذه الثغرات :

* عدم وجود نص تنظيمي يلزم المقاولين بالمرور عبر المراكز الجهوية للاستثمار لتأسيس مقاولاتهم مما يجعل البعض يلجئ إلى المسطرة القديمة بغية التهرب من التصريح بالإجراء لدى صندوق الضمان الاجتماعي، وأداء ما يترتب عن ذلك من مساهمات، وينتج عن ذلك أن المركز يصبح غير قادر على توفير إحصائيات دقيقة عن خلق المقاولات.

* أن المشرع لم يرتب أي مسؤولية على المراكز الجهوية للاستثمار، فإذا ما ارتكبت خطا فلا يمكن أن تكون مسؤوليتها محل إثارة، حيث أن المسؤولية تقع على المصرح دون المركز، فلا يعتبر المصرح في منأى عن متابعة مراحل تأسيس شركته بمجرد إيداع الوثائق وقبولها من المركز بعد فحصها، بل عليه متابعته شخصيا لكافة الشكليات التي يقوم بها المركز لحسابه.

كما أن هذه المراكز تخضع للمراقبة المالية للدولة التي يمارسها مندوب للحكومة يعينه الوزير المكلف بالمالية، ويتولى بذلك مراقبة أنشطة المركز والسهر على تقيد هذا الأخير بكافة الأحكام التشريعية التي تخضع لها كافة الأنشطة.

كما يتمتع مندوب الحكومة بحق المراقبة والاطلاع الدائم، ويحضر كافة اجتماعات مجلس الإدارة واجتماعات اللجن المحدثة في حضرته بصفة استشارية.

كما أصبحث هذه المراكز تخضع في مراقبتها الآنية إلى بنية للمراقبة الداخلية، من خلال عمليات التدقيق المنتظمة، والسهر على تقيد مختلف أجهزة المراكز ومصالحها إلى كافة المساطر والمعايير التي تخضع لها أنشطتها، مع ضرورة  وضع رهن إشارة مراكز التدقيق المحدثة في شكل شركة مقيدة في جدول هيئة الخبراء المحاسبين قصد البث في جميع حسابات المراكز، مع تقديم تقرير مفصل بذلك على أنظار مجلس الإدارة [17].

* تعدد الرسوم والحقوق المفروضة على إحداث المقاولات مما يجعل من الصعب التعرف المسبق عليها.

إن المراكز الجهوية للاستثمار تلعب فقط دور الوسيط بين المصرح وباقي الجهات الإدارية الأخرى، كإدارة الضرائب وكتابة الضبط ومؤسسة الضمان الاجتماعي، فهذه المؤسسات الأخيرة هي التي تقوم فعليا بفحص الوثائق والتأكد من مدى صحتها، كما تسجل بطء المراكز الجهوية للاستثمار في إرسال التصريحات للجهات الإدارية المعنية، ويترتب عن ذلك تأخير مسطرة تأسيس الشركة [18].

* غياب صيغة متفق عليها تحدد بمقتضاها تسعيرة النشر بالجريدة الرسمية، والتي لا تتوفر على تمثيل على الصعيد الجهوي مما يعرقل من محاولات التقليص من المدة الزمنية التي تقتضيها عملية النشر.

* عدم توفر بعض الإدارات المشاركة في عملية خلق المقاولات على نظام متطور للمعلوميات ولعناصر بشرية مؤهلة، مما يتسبب في طرح صعوبات على مستوى السرعة والدقة في انجاز الأعمال، وغياب إستراتيجية واضحة لتتبع مسار انجاز المشاريع المرخصة، بقصد تقديم الدعم اللازم للاستثمارات التي تصطدم بالعراقيل، إضافة إلى أنه يخشى أن تكون هذه المراكز مصدر التزامات إضافية، لأن المراقبة القانونية للتصريحات بجدية لا يتم إلا بعد استنفاذ المصرح لمشوار طويل، بشكل قد يجعل المقاولة في وضعية شاذة، كأن تسجل الشركة لدى إدارة الضرائب وأن لا تكون مسجلة بالسجل التجاري لاكتشاف كاتب الضبط خللا في الوثائق المقدمة، وهكذا سوف تكون الشركة قد أضاعت من الوقت ولأموال الشيء الكثير، لتكتشف في النهاية أنها لم تسجل بالسجل التجاري، ولم يتم الاعتراف لها بالشخصية المعنوية [19].

* افتقار تام للمعلومات العقارية الضرورية، وهذا راجع أساسا لانعدام تصميم للمعلومات الجغرافية لهذه الجهات، ومحدودية السلطات المخولة للولاة في الميدان العقاري خاصة مع تنوع الأراضي وأملاك الدولة، هذا ما لم يجيب عنه القانون رقم 47.18 رغم محاولة تداركه ذلك بعدما نص في الفقرة 9 من المادة 4 على ضرورة وضع خرائط للوعاء العقاري العمومي والمناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية المتوفرة داخل نفوذ المركز الترابي، والتي يمكن أن تحتضن مشاريع استثمارية منتجة ومحدثة لمناصب الشغل، أيضا تمكين المستثمرين من معطيات متعلقة بالموارد البشرية وإمكانية التمويل وفرص الشراكة والمساعدة الممكنة.[20]

وإذا كان الهدف المنشود من الإدارة هو المساهمة في الرفع من الفعالية العامة، فإن التطورات التي تعرفها البنيات الإدارية وخاصة إدارة الإستثمار الأجنبي ما فتئت تبرهن عن تخلفها عن مسايرة متطلبات الاستثمار، ولعل النموذج التالي يعكس الرحلة الطويلة التي يتعين على المستثمر المرور منها.

يتبين من خلال ما سبق، أن هناك سلسلة من الرخص الإدارية يتعين على المستثمرين الحصول عليها لأجل انطلاق مشاريعهم، فرحلة المستثمر الأجنبي في المغرب تبتدئ على مستوى القنصليات المغربية بالخارج المكلفة بمنح التأشيرات، وبالرغم من شكلية هذا الإجراء فإنه من وجهة نظر المستثمر تعتبر إضافة لتكاليف لا مبرر لها، إلى جانب الأساليب الإدارية المعمول بها التي تتسم بالتعقيد والبطء [21].

خاصة بعدما تمت إضافة اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار في القانون الجديد، حيث سيصبح تدخلها حصريا في جميع إجراءات التقييم المسبق للمشاريع الاستثمارية المعروضة عليها من الجانب الاقتصادي والاجتماعي والعمراني ثم البيئي، أيضا البث أو إبداء رأيها أو رأيها المطابق حسب الحالة، البت أيضا في طلبات تفويت الأراضي التابعة لأملاك الدولة الخاص أو كرائها …. إلخ، مما سيؤدي إلى تعدد المتدخلين وبالتالي العرقلة في بلوغ مرامي هذا القانون.[22]

ولعل أول صعوبة تعترض المستثمر هي صعوبة الحصول على الموافقة للانطلاق، حيث يجب عليه الانتظار لمدة 48 ساعة للحصول على شهادة الترخيص، كما نجد عائق المدة التي يقتضيها إجراءات تسجيل العقود المطلوبة لأجل التعريف بشكلها القانوني واكتسابها الشرعية، وهي تتطلب يومين إلى أربعة أيام.

أما إجراءات التسجيل في السجل التجاري بمكتب التسجيل فإنها  تتطلب أسبوعا على الأقل، وتظل مرحلة التهيئة أهم مرحلة وأصعبها، حيث يتوجب على المستثمر القيام بعدد من الإجراءات تجعله في دوامة الذهاب والإياب بين الأجهزة لأنه يصطدم بمسطرة تحرير مختلف الرخص من طرف الإدارات المعنية مدتها تزيد أحيانا عن شهرين من تاريخ طلب إصدار الرخصة [23]، أما مرحلة الحصول على رخصة البناء والتي تعتبر شرطا لإتمام باقي إجراءات  التهيئة والهدف منها التأكيد من جهة بمطابقة إقامة المشروع بالوثائق وقانون التعمير ومخالفة النصوص المرتبطة بها، سواء بالصحة أو البيئة،… الخ.

ومن جهة ثانية تقديم ضمانات لفائدة طالب الرخصة بمنحه بعض الحقوق التي تمكنه من بناء عقاره أو إدخال تعديلات على بناء قائم، لهذا تخضع الملفات لعدة إجراءات وترسل إلى عدة مصالح خارجية [24].

وتأتي بعد ذلك مرحلة ربط المشروع بالتجهيزات الأساسية التي تتطلبها العملية الإنتاجية، خاصة الإيصال والتزويد بالماء والكهرباء، (مدتها تصل إلى 45 يوما) وترتفع المدة والتكاليف كلما كان المشروع بعيدا عن المراكز الحضرية.  

مما سبق، نلاحظ أن تسجيل المقاولة يعتبر أكثر تعقيدا خصوصا بالنسبة للمستثمر الصغير والمتوسط، فالمراحل  التي يجب المرور منها تصل إلى تسعة مراحل، في حين أن الوثائق التي يجب الحصول عليها تقتضي تدخل خمسة أجهزة إدارية مختلفة على الأقل، وهذا ما يدفع بالمستثمر إلى البحث عن طرق موازية غير رسمية تساهم في تسريع مشروعه وتخفف من ضغط البيروقراطية، ولعل هذا ما دفع إلى المناداة بضرورة إنشاء مصلحة واحدة تجمع كل الاختصاصات والإجراءات التي يحتاجها المستثمر لإقامة مشروعه، بحيث تكون هذه المصلحة بمثابة المخاطب الرئيسي.

وتجدر الإشارة إلى الجوانب السلبية التي تعرفها سياسة الدولة في مجال التهيئة وغيرها من تعميم الاستفادة من التجهيزات الحيوية، وضمن هذا السياق تعتبر الوضعية السيئة للعديد من المناطق الصناعية بالمغرب تعبيرا واضحا عن الاختلالات المشار إليها، فعدد من المناطق تفتقر للطرق المعبدة وشبكات الاتصال والماء والكهرباء والتطهير مما يجعلها غير مؤهلة لاستقطاب أي استثمار.

إلى جانب كل ما سبق، نجد ضعف تكوين الموارد البشرية في المادة الاستثمارية، ويبرز في هذا السياق من خلال الواقع العملي للمراكز الجهوية للاستثمار، محدوديتها النسبية في تفعيل الصلاحيات المخولة لها، أضف إلى ذلك عدم تمكن هذه المراكز من إزالة الطابع الإداري لمسطرة المصادقة على المشاريع الاستثمارية [25].

وبالتالي، يعد ضعف نظام متابعة الاستثمارات من أبرز الأسباب التي تحد من فعالية سياسة إنعاش الاستثمار بهذه المراكز[26]، والتي يجب أن تنبني على التعاون النشيط بين المستوى الجهوي والوطني، إلى جانب ذلك يلاحظ ضعف التنسيق بين هذه المراكز ومديرية الاستثمارات بسبب تعدد المتدخلين في إنعاش الاستثمار، الشيء الذي يؤدي إلى تكرار الإجراءات الإدارية المطلوبة داخل الإدارة الواحدة، مما يدل على أن المستثمر قد يضطر لولوج نفس المرفق أكثر من مرة للحصول على وثيقة إدارية وتسليمها لأجهزة إدارية أخرى، وكذا عدم وجود مؤسسة متخصصة وفعالة توحد صلاحيات المؤسسات الحكومية المتدخلة في هذا المجال، كما يلاحظ عدم توفر شباك دعم المقاولات ومساعدة المستثمرين من خلال آليات عملية لفض النزاعات بين الإدارة والمستثمر.

عموما، فإذا كانت مسألة التنمية تقتضي العمل على تعبئة كل مكونات البلد الذاتية والبشرية، فيتحدد الجانب الأخر باعتبار الإدارة متغيرا حاسما في تلك التعبئة، ومن ثم تكون للعلاقة بين الإدارة والتنمية طابعها الجدلي الذي يفرض ضرورة تطوير أدوات العمل الإداري المحددة في اكراهات وأزمات التشغيل والبعد العالمي للاقتصاد، وضرورة استيعاب خصوصيات المرحلة المحتكمة إلى ضرورة تفعيل كل الإمكانات المتاحة لأجل الدفع بالاستثمار [27].

يتضح مما تقدم، أن الفصل بين تنمية الاستثمارات ومسألة إصلاح الإدارة وتحديثها هو في الحقيقة فصل تعسفي، ومن تم فالجهاز الإداري المغربي مدعو أكثر للعمل وفق منظور قائم على مبدأ التشارك والتعاون مع المستثمر الوطني والأجنبي، كضرورة لأجل إعادة تكييف المنظومة الإدارية مع متطلبات التسيير الحديث والفعال، مع الاعتماد على منظور Administration de proximité et de synergie الإدارة المجاورة [28]، خاصة وأن الإدارة ليست وسيلة فوق المجتمع، بل هي شريك كامل يلعب دورا تحفيزيا في المجتمع الحديث إذا توفرت فيه شروط الشفافية والاستقامة، وتحديد المسؤوليات ونشر قيم المعادلة والمحاسبة، وكذا تطبيق التدبير التشاركي الذي يهدف إلى تطوير استخدام الموارد البشرية وتدعيم قوة المنظومة الإدارية.

وما بينته دراسة هذا الموضوع السهل الصعب في نفس الوقت، أن دور المراكز الجهوية للاستثمار في تحقيق التنمية دورا جوهريا بحيث يشكل أداة الربط بين المستثمرين والإدارة بكافة مكوناتها، علما أن  الاستثمار لازال في شق طريقه الصحيح، كونه في طور البناء رغم حداثة القوانين الاستثمارية.

يبقى بذلك موضوع المراكز الجهوية للاستثمار، موضوعا ذو شجون عميق، يغري بالبحث والدراسة والتحليل والمقارنة، فهو بذلك يعد في نظرنا بمثابة تلك ” المعادلة السهلة الصعبة ” قصد تحقيق التنمية المنشودة والمستدامة في آن واحد.


[1] عبد العزيز الصقلي: ” قانون المنافسة المغربي “، سلسلة قانون الأعمال والقانون الاقتصادي، مطبعة سجلماسة، مكناس، 2005، ص: 27.

[2]  وتتجلى بعض قرارات الإنشاء في :

    –  قرار رقم 02.1462 بتاريخ 23 شتنبر 2002.

    –  قرار رقم 02.1523 بتاريخ 27 شتنبر 2002.

    –  قرار رقم 02.1505 بتاريخ 24 شتنبر 2002.

    –  قرار رقم 02.1520 بتاريخ 27 شتنبر 2002.

[3] Nazih AWAL  les walis : ” animateurs économiques une obligation de résultat, les temps du maroc “, n°317, novembre 2001; p :4.

[4] يتجلى البعد السياسي من خلال وضع الإدارة في خدمة المواطن، والبعد الاقتصادي في وضع الإدارة في خدمة المستثمر، أما البعد الاجتماعي فيتجلى في تحقيق التضامن والسلم الاجتماعي.

[5] Integración regional e inversión extranjera directa en las economías en desarrollo y en transición , Nota preparada por la secretaría de la UNCTAD, Junta de Comercio y Desarrollo, Comisión de la Inversión, la Empresa y el Desarrollo, Reunión multianual de expertos sobre inversión, innovación, e iniciativa empresarial para el fomento de la capacidad, productiva y el desarrollo sostenible, Primer período de sesiones, Ginebra, 28 a 30 de enero de 2013, Conferencia de las Naciones Unidas, sobre Comercio y Desarrollo, Distr. General,3 de diciembre de 2012, Español, Original: inglés.

[6] لحسين بيهي: ” الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربية “، مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الثانية، 2007، ص:204.

[7] Lailla TRIKI : ” casablanca, le guichet unique est pour 2001 “, la vie économique n°4097, 22-28 Décembre 2000, p :16.

[8] الجريدة الرسمية عدد 6754 – 15 جمادى الأخرة 1440 ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[9]Integración regional e inversión extranjera directa en las economías en desarrollo y en transición , Nota preparada por la secretaría de la UNCTAD, Junta de Comercio y Desarrollo, Comisión de la Inversión, la Empresa y el Desarrollo, Reunión multianual de expertos sobre inversión, innovación, e iniciativa empresarial para el fomento de la capacidad, productiva y el desarrollo sostenible, Primer período de sesiones, Ginebra, 28 a 30 de enero de 2013, Conferencia de las Naciones Unidas, sobre Comercio y Desarrollo, Distr. General,3 de diciembre de 2012, Español, Original: inglés.

[10] Jacques CHEVALIER,” L’accélération de l’action administrative “, Revue française de l’administration publique, n°84, Octobre / Décembre 1997 , p :593.

[11] المادة 4 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.19.18 الصادر في 13 فبراير 2019، الجريدة الرسمية عدد 6754 – 15 جمادى الأخرة 1440 ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[12] القسم الثاني من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[13] القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 835.

[14] Mustapha NASSIRI : ” Une véritable charte de développement régional ” L’Opinion, n°13400, du 15 Janvier 2002,p :1-2.

[15] هذا ما نصت عليه الفقرة ج من المادة 4، من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[16] تفويض السلطة إلى ولاة الجهات في إطار التدبير اللامتمركز للاستثمار تضمن المراسيم والقرارات : التالية

* مرسوم رقم 2.02.138 صادر في 20 من ذي الحجة 1422 (05 مارس 2002) بتغير وتتميم القرار الصادر في فاتح جمادى الأولى 1340(21 دجنبر1921) بتحديد طريقة تدبير شؤون الملك البلدي.

* مرسوم رقم 2.02.139 صادر في 20 من ذي الحجة 1422 (05 مارس 2002) يتعلق بالمصادقة على مداولات مجالس الجماعات القروية المتعلقة بملكها العام والخاص.

* مرسوم 2.02.185 الصادر في 20 من ذي الحجة 1422 (05 مارس 2002) بتغيير وتتميم رسوم الملكية رقم 330.60 بتاريخ 10 محرم 1387 (21 ابريل 1967) بسن نظام عام للمحاسبة العامة.

[17] المادة 23 و24 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق، الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة:  839 و840.

[18] لحسن بيهي: ” الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية بالمغرب “، مرجع سابق، ص: 206.

[19] محمد أنوار: ” الجهة والاستثمار – أية ازدواجية وأية حصيلة “، ماي/يونيو 2007، ص: 134.

[20] المادة 4 من القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[21] الكركار حورية: ” تطور النظام القانوني للاستثمار بالمغرب “، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط ،2003 – 2004، ص: 42.

[22] المادة 29 من القسم الثاني المتعلق باللجان الجهوية الموحدة بلاستثمار، القانون رقم 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية الاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، مرجع سابق- الجريدة الرسمية عدد 6754، ( 21 فبراير 2019)، الصفحة: 834.

[23] عمر قوادير، ” آليات تشجيع الاستثمار الأجنبي بالمغرب “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، مركز الدراسات في القانون والاقتصاد والتدبير، تخصص القانون والعلوم الإدارية، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، 2017 / 2018.

[24] عبد الله شنفار: ” الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية: دراسة سوسيو قانونية وتحليلية “، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ع 19، 2000، ص: 65.

[25] tarik karimi : ” les investissements arabes au maroc “, DESA.Universite Mohamed V, FSJES, Rabat, Agdal, 2005.p 137.

[26] فالإحصاءات تنصب فقط على الجانب المتعلق بالتأسيس أو بنية التأسيس ولا يتعدى ذلك من اجل التعرف على الأحداث الفعلية أو تصفية المقاولة بعد الفترة الموالية للإحداث، انظر :

” Rapoort. Examen de la politique de l’investissement du maroc 2006.confernce des nations unies sur le commerce et le developpement” .

[27] خليل الفاهي: ” المديونية والاستثمار – دراسة في تأثير المديونية على التوجه الاستثماري للدولة منذ التسعينات “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، جامعة الحسن الثاني ، كلية الحقوق عين الشق الدار البيضاء، 2004 – 2005، ص: 401.

[28] محمد يحي: ” السلطات الإدارية المستقلة وجدلية الانتقال الديمقراطي في المجال السياسي إلى الفضاء الإداري”، مجلة طنجيس، عدد 2، 2001، ص: 24  و25.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading