الكتاب وتحديات الرقمنة
الأستاذ الباحث: بنيونس السراجي
مفتش وباحث بقسم الدكتوراه (التواصل والتنمية)
لا زالت القراءة على الشاشة أدنى مستوى كثيرا من القراءة عن الورق. حتى أنا الذي أملك هذه الشاشات الثمينة وأتصور نفسي كرائد في دنيا الويب، عندما يأتي الوقت لقراءة أكثر من أربع أو خمس صفحات، فإني أقوم بطباعتها، لأنني أحب أن أمسكها وأتجول بها وأعلق على مضمونها كتابة. ولا شك أن هناك عقبة تقنية كبيرة للوصول إلى هذا المستوى.
بيل غيتس، عن كتاب “الكتاب بين الأمس واليوم والغد”، لروبرت دارنتون.
لقد شهد التطور التاريخي للإنسان وللمجتمعات، تطوراً موازياً لأشكال التواصل والتعبير والتفاهم، وأدى ذلك إلى اختراع الكتابة رغبة في الحفاظ على التراث الثقافي والعلمي، وحماية الإنتاج الفكري من الضياع والاندثار. وارتبطت الكتابة والقراءة ارتباطا وثيقا بالسند، وتأثرت بكل تغيير طال وسائط الإنتاج والتلقي، كما شمل التغيير أشكال الإبداع ومدلولاته تبعا لذلك.
إن التحولات التي طالت مختلف مناحي الحياة، خصوصا ما يتعلق بالثقافة والهوية والقيم، أصبحت مرتبطة بحوامل هذه الثقافة وهذه الهوية، والقيم التي تنشد بناءها، جراء الانتقال من المشافهة إلى الكتابة وانتهاء بالرقم.
طبعت تاريخ الكتابة ثلاثة وسائط أساسية: الطين والورق والرقم، سنتناول من خلال هذا المقال أهم التطورات التي عرفها الكتاب قبل أن يأخذ شكله الرقمي. فقد مثل الطين الوعاء الأمثل لما أراد أن يحتفظ به الإنسان من كلمات، حيث استوعب معارف الإنسان ومشاعره، ثم شكل الورق نقلة حقيقية في تاريخ الكتابة وتطور الكتاب، وعرف انتشارا لا مثيل له مع اختراع غوتنبرغ، قبل أن يشكل التطور التكنولوجي لغة الألفية الجديدة، ويؤدي إلى ظهور وسائط جديدة للتواصل والإبداع والتلقي لم تكن موجودة من قبل، يمثل الكتاب الإلكتروني أحد ركائزها الأساسية.
- فإلى أي حد تساهم الوسائط الحديثة لتكنولوجيا الإعلام والاتصال في تطوير الكتابة، ونشر القراءة التفاعلية بشكل واسع؟
- هل الكتاب الإلكتروني مؤهل لأن يرث الكتاب الورقي التقليدي على المدى المنظور؟
- ما خصائص الكتاب الإلكتروني؟ ما ميزاته؟ وما عيوبه؟
- أيها أجدى: الوسائط التقليدية أم الوسائط الإلكترونية؟، وهل قراءة كتاب على شاشة الحاسوب هي نفس قراءته على الورق؟
- هل يمكن أن نتجاهل الإبدالات الجديدة التي يعرفها عالم الكتب في ظل تغير وسيط الكتابة؟ وهل سيصمد الكتاب الورقي طويلاً أمام اجتياح الرقمية المخيف؟
- هل يستطيع القارئ التقليدي النهم التخلي بسهولة عن علاقته الحميمة بالكتاب الورقي؟
1- علاقة الكتابة بالسند: من المشافهة إلى الرقم:
يضع محمد أسليم محطات أساسية لتاريخ الكتابة، ويحددها في المراحل التالية:
- مرحلة الكتابة على الحجر والألواح المسمارية والشمع والطين، وغيرها من الأدوات؛
- مرحلة “الرقعة” أو volumen، أو الكتاب الدرجي[1]، والي شكلت فيها أوراق البردي السند الشائع؛
- مرحلة “الدفتر” Codex[2]، أي هذه المجموعة من الصفحات المطوية، المضموم بعضها إلى بعض، والمخاطة من أحد الجوانب، والتي تعلم من خلالها أجيال متعاقبة، ولا تزال مجالاً للإبداع والنشر.
- مرحلة ظهور المطبعة، حيث خرج الكتاب من حيز الأثرياء إلى مقتنى في متناول العامة؛
- مرحلة الرقمية مع انتشار الحواسيب الشخصية ابتداء من سبعينيات القرن الماضي، ثم ظهور الإنترنيت عقدين بعد ذلك.
وتتحدث فاطمة البريكي عن دورة حياة “النص”، حيث تمثل تطورا وانتقالا من طور إلى آخر، سواء كان هذا التطور سلبا أو إيجابا. وقد بدأ دورته بـ”مرحلة الشفاهية”، ثم انتقل إلى مرحلة الكتابية، وهي مرحلة تقابل المرحلة الشفاهية، وتتسق معها، ولكنها لا تتسق مع المرحلة الإلكترونية”[3].
من جمته تحدث سعيد يقطين عن عملية الكتابة منذ اخترعها الإنسان محاولة منه لتقييد ما كان يتلفظ به بواسطة الصوت، ولمنعه من التلاشي والضياع عن طريق حفظه وضمان استمراره فقط، ولكنها كانت أيضاً اكتشافا وممارسة لصناعة. قوام هذه الصناعة: أداة للكتابة وفضاء لها.. كان استعمال الورق ثورة كبرى في مجال صناعة الكتابة لأنه عوض كل الفضاءات المحدودة التي كانت تستعمل لتقييد الكلام وتسجيله، وصار بديلا عما خلاه من الفضاءات القديمة (سعف النخل، العظام، الطين، رق الغزال…). وجاءت المطبعة لتشكل طفرة نوعية في مسار الكتابة وصناعة الكتاب. ثم بدأ استعمال الآلة الكاتبة التي وفرت استخدام الكتابة لأكبر عدد من الكتاب وسرعت عملية إنجازها بالقياس إلى الكتابة باليد، إلى أن جاء الحاسوب الشخصي وسيطا جديدا للكتابة فصار الأداة والفضاء معا، فانتقلنا بذلك من النص المكتوب إلى النص المعاين على الشاشة[4].
بعد قراءة لتصنيفات مركزة لعدد من الباحثين العرب في مجال الرقمية، سوف نتطرق بالتفصيل لتحقيب رباعي اعتمده الفيلسوف الفرنسي بيير ليفي لعلاقة الكتابة بالسند، فقد عرف الأدب تحولاً وتطورا مهما، سواء من حيث النشأة والتدوين، أو التلقي والتفاعل، فانتقل من الشفهي إلى المكتوب، وتطور سند الكتابة ابتداء من الكوديكس وانتهاء الرقم، وهذا التحول عبر التاريخ ارتبط بطفرات علمية واختراعات لا حصر لها توجتها الحضارة الجديدة في زمن الرقمية، والتحول الهائل في مصادر المعرفة والمعلومات. ولعل الحديث عن الكتاب وعلاقته بالسند يحملنا على التنقيب في تاريخ التحول التاريخي للسند، حيث يقدم بيير ليفي أربع مراحل تاريخية مر منها سند الكتابة.
2- مراحل الكتابة وعلاقتها بالسند:
2- 1) مرحلة المشافهة:
في المرحلة الأولى كانت المشافهة سند المعرفة باعتبارها ذاكرة الأفراد الأحياء، ووسيلة الخطاب والتواصل الأساسية، فكان موت شيخ في المجتمع الشفهي بمثابة إحراق مكتبة، وكان التحول من الشفهي إلى الكتابة تحولا كبيرا في تطور الكتاب، فكان السند المادي مع حمورابي (السند الحجري)، ثم الكتابة المسمارية، ثم ظهور ورق البردي حيث القراءة الجماعية يتكفل بها شخص، وميزتها أن الورق طويل جدا، ثم ظهرت الكتابة بشكلها الجديد (الكوديكس)، بالكتابة على جلود الحيوانات.
2- 2) مرحلة ظهور الكتاب:
تلت المشافهة مرحلة ظهور الكتاب، حيث أرخت هذه المرحلة لتحول جديد في مصدر المعرفة ومكان إقامتها، أي الكتاب، واعتبرت الشارع أو المفسر المالك الوحيد للمعرفة، والكتاب له كلفة، أما المعرفة فأصبحت تقيم في المكتبات والخزانات.
يؤكد جاك غوودي بأن “اختراع الكتابة كان أهم إنجاز تقني في تاريخ الإنسانية، فهو قد غير علاقة البشرية مع الماضي، وفتح الباب واسعا أمام ظهور الكتاب كقوة تاريخية”[5].
ويرى والتر أونج أن الكتابة هي “أخطر الاختراعات البشرية التكنولوجية، فهي ليست مجرد تابع للكلام، ذلك لأنها بتحريكها الكلام من العالم السمعي- الشفاهي إلى عالم حسي جديد هو عالم الرؤية، تحدث تحولاً في الكلام والفكر معا، وإذا كانت الحروز على العصي أو مساعدات الذاكرة قد مهدت للكتابة، فإنها لم تقم بإعادة بناء الحياة الإنسانية على نحو ما فعلت الكتابة الحقيقية”[6].
3- تاريخ الكتاب: من السومريين إلى غوتنبرغ:
تبدأ قصة الكتاب في السهول الخصبة للجزء الجنوبي من بلاد الرافدين، حيث أقام السومريون حضارة متقدمة في الألف الخامسة قبل الميلاد، وكشفت الحفريات عن آلاف الرقم الطينية التي نقشت عليها الكتابة السومرية أو الكتابة التصويرية، وكان لهم الفضل الكبير في التأسيس لحضارة الكتابة والكتاب والمكتبات، وقد أخذ البابليون وطوروا ما خلفه السومريون فأنتجوا الكثير من الرقم الطينية في مختلف الموضوعات، حتى أطلق عليهم “أحباء الكتابة”، خصوصا في عهد حمو رابي في القرن 18 ق.م[7].
وسجل الفينيقيون فصلا خاصا في تاريخ الكتابة، حين اهتدوا في الألف الثانية قبل الميلاد لوضع نمط جديد من الحروف أسهل وأفضل بكثير من المسمارية والهيروغليفية وغيرها، ونشروها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث أخذ عنهم اليونان وغيرهم من الشعوب، وساهموا في تجارة ورق البردي منذ القرن 11 قبل الميلاد.
وارتبطت الكتابة عند اليهود بأسفارهم المقدسة، حيث يتردد ذكر الكتاب والنساخ وحفظ الكتب في المعابد. حيث لم تكتشف حتى الآن سوى بعض الكتابات القصيرة على قطع فخارية، ونصوص كتبت على ورق البردي ترجع للقرن الخامس ق.م[8].
كما شهدت الحضارة المصرية القديمة منذ نهاية القرن الرابع قبل الميلاد مكانة متميزة للقراءة والكتابة، حيث كان للكتاب تقدير يكاد يقترب من العبادة، فكانت الكتابات الهيروغليفية (4000 ق.م)، والهيراطيقية (3000 ق.م)، والديموتيقية (700 ق.م). واستعملوا لذلك الحجارة المسطحة للمعابد وعلى المقابر، وأكثر مادة استعملت للكتابة خلال استمرار الحضارة المصرية كانت ورق البردي[9].
ظهرت الكتب الدفترية في القرن الثاني بعد الميلاد، وأصبح هذا الشكل بمثابة الشكل المهيمن على الكتاب، حيث لا زلنا نستخدمه حتى اليوم[10]. وشهدت الحضارات الشرقية القديمة نماذج مهمة لتطور الكتابة والقراءة عبر التاريخ الإنساني، خصوصا الحضارة الصينية القديمة، التي يعود لها الفضل في اكتشاف الورق في ق 2م (تساي لون 105م)[11]. أما الطباعة فقد بدأت قصتها مع أول كتاب في التاريخ طبعه الصينيون عام 808 ميلادية، وهو كتاب (محاورات بوذا)، وقد استخدموا في طباعته لحاء شجر التوت بدلا من الورق، وطبع بواسطة حفر الحروف على الخشب، وهي الطريقة التي يطلق عليها الطباعة الثابتة[12].
لقد ارتبط تاريخ الكتاب بتحول تقني كير، عندما حل الكتاب مكان اللفائف بعد القرن الثاني الميلادي، حيث غير الكتاب مفهوم القراءة، وظهرت صفحاته كمادة قابلة للفهم، وأصبح باستطاعة القراء تقليب صفحات تضم نصوصا مترابطة وكلمات منفصلة (بعد إضافة مسافات بين الكلمات)، وفقرات وفصول، إلى جانب جداول محتويات وفهارس تعين عملية القراءة وتسهيلها[13]. منذ ذلك الوقت تطورت الكتابة والكتاب والمكتبات عبر التاريخ وتعاقبت الحضارات الشرقية والعربية والغربية على بناء لبنات متراصة لمختلف العلوم والآداب والصناعات الإبداعية المختلفة، إلى حدود القرن الخامس عشر، حيث شكل اختراع غوتنبرغ للمطبعة طفرة فارقة في تاريخ الكتابة والكتاب.
3- 1- مرحلة ما بعد ظهور المطبعة:
لقد برزت الحاجة إلى تلبية الطلبات المتزايدة على الكتاب في العصر الوسيط الأوربي، من خلال إيجاد مادة جديدة ورخيصة للكتابة، والبحث عن حل تكنولوجي لسرعة نسخ الكتاب الواحد بشكل ميكانيكي، وجد لها يوهان غوتنبرغ حلا في منتصف القرن الخامس عشر[14]. وأحدث اختراع غوتنبرغ ثورة كبرى فيما يخص طقوس الكتابة وانتشار المقروء وتوافره، فاعتبر من أهم الاختراعات عبر التاريخ، وأصبحت المكتبة مستودعا للمعرفة، والأشخاص الموسوعيون هم مالكو المعرفة، وظهرت الموسوعات مع ديدرو وابن خلدون، وغيرهم.
وبدوره فإن الكتاب تغير أيضاً مع اختراع الطباعة باستخدام الحروف المتحركة، وللتاريخ فإن الحروف المتحركة اخترعها الصينيون في العام 1045م، كما أن الكوريين استخدموا الحروف المعدنية بدل الخشبية في العام 1230م. ولكن اختراع غوتنبرغ انتشر كالنار في الهشيم، واضعا الكتاب بين أيدي مجموعات أكبر من القراء[15].
ومع ظهور المطبعة ظهرت أجناس جديدة كالرواية، كما أفضى الابتكار الجديد إلى ظهور ما يسمى بالقراءة الموسعة التي تنكب على مطالعة عدد كبير من الكتب بفعل وفرتها، مقابلا للقراءة المكثفة، وانتشرت القراءة الشخصية (الصامتة) معوضة القراءة الجماعية في ظل ندرة الكتاب في الحقب السابقة[16].
ولم تتغير تقنيات الطباعة هذه لحوالي أربعة قرون، رغم أن جمهور القراء تعاظم بشكل كبير، نظرا إلى حدوث تحولات في مستويات الأمية والتعليم والوصول إلى الكلمة المطبوعة[17].
وبالموازاة مع ذلك أدى اختراع الآلة البخارية (1769م) إلى تقليص مفهومي الزمان والمكان اللذين ستوصلهما الثورة الرقمية إلى مستوى الصفر، مما أنتج حركة تواصل واسعة شكلت بذورا لما يسمى اليوم بـ”العولمة”، ونقطة انطلاق لما يسميه البعض الآن بـ”الانفجار التواصلي غير المسبوق”[18].
إلا أن الكتاب أصبح يشهد منافسة غريم جديد، بدأت سيطرته تتصاعد تدريجيا في ظل ظهور حضارة جديدة تدعى الرقمية.
3- 2) مرحلة الرقمية:
أرخت الثورة الرقمية لحضارة جديدة، انطلقت في السبعينيات من القرن الماضي بسبب انتشار الحواسيب الشخصية، وتطورت مع توسيع الإنترنيت وظهور أجيال جديدة منه. ولعل أهم مميزات هذه الحقبة أنها ألغت الحواجز بين الكاتب والقارئ، وألغت كذلك الحقوق الفكرية، وأصبحت الموسوعية عملية مستحيلة في ظل تكنولوجيا المعرفة وسهولة الوصول إليها.
وقد لقيت هذه الطفرة التكنولوجية معارضة قوية في البداية، خصوصا أنها ماضية في الانتشار ومنافسة الكتاب الورقي وتقديم بدائل له من خلال الكتاب الإلكتروني والنصوص المترابطة.
بعد سرد كرونولوجي لتاريخ الكتاب والكتابة، نستطيع القول أن اختراع الكتابة حقق نقلة تاريخية مهمة جداً في التاريخ البشري، لأن التحول الذي اتخذه مسار الكتابة من تلك الرموز الصخرية المنقوشة على جدران الكهوف إلى المواد النصية وغير النصية المتداولة اليوم عبر شبكة الإنترنيت كان سببا في تشكيل حياة الإنسان على ما هي عليه اليوم.
عندما تكثف الإنجازات التقنية بهذا الشكل نكتشف كم هو مذهل التسارع الذي رامكها[19]: من الكتابة إلى الكتاب (4300 سنة)، ومن الكتاب إلى الحروف المتحركة (1150 سنة)، ومن الحروف المتحركة إلى الإنترنيت (524 سنة)، ومن الإنترنيت إلى محركات البحث (17 سنة)، ومن محركات البحث إلى غوغل (7 سنوات)، ومن يدري ماذا ينتظرنا، أو هو في طريقه إلينا مستقبلاً؟.
4- أثر الوسيط على الكتابة:
إن ربط تاريخ الكتابة بالأدوات المستخدمة فيها يمثل خير معبر عن حال العصر، من خلال الآلات التدوينية التي عرفت في كل مرحلة منها، فالتعرف إلى أداة الكتابة وسيلة مهمة من وسائل معرفة الكتابة ذاتها، ويعبر سعيد يقطين عن أهمية معرفة الأداة والوسيط قبل الشروع في الكتابة، حيث يرى “أننا لا نستطيع أن نفرق بين الأداة أو الوسيط الذي نستعمله لإنتاج النص والنص ذاته، لأن العلاقة قوية ومتينة بين الأداة والاستعمال، أيا كانت هذه الأداة”[20].
لتوضيح أثر الوسيط في طبيعة المنتج يجب أن نلتفت إلى التباين القائم بين طبيعة النصوص الإبداعية المنتجة عبر المراحل المختلفة التي عرفتها البشرية[21]:
- في مرحلة الشفاهية كانت النصوص الأدبية الشفوية تتسم بسمات محددة كالقصر والميل إلى الشعرية لسهولة حفظ الكلام الموزون، وغيرها؛
- في مرحلة التدوين كانت النصوص مكتوبة مما يتيح لها أن تطول أكثر، وأن تتجه نحو الملحمية، وأن تتجاوز الشعر إلى النثر، وغير ذلك من سمات النصوص الكتابية؛
- في مرحلة الأدائية لم يعد الكلام لا مكتوبا فقط ولا منطوقا فقط، بل يمزج الحالة المنطوقة بالحالة المكتوبة (الأداء الإذاعي، السينما، المسرح…)؛
- في المرحلة التكنولوجية أصبح النص يعتمد الوسيط الإلكتروني الذي لا يزال غير واضح المعالم لأنه لم يبلغ مداه بعد، وتقدم النصوص فيه على أوجه مختلفة لم تجد لها صيغة نهائية أو ثابتة حتى الآن لأن الوسيط نفسه غير ثابت، وهذا ما يجعل من جهاز حاسوب- متصل بالإنترنيت خصوصا- بيئة قابلة لإنتاج نصوص مبتكرة على نحو لحظي.
استدعى الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة في الثقافة العربية زمانا طويلا، واكبه تحول كبير على مستوى الكتابة وآلياتها. وكان لجمع القرآن الكريم أثره البالغ في إعطاء الكتابة العربية كامل أبعادها[22].
عند الحديث عن الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة، فالسمة الجامعة هي عملية “التدوين”، والسمة الجامعة في الانتقال من المخطوط إلى المطبوع هي عملية “التحقيق”، والسمة الجامعة للانتقال من الطباعة إلى الرقامة هي عملية “البرمجة”[23].
5- الكتاب الإلكتروني: محاولة التعريف:
قبل التطرق لتعريف الكتاب الإلكتروني، لا بد من تعرف الكتاب. رغم أننا نتعامل يوميا مع الكتب نتصفحها، ونقلب أوراقها، ونستمتع بقراءتها، إلا أننا نجد صعوبة في بناء تعريف جامع مانع على حد تعبير المناطقة. من المهم أن نعتبر أن كلمة “كتاب” تتسع لتشمل كل ما هو مكتوب، أو مدون أيا كان الشكل الذي ظهر به[24].
5- 1)- الكتاب الإلكتروني:
إن أول استخدام لمصطلح الكتاب الإلكتروني (E-Book)، كان في تسعينيات القرن الماضي وأحد مبتكريه “بوب ستاين”، مع بداية استخدام طريقة تخزين ونشر الوثائق إلكترونيا (رقميا)، وهو صيغة رقمية لنص مكتوب، وهو مصطلح يستخدم لوصف نص مشابه للكتاب، لكن في شكل إلكتروني/ رقمي، وذلك لتعرض على شاشة الحاسوب.
إذا ما تأملنا ما يحدث الآن لوجدنا أن كل شيء من حولنا يترقمن ليكتسب المزيد من الإمكانات والخيارات الرقمية، فالبادئة “E” أو “Electronique” والتي جاءت أيضا مقترنة بالمصطلح “E-book”، أصبحت مؤخرا جزءا لا يتجزأ من الكثير من الكلمات والمصطلحات الأخرى، وحينما تضاف إلى بداية أي مصطلح فإنما تعطى لمفهومه بعدا جديدا يقترب بعض الشيء من المفهوم الأساسي التقليدي له، بينما تعنى أيضا أن يتم تأدية نفس المهام ولكن في بيئة إلكترونية، بقصد تحسين الأداء، وجعله أكثر مرونة، وذلك وصولا لنتاج أفضل من تلك التي يمكن الحصول عليها في البيئة التقليدية.
الكتاب الإلكتروني إذن “وسيط معلوماتي رقمي يتم إنتاجه عن طريق إدماج المحتوى النصي للكتاب من جانب، وتطبيقات البيئة الرقمية الحاسوبية على الجانب الآخر، حيث تكسبه طبيعته الإلكترونية الإمكانات والخيارات التي تتفوق بها البيئة الإلكترونية الافتراضية على البيئة الورقية للكتاب، كالإمكانات الاسترجاعية للنص، والإتاحة عن بعد، وإمكانية إضافة الوصلات المترابطة، والوسائط المتعددة، إلى غير ذلك”[25].
والحديث عن الكتاب الإلكتروني يعني الحديث عن جزأين مختلفين، مكملين لبعضها، وهي: آلة القراءة Hardware، ومحتوى الكتاب الرقمي المحمل على الآلة Software، فالكتاب الإلكتروني يعني هذين الجزأين معا. والجدير بالذكر أن آلة القراءة أو الجهاز المادي أصبح واقعا موجودا ومتوفرا في الأسواق بثمن زهيد إلى حد ما، بعد أن كانت حلماً، أما المحتوى الرقمي أو المادة الرقمية فيمكن الحصول عليها من بعض المواقع الإلكترونية التي توفر هذا النوع من الكتب، والتي أخذت تشق طريقها في الواقع الافتراضي لتدخل به الواقع الحقيقي في فترة قريبة[26].
يمكن القول بأن “هناك عملية انتقال تدريجي من إطار “الثقافة المطبوعة” إلى نطاق “المجتمعات اللاورقية”، من خلال رقمنه الكتاب، وهو ما يعد بمثابة التطور الطبيعي والمتوقع للكتاب مثلما تطورت أوعية معلومات أخرى منتقلة إلى البيئة الرقمية”[27].
5- 2)- أنماط الكتب الإلكترونية:
إن الطبيعة الرقمية للكتاب الإلكتروني تساعد على خلق العديد من الفئات الفرعية المتباينة، التي تندرج في الوقت ذاته تحت الفئة الأم للكتب الإلكترونية. يعتقد فاندر فيير أن مصطلح الكتاب الإلكتروني يمكن أن يشير إلى أحد الأنماط الثلاثة التالية[28]:
- الكتب المطبوعة تحت الطلب أو الكتب الفورية (POD)، وهي الكتب المخزنة إلكترونيا، لكن المستفيد يستطيع طبعها وتجليدها، حيث يتم تداولها مثل الكتب التقليدية؛
- الكتب المخلطة، والتي هي عبارة عن فصول إلكترونية من بعض الكتب، أو أجزاء صغيرة قائمة بذاتها، بحيث يستطيع القارئ الخلط بينها فيما حجم الكتاب، ليتم بعد ذلك تحميله واستخدامه؛
- الكتب السمعية، والتي هي عبارة عن نسخة سمعية يتم إعدادها خصيصا من أجل تداولها عبر الويب. بينما يستعرض والت كراوفورد Walt Crawford أنماطا أخرى من الكتب الإلكترونية[29]:
- الكتب الإلكترونية المفتوحة: حيث يسمح معيار XML لأي نص بأن يعمل مع أي جهاز قارئ، وذلك دون التقيد بجهاز معين، ولكن أيضًا مع العمل على حماية حقوق الناشرين في: الوقت ذاته؛
- الكتب المجانية: وهي عبارة عن نسخ رقمية من الكتب الموجودة في المواقع العنكبوتية العامة، بهدف خدمة أغراض معينة، وهذه النصوص يمكن تحميلها أو طبعها أو استعارتها بشكل مجاني؛
- الكتب المحاكية: وهي العناوين التي يتم شراؤها بواسطة المكتبات أو الاتحادات بين المكتبات، ويتم إعارتها خارجيا إلى المستفيدين ليقوموا بتحميلها على حواسيبهم الشخصية، بدفع مقابل مادي يسير؛
- أشباه الكتب: وهي عبارة عن النصوص متوسطة الطول (قصص قصيرة)، مثل قصة ستيفن كينغ (Ridding the Bullet)، التي كان يصعب نشرها على وسيط مطبوع، وجعلها في قالب PDF، وجعلها في صورة حزم معلوماتية، ومن ثم نشرها وتوزيعها إلكترونيا؛
- الكتب المنشورة ذاتيا: وهي الكتب التي يتم نشرها بواسطة بعض الأفراد على الويب؛
- الكتب الإلكترونية فيما قبل الويب: وهي الكتب الإلكترونية المخزنة على الأقراص الليزرية أو الأقراص المرنة؛
- الكتب الممتدة: وهي الكتب المنشورة على أقراص ليزرية، أو على الويب، وهي تلك الكتب الإلكترونية التي تتفوق على الكتب المطبوعة بالعديد من المميزات إلى جانب إتاحتها في صورة قابلة للبحث والاسترجاع، فإنها تميز باشتمالها أيضاً على النص المهيبر، والملتيميديا، والعناصر التفاعلية.
5- 3)- الكتاب الإلكتروني.. آلة القراءة:
تعرف آلة القراءة بأنها “جهاز عرض إلكتروني بحجم الكتاب، تعرض النصوص فيه على شاشة الكريستال السائل”. وقد تم تطوير تقنية قراءة الكتاب الإلكتروني حتى أصبحت لها القدرة على تحميل مكتبات ضخمة بكاملها في جهاز صغير لا يتعدى حجم الكتاب الورقي، مع إمكانية استعماله بسهولة، وتزويده بشاشة وأشرطة لمس حساسة تتيح للقارئ إمكانية التصفح وتحميل الكتب الإلكترونية، وتوصيله بالحاسوب العادي، كما تم تطوير إمكانيات الكتاب الإلكتروني (e-book) باستخدام تقنية الحبر الإلكتروني، ما يمثل مستوى جديدا من تقنيات العرض في الإلكترونيات الموجهة للمستخدمين الأفراد[30].
يطرح التطور التكنولوجي المتسارع العديد من الإبداعات المتلاحقة لدرجة تقطع الأنفاس، فالجهاز الصغير الذي طورته شركة أمازون لبيع الكتب (Amazon.com) في نوفمبر 2007، والذي أطلقت عليه “كيندل” Kindle Books، لقراءة الكتب باستخدام الأجهزة الرقمية. بمقدار هذا الجهاز أن يضم 1500 كتاب، ويتصفح المجلات والمدونات وكل أنواع المحتويات الرقمية على الشبكة العنكبوتية. ويستعين أمازون بخدمة تحمل الاسم نفسه لطرح عدد هائل من المواد التي تتناول شتى المجالات[31].
إذن تمثل هذه الأجهزة الصغيرة (المعجزة) مكتبة صغيرة يمكن حملها إلى أي مكان، وهو يمثل بذلك بديلا عن المكتبات التقليدية، ويعلن بديلا عصريا للورق. وقد كشفت شركة أمازون المتخصصة في بيع الكتب الرقمية، أن مبيعاتها من الكتب الإلكترونية تجاوزت مبيعات الكتب الورقية خلال الربع الثاني من عام 2010، حيث باعت عبر الموقع 9.5 مليون منتج في مختلف أنحاء العالم[32].
وقد أكدت دارسة لرابطة الناشرين الأمريكيين تجاوز مبيعات الكتاب الإلكتروني نظيرتها من الكتب الورقية المطبوعة للمرة الأولى، خلال شهر فبراير من العام 2011، حيث أظهرت الدراسة أن مجموع مبيعات الكتاب الإلكتروني بلغت حوالي 3.90 مليون دولار في فبراير 2011، بزيادة 202 في المائة عن الشهر نفسه في العام الماضي، ما وضع الكتب الإلكترونية في المرتبة الأولى للمرة الأولى.
وأشار مدير التحرير في منشورات «بنغوين» Pingouin، جويل ريكيت إلى تصاعد طلبات تحميل الكتب إلكترونيا من موقع «إي بوك»، الأمر الذي يدفع إلى التركيز على السوق الإلكترونية عبر الأنترنت. مؤكدا أن الكتاب الإلكتروني سيتطور بشكل متصاعد ومغر في آن واحد[33].
وفي السياق ذاته حقق الروائي الأمريكي دان براون رقم مبيعات غير مسبوق لروايته “شفرة دافن تشي”، تجاوز 60 مليون نسخة عبر العالم، بعد ترجمتها إلى أكثر من 40 لغة. وقد حقق الروائي المذكور المسار نفسه مع روايته الجديدة “الرمز المفقود” التي تجاوزت مبيعات الأسبوع الأول لصدورها مليون نسخة، سواء بطبعتها الورقية أو نسختها الإلكترونية[34].
إن نصيب الكتاب من السوق ما يزال إلى ارتفاع، وبناء على دليل الكتب المطبوعة الذي تصدره بوكرز Bowkers، فإن 700.000 إصدار جديد طبع في العالم عام 1998، و859.000 في 2003، و976.000 في 2007، ورغم الانحدار الاقتصادي الطارئ، فإن مليون كتاب جديد سيصدر سنويا قريبا[35]. فاستمرار سيطرة الكتاب لا يزال يجسد قاعدة عامة في تاريخ التواصل، إن وسيلة واحدة لا تلغي أخرى، على الأقل في المدى القريب. لقد استمر إصدار المخطوطات طويلا بعد اختراع غوتنبرغ، ولم تمح الصحف الكتاب المطبوع، ولم يحل الراديو مكان الصحيفة، ولم يلغ التلفزيون الراديو، ولم تحول شبكة الإنترنيت مستخدميها عن التلفزيون. فهل يقدم تطور التكنولوجيا رسالة تأكيد الاستمرارية رغم تكاثر الاختراعات الحديثة[36]؟
5- 4)- مزايا (الكتاب الإلكتروني):
من المميزات التي يمكن أن يضيفها الكتاب الإلكتروني اعتماده في الوقت الحالي على الإنترنيت، والتي تعد بدورها بمثابة ثورة في مجال إنتاج الكتب الإلكترونية، ومن تلك المميزات، نذكر ما يلي:
- إمكانية إتاحة الكتب الإلكترونية عن بعد مباشرة، وأيضا بشكل غير مباشر من خلال عملية التخزين؛
- تعمل الكتب الدراسية الإلكترونية على إضفاء المزيد من المرونة على العملية التعليمية، وخدمة أغراض التعليم عن بعد؛
- تسمح الكتب الإلكترونية للمستفيد بإنشاء مكتبته الخاصة انطلاقا من الإنترنيت؛
- إمكانية عرض وقراءة الكتب الإلكترونية باستخدام الأجهزة الحاسوبية المختلفة؛
- الاستخدام الآني للقواميس اللغوية الإلكترونية لترجمة الكلمات داخل النص:
- إمكانية التحكم وضبط النص الإلكتروني بما يتوافق واحتياجات المستفيدين، فضلا عن توافقه واحتياجات الفئات الخاصة (ذوي الاحتياجات الخاصة)؛
- إمكانية شراء فصل أو جزء معين فقط من الكتاب الإلكتروني (الاكتفاء بما يلزم الباحث)؛
- يتماشى الكتاب الإلكتروني والاتجاهات المحافظة على البيئة (الاستغناء عن الورق حماية للبيئة):
- يستطيع المستفيد التحقق على الخط المباشر من الكتاب الإلكتروني قبل الإقدام على شرائه (تعرف الكتاب ومختلف المعطيات حوله قبل شرائه)؛
- عدم تعرض الكتب الإلكترونية للتلف أو لعوامل التقادم، مقارنة بالكتب المطبوعة التي يمكن أن يتلف تجليدها أو تتعرض أوراقها للاصفرار، ثم مشكل الغبار الذي يمكن أن يسبب مشاكل صحية للمستعمل؛
- سهولة نشر الكتب التراثية والكتب النادرة إلكترونيا؛
- إمكانية الحصول على إحصاءات أكثر دقة حول استخدام مجموعات الكتب الإلكترونية؛
- التخفيف من مهام الصيانة والترفيف لمجموعات الكتب، والمشكلات التي تواجه القائمين على أعمال إعارة الكتب؛
- إمكانية اقتناء مجموعات ضخمة من الكتب دون التقيد بمساحات الرفوف المحدودة؛
- إمكانية النشر الذاتي للكتب الإلكترونية (قدرة المؤلفين الأقل شهرة على نشر أعمالهم وتحويها إلى الشكل الإلكتروني، وطرحها على الإنترنيت دون الاضطرار إلى تعاقدات تجارية مع الناشرين)؛
- مساعدة المؤلفين على نشر بعض الأعمال التي يصعب نشرها في شكل مطبوع؛
- سهولة تحديث محتوى الكتاب الإلكتروني (إمكانية إصدار طبعات جديدة، وتحديث النصوص والمحتويات، دون تكلفة عالية)؛
- سهولة نشر الكتب ذات الأحجام الكبيرة، حيث تسمح البيئة الرقمية بإنتاج الكتب الكبيرة وغير المحدودة في مساحة رقمية غير محدودة؛
- إمكانية استغلال الكتب التي سقطت عنها حقوق الملكية؛
- سهل التوزيع في كل أنحاء العالم مقارنة بالتعقيدات التقليدية التي تواجه الكتاب الورقي؛
- سهولة البحث عن معلومة ما فيه، من خلال خدمات البحث بالكلمة المفتاحية؛
- التفاعلية باستخدام الروابط التشعبية التي توصل المستخدم أثناء قراءته بمعلومات إضافية بمجرد النقر عليها، كما يتيح كتابة الهوامش ووضع ملاحظات وخطوط تحت الجمل المهمة، ويسمح بكتابة النصوص الشخصية أو تحميلها من جهاز الحاسوب الشخصي لحملها لأي مكان؛
- يمكن حمل الكتاب الإلكتروني (الجهاز) إلى أي مكان، وهو بمثابة مكتبة إلكترونية كاملة، كما أن التطوير المستمر للجهاز يعتمد في معاييره على خفة وزن الجهاز مقارنة بحمل عدد من الكتب دفعة واحدة، وسهولة الاستخدام؛
- إمكانية الربط بمصادر المعلومات الأخرى، وصفحات الويب المتعلقة بالموضوع؛
- ضمان عدم نفاذ نسخ الكتاب من سوق النشر، فهي متاحة باستمرار على الإنترنت ويستطيع الفرد الحصول عليها في أي وقت؛
- القدرة على تخطى الحواجز والموانع والحدود والتعقيدات التي يصادفها الكتاب الورقي؛
وقد عرف الكتاب الإلكتروني طفرة كبيرة تمثلت في ظهور المكتبات الرقمية منذ سنة 1995، ولقي دعما من قبل أنصار البيئة حيث سيقل الضغط على الغابات والورق، وهذا يقودنا للحديث عن الورق الرقمي في مقابل الورق التقليدي.
5- 5)- عيوب الكتاب الإلكتروني:
رغم الإيجابيات التي يمكن تعدادها، وهذه النظرة المشرقة التي ينظر بها إلى توغل التكنولوجيا الحديثة في أعماق صناعة الكتاب، إلا أن الأمر لا يخلو من عيوب ومواضع خلل. إن أغلب العيوب المرتبطة باستعمال الكتاب الإلكتروني، تركز على مشكلات الشاشة العارضة (حيث التركيز في أثناء القراءة)، ومشكلات تتعلق بعملية الاستخدام (استخدام الأزرار)، والوزن…، ومن العيوب والإشكالات المرتبطة باستعمال الكتاب الإلكتروني، نذكر ما يلي:
- لا تزال قراءة الكتاب الورقي وتقليب صفحاته أكثر جاذبية ومتعة بالنسبة لأجيال تربت على ذلك، وانتشار القراءة التقليدية باعتماد الوسيط الورقي لا يزال مهماً، حيث تصبح الجلسة برفقة كتاب أكثر دفئا وحميمية، في الوقت الذي تغيب عندما يجلس المرء أمام شاشة الحاسوب؛
- تأثير القراءة لساعات متواصلة من خلال شاشة إلكترونية أكثر ضررا على العين من قراءة الورق؛
- قلة عدد الكتب الرقمية العربية مقارنة بعدد الكتب الورقية المتوفرة في المكتبة العربية، وبالتالي عدم وجود عدد كاف يلبي جميع الاهتمامات والاختصاصات والأذواق لمختلف القراء؛
- الإفراط في توظيف الارتباطات التشعبية الذي يدخل المتلقي/ المستخدم أحيانا في متاهة يصعب عليه الخروج منها، كما أن المبالغة في استخدام تقنيات الوسائط المتعددة قد تشتت ذهنه؛
- صعوبة القراءة على الشاشة وغياب التركيز يجعل سلطة الكتاب الورقي أقوى؛
- التغيرات التكنولوجية المتلاحقة تجعل من الجهاز الحديث قديما بعد شهور قليلة، إضافة إلى إمكانية انتهاك حقوق الملكية الفكرية؛
- الحاجة إلى أدوات خاصة للقراءة، من أجهزة وبرمجيات، قد تكون مرتفعة التكلفة نسبيا، كما أن عمر البطارية الخاصة بالحاسوب محدود للغاية؛
- إمكانية انتهاك حقوق الملكية الفكرية للكتب الإلكترونية (القرصنة)، في غياب قوانين لحماية الملكية الفكرية لموارد المعلومات الرقمية في الكثير من الدول، خاصة أننا أمام منتج إلكتروني غالبا ما يتم تسويقه على نطاق عالمي عبر الإنترنيت؛
- تعدد القوالب أو البنيات الرقمية Formats للكتب الإلكترونية، أو ما يسميها ستيف غرانت بـ”غابة البنيات الرقمية”، وذلك لكثرة التركيبات المشفرة أو القوالب التي يتم وضع النصوص الرقمية فيها؛
- التكلفة المرتفعة للكتب المطبوعة تحت الطلب، بالإضافة إلى غياب جماليته مقارنة بالكتاب الورقي التقليدي: إن المظاهر التي سبق ذكرها، والتي تميز الكتاب الإلكتروني إيجابا أو سلبا، تدفعنا إلى إجراء مقارنة بين صيغتي الكتاب (الكتاب الورقي التقليدي والكتاب الإلكتروني)، للوقوف على أهمية كل منهما، ومدى قدرتها على الاستمرار والتطور في العقود القادمة[37]:
| النص الإلكتروني | النص السطري (أي المخطوط أو المطبوع) |
| متحرر من سلطة السطر أصلا ومستفيد من دينامية التكنولوجيا | مقيد بسلطة السطر والتكنولوجيا الصارمة للكتاب ووسائل النشر الراهنة. |
| متحرك ومتعدد الوسائط والحواس. | ذو بعد واحد هو البعد البصري أو السمعي. |
| يفجر الفكر والإبداع، ويحقق حلم النظريين بالنص المفتوح، وهو أقرب إلى مشاكلة البيئة الطبيعية للتفكير والإبداع | يؤطر عملية الفكر والإبداع ويأسرها، وهو تاريخيا مطية الفلسفات المنطقية العقلانية. |
| متطور وفي حالة تشكل دائم، افتراضي وليس له وجود مادي محدد. | جامد وغير قابل للحركة وخاضع للتأطير المادي بسبب قيود آليات الطباعة. |
| إمكانات التصغير والتكبير وطلب الانتظار منه متاحة بسهولة لمستعمل الحاسوب. | يصعب التحكم في حجمه من خلال التقنيات المتاحة للقارئ العادي. |
| منفتح على النصوص الأخرى ومتصل بها دون حواجز من خلال التسهيلات الإلكترونية، (العلاقة تزامنية ومفرعة) | منعزل شكليا عن النصوص الأخرى حتى تلك التي تولد منها، ولا يستطيع أن يتزامن معها. (العلاقة تعاقبية وذات بعد واحد) |
| من السهل استدعاؤه كليا أو جزئيا أو تكرارا أو مطابقة جملة بجملة. | في أحسن الحالات يمكن أن يستشهد به (يستدعى) من خلال تمزيقه أو اجتزائه. |
| تأليف فردي أو جماعي مع فرص مشاركة مفتوحة نوعيا وكميا للجمهور المتلقي. | محصور بمؤلف فرد مع احتمال شركة محدودة شراكة محدودة العدد جدا (غالبا مؤلفان وعلى الأكثر ثلاثة). |
| مفتوح عمليا وشرعيا لتفحص المتلقي/ المستعمل وتدخلاته، على سبيل التعديل والإضافة والتأويل. | مغلق شكليا على المتلقي، والمتنفس الوحيد له هو التأويل، ولا سيما من خلال النظريات الحديثة. |
| معضلة تخوم النص وحرمته وحقوق الملكية الفكرية تثير تساؤلات ومخاوف وجيهة. | مشكلة كيان النص وتخومه محلولة نسبيا، ومعها حقوق الملكية الفكرية. |
| القراءة باستخدام الشاشات الحاسوبية[38]. | القراءة باستخدام مواد المعلومات الورقية. |
| القراءة عبر الشاشات الصغيرة (الحاسبات القارئة) | ملمس الكتاب وتصفيفه وتجليده (الشكل- الملمس- الرائحة). |
| استخدام تقنيات الواقع الافتراضي (نظم تقليب الصفحات) | تقليب صفحات الكتاب الورقي بشكل سلس. |
| صيانة الكتب الإلكترونية تتطلب صيانة البرمجيات القارئة والآلات القارئة… | إمكانية صيانة وحفظ الكتاب الورقي. |
6- الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني ، مفاهيم بصدد التغير( المبدع، المتلقي، النص):
إن البحث في طبيعة وشكل التحولات التي يعرفها الكتاب مع التكنولوجيا إنتاجا وقراءة ونقدا، وذلك باستحضار النظام الجديد الذي أصبحت عليه المعرفة مع الوسائط التكنولوجية الحديثة التي بموجبها تحدث تحولات في مفاهيم اللغة والثقافة والأدب والفن والقراءة والكتابة والصورة، وغيرها، وتقع تغيرات عميقة في الذهنيات والسلوكيات والعلاقات والعادات وأنماط الفكر وأشكال المكتوب ووسائط القراءة والتلقي، بل في شكل العلوم والمعارف ومضامينها، وفي واقع المجتمعات وطبيعة الأنظمة الحاكمة.
6- 1)- من المجتمع الورقي إلى المجتمع الإلكتروني:
إن الحديث عن تحول من “مجتمع ورقي” إلى “مجتمع إلكتروني” من خلال تحول الكتاب من شكله الورقي إلى شكله الإلكتروني يتطلب توفر شروط تستهدف ما يلي[39]:
- إتاحة المزيد من الكتب الإلكترونية التي تتناسب واحتياجات المكتبات البحثية، بحيث يتضمن أيضا الكتب الدراسية على وجه الخصوص؛
- الاستمرار في تحسين جودة شاشات الحاسبات القارئة للكتب الإلكترونية وتقليل وزنها؛
- دعم المعايير المفتوحة، حتى يمكن استخدام الكتب الإلكترونية المختلفة مع الأنواع المختلفة من الحاسبات القارئة؛
- تحسين عمليات إتاحة وتحميل الكتب الإلكترونية.
مع تغير سند الكتابة تغير شكل النص وأسلوب كتابته، فظهور آلة الكتابة غير شكل الكتابة الذي كان يعتمد الأقلام والحبر، وبذلك تغيرت طباع الكتاب وأثرت في شكل كتاباتهم ومضمونها. فظهور الحاسوب وما يتيحه من قدرات المعالجة والتخزين وإمكانات التبديل والتعديل وتقنيات الحذف والربط بنصوص أخرى وأشكال إبداعية أخرى، “لم يكتف بتغيير الكتابة شكلا. ومضمونا، وإنما فتح الأبواب لأخلاقيات جديدة في الكتابة…”، منها إمكانية مراجعة ما كتب والتذكر والربط بين الأفكار واستدراك ما فات والتنبيه إلى الهفوات وتسهيل عمليات الاقتباس عن الغير وحتى عن الكاتب نفسه[40].
لا شك أن هذه العادات الجديدة تنعكس على أسلوب الكتابة وشكلها وعلى أخلاقياتها أيضاً، من خلال إهمال ضوابط الكتابة “الخطية” التي كان الخروج عنها خروجا عن “النهاية العلمية”. “فما توفره تقنيات الكتابة الجديدة التي تتمتع بذاكرة مستقلة، ذاكرة مخالفة لذاكرة الكتاب، مكنها من أن تساهم في أن تنزع عن النصوص هوياتها وتكرس “غفليتها” فتسمح للمقص أن يغدو هو أيضاً أداة للكتابة”[41].
6- 2)- من المبدع الورقي إلى المبدع الإلكتروني:
يعتبر المبدع المصدر الأول للنص، قبل انتقال ملكيته إلى المتلقي أو جمهور المتلقين، ويمكن تحديد هذه المقارنة من خلال النقط التالية:
- يكون المتلقي ورقيا إذا كان النص ورقيا، أما إذا استعمل المبدع الشاشة الزرقاء لإيصال نصه إلى المتلقي، فإنه سيكون إلكترونيا، لأنه اختار شاشة الحاسوب وسيطا بينه وبين متلقيه، وسيؤدي كونه إلكترونيا إلى أن يكون النص والمتلقي إلكترونيين أيضا[42].
- في المرحلة الورقية من عمر العملية الإبداعية الأدبية كان المبدع يصل إلى جمهوره المتلقي بإقرار وتسليم وموافقة ومباركة من عدد من الوسطاء الذين يقومون بتقديمه إلى الجهور المتلقي، مثل: دور النشر، والصحف والمجلات، والمؤسسات العلمية والثقافية، والنقاد…، مع الثورة الإلكترونية أصبح بإمكان أي فرد أن يكون مبدعًا ولكن إلكترونيا، فينشر ما يشاء ويقدمه مباشرة للمتلقي دون المرور بأي وسيط أو رقيب[43].
- المبدع الإلكتروني لا يعاني المساحات المحدودة والأبواب الموصدة. إنه يقدم إبداعه لجمهور افتراضي، يصل لكل المهتمين والباحثين عن الموضوع ذاته ليجد قراء متذوقين أو نقادا يتفاعلون مع نصه.
- المبدع الإلكتروني متعدد. إنه إلكترونيا يتعدد بتعدد القراء المتلقين لنصه، والذين يسمح لهم بالمشاركة في بناء النص وإنتاجه، في حين كان في السابق واحدا عندما كان ورقياً.
6- 3)- من المتلقي الورقي إلى المتلقي الإلكتروني:
نتج عن تحول المتلقي من الورقية إلى الإلكترونية حدوث تغييرات كثيرة، نرصدها ونجملها فينا يلي:
- خيارات المتلقي الورقي من النصوص الورقية، كالكتب والمجلات والدواوين والروايات وغيرها محدودة، بل وأحياناً مفروضة عليه بحسب رغبة دور النشر والتوجه السياسي والثقافي والديني السائد في بلده، وغير ذلك من المعايير الخارجة عن الأدب والتي يخضع لها الأدب رغماً عنه.
- أما المتلقي الإلكتروني فلا يفرض عليه شيء، بل هو سيد نفسه، يدخل إلى شبكة الإنترنيت ويختار من النصوص الأدبية المتاحة ما يشاء، وبالكيفية التي يريدها غالباً، قراءة أو سماعا أو حتى مشاهدة في بعض الأحيان، دون أن يضطر لقبول ما لا يرغب فيه.
- الوقت خارج سيطرة المتلقي الورقي، في حين إنه ملك للمتلقي الإلكتروني وتحت تصرفه، من حيث سرعة الإبحار وتوفر الكثير من الكتب إلكترونيا، دون انتظار وصول الكتاب أو توفره ورقياً، سواء كان الكتاب حديث الصدور أو نسخة من كتاب قديم، نفذت نسخه ولم تعد طباعته.
- يجد المتلقي الإلكتروني نفسه أمام تعدد خيارات البحث ونتائجه على الإنترنيت، عكس الباحث الورقي الذي يبذل جهداً كبيراً في التنقل والبحث الميداني الطي يتعثر في الكثير من الأحيان؛
- المتلقي الورقي ظل مستهلكاً سلبيا للنص زمنا طويلا، بينما التلقي الإلكتروني يفتح أبواب التفاعل مع النص، واختيار طرق التلقي والمشاركة الممكنة.
6- 4)- من النص الورقي إلى النص الإلكتروني:
يتجلى الفرق بين النص الورقي والنص الإلكتروني بمستوييه في أوجه متعددة، أهمها:
- يعد النص الورقي منتهيا بمجرد صدوره في شكل كتاب، بينما يجعل النص الإلكتروني من العمل الأدبي قطعة قابلة للتعديل على الدوام سواء من قبل المبدع أو المتلقي/ المستخدم في بعض الأحيان.
- يتميز النص الإلكتروني برحابة الفضاء المحيط به مقارنة بالنص الورقي الذي يعاني من الرقابة وبيروقراطية النشر، أو سوء تقدير دار النشر.
7- النص المترابط أفقا ً للإبداع الرقمي:
إن النص المترابط مفهوم دخل مجال المعرفة من باب القراءة، فقارئ النص الإلكتروني يتفاعل مع النص في صيغته الإلكترونية، وينتج حالات نصية مع كل قراءة. فالانتقال من النص إلى النص المترابط، ومن الكتاب الورقي إلى الكتاب الإلكتروني، يمثل انتقال الوسيط الذي يتم من خلاله تحميل الإنتاج أيا كان نوعه (المعلومات) ليغدو قابلا للتداول وموضوعا للتواصل. هذا الوسيط الجديد ليس وسيلة أو أداة فقط، وهذا العنصر الذي يميزه عن غيره من الوسائط التي تحققت في كل تاريخ البشرية. إنه في آن واحد أداة ولغة وخيال وواقع… إنه “عالم جامع غير قابل للتجزيء”[44].
يميز سعيد يقطين بين “الترابط النصي” و”النص المترابط”، ويعني بالأول السمة التفاعلية المميزة للنص كيفما كان نوعه مطبوعا أو إلكترونيا، وهذا المعنى يتصل بوثوق بأنواع التفاعل النصي، أما “النص المترابط” Hypertexte فيقصره على النص الإلكتروني الذي يقوم على الروابط التي تصل بين مختلف أجزائه ومكوناته. ويعتبر يقطين أن الترابط النصي مظهر من مظاهر “التفاعل النصي”، وهو عام إذ نجده يتحقق في أي نص كيفما كان جنسه أو نوعه[45].
كما يختص النص المترابط بالنص الإلكتروني الذي تتحقق فيه الروابط، وذلك على اعتبار أن ليس كل نص إلكتروني نصا مترابطا بالضرورة، فكتابة دراسة أو نص على الحاسوب لا يمثل نصاً مترابطاً.
والنص الإلكتروني مفهوم جديد جاء نتيجة التطور الذي حققته الإعلاميات، ويجري توظيفه للدلالة على “النص الذي يتحقق من خلال شاشة الحاسوب بناء على تطوير وسائل الاتصال الحديثة من جهة، ولخلق أساليب جديدة للتواصل بين الناس تتعدى ما كان معروفا مثل الهاتف والفاكس، إلى التواصل المتكامل ب/ مع واسطة جديدة للاتصال والتواصل والإبداع بشروط ومظاهر مختلفة”[46].
7- 1)- بين الكتب الورقية والكتب الإلكترونية: هل نحن بصدد توديع الورق؟
إذا كانت الكتب الإلكترونية قد أصبحت حقيقة ملموسة في الوقت الحالي، يعتمد عليها وعلى مجموعاتها الافتراضية عدد كبير من القراء والمستفيدين، فإن التخلي عن الكتب الورقية غير وارد على المدى القريب، ويرجح الباحثون إمكانية التعايش بين الورق والرقم، تماما كما حدث عندما كثرت الأحاديث عن قدرة الصور الفوتوغرافية على القضاء تماما على التصوير الزيتي، وقضاء الأفلام السينمائية على المسرح، ومسح التلفزيون للسينما، وغيرها من الأمثلة[47].
لقد تعددت أراء المهتمين والباحثين في الرقمية، بين مؤيد ومعارض لهذا التطور المتسارع في صناعة الكتاب، وبين من يرى أن هناك إمكانية التعايش بين الوسيطين الرقمي والورقي لعقود طويلة:
ترى هالة صلاح الدين أن “المستقبل هو للوسيط الإلكتروني دون جدال، معه سيزداد انسياب المعلومات وتدفق المعارف عبر الحدود، بل وسيتعمق ذلك النوع الجديد من الحدود غير الجغرافية الفاصلة بين الأمم، أي الحدود بين المعرفة وعدم المعرفة[48].
ويعبر أسليم عن هذه التحولات التي تجريها الشاشة اليوم على صعيدي الكتابة والقراءة بأنها “أعظم بكثير بالنظر إلى العصف الذي تلحقه بالكثير من المقولات والأنشطة المنحدرة إلينا منذ قرون، كالمؤلف والكتابة والقراءة والملكية الفكرية والكتاب”[49].
بينما يعتقد ستيف غرانت بأنه “على الرغم من أن إمكانات الكتاب الإلكتروني تثير إعجاب البعض، بينما تقلق البعض الآخر، إلا أن الكتب الإلكترونية لا يبدو أن لها تأثيرا قويا على العاملين في حقل الكتب والمهتمين به، فهم حتى الآن مضطرون للعيش مع بعض التوقعات الضخمة لكل من مزودي التقنيات والناشرين حول مستقبل الكتاب الإلكتروني. بينما يعتقد ناشرو الكتب التقليدية على وجه التحديد بأن الكتب الورقية المطبوعة لا تزال تحرز أرقاما قياسية من حيث حجم المبيعات”[50].
يستدل فريديريك كلغور F. Kilgour بتعايش الكتاب الدفتري مع الكتاب الملفوف للتأكد على أنه “من المشكوك فيه أن الكتاب الإلكتروني سوف يحل محل الكتاب المطبوع على الفور، حتى ولو أصبحت أكثر مناسبة وانتشاراً، فسوف تكون مهمة الكتب الإلكترونية الأساسية أن تشيع احتياجاتنا الاجتماعية التي لا تستطيع أن تشبعها الكتب المطبوعة”. وهو ما يؤكده فرانك رومانو Frank Romano، بأن “الشكل الورقي للكتاب سوف يظل يستخدم لخمسين عاما قادمة، فما يجب أن يتبدل ليس التقنية وحدها، بينما الناس أيضاً، حتى تنتشر تقنية الكتب الإلكترونية[51].
يقول غيتس “إن على التكنولوجيا أن تتطور جذرياً قبل أن تتحول جميع الأعمال التي نقوم بها على الورق اليوم إلى الشكل الرقمي”، وباختصار، فإن الكتاب التقليدي المطبوع على ورق مطوي وموضب، ليس في وارد الاندثار في الفضاء السيبراني[52].
ويرى عبد النور إدريس أن توفر عناوين الكتب العربية على شبكة الإنترنيت يحقق الانتشار المعرفي بسرعة أكبر، ويحقق دمقرطة المعرفة ويسمح باختراق المرجعيات السياسية والثقافية للبلدان العربية. فتراجع مقروئية الكتاب الورقي الناتجة عن عوامل عدة من بينها: الدخل الفردي المنخفض، بالإضافة إلى السياسة التعليمية التي تزكي التبادل الثقافي حول التركيز على الشهادة، قد أضاع فرصة العالم العربي لمواكبة الحجم الهائل للمعلومة الصادرة على شبكة الإنترنيت، لكن تبقى إضاءات إيجابية تساهم في تراكم الخبرات المعلوماتية والتي ستساهم في ترويج المنتوج الثقافي العربي قديمه وحديثه[53].
في المغرب لا يزال الكتاب الورقي يحتفظ بمكانته، رغم ركود سوق القراءة بشكل عام وعزوف عموم المغاربة عن الكتاب لأسباب كثيرة لا يتسع المجال هنا لتفسيرها. ويظل الإنترنيت مجالا ومتنفسا يوفر كماً هائلا من الكتب التي لم يكن يمكن في السابق الوصول إليها، إما لأنها ممنوعة أو نادرة أو لأنها مكتوبة بلغات مختلفة.
لقد سمعنا هذا التوقع تكرارا (موت الكتاب الورقي) منذ تصميم الكتاب الإلكتروني الأول عام 1945، منذ ذلك الوقت، فإن موت الكتاب التقليدي قد أعلن مرارا، إلى درجة أننا لم نعد نقلق من فراغ رفوف المكتبات يوما، واليوم، وبعد أن أصبح معظم البشر يستخدمون الحاسوب، أمسوا ينتجون ويستهلكون ورقاً مطبوعا أكثر من أي وقت آخر[54].
خاتمة:
رغم المتغيرات المتسارعة التي تستشرف المستقبل، وعلى رأسها المتغيرات التكنولوجية التي تتطور بسرعة هائلة، ستتعايش وسيلتا التواصل الطباعية والإلكترونية، وتنقرض بعض الوسائل الأخرى نتيجة لهذا التطور المستمر، فنحن نشاهد اليوم انقراض وسائل نعرفها: الآلة الكاتبة التي انتقلت إلى المتاحف، والرسالة المكتوبة يدويا البعيدة عن إدراك الأجيال الشابة، والصحيفة اليومية التي بدأت في الاختفاء تدريجيا من المشهد الثقافي العالمي لصالح الصحافة الإلكترونية، وغيرها من التحولات التي طالت وسائط التواصل نتيجة للتطور التكنولوجي المستمر.
إن موضوع تحولات الكتاب وتحديات الرقمنة، والآفاق التي تتيحها الرقمية أمام التدفق الهائل للمعارف التي أصبحت تمثل رأسمال القرن الحادي والعشرين، يشكل اليوم مركز اهتمام الباحثين والمفكرين العرب والغربيين على السواء، نظرا للانتشار الواسع للثقافة الرقمية وهيمنتها على الوسائط الأخرى المختلفة بما فيها الكتاب. فبين معارض للرقمية كبديل للكتاب والسند الورقي في الثقافة والإبداع والتعليم والتعلم، وبين متعصب لها ومدافع عن تحرير الإنسان من كل ما يجعله سجينا، والتحليق في فضاءات الرقمية والعوالم الافتراضية، تظل مكانة الكتاب مهمة، بل نقول أساسية ولا بديل عنها، رغم الحديث المبكر عن موت الكتاب والسند الورقي.
لعل النقاش الدائر اليوم حول علاقة الوسائط التكنولوجية بأشكال الإبداع الثقافي والأدبي والعلمي، يحيد عن الإشكال الحقيقي المتمثل في العزوف عن القراءة، الأمر الذي يتسبب في تصحر معرفي ينتشر بشكل مخيف. إذن لا ينبغي أن نخشى الكتاب الإلكتروني، بل علينا تركيز جمودنا في الحفاظ على علاقتنا بالقراءة أيا كان نوع الكتاب، وأيا كان شكل الوسيط. فالكتب وسائط معرفية ميسرة لعملية القراءة سواء كانت ورقية أو إلكترونية.
ومن هذا المنطلق ينبغي أن نوجه تفكيرنا نحو طرح الأسئلة التالية:
- هل ما يطلع علينا من كتب على الشاشات الزرقاء يحترم المواصفات الإبداعية والفنية لإنتاج أدبي جيد يرتقي بالذوق الثقافي العام؟
- وهل تمكن دعاة الرقمية المطلقة من تكوين قارئ يتطلع لتنمية معارفه وخلق مناخ معرفي وثقافي مواتٍ لبيئة رقمية تقدم الكتاب الإلكتروني/ الرقمي رمزا لها؟
المصادر والمراجع المعتمدة:
- أحمد محمد صالح: ثقافة مجتمع الشبكة، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 2004.
- رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، النشأة والتطور، الخصائص والإمكانات، الاستخدام والإفادة، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة 1، 2008.
- محمد أسليم: الرقمية ومستقبل الثقافة العربية، ضمن “الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال الحديثة” (الجزء الثاني)، الكويت، كتاب العربي، العدد 82، أكتوبر 2010.
- هالة صلاح الدين حسين: تحية إلى الورق ووداعا له، وسيط إلكتروني يمهد لأدب مختلف، ضمن كتاب العربي “الثقافة العربية في ظل الوسائط الحديثة”، الجزء الأول، منشورات وزارة الإعلام، الكويت، العدد: 81، يوليوز 2010.
- فاطمة البريكي: الكتابة والتكنولوجيا، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، ط 1، 2008.
- الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، ترجمة: محمد م. الأرناؤوط، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الجزء الأول، العدد 169، يناير 1993.
- الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، ترجمة: محمد م. الأرناؤوط، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الجزء الثاني، العدد 170، فبراير 1993.
- والتر أونج: الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، عدد 182، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فبراير 1994.
- يقطين سعيد: “من النص إلى النص المترابط” ضمن مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد 2، المجلد 32، أكتوبر- دجنبر، 2003.
- سعيد يقطين: من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2005.
- سعيد يقطين: النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2008.
- عبد السلام بنعبد السلام: الكتابة بيدين، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 2009.
- حسام الخطيب، رمضان بسطاويسي محمد: آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية، دمشق، دار الفكر، الطبعة الأولى، 2001.
- محمد سناجلة: رواية الواقعية الرقمية، تنظير نقدي، موقع اتحاد كتاب الإنترنيت العرب، ص ص: 26- 27، على الرابط التالي: http://www.arab-ewriters.com/?action-showitem&&id=126
[1] محمد سناجلة: رواية الواقعية الرقية، تنظير نقدي، تم التحميل من موقع اتحاد كتاب الإنترنيت العرب:
[2] محمد أسليم: مدخل موجز لتاريخ الكتابة والقراءة، موقع الأستاذ أسليم على الرابط التالي: http://aslimnet.free.fr/articles/index.htm
[3] فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2006، ص: 17.
[4] سعيد يقطين: النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2008 ص: 111.
[5] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ترجمه غسان شبارو، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 41.
[6] والتر أونج: الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، عدد 182، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فبراير 1994، ص ص: 166- 167.
[7] الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، ترجمة: محمد م. الأرناؤوط، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الجزء الأول، العدد 169، يناير 1993، ص: 15.
[8] الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، مرجع سابق، ص ص: 29- 30.
[9] الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، نفس المرجع، ص: 35.
[10] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص: 55.
[11] الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، مرجع سابق، ص: 45.
[12] حسناء محجوب: ناشرو الكتب العربية على الأقراص المليزرة، مجموعة خليفة للحاسب، عالم المعلومات والمكتبات والنشر، مج 4، ع1، يوليوز 2002، ص ص: 194- 238.
[13] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ترجمة غسان شبارو، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 41- 42.
[14] الكسندر ستيبتشفيتش: تاريخ الكتاب، ترجمة: محمد م. الأرناؤوط، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الجزء الثاني، العدد 170، فبراير 1993، ص: 68.
[15] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ترجمة غسان شبارو، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 42.
[16] محمد أسليم: الرقمية ومستقبل الثقافة العربية، ضمن “الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال الحديثة” (الجزء الثاني)، الكويت، كتاب العربي، العدد 82، أكتوبر 2010، ص ص: 128- 140.
[17] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ترجمة غسان شبارو، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 42.
[18] محمد أسليم الرقمية ومستقبل الثقافة العربية، 2010، نفس المرجع، ص: 133.
[19] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ترجمة غسان شبارو، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 43.
[20] فاطمة البريكي: الكتابة والتكنولوجيا، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2008، ص: 32.
[21] فاطمة البريكي: الكتابة والتكنولوجيا، نفس المرجع، ص ص: 38- 39.
[22] سعيد يقطين: النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، ص: 144.
[23] سعيد يقطين: النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، ص: 150.
[24] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص: 52.
[25] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، النشأة والتطور، الخصائص والإمكانات، الاستخدام والإفادة، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، 2008، ص: 35- 36.
[26] فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص: 40.
[27] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص: 35.
[28] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص: 46.
[29] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص ص: 47- 48.
[30] فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص: 41.
[31] هالة صلاح الدين حسين: تحية إلى الورق ووداعا له، وسيط إلكتروني يمهد لأدب مختلف، ضمن كتاب العربي “الثقافة العربية في ظل الوسائط الحديثة”، الجزء الأول، منشورات وزارة الإعلام، الكويت، العدد: 81، يوليوز 2010، ص ص: 214- 235.
[32] شبكة مغرس الإخبارية، على الرابط التالي: http://www.maghress.com/tinjah/6322
[33] الطاهر حمزاوي: الكتاب الورقي، هل أزفت ساعة النهاية والزمن الجميل؟، موقع اتحاد كتاب الإنترنيت العرب، نقلا عن جريدة المساء المغربية بتاريخ 25 شتنبر 2011، على الرابط التالي:
[34] جريدة الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ 15 أكتوبر 2010.
[35] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ترجمه غسان شبارو، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 16.
[36] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، نفس المرجع، ص: 16.
[37] حسام الخطيب، رمضان بسطاويسي محمد: آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية، دمشق، دار الفكر، الطبعة الأولى، 2001، ص: 57- 59.
[38] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص ص: 347- 358.
[39] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، ص ص: 359- 360.
[40] عبد السلام بنعبد السلام: الكتابة بيدين، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 2009، ص: 23.
[41] عبد السلام بنعبد السلام: الكتابة يدين، نفس المرجع، ص: 23.
[42] فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص: 136.
[43] المرجع نفسه، ص: 137.
[44] سعيد يقطين: من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2005، ص: 247.
[45] يقطين سعيد: “من النص إلى النص المترابط” ضمن مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد 2، المجلد 32، أكتوبر- دجنبر، 2003، ص ص: 71- 101، (ص: 83).
[46] سعيد يقطين: من النص إلى النص المترابط، المرجع نفسه: ص: 79.
[47] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، مرجع سابق، ص: 324.
[48] هالة صلاح الدين حسين: تحية إلى الورق ووداعا له، مرجع سابق، ص: 235.
[49] محمد أسليم: مدخل موجز لتاريخ الكتابة والقراءة، مرجع سابق، ص: 6.
[50] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، نفس المرجع، ص: 299.
[51] رامي محمد عبود داوود: الكتب الإلكترونية، نفس المرجع، ص: 325.
[52] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، ص: 89.
[53] عبد النور إدريس: الثقافة الرقمية، من تجليات الفجوة الرقمية إلى الأدبية الإلكترونية، مكناس، سلسلة دفاتر الاختلاف، ط1، ماي 2011، ص: 11.
[54] روبرت دارنتون: الكتاب، بين الأمس واليوم، مرجع سابق، 2010، ص: 88- 89.