الانتخابات الرئاسية: الجسر بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية

د. ضياء الدين زاهر

من السادس إلى الثامن والعشرين من شهر مايو الماضي توجه خمسة وعشرون مليون ناخب مصري تقريباً ممن لهم حق التصويت لصناديق الاقتراع لانتخاب “رئيس الجمهورية الثالثة” لمصر من بين مرشحين من مؤيدي الشرعية الثورية.

والمتابع للمشهد السياسي يرى أن هذه الانتخابات الرئاسية هي الثانية بعد قيام ثورة 25 يناير 2011، (وملحقها في 30 يونيو) التي هي أعظم ثورات مصر في العصر الحديث ومن هنا فإن هذه الانتخابات تمثل في تحليلها النهائي رهاناً سياسياً ودستورياً قادر على نقل الحياة السياسية المصرية من أزمتها المرتبطة بالشرعية الثورية إلى نجاحاتها المرتبطة بمسيرة (الشرعية الدستورية الفاعلة، والقائمة على تحقيق إنجازات وأداءات حقيقية في مسيرة التنمية المجتمعية الحضارية المستدامة في إطار ضوابط دستورية مستقرة.

لذا، فإن هذه الانتخابات تصبح بمثابة علامة فارقة بين عهدين في مصر بعد الثورة؛ العهد الأول هو الذي روجت فيه جماعة الإخوان وحركات الإسلام السياسي لفكرة حتمية إجراء الانتخابات التشريعية قبل “وضع الدستور” وهذا الترويج يرتبط بتحقيق مصالحها بالدرجة الأولى. والعهد الثاني نابع من خلال التجربة الديمقراطية، والتي أكدت أن وضع الدستور سابقاً على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية هو السبيل نحو تأسيس شرعية من نوع مستقر، هي الشريعة الدستورية المجتمعية.

وغير بعيد ما أحدثه “العهد الأول” من هدر في إمكانات مصر وتفريط في مقدراتها وقاد إلى “حالة كارثية” لم تمر بها مصر من قبل، وبالتالي تهددت المسيرة الديمقراطية بها؛ الأمر الذي قاد إلى تولد غضب وتمرد تمخضت عنه الثورة المكملة ثورة 30 يونيو المجيدة التي وقفت ضد الإرادة الإخوانية المتصاعدة والموجهة نحو تنفيذ مصالح الولايات المتحدة والدول المتحلقة حولها سواء إسرائيل أو تركيا أو قطر.

ولما كان هدفنا في هذا التحليل هو معالجة سريعة للانتخابات الرئاسية على وجه التحديد، وفي نفس الوقت فإن مقام التقديم لا يسمح لنا بفضل القول في التحليل الدقيق والصارم لهذه الانتخابات. فمن اللائق التشديد على الموضوعات الكبرى المرتبطة بتلك الانتخابات.

حيث يتعذر أن نتبين الدلالة الحقيقية الكاملة لكل ما يحيط بتلك الانتخابات، ولا يتسع المقام هنا إلا لعدد قليل من الاعتبارات والآراء المحيطة بمدى قدرة هذه الانتخابات على الانتقال السريع والفوري من وضعية الشرعية الثورية بكل اختلاجاتها إلى “مسارات الإنجاز” لتحقيق مطالب “الشرعية المؤسسية والمجتمعية” لذا، فإننا سوف نهتم فقط بمحاولة التصدي لأهم القضايا المصاحبة للانتخابات ولعل في مقدمتها:

أولا ً: البيئة السياسية للانتخابات الرئاسية

إذا كنا مطالبون بالنظر إلى البيئة التي سبقت الانتخابات وأحاطت بها كمنظومة مجتمعية متكاملة لا تجوز تجزئتها بأي شكل من الأشكال دون إدراك العلاقات والوشائج بين منظوماتها الفرعية، فإن الأمر لا يستبعد، في نفس الوقت، فحص هذه المنظومات كلا على حدة بغرض إعطاء تحليل موجز عن مسئولية كل منظومة فرعية في التأثير على تلك الانتخابات وعلى لغة الخطاب لدى كل من المرشحين.

