وفاء رزوق

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه فاس

مقدمة:

تتميز الإدارة بقدرتها على التعبير عن إرادتها المنفردة بإصدار قرارات متنوعة ومتعددة تستطيع من خلالها أن تزيد من إلتزمات الأفراد أو تنقص من حقوقهم، وتعدل في مراكزهم القانونية دون حاجة إلى رضاهم أو تدخل من القضاء[1].

فالقرار الإداري هو وسيلة الإدارة المفضلة في القيام بوظيفتها لما يحققه من سرعة وفعالية حيث يتيح للإدارة إمكانية البث من جانب واحد في أي أمر من الأمور دون حاجة إلى الحصول على رضى الأفراد أو حتى بالرغم من معارضتهم،  فالقرار الإداري ينفرد بمميزات تجعله في مركز القوة بالنسبة للأفراد وذلك راجع إلى أن هذا الأخير تفترض شرعيته حتى يتبث العكس[2].

فافتراض شرعية القرارات الإدارية ينجم عنه إلزام الأفراد باحترام ما تتضمنه تلك القرارات وبالتالي للتخلص من تلك الإلتزامات، عليه البدأ بإجراءات التقاضي ومهاجمة القرار وفقا لإجراءات القانونية[3].

كما أن احترام الإدارة للقانون لا يكون في تصرفاتها الإيجابية فقط، بل يجب عليها القيام بالأعمال التي يحتم عليها القانون القيام بها، فالسلبية في اتخاد القرارات من أخطر الأمور التي تواجه الأفراد في تعاملهم مع الإدارة وهذا السلوك يزداد خطورة إذا كان الإمتناع في ظل السلطة المقيدة وليس التقديرية[4].

فالقرارت السلبية هي القرارات التي لا تستجيب لطلبات أشخاص معينين تقدموا بها لإدارة مختصة، ويدخل في مفهوم القرار السلبي القرار الضمني بالرفض وهو الذي يستشف من امتناع الإدارة على الرد على طلب ما قدم إليها، حيت تظل ملتزمة الصمت في الرد عليه مدة ليست باليسيرة كتعبير ضمني منها على رفضها الإستجابة له، وتختلف القرارات الإدارية السلبية بصفة عامة عن القرارات الإيجابية أن هذه الأخيرة تفرض نوعا من الإلتزامات أو تحمل نوعا من الأعباء على عاتق أحد الأفراد وأهم ما يميز هذين القرارين عن بعضهما هو أن القرار الإداري السلبي لا يضمن القيام بأي إجراء تنفيذي فهو ينفذ بنفسه وينتج أثاره عند إصداره في الحال، وبالتالي فهو غير قابل لوقف التنفيذ لكون القضاء لا يمكنه الحلول محل الإدارة في ممارسة عمل من أعمالها.[5]

فهل يمكن أن يصدر أمرا أو قرارا بوقف تنفيذ ضد قرار إداري سلبي أي بالإمتناع أو الرفض كما هو الشأن بالنسبة للقرارات الإدارية الإيجابية ؟ وإذا طعن في القرار الإداري السلبي بالإلغاء أمام المحكمة المختصة فهل يجوز للطاعن أن يطلب وقف تنفيذ هذا القرار الذي امنتعت أو رفضت الإدارة بواسطته الإستجابة لطلبه؟

فمما لا ريب فيه أن المسألة دقيقة لأن إعطاء الحق للطاعن بالإلغاء في القرار الإداري السلبي بطلب وقف التنفيذ يعني أن القضاء قد أمر الجهة الإدارية المختصة أن تقوم بشيئ محدد ويكون بالتالي قد حل محلها[6].

المبحث الأول: مرتكزات ايقاف تنفيذ القرار الإداري السلبي:

تعد نظرية إيقاف التنفيذ القرارات السلبية لإدارة من النظريات التي عرفت مجموعة من الآراء المؤيدة والمعارضة لها (المطلب الأول) قبل الإعتراف بها إلى جانب القرارات الإيجابية، على شرط توفر مجموعة من الضوابط التي يجب توفرها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: وضع القرارات الإدارية السلبية من وقف التنفيذ:

المقصود بالقرارات السلبية في مجال البحث عن وضعها من نظام وقف التنفيذ، ليس الموقف السلبي الذي تتخده الإدارة إزاء طلبات الأفراد وتظلماتهم بالسكوت عن الرد عنها- كما تعرف هذه القرارات عادة- ليستخلص بعد ذلك من موقفها هذا قرار ضمني بالرفض، وإنما بصفة أعم رفضها إجابة أصحاب الشأن إلى طلباتهم سواء بدت إرادتها في ذلك صريحة أم استخلصت ضمنيا، فموضوع البحت يشمل بالتحديد وضع القرارات الإدارية الصريحة او الضمنية المتضمنة رفض منح ميزات لأصحاب الشأن وبصفة عامة يشمل الأمر قرارات الإمتناع عن تعديل مراكز قانونية أو واقعية سابقة الوجود ومدى امكانية وقف تنفيذها، وقد تضاربت أراء الفقه بين مؤيد ومعارض لوقف التنفيذ:

  1. الموقف المعارض لوقف التنفيذ

إن إيقاف تنفيذ القرار الإداري السلبي مسألة أتارت الجدل في الفقه على غرار القرارات الإدارية الإيجابية ففي الحقيقة نجد أن جميع الطلبات الخاصة بوقف التنفيذ تقريبا تتعلق بقرارات  إيجابية للإدارة، وهي القرارات الإدارية التي تلقي التزاما أو تحمل عبئا على عاتق أحد الأفراد أو تمنح ترخيصا أو تتضمن أمرا معينا[7].

اما القرارات الإدارية السلبية أو التي تصدر بالرفض فقد وجدت معارضة فقهية لوقف تنفيذها وارتكزت على عدة معايير وحجج.

فمن الناحية المنطقية اعتبر الفقه الفرنسي أن وقف تنفيذ قرار إداري سلبي فكرة خارقة، إذ كيف يمكن في الواقع أن يواجه وقف التنفيذ قرار سلبيا، فالقرار السلبي ينفذ بنفسه وينتج أثاره عند إصداره في الحال كما أن فكرة وقف التنفيذ ذاتها تتضمن بطبيعتها قرارا إيجابيا وهو عمل شيء معين[8].

فالقرارات السلبية تعتبر من القرارات المستمرة التي لا تتقيد بأجل ستين يوما للطعن حيث ينطبق هذا الميعاد على القرارات الإدارية الإيجابية فقط، ويرجع الأساس القانوني لذلك إلى فكرة استمرار القرارات الإدارية السلبية الناتجة عن إمتناع الإدارة عن الرد وعدم انتهائها بحيث يظل باب الطعن فيها مفتوحا طالما استمرت حالة الإمتناع.

لكن الأمر يختلف في حالة التنفيذ الفعلي للقرار الإداري السلبي، إذ أنه بتمام هذا التنفيذ يبدأ ميعاد الطعن فيه.

فإذا طعن في القرار الإداري السلبي بالإلغاء أمام المحكمة المختصة فهل يجوز للطاعن أن يطلب وقف هذا القرار الذي امتنعت أو رفضت الإدارة بواسطته الإستجابة إلى طلبه؟

إن إعطاء الحق للطاعن  بالإلغاء في القرار الإداري السلبي بطلب وقف تنفيذه وصدور حكم بوقف التنفيذ يعني أن القضاء قد امر الجهة الإدارية المختصة أن تقوم بشيء محدد ويكون بالتالي قد حل محلها.

وباعتبار حكم وقف التنفيذ يوصف بأنه وقتي ومتفرع من الدعوى الموضوعية –وهي دعوى الإلغاء- فكيف يكون الحال لو صدر الحكم في الموضوع برفض دعوى الإلغاء بعد أن كانت المحكمة قضت بوقف تنفيذ القرار السلبي؟

ويرى الفقه أن ذلك يرجع إلى أن القرار الإداري الإيجابي يحتاج إلى اجراءات مكملة لتحقيقه، وأنه لا يستنفذ أثاره على الفور أما القرار الإداري السلبي فإن استحالة أو صعوبة اصدار الأمر بوقف تنفيذه تعود إلى أنه لا يتضمن أي إجراء عملي أو أي عمل تنفيذي وأنه ينتج أثاره بنفسه في الحال ونظرا لغياب أي إجراء تنفيذي فإنه لا يمكن وقف تنفيذه.

وفيما يخص الواقع العملي يقوم هذا السند على أساس أن السلطة الإدارية هي الوحيدة المؤهلة لتقدير ما إذا كانت ستقوم بأداء خدمة أم لا.

ب) الموقف المؤيد لوقف التنفيذ:

لكن هناك من يعترض على هذه المواقف ويرى أنه لا يوجد ما يمنع في الواقع من وقف تنفيذ القرارات السلبية أسوة بالقرارات الإيجابية ونورد مجموعة من الحجج التي تؤيد هذا الموقف:

الحجة المنطقية: يمكن لوقف التنفيذ إن قضى به أن يوقف القرار مؤقتا محافظة على حقوقه حتى يحسم في أمر مشروعية هذا القرار، ويغير هذه الإمكانية لإيقاف المؤقت فإن الحكم بإلغاء القرار السلبي إن صدر وقد فاتت في وقته إمكانية التمتع بالحق المطالب به، كفوات ميعاد مسابقة مثلا، رفضت الإدارة السماح لصاحب الشأن المشاركة فيها فلن يكون أثره إلا معنوي ورمزيا فقط بغير أي قيمة فعلية، كما أن تنفيذ القرار السلبي أحيانا ما يتطلب مظاهر تنفيذ خارجية لكي يؤتى أثاره، ومن ذلك مثلا رفض السماح لشركة بالإستمرار في ممارسة نشاطها فهنا القرار يستتبعه تصفية الشركة وهذه التصفية لا تتم تلقائيا وإنما تتطلب بدورها إتخاذ إجراءت تنفيذ مادية ومحسوسة يمكن أن يرد عليها وقف التنفيذ[9].

ومن كل ذلك فالذي يهم بالدرجة الأولى ليس كيفية التنفيذ وإنما الأثار المترتبة عن القرار، ومن هذه الناحية يجب أن يستوي وضع القرارات الإيجابية والسلبية من إمكانية وقف التنفيذ[10].

كما يرد  بعض الفقه على القول بأن وقف تنفيذ قرارات الرفض يعني تدخل القاضي بإعطاء أوامر وتعليمات لها بما يسمى بقاعدة الفصل بين السلطات بانه من هذه الناحية لم يوجد أي نص يمنع صراحة القاضي الإداري من إعطاء اوامر أو تعليمات إلى الإدارة العاملة وأن النصوص التي بدأ بها تكريس هذا المبدأ والتي ترجع إلى العهد التوري لا تعني سوى الفصل بين السلطات الإدارية والسلطات القضائية وأن القاضي الإداري هو الذي قيد نفسه بهذا القيد، ثم يضيف منوها بأن هذه الحجة المستمدة من مبدأ الفصل بين السلطات من المفروض أن تمنع فقط وقف تنفيذ القرار السلبي وإنما تجعل نظام وقف التنفيذ في ذاته مخالفا لهذه القاعدة لأنه لا فرق من هذه الناحية بين إلزام الإدارة بأداء ما امتنعت عنه سلبا أو بالإمتناع عما امتنعت به ايجابا[11].

فمن الناحية العملية قد يكون من السهل للإدارة أن تمنح مؤقتا ما إمتنعت عن منحه من أن توقف ما قامت به فعلا.

فالنصوص القانونية التي تنظم وقف التنفيذ إنما لا تستهدف القرارات الإيجابية فقط ففي الحقيقة ليس هناك ما يمنع امتداد حكمها للقرارات السلبية كالقرارات الإيجابية على حد سواء[12].

المطلب الثاني: شروط إيقاف تنفيذ القرار الإداري السلبي:

إن الطعن بالإلغاء لا يوقف تنفيذ القرار الإداري بمجرد رفع دعوى الإلغاء بحجة عدم مشروعيته وبصورة تلقائية، كما أن ادعاء الطاعن مخالفة القرار الإداري للقانون لا تؤدي بحد ذاتها إلى عدم نفاذه إلا بشروط ومبررات لابد من توافرها مثل ترتيبه لنتائج لا يمكن تداركها أو لكون الطلب مستعجلا لدفع ضرر محدق.

وتبعا لذلك فقد أجيز لصاحب الشأن إجراء تمهيدي للطعن بالإلغاء وذلك بطلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه بالإلغاء مع ضرورة توافر بعض الضوابط، والشروط وهو ما نصت عليه المادة 24 من من قانون 41-90:

أولا: شرط الجدية: 

أول الشرطين هو جدية الأسباب التي يستند إليها الطاعن في طلب إلغاء القرار الإداري، أي أن يكون طلبه قائما على أسباب جدية محسوسة وظاهرة تعمل على ترجيح إمكانية إلغاء القرار ، ويرى بعض الفقه أنه لا يقصد بضرورة توافر الجدية في طلب وقف تنفيذ القرار وإنما في طلب إلغاء القرار الإداري أساسا، أي أن احتمالات إلغاء القرار الإداري المطعون فيه قوية وواضحة بصرف النظر عما إذا كان الإحتمال متحققا أم لا.

فوقف التنفيذ لا يتم طلبه من القاضي الإداري إلا بغرض إيقاف القرارات المؤثرة على المراكز القانونية الفعلية ويجب الإشارة أن المشرع لم يحدد هذه الحالات ويظل القاضي الإداري هو الوحيد المخول لتقدير منح أو عدم منح إيقاف التنفيذ وهذا ما تم النص عليه في الفصل 361[13] من قانون المسطرة المدنية والفصل 24 من قانون 41-90 المؤسس للمحاكم الإدارية[14].

ثنيا: الإستعجال:

يعد شرط الإستعجال أهم شرط لوقف تنفيذ القرار الإداري فيجب على القرار أن يكون من شأن تنفيذه حدوث أضرار يتعذر اصلاحها وقد أوضحت المحكمة الإدارية معنى ركن الإستعجال بأنه” يجب أ يترتب على تنفيذ القرار المطعون فيه بالإلغاء نتائج لا يمكن تداركها”، كأن يكون من شأن تنفيذ القرار حرمان الطالب فرصة أداء الإمتحان لو كان له حق فيه، مما يتعذر معه تدارك النتيجة التي تترتب على ذلك.

فالإستمرار في تنفيذ القرار الإداري على الرغم من الطعن فيه بالإلغاء قد يؤدي إلى نتائج قد تؤتر سلبا على مراكز بعض ذوي الشأن أو يمكن أن تؤدي إلى نتائج لا يمكن تجنبها ولا تحمد عقباها، فيصبح الطعن بالإلغاء بلا جدوى وغير ذي موضوع لأن القرار قد تم تنفيذه أو قد استنفذ أغراضه مثل الحكم بإلغاء قرار منع طالب من اجتياز امتحان قد تم بالفعل دون أن يمكن الطالب من حضوره بحيث يصبح هذا الحكم غير ذي نفع لأن الطالب قد فاته الإمتحان اصلا.

المبحث الثاني: أثار إيقاف تنفيذ القرار الإداري السلبي:

إن القضاء وكمبدأ عام لا يساوي بالإطلاق بين القرارات الإيجابية والسلبية من ناحية القابلية لطلب وقف التنفيذ وإنما يضيق من نطاق الوقف بالنسبة للثانية سواء القضاء الفرنسي أو القضاء الإداري المغربي (المطلب الأول) كما لا يجيز الوقف بالنسبة للقرارات السلبية بحجة إعتداء السلطة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية (المطلب الثاني).

المطلب الأول : التكريس القضائي لإيقاف تنفيذ القرارات السلبية 

يعد القضاء الإداري الفرنسي السباق لتأسيس مبدأ إيقاف تنفيذ القرار الإداري السلبي(أولا) والذي كان له الأثر اواضح على القضاء الإداري المغربي (ثانيا).

أولا: موقف القضاء المقارن

استقر القضاء الإداري الفرنسي كمبدأ عام على عدم جواز وقف تنفيذ قرارات الرفض مع بقاء الحق في طلب إلغائها قائما، إلا إذا كان بقاء هذه القرارات متضمنا تغيرا في مركز قانوني أو واقعي سابق لصدورها[15].

وقد أجمل مجلس الدولة الفرنسي المبدأ العام الحاكم للموضوع من حكم Amoros الصادر في 23 يناير 1970 وهو أول حكم يحدد بصربح اللفظ والعبارة ظوابط وقف تنفيذ القرارات الإدارية السلبية، ويتعلق الأمر في هذه القضية برفض السلطات المختصة إجراء الترتيب والتصنيف اللازمين للتعيين في وظائف الأطباء بعد إجتياز المرشحين للإختبارات كما رفضت إبلاغهم بتقديراتهم في هذه الإختبارات والتي على أساسها يجري ترتيبهم وتعينهم حسب عدد المناصب الشاغرة فطعن الطلبة أصحاب الشأن ضد هذه القرارات أمام المحكمة الإدارية في مرسيليا مع طلب وقف تنفيذها.

وبسبب قضاء المحكمة بوقف التنفيذ إستأنف وزير الدولة للشؤون الإجتماعية حكمها أمام مجلس الدولة الذي انتهز المناسبة لتحديد وضع القرارات السلبية من إمكانية وقف التنفيذ مقررا أنه:

  • في المبدأ لا يستطيع القاضي الأمر بوقف التنفيذ إلا إذا تعلق الأمر بقرار تنفيذي وذلك نتيجة لمبدأ عدم استطاعة القاضي توجيه أوامر للإدارة.
  • لا يتسنى بناء على ذلك وقف تنفيذ قرارات الرفض إلا في الأحوال التي يترتب فيها على تنفيذ القرار تغيير في مركز قانوني سابق لإصداره، وانتهى مجلس الدولة إلى رفض طلب وقف التنفيذ بعدما تبين أن قرار الرفض لا يترتب عليه أي تغيير في المراكز القانونية للطاعنيين.

لكن المشرع الفرنسي ورغبة منه في تعزيز حماية حقوق وحريات الأفراد في مواجهة السلطات الإدارية أدخل سلسلة من التعديلات على القوانين المنظمة للقضاء الإداري والتي أدت بدورها إلى التخلي على الإجتهاد القضائي الفرنسي في قضية Amoros وتمثل أبرزها في قانون  فبراير 1995، الذي منح للقاضي الإداري بموجبه سلطة توجيه أوامر للإدارة لإتخاد الإجراءات الضرورية والازمة التي يتطلبها تنفيذ حكمه أو قراره.

ويختلف الوضع في مصر عن فرنسا بالنسبة للقرارات الإدارية السلبية ذلك أنه لا فرق بين القرارات الإدارية السلبية والإيجابية كلاهما محل لطلب وقف التنفيذ بالقواعد والشروط ذاتها، وتطبيقا لذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بأن الإمتناع باعتباره قرار سلبي قابل للطعن بالإلغاء فإن الدعوى بطلب وقف التنفيذ تكون مقبولة، وقد اعتبر أنه لو قصرنا الطعن على القرار الإيجابي لأعطينا للإدارة الفرصة للإفلات من الخضوع لأوامر المشروعية[16].

ثانيا : موقف القضاء الإداري المغربي:

اذا كانت المحاكم الإدارية بالمغرب استطاعت أن تؤسس موقفها بشكل واضح من خلال استجابتها لطلب ايقاف تنفيذ القرار السلبي، كما هو الشأن بالنسبة إلى الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالبيضاء، بتاريخ 31 دجنبر 2007[17] والقاضي بالحكم بإيقاف تنفيذ القرار الإداري القاضي بمنع الطرف الطالب من التسجيل بالسنة الثالثة من سلك التكوين المستمر بالمعهد العالي للتدبير والإعلاميات إلى حين البث في دعوى الإلغاء، وحيث أنه تأسيسا على ما ذكر فإن القرار المطلوب إيقافه يندرج ضمن خانة القرارات السلبية التي يترتب عن تنفيذها تغيير في مركز قانوني سابق لصدورها، وهو ما أكدنه  في حكمها الصادر عن المكمة الإدارية بارباط بتاريخ [18]2012، التي أقرت أنه استثناء من الأصل العام يجوز النظر في طلب إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية السلبية متى ترتب عن تنفيذها مسا بحقوق مكتسبة ،  وأن الاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ قرار إداري رهين بجدية الوسائل المعتمدة في طلب الإلغاء ووجود أضرار يتعذر تداركها مسقبلا وتقدير ذلك متروك للسلطة التقديرية للمحكمة .

فإن موقف محكمة النقض سار خلافا لهذا الإتجاه حيث أقرر أن القرارات السلبية الصادرة عن الإدارة لا تعتبر قرارات تنفيذية بالمعنى الإصطلاحي الذي تكتسبه القرارات الإيجابية، وهذا ما جاء في قرار 62 الصادر 15 يناير [19]2004 حيث اعتبر قرار رفض تجديد الإقامة يعتبر قرار سلبي غير قابل للتنفيذ، هذا الموقف تم إنتقاده من طرف الأستاذ أمال المشرفي مذكرا بموقف مجلس الدولة الفرنسي بخصوص قضية Amoros وبمستلزمات التخلي عن الإحتفاظ بمبادئ أصبحت متجاوزة حيت في واقع الحال أن موقف محكمة النقض لم يأخد في الإعتبار الخصوصيات التي تتناسب والأوضاع الحالية[20].

المطلب الثاني: محدودية إيقاف تنفيذ القرارات السلبية للإدارة

باعتبار ايقاف التنفيذ يؤدي إلى اعتداء السلطة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية فإن ذلك يؤدي إلى صدور القرار من القاضي بدلا من الإدارة، مما يعد اعتداء على مبدأ الفصل بين السلطات، ويذهب جانب من الفقه إلى القول بأن رقابة القضاء على مشروعية قرارات الإدارة والتي من بينها سلطة وقف التنفيذ، لا يمكن أن تعد تدخلا من القاضي الإداري في أعمال الإدارة وإلا لاختفت رقابة المشروعية أصلا، واختفى مع اختفائها القاضي الإداري،[21] فوقف تنفيذ القرار الإيجابي يعني هو الأخر أمر للإدارة بأن تعدل ما امتنعت عنه ففي الحالتين يوجد أمر للإدارة، وعلى الرغم من الموقف القائل بأن وقف تنفيذ القرار السلبي يمكن أن يلحق أضرار أو شلل بالمرفق العام فلا فرق بين هذه الحالة وحالة وقف تنفيذ قرار إيجابي بل إنه قد يكون من الاسهل للإدارة أن تمنح مؤقتا ما امتنعت عن فعله من أن توقف ما قامت به فعلا.

إلا أن الرأي الغالب استقر على عدم جواز وقف تنفيذ قرارات الرفض إلا إذا كان من شأن تنفيذها احداث تغيير في مراكز قانونية او واقعية لأصحاب الشأن سابق لصدرها، وهو ما أخد به في حكم Amoros الشهير لأنه بدون ذلك يعتبر وقف التنفيذ أمرا موجها إلى الإدارة.

وإذا كان الاجتهاد القضائي الإداري في المغرب لم يخط بعد خطوات جريئة في هذا الاتجاه، فإن أرضية تبني منحى الاجتهاد القضائي الإداري الفرنسي متوفرة بدليل أن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ما فتئت تلوح في بعض قراراتها، بأن للقاضي الإداري سلطات واسعة في مراقبة كل القرارات الصادرة عن الجهة الإدارية سواء منها الإيجابية أو السلبية، وأنه عند الاقتضاء يمكن للقاضي إلزام الإدارة بتعديل أجزاء من قراراتها إذا كانت تخالف الشرعية وتنأى عن روح القانون ومبادئ العدالة وأخلاقيات الإدارة[22].

وبعد استقراء حجج مؤيدي ومعارضي وقف التنفيذ نرى ضرورة توسيع الإجتهاد القضائي ليشمل وقف تنفيذ القرارات السبية نظرا لما يوفره من ضمانات جدية لمصالح ذوي الشأن ومن أجل تحقيق التوازن بين طرفي الخصومة.


[1] محمد الأعرج: القانون الإداري المغربي، الجزء الأول سلسلة مواضيع الساعة العدد 66 سنة 2010، ص 199.

[2] الحسن السيمو : القرار الإداري والمصلحة العامة، مجلة المحكمة الإدارية، العدد الأول، منشورات وزارة العدل، سنة 2001، ص: 9.

[3] مليكة الصروخ: مشروعية القرارات الإدارية الطبعة الأولى سنة 2001، ص  113.

[4] سعد  الشتيوي العنزي: الرقابة القضائية على القرار الإداري السلبي، مجلة القضاء الإاري، العدد الأول سنة 2012 ص 15.

[5] مصطفى التراب: إلزام الإدارة بتعليل قراراتها تخليق للمرفق العام وترسيخ لقيم المواطنة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مواضيع الساعة 59 سنة 2008، ص 86

[6] محمد السيد عبد المجيد: نفاذ القرارات الإدارية وسريانها في حق الأفراد، السنة 2002، ص: 42

[7] محمد فؤاد عبد الباسط: وقف تنفيذ القرار الإداري دار الفكر الجامعي سنة، 1997 ص 135.

[8] سعد الشتيوي العنزي: القرار الإداري السلبي في الفقه والقضاء الإداري، دراسة مقارنة، مجلة الحقوق العدد 3، السنة 34 السنة 2006، ص 264.

[9] محمد منقار بنيس : إيقاف التنفيذ القرارات الإدارية في التشريع المغربي بالمقارنة مع تشريعات أخرى، منشورات المجلة المغربية للإدارة التنمية المحلية، سلسلة مواضيع الساعة العدد 9.سنة 1994 ص: 111.

[10] محمد فؤاد عبد الباسط: مرجع سابق، ص 155.

[11] محمد منقار بنيس : مرجع سابق   ص: 113.

[12] محمد فؤاد عبد الباسط: مرجع سابق، ص 139.

[13] الفصل 361 : لا يوقف الطعن أمام محكمة النقض التنفيذ إلا في الحالات الآتية : في الأحوال الشخصية, في الزور الفرعي, التحفيظ العقاري, يمكن علاوة على دلك  للمجلس الأعلى بطلب صريح من رافع الدعوى و بصفة استثنائية أن يأمر بإيقاف تنفيذ القرارات والأحكام الصادرة في القضايا الإدارية ومقررات السلطات الإدارية التي وقع ضدها طلب الإلغاء

[14] الفصل 24: للمحكمة الإدارية أن تأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري رفع إليها طلب يهدف إلى إلغائه، إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة.

[15] سعد  الشتيوي العنزي: الرقابة القضائية على القرار الإداري السلبي، مجلة الحقوق، مرجع سابق ، ص 266.

[16] سعد  الشتيوي العنزي: الرقابة القضائية على القرار الإداري السلبي، مرجع سابق، ص 282.

[17] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء رقم 733 بتاريخ 15 يناير 2004، المجلة المغربية المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 81-82 سنة 2008 ص 309.

[18] حكم المحكمة الإدارية بالرباط، حكم رقم 1238 بتاريخ 2012-9-4، ملف رقم 2011-4-123.

[19] قرار رقم 62 الصادر بتاريخ 15-1-2004 ملف إداري عدد 3006-4-1-2003.

[20] Mecherfi (A) , soursis à exécution et décision de rejet , RMALD n 37, 2001, p:147.

[21] Mohammed Amine BENABDALLAH , L’octroi du sursis à exécution d’une décision administrative négative Note sous T.A., Casablanca, 31 décembre 2007.

[22] )A(. Mecherfi, op. cit. p. 151

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!