بر الهندسة المالية الإسلامية مفهومها خصائصها، وأبعادها
أ. يسرا حسن عثمان أبو رأس
باحثة في مجال المصارف ومحاضر بكلية الإمام الهادي
ظهرت الهندسة المالية للوجود في منتصف الثمانينيات بهدف عون وخدمة منشآت الأعمال في مواجهة المخاطر والتخلص من القيود التشريعية والضغوط التي يفرضها السوق وبيئة المنشآت.
ظهور مصطلح الهندسة المالية يعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين بطبيعتهم، وهذا أمر لا يدعو إلى الدهشة لأن هذا المجال مازال مغلقاً ولم يتم تعريف هذا المصطلح تعريفاً محدداً.
وتعد الهندسة المالية عملية تطويرية انطلاقا من الدور الذي تؤديه في تنشيط البورصات المالية العالمية، وكذلك بوصفها ابتكارات جديدة في المؤسسات الاستثمارية بصورة عامة. فضلاً عن الأثر الذي أحدثته في التفكير الاستراتيجي للمؤسسات المالية والمصرفية وظهور الأسواق المالية الناشئة والمراكز المالية العالمية. وتعد الخيارات إحدى أهم أنواع أدوات الهندسة المالية، والتي تعطي المستثمر فيها فرصة مهمة لتقليل المخاطر التي يتعرض لها من خلال استبدال موجود معين بموجود آخر بسعر محدد وفي موعد أو قبل موعد محدد في المستقبل، حيث تساهم في تيسير عمليات التداول في الأوراق المالية المتنوعة (أسهم، سندات، أسعار الصرف، وغيرها) لغرض الاستثمار، المضاربة والتحوط من تقلبات السوق.
ولعل من الأهداف السامية لهذا المقال وضع أسس وضوابط من شأنها صناعة أدوات وابتكارات مالية قادرة على التحوط من المخاطرة وتحقيق المناعة الحقيقية ضد الأزمات، وبالتالي تصحيح سلبيات أدوات الهندسة المالية وجعلها قادرة على خدمة المجتمعات والتنمية بل وتكون أسلحة دمار شامل تهدد النظام المالي العالمي برمته.
إن محاولة فصل الجدل الكبير القائم بين الاقتصاديين حول أدوات الهندسة المالية التقليدية، تبدو مسألة صعبة؛ حيث يصر البعض على الحذر من التعامل بهذه الأدوات الجديدة بل إنه يصر على عدم التعامل بها مطلقا بسبب المخاطر الكبيرة التي تصاحبها. أما البعض الآخر فهو أكثر تفاؤلا حيث يرى بأن هذه التقنية تعد مفتاحا لحل العديد من المشاكل والمصاعب التي تواجه المتعاملين في الأسواق المالية والتحوط ضد المخاطر. وتنشأ الحاجة للهندسة المالية أمام الاستجابة لفرص استثمارية وفق تطلعات المستثمرين والمؤسسات معا، أو للتعامل مع قيود المنافسة الدولية، ودرء للمخاطر واللايقين المحيط بالأنشطة الاستثمارية، وهي في ذلك تعتبر من أدوات التحوط المالي.
وتتحدد مقاصد الهندسة المالية وفق الحالة التي تواجه المؤسسة المعينة، فالهندسة المالية تمتلك القدرة على تخفيض تكلفة النشاطات القائمة والتقليل من مخاطرها، وتجعل من الممكن تطوير منتجات وخدمات وأسواق جديدة.
مفهوم الهندسة المالية
قدم العديد من كتاب الهندسة عدة مفاهيم بينت أن أساس الهندسة المالية هو إيجاد الأدوات المالية الجديدة لأغراض التحوط والمضاربة والاستثمار، التي تدور جميعها حول إدارة المخاطر. حيث عرفها أحدهم بأنها التحول النهائي للمنتج المالي (الموجود) لتحسين إيراداته أو تقليل مخاطره ما يجعل له دوراً في تغيير أوضاع السوق المالي)، في حين يقصد بالهندسة المالية الإسلامية:
(مجموعة الأنشطة التي تتضمن عمليات التصميم والتطوير والتنفيذ لكل من الأدوات والعمليات المالية المبتكرة، بالإضافة إلى صياغة حلول إبداعية لمشاكل التمويل وكل ذلك في إطار موجهات الشرع الحنيف).
ومن التعريف السابق، يتضح لدى الباحث بأن الهندسة المالية تشتمل على ثلاثة أنشطة هي:
- تصميم أدوات مالية مبتكرة، مثل بطاقة الائتمان، وأنواع جديدة من السندات والأسهم وتصميم عقود تحوط مبتكرة.
- تطوير الأدوات المالية، أي تلبية هذه الأدوات المبتكرة لحاجات تمويلية جديدة، أو التغيير الجذري في العقود الحالية لزيادة كفاءتها فيما يخص المخاطرة وفترة الاستحقاق والعائد.
- تنفيذ الأدوات المالية المبتكرة، أي ابتكار إجراءات تنفيذية مبتكرة من شأنها أن تكون منخفضة التكلفة ومرنة وعملية. ويمكن توضيح الأساس الإسلامي لمفهوم الهندسة المالية في الإسلام من خلال حديث النبي (صلوات الله وسلامه عليه) حيث قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينتقص من أوزارهم شيئا).
والهندسة المالية الإسلامية بذلك تعتبر منهجا لنظم التمويل المعاصرة يهدف إلى تحقيق الكفاءة في المنتجات المالية المعاصرة وتطويرها في ظل الاحتياجات المالية التي تتصف بأنها متجددة ومتنوعة.
ومن التعريفات الأخرى لهذا المفهوم:
- عرف فينرتي 1988م الهندسة المالية بأنها تصميم وتطوير أدوات مالية يمكن من خلالها معالجة المشكلات المالية والاقتصادية.
- كما عرفت الجمعية الدولية للمهندسين الماليين الهندسة المالية بأنها “عملية التطوير والتطبيق المبتكر للنظرية المالية والأدوات المالية لإيجاد حلول للمشاكل المالية المعقدة ولاستغلال الفرص المالية، فالهندسة المالية ليست أداة، بل هي المهنة التي تستعمل الأدوات”.
ومن خلال ما سبق يمكن تعريف الهندسة المالية بأنها عملية تطوير لأدوات مالية أو استحداث أدوات جديدة الغرض منها حل أو علاج لمشكل التمويل، وتشمل النقاط التالية:
- ابتكار أدوات مالية جديدة.
- ابتكار وتطوير أدوات تمويلية جديدة وحلول جديدة.
مبادئ الهندسة المالية من منظور إسلامي
المقصود بالهندسة المالية هو تحقيق ما يلبي مصلحة حقيقية للمتعاملين في السوق المالية وليس مجرد عقد صوري من العقود الوهمية، وهذا هو ما يؤكد القيمة المضافة للابتكار، وهو ما يميز الهندسة المالية من محاولات الالتفاف على الأنظمة والقوانين والاحتيال على الأحكام الشرعية. فالحيل الشرعية والفقهية لا تنتج قيمة مضافة ولا تلبي حاجة فعلية، بل ولا تدخل تحت مفهوم الهندسة المالية المنشودة في الصناعية المالية الإسلامية. وقد حدد “السويلم” مبادئ الهندسة المالية الإسلامية في أربعة مبادئ؛ اثنان يتعلقان في المبادئ: التوازن، والتكامل، واثنان يختصان بالمنهج: الحل، والمناسبة.
مبدأ التوازن
المقصود من هذا المبدأ هو التوازن بين مختلف الحوافز الإنسانية، سواء مما يختص بالمصالح الشخصية أو بالمصالح الاجتماعية، وذلك فيما يتعلق بتحقيق الربح وما يتعلق بالأعمال الخيرية، وما يتعلق بالمنافسة وما يتعلق بالتعاون، فالشريعة الإسلامية نجحت في تحقيق التوازن بين مختلف الحاجات والرغبات ووضعت الكل في الإطار المناسب.
مبدأ التكامل
يحكم تطوير المنتجات المالية: حيث إنه التكامل بين المصالح الشخصية مع الاعتبارات الموضوعية، بين تفضيلات الزمن والمخاطرة وبين توليد الثروة الحقيقية.
مبدأ الحل
هذا المبدأ ينطلق من قاعدة أن الأصل في المعاملات الحل والجواز، إلا إذا خالفت نصا أو قاعدة شرعية. وبناء على هذا فإن قاعدة الحل هي الأساس للابتكار المالي، لكن بشرط أن يلتزم هذا الابتكار حدود دائرة الحلال التي لها حدود واسعة، وأن يبتعد عن دائرة المحظور أو الحرام المحصور في حدود ضيقة مقارنة مع دائرة الحلال الواسعة.
مبدأ المناسبة
المقصود بالمناسبة هنا تناسب العقد مع الهدف المقصود منه، بحيث يكون القصد مناسبا وملائما للنتيجة المطلوبة مع الهدف المقصود منه، وهذا مدلول القاعدة الفقهية “العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمعاني”.
أهمية الهندسة المالية الإسلامية:
تحتاج المؤسسات المالية الإسلامية دوما إلى الاحتفاظ بتشكيلة متنوعة من الأدوات والمنتجات المالية تمكنها من إدارة سيولتها بصورة مربحة، بالإضافة إلى توفيرها للمرونة المناسبة للاستجابة لمتغيرات البيئة الاقتصادية. وقد بينت الممارسة المصرفية التقليدية أن الاعتماد على منتج واحد (مثل الفرق بين الفائدة المدينة والدائنة) يعتبر غير كاف للتأقلم مع تطلعات العملاء المتنامية، حيث ظلت المؤسسات المالية ولفترة طويلة حبيسة أدوات محدودة تستلزم معها بالضرورة أن تتطور لملاءمة المستجدات.
ومن هنا تبرز أهمية الهندسة المالية كأداة مناسبة لإيجاد حلول مبتكرة وأدوات مالية جديدة تجمع بين موجهات الشرع الحنيف واعتبارات الكفاءة الاقتصادية، وخصوصا في عالمنا المعاصر اليوم، من حيث أنها تقوم بالموازنة بين عدة أهداف ومن ثم تصميم أدوات مبتكرة تستوعب كل هذه الأهداف معا، وهذه المهمة ليست بالسهلة حيث تحتاج إلى تضافر جهود على شكل تنظيمي بين الشرعيين والاقتصاديين والمصرفيين والمحسابين للخروج بمبتكرات فعالة.
إن هذا التصور لأهمية الهندسة المالية تحتاجه البنوك الإسلامية أكثر من البنوك الربوية، لأن البنوك الإسلامية تتعامل بالعديد من العقود الحساسة في إجراءاتها، وتتعامل أيضا في ظل نظام مصرفي غير ملائم لطبيعتها وهو ما يجعلها أشد حاجة للهندسة المالية، ويزيد في أهمية الهندسة المالية بالنسبة للبنوك الإسلامية أنها تتعامل ضمن الضوابط والقيود الشرعية التي تنظم آلية أعمالها التمويلية والاستثمارية، ولهذا يجب على المهندس المالي في البنوك الإسلامية مراعاة هذه الضوابط وعدم اللجوء إلى الحيل، لأن الأحكام والضوابط الشرعية جاءت لتحقق مصلحة للفرد والمجتمع معا.
خصائص الهندسة المالية وفق المنهج الإسلامي:
تهدف صناعة الهندسة المالية الإسلامية إلى إيجاد منتجات وأدوات مالية تجمع بين المصداقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية، فالمصداقية الشرعية هي الأساس في كونها إسلامية، والكفاءة الاقتصادية هي الأساس في قدرتها على تبلية الاحتياجات الاقتصادية ومنافسة الأدوات التقليدية.
وعليه ينبغي أن نفرق ابتداء بين دائرة ما هو جائز شرعا، وبينما تطمح إليه الصناعة المالية الإسلامية. فالصناعة الإسلامية تطمح لمنتجات وآليات نموذجية. بينما دائرة المشروع تشمل ما قد يكون نموذجياً بمقياس العصر الحاضر، وما ليس كذلك. السبب أن الشرع جاء للجميع في كل زمان، وظروف الأفراد والمجتمعات تتفاوت وتتباين، فقد لا تكون الحلول النموذجية الآن ملائمة لعصر آخر. بينما الحلول التي تقدمها الصناعة المالية الإسلامية ينبغي أن تكون نموذجا للاقتصاد الإسلامي، فينبغي اختيار أفضل النماذج تعبيرا عن الإسلام. ويمكن لمنتجات صناعة الهندسة المالية الإسلامية زيادة الكفاءة الاقتصادية عن طريق توسيع الفرص الاستثمارية في مشاركة المخاطر وتخفيض تكاليف المعاملات وتخفيض تكاليف الحصول على المعلومات وعمولات الوساطة والسمسرة العلاقة بين الكفاءة الاقتصادية والمصداقية الشرعية. إن الخاصيتين المشار إليهما: المصداقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية، ليستا منعزلتين عن بعضهما، بل في غالب الحالات نجد أن البحث عن الكفاءة الاقتصادية يؤدي إلى حلول أكثر مصداقية، والعكس صحيح.
نماذج الهندسة المالية الإسلامية
يمكن الإشارة هنا إلى بعض النماذج التمويلية التي قام العلماء المعاصرون المتخصصون في الاقتصاد الإسلامي بتطويرها باستخدام أسلوب الهندسة المالية ومنها:
1 – نموذج المرابحة: يقوم هذا النموذج على إعادة هندسة بيع المرابحة للآمر بالشراء من خلال عقد المشاركة كما يلي:
أ – يقوم التاجر الذي ينوي تخصيص جزء من مبيعاته لتكون بالتقسيط بفتح حساب لدى البنك الإسلامي كحصته في حساب المشاركة، ويقوم المصرف كذلك بإيداع مبلغ مماثل أو يزيد كحصة المصرف في حساب المشاركة.
ب- يقوم التاجر بعملية البيع بالتقسيط ونقل الملكية وكل ما يتعلق بالأمور الفنية لبضاعته، ويتولى المصرف متابعة الأقساط والتسديد وكافة الأمور المالية.
ج- الأرباح التي يجنيها هذا الحساب المشترك توزع بين التاجر والمصرف بالاتفاق.
وبهذه الطريقة يحقق المصرف عدة أهداف، فهو أولا يقلل التكاليف الإجرائية التي تتسم بها عمليات المرابحة بالمقارنة مع البنوك التقليدية، ومن ثم يبتعد عن الشبهات الشرعية المتعلقة بالقبض والحيازة، ويكون أيضا مكملا لعمل التجار وليس منافسا لهم.
2 – نموذج الوكالة بأجر، ويقوم هذا النموذج على إعادة هندسة علاقة المودعين مع المصرف الإسلامي، من علاقة المضاربة المشتركة التي تثير مشكلة تبطيقية وهي مسألة التداخل الزمني، وهي اختلاف مواعيد السحب والإيداع بين المودعين ومواعيد بدء وتصفية الاستثمارات التي استخدمت فيها أموال المودعين، وهو يحول دون تحديد الربح أو الخسارة الفعلية العائدة لأي وديعة بعينها، ويقترح عطية أن تكون علاقة البنك بالمودعين قائمة على أساس الوكالة بأجر بدلا من المضاربة، حيث يعتبر البنك وكيلا عن المودعين في استثمار أموالهم لقاء أجر ثابت أو أو نسبة من مبلغ الوديعة ذاتها، وهذا المقترح يجعل دخل البنك مستقلا عن مواعيد ونتائج عمليات الاستثمار الفعلية.
3 – نموذج سندات الإجارة الموصوفة في الذمة، سندات الإجارة هي نوع مبتكر من السندات الإسلامية، وهي جمع بين السند كأداة مالية وعقد الإجارة وعقد السلم، وآليتها أن تكون هناك الخدمة موصوفة في الذمة مثل التعليم الجامعي مثلا بحيث يكون الوصف تفصيلا ولا يدع مجالا للخلاف كأن يكون تعليم طالب جامعي، تتوفر فيه شروط معينة ويحدد له مساقاً دراسياً معلوماً بزمنه ومدته ووصفه، بعد ذلك تقوم الجامعة وهي مقدمة خدمة التعليم الجامعي بإصدار سندات خدمة موصوفة في الذمة تمثل تعليم طالب في الجامعة على أن تقدم هذه الخدمة الموصوفة في الذمة بعد عشر سنوات مثلا، ويمثل السند حصة ساعية واحدة، ولحامل هذا السند الحق في الحصول على الخدمة الموصوفة مقابل ما يدفعه من ثمنه للسند الذي يمثل ملكيته للمنفعة. إن هذا المبتكر يحقق ميزة الكفاءة في تعبئة المدخرات وميزة التخصيص الكفء للموارد، وتحقيق السيولة والربحية والضمان لكافة أطراف العلاقة بشكل كفؤ وهو ما تهدف إليه الهندسة المالية، كما أوضحناه آنفا.
يتضح مما تقدم أن الهندسة المالية قادرة على إيجاد حلول وبدائل جادة ذات كفاءة تخدم جميع أطراف العلاقة في المعاملات المالية الإسلامية، وهذا ما نأمل الاهتمام به في الوقت الراهن من قبل المصارف الإسلامية.
أبعاد الهندسة المالية للتمويل الإسلامي:
إن ظهور الهندسة المالية سوف يعطي مجالات ابتكار متعددة ومتطورة في المستقبل وهذا الاتجاه أكثر من يحتاج له علماء المالية أو التمويل الإسلامي في سعيهم الحثيث للتخلص من الأوراق المالية الربوية واستبدالها بأخرى توافق الشرع الإسلامي من حيث المنشأ والاستمرارية والانتهاء وكذلك استلهام المستجدات الأخرى التي قد يفرزها العصر. وكما أصبح معروفا ومشاعا بين الناس فإن هناك صيغا إسلامية كثيرة متاحة للتمويل، وخاصة في المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم نسبيا. فمثلا يمكن لصيغ التمويل الإسلامية كالمشاركة والمضاربة والمرابحة.. الخ أن تتمكن من سد الحاجة للتمويل قصير المدى إذا ما وجهت الوجهة الصحيحة ووضعت لها الضوابط الشرعية ونظم المتابعة والرقابة. وفي الغالب فإن الحكومات لا تلتزم بالإطار الإسلامي للتمويل، أي تلجأ للبدائل التقليدية لسد حاجاتها من الأموال ومقابلة العجز في موازنتها عن طريق الإصدارات النقدية الجديدة أو بإصدار وبيع أدوات اقتراض ربوية. هذا وقد أصبح من المسلم به الآن جنوح الخيارات لخلق عدم الاستقرار النقدي وزيادة حدة التضخم.
إن ما هو متاح للحكومات التي تريد أن تتخذ من القواعد الإسلامية موجها خيارين في الأغلب هما إما القروض ذات المخاطر، أو الأدوات والأوراق المالية ذات الحصص من الأرباح والخسائر.
ومن هذه القواعد تبين الفرق الواضح بين الموجهات الأساسية في الاقتصاديات الربوية والاقتصادية الإسلامية فأهم ما تنطوي عليه موجهات الاقتصاديات الربوية تقليل تكلفة المعاملات وتقليل أبعاد المخاطر لجهات أو أطراف أخرى في المعاملة. أما الموجه الأساسي في الاقتصاد الإسلامي لأوراق وأدوات الدين فهو مبدأ المشاركة في المخاطر وليس بالضرورة إبعادها لجهة أو طرف آخر. ففي تمويل المدى القصير يمكن للحكومة المراقبة لقواعد الشرع استعمال مبدأ الهدية الذي أقره الكثيرون كمبدأ أصيل في الإسلام لحديث صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جابر الأنصاري رضي الله عنه الذي قال فيه:- “كان لي على النبي دين فقضاني وزادني” (مشكاة المصابيح: كتاب البيوع ص 2925. رواه أبو داود وتصنيف الألباني: الجزء الثاني). وقد رأى كثير من الفقهاء عدم جواز هذا النوع من الهدايا معتمدين على بعض الأحاديث النبوية الشريفة (وليس هنا مجال للتوسع في هذا الاختلاف).
أما في المدى المتوسط والطويل فيقدم مفهوم الهندسة المالية طرقا للحكومات تمكنها من الاستدانة من غير الإخلال بقواعد التمويل الإسلامية. والمرتكز لهذه الطرق، ربما جميعها، هو مقاسمة الأرباح والخسائر الناتجة. فمثلا إذا كانت هنالك حكومة تريد أن تمول مشروعا معينا أو أنها تتوقع إيرادات معينة من الضرائب فيمكن للحكومة في هذه الحالة استدانة أقل مبلغ ممكن، وعند تاريخ الاستحقاق يمكن دفع أصل الدين مع علاوة متغيرة أو عائمة (فهذا مثال لأداة مالية مبتكرة مبنية على مبدأ المشاركة في الأرباح وغير ذلك يمكن للحكومة استعمال أدوات الدين ذات المخاطر مثل سندات الدخل أو الدين شبه المشارك في الملكية). وقد نشأت سندات الدخل أول ما نشأت من إجراءات الإفلاس إذ عن طريقها تتمكن المنشأة أو الجهة المصدرة من تجنب مخاطر الإفلاس حتى تجد دخلاً كافياً لمقابلة التزاماتها الأصل.اما أوراق الدين شبه المشارك في الملكية فهي تقوم على مبدأ المشاركة في التدفقات النقدية، إذ يقاسم المقرض في الدخل ويستفيد المقترض من أنه يحافظ على ملكية منشأته ويستفيد من مزايا القروض كوسيلة من وسائل التمويل (، وهذه الابتكارات في وسائل التمويل مبنية على المبادئ المالية الإسلامية في تقاسم الأرباح وتقاسم المخاطر. وقد استعملت هذه الأدوات والأوراق المالية في كثير من البلدان الإسلامية، فمثلا استعملت الحكومة الماليزية أذونات خزينية مبنية على الضرائب المشاركة لتمويل مشاريع طويلة الأجل. وكذلك استعملت وزارة الأوقاف الأردنية سندات الدخل لتمويل المشاريع طويلة الأجل. أما قطاع المؤسسات في باكستان فقد استعمل شهادات مشاركة.
إن هذا القول لا يلقى جزافا بل إن كثيرا من الدراسات التجريبية المنشورة قد برهنت على أن هذه الأدوات والأوراق المالية المبنية على هذه المبادئ المتماشية مع روح التمويل الإسلامي لا تقل كفاءة ولا فعالية عن رديفتها الربوية، بل إنها قد فاقتها في كثير من الأحيان. وقد أصبح معروفا لدى الكثير من كتاب الاقتصاد الغربي ما يعرف بـ (Equity Premium Puzzle) وهي ظاهرة أن شهادات الملكية أو القائمة على المشاركة في العوائد لها علاوة غير مبررة أو غير ظاهرة مقارنة بالأوراق الربوية.
الهندسة المالية لإدارة مخاطر التمويل الإسلامي
تستلزم الإدارة الفعالة للمخاطر بالمؤسسات المالية الإسلامية تقسيم مجمل المخاطر إلى أصغر العناصر الممكنة ثم تصميم أدوات مالية لتلبية شروط مفهوم العائد لكل عنصر جزئي من المخاطر. إن استخدامات الهندسة المالية الإسلامية في إدارة المخاطر والتحوط منها لا يمكن حصرها بسبب تشعبها فهي كما أشرنا من قبل لا تتقيد بقيود. لكن يمكننا عموما تقسيم استخدامات والهندسة المالية الإسلامية في إدارة المخاطر إلى قسمين، الأول منها يستخدم عقودا تقليدية إسلامية في الفقه الإسلامي، والثاني يستخدم العقود المستحدثة (مثل المشتقات الإسلامية والتوريق) وهي التي ما يزال النقاش دائرا حول مدى مشروعيتها أصلا.