لذا، فإننا إذا ألقينا نظرة أولية مبسطة على تلك المنظومات نكون في وضع يسمح لنا بأن نضع أمام القارئ الكريم بعضاً من أهم القوى والعوامل الأساسية التي تميزت بها البيئة التي سبقت عقد الانتخابات، وتلك التي صاحبتها. وبهذا الأفق يمكننا رؤية أحداث هذه البيئة من خلال مشهدين كبيرين: المشهد الأول مجتمعي (داخلي) والآخر دولي (خارجي).

فعلى مستوى المشهد المجتمعي (الداخلي)؛ فقد سادته جملة قضايا ساخنة لعل في مقدمتها؛ “استفحال الأزمة الاقتصادية” المتمثلة في تزايد العجز في الموازنة العامة بشكل لم يحدث في تاريخ مصر، وما واكب ذلك من تزايد معدلات بطالة فاقت 14 % كما عاني الاقتصاد من عدم التوازن بين قطاعات الإنتاج المختلفة، ومن تزايد معدلات الإضرابات والامتناع عن القيام بالعمل والسعي لاستغلال الظروف لرفع الأجور مما قاد لطرح إشكالية مزمنة تتصل بالحد الأدنى والأقصى للأجور، في ظل تضخم الجهاز البيروقراطي المصري وما يفرضه من أعباء ثقيلة على الاقتصاد أما أسعار السلع فقد ارتفعت بشكل غير مسبوق، وتفاقم حجم المديونية، الداخلية والخارجية، ليصل إلى آفاق متعاظمة حدودها مئات المليارات من الدولارات بفعل الحصار المفروض على مصر من جانب القوى الكبرى والمناوئة للثورة والساعية لرسم سيناريوهات مأساوية لتفكيك مصر.

“أدت الأوضاع المتردية إلى تفاقم مشكلات اجتماعية حادة قادت إلى ظهور سلوكيات مناهضة للقيم الاجتماعية التي كانت سائدة”.

وقد قاد هذا كله إلى “ركود اقتصادي” بالغ أسهم في إفلاس الآلاف من المصانع والشركات وزاد بدوره من معدلات البطالة، المتزايدة أصلاً، فتفشى الكساد وارتفعت الأسعار وكانت نتيجة هذه الدائرة الجهنمية انخفاض بالغ في حجم الاستثمارات الخارجية بحيث وصلت لحدود دنيا. كما صاحب هذا كله تدهور في “عائدات السياحة” وتراجع في قيمة الجنيه المصري، وانخفاض “الاحتياطات من العملة الصعبة” إلى مستوى متدن. الأمر الذي جعل المؤسسات الاقتصادية الدولية تصنف مصر ضمن الدول المهددة بالإفلاس. وفقد الشعب ثقته تدريجياً في قدرة الدولة على الصمود أمام هذا الانجراف السريع نحو تفكك الدولة.

كما اتسم “المشهد الداخلي أيضاً” بتزايد أعمال العنف الممارس من جماعة الإخوان الإرهابية، حيث كانت تجمعاتهم تخرج في كل جمعة بزجاجات المولوتوف والأسلحة النارية تروع الآمنين، وتنشر الخراب، وتحرق الجامعات، وتتحرش بالفتيات، كانوا يظنون أنهم سيحققون بالإرهاب مبتغاهم، وعندما وجدوا أن الشرطة والجيش درع الشعب، وحماة له، وأنهم لن يسمحوا بحال من الأحوال أن يتركوا الشعب فريسة لهذه الذئاب الجائعة للدماء التي لا تعرف إلا القتل وسفك الدماء، لا تفرق بين طفل وشيخ، امرأة ولا عجوز. بدأوا يتحولون إلى الجيش والشرطة يقتلونهم غيلة وغدرا، ليجبروا على التخلي عن الشعب ولكن فروسية الجيش وشهامة الشرطة ويمين الولاء للشعب جعلهم يضعون رءوسهم على أكفهم يدافعون عن إخوتهم في الوطن حتى كاد الإرهابيون أن يندحروا، ويخفت صوتهم، وتضعف عزيمتهم.

وقد استغل التراجع الاقتصادي وتوابعه من بطالة وكساد وغلاء وفقر في تصعيد الفئات الاجتماعية لمطالبها لتحقيق التكامل والعدالة الاجتماعية. كما أدت الأوضاع المتردية إلى تفاقم مشكلات اجتماعية حادة قادت إلى ظهور سلوكيات مناهضة للقيم الاجتماعية التي كانت سائدة وفي مقدمه هذه السلوكيات؛ التحرش الجنسي والتمييز الديني وتزايدت معدلات إدمان المخدرات بين الشباب خاصة، وزادت معدلات انتشار الجريمة وزاد التفكك الأسرى وتزايد الصراع الديني .. إلخ . مما جعل المشهد الداخلي محاطاً بالفوضى وعدم الاستقرار والإحباط وعدم الثقة.

في حين كان المشهد الدولي (الخارجي)؛ ينبض حقداً وغضباً على ثوار 30 يونيو وعلى الجيش المصري بفعل تأثير التنظيم الدولي للإخوان، فقد عانت مصر من تربص القوى الدولية من ثورة الشعب المتجددة في 30 يونيو وما أعقبها من إعلان «خارطة الطريق». وكان على رأس هذه القوى المناوئة لمصر «الولايات المتحدة الأمريكية» التي راهنت على الإخوان، وهي لا تعلم طبيعتهم، وتجاهلت التيار الشعبي الجارف ضدهم، وسار في ركابها من تحلق حولها، فعزلت مصر عن جيرانها، وحرضت إثيوبيا ضد مصر مهددة حياة الشعب كله بحرمانه من شريان الحياة (أي مياه النيل)، ومالت “أوربا” معها بفعل الضغوط الممارسة من قبل التنظيم الدولي للإخوان المتغلغل في أنحائها بما يملك من مليارات، ومن دعاية مدفوعة الثمن لوسائل الإعلام والإعلان، ومن استغلال لوقوف الجيش الوطني مع الشعب الثائر مستغلة حساسية أوربا من الحكومات العسكرية.

كذلك برز في الموقف الخارجي الدور المشوه الذي قامت به “تركيا” في الوقوف المساند للجماعة الإرهابية وانضمام “قطر” الدولة العربية لتيار الإخوان، وتسخيرها لفضائيتها المشبوهة «الجزيرة» المأجورة الخائنة لقضايا الأمة، والتي أتاحت الفرصة لعالم من علماء المسلمين أن ينسى علمه ويتنكر لفقهه ويدافع عن هذه الجماعة الإرهابية. ويفتي بتحريم المشاركة في الانتخابات الرئاسية أو ما أطلق عليها اسم “انتخابات الدم”، وحرض على الخروج على سلطة الدولة. وفي نفس الوقت تحريض إخوان «ليبيا» وزعماء القاعدة لدى “حماس” على تهديد مصر وإمداد الإرهابيين في سيناء بالأسلحة والدفع بالمجرمين من أنصار بيت المقدس للعبث بحياة المصريين الأبرياء.

ولكن وسط هذا الظلام بقيت الحكمة العربية، والإيمان بدور مصر ينبضان في قلوب الدول العربية فساندت ثورة الشعب وأيدت توجهه، وأعلنت وقوفها بجواره مساندة ومؤيده ومعينة واعية بأن مصر هي القلب، وأن سقوطها سقوط للأمة كلها. فكان لدور “المملكة العربية السعودية” في دعم ثورة الشعب في مصر تأثير السحر وكان بمثابة الظهير القوي الذي حمى هذه الثورة وأمدها بدعم سياسي ومالي مشكور وكذا دور كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت كان له نفس، التأثير.

ثانيا ً: شائعات مغرضة حامت حول الانتخابات

لقد كانت فترة الانتخابات فترة خصبة لرواج الشائعات، وإطلاقها، من جهات متعددة عن عمد وبسوء ظن في كل الأحوال، ومحاولة لإفساد الانتخابات، لجعل الجماهير تبتعد عن التصويت لاستغلال ذلك في المواقف السياسية المحتدمة. وقد تواكبت الشائعات مع بدء الحملة الانتخابية وأثنائها حتى انتهاء التصويت بأيامه الثلاثة، واشترك في نشر الشائعات الفضائيات والجرائد المختلفة بل وبعض النخب، من أصحاب المصالح والمرتبطين باتجاهات سياسية محددة.

ولا يوجد خلاف في أن من كان وراء هذه الشائعات الإخوان والمتعاطفون معهم وبعض الأجهزة الاستخباراتية للدول المؤيدة لهم، وأجهزة الإعلام الخاصة بالدول الحاقدة عن صمود الشعب ضد سلطان الجماعة الإرهابية.

ومن أكثر الشائعات رواجاً أن «نسبة التصويت منخفضة» وأن هناك عزوفاً واضحاً عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية باعتبارها تمثل دعما للانقلاب على حد قولهم، كما حرصوا أن يطلقوا على غضبة الشعب في 30 يونيو، وقد تزعمت قناة الجزيرة الحملة، وأخذت تدلل عليها بالأكاذيب عن قلة الطوابير أمام اللجان، وإظهار الصور وتكرار ظهورها للتأثير على الجماهير. وشارك في الحملة بكثافة القنوات الفضائية لأنصارهم والمتعاطفين معهم.

وقد تغافل هؤلاء الحاقدين عن عمد عن الأسس المرعية ق حساب نسب المشاركة الفعلية داخل الصندوق. وقد أوضح تقرير “ابن خلدون” للرقابة على الانتخابات، وهو تقرير غير متهم ومعروف بحياديته وانتهاجه المنهج العلمي إن:

“من الخطأ اعتبار طول الطوابير وتكدس المواطنين أمام اللجان معيارا لقياس نسبة المشاركة حيث إنه لم يكن هناك مبرر للتكدس مع كثرة عدد الجان عن الانتخابات السابقة، ولغياب وسائل الحشد غير الشرعية التي كانت تنتهج من قبل من “الطوابير الدوارة” و “تسويد البطاقات” وتعطيل الطوابير في لجان معينة”.

كذلك لم تظهر الرشاوى الانتخابية من أموال ونقل جماعي، وظن الإخوان بأنهم بسحبهم بطاقات بعض البسطاء ودفعهم أموالاً لهم حتى لا يدلوا بأصواتهم أن ذلك سيؤثر على مشاركة الجمهور في التصويت.

وقد أجمع المراقبون “الدوليون” (الاتحاد الأوربي وبلغ عدد مراقبيه 2940 مراقباً موزعين على كافة لجان الانتخاب، ومراقبوا الاتحاد الإفريقي، والكوميسيا، وتجمع الساحل والصحراء، ومؤسسات ومنظمات أمريكية أخرى أهمها مؤسسة كارتر) والمراقبون الإقليميون (وفي مقدمتهم الجامعة العربية)، وبالإضافة إلى ذلك المراقبون المحليون (وعلى رأسهم اللجنة العليا للانتخابات، وأكثر من تسعين من منظمات المجتمع المدني المعنية، من بينها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، والمركز المصري لحقوق المرأة، ومركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية …… الخ) . لقد أجمعوا جميعاً ومعهم المرشحان للرئاسة على نزاهة القضاة، وإدارتهم للانتخابات بمستوى عال من التنظيم، وأنهم سمحوا للجمهور بالدخول لفناء اللجان حماية لهم من الحر الشديد مما لم يحدث معه تكدس وقد حرصت الفضائيات المريضة على تصوير بعض اللجان في أشد أوقات الظهيرة حرارة ليؤكدوا شائعاتهم المغرضة.

