حكم استبدال عقوبة التعزير بالأعمال التطوعية
| إعداد |
| الدكتور / نجاء بن طلق بن نجاء العتيبي |
| دكتوراه في الفقه من كلية الشريعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة |
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فالجريمة قديمة قدم البشرية، فأول جريمة حصلت على وجه الأرض جريمة القتل بين ابني آدم، قال تعالى: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ) [المائدة: 27]، فكانت هذه الجريمة شرارة انطلاق الجرائم على وجه الأرض، وتتنوع الجرائم المرتكبة، ما بين قتل وغيره، وبناء على تنوع الجريمة تنوعت العقوبات، وفي ظل تطور علم الجريمة والعقوبة، وظهور الدارسات النفسية وغيرها، وانتشار عقوبة السجن عقوبة على الكثير من الجرائم من باب التعزير، والعقوبات التعزيرية التقليدية كالسجن للجناة، وحرمانهم من الحرية، أو تعريضهم للعقوبات البدنية التعزيرية، كالجلد له الكثير من الآثار الشخصية والاجتماعية على الجاني نفسه وعلى المجتمع ككل، وعليه؛ فإن الحلول البديلة هي ضرورة إنسانية واجتماعية وتنموية، ومن هنا جاءت فكرة العقوبات البديلة، ونظراً لأهمية هذا الموضوع؛ جاء البحث تحت عنوان: “حكم استبدال عقوبة التعزير بالأعمال التطوعية“.
أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
1-انتشار الجرائم التي تستوجب عقوبة التعزير.
2-هناك اتجاه يتبنى عدم فاعلية عقوبة السجن في التعزير، والردع عن الجريمة.
3-ربط الأصالة بالمعاصرة.
4-الحاجة إلى معرفة حكم الإلزام بالأعمال التطوعية كعقوبة تعزيرية.
5-العمل الاجتماعي التطوعي من أهم الوسائل المستخدمة للمشاركة في النهوض بمكانة المجتمعات في العصر الحالي.
أهداف الدراسة:
1-بيان مفهوم العقوبة التعزيرية.
2-بيان أقسام العقوبة في الشريعة الإسلامية.
3- بيان الحكمة من تشريع العقوبات التعزيرية في الشريعة الإسلامية.
4-بيان أدلة مشروعية التعزير.
5-بيان حكم التعزير.
6-بيان الإلزام بالأعمال التطوعية عقوبة تعزيرية بديلة عن التعزير.
الدراسات السابقة:
الدراسة الأولى:
الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفي، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1415 ه
تهدف الدراسة إلى بيان الحدود في الشريعة الإسلامية، وركز البحث في قسم التعزير على مقدار التعزير، وأقله، وأكثره، وأنواع العقوبات التعزيرية.
ومن خلال ما سبق؛ توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:
1-اختار ابن القيم قتل الشارب في الرابعة بالنص تعزيراً، وأن هذا قول جماعة من السلف وهو اختيار ابن تيمية.
2-اختار أن عقوبة الشارب أربعون حداً، والأربعون الزائدة عليها تعزيراً.
الدراسة الثانية:
أحكام العقوبة التعزيرية لجريمة القتل وأسبابها بين الفقه والقانون: دراسة مقارنة، حاتم حسن نصر، رسالة ماجستير، معهد بحوث ودراسات العالم الإسلامي، جامعة أم درمان الإسلامية،2012 م.
تهدف الدراسة إلى بيان أركان الجريمة والقتل العمد، وحكمه في الفقه الإسلامي، والقانون، والتعزير بالقتل وصوره، وتعريف التعزير، وأنواع العقوبات التعزيرية، وسلطة القاضي في التعزير.
ومن خلال ما سبق؛ توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:
1-التعزير عقوبة لم تضع لها الشريعة الإسلامية عقوبة مقدرة.
2-قامت الأدلة في الشريعة الإسلامية على مشروعية التعزير من الكتاب والسنة والإجماع.
ومن خلال ما سبق من نتائج؛ أوصت الدراسة بما يلي:
1-ضرورة إبراز مكانة التشريع الإسلامي في معالجة الجريمة.
2-أن تقوم وسائل الإعلام بدوها المنوط بها في إبراز دور الشريعة الإسلامية في محاربة الجريمة.
الدراسة الثالثة:
العقوبات البديلة للعقوبات المقيدة للحرية قصيرة المدة، عبد العزيز بن خلف سويلم العبدلي العنزي، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المدينة المنورة، السعودية، 2013 م.
تهدف الدراسة إلى بيان أن العقوبات البديلة هي عقوبات تعزيزية عبارة عن تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، والعقوبات التعزيزية هي الباب الواسع لسن العقوبات البديلة، بل هي الطريقة الأمثل للتعامل مع تطورات العصر الحديث سواء في وسائل العقاب أو في التغيرات النفسية للجانحين والمرتكبين لمعاصي تخل بمصالح المجتمع، مع الأخذ في الاعتبار أن تكون تلك العقوبات مصلحة لهم ورادعة في نفس الوقت.
ومن خلال ما سبق؛ فقد توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:
1 -الأنظمة العقابية حول العالم تسعى إلى إصلاح وتطوير أساليب تطبيق العقوبات، والبحث عن أنماط؛ سعياً من أجل إصلاح الجاني وتأهيله؛ من أجل إعادة الاندماج في النسيج الاجتماعي، كغرض للعقوبة والهدف الذي قررته الشريعة الإسلامية.
2-الحاجة إلى العقوبات البديلة ستستمر وتتجدد مع تجدد الزمن والمجتمعات بشرط ألا يخالف الشريعة أو يعارض مقاصدها.
3-مشروعية العقوبات البديلة، حيث اختلف الفقهاء المعاصرين في حكم تعزيز العقوبات البديلة التي لم توجد على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-والراجح جواز ومشروعية العقوبة بها وذلك؛ لأن الشارع لم يرد عنه تحديد عقوبات تعزيرية محصورة يعاقب بها، ولذلك نجد أن الصحابة عزروا بعقوبات خارجة عن تلك التعازير التي وردت في عهد -النبي -صلى الله عليه وسلم-كما أن المصلحة المرسلة تدل عليها وتوافقها.
الدراسة الرابعة:
الخدمة المجتمعية كوسيلة للعقوبات الجزائية، عمر محمد عودة الوريكات، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان، الأردن، 2017 م.
تهدف الدراسة إلى بيان أهمية عقوبة الخدمة المجتمعية، أو العمل من أجل النفع العام كعقوبة بديلة عن العقوبات السالبة للحرية، والهدف منها هو مراعاة ظروف المحكوم عليه؛ وذلك بتجنيبه مساوئ وآثار السجن السلبية، والاختلاط مع السجناء ذوي الأسبقيات الجرمية، ومن جانب آخر؛ فهي تراعى مصلحة المجتمع بتنفيذ المحكوم عليه لأعمال من شأنها أن تخدم المجتمع.
ومن خلال ما سبق؛ فقد توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:
1- حيث تعد عقوبة الخدمة المجتمعية أو العمل للنفع العام من أهم وأبرز العقوبات البديلة وتتميز عن غيرها من البدائل بكونها تعمل على تعزيز مساهمة المجتمع في العدالة الجنائية وتبقى المحكوم عليه على صلة بالعالم الخارجي، والحصول على عمل يتعايش منه ويستطيع تأدية واجباته تجاه أسرته.
2- حيث تضمن عدم وقوع الأبناء ضحية للجريمة والتشرد نتيجة لغياب الرقابة الأسرية عليهم.
3- حيث قامت العديد من التشريعات في الدول الأجنبية كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى بعض الدول العربية كمصر والجزائر والبحرين بالاهتمام بالعقوبات البديلةوقامت بتحديد الإجراءات الكفيلة بتنفيذها على أرض الواقع، والوصول إلى الأهداف المرجوة من تطبيقها.
4- حيث تشترط عقوبة الخدمة المجتمعية أو العمل للنفع العام ضرورة موافقة المحكوم عليه لتنفيذ هذا العمل، فعدم موافقته أو رفضه لهذه العقوبة يستوجب الحكم بعقوبة الحبس.
الدراسة الخامسة:
بدائل العقوبات السالبة للحرية ” عقوبة العمل للنفع العام نموذجاً “، سعود أحمد، أطروحة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في القانون، كلية الحقوق والعلوم السياسية، تخصص القانون العام، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، 2017 م.
تهدف الدراسة إلى بيان أن الآثار المترتبة عن تطبيق العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة منها ما يعود على المحكوم عليه، كإصلاحه وإعادة تأهيله؛ وبالتالي تزداد ثقته في نفسه، ومن ثم يكتسب قواعد السلوك السوي التي تمكنه من العودة للمجتمع مواطناً صالحاً.
ومن خلال ما سبق؛ فقد توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:
1- أن من بين مبررات المناداة بالعقوبات البديلة إرهاق القضاة بكثرة القضايا البسيطة؛ بسبب تطور وكثرة الجرائم نتيجة التطور الاجتماعي والثقافي.
2- عقوبة العمل للنفع العام هي نظام عقابي حديث، يقوم على معنى استثمار العقوبة؛ من خلال إلزام المذنب بعمل ينتفع منه المجتمع بدون أجر.
3- كما أنها تمكن المذنب من الاختلاط بالمجتمع أثناء تنفيذ العقوبة، والغرض من ذلك دمج المجرم في المجتمع.
الفرق بين الدراسات السابقة والدراسة الحالية:
على الرغم من مساهمة الدراسات السابقة في إثراء الدراسة الحالية، إلا أن هناك فرقاً بينهما، حيث إن الدراسة الحالية تتناول موضوع الإلزام بالأعمال الخيرية كعقوبة بدلية لعقوبة السجن، وهو ماخلت منه الدراسات السابقة.
مشكلة البحث:
ذهبت الدراسات النفسية وعلم الجريمة إلى أن عقوبة السجن لم تعد قادرة على القيام بمهامها الردعية على الجريمة، فاقترحت بدائل لعقوبة السجن تحقق أغراضاً اجتماعية وإنسانية في ذات الوقت، ومن ذلك العقوبات الإلزام بالأعمال التطوعية، ويحاول البحث أن يتوصل إلى حل للمشكلة من خلال الإجابة على الأسئلة التالية:
1- ما مفهوم العقوبة التعزيرية؟
2- ما أقسام العقوبة في الشريعة الإسلامية؟
3- ما الحكمة من تشريع العقوبات التعزيرية في الشريعة الإسلامية؟
4- ما أدلة مشروعية التعزير؟
5- ما حكم التعزير؟
6- ما حكم الإلزام بالأعمال التطوعية عقوبة تعزيرية بديلة عن التعزير؟
منهج البحث:
اتبعت في دراستي المنهج الوصفي التحليلي، الاستنباطي، والمنهج المقارن من خلال جمع أقوال العلماء في كل مسألة، واستنباط الأحكام من الأدلة، والمقارنة بين الأقوال؛ من أجل الوصول إلى الرأي الراجح بموضوعية.
خطة البحث:
يحتوي البحث على مقدمة، وستة مباحث، وهي كما يلي:
المقدمة، وفيها:
أهمية البحث، وأسباب اختياره، وأهدافه، والدراسات السابقة، ومشكلة البحث، ومنهجه.
المبحث الأول: مفهوم العقوبة التعزيرية.
المبحث الثاني: أقسام العقوبة في الشريعة الإسلامية.
المبحث الثالث: الحكمة من تشريع العقوبات التعزيرية في الشريعة الإسلامية.
المبحث الرابع: أدلة مشروعية التعزير.
المبحث الخامس: حكم التعزير.
المبحث السادس: الإلزام بالأعمال التطوعية عقوبة تعزيرية بديلة عن التعزير.
الخاتمة.