ذ. جال العزوزي

باحث جامعي

جاء في نص الفصل 122 من الدستور المغربي 2011 “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ” ([1])، ويثير هذا الفصل واحدة من الإشكاليات المهمة التي يعالجها القضاء الإداري وهي إشكالية مدى مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية.

ومن المعروف أن المبدأ السائد لوقت طويل هو عدم مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية وذلك استنادا على مجموعة من الأسس ، أهمها مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، فأعمال السلطة القضائية التي تعتبر أعمالا قضائية لها طرق محددة للطعن فيها بموجب التشريع ، كالاستئناف والتعرض، وهي تختلف عن الأعمال الإدارية التي تمتد إليها رقابة القاضي الإداري .

كما تستند قاعدة عدم مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية على مبدأ حجية الأحكام وقوة الشيء المقضي به ، فالأحكام القضائية يجب أن تظل عنوانا للحقيقة ولا يعتريها الشك، إذ من شأن مد رقابة القاضي الإداري على هذه الأحكام أن ينال من حجية هذه الأحكام وقوتها الثبوتية، لكن يجدر التنبيه إلى أن السلطة القضائية قد تقوم بأعمال تصنف كأعمال إدارية، بحيث تدخل في نطاق الأعمال التي يختص بمراقبتها القاضي الإداري، كما أن بعض الأعمال التي تصنف كأعمال قضائية لا تتميز بحجية الشيء المقضي به، من قبيل الأعمال السابقة لصدور الحكم كأعمال البحث والتحقيق الذي تقوم به النيابة العامة.

إذن يظهر أن الحجج التي يمكن الإعتماد عليها لإعفاء الأعمال القضائية من إثارة مسؤولية الدولة يمكن التشكيك في صحتها، كما أن تطور قواعد المسؤولية الإدارية بشكل متزايد لا يمكننا من الجزم بالقول بأن الأعمال القضائية ستبقى بمنأى عن تدخل القاضي الإداري ، خصوصا مع التطور الذي عرفته نظرية المخاطر مع ازدياد القيمة القانونية لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.

ولقد اعترف المشرع المغربي بمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية قبل دستور 2011 لكن وفق نصوص خاصة، والأمر يتعلق بمسطرة مراجعة الأحكام القضائية المنظمة بمقتضى المادة 573 من قانون المسطرة الجنائية ([2])، ومسطرة مخاصمة القضاة المنظمة بمقتضى الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية ([3])، إذ كان لا يمكن إثارة مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية خارج هاذين النصين، وهذا يدفعنا للتسائل عن مدى الإضافة التي يمكن أن يقدمها المقتضى الدستوري الجديد ،فهل توخى المشرع المغربي من خلال الفصل 122 من دستور 2011 توسيع نطاق المسؤولية الإدارية عن الأعمال القضائية لفتح المجال لإمكانية تطبيقها خارج النصين المذكورين؟ وهل سيتم تطبيق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية التزاما بحرفية النص الدستوري أي بالإعتماد على وجود الخطأ كعنصر أساسي لإثارة مسؤولية الدولة، أم أن القاضي الإداري سيعمد لتطبيق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية حتى خارج حالات الخطأ أي بالإكتفاء بوجود عنصري الضرر والعلاقة السببية اعتمادا على نظرية المخاطر؟

لمحاولة طرح بعض الأفكار حول الموضوع سيتم التطرق في (مبحث أول) لمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية وفق نصوص خاصة ، كما أقرها المشرع المغربي سابقا قبل دستور 2011، لمحاولة الوقوف على سبب اعتراف المشرع بهذه المسؤولية وكذا معرفة الأساس الذي بنيت عليه، على أن يتم في (مبحث ثاني) العمل على محاولة استنتاج ما الذي يمكن أن يضيفه المقتضى الدستوري الجديد لإشكالية مسؤولية الدولة على الأعمال القضائية؟

المبحث الأول: مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية وفق نصوص خاصة

يجدر التذكير أن جل التشريعات قد ذهبت في وقت سابق إلى عدم إمكانية مسائلة الدولة عن النشاط القضائي استنادا على مجموعة من الحجج، لكن جل هذه التشريعات بما فيها المشرع الفرنسي والمغربي والمصري قد اعترفت لإمكانية إثارة مسؤولية الدولة على الأعمال القضائية وفق نصوص خاصة ، وهى مسطرة مراجعة الأحكام القضائية ومسطرة مخاصمة القضاة .

المطلب الأول: مسؤولية الدولة في حالة مراجعة الأحكام القضائية:

يمكن أن تترتب مسؤولية الدولة عند إصدار حكم بالبراءة على من سبقت إدانته بحكم نهائي وجاء هذا الحكم بالبراءة بناءا على مراجعة الحكم الأول بعد التماس إعادة النظر فيه، وهذا ما ينص عليه الفصل 573 من قانون المسطرة الجنائية.

وينظم التماس إعادة النظر في حكم جنائي والمعروف بالمراجعة بمقتضيات الفصول 563 إلى 564 من قانون المسطرة الجنائية.

ويفتح باب المراجعة لتدارك خطأ واقعي تضرر منه شخص حكم عليه من أجل جناية أو جنحة (الفصل 565) ولا تقبل المراجعة إلا عند تعذر أي طريقة أخرى من وسائل الطعن (الفصل 565)([4]).

ويمكن تقديم طلب المراجعة في أربع حالات نص عليها الفصل 566وهي:

  1. إذا صدرت عقوبة في دعوى القتل وأدلي بعد ذلك بمستندات أو حجج ينجم عنها قيام قرائن أو علامات كافية تدل على وجود المجني عليه المزعوم قتله.
  2. إذا صدرت عقوبة وصدر بعد ذلك حكم ثاني يعاقب متهما آخر، أو شخصا متابعا من أجل نفس الفعل ، بحيث لا يمكن التوفيق بين الحكمين ، أو يتبين من تضاربهما قيام الحجة على براءة أحد المحكوم عليهما.
  3. إذا جرت بعد صدور الحكم بالإدانة متابعة أحد الشهود الذي سبق الاستماع إليه، وحكم عليه من أجل الشهادة بالزور ضد المتهم أو الشخص المتابع، ولا يمكن أثناء المناقشات الجديدة الاستماع إلى الشاهد المحكوم عليه بهذه الصفة.
  4. إذا طرأ بعد صدور الحكم بالإدانة أو اكتشف أمر أو وقع الاستدلال بمستندات كانت مجهولة أثناء المناقشات ومن شأنها أن تثبت براءة المحكوم عليه.

ويتبين من كل هذا بوضوح مسؤولية الدولة بنص قانوني صريح ومفصل عن الأضرار الحاصلة من بعض أوجه النشاط القضائي وهو مراجعة الأحكام القضائية.

وبالرجوع للأسباب الأربعة التي عددها الفصل 566 المتعلقة بشروط مسطرة المراجعة ([5]) يتضح أن الضرر الواقع على المتضرر يصعب نسبته إلى مرفق القضاء بل يعود في أغلب الحالات لسبب أجنبي ، وبالتالي لا يمكن نسبة الخطأ إليه ، ومن ثم يصعب ترتيب مسؤولية الدولة بناء على الخطأ بل تنبني المسؤولية هنا بدون خطأ على أساس نظرية المخاطر التي تكون ناتجة عن بعض مرافق الدولة كمرفق القضاء، إذ ليس مبررا تحمل شخص واحد لهذه المخاطر وهو الشخص الذي وقع عليه الضرر، بل تتحمله الجماعة ككل، وبما أن الدولة هي الممثلة للجماعة فبالتالي تتحمل هي التعويض عن هذا الضرر وهذا ما يسمى بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.

ومن تطبيقات القضاء الإداري المغربي لنظرية المخاطر كأساس لمسؤولية الدولة عن أعمال القضاء المتعلقة بمسطرة المراجعة نجد الحكم عدد 865 بتاريخ 2006/11/15 صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ([6])، بناء على المقال الافتتاحي للدعوى الذي تقدم به المدعي إلى كتابة الضبط بتاريخ 2006/2/3، يعرض فيه المتضرر أنه كان ضحية خطأ قضائي فادح حينما صدر عليه قرار غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بالجديدة بالسجن المؤبد عن جريمة قتل وتم إيداعه بالسجن الذي قضى قرابة عشر سنوات، وأن القرار الذي أدانه كان خطأ في ملف 93/57 تم إلغائه بعد ظهور الجاني الحقيقي الذي أدين بمقتضى قرار مبرر بالإدانة ، وذلك بواسطة مسطرة المراجعة التي آلت إلى صدور القرار 1/935
بتاريخ 2005/7/6 عن المجلس الأعلى في الملف الجنائي 2005/5962 وأوضح العارض بأن الخطأ الفادح المتمثل في إدانته وإصدار الحكم عليه بالسجن المؤبد واعتقاله كان عبارة عن كارثة دمرت حياته وحياة زوجته وأولاده .

وقد ذهبت المحكمة إلى أن الدولة تكون مسؤولة عن أعمال السلطة القضائية المترتبة عن مسطرة المراجعة، وأن ظهور واقعة أو مستندات جديدة بعد الحكم النهائي بالإدانة لم تكن معروفة من قبل وتثبت براءة المحكوم عليه ترتب الحق في الحصول على تعويض تتحمله الدولة ، وأساس التعويض هنا ليس الخطأ بل المخاطر ولا يلزم طالب التعويض لإثبات كون صدور الحكم الملغى يرجع إلى خطأ القضاء.

المطلب الثاني:

مسؤولية الدولة في حالة مخاصمة القضاة:

يمكن أن تنعقد مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية عن طريق مخاصمة القضاة ويتم هنا إثارة مسؤولية القاضي الشخصية ،ولقد حدد قانون المسطرة المدنية المغربي حالات المخاصمة في المواد من 391 إلى 401 وتتلخص في ثلاث حالات هي:

  1. إذا ادعى ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من طرف قاضي الحكم أثناء تهيئ القضية أو الحكم فيها من طرف قاضي من النيابة العامة أثناء قيامه بمهامه.
  2. إذا قضى نص تشريعي بجوازها.
  3. إذا قضى نص تشريعي بمسؤولية القضاة يستحق عنها التعويض.
  4. عند وجود إنكار العدالة.

وقد نص الفصل 392 على أنه يعتبر القاضي منكرا للعدالة إذا رفض البث في المقالات أو أهمل إصدار الأحكام في القضايا الجاهزة بعد حلول دور تعيينها في الجلسة ([7]).

ويقصد بالغش أو التدليس انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون عن قصد منه وذلك إما بهدف تحقيق مصلحة لأحد الخصوم أو نكاية في خصم أو تحقيقا لمصلحة خاصة للقاضي، ويقصد بالغدر هو انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون لتحقيق منفعة مالية لنفسه أو لغيره.

ويقصد لإنكار العدالة رفض القاضي الفصل في دعوى أو تأخره في الفصل فيها رغم جاهزيتها.

ومن الجدير بالذكر أن مبدأ مسؤولية الدولة عن هذه الحالات قد استحدثه المشرع الفرنسي في قانون 7 فبراير 1933 وبه احتذى المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية، والحقيقة أن القانون المغربي من خلال هذه الفصول السابقة يجعل مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة شبه نظري ، فكل ما هناك أن المسؤولية في هذا المجال لا تكون إلا عن أخطاء جسيمة حددتها الفصول من 391 إلى 401 من قانون المسطرة المدنية، ومن المهم الإشارة أن القاضي الإداري قد تعامل بشكل خاص مع بعض مرافق الدولة نظرا لصعوبة ظروف عملها وطبيعة الأعباء التي تتحملها، وتطلب ضرورة وقوع الخطأ الجسيم من طرف موظفيها لإثارة مسؤولية الدولة عن أعمالها كما هو الشأن بالنسبة لمرفق الشرطة ومرفق الصحة.

كما أن الدولة في حالة المسؤولية عن أخطاء القضاة، لا يمكن مساءلتها مباشرة، بل لابد من مخاصمة القاضي أولا فإذا ما حكم عليه كانت الدولة مسؤولة بالتبعية، حتى لا يفاجئ المتضرر لإعسار القاضي في نهاية الأمر ([8])، وقد خول المشرع للدولة حق الرجوع على القاضي أو عضو النيابة العامة بما دفعته، لأنها مسئولة عنه لا مسئولة معه.

وبقراءة لهاتين الحالتين اللتين أقر المشرع من خلالهما مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية، أي مسطرة المراجعة من خلال قانون المسطرة الجنائية وحالة مخاصمة القضاة من خلال قانون المسطرة المدنية، نجد أن المشرع في الحالة الأولى أي مسطرة المراجعة قد استند في بناء مسؤولية الدولة على غياب عنصر الخطأ من طرف المتضرر وكذلك من طرف مرفق العدالة ، وبالتالي جعل المتضرر يستفيد من تعويض عن الضرر الذي لحق به دون إثارة مسؤولية الدولة بناءا على خطأ مرفق القضاء، ولكن لإثارة مسؤولية الدولة بدون خطأ بناء على نظرية المخاطر، وفي الحالة الثانية أي حالة مخاصمة القضاة فقد استند المشرع على إثارة المسؤولية الشخصية للقاضي من خلال تحديد مجموعة من الأخطاء التي تصل جسامتها لحد انعقاد مسؤولية الدولة بشكل تبعي بعد انعقاد مسؤولية القاضي الشخصية.

وبالرجوع للفصل 122 من دستور 2011 “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ” فالاكيد أن المشرع يتوخى من خلال هذا الفصل توسيع نطاق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية بجعلها تتجاوز حدود مسطرة المراجعة ومخاصمة القضاة وبفتح إمكانية إثارة هذه المسؤولية عن كل ما يمكن أن يعتبر خطئا قضائيا.

المبحث الثاني: توسيع مجال مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية من خلال الفصل 122 من دستور 2011

بالرجوع إلى الحديث عن الأعمال القضائية فنجد أنها تتحصن وراء مبدأ أساسي يخص الأحكام القضائية، وهو مبدأ حجية الشيئ المقضي به الذي يقتضي أن يظل الحكم القضائي عنوانا للحقيقة لا يمكن الطعن فيه إلى بمقتضى طرق
محددة من طرف المشرع ، لكن بعض الأعمال رغم كونها تكتسي الصفة القضائية فهي لا تتمتع بحجية الشيئ المقضي به كما هو الشأن بالنسبة لأعمال النيابة العامة المتعلقة بالبحث والتحقيق، لذلك فإن مبدأ توسيع مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية يجب أن ينطلق من هذه الأعمال التي لا تتحصن بمبدأ حجية الشيئ المقضي به، فإذا اعتبرنا أن هذا المبدأ الأخير هو من الأسباب المهمة التي تحول دون تطبيق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية فمن الأولى أن يتم تمديد هذه المسؤولية بداية إلى الأعمال التي لا تتحصن وراء هذا المبدأ، وقد تنبه المشرع الفرنسي لذلك وأقر مسؤولية الدولة عن أعمال النيابة العامة من خلال مسؤولية الدولة عن الإعتقال الإحتياطي التعسفي مبكرا من خلال قانون 8 يونيو .1895

المطلب الأول: مسؤولية الدولة عن الإعتقال الإحتياطي:

عند الحكم على المحكوم عليه بالإدانة فإن فترة الاعتقال الاحتياطي التي قضاها كمتهم يتم خصمها من مدته الحبسية وهذا الخصم هو بمثابة تعويض عن المدة التي قضاها مسلوب الحرية تحت طائلة الإعتقال الاحتياطي.

هذا بالنسبة للشخص المدان أي مرتكب الجريمة، فما هو الوضع بالنسبة للشخص الذي يتهم بارتكاب جريمة ويحبس احتياطيا ثم تثبت بعد ذلك براءته من الاتهام المسند إليه أو يصدر أمر بألا وجه لإقامة الدعوى ضده، فما مصير المدة التي قضاها هذا الشخص مسلوب الحرية، وهو في الأساس بريء ولم يرتكب الجرم الذي اتهم بخصوصه، أليس من الأولى أن يعامل على الأقل كما يعامل الشخص المحكوم عليه ويعوض عن هذه الفترة التي قضاها في الحبس الاحتياطي ([9])، والبريء يعتبر أحق من المدان بالتعويض عن هذه الفترة التي قضاها في الحبس الاحتياطي، والتي تضمنت إجراءات أدت إلى سلبه حريته، كما قد تكون قد تسببت له بأضرار فادحة تمسه في شخصه أو سمعته وعلاقاته الاجتماعية والعائلية وقد تحرمه من مصادر رزقه.

وقد كان القضاء الفرنسي يرفض حتى سنة 1895 تقرير مسؤولية الدولة عن أضرار الحبس الاحتياطي نتيجة الأخطاء الصادرة عن السلطة القضائية، حتى صدور قانون 8 يونيو 1895 الذي أعطى للأفراد الذي يحكم ببراءتهم الحق في الحصول على التعويض عن الأضرار، وكان أساس التعويض هنا هو الأخذ بنظرية المخاطر.

وفي 15 أكتوبر 1969أصدرت محكمة باريس حكما أقرت فيه مبدأ التعويض عن أضرار الحبس الاحتياطي وإن كانت لم تحكم بالتعويض للمدعي، وأيد هذا المبدأ حكم محكمة باريس في 9 مارس 1970 وحكمها الصادر 13 يوليوز سنة 1970.

التعويض للمضرور لأنه كان يطبق أحكام القانون المدني التي تتطلب الخطأ. ومع كثرة المناداة لتقرير هذا المبدأ أي التعويض فقد اعتنق المشرع الفرنسي هذه الفكرة في القانون الصادر 17يوليو 1970 الذي قرر فيه التعويض عن الحبس الاحتياطي، إذا انتهت سلطة التحقيق إلى أنه لا وجه لإقامة الدعوى ضد المتهم أو قضت المحكمة ببراءته، بشرط أن يترتب عن هذا الحبس ضرر غير عادي وجسيم، ولم يتطلب المشرع الفرنسي ارتباطا خطأ القاضي لتقرير المسؤولية بل اكتفى بأن يكون الضرر استثنائيا.

ولإمكانية تقرير مسؤولية الدولة فقد تطلب المشرع الفرنسي توافر ثلاثة شروط يجب على طالب التعويض استيفاؤها وهي:

أولا: أن يتم الحبس الاحتياطي في إطار القواعد التي ينص عليها قانون الإجراءات الفرنسي.

ثانيا: أن يكون الإفراج قد تم نتيجة صدور أمر بأن لا وجه إقامة الدعوى أو لبراءة المتهم.

ثالثا: أن يكون الضرر الذي أصاب المحبوس احتياطيا استثنائيا بالغ الجسامة.

ويتضح من خلال الشروط الثلاثة وخاصة الشرط الأخير أن المشرع الفرنسي جعل أساس التعويض قائما على فكرة المخاطر وليس الخطأ.

وبالرجوع لأصل مبدأ التعويض عن الاعتقال الاحتياطي نجد أن هذا المبدأ قد أكدت عليه المواثيق الدولية والمعاهدات الدولية ، إذ نصت المادة 5/9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بأنه لكل شخص كان ضحية توقيف ، أو اعتقال غير مبرر الحق في الحصول على تعويض.

وبالرجوع للمغرب فإن من شأن المقتضى الدستوري المتمثل في الفصل 122من دستور 2011 تسهيل الإعتراف بمسؤولية الدولة عن الإعتقال الإحتياطي التعسفي، خصوصا وأن هذا التدبير يندرج ضمن الأعمال القضائية غير المحصنة بمبدأ حجية الشيئ المقضي به كما قلنا سابقا، أو كما يسميها الفقه المصري الأعمال القضائية لكن ليس بالمعنى الدقيق ، مما من شأنه أن يمكن من ترشيد مسطرة اتخاذ هذا التدبير السالب للحرية من طرف النيابة العامة وقضاة التحقيق، فالواقع المغربي يشهد أن أكثر من 40 في المئة من القابعين في السجون المغربية هم معتقلون احتياطيون، مما يساهم بشكل كبير في تفاقم مشكل الإكتظاظ الذي تعانيه السجون في المغرب.

وكما ذكرنا من قبل فإن القضاء الفرنسي لم يكتف بالخطأ كسبب وحيد في ترتيب مسؤولية الدولة عن الإعتقال التعسفي وإنما استند كذلك على نظرية المخاطر فعلى أي أساس يمكن أن يستند القاضي الإداري المغربي في بناء مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل المقتضى الدستوري الجديد؟

المطلب الثاني: أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل الفصل 122 من دستور2011:

بالرجوع لمضمون الفصل 122 من دستور 2011 ” يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ” نجد نص الفصل يتحدث عن الخطأ القضائي وليس العمل القضائي، إذ يربط الفصل المذكور قيام مسؤولية الدولة بتحقق الخطأ في العمل القضائي كشرط أساسي لانعقاد مسؤولية الدولة، ولو أن المشرع استخدم عبارة العمل عوض الخطأ لأمكننا استنتاج أن مسؤولية الدولة يمكن أن تنعقد بمجرد وقوع الضرر على الغير دون اشتراط وجود الخطأ كشرط أساسي ، هذا إذا تقيدنا بحرفية الفصل 122 من دستور 2011، لكن هل يمكن للمشرع الدستوري أن يصل إلى الحد الذي يفرض على القاضي الإداري الإلتزام بأساس معين في بناء مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية، (حتى لا أقول الأخطاء القضائية) أي ضرورة توفر الخطأ كشرط أساسي وحيد لانعقاد مسؤولية الدولة عن العمل القضائي واستبعاد ما دونه من الأسس كما هو الشأن بالنسبة لنظرية المخاطر.

إن النقاش حول أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل دستور 2011 يعيدنا إلى نقاش قديم يمكن القياس عليه لمحاولة تعميق النقاش أكثر في هذه الإشكالية وهو النقاش الذي ظهر بين الفقهاء إبان طرح الفصل 79 من الظهير المتعلق بالإلتزامات والعقود المؤرخ في 12غشت 1913، إذ جاء في الفصل ” الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها، وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها”.

ويكمن هذا النقاش، في أن نص هذا الفصل يحتمل تأويلين فيما يتعلق بمرتكز أو أساس المسؤولية الإدارية.

فالرأي الأول، والذي كان سائدا في البداية يعتبر أن المسؤولية الإدارية بالمغرب هي تبعا لإرادة المشرع مسؤولية موضوعية ليس من الضروري أن تنبني على الخطأ.

أما الرأي الثاني، وقد جاء به الفقيه دولوبادير ([10]) إذ يؤكد أن نص الفصل 79 يحتمل تأويلين اثنين: المسؤولية الموضوعية بدون خطأ، والمسؤولية المبنية على الخطأ.

ويذهب الفقيه إلى أن المشرع ترك للقاضي الحرية من خلال ظروف النازلة والمعطيات المتوفرة لديه ،وبناء المسؤولية الإدارية حسب الحالات إما بناء على الخطأ وإما بناء على المخاطر، صحيح أن نص الفصل 122 من دستور 2011 يبدو أكثر وضوحا من الفصل 79من ظهير الإلتزامات والعقود في تحديده لأساس المسؤولية ،حيث يبدو الفصل 122 واضحا في اشتراطه لعنصر الخطأ كشرط أساسي في تحديد مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية، مقارنة بالفصل 79 الذي يحتمل التأويلين السابقين اللذين تطرقنا لهما، إلى أن التبرير الذي اعتمد عليه الفقيه دولوبادير يمكن الإستناد عليه في إعطاء الخيار للقاضي الإداري لتحديد أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل الفصل 122 من دستور 2011، حيث يذهب الفقيه إلى أن تطبيق قواعد المسؤولية الإدارية يرجع إلى القضاء، وبالتالي فإن تحديد أساس المسؤولية الإدارية يرجع إليه ، بدون أن يتدخل المشرع لينزع هذا الإختصاص المكتسب من القضاء أصلا، فقواعد المسؤولية الإدارية هي من خلق القاضي الإداري لذلك لا يمكن أن يتدخل المشرع لتقنين تلك القواعد، كما نضيف لهذا التبرير ما ذكرناه سابقا أن القاضي الإداري الفرنسي في إقراره لمسؤولية الدولة عن الإعتقال الإحتياطي، وهو عمل قضائي يصدر عن النيابة العامة كهيئة قضائية لم يكتف بالخطأ كأساس لبناء مسؤولية الدولة ولكن اعتمد نظرية المخاطر كذلك كأساس لمسؤولية الدولة عن الإعتقال الإحتياطي.

لذلك فالقاضي الإداري وانسجاما مع دوره واجتهاداته التي طالما أنشأت قواعد قانونية صلبة، وانسجاما مع جرأته المعهودة وانطلاقا من فلسفته الهادفة لصيانة حقوق الأفراد وحرياتهم، خاصة ونحن عندما نتحدث عن المنازعات الإدارية نكون دائما بصدد خصمين غير متكافئين في القوة والإمكانيات، وهما الإدارة والأفراد، لذلك فانطلاقا من كل ذلك فإن اعتماد القاضي الإداري على نظرية المخاطر في بناء مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية سيشكل استمرارية لنهجه وفلسفته، فنظرية المخاطر تبقى بمثابة صمام الأمان الذي يحمي المتضرر عند استحالة إسناد الخطأ للإدارة.


[1] الفصل 122 من دستور المملكة المغربية 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29يوليوز 2011.

[2] المادة 573 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، 01-22 ، المتمم بالقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وكذا القانون 11-35.

[3] الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية.

[4] الفصل 565 من قانون المسطرة الجنائية المغربي ، 01-22 ، المتمم بالقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وكذا القانون 11-35.

[5] الفصل 566 من قانون المسطرة الجنائية المغربي ، 22-01 ، المتمم بالقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وكذا القانون 11-35.

[6] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، بتاريخ 0006/11/15 عدد 865 ، العمل القضائي في المنازعات الإدارية، الجزء الثاني سنة 2009، منشورات مجلة الحقوق المغربية ، ص . 65.

[7] الفصل 392 من قانون المسطرة المدنية.

[8] سليمان محمد الطماوي: القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، طبعة 1968 ، دار الفكر العربي، ص: 69.

[9] محمد عبد الله محمد المر: “الحبس الاحتياطي دراسة مقارنة “، طبعة 2006، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، ص. 396 .

[10] عبد القادر باينة: تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب، طبعة 1988 ، دار تبقال للنشر الدار البيضاء ص: 139.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة