العقوبات البديلة بين الفقه الإسلامي والتشريعات المعاصرة
محمد رفيق
دكتور في الشريعة
متخصص في الفقه وأصوله
والفقه المقارن بالقانون
لقد كان السلوك العدائي مرفوضا منذ القدم؛ حيث نبذته جميع الشرائع السماوية والوضعية، واعتبرته جريمة تستوجب العقاب. وحددت هذه التشريعات مجموعة من السلوكات التي تخالف ما أمر به الله تعالى في التشريعات السماوية، وما اتفق عليه المجتمع في التشريعات الوضعية.
وبناء عليه فقد حددت التشريعات، بمختلف مصادرها، مجموعة من العقوبات التي توافق كل سلوك مجرم. وهكذا اختلفت هذه العقوبات بين الإعدام وسلب الحرية، وغير ذلك من العقوبات. وتبقى هاتان العقوبتان اهم العقوبات المقررة.
لقد ظلت الفلسفة العقابية، التي تمثلها المدارس التقليدية، هي السائدة، إلى أمد قريب. وتتمثل هذه الفلسفة في كون العقوبة يجب أن تكون مجالا للانتقام والتنكيل بالجاني. وظلت هذه المدارس تعتبر الجاني مجرما يجب إقصاؤه من المجتمع وإبعاده عنه حماية لهذا المجتمع من شروره، وانتقاما منه على الفعل الذي صدر منه.
لكن هذه الفلسفة العقابية بدأت تتغير في وقتنا الحاضر، استنادا إلى مبادئ حقوق الإنسان، وتنامي دور المنظمات والهيآت التي تنادي بوجوب اعتبار الجاني مريضا يجب معالجته، وليس مجرما يجب إقصاؤه والانتقام منه. وهكذا دعت هذه المنظمات إلى إلغاء عقوبة الإعدام، واستحداث عقوبات بديلة للعقوبات السالبة للحرية. إلا أن الفقه الإسلامي قد تناول جميع العقوبات السالفة الذكر، بدءا من عقوبة الإعدام وانتهاء بالعقوبات البديلة. واختلفت نظرته، شيئا ما، عن نظرة المدارس الأخرى؛ حيث يعتبر أن الجاني يجب ردعه وإصلاحه، وفي الوقت نفسه الحرص على استقرار المجتمع وضمان حقوق أفراده؛ لهذا فهو يقرر العقوبة بالنظر إلى المكونات الثلاث متلازمة (المجرم -الجريمة -العقوبة).
ويأتي هذا المقال ليسلط الضوء على العقوبات البديلة بين التشريعات المعاصرة والفقه الإسلامية وذلك للأهمية البالغة التي أصبح يكتسيها هذا الموضوع في الدراسات الجنائية، والسياسات الجنائية، لكثير من دول العالم. ويعتبر المغرب من اهم هذه الدول التي تشتغل على هذا الأمر.
والمقصود بالعقوبات البديلة مجموعة من التدابير التي تحلى محل عقوبة السجن وتعمل على تطبيق سياسة منع الجريمة. ووصف هذا النمط من الممارسة الجزائية، في الدول العربية، كان في قانون العقوبات القطري, حيث جاء في مادة 63 مكرر: “عقوبة التشغيل الاجتماعي هي إلزام المحكوم عليه بأن يؤدي لمدة محددة عملا من الأعمال المبينة في جدول الأعمال الاجتماعية المرفق بهذا القانون “. ([1])
وتأسيسا على ما سبق؛ يطرح أشكال ماهية نظرة كل من التشريعات المعاصرة والفقه الإسلامي للعقوبات البديلة، ومدى تحقيق هذه العقوبة للردع والإصلاح والحفاظ على حقوق المجتمع. وهذ ا الإشكال يلزمنا بتناول هذا الموضوع وفق المحورين التاليين:
- العقوبة البديلة في التشريعات المعاصرة
- العقوبة البديلة في الفقه الإسلامي
المطلب الأول: العقوبة البديلة في التشريعات المعاصرة
سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين كالآتي بعده.
الفقرة الأولى: دواعي العقوبة البديلة
أن الحديث عن العقوبة البديلة يستدعي الحديث عن طبيعة المكونات الثلاث الأساسية التي ترتبط بها: والمقصود بها المجرم والجريمة والعقوبة؛ وذلك في اطار تغير اجتماعي مطرد، وما يقتضيه من تطور تشريعي يواكبه، خصوصا بعد التغير الذي عرفه العالم عقب النهضة الأوربية وعصر الأنوار، وما انعكس على اثر ذلك من فلسفات ونظم جديدة، لكل منها منهجه الخاص به، في التعامل مع المكونات الثلاث السالفة الذكرة؛ لذلك لا بد من الوقوف على النظريات التي تناولت تلك المكونات الثلاث، لمعرفة الأساس الذي انطلقت منه نظرية العقوبة البديلة، ومن اهم هذه النظريات النظرية النفعية ونظرية التأهيل الاجتماعي.