وقد دللت الإحصاءات النهائية التي صدرت عن اللجنة العليا للانتخابات كذب الادعاءات بعزوف المصريين عن المشاركة.

حيث شارك 47.54 % ممن لهم حق الاقتراع، (حصل منها المشير السيسي على 96.9% من إجمالي الأصوات الصحيحة للناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في الداخل والخارج في الانتخابات الرئاسية) وإذا نظرنا إلى الانتخابات حول العالم سنجد أن نسبة التصويت والمشاركة عندنا نسبة جيدة في مثل هذه الظروف، وعلى سبيل المثال ففي البرتغال لم يتوجه إلى الانتخابات الرئاسية 2011 سوى 46.5 %، والانتخابات البرلمانية الأوربية وصلت نسبة المشاركة إلى 43.5 %.

فهناك تدن عام في المشاركة في الانتخابات على مستوى العالم مما دفع إلى إجراء دراسات لاقتراح وسائل تحسين نسبة المشاركة.

ولكن المبهر حقا أن يحصل المرشح للرئاسة على 96.9 % من جملة أصوات الناخبين الصحيحة في الانتخابات الرئاسية، وهو أمر يفوق الوصف لاسيما في ظل نزاهة الانتخابات. إذن فالتساؤل الموضوعي يصبح:

ما السبب إذن وراء هذا الإقبال الشعبي الواسع النطاق، من كل الفئات رجالا ونساء وشبابا وشيوخاً على التصويت رغم التهديدات بالموت من جانب جماعة الإخوان وأنصار جماعة بيت المقدس، ودعوات المفتي العام لهم “يوسف القرضاوي” بتحريم المشاركة في صناديق الانتخاب، وإشاعتهم بوجود قنابل متفجرة أمام اللجان حتى لا يذهب الناخبون خوفاً على حياتهم؟

الإجابة بالطبع هي الرغبة الجارفة لدى جموع الشعب المصري في إحداث تغيير جذري في الأوضاع المتردية وفي المكانة المتراجعة لمصر، لذا تخلى هذا الشعب العظيم عن روح اللامبالاة التي صاحبته أثناء فترات حكم مبارك والإخوان وأعلن رأيه بقوة.

ومن بين أهم الشائعات كذلك تلك التي روجها الإخوان للتشكيك في “مشاركة الشباب”، لمحاولة إثارة صراع بين الأجيال، ونشروا على مواقع الاتصال الاجتماعي ما يقود إلى تأجيج الفتنة بين الأجيال، ولا يمكن الجزم بمثل ذلك في غياب البيانات الإحصائية الدقيقة، وخاصة مع هذا العدد الضخم الذي توجه إلى الانتخابات فلا يعقل معه عزوف الشباب أو انصرافهم عن المشاركة.

ولعل الاحتفالات التي قادها الشباب بعد إعلان نتيجة الانتخابات هي أكبر دليل على هذه الأكذوبة التي روجوا لها فالشباب ينظر إلى المستقبل ويأمل أن يحقق آماله وآمال وطنه بكفاحه وعمله وعلمه.

ثالثا: اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية

تمتعت اللجنة الانتخابية بوضعية طيبة لأول مرة في مصر:

– حيث كانت هيئة قضائية بالكامل.

– توافرت لها كافة الضوابط والضمانات التي تحقق أقصى درجات النزاهة والشفافية.

– اتبعت قانونا للانتخابات تحميها من البطلان أمام المحاكم.

– حرصت على زيادة عدد اللجان بشكل يضمن سلامة وسهولة أداء الناخبين لأصواتهم.

على أنه مما يمكن أن يوجه لها من مآخذ ينحصر في كونها إلا أنها وجهت لها أيضاً مجموعة من السلبيات.

– قد أعلنت نتيجة تصويت المصريين في الخارج قبل انتهاء الانتخابات في الداخل، مما أوحى بأن الانتخابات نتجه لصالح أحد المرشحين.

– لم تراع التحولات المناخية القاسية ممثلة في الارتفاع الشديد لدرجة الحرارة، وهذا يشير إلى عدم وجود تنسيق مشترك بينها وبين مصلحة الأرصاد الجوية.

– أساءك في اختيار أيام التصويت في منتصف الأسبوع وكان يمكن أن تكون في غير هذه الأيام.

– مدت التصويت ليوم ثالث مخالفة بذلك ما أصدرته من قبل.

– لم تراع تصويت الوافدين بالصورة التي تيسر عليهم الأداء بأصواتهم.

ورغم هذه الملاحظات التي أخذت على اللجنة فإن المحللين وجدوا بعض الدفوع عن هذه المواقف ومنها:

– أن إعلان نتيجة الاقتراع في الخارج اتفق مع قانون الانتخاب، حيث إنه أقر بأن تعلن النتائج في اللجان الفرعية ويسلم كل مندوب لمرشح نسخة من النتيجة، فلم يكن هناك مبرر بعد ذلك لعدم الإعلان.

وأنها اضطرت لمد يوم ثالث نظراً للحرارة الشديدة للجو، وأن الانتخابات جاءت في أيام مناسبة دينية يصوم فيها كثير من المصريين (الإسراء والمعراج)، ولكي تعطي قبل هذا فرصة مناسبة للوافدين، ولمن لم يتمكنوا من إعطاء صوتهم ليدلوا بصوتهم، وخاصة بعد السعار الذي قامت به أجهزة الإعلام والفضائيات، وما أوصت به من عزوف كثير من الناس عن إبداء صوتهم.

(من الخطأ اعتبار طول الطوابير وتكدس المواطنين أمام اللجان معياراً لقياس نسبة المشاركة حيث إنه لم يكن هناك مبرر للتكدس مع كثرة عدد الجان عن الانتخابات السابقة، ولغياب وسائل الحشد غير الشرعية).

ومما يحسب لهذه اللجنة العليا للانتخابات، استجابتها لنداءات منظمات العمل المدني بمد الانتخابات ليوم ثالث، وإعطاء الحكومة إجازة فيه، وإسهام رجال الأعمال بالسماح للموظفين والعاملين بإجازة تسمح لهم بإبداء آرائهم، كما في تقرير إحدى أهم منظمات المجتمع المدني التابعة للانتخابات. وهذا لم يمنع الشعور بتردد اللجنة في اتخاذ القرار بعد أن سبق إعلانها عن عدم مد أيام الانتخاب.

ومهما يكن من أمر فإن هناك أموراً صغيرة قد تنال بعض اللوم، ولكنها في الوقت ذاتهتنم عن مرونة في عمل اللجنة من أجل الصالح العام، خاصة بعد سنوات طويلة من انتخابات لم تعبر عن الرأي الحقيقي للمصريين، فهذه الانتخابات من وجهة نظر كل المراقبين والسياسيين والمواطنين المنصفين من أكثر الانتخابات نزاهة وشفافية في تاريخ مصر منذ انتخابات عام 1923.

واللافت للنظر أن رئيس اللجنة القضائية قد صرح بأنه مجموع من اقترعوا في اليوم الثالث كان أقل من مليوني صوت؛ الأمر الذي لا يؤثر من قريب أو بعيد بالنتيجة النهائية.

رابعا ً: المرأة والانتخابات

من الظواهر التي واكبت الانتخابات سواء في 2012 أو الانتخابات الرئاسية الأخيرة في 2014 ، ظهور دور المرأة كدور فاعل ورئيسي، ومرجح، ولا شك أن هذا الدور يعتبر تطوراً طبيعياً لمعاناة المرآة في الظروف التي أحاطت بالمجتمع، والتي قادت لمزيد من التراجع الاقتصادي في الحياة اليومية والمخاوف التي أحاطت بها مع الهجمة الإرهابية للإخوان، وما تعيشه من خوف على فقد الزوج أو الولد من جراء القتل العشوائي الذي انتهجه الإخوان، والرغبة في إثبات الذات بعدما أنتابها في الفترة القليلة التي تمكن منها الإخوان من تهوين من شأنها، والنظر إليها بدونية على أنها مواطنة لا هوية لها إلا هو التابع لرجل أب أو زوج أو حتى ابن.

ومن هنا كان خروجها القوي وتحديها للضعف وانضمامها لمن توقعت نصرته لها والرفع من شأنها وإعطائها حقها المغتصب عبر الأزمان، وكذلك رغبتها الحقيقية في المشاركة في تنمية مجتمعها وتحقيق عدالته الاجتماعية كأساس لبناء مجتمع ديمقراطي حر وواع، وحريصة أن تكون رغبتها هذه مقرونة بدور فاعل يعبر عن إمكاناتها المتعددة.

خامسا ً: رهان على المستقبل

الآن وقد وجد الرئيس الذي التفت حوله جماهير الشعب بنسبة غير مسبوقة من خلال انتخابات حرة شفافة، أصبحت مسئوليته عظيمة بمقدار من أحاطوا به وناصروه واختاروه حاكماً.

وسينظر إليه الجميع منتظرين الأمل الذي كانوا يرجونه، والمستقبل الذي يطمحون إليه، ينتظرون اقتصاداً ناهضاً، وأمنا دائماً، واستقرارا مطمئناً في ظل ضوابط وقواعد دستورية حاكمة وملزمة للحاكم والمحكوم.

إذن فأمام الرئيس تحديات كبرى وقضايا صعبة تحتاج إلى الحكمة والتدبير، وإلى المال والاستثمار، وإلى المنهجية غير التقليدية التي تفرز حلولا مبدعة لمشكلات مزمنة، وبالتالي تعدل المسار إلى الأفضل والأحسن ودون ذلك لن يرضى الشعب الذي اختار.

تأسيساً على ذلك فإن أهم مفردات الأجندة التي ستكون كاشفة عن قدرته وقيمته هي:

تبنى إستراتيجية مستقبلية مصرية لعقدين كاملين على الأقل، تقود مجمل العمل التنموي والنهضوي لمصر، وتحدد موقعه التصاعد باستمرار في خريطة القوى الدولية والإقليمية وتحدد الرؤية أمام كل فئات الشعب وتساعده على التصدي لكل التحديات (بفرصها ومخاطرها) التي يتوقع أن يواجهها خلال العقود القليلة القادمة.

تدعيم شرعية سلطة الدولة وهيبتها، ويصبح تحقيق الأمن بكل أبعاده هو المؤشر الأعلى لذلك في ظل إعادة الثقة بين المواطن والسلطات الأمنية.

قيادة التحديث الاقتصادي ومعالجة كل مفردات الأزمة الاقتصادي الخانقة، والقضاء كل مظاهر الفساد والترهل الإداري والبطالة بكل صورها.

تقوية البعد الاجتماعي في سياسة الدولة وتصميم الإصلاحات الاجتماعية في كل قطاعات التعليم والصحة والغذاء والعمالة والسكن والتكامل والخدمات الاجتماعية.

استعادة مصر لمكانتها الإقليمية كإقليم قاعدة وتعزيز صلاتها بشتى بلدان العالم.

غرس قيم الديمقراطية والشفافية وتعزيز إرادة الناخبين، والقضاء على حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي وإعادة هندسة الحياة السياسية والحربية.

البدء في تنفيذ مشاريع قومية حضارية جاذبة تستقطب طاقات الشباب خاصة وتستثمر قدراتهم المبدعة على نحو غير مسبوق وتجدد ثقتهم في وطنهم، وتقضي على حالة الاسترخاء التنموي والاستقطاب السياسي التي أصابت بعضهم، وتنقل بالتالي الشرعية الثورية إلى شرعية دستورية قوامها العمل والإنجاز والإبداع.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

En savoir plus sur فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture