الفروق المتعلقة بمفهوم القرار الإداري وأنواعه
أ. عبد الغني بن درباش بن موسى الزهراني*
ملخص البحث:
تقوم فكرة هذا البحث على بيان أهم أوجه التطابق والاختلاف بين موضوعات ومصطلحات هي محل عناية واهتمام القضاء الإداري, وقد وجد الباحث في هذه المصطلحات والموضوعات مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف وأثر ذلك على المسائل القضائية الإجرائية منها والموضوعية, وجاء هذا البحث ليتناول أهم موضوع من موضوعات القضاء الإداري وهو القرار الإداري, وقد اتسم البحث بتناول عدد من الموضوعات تتعلق بمفهوم القرار الإداري من حيث الإيجاب والسلب وما هو من قبيل القرار وما ليس كذلك, وما كان منها ذان أثر على أفراد محددين أو كان عبارة عن قواعد عامة مطردة تحكم جميع المخاطبين بها على الدوام, وقد خلص الباحث إلى عدد من النتائج المتعلقة بوضع حد فاصل بين نقاط الاختلاف حتى يتسنى لذوي الشأن عدم الخلط بينهما, سواء كان ذلك الخلط من الجهة الإدارية التي تصدر القرار أو يعبر عن إرادتها, أو كانت جهة قضائية تنظر في مشروعية ذلك القرار, وقد تضمن البحث العديد من المراجع ومنها على وجه الخصوص ذات الصلة والعلاقة الوثيقة بصلب الموضوع.
Abstract:
The idea of this research is to show the most important congruence and differences between subjects and terminology that are the subject of the attention and attention of the administrative judiciary. In these terms and subjects, the researcher found the areas of agreement and differences and their impact on procedural and substantive judicial issues. This research dealt with the most important topic of administrative justice, namely administrative decision, The research has been characterized by a number of topics relating to the concept of administrative decision in terms of positivity, looting, such as resolution and what is not. The two of them had an impact on specific individuals or were systematic general rules that always governed all addressees. The researcher has reached a number of conclusions concerning the delineation of the points of difference so that those concerned may not confuse them. Whether it is the confusion of the administrative body making the decision or expressing its will, or was a judicial body considering the legality of that decision, The research included many references, including in particular the relevance and close relationship to the subject’s substance.
المقدمة:
يعد القرار الإداري أحد الأساليب القانونية التي تستخدمها الجهة الإدارية للتعبير عن إرادتها في مزاولة وظيفتها وأنشطتها, ويعد القرار الإداري بحد ذاته عملاً قانونياً, ينشئ المركز القانوني ويعدل ويلغي, ويترتب على ذلك اكتساباً للحقوق وإلزاماً بالواجبات, وتتنوع هذه القرارات بين قرارات تتخذها الجهة الإدارية وبين قرارات تحجم وتمتنع عنها, وقرارات تستمر في حدوثها وآثارها وأخرى تنقضي بمجر صدورها وإحداثها للأثر, وقرارات ذات طبيعة مركبة ومتسلسلة, وأخرى تتكون من عمل وإرادة واحدة, وقرارات لها طابع التنفيذ للقاعدة القانونية فقط, وتفتقد معها الجهة الإدارية لإرادة التأثير في المركز القانوني, وقرارات أخرى لها الطابع التنظيمي وقرارات تمس الأفراد على وجه التحديد, كما أن هناك أعمالاً تسبق تلك القرارات الإدارية وتشترك معها في مفهوم التعبير عن الإرادة والإلزام بها, وأخرى ترتبط بالعقود الإدارية غير تلك التي تعبر فقط عن نشاط جهة الإدارة بمفردها, وقد جاء هذا البحث في ثمانية مطالب وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: الفرق بين القرار الإداري الإيجابي والقرار الإداري السلبي.
المطلب الثاني: الفرق بين القرار المستمر والقرار السلبي.
المطلب الثالث: الفرق بين القرار المركب والقرار الموحد.
المطلب الرابع: الفرق بين القرار الإداري والقرار التنفيذي.
المطلب الخامس: الفرق بين القرار اللائحي والقرار الفردي.
المطلب السادس: الفرق بين القرار الإداري والأعمال التحضيرية.
المطلب السابع: الفرق بين القرارات الإدارية المتصلة والمنفصلة.
المطلب الثامن: الفرق بين القرار المعيب والقرار المعدوم.
مشكلة البحث:
تتداخل موضوعات ومصطلحات القرار الإداري, وينتج عن هذا التداخل خلل في التطبيق يظهر ذلك من خلال الاختلاف الحاصل في الأحكام القضائية نظراً لاختلاف الأفهام حول التفرقة بين موضوعات ومصطلحات القرار الإداري, وهذا البحث هو محاولة لإيضاح أوجه التشابه والاختلاف بينها حتى يمكن من خلالها الوصول إلى الإجابة عن سؤال البحث الرئيس وهو: هل يمكن الوصول إلى الفروق الدقيقة بين موضوعات ومصطلحات القرار الإداري بما يساهم في الحد من الخلط بينها ؟
أهمية البحث:
تنبع أهمية هذا البحث من أهمية علم الفروق الذي صنفت فيه المصنفات وبه تجلت دقائق الموافقات والاختلافات بين عديد المسائل التي عرفت على وجه الدقة, وعرف مدى اطراد أهل العلم في كثير من مختلف المسائل التي ظاهرها التوافق وكنهها الاختلاف, ولما كان هذا العلم وليد المدرسة الفقهية فقد ألقى بظلاله على العلوم والمعارف الأخرى التي هي إما فرع من فروعه أو تعد المدرسة الفقهية رافداً من روافده ومن تلك العلوم ما يسمى حالياً بــ” الدراسات القضائية” التي تبحث في جانب حماية الحق وصيانته على سند مما تم تدوينه ورقمه في مدونات الفقه والسوابق القضائية ومن هنا تبرز أهمية علم الفروق المتعلق بالمسائل القضائية ومن هذا الباب تتجلى الأهمية العلمية لهذا البحث.
منهج البحث:
المنهج العام: منهج وصفي قائم على الاستقراء والتحليل والاستنتاج ثم المقارنة.
المنهج التفصيلي: تحقيقاً للمنهج العام للبحث سوف أتبع المنهج التفصيلي الآتي:
1- أسلوب المقارنة بين موضوعات ومصطلحات القرار الإداري المتشابهة في ضوء الفقه والنظام.
2- العناية بالتعريف بالألفاظ العربية والمصطلحات العلمية الواردة بالبحث.
3- توثيق النصوص و النقولات من مصادرها وتوثيق الأفكار ونسبتها إلى أصحابها.
4- عزو الآيات القرآنية الكريمة.
5- تخريج الأحاديث فيما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به وذلك لتلقي الأمة لهما بالقبول وما كان في غيرهما خرجته من الكتب الأخرى, مع بيان الحكم على الحديث من خلال أقوال الأئمة المعتبرين.
6- البحث على ضوء الأنظمة واللوائح في المملكة العربية السعودية وما يحتاج منها إلى بيان وجه الرأي الفقهي فيها.
المطلب الأول
الفرق بين القرار الإداري الإيجابي والقرار الإداري السلبي([1])
يتفق كل من القرار الإداري الإيجابي والقرار الإداري السلبي في أن كلاهما يعامل معاملة القرار الإداري في النظر القضائي؛ لما له من أثر بالسلب أو الإيجاب على الشخص, إلا أن هناك عدة فروق بين القرار الإداري الإيجابي والقرار الإداري السلبي بيانها في النقاط التالية:
أولاً: يعتبر القرار الإداري الإيجابي معبراً عن إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة, بينما القرار السلبي على العكس من ذلك, فإن امتناع أو رفض جهة الإدارة عن الإفصاح عن إرادتها بقصد إحداث أثر قانوني يشكل المفهوم الدقيق للقرار السلبي, وفي سبيل ذلك لو رفضت جهة الإدارة اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه, وظهر رفضها في صورة مكتوبة, فإن ذلك الرفض لا يعد من قبيل القرار الإيجابي ما دام أنه لم يكن بقصد إحداث أثر قانوني, وإنما هو كشف وبيان عن موقف جهة الإدارة تجاه القرار الإداري الواجب اتخاذه.
ثانياً: القرار الإداري الإيجابي هو: ما ينطبق عليه وصف القرار الإداري من إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة بقصد إحداث أثر قانوني, وأما القرار السلبي فقد اعتبره المنظم السعودي في حكم القرار الإداري, وبالتالي فقد اختلف النظر القضائي حيال النظر في امتناع أو رفض جهة الإدارة عن اتخاذ القرار الواجب عليها اتخاذه وفق النظم واللوائح, في حال ثبت للدائرة القضائية أن امتناع أو رفض الجهة لم يكن عن أمر كان من الواجب عليها اتخاذه فهل يعتبر مجرد الامتناع أو الرفض يشكل قراراً سلبياً أو لابد أن يكون الرفض أو الامتناع عن أمر كان من الواجب على جهة الإدارة اتخاذه وفق النظم واللوائح, وينتج عن ذلك أنه في الحالة الأولى يكون حكم الدائرة موضوعياً, بينما في الحالة الثانية يكون الحكم شكلياً؛ لانعدام المحل([2]).
ثالثاً: يخضع القرار الإداري الإيجابي في الأصل لمبدأ التحصن من الطعن, بمعنى أن مدة الطعن فيه أمام المحاكم الإدارية محددة, وفقاً لما ينص عليه القانون, وفي المملكة العربية السعودية نجد أن المنظم قد حدد مدة للطعن في القرارات الإدارية أمام المحاكم الإدارية([3]), بينما نجد القرار السلبي قد استثني من مدد الطعن, فيمكن للطاعن التقدم في أي وقت شاء أمام المحكمة الإدارية, ما دام أنه استمر امتناع أو رفض جهة الإدارة, وقد استقر القضاء والفقه على هذا الاستثناء, ولا يعني أن هذا الاستثناء لا يتقاطع فيه القرار السلبي مع غيره من القرارات الإدارية -ومن ذلك القرار المستمر- غير أن هذا التقاطع يأتي لمعنى خاص ورد بالقرار المستمر توافق فيه مع القرار السلبي, وهو الاستمرارية والتجدد.
رابعاً: شرط التظلم الوجوبي من القرار الإداري الإيجابي في دعوى الإلغاء واجب الاستيفاء, وقد نص المنظم السعودي على ذلك, ويترتب على رفع دعوى الإلغاء دون إيداع التظلم الوجوبي عدم قبولها, بينما شرط التظلم من القرار السلبي في دعوى الإلغاء قد اختلفت فيه أحكام القضاء في المملكة العربية السعودية بين الإيجاب والجواز, والذي يظهر لي أن هذا التظلم لا جدوى منه, خصوصاً إذا كانت الدعوى لا تتعلق بشؤون الخدمة المدنية, فإن الطاعن قد استنتج امتناع أو رفض جهة الإدارة من خلال مراجعته لدى الجهة الإدارية, وبالتالي فإن إيجاب التظلم لا يعد ذا جدوى, ولو افترضت جدواه فإن التظلم الذي لا تتحدد مدة النظر والفصل فيه لا جدوى من اشتراطه لقبول دعوى الإلغاء.
المطلب الثاني
الفرق بين القرار المستمر والقرار السلبي([4])
يتفق كل من القرار المستمر و القرار السلبي في التالي:
أولاً: كلاهما يعامل معاملة القرار الإداري من حيث تعلقهما بإرادة الجهة الإدارية, ومن حيث مخاصمتهما بدعوى الإلغاء.
ثانياً: كلاهما لا يخضعان لمدد الطعن التي وضعها المنظم, ويمكن للطاعن أن يخاصم القرار المستمر أو السلبي متى شاء, ما دام أن القرار المستمر لا يزال قائماً, وما دام أن امتناع أو رفض جهة الإدارة لا يزال متجدداً.
ثالثاً: يتصف كل من القرار المستمر والقرار السلبي باستمرارية الأثر مع كل تجدد للوقائع التي يتناولها القرار المستمر أو القرار السلبي.
ويختلف القرار المستمر عن القرار السلبي فيما يلي:
أولاً: أن القرار المستمر يشترط فيه الإفصاح من قبل جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة بقصد إحداث أثر قانوني, بينما القرار السلبي يجب ألا يتضمن الإفصاح عن الإرادة بقصد إحداث أثر قانوني وإلا لم يعد قراراً سلبياً.
ثانياً: يتم إعلام ذو الشأن بالقرار المستمر, بينما القرار السلبي لا يتم إعلام ذو الشأن به.
ثالثاً: القرار الإداري المستمر كغيره من القرارات الإيجابية قابل للتسبيب, بينما القرار السلبي لا يقبل التسبيب؛ لارتباط التسبيب بالباعث على الإرادة التي أفصحت عنها الجهة الإدارية, بينما لا توجد إرادة مفصح عنها في القرار السلبي تجاه المركز القانوني, ويبقى الباعث على رفض أو امتناع الجهة الإدارية هو محض الرفض والامتناع.
المطلب الثالث
الفرق بين القرار المركب والقرار الموحد
قبل البدء في بيان أوجه الاتفاق والافتراق بين القرار المركب والقرار الموحد, لابد من إيضاح مفهوم كل منهما على النحو الآتي:
– القرار المركب هو: ذلك القرار الذي يتكون من عدة قرارات متلاحقة ومتعاقبة, يبنى اللاحق منها على السابق, ويتمتع كل قرار منها بشروط القرار الإداري الواجب توافرها, ويمكن مواجهته بالطعن بشكل عام, أو مواجهة إحدى تلك القرارات التي تشكل منها.
– القرار الموحد هو: ذلك القرار الذي يصدر من صاحب الصلاحية, ولا يكون مسبوقاً بقرارات يرتكز عليها, وإنما قد يسبق بأعمال تحضيرية لا يصدق عليها وصف القرار الإداري.
ومن خلال ما سبق يتضح أن كلاً من القرار الإداري الموحد, والقرار الإداري المركب يعد قراراً إدارياً منتجاً لأثره, وتجوز مخاصمته بدعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري, ويخضع للميعاد المتعلق بدعوى الإلغاء, بيد أن هناك فروقاً بين القرار المركب والقرار الموحد بيانها في النقاط الآتية:
أولاً: القرار الإداري المركب هو عبارة عن مجموعة قرارات شكلت في مجموعهاً قراراً إدارياً, بينما القرار الإداري الموحد لا يعدو أن يكون قراراً واحداً فقط, وإنما قد تسبقه أعمالاً تحضيرية لا تسمى في مجموعها ولا في أجزائها قرارات إدارية.
ثانياً: القرار الإداري المركب يمكن مواجهته بدعوى الإلغاء, كما يمكن مواجهة القرارات التي تسبقه وتكون منها بدعوى الإلغاء أيضاً, بينما القرار الموحد لا يمكن إقامة الدعوى القضائية إلا في مواجهته فقط, وأما ما يسبقه من أعمال تحضيرية فلا تعد محلاً لدعوى الإلغاء, وإنما قد تكون محلاً لدعوى القضاء الكامل.
ثالثاً: صدور القرار المركب في صورته النهائية -دون أن يسبقه صدور قرارات قد اشترط المنظم صدورها لتشكل مع بعضها صورة القرار الإداري المركب- يعد عيباً من عيوب القرار الإداري, وهو عيب الشكل, بينما يختلف الأمر في القرار الموحد, فلو صدر القرار من صاحب الصلاحية دون أن يسبق بأعمال تحضيرية فإن ذلك لا يعد عيباً من عيوب الشكل في القرار الإداري, إلا أنه يمكن اعتبار إغفال بعض الأعمال التمهيدية من قبيل عيب الإجراء في القرار الإداري, لاسيما إذا النظام على ذلك, أو كان مما استقر القضاء الإداري عليه, ومن ذلك إجراء التحقيق السابق لإصدار القرار المتعلق
بالجزاءات والغرامات الإدارية([5])).
المطلب الرابع
الفرق بين القرار الإداري والقرار التنفيذي
يعد كل من القرار الإداري النهائي محدث الأثر في المركز القانوني والقرار التنفيذي معبراً عن إرادة جهة الإدارة, ومتعلق بنشاطها, غير أنه يفترق القرار الإداري عن القرار التنفيذي في عدة نقاط وهي:
أولاً: القرار الإداري النهائي ينشئ, أو يعدل, أو يضيف, أو يلغي مركزاً قانونياً, ويعد بذلك معبراً عن اتجاه إرادة الجهة الإدارية بقصد إحداث ذلك الأثر في المركز القانوني, بينما القرار التنفيذي لا يعدو أن يكون تعبيراً عن إرادة جهة الإدارة في الالتزام بنفاذ القانون, دون أن يكون له أي أثر في المراكز القانونية بالإنشاء, أو التعديل, أو الإضافة.
ثانياً: القرار الإداري النهائي يصلح أن يكون محلاً لدعوى الإلغاء, وبالتالي يتوجه الطاعن أمام المحكمة الإدارية بتوجيه الطعن في العيب اللاحق بالقرار, بينما القرار التنفيذي لا يمكن أن يكون محلاً لدعوى الإلغاء, ولا يمكن توجيه الطعن فيه بإحدى عيوب القرار الإداري, بيد أنه في حال ما إذا ثار خلاف بين الشخص وجهة الإدارة حيال القرار التنفيذي فإما أن تكون المخاصمة من خلال القضاء الكامل -باعتبارها منازعة إدارية مشمولة بنص المادة(13/و) من نظام ديوان المظالم([6])-, وإما أن يتوجه الشخص بمخاصمة جهة الإدارة في قرارها السلبي بالامتناع عن اتخاذ القرار المشروع وفقاً للنظم واللوائح, إلا أن اعتبار تلك الخصومة من قبيل القضاء الكامل أوفق للفقه؛ وذلك لأن دعوى القرار السلبي تجعل من القرار التنفيذي مساوياً للقرار الإداري النهائي, وهذا مخالف للمعنى المتقرر في الفرق بين القرار الإيجابي والسلبي, علاوة على أن الخشية من تدخل السلطة القضائية في أعمال جهة الإدارة منتفية ومستبعدة باعتبار أن القرار التنفيذي لا يشتمل على تأثير في المراكز القانونية, كما أن في اعتبار تلك الخصومة من قبيل القضاء الكامل فيه بسط وهيمنة للسلطة القضائية على الخصومة القضائية, بما في ذلك إلزام الخصم باتخاذ ما من شأنه تطبيق القانون أو النظام, وذلك أوفق للعدالة وأنفع للخصوم.
ثالثاً: تسمية القرار الإداري بـ”القرار” تأتي متفقة مع المعنى القانوني للتعبير عن الإدارة الملزمة لجهة الإدارة بقصد إحداث أثر قانوني, بينما تسمية القرار التنفيذي بـ”القرار” تسمية من باب المعنى اللغوي للقرار, وإلا فإنه لا يعد قراراً بالمعنى القانوني, ولا يعدو كونه إجراءً تنفيذياً إما تابعاً لقرار إداري سابق عليه, أو تنفيذاً لنص نظامي يحتم على السلطة الإدارة القيام بتنفيذه, ومما يجعل هذه التسمية محل نظر أن القرار الإداري النهائي المؤثر في المراكز القانونية يوصف بالقرار التنفيذي عند بعض فقهاء القانون, ويقصدون بذلك قابليته للتنفيذ وعدم افتقاره إلى تصديق أعلى ممن أصدره([7])).
المطلب الخامس
الفرق بين القرار اللائحي والقرار الفردي
المراد بالقرار اللائحي: ويسمى أيضاً بالقرار التنظيمي وهو القرار الذي يتضمن القواعد العامة المجردة, غير متعلق بشخص معين أو شيء أو حالة على سبيل التعيين.
المراد بالقرار الفردي: هو القرار الذي يصدر في حق معين بالذات, سواء كان شخصاً أو أكثر, أو كان حالة أو شيئاً معيناً.
وجه الاتفاق بين القرار اللائحي والقرار الفردي كونهما قرارين إداريين يصدران عن السلطة الإدارية, ويشترط في كل منهما ما يشترط في القرار الإداري, من: وجوب الصدور عن السلطة الإدارية, وأن تكون السلطة مصدرة القرار سلطة وطنية, وأن يكون كل منهما صادراً بإرادة منفردة من السلطة المختصة, ونهائية كل منهما وقابليتهما للتنفيذ, كما أنه يجب توافر أركان القرار الإداري في كليهما من: الاختصاص, والشكل والإجراء, والمحل, والسبب, والغاية.
إلا أن هناك بعض الفروق التي يفترق فيها القرار اللائحي عن القرار الفردي, ويمكن بيان تلك الفروق على النحو الآتي:
أولاً: القرار اللائحي عبارة عن قواعد تتصف بالعموم والتجريد والجزاء, وتسري على جميع المخاطبين بها, وتشابه في أوصافها, وبنيتها, القاعدة القانونية من حيث العموم, والتجريد, والجزاء, غير أنها لا تخاطب جميع أفراد المجتمع, وإنما تخاطب فئة معينة بأوصافهم, وتكون قاعدة للقرارات الإدارية الفردية, وغالباً ما تصدر القرارات اللائحية في حال كانت الجهة الإدارية تتمتع بسلطة تقديرية حيال عمل معين, ويكون هذا العمل غالب الحدوث والتكرار, مثل: قواعد المفاضلة, وشروط الترشيح, وضوابط التسجيل والقبول, في حين نجد أن القرار الإداري الفردي يتناول مسألة إدارية محددة بإحداث الأثر القانوني فيها مباشرة, ويستنفد موضوعه بمجرد تطبيقه مرة واحدة مثل القرار الخاص بتعيين موظف عام أو عدد من الموظفين.
ثانياً: قد يكون القرار الإداري اللائحي سنداً للقرار الإداري الفردي, وبالتالي فإن العيب اللاحق بالقرار اللائحي يلحق بطبيعة الحال القرار الفردي, وليس العكس.
ثالثاً: القرار الفردي إذا تحصن من الطعن فيه فإنه لا يمكن مواجهته بدعوى الإلغاء, ما لم يكن معدوماً, بينما القرار اللائحي في حال تحصنه يمكن مواجهته بالطعن, وليس بشكل مباشر, وإنما عن طريق الطعن في القرار الفردي المستند إليه.
رابعاً: يسري القرار الفردي من تاريخ علم صاحب الشأن به, بينما يسري القرار اللائحي من تاريخ نشره في الجريدة في الرسمية, أو أي وسيلة اقتضى العرف الإداري اعتبارها وسيلة للنشر, ومن ذلك المنصات الرقمية التي تعتبر مساحة إعلان للجهات الإدارية تحقق الغاية المرجوة من النشر.
خامساً: تملك جهة الإدارة في القرارات اللائحية إرجاء تاريخ سريانها إلى وقت لاحق, ولا يشكل هذا الإرجاء اعتداء على سلطة الخلف, لأن الخلف يملك حق السحب أو الإلغاء أو التعديل للقرارات اللائحية؛ لأنها لا ترتب حقوقاً مكتسبة, بل تنشئ مراكز تنظيمية عامة, بينما لا يجوز للجهة الإدارية أن ترجئ آثار القرار الفردي للمستقبل؛ لأن ذلك يعد من قبيل الاعتداء على سلطة الخلف؛ لأنه يولد عنها مراكز قانونية خاصة, إلا أنه من وجهة نظري لا أرى فرقاً بين القرار اللائحي والفردي في تحديد تاريخ السريان, والسلف والخلف لا يعدوان أن يكونا ممثلين للسلطة الإدارية لا ذواتهما, فإذا ما قرر السلف قراراً إدارياً فإنه لا يحق للخلف سحب أو إلغاء هذا القرار إلا وفقاً لأحكام النظام, بغض النظر عن فترة السريان المحددة في القرار.
سادساً: القرار اللائحي يمكن سحبه سواء كان القرار سليماً أو معيباً, وأما القرار الفردي فلا يجوز سحبه إلا إذا كان معيباً, وأما القرار الفردي السليم فإنه لا يجوز سحبه؛ لأنه يكون قد أكسب حقاً لا يجوز المساس به, وهناك رأي آخر يرى بعدم جواز سحب القرارات السليمة لائحية كانت أو فردية؛ لأن السحب يمتد أثره إلى الماضي وذلك يتنافى مع قاعدة عدم رجعية القرار الإداري, واللائحة تضع قواعد عامة حتى يتم تطبيقها على الوقائع اللاحقة لصدورها وليس السابقة, وأما القرار الفردي فلا يجوز سحبه إلا في حال لم ينتج عنه حقاً مكتسباً كما في القرارات التأديبية, فمتى ما صدر قرار تأديبي بحق موظف عام فيمكن سحبه ولو كان القرار سليماً, مالم يكن القرار متعلقاً بفصل الموظف العام وتم تعيين شخص آخر في وظيفته ([8])).
المطلب السادس
الفرق بين القرار الإداري والأعمال التحضيرية
يتفق القرار الإداري مع الأعمال التحضيرية في أن كليهما يعد من أعمال جهة الإدارة, ويجب أن يكونان وفقاً لأحكام النظام وغاياته, سواء كان مصدر ذلك التنظيم أو العرف, وقد تقوم جهة الإدارة بأعمالها التحضيرية, أو بإصدار قرارها خلافاً لذلك, مما ينشأ عنه خصومة إدارية, تقام أمام المحاكم الإدارية بحكم الاختصاص المحدد لها من قبل المنظم.
وعلى الرغم من أن الأعمال التحضيرية تعد من قبيل المقدمة للقرار الإداري, إلا أن هذه العلاقة لا تعني المساواة بين الأعمال التحضيرية والقرارات الإدارية, فبينهما فروق يمكن إيضاحها فيما يلي:
أولاً: أن الأعمال التحضيرية, أو ما يسمى بالأعمال التمهيدية, لا تنشئ ولا تعدل ولا تضيف مركزاً قانونياً, ولا يعد ما يصدر عنها مؤثراً في المراكز القانونية, ولا يجوز أن يترتب عليها أثراً في المراكز القانونية, بينما القرار الإداري هو المنشئ أو المعدل أو المضيف للمراكز القانونية, وبناء عليه فقد تنتهي الأعمال التحضيرية إلى خلاف ما ينتهي له القرار الإداري, ولا يجب أن تتفق الأعمال التحضيرية مع القرار الإداري الصادر بعدها؛ ولهذا جاء المنظم السعودي بالنص على عبارة (النهائية) في تحديد اختصاصات المحاكم الإدارية بدعوى الإلغاء([9]) .
ثانياً: لا يجوز مخاصمة الأعمال التحضيرية بدعوى الإلغاء, ويمكن مخاصمتها بدعوى القضاء الكامل متى ما ترتب عليها ضرراً, أو كانت متضمنة بعض الإجراءات التي تخالف العرف الإداري, بينما تتم مخاصمة القرار الإداري بدعوى الإلغاء طبقاً للمتقرر في الفقه والقضاء.
إلا أنه يمكن مخاصمة الأعمال التحضيرية بدعوى الإلغاء -في حال كانت الأعمال التحضيرية من قبيل المقترح الذي اشترط المنظم القيام به من قبل إحدى جهات أو مسئولي جهة الإدارة حتى يصدر القرار الإداري-, فإذا ما امتنعت أو رفضت جهة الإدارة عن القيام بهذا المقترح والذي يعد عملاً تحضيرياً فإن لذي الشأن الحق في إقامة دعوى إلغاء قرار المدعى عليها برفضها أو امتناعها عن القيام بهذا الاقتراح, والذي يشكل عملاً تحضيرياً للقرار الإداري, ويمكن مخاصمة جهة الإدارة بدعوى القضاء الكامل فيما إذا اعتبرنا أن ذلك من قبيل المنازعات الإدارية الأخرى المشمولة بنص المادة (13/و) من نظام ديوان المظالم([10]), إذ إن امتناع جهة الإدارة عن اتخاذ العمل التحضيري لا يعد من قبيل الامتناع عن اتخاذ قرار إداري, والمنظم السعودي قد نص صراحة على أن الامتناع الذي به يتحقق وجود القرار السلبي هو الامتناع عن اتخاذ قرار وليس الامتناع عن اتخاذ إجراء معين أو أعمال تمهيدية أو تحضيري, فقد جاء نصت المادة الثالثة عشر من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/78) وتاريخ 19/9/1428هـ على ما يلي: (ويعد في حكم القرار الإداري رفض جهة الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه طبقًا للأنظمة واللوائح.) ([11])).
المطلب السابع
الفرق بين القرارات الإدارية المتصلة والمنفصلة
تبرم الجهات الإدارية عقودها مع الأشخاص بطريقة معقدة, أو ذات ترتيبات خاصة تختلف عن العقود التي يبرمها الشخص الطبيعي أو المعنوي الخاص, ويعود ذلك إلى أهمية العقود التي تبرمها الجهة الإدارية؛ لاتصالها بالمرافق العامة أو بأنشطة جهة الإدارة ومتصلة بحاجياتها, ولكونها عقوداً يتم دفع المقابل المالي فيها من الخزينة العامة.
ولذلك وضع القانون -بشكل عام في كثير من التشريعات القانونية- والمنظم السعودي -على وجه الخصوص – إجراءات خاصة تتصل بطرح المنافسات, وإجراءات تحليل العطاءات, والبت فيها, وإرساء المنافسة, ونحو ذلك من القرارات التي تسبق مرحلة العقد.
وتصدر بعض تلك الإجراءات في شكل قرارات إدارية, اتفق الفقه على كونها قرارات إدارية, إلا أنه فرق بين المتصلة منها بالعقد, أو المنفصلة أو القابلة للانفصال كما يسميها البعض الآخر من فقهاء القانون.
ومن الجدير بالذكر أن فكرة القرارات المتصلة والمنفصلة, ليست ملازمة لعملية التعاقد فقط, وإنما هي فكرة أو سع من ذلك, فتشمل -مع مصاحبتها العقد الإداري- تلك القرارات المركبة, وكل ما هو داخل في عملية مركبة, وقرارات تنفيذ المعاهدات الدولية, وقرارات العملية الانتخابية, غير أن جوهر الفرق بين القرارات المتصلة والمنفصلة المصاحبة لعملية التعاقد عن القرارات المركبة هو: الأثر الناتج عن حكم الإلغاء في القرارات المنفصلة في عملية التعاقد, وأثره على العقد الإداري, إذ يتميز ذلك الأثر بخطورة بالغة؛ ذلك أن الحكم ببطلان قرار كان سبباً في إبرام العقد يؤدي إلى بطلان العقد بطلاناً نسبياً, وتلك نتيجة مبنية على أن ما بني على باطل فهو باطل, إلا أن إعمال ذلك الأثر لم يكن معمولاً به قضاء على هذا النحو, وإنما بقيت حجية حكم الإلغاء مستمسكاً لذي المصلحة أمام قاضي العقد.
وأما عن أهم الفروق بين القرارات المتصلة و المنفصلة المصاحبة لعملية التعاقد فيمكن بيانها من خلال النقاط التالية:
أولاً: القرارات المتصلة تصدر منذ تلاقي إرادة طرفي التعاقد وحتى نهاية العقد, بينما القرارات المنفصلة يمكن أن تكون قبل العقد أو بعد نهايته, وعلى ذلك فإن معيار التفرقة معيار زمني يقوم على أساس وقت صدور ذلك القرار, فإذا كان ذلك القرار قد صدر خلال فترة سريان العقد اعتبر قراراً متصلاً, وأما إذا كان قد صدر قبل سريان العقد, أو بعد نهايته فإن ذلك القرار عد قراراً منفصلاً.
ثانياً: القرارات المتصلة لا يجوز مخاصمتها بدعوى الإلغاء, ولا تخضع للمدد الخاصة بدعوى الإلغاء, وإنما تسري عليها المواعيد الخاصة بدعوى العقود, والتي هي عشر سنوات من تاريخ نشوء الحق المدعى به([12])), بينما القرارات المنفصلة تتم مخاصمتها بدعوى الإلغاء, وتسري عليها مواعيد دعوى الإلغاء.
ثالثاً: القرارات المتصلة بالعقد لا يقيم المطالبة بها إلا من كان طرفاً في العقد, بينما القرارات المنفصلة عن العقد يمكن أن يقيم المطالبة بها طرفا العقد وغير طرفي العقد ممن تثبت له مصلحة في الطعن في تلك القرارات.
رابعاً: تكون سلطة القضاء حال النظر في الطعون الموجه إلى القرارات المنفصلة سلطة قضاء الإلغاء, والتي تقتصر على فحص مشروعية القرار وتنتهي المحكمة إلى الحكم بإلغائه أو رفض الدعوى على سند من القول بمشروعية القرار وسلامته من الطعن الموجه إليه, في حين تكون سلطة القضاء حال النظر في الطعون الموجه إلى القرارات المنفصلة سلطة قضاء كامل, وتقضي المحكمة بإلغاء القرار وإلزام جهة الإدارة باتخاذ ما تراه المحكمة محققاً للعدالة, وتنتهي إلى الرفض إذا سلم القرار من العيب.
خامساً: القرار المتصل بالعقد في حال الإلغاء يكون أثره مباشراً في العملية العقدية, بينما القرار المنفصل عن العقد في حال إلغائه فإنه وإن كان الأصل أنه يكون له أثر على العملية العقدية المرتبط بها العقد إلا أن ذلك الأثر لا يمكن أن يحدث إلا في حال تمسك به أحد طرفي العقد, أو استند إليه صاحب المصلحة في دعوى التعويض.
ومن الجدير بالذكر أن الأحكام القضائية التي درجت على النص في مناطيق أحكامها في القرارات المتصلة بالنص على إلغاء القرار فقط, ومن ذلك: إلغاء قرار فرض غرامة التأخير , وإلغاء قرار سحب المشروع, تعد معيبة كونها انتهجت نهج قضاء الإلغاء, وكان الأجدر بها أن تنص في مناطيق أحكامها على الإلغاء وإلزام الجهة الإدارية باتخاذ ما تراه المحكمة محققاً للعدالة([13])).
المطلب الثامن
الفرق بين القرار المعيب والقرار المعدوم
القرار المعيب والقرار المعدوم يتفقان في أن كلاهما يعد قراراً إدارياً غير مشروع ومخالف لأحكام النظام, بل إن العلاقة بين القرار المعدوم والقرار المعيب هي علاقة البعض بالكل, فالقرار المعدوم هو أحد القرارات المعيبة, غير أنه يتميز عن بقية أنواع القرارات المعيبة بعدة مميزات, تجعل منه قراراً استقلال عنها بشبب وصف خاص قائم به, وأدى ذلك إلى الاصطلاح عليه باسم القرار المعدوم, وجرى هذا الاصطلاح في أحكام القضاء الإداري في المملكة العربية السعودية, ويقصد به: ذلك القرار الإداري المعيب المشوب بعيب متناهٍ في الجسامة, وليس المقصود به القرار المعدوم من الناحية المادية, أو الذي لم يصدر بعد وإنما هو في مراحل التكون أو الأعمال التمهيدية, وبناء على ذلك المفهوم فإن هناك عدد من الفروق التي تميزه عن القرار المعيب ومن بين تلك الفروق ما يلي:
أولاً: القرار المعدوم يتعلق بعيوب بالغة الجسامة, أما القرار المعيب فإنه يتعلق بالعيب الأقل جسامة, ويحدد تلك الجسامة الموصوف بها العيب المحكمة الإدارية حال نظرها للطعن في القرار الإداري أمامها.
ثانياً: القرار المعدوم لا يخضع لمواعيد الطعن فيه, ويمكن إلغاؤه وسحبه قضاء أو من قبل جهة الإدارة, في أي وقت متى ما ثبت أنه قرار معدوم, أما القرار المعيب فيخضع لمواعيد الطعن في جل حالته إلا ما استثني فقها وقضاء كما هو الحال في: (القرار السلبي – والقرار المستمر).
ثالثاً: يصبح القرار الإداري المعدوم عملاً مادياً, وبالتالي فإن مخالفته وعدم الانصياع له لا ترتب جزاء على الموظف العام, في حين أن القرار المعيب ينتج آثاره ولا يبطل إلا بالإلغاء الإداري أو القضائي, وبالتالي فإن مخالفة الموظف له حال نفاذه, قد ترتب جزاء تأديبياً عليه.
رابعاً: اتفق الفقه والقضاء الإداريين على أن القرار الإداري المعيب, هو قرار إداري وإن لحقه العيب, فإن ذلك العيب يجعله ذا قابلية لإلغائه, وأما القرار المعدوم فإن الفقه والقضاء الإداريين فد اختلفا في وصفه بالقرار الإداري؛ وذلك لكون الانعدام يذهب أساس الوصف بالقرار الإداري, إلا أن الرأي الذي ذهب إلى عدم وصف القرار المعدوم بالقرار الإداري محل نظر؛ ذلك أن وصف الانعدام لا يكون إلا من خلال الرقابة القضائية, وبالتالي فإنه قرار إداري قائم حتى يصدر القضاء بشأنه الحكم باعتباره قراراً معدوماً.
خامساً: يوصف القرار العيب بالعيب الجسيم بالانعدام بينما يوصف القرار المعيب بالعيب البسيط بالقرار الباطل, وبالتالي فإنه يمكن وصف القرار الإداري بإحدى ثلاثة أوصاف وهي: الصحة والبطلان والانعدام, وهذا التقسيم مشابه إلى حد كبير بتقسيم الحنفية في التصرفات والمعاملات الدائرة بين الصحة والفساد والبطلان خلافاً للجمهور الذين يرون أن التصرفات والتعاملات تدور بين الصحة والبطلان([14])).
الخاتمة:
خلص البحث إلى عدد من النتائج وهي على النحو الآتي:
1- يعتبر القرار الإداري الإيجابي معبراً عن إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة, بينما القرار السلبي على العكس من ذلك.
2- يخضع القرار الإداري الإيجابي في الأصل لمبدأ التحصن من الطعن, بينما نجد القرار السلبي قد استثني من مدد الطعن.
3- شرط التظلم الوجوبي من القرار الإداري الإيجابي في دعوى الإلغاء واجب الاستيفاء, بينما شرط التظلم من القرار السلبي في دعوى الإلغاء قد اختلفت فيه أحكام القضاء في المملكة العربية السعودية بين الإيجاب والجواز, والذي يظهر لي أن هذا التظلم لا جدوى منه.
4- أن القرار المستمر يشترط فيه الإفصاح من قبل جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة بقصد إحداث أثر قانوني, بينما القرار السلبي يجب ألا يتضمن الإفصاح.
5- يتم إعلام ذو الشأن بالقرار المستمر, بينما القرار السلبي لا يتم إعلام ذو الشأن به.
6- القرار الإداري المستمر كغيره من القرارات الإيجابية قابل للتسبيب, بينما القرار السلبي لا يقبل التسبيب.
7- قرار الإداري المركب هو عبارة عن مجموعة قرارات شكلت في مجموعهاً قراراً إدارياً, بينما القرار الإداري الموحد لا يعدو أن يكون قراراً واحداً فقط.
8- القرار الإداري المركب يمكن مواجهته بدعوى الإلغاء, كما يمكن مواجهة القرارات التي تسبقه وتكون منها بدعوى الإلغاء أيضاً, بينما القرار الموحد لا يمكن إقامة الدعوى القضائية إلا في مواجهته فقط.
9- صدور القرار المركب دون أن يسبق قرارات تدخل في تكوينه يعد عيباً في القرار, بينما عدم استباق القرار غير المركب بأعمال تحضيرية لا يجعل من القرار قراراً معيباً.
10- القرار الإداري النهائي ينشئ, أو يعدل, أو يضيف, أو يلغي مركزاً قانونياً, بينما القرار التنفيذي لا يعدو أن يكون تعبيراً عن إرادة جهة الإدارة في الالتزام بنفاذ القانون.
11- القرار الإداري النهائي يصلح أن يكون محلاً لدعوى الإلغاء, بينما القرار التنفيذي لا يمكن أن يكون محلاً لدعوى الإلغاء
12- تسمية القرار الإداري بـ”القرار” تأتي متفقة مع المعنى القانوني للتعبير عن الإدارة الملزمة لجهة الإدارة بقصد إحداث أثر قانوني, بينما تسمية القرار التنفيذي بـ”القرار” تسمية من باب المعنى اللغوي.
13- القرار اللائحي عبارة عن قواعد تتصف بالعموم والتجريد والجزاء, في حين نجد أن القرار الإداري الفردي يتناول مسألة إدارية محددة بإحداث الأثر القانوني فيها مباشرة.
14- قد يكون القرار الإداري اللائحي سنداً للقرار الإداري الفردي, وبالتالي فإن العيب اللاحق بالقرار اللائحي يلحق بطبيعة الحال القرار الفردي, وليس العكس.
15- القرار الفردي إذا تحصن من الطعن فيه فإنه لا يمكن مواجهته بدعوى الإلغاء, ما لم يكن معدوماً, بينما القرار اللائحي في حال تحصنه يمكن مواجهته بالطعن, وليس بشكل مباشر, وإنما عن طريق الطعن في القرار الفردي المستند إليه.
16- يسري القرار الفردي من تاريخ علم صاحب الشأن به, بينما يسري القرار اللائحي من تاريخ النشر.
17- القرارات المتصلة لا يجوز مخاصمتها بدعوى الإلغاء, ولا تخضع للمدد الخاصة بدعوى الإلغاء, وإنما تسري عليها المواعيد الخاصة بدعوى العقود, بينما القرارات المنفصلة تتم مخاصمتها بدعوى الإلغاء
18- القرار المتصل بالعقد في حال الإلغاء يكون أثره مباشراً في العملية العقدية, بينما القرار المنفصل عن العقد في حال إلغائه فإنه وإن كان الأصل أنه يكون له أثر على العملية العقدية المرتبط بها العقد إلا أن ذلك الأثر لا يمكن أن يحدث إلا في حال تمسك به أحد طرفي العقد, أو استند إليه صاحب المصلحة في دعوى التعويض.
هوامش البحث:
([1]) انظر: القضاء الإداري السعودي (228), الموسوعة الإدارية الشاملة (515).
([2])انظر: القضاء الإداري لفهمي(496), ورشة عمل بعنوان (القرارات السلبية ) أقامها ديوان المظالم بالمملكة العربية السعودية عام 1435هـ.
([3])نصت الفقرة (الرابعة) من المادة (الثامنة) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/3) وتاريخ 22/1/1435هـ على ما يلي: (4- فيما لم يرد به نص خاص، يجب في الدعوى – المنصوص عليها في الفقرة (ب) من المادة (الثالثة عشرة) من نظام ديوان المظالم إن لم تكن متعلقة بشؤون الخدمة المدنية – أن يسبق رفعها إلى المحكمة الإدارية التظلم إلى الجهة مصدرة القرار خلال ستين يوماً من تاريخ العلم بهذا القرار، ويتحقق العلم به بإبلاغ ذوي الشأن به أو بنشره في الجريدة الرسمية إذا تعذر الإبلاغ. وعلى تلك الجهة أن تبت في التظلم خلال ستين يوماً من تاريخ تقديمه، وإذا صدر القرار بالرفض وجب أن يكون مسبباً، ويعد مضي ستين يوماً من تاريخ تقديم التظلم دون البت فيه بمثابة صدور قرار برفضه. ويجب قبل رفع الدعوى إذا كانت متعلقة بشؤون الخدمة المدنية التظلم إلى وزارة الخدمة المدنية وحدها دون الجهة الإدارية وذلك خلال ستين يوماً من تاريخ العلم بالقرار.وعلى وزارة الخدمة المدنية أن تبت في التظلم خلال ستين يوماً من تاريخ تقديمه. وإذا صدر قرارها برفض التظلم أو مضت المدة المحددة دون البت فيه، جاز رفع الدعوى إلى المحكمة الإدارية خلال ستين يوماً من تاريخ العلم بالقرار الصادر بالرفض أو انقضاء الستين يوماً المذكورة دون البت في التظلم. ويجب أن يكون قرار وزارة الخدمة المدنية برفض التظلم مسبباً.وإذا صدر قرار وزارة الخدمة المدنية لمصلحة المتظلم ولم تقم الجهة الإدارية بتنفيذه خلال ستين يوماً من تاريخ إبلاغه، جاز رفع الدعوى إلى المحكمة الإدارية خلال الستين يوماً التالية لهذه المدة.).
([4]) انظر: القضاء الإداري لفهمي(598), القضاء الإداري السعودي (228), الموسوعة الإدارية الشاملة (8310), السلطة التقديرية للقاضي الإداري (2/194) (2/197).
([5]) انظر: النظرية العامة للقرارات والعقود الإدارية (41), القرارات الإدارية لفؤاد (155), الطبيعة القانونية للقرار الإداري (437), السلطة التقديرية للقاضي الإداري (2/82).
([6]) نصت المادة الثالثة عشر من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/78) وتاريخ 19/9/1428هـ على ما يلي: (تختص المحاكم الإدارية بالفصل في الآتي: … و – المنازعات الإدارية الأخرى.).
([7]) انظر: القضاء الإداري قضاء الإلغاء للطماوي (370), الطبيعة القانونية للقرار الإداري لعصام إسماعيل(94).
([8]) انظر: القضاء الإداري للحلو (333), القانون الإداري للجرف (394), القانون الإداري للحلو (530), أصول القانون الإداري (440), الطبيعة القانونية للقرار الإداري (319), القانون الإداري السعودي لهيكل (212).
([9]) جاء نص الفقرة (ب) من المادة (13) من نظام ديوان المظالم على النحو الآتي: (تختص المحاكم الإدارية بالفصل في الآتي: ( ب – دعاوى إلغاء القرارات الإدارية النهائية التي يقدمها ذوو الشأن، متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص، أو وجود عيب في الشكل، أو عيب في السبب، أو مخالفة النظم واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها، أو إساءة استعمال السلطة، بما في ذلك القرارات التأديبية، والقرارات التي تصدرها اللجان شبه القضائية والمجالس التأديبية . وكذلك القرارات التي تصدرها جمعيات النفع العام – وما في حكمها – المتصلة بنشاطاتها، ويعد في حكم القرار الإداري رفض جهة الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه طبقًا للأنظمة واللوائح.)
([10]) نصت المادة الثالثة عشر من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/78) وتاريخ 19/9/1428هـ على ما يلي: (تختص المحاكم الإدارية بالفصل في الآتي: … و – المنازعات الإدارية الأخرى.).
([11]) انظر: الدعوى الإدارية لفهمي والحلو (74), الطبيعة القانونية للقرار الإداري (404).
([12])نصت الفقرة (السادسة) من المادة (الثامنة) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/3) وتاريخ 22/1/1435هـ على ما يلي: (فيما لم يرد به نص خاص، لا تسمع الدعاوى المنصوص عليها في الفقرتين (ج، د) من المادة (الثالثة عشرة) من نظام ديوان المظالم بعد مضي عشر سنوات من تاريخ نشوء الحق المدعى به، ما لم يقر المدعى عليه بالحق أو يتقدم المدعي بعذر تقبله المحكمة المختصة.)
([13]) انظر: الأسس العامة للعقود الإدارية (170), العقود الإدارية للحلو (229), القواعد المنظمة للعقود الإدارية وتطبيقاتها (456), القرارات الإدارية لفؤاد (155), المرجع في العقود الإدارية (434), الوجيز في العقود الإدارية في النظام السعودي (260), الوسيط في العقود الإدارية في المملكة العربية السعودية (482), السلطة التقديرية للقاضي الإداري (2/209).
([14]) انظر: القانون الإداري للحلو (557), القضاء الإداري لفهمي (652), القرارات الإدارية لفؤاد (225), القضاء الإداري لعبابنه (98), الموسوعة الإدارية الشاملة (830), السلطة التقديرية للقاضي الإداري (2/210).
قائمة المراجع
· الأسس العامة للعقود الإدارية – دراسة مقارنة- , د. سليمان محمد الطماوي, درا الفكر العربي, القاهرة, 1433هـ- 2012م.
· أصول القانون الإداري, د. حسين عثمان محمد عثمان, دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية 2004م.
· الدعاوى الإدارية دعوى الإلغاء دعاوى التسوية, د. مصطفى أبو زيد فهمي, و د. ماجد راغب الحلو, دار الجامعة الجديدة, الإسكندرية 2005م.
· السلطة التقديرية للقاضي الإداري دراسة تأصيلية تطبيقية, د. وليد بن محمد بن صالح الصمعاني, دار الميمان للنشر والتوزيع, الرياض, الطبعة الأولى 1436هـ -2015م.
· الطبيعة القانونية للقرار الإداري – دراسة تأصيلية مقارنة في ضوء الفقه والاجتهاد-, د. عصام نعمه إسماعيل, منشورات الحلبي الحقوقية,الطبعة الأولى 2009م, بيروت.
· العقود الإدارية, د. ماجد راغب الحلو, دار الجامعة الحديثة, الإسكندرية, 2009م.
· القانون الإداري السعودي, أ.د. السيد خليل هيكل, دار الزهراء, الرياض, الطبعة الأولى,2009م.
· القرارات الإدارية وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية دراسة مقارنة, د. فؤاد محمد موسى عبدالكريم, مركز البحوث بمعهد الإدارة العامة بالمملكة العربية السعودية, 1442هـ- 2003م.
· القضاء الإداري أ.د. ماجد راغب الحلو, دار المطبوعات الجامعية 1995هـ الإسكندرية.
· القضاء الإداري السعودي. د.خالد بن عبدالله بن عبدالرحمن الخضير, الطبعة الأولى 1440هـ -2019م.
· القضاء الإداري ومجلس الدولة –قضاء الإلغاء- د. مصطفى أبو زيد فهمي . درا المطبوعات الجامعية. الإسكندرية.
· القضاء الإداري- قضاء الالغاء, د. سليمان بن محمد الطماوي, دار الفكر العربي, القاهرة 1433هـ-2012م.
· القضاء الإداري لعبابنه
· القواعد المنظمة للعقود الإدارية وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية, عبدالله بن حمد الوهيبي,الرياض, الطبعة الثانية 1429هـ – 2008م.
· المرجع في العقود الإدارية في المملكة العربية السعودية- دراسة تحليلية مقارنة-, د. حمدي محمد العجمي, مركز البحوث والدراسات بمعهد الإدارة العامة, الرياض, 1439هـ-2018م.
· الموسوعة الإدارية الشاملة في إلغاء القرار الإداري وتأديب الموظف العام, د. عبدالعزيز بن عبد المنعم خليفة, منشأة المعارف, الإسكندرية.
· نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/78) وتاريخ 19/9/1428هـ
· نظام المرافعات أمام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/3) وتاريخ 22/1/1435هـ
· النظرية العامة للقرارات والعقود الإدارية , د. مازن ليلو راضي, دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية 2016م.
· القانون الإدارية لطعيمة الجرف القاهرة 1970 مكتبة القاهرة الحديثة.
· الوجيز في العقود الإدارية في النظام السعودي طبقاً لأحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/28) بتاريخ 12/11/1440هـ ولائحته التنفيذية وفقاً لأحدث التعديلات, د. أحمد محمد العجمي, دار الإجادة, الرياض, الطبعة الثالثة, 1442هـ- 2020م.
· ورشة عمل بعنوان (القرارات السلبية ) أقامها ديوان المظالم بالمملكة العربية السعودية عام 1435هـ.