أولا: النظرية النفعية
في مقدمة هذه أنصار النظرية المفكران الإنجليزيان جيريمي بنتام وجون استيوارت مل. ويصوغ رواد هذه النظرية القضية على أن نظام العقوبات شر لا بد منه، لكن هذا الشر يجب ألا يلتجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. ويجب كذلك ألا يتجاوز الدرجة اللازمة لتحقيق الردع. كما يجب حذف كل العقوبات التي تؤدي إلى أحداث الألم بالجاني: مثل التعذيب والقسوة والإعدام وغيرها ([2]). ويدعو هذا الاتجاه إلى ملاءمة طبيعة العقوبة مع طبيعة كل مجرم؛ لذلك يقول بنتام: ” أن العقاب وان كان واحدا في الاسم يختلف في الحقيقة باختلاف النوع والسن والمنزلة والثروة، وغير ذلك من الأحوال، مثلا لو عوقب على الضرب بالغرامة لكانت العقوبة بالنسبة للغني عبثا، وبالنسبة للفقير ظلما، وكذلك العقاب أن كان مخلا بالكرامة بطبيعته يكون قاسيا بالنسبة لذي المكانة، ولا يصيب الطبقة التي تكون دون ذلك بشيء، والحبس خراب لذي متجر، وإعدام لشيخ هرم، وعار أبدي للنساء، ولا يكون فيه شيء من ذلك بالنسبة لقوم أخرين ” ([3]).
وبناء عليه فإن هذا الاتجاه يدعو إلى إزالة كل عقوبة بدنية ما أمكن، وتعويضها بعقوبة بديلة، تتوخى إصلاح الجاني بشيء لا يضر ببدنه. يقول بكاريا: “…وشراسة العقوبة تؤدي إلى زوال قوتها الرادعة؛ لأن ثمة قيودا معينة تقيد الناس في الخير وفي الشرة ولأن العقوبة الشرسة لا يمكن أن تكون إلا ثمرة هياج عارض، ومن المحال أن تكون نظاما مستقرا من نوع الاستقرار الذي ينبغي أن تتوخاه أحكام الشرائع، وكلى تشريع شرس، إما أن يلحقه التعديل، وإما أن يؤدي إلى فقدان كل قوة فيه للردع ” ([4]).
ثانيا: نظرية التأهيل الاجتماعي
يرى بعض المفكرين أن الهدف الأساسي من العقوبة هو إصلاح الجاني ودفعه ليكون مواطنا صالحا. وعندما تنطوي العقوبة على قدر من الإيلام، فإن هذا الإيلام غير مقصود لذاته، وإنما يستهدف أحداث الندم والتوبة في نفس الجاني، ومنعه من معاودة ارتكاب الجريمة، الأمر الذي يتعارض مع فكرة استئصاله بالإعدام. ويرى هؤلاء أن المجرم نتاج الظروف الاجتماعية التي تكتنفه وتحيط به؛ لأن وجود المجرم في المجتمع هو من صنع هذا المجتمع نفسه، فكيف يلفظ المجتمع إنسانا من صنعه؟ فالمجتمع –أي مجتمع -كما يستحق المواطنين الصالحين الذين يضمهم، فهو أيضا يستحق المواطنين المجرمين الذين يوجدون فيه. ويقول أصحاب هذه الاتجاه: ليس معنى ذلك أن نترك المجرمين وشأنهم، بلى يجب أن ندرس حالة كل واحد منهم؛ لتقرير العلاج المناسب له والكفيل بإعادته مواطنا صالحا، ومن ثم فإن السياسة الجنائية في مكافحة الإجرام، يجب أن تتجه نحو إقامة نظام لا يؤسس على فكرة إيلام المنحرف ([5]).
من خلال الوقوف على فلسفة كل من النظريتين السالفتين، يتبين أنهما ترتكزان على أن المجرم، وان ارتكب جريمته، يجب عدم إقصائه من المجتمع، بلى يجب إصلاحه وتأهيله لإعادة إدماجه فيه. وتقوم هذه الفلسفة كذلك على أن الجريمة، ما هي إلا حدث عارض سببه هو هذا المجتمع، الذي يقاسم بدوره المجرم ارتكاب هذه الجريمة، وبالتالي فالعقوبة التي يجب أن توقع على هذا المجرم يجب إلا تكون متضمنة للقسوة والإيلام، وإنما يجب البحث عن عقوبات بديلة.
وتأسيسا على ما سبق فإن المشرع، وهو يشرع العقوبات البديلة، يأخذ بعين الاعتبار وبمقدار معين بما انطوت عليه تلك النظريات من أسس ومبادئ. يضاف إلى ذلك وجود مسائل أخرى أكثر إلحاحا تتمثل في مجموعة من الآثار السلبية لعقوبة السجن.
ومعلوم أن الغاية القصوى، التي يسعى إليها أي مشرع معاصر، هي إصلاح الجاني وتأهيله لإعادة إدماجه في المجتمع. لكن هذه الغاية لا تتحقق، في الغالب مع العقوبة السالبة للحرية؛ وذلك راجع لمجموعة من السلبيات، التي نذكر منها ما يلي:
- عدم تحقيق الردع
غالبا ما يلج الكثير من الجناة السجن وهم مجرمون بسطاء، قد شكل ارتكاب الجريمة بالنسبة إليهم مسألة عارضة، لكنهم عندما يمكثون في السجن مدة قصيرة يتخرجون وهم مجرمون محترفون؛ حيث يعودون لارتكاب جريمة أكبر من الجريمة الأولى التي ادخلوا من أجلها إلى السجن. وهذا راجع لعدة عوامل من أهمها: الاختلاط ببيئة فاسدة ممثلة في عصابات السجن. ويؤدي هذا الاختلاط إلى انتهاج سلوكات منحرفة؛ وبناء عليه يمكن فهم عملية التكيف مع ثقافة السجن على إنها تشكل الكيفية التي يتم بها استيعاب الثقافة الجديدة، التي يتم بها إلزام النزيل الجديد بالاندماج في العالم الجديد، وتجريده من شخصيته، وفقدانه شيئا فشيئا لما يحمله من معتقدات وقناعات. كل ذلك يؤشر إلى احتمال رجوع هذا السجين إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى. وربما تكون جرائمه الجديدة تتوفر على خصائص لم تتوفر في جريمته السابقة مثل: توافر القصد الجنائي وسبق الإصرار على ارتكابها ([6]).
- اكتظاظ السجون
من السلبيات التي تنتج عن العقوبات السالبة للحرية إرهاق ميزانية الدولة ببناء مؤسسات سجنية جديدة، وتحمل نفقات السجناء، واحتياج الاقتصاد الوطني إلى خدمات هؤلاء السجناء. هذا إضافة إلى انحرافهم بعد ولوجهم السجن.
وتعاني دول كثيرة من ظاهرة اكتظاظ المؤسسات السجنية، نتيجة ارتفاع أعداد المحكوم عليهم: فقد بلغ عدد المحكوم عليهم بالحبس، في فرنسا في أول يناير 1996 م، 52658 شخصا، وكانت الطاقة الاستيعابية في حدود 47360 مكانا ([7]). وبلغت نسبة ازدحام السجون في إيطاليا سنة 1999 م 137 % وفي لبنان بلغت سنة 2002 م 148 %، وفي الأردن سنة 2007 م 103 % ([8])، ولم يكن المغرب بمنأى عن هذا الاكتظاظ؛ حيث ارتفع عدد السجناء ما بين 2009 و 2013 بنسبة 26 %، فقد كان عددهم 57563 سجينا سنة 2009 وأصبح 72816 سجينا سنة 2013 م ([9]).
وينتج عن هذا الاكتظاظ ما يلي:
- انتشار أمراض معدية نظرا لتكدس السجناء.
- انتشار عدد من الممارسات المنحرفة كالشذوذ الجنسي والعنف بأنواعه.
- عدم نجاعة البرامج التأهيلية من تكوين وتعليم ووعظ وتوعية وغير ذلك.
- فشل عملية تصنيف السجناء.
ثالثا: العقوبة البديلة في القانون الجنائي المغربي
قبل الحديث عن العقوبة البديلة في القانون الجنائي المغربي، نحب أن نشير إلى بعض صورها من خلال القانون المقارن، وخصوصا القانون الدانمركي، لما له من ريادة في هذا المجال، مثله مثل كثير من الدول الاسكندينافية. وفيما يلي بدائل السجون في القانون الدانماركي:
- المراقبة القضائية: وهي إجراء قضائي تتخذه المحكمة بحق المجرم بعد إدانته نهائيا عن جريمة ما؛ إذ تأمر المحكمة بإطلاق سراحه تحت شروط تحددها المحكمة، وبإشراف ومراقبة شخصية من قبل هيئة أو إدارة المراقبة القضائية المختصة: وهي نوع من المعاملة الإصلاحية غير المؤسسية (خارج السجن) التي تهدف إلى إعادة بناء شخصية المجرم البالغ أو الحدث الجانح ومساعدته على تعديل مسيرة حياته، أما الحكم المعلق فهو تعليق إصدار الحكم النهائي في القضية بهدف الرأفة بالمجرم وتخفيف العقاب عنه.
- الإفراج الشرطي: هو إطلاق سراح السجين من المؤسسة قبل استكمال مدة حكمه، وذلك بوضعه تحت مراقبة أو إشراف معين بهدف مساعدته على اجتياز ما بقي من مدة حكمه بسلوك حسن خارج المؤسسة.
- الرقابة الإلكترونية: تعتبر الرقابة الإلكترونية من بدائل السجن، ويرتبط تطبيقها بنظام الحبس المنزلي، حيث يتم التأكد من احترام المطلق سراحه بتنفيذ شروط الوجود في مكان محدد له وعن طريق استخدام الكمبيوتر الذي يعمل على اختزان المعلومات التي ترسلها الإشارات لكل فرد على حدة، وتستخدم برامج اتصال على فترات للتأكد من وجود المطلق سراحه في المكان المعني, حيث يعطي الكمبيوتر تقارير عن نتائج هذه الاتصالات.
والرقابة الإلكترونية كبديل للسجن ليست برنامجا في حد ذاتها، ولكنها الوسيلة التي تستخدم في تشغيل البرنامج، وفي الوقت ذاته لا يمكن تشغيلها دون الأجهزة الرقابية التي يمكن لها مراقبة دخول أو خروج المجرم من البيت.
- الإلزام بالعمل لمصلحة المجتمع: وهو إلزام المحكوم عليه بالعمل مقابل قليل من المال يسد حاجته وأسرته خدمة للصالح العام، في احدى المؤسسات العامة أو
المشروعات، سواء أكانت زراعية أم صناعية أم خدمية أم الجمعيات أم غيرها، عددا من الساعات خلال مدة معينة تحدد في الحكم وقد يخصص جزء من أجر العمل الإلزامي لتعويض المجني عليه.
ومن المجالات المقترحة في مجال العمل لمصلحة المجتمع: المشاركة في أعمال يدوية أو مهنية مثل نظافة المسجد والاهتمام بها ولاسيما في رمضان، أو المساهمة في تنظيم ومراقبة الأسواق التجارية والمسالخ في الأيام المزدحمة كشهر رمضان أو أجازتي العيدين أو أيام العطل الأسبوعية، أو مساعدة المرضى والمعوقين ومن في حكمهم لمدة معينة، أو المشاركة في تدريب السجناء في المهن التي يتقنونها وغير ذلك، أو المساهمة في تنظيم المباريات ونحوها ([10]).
ومما تجدر الإشارة إليه أن المشرع المغربي لم يغفل مسألة العقوبات البديلة في القانون الجنائي, إلا أن ذلك لم يأخذ طابعا موسعا وسياسة جنائية، وترك الباب مفتوحا للقاضي لتقرير ما يراه مناسبا؛ ومن الحالات المحدودة التي تناول فيها المشرع مسألة العقوبات البديلة ما جاء في الفصل 548 من القانون الجنائي: ” الإعفاء من العقوبة، وقيود المتابعة الجنائية، المقررة في الفصول 534 إلى 536، تسري على جريمة خيانة الأمانة المعاقب عليها بالفصل 547 ق. ج “. وينص الفصل 547 ق. ج على أن “من اختلس أو بدد بسوء نية، أضرارا بالمالك أو واضع اليد أو الحائز، امتعه أو نقودا أو بضائع أو سندات أو وصولات أو أوراقا من أي نوع تتضمن أو تنشئ التزاما أو إبراء كانت سلمت إليه على أن يردها، أو سلمت إليه لاستعمالها أو استخدامها لغرض معين، يعد خائنا للأمانة ويعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى الفي درهم. وإذا كان الضرر الناتج عن الجريمة قليل القيمة، كانت عقوبة الحبس من شهر إلى سنتين والغرامة من مائة وعشرين إلى مائتين وخمسين درهما مع عدم الإخلال بتطبيق الظروف المشددة المقررة في الفصلين 549 و 550 “.
وبناء على مقتضيات الفصل 548 من القانون الجنائي ([11]):
- فإن الجاني إذا كان زوجا أو أصلا لمالك المنقول المختلس أو المبدد فإنه يعفى من العقاب مع التزامه بالتعويضات المدنية (ف 534 ق ج).
- بمقتضى الفصل 535 ق. ج إذا كان المنقول المختلس أو المبدد مملوكا لأحد أصول الجاني أو أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة، فلا يجوز متابعته، إلا بناء على شكوى من المجني عليه، كما أن سحب الشكوى يضع حدا للمتابعة.
- أسباب الإعفاء من العقوبة، وقيود المتابعة المشار إليها في الفصل 548 تطبق فقط عندما تكون الجريمة بسيطة وغير مرفوقة بأي ظرف من ظروف التشديد المنصوص عليها في الفصلين 549 و 550 ق ج، وهذا يستفاد من الفصل 548، الذي ربط الإعفاء من العقاب، أو الأخذ بقيود المتابعة، بالحالة التي تكون الجريمة معاقبا عليها بالفصل 547 ق ج: أي لما تكون الجريمة عادية، أو عندما تكون مخففة بأن كان الضرر الناجم عن الجريمة قليل القيمة.
- بمقتضى الفصل 536 ق. ج، فإن المخفين للأشياء المتحصلة من خيانة الأمانة وكذلك المشاركون والمساهمون مع الفاعل (أو الفاعلين) الأصلي للجريمة الذي (أو الذين) ينال الإعفاء من العقاب أو يستفيد (أو يستفيدون) من قيود المتابعة الجنائية في هذه الجريمة طبقا للفصل 548، لا يسري عليهم هذا الإعفاء أو قيود المتابعة طالما لا تتوافر الصفات المشار إليها فيهم.
يتبين مما سبق أن المشرع قد نص على العقوبة البديلة في حال كون الجاني زوجا أو أصلا للمجني عليه، في حالة خيانة الأمانة؛ حيث اكتفى بوجوب التعويض عوضا عن عقوبة السجن. وفي الوقت نفسه ترك سلطة تقديرية تتراوح بين السجن والتعويض في حالة كون الشيء المختلس قليل القيمة.
رابعا: العقوبة البديلة في مسودة مشروع القانون الجنائي
تناولت مسودة مشروع القانون الجنائي مجموعة من الحالات التي تحل فيها العقوبة البديلة محل العقوبة السالبة للحرية وفق ما يلي ([12]):
- إقرار عقوبات بديلة للعقوبات السالبة للحرية في الجنح مع استثناء بعض الجنح الخطيرة، باعتبار أن سلب الحرية ليس هو الحل الوحيد للعقاب، ولا يجب اللجوء إليه إلا في حالة الضرورة القصوى وبالنسبة للأفعال الخطيرة (المادة، 1 -35 وما بعدها)،
- تحديد العقوبة البديلة في العمل لأجل المنفعة العامة والغرامة اليومية وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية (المادة 2 -52 وما بعدها)،
- إعمال العقوبات البديلة في غير حالات العود واشتراط حضور المتهم في جلسة الحكم وقبول خضوعه لها،
- إعطاء الصلاحية لقاضي تطبيق العقوبات لتتبع تنفيذ العقوبات البديلة بالنسبة للراشد ولقاضي الأحداث بالنسبة للأحداث.
المطلب الثاني: العقوبة البديلة في الفقه الإسلامي
لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مقاصد كبرى تتلخص في صون الحياة الكريمة وضمان الأمن والأمان للفرد والمجتمع, لذلك قرر الفقهاء أن هذه المقاصد المنشودة لا تحقق إلا بالحفاظ على الضروريات الخمس الممثلة في: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، والحفاظ على ما يساعد على تقوية هذه الضروريات وهو ما يطلق عليه بحفظ الحاجيات، وتشريع ما يحفظها من جهة البقاء بواسطة أحكام أصليه: من أركان وشروط وموانع، وحفظها من جهة العدم بتشريع الجزاءات المترتبة عن الإخلال بهذه الأحكام الأصلية.
وعندما يتناول الفقه الجنائي الإسلامي الجنايات ([13])، وما يترتب عنها من جزاءات، يضع في حسبانه حفظ الضروريات والحاجيات للمجني عليه، وإصلاح الجاني بما يحفظ ضرورياته وحاجياته كذلك؛ لذلك لا يرمي الفقهاء -حين تقريرهم للعقوبة -إلى الانتقام أو التنكيل، بل لصيانة حق المجني عليه وردع الجاني وإصلاