على النظام التأديبي للموظف العمومي
الأستاذ الدكتور: عبد الجليل عينوسي
شهد نشاط الدولة خلال العصر الحديث تطوراً كبيراً، حيث كان مقتصراً في البداية على ثلاث وظائف أساسية تتمثل في الدفاع، والأمن، والقضاء، وبالتالي لم يكن الأفراد يلجئون إلى الإدارة إلا بصفة نادرة وفي حدود ضيقة جداً. لذلك كانت القوانين التي تعمل على تنظيم الإدارة أو تسيير نشاطها محدودة الوظائف والأهداف.
ونتيجة لذلك ظلت الإدارة خلال فترة طويلة بعيدة عن التقاضي، حيث إن مقاضاتها كانت تعني اللجوء إلى حكم هو الخصم في آن واحد، وهذا ما جعل الحديث آنذاك عن ضمن حقوق وحريات الأفراد في مواجهة الإدارة لغواً لا طائلة منه ([1]).
ولم يتغير هذا الوضع إلا بظهور حاجيات عامة جديدة للأفراد لم يكن باستطاعتهم تحقيقها بمفردهم، فبدأت الإدارة تكتسح عدداً من المجالات وتقوم بأنشطة تنضاف إلى أنشطتها التقليدية حتى أصبحت مسئولة عن توفير كل الحاجيات الضرورية لمواطنيها من غذاء ومسكن وعلاج وتأمين ضد الأمراض … ولم يعد بالتالي باستطاعة الفرد تجنب الإدارة، بل أصبح في حاجة ماسة إليها.
وقد نجم عن هذا التطور في وظيفة الدولة تضخم جهازها الإداري الذي أصبح يضم عدد كبير من الموظفين العموميين تستعين بهم في أداء المهام المنوطة بها، وبذلك أصبح التنظيم الإداري في كل دولة يقوم على وحدة أساسية ومتكاملة بين الوظيفة العمومية والموظف العمومي، فالوظيفة هي “مجموعة من الواجبات والاختصاصات التي تسندها السلطة المختصة إلى من تتوفر فيهم شروط تقلدها”.
أما الموظف فهو “ذلك الشخص الذي يشغل الوظيفة بما لها من حقوق، وما عليها من واجبات في إطار ضوابط وقواعد قانونية محددة” ([2]).
وقد كان لزاماً أن يترتب عن التطور الكبير في وظائف الدولة ازدياد عدد النصوص القانونية المنظمة للجهاز الإداري المكون لها، تنظم علاقة الموظف بالدولة وهي علاقة تنظيمية يخضع بموجبها الموظف لمجموعة من القواعد القانونية التي تبين حقوقه وواجباته، وفي حالة الإخلال بها فإنه يتعرض للجزاء التأديبية المختصة.
وهذه القواعد القانونية هي محددة في المملكة المغربية بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.58.008 الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ([3]).
وقد احتل النظام التأديبي جانباً مهماً من اهتمامات المشرع عند اضطلاعه بوضع القوانين المنظمة للوظيفة العمومية، لأنه من العبث كما يقول الأستاذ سيرج سالون “أن ينتظر من كل موظف أن يكون قديساً Missionnaire، فالبعض يضل الطريق عند دخوله الخدمة، ولا يقوى على مقاومة التكاسل وعدم الاستقامة” ([4]).
وإذا كان النظام التأديبي قد كفل للإدارة سلطات واسعة فقد كان من الضروري حماية حقوق الموظف في مواجهة الإدارة، فهذه الحقوق قد تتعرض أحياناً للانتهاك، ومن خلال هذه العلاقة الجدلية بين حقوق الأفراد وحرياتهم من جهة، وسلطات الإدارة المتسعة من جهة أخرى، نشأ ما يسمى بالمنازعات الإدارية التي تعمل جميع وسائل المراقبة على حلها، وأهم هذه الوسائل هي المراقبة القضائية ([5]).
والمراقبة القضائية على أعمال الإدارة يختلف نظامها من بلد إلى آخر، فهناك النمط الأنجلوسكسوني أو ما يسمى بالقضاء الموحد، ثم هناك النمط الفرنسي أو ما يعرف بالقضاء المزدوج.
وتعتبر فرنسا من أهم النظم التي جعلت الرقابة على القرارات التأديبية الصادرة عن الإدارة من اختصاص الهيئة القضائية، حيث إنها تعد البلد الأول الذي أدخل إلى عالم القانون نظام مجلس الدولة الذي أصبح يملك رقابة فعلية على قرارات السلطة التأديبية وهي رقابة مشروعية وليست رقابة ملاءمة ([6]).
وقد تأثرت معظم الأنظمة العربية بهذا النظام الفرنسي، ومن بينها التشريع المغربي الذي أخذ بنظام مجلس الدولة من خلال إحداث المجلس الأعلى بتاريخ 27 شتنبر 1957 الذي اختص بالنظر في دعاوى الإلغاء ضد القرارات الصادرة عن السلطة الإدارية بسبب الشطط في استعمال السلطة كأول وآخر درجة. وبعد ذلك تم إنشاء المحاكم الإدارية بواسطة القانوني رقم 41 لسنة 1990 الصادر بتاريخ 03 نونبر 1993 ([7])، ثم إحداث محاكم استئناف إدارية بالقانون رقم 03.80 بتاريخ 14 فبراير 2006 ([8]).
وهكذا أصبحت جهة القضاء الإداري في المملكة المغربية تضم حالياً المحاكم الإدارية، ومحاكم الاستئناف الإدارية، والغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى.
وقد كان جلياً أن الهدف من هذا الإصلاح القضائي هو تكريس مبدأ المشروعية من خلال إجبار الدولة على احترام القانون بمفهومه الواسع، وكذا حماية حقوق وحريات الأفراد، وتشكل رقابة القضاء الإداري على أعمال الإدارة بصفة عامة، وعلى النظام التأديبي للوظيفة العمومية؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي منا التأكيد على أن القضاء الإداري في المملكة المغربية قد رسخ عدداً من القواعد والمبادئ الهامة التي يتعين مراعاتها من طرف الإدارة، سواء أثناء تحريك المسطرة التأديبية أو أثناء إصدار العقوبة التأديبية.
وتبعاً لذلك نقسم هذا الموضوع إلى الفصلين التاليين:
- الفصل الأول: الضمانات المتعلقة بالمسطرة التأديبية.
- الفصل الثاني: الضمانات المتعلقة بالعقوبة التأديبية.
الفصل الأول:
الضمانات المتعلقة بالمسطرة التأديبية:
إن حق الإدارة في تقويم سلوك موظفيها عن طريق إخضاعهم لنظام التأديب، مرتبط بمجموعة من القواعد والإجراءات والمساطر المضبوطة والشكليات المحددة، التي ينبغي للإدارة أن لا تحيد عنها، وإلا ترتب عن ذلك في حالة الإخلال بها إمكانية الطعن في القرارات الصادر عنها في هذا الشأن بواسطة دعوى الإلغاء لكونها تعد مشوبة بعدم المشروعية، أو بمعنى آخر بتجاوز السلطة.
وقد تضمن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية عدداً من هذه الإجراءات التي يتعين على الإدارة مراعاتها عند اعتزامها فرض عقوبة تأديبية على الموظف الذي يخطئ عند القيام بعمله ([9]). ويسمى خطأ الموظف في هذه الحالة بالخطأ التأديبي، وأمام غياب تعريف لهذا الخطأ في التشريعات المختلفة، عرفه بعض الفقه بأنه “كل فعل أو امتناع يرتكبه العامل ويجافي منصبه” ([10]).
وقد اكتفى كل من القضاء الفرنسي والقضاء المغربي بوصف بعض الأفعال التي يقوم بها الوظف بالخطأ التأديبي بسبب عدم تناسبها مع الوظيفة العمومية أو لكونه تتنافى مع واجبات الوظيفة، كما ذهبا كذلك إلى تأييد هذا الوصف الذي أضافته السلطة التأديبية على هذه الأفعال دون أن يقوم بوضع تعريف عام للخطأ التأديبي.
والموظف الذي يخضع للتأديب طبقاً للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية هو الذي يكون معنياً في وظيفة قارة ومرسماً في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة (الفصل 2 من ظهير 24 فبراير 1958)، ولذلك فإن صفة الموظف العام لا تشمل الأعوان المؤقتين وكذا المتعاقدين مع الإدارة بموجب عقد من عقود القانون الخاص أو الأجانب المتعاقدين مع الإدارة.
وبصفة عامة، فأن الضمانات التي أقرها القضاء الإداري في المملكة المغربية بالنسبة للموظف، ولاسيما فيما يتعلق بالمسطرة التأديبية، تتمثل بكيفية أساسية في إقرار مبدأ حق الدفاع للموظف، وكذا ضرورة إحالته على المجلس التأديبي بالنسبة للعقوبات التي تستوجب ذلك.
وهاتان الضمانتان الأساسيتين هما اللتان سنتناولهما من خلال المبحثين التاليين:
- المبحث الأول: إقرار مبدأ حق الدفاع بالنسبة لموظف.
- المبحث الثاني: ضرورة إحالة الموظف أمام المجلس التأديبي.
المبحث الأول:
إقرار مبدأ حق الدفاع بالنسبة للموظف:
يشكل حق الدفاع ضمانة أساسية للموظف، ورغم كون هذا الحق منصوص عليه في القانون، فإنه يعتبر من المبادئ العامة، التي ولو لم يرد نص بشأنها فإن الإخلال بها يؤدي إلى اعتبار القرار الإداري مشوباً بعدم المشروعية الموجبة للإلغاء، ويقتضي هذا الحق ضرورة إشعار الموظف بما هو منصوب إليه من المخالفات، وتمكينه من الإطلاع على ملفه، ومنحه أجلاً كافياً لتحضير وسائل دفاعه، وتنصيب من يدافع عنه إن رغب في ذلك ([11]).
وقد استقرت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى على إقرار مبدأ حق الدفاع للموظف، واعتباره من الضمانات المهمة التي يتعين احترامها من طرف الإدارة، ففي قرار صادر بتاريخ 11 مارس 1966 تحت عدد 545 في الملف الإداري رقم 19581 اعتبرت الغرفة الإدارية “أن امتناع الإدارة عن تمكين محامي الطاعن من الإطلاع على ملفه الإداري بدعوى أنه سر، يشكل إخلالاً جوهرياً بحقوق الدفاع”، ونتيجة لذلك قضت بإلغاء القرار الإداري الصادر عن وزير الأشغال العمومية القاضي يعزل الطاعن لإخلاله بحقوق الدفاع ([12]).
وفي قرار صادر بتاريخ 14 فبراير 1991 تحت عدد 57 عن المجلس الأعلى (الغرفة الإدارية) قضى بإلغاء القرار الإداري الذي نص على شطب السيد (ع.م) من أطر مصلحة الوقاية المدنية بالدار البيضاء، وأكد المجلس المذكور أن هذا الإلغاء جاء بناء على كون الإدارة لم تدل بما يفيد إطلاع هذا الموظف على ملفه الشخصي، والتعرف على المخالفات المنسوبة إليه، وهذا يعني حسب المجلس الأعلى أن “الطاعن لم يتمتع بالضمانات الكافية قبل اتخاذ عقوبة العزل في حقه، وأنه حرم من حقوق الدفاع، مما يجعل القرار متسماً بالشطط في استعمال السلطة”، وقد سارت المحاكم الإدارية في نفس الاتجاه حيث أكدت على ضمان حق الموظف في الدفاع عن نفسه وإلا كان القرار الإداري المطعون فيه متسماً بالشطط في استعمال السلطة مما يترتب عنه الإلغاء، فقد اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط في الحكم الصادر عنها بتاريخ 20/06/1995 تحت عدد 192 في قضية (ش.أ) ضد وزير التربية الوطنية أن “القرار الإداري المستند إلى محضر مجلس تأديبي لم تراع فيه الضمانات الخاصة بحقوق الدفاع يكون معرضاً للإلغاء، طبقاً لمقتضيات الفصول 65 إلى 75 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية” ([13]).
المبحث الثاني:
ضرورة إحالة الموظف أمام المجلس التأديبي:
تعتبر إحالة الموظف الذي ارتكب خطأ تأديبيا أمام المجلس التأديبي ضمانة أساسية بالنسبة إليه، إذ أنه وبالرغم من أن حق التأديب هو مخول للسلطة الرئاسية التي تملك الحق في التسمية (التعيين)، فإنه يتعين على هذه السلطة أخذ رأي هيئة معينة هي اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء ([14])، التي تنعقد بصفتها مجلسه تأديب قبل إقدام الإدارة على إصدار قرارها بالجزاء (الفصل 65 من قانون الوظيفة العمومية).
وتعد استشارة اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء ضرورية بالنسبة للعقوبات ذات الصفة الخطيرة والمتمثلة في الحذف من لائحة الترقي، أو الانحدار من الطبقة، أو القهقرة من الرتبة، أو العزل من غير توفيق حق التقاعد، أو العزل المصحوب بتوفيق حق التقاعد، أو الحرمان المؤقت من كل أجرة باستثناء التعويضات العائلية وذلك لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، أو الإحالة الحتمية على التقاعد. أما عقوبتي الإنذار والتوبيخ فإن سلطة التأديب لها الحق في اتخاذهما بمقتضى قرار معلل، وبدون استشارة المجلس التأديبي.
وقد ذهب القضاء الإداري في المغرب إلى اعتبار إحالة الموظف أمام المجلس التأديبي شكلية أساسية لا يمكن أن يستقيم القرار التأديبي بدونها، وإلا كان عرضة للإلغاء، فقد جاء في قرار صادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 31/05/1968 في الملف الإداري رقم 25.052 في قضية (ش.م) ما يلي: “إن الطالب يطلب بسبب الشطط في استعمال السلطة إلغاء القرار الصادر عن وزير الشبيبة والرياضة، القاضي بعزله كمعلم مرسم، وأن الطاعن يعيب على القرار خرقه الفصل 65 من قانون الوظيفة العمومية، ذلك أن الإدارة لم تستحضره أمام مجلس التأديب ليدافع عن حقوقه قبل إنزال العقوبة المتخذة في حقه …” فقضى المجلس الأعلى بناء على ذلك بإلغاء القرار المذكور معللاً موقفه “بأن مقتضيات الفصلين 66 و67 من ظهير 24/02/1958 بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية تحتم احترام الضمانات التأديبية قبل اتخاذ أي عقوبة ضد الموظفين … وبما أنه لا يوجد بالملف ما يثبت مراعاة الإدارة للضمانات التأديبية المنصوص عليها قانونياً قبل إصدار قرار العزل في حق الطاعن، مما يجعل المقرر المطعون فيه مشوباً بالشطط في استعمال السلطة” ([15]).
وفي نفس السياق أكد المجلس الأعلى على ضرورة استشارة المجلس التأديبي، ففي قرار صادر بتاريخ 17 يوليوز 1969 تحت عدد المجلس بإلغاء المقرر المطعون فيه الصادر في 29 غشت 1968 عن وزير الشبيبة والرياضة واستند في هذا القرار إلى عدم وجود (بالملف) “ما يثبت مراعاة الإدارة للضمانات التأديبية المتمثلة في استشارة المجلس التأديبي”.
وأقر المجلس الأعلى كذلك أن تشكيلة المجلس التأديبي يجب أن تكون متساوية بين ممثلي الإدارة والموظفين الآخرين، وفي هذا الإطار اعتبرت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى أن أي لجنة لم تتوفر فيها صيغة التساوي طبقاً لمقتضيات الفصل 11 من ظهير 24 فبراير 1958 بين ممثلي الإدارة ومثلي الموظفين، والتي حرص المشرع على اشتراطها ضماناً لحقوق الموظفين، يعتبر قرارها غير شرعي ويتعين إلغاؤه (قرار عدد 195 بتاريخ 22 يونيو 1973).
ولم يقتصر القضاء الإداري على إحاطة الموظف بضمان عرضه على المجلس التأديبي بالنسبة للعقوبات الموجبة لذلك، بل إنه اتجه كذلك نحو تقييد سلطة الإدارة عند اتخاذها عقوبتي الإنذار والتوبيخ بإقراره لجملة من الضمانات، تتمثل بالأساس في ضرورة استفسار المعني بالأمر قبل إصدار هاتين العقوبتين تحت طائلة بطلان القرار الإداري الذي لم يراع هذه الشكلية، فقد جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 27/04/1989 في الملف الإداري رقم 7213 ([16]) ما يلي: “يقع الإنذار والتوبيخ بمقرر معلل، تصدره السلطة التي لها حق التأديب من غير استشارة المجلس التأديبي، لكن بعد استفسار المعنى بالأمر (الفصل 66 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية) هذا الاستفسار يعد إجراء أساسياً، وفي النازلة ففي الرسالة التي وجهتها الطاعنة إلى الجهة المختصة كانت مجرد شكاية، جاءت قبل أن تكون هناك أي مسطرة تأديبية، فلا تعتبر بياناً عما نسب إليها، فيكون بالتالي القرار المطعون فيها الذي اعتبرها بمثابة البيان الذي يقرر الفصل 66 المذكور متسماً بالشطط في استعمال السلطة”.
وقد تبنت هذا الموقف المحكمة الإدارية بمكناس، ففي حكم صادر عنها بتاريخ 26/04/1996 تحت عدد 96.12/ 3 اعتبرت أنه “بمراجعة وثائق الملف يتبين أن الجهة المدعي من إحدى الضمانات الأساسية، الأمر الذي يجعل قرارها قد صدر مخالفاً للشكليات اللازم احترامها في مسطرة التأديب …”.
الفصل الثاني:
الضمانات المتعلقة بالعقوبة التأديبية:
إن العقوبة التأديبية بصفة عامة، هي وسيلة من الوسائل الإدارية الرادعة التي تطبقها الجهة المختصة بناء على نص في القانون من أجل ردع مرتكبي المخالفات التأديبية داخل الجماعة الوظيفية بهدف المحافظة على النظام فيها ([17]).
والعقوبات التأديبية هي محددة على سبيل الحصر بحيث لا يمكن للسلطة التأديبية أن توقع سوى إحدى العقوبات التي حددها القانون، وإلا اعتبر قرارها باطلاً لمخالفته لمبدأ شرعية العقوبة.
وقد حدد الفصل 66 من ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية أنواع هذه العقوبات، وهي كما أسلفنا الإنذار والتوبيخ، وهاتان العقوبتان تصدرهما السلطة التأديبية من غير استشارة المجلس التأديبي، بينما يتحتم عليها استشارته قبل تطبيق العقوبات الأخرى المتمثلة في الحذف من لائحة الترقي والانحدار من الطبقة والقهقرة من الرتبة والعزل من غير توقيف حق التقاعد والعزل المصحوب بوقف حق التقاعد، والحرمان المؤقت عن كل أجرة باستثناء التعويضات العائلية وذلك لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، والإحالة الحتمية على التقاعد.
وما يهمنا في هذا الصدد، هو تحديد موقف القضاء الإداري المغربي من هذه العقوبات التأديبية، وبمعنى آخر، ما هي الضمانات التي أقرها هذا القضاء لفائدة الموظف فيها يخص العقوبة التأديبية؟ وهل يحق له مراقبة سلطة الملاءمة التي تتمتع بها الإدارة في المجال التأديبي؟
إن القضاء الإداري في المملكة المغربية، لم يقتتصر على إقرار عدد مهم من الضمانات المتعلقة بالمسطرة التأديبية صيانة لحقوق الموظف، بل إنه ألزم الإدارة كذلك باحترام مجموعة من الضمانات ترتبط بشكل مباشر بالعقوبة التأديبية، ولم يكتف هذا القضاء بذلك، بل إنه نحا منحاً إيجابياً لفائدة الموظف من خلال مراقبته للسلطة التي تتمتع بها الإدارة في مجال تقدير ملائمة العقوبة التأديبية للمخالفة المرتكبة من طرف الموظف، وذلك من خلال تطبيقه لنظرية الغلو السائدة على الخصوص في القضاء المصري.
وعلى هذا الأساس نقسم هذا الفصل إلى المبحثين التاليين:
- المبحث الأول: ضمانات العقوبات الموجبة لاستشارة المجلس التأديبي.
- المبحث الثاني: ضمانات عدم الغلو في استعمال السلطة التقديرية للإدارة.
المبحث الأول:
ضمانات العقوبات الموجبة لاستشارة المجلس التأديبي:
أقر القضاء الإداري عدداً من الضمانات التي ترتبط بكيفية أساسية بالعقوبات ذات الصبغة الخطيرة، والمقصودة بها تلك التي يتعين فيها استشارة المجلس التأديبي ([18]).
وفي هذا السياق اعتبر أن قرار توقيف الموظف عن العمل، الذي تصدره سلطة التأديب في حالة ارتكابه هفوة خطيرة عملاً بمقتضيات الفصل 73 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، يعتبر قراراً غير نهائي، وبالتالي لا يجوز الطعن فيه عن طريق دعوى الإلغاء، فقد ورد في قرار للمجلس الأعلى تحت عدد 554 صادر في 20/05/1966 في الملف رقم 19582 ما يلي: “إن للسلطة المختصة أن توقف الموظف عن عمله فوراً، وبصفة احتياطية في حالة ارتكابه مخالفة جسيمة، وأن هذا التدبير لا يشكل في حد ذاته عقوبة تأديبية، وإنما هو إجراء تمهيدي ومؤقت في انتظار نتائج التحقيق، لهذا قضى المجلس برفض الطلب” ([19]).
لكن هذا الاتجاه سرعان ما عملت المحاكم الإدارية على تطويره من خلال تأكيدها على أن قرار التوقيف يعد قراراً إدارياً ونهائياً ومؤثراً في المركز القانوني للطاعن إذا لم تتم إحالة هذا الأخير على المجلس التأديبي خلال أجل أربعة أشهر من تاريخ التوقيف، وهو موقف سليم في نظرنا لأن طول مدة التوقيف المؤقت يترتب عنه ضياع لحقوق الموظف، وفي هذا الإطار اعتبرت المحكمة الإدارية بمكناس في حكم صادر عنها بتاريخ 11/04/1996 تحت عدد 96/ 10غ أن “عدم إحالة الموظف المعرض للتوقيف داخل أجل أربعة أشهر على المجلس التأديبي طبقاً لمقتضيات الفصل 73 من قانون الوظيفة العمومية، يجعل القرار مشوباً بعيب مخالفة القانون وبالتالي معرضاً للإلغاء”.
وفي نفس السياق أقر المجلس الأعلى أن قرار المجلس التأديبي يجب أن يصدر داخل الأجل القانوني لإحالة الوظف عليه، والمحدد في أربعة أشهر، وإلا اعتبر كل عمل مخالف لذلك غير مشروع وبالتالي يتعين إلغاؤه، وهذا ما أكدت القرار رقم 159 بتاريخ 18 شتنبر 1986 الذي جاء فيه “وحيث أن الطاعن تم توقيفه عن عمله من تاريخ 10/05/1983، ولم يحل على المجلس التأديبي إلا في 12/03/1984، أي بعد مرور عشرة أشهر من تاريخ التوقيف عن العمل المذكور، وهذا فيه مخالفة لمقتضيات 73 من ظهير 24 فبراير 1958 الذي ينص على أن وضعية المعنى بالأمر يجب تسويتها نهائياً داخل أربعة أشهر من تاريخ التوقيف عن العمل”، وتبعاً لذلك قضى المجلس الأعلى بإلغاء القرار المطعون فيه.
وأحاط القضاء الإداري كذلك الموظف الذي يتعرض لعقوبة العزل أو الفصل من الوظيفة بضمانة أساسية تكمن في ضرورة تعليل قرار العزل الصادر باقتراح من المجلس التأديبي، حيث أن القاضي يثير ذلك بصفة تلقائية ودون طلب من المدعي، وهذا يتطلب استناد قرار العزل إلى وقائع ثابتة ثبوتاً قطعياً ويقينياً وليس إلى مجرد وقائع عامة مبنية على مجرد الشك ([20])، كما أن ذلك يستدعي مراعاة ضمانة الإنذار باستئناف العمل المنصوص عليه في الفصل 75 مكرر من قانون الوظيفة العمومية الذي لا يجوز الطعن فيه بدعوى الإلغاء، لأنه مجرد إجراء ممهد لإصدار عقوبة العزل لا علاقة له بعقوبة الإنذار، ولا يشكل بالتالي قراراً إدارياً، وتطبيقاً لذلك ألغت المحكمة الإدارية بالرباط قراراً يقضي بعزل الطاعن لكونه لم يحترم هذه الضمانة مما يجعله مشوباً بالتجاوز في استعمال السلطة. كما أكد القضاء الإداري كذلك على وجوب إشعار الموظف بالالتحاق بالعمل في حالة تركه للوظيفة، وذلك عن طريق توجيه إنذار له من أجل الالتحاق بعمله خلال السبعة أيام الموالية لتبليغ الإنذار إليه قبل إقدام الإدارة على اتخاذ قرار العزل في حقه دون إحالته إلى المجلس التأديبي طبقاً للفصل 45 مكرر من القانون الأساسي للوظيفة العمومية، وهذا ما ذهبت إليه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، حيث اعتبرت أن الإنذار يعتبر إجراء جوهرياً يترتب على عدم مراعاته البطلان ([21]).
وبذلك فإن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، حفاظاً منها على الضمانات الممنوحة للوظف، تتشدد في مراقبة شكلية اتخاذ قرار العزل المبني على الإنذار، كما أنها تتشدد أيضاً في مراقبة توصل المعنى بالأمر بهذا الإنذار، وفي هذا الصدد اشترط المجلس الأعلى في قرار صادر عنه بتاريخ 26/07/1984 تحت عدد 468 أن التبليغ يجب أن يتم وفقاً للقواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية ([22]).
وفيما يتعلق بعقوبة الحذف من لائحة الترقي، فقد أكد المجلس الأعلى على أن الإدارة ملزمة باحترام حق ترقي الموظف، ويتعين عليها بالتالي عدم الالتجاء إلى هذه العقوبة إلا إذا وجد ما يبررها (قرار عدد 41 بتاريخ 13/07/1972).
واعتبر المجلس الأعلى أيضاً أن عقوبة القهقرة من الرتبة لا تكون قانونية إلا إذا كان المجلس التأديبي قد اجتمع بطريقة قانونية، بحيث لا يمكن مثلاً أن يتضمن من بين أعضائه أشخاصاً بوسعهم التأثير على سير مداولاته (قرار عدد 77 بتاريخ 19/06/1967).
وأقر المجلس الأعلى كذلك أن عقوبة الإحالة على التقاعد دون موجب قانوني، قابلاً للإلغاء قرار عدد 208 بتاريخ 07 يوليوز 1976).
وهناك ضمانة أخرى يتعين على القرار التأديبي احترامها وإلا وصف بعدم المشروعية، تتمثل في أن العقوبة التأديبية يجب أن لا تكون أشد من العقوبة التي يقترحها المجلس التأديبي، ما عدا إذا وافق الوزير الأول على ذلك استناداً للفصل 71 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وهذا ما قررته الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قضية (أ، ع) عندما ألغت قراراً لوزير الفلاحة لكونه اتخذ عقوبة أشد من تلك التي اقترحها المجلس التأديبي (قرار عدد 177 بتاريخ 04/05/1979).
وعملاً بالقاعدة التي تقضي “بعدم عقاب المخطئ عن ذات الفعل مرتين” أكد الأعلى في قرار صادر عنه بتاريخ 08/12/1965 تحت عدد 532 أن الإدارة لا تملك معاقبة الموظف مرتين على نفس الفعل ولا تستطيع بالتالي توقيع عقوبتين عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن الرأي أو الاقتراح الذي يقدمه المجلس التأديبي إلى سلطة التأديب لا يشكل قرارا إدارياً قابلاً للطعن فيه عن طريق دعوى الإلغاء، لأنه مجرد عمل تحضيري لا يحمل الطابع النهائي والتنفيذي للقرار ([23]).
ويتعين الإشارة كذلك إلى استقلال الخطأ التأديبي عن الخطأ الجنائي، فبالرغم من أن الفصل 70 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وخصوصاً الفقرة الثانية منه تقضي أنه “في حال فتح متابعة جنائية في مواجهة الموظف، فإن المجلس التأديبي يمكن أن يؤجل الإدلاء برأيه إلى حين صدور الحكم الجنائي موضوع المتابعة”، إلا أن ذلك لا يعني أن المجلس التأديبي يتبنى بكيفية مطلقة في الرأي الاستشاري الذي يبديه ما انتهى إليه الحكم القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به. ففي بعض الأحيان قد تكون الوقائع المنسوبة للموظف لا تشكل في حد ذاتها جريمة نتيجة لعدم اكتمال عناصرها، فيصدر الحكم ببراءة المتهم (الموظف)، ولكن مع ذلك تكون هذه الوقائع على العكس من ذلك تشكل مخالفة مهنية، يستحق الموظف بالحكم القاضي ببراءته ([24])، وهذا ما أقرته الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قرار صادر عنها بتاريخ 24/05/1972 تحت عدد 107 جاء فيه أنه “إذا استغل الشرطي مهمة البحث التي اسندت إليه فخلق لنفسه مناسبة اختلى خلالها بالمعنى بهذا البحث بعيداً عن الشرطي الآخر، وأحاطت بهذا الاختلاء ظروف وملابسات مريبة أدت إلى اتهامه بالارتشاء، فواس ثبتت أو لم تثبت هذه التهمة في حقه، فإن العمل يعد خطأ مهنياً يبرر قرار عزله” ([25]). ومرد هذه القاعدة أن وسائل الإثبات قد تختلف في بعض الأحيان بين القانون الجنائي وبين المخالفة التأديبية إذ أن لكل منهما خصائصه المتميزة.
لكن إذا صدر حكم نهائي ببراءة المتهم وليس هناك وقائع يمكن أن تشكل مخالفة مهنية للموظف المتابع فإن هذا الحكم يلزم الإدارة ([26]).
أما إذا كان الحكم الجنائي قد أدان الموظف المتابع جنائياً بعد ثبوت الأفعال المنسوبة إليه، فإن المجلس التأديبي الذي ينظر في المخالفة المهنية لا يبحث في ثبوت أو عدم ثبوت الوقائع، مادامت هذه الأخيرة قد فصل فيها القضاء بحكم نهائي وقال بثبوتها في حق المتهم، فمن المؤكد هنا أن المجلس التأديبي يقترح عقوبة تأديبية قد تتبناها سلطة التأديب، وحى إذا طعن هذا الموظف في القرار المتخذ في حقه، فإن طعنه غالباً ما يكون مآله الرفض، لأن الوقائع الثابتة بمقتضى حكم نهائي تلزم القضاء الإداري أيضاً، وفي هذا الإطار صدر حكم عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 15/02/1996 تحت عدد 32 في الملف رقم 180/ 95غ جاء فيه: “إن الأفعال المنسوبة للموظف المتابع تأديباً التي سبق لحكم جنائي حائز لقوة الشيء المقضي به أن اعتبرها ثابتة في حقه، وأدانه من أجلها هي أفعال أصبحت تشكل عنوان الحقيقة، سواء بالنسبة للمجلس التأديبي أو بالنسبة للمحكمة الإدارية عند نظرها في الطعن المقدم إليها”.
ونشير في الأخير إلى أن القضاء الإداري المغربي أكد على جملة من الضمانات بالنسبة لعقوبتي الإنذار والتوبيخ اللتين تتخذهما الإدارة دون استشارة المجلس التأديبي، حيث ألح على ضرورة تعليل قرارها بهذا الشأن طبقاً لمقتضيات الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وهذا ما قضت به المحكمة الإدارية بمكناس في حكم صادر عنها بتاريخ 23 نونبر 1995 تحت عدد 95/ 51، ملف رقم 35/ 94/ 27 حيث اعتبرت “أن خلو قرار الإنذار المطعون فيه من التعليل يجعل القرار الإداري معيباً شكلاً يتعين إلغاؤه”.
المبحث الثاني:
ضمانات عدم الغلو في استعمال السلطة التقديرية للإدارة:
دأب القضاء الإداري في المملكة المغربية على اعتبار الرقابة القضائية في المجال التأديبي تقتصر على مراقبة المشروعية، حيث إن دورة يكمن في التحقق من صحة الأفعال المنسوبة للموظف، ثم التأكد من كون هذه الأفعال تشكل خطأ تأديبيا بالمفهوم القانوني ولا يمكن لهذه الرقابة أن تذهب إلى أبعد من ذلك، كالبحث في مدى جسامة الخطأ أو مدى ملاءمة العقوبة التأديبية للخطأ المرتكب ما دامت الإدارة لم تخالف القانون، لأن هذه الأعمال تدخل في نطاق السلطة التقديرية للإدارة التي تخضع لرقابة القضاء، وهذا ما أكد عليه المجلس الأعلى في “أن الإدارة تتمتع بسلطة تقدير ملاءمة العقوبة للمخالفة المرتكبة من طرف الموظف، وهذه السلطة لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى” ([27]).
وبذلك فإن رقابة القضاء الإداري كانت تنصب حول ما إذا كانت العقوبة المقترحة منصوصاً عليها في القانون الأساسي للوظيفة العمومية وكذا التزام الإدارة باختيار إحدى العقوبات ([28]) لكن هذا الاتجاه الذي سار عليه القضاء الإداري في المغرب، وخاصة المجلس الأعلى في إطار قراراته المتواترة والذي اعتبر أن السلطة الملائمة هي مطلقة في يد الإدارة لا يملك القضاء حق مراقبتها، وإن كان يعد إيجابياً بالنسبة للإدارة إذ أنه يترك لها حرية التصرف في اختيار العقوبة الملائمة، فإنه يمثل جانباً سلبياً بالنسبة للموظف وخصوصاً في حال تعرضه لعقوبة خطيرة كالعزل نتيجة لارتكابه لفعل لا يستوجب مثل هذه العقوبة، كان من العدل والإنصاف أن تخضع مثل هذه العقوبات إلى المراقبة القضائية.
وفي هذا الإطار أخذ القضاء الإداري المغربي يعمل بتطبيق نظرية الغلو، وهكذا اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم صادر عنها بتاريخ 23 مارس 1995 تحت عدد 90 في قضية (م.ب) ضد وزير العدل “أن للإدارة سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة المناسبة في حق الموظف حسب خطورة الأفعال المنسوبة إليه ومدى تأثيرها داخل المرفق العام، ولا تكون ملزمة بظروف التخفيف التي تكون المحكمة الإدارية بالرباط، وقد جاء في التعليل “إن تمسك الإدارة بأن عقوبة فصل الطاعن المستأنف كانت مبررة بالأفعال الخطيرة التي ارتكبها كان في محله وأن الملائمة قائمة بين الأفعال المنسوبة إلى الطاعن والعقوبة المتخذة في حقه مما يكون معه الحكم المستأنف مرتكزاً على أساس قانوني سليم ومعللاً تعليلاً كافياً يقتضي تأييده”.
ومن الأحكام القضائية كذلك، التي بدأت تضيق من سلطة الملائمة الممنوحة للإدارة, والتي تم الاعتماد فيها على نظرية الغلو، الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 20/03/1997 في الملف رقم 96/ 130 غ في قضية (ع.ب) ضد المدير العام للأمن الوطني، حيث جاء في هذا الحكم “إن للإدارة سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة في حق الموظف حسب خطورة الأفعال المنسوبة إليها ومدى تأثيرها داخل المرفق العام، وأن هذه السلطة التقديرية لا رقابة للقضاء عليها ما لم يشبها غلو في التقدير …” ([29]).
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الأخذ بنظرية الغلو من طرف القضاء المغربي، يعد من أهم الضمانات التي تكفل حماية حقوق الموظف الذي يتعرض لعقوبات تأديبية من طرف الإدارة، لكن لا ينبغي القول بأن هذه النظرية تؤدي إلى مراقبة التناسب، لأن ذلك ينطوي على نوع من الاختزال في العمل القضائي “فالقاضي الإداري بعيد بعد الإدارة التكييف للوقائع ويقوم بنوع من القياس، ويعمد بعد ذلك إلى إلغاء ما تجاوز قواعد الإنصاف، على أن مراقبة التناسب تظل مع ذلك أقصى ما يمكن أن يصل إليه القضاء” ([30]).
[1] راجع مساعد عبد القادر: “القضاء الإداري المغربي ضمانة للحقوق والحريات”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق بالرباط، 1999-1998، ص3.
[2] راجع مليكة الصروخ: “النظام القانوني للموظف العمومي المغربي” الطبعة الأولى، 1994، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص9.
[3] الجريدة الرسمية عدد 2372 بتاريخ 1958/04/11، ص631.
[4] راجع مليكة الصروخ: “سلطة التأديب في الوظيفة العمومية بين الإدارة والقضاء، دارسة مقارنة”. الطبعة الأولى، 1404هـ، 1984م، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، ص9.
[5] راجع عبد الله حداد: “القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية”، مطابع منشورات عكاظ، 1994، ص3.
[6] راجع مليكة الصروخ: “سلطة التأديب في الوظفية العمومية بين الإدارية والقضاء، دراسة مقارنة”، نفس المرجع، ص13.
[7] الجريدة الرسمية عدد 4227 بتاريخ 03/11/1993.
[8] الجريدة الرسمية عدد 5398 بتاريخ 2006/02/23.
[9] انظر الباب الخامس من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية نحن عنوان “العقوبات التأديبية” (الفصول من 65 إلى 75 مكرر).
[10] راجع سليمان محمد الطماوي: “قضاء التأديب، دراسة مقارنة”، دار الفكر العربي 1995، ص50.
[11] راجع مصطفى التراب: “المنازعات الإدارية في مجال الوظيفة العمومية على ضوء
اجتهادات المجلس الأعلى”، مقال منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية”، سلسة مواضيع الساعة، عدد 14، 1998، ص37.
[12] قرار منشور في مجموعة قرارات المجلس الأعلى (الغرفة الإدارية)، منشورات كتابة الدولة في الشئون الإدارية، السنوات 1966 إلى 1970، ص5.
[13] انظر كذلك حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 1995/06/13 تحت عدد 181، ملف رقم 94/ 191.
[14] لمزيد من التفاصيل حول موضوع السلطة المختصة بالتأديب فيما يخص التشريعات المقارنة راجع:
François Gosier “La function publique dans le monde”. Paris, 1972, p168.
لمزيد من التفاصيل حول اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء، انظر المرسوم رقم 2.59.200 بتاريخ 26 شوال 1378 (5 ماي 1959) يطبق بموجبه بخصوص اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء الفصل 11 من الظهير الصادر بمثابة نظام عام للوظيفة العمومية، الجريدة الرسمية عدد 2429 بتاريخ 15/05/1959، ص1522.
[15] راجع مصطفى التراب: “المنازعات الإدارية في مجال الوظيفة العمومية على ضوء اجتهادات المجلس الأعلى” نفس المرجع، ص40.
[16] قرار منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 46، ص203.
[17] راجع مليكة الصروخ: “القانون الإداري، دارسة مقارنة” الطبعة الثالثة 1996، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص259.
[18] وهي كما أشرنا سابقاً تلك التي حددها الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية باستثناء عقوبتي الإنذار والتوبيخ.
[19] قرار منشور في مجموعة قرارات المجلس الأعلى، السنوات 1966 إلى 1970، ص24.
[20] راجع مساعد عبد القادر: “القضاء الإداري المغربي، ضمانة للحقوق والحريات” المرجع السابق، ص136.
[21] قرار صادر بتاريخ 4 يناير 1990 تحت عدد 2، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 45، ص135.
[22] جاء في حيثيات هذا القرار: “يكون بالشطط في استعمال السلطة المقرر الإداري الذي فصل الموظف بدعوى عدم الالتحاق بالعمل، دون أن يوجه إليه إنذار مسبق بذلك، ويبلغ به وفق قواعد التبليغ المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، ولا يعد سحب الإنذار بمثابة رفض له”.
[23] راجع مصطفى التراب: “المنازعات الإدارية في مجال الوظيفة العمومية على ضوء اجتهادات المجلس الأعلى”، المرجع السابق، ص41.
[24] راجع مصطفى التراب: “المنازعات الإدارية في مجال الوظيفة العمومية على ضوء اجتهادات المجلس الأعلى” نفس المرجع، ص42.
[25] قرار منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 25.
[26] راجع مصطفى التراب: “المنازعات الإدارية في مجال الوظيفة العمومية على ضوء اجتهادات المجلس الأعلى” نفس المرجع، ص42.
[27] قرار منشور بمجلة فضاء المجلس الأعلى، عدد 25 ص33.
[28] قرار المجلس الأعلى عدد 361 بتاريخ 18/12/1974 في قضية (ب.م) ضد وزير العدل.
[29] قرار منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 11، أبريل- يونيو، 1995.
[30] راجع آمال الشرفي مداخلة مشتركة مع أحمد بوعشيق بعنوان “تطور العمل القضائي للمحاكم الإدارية” خلال ندوة “القضاء الإداري الحصيلة والآفاق” التي نظمتها وحدة المهن القضائية والقانونية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط يوم 4 نونبر 2004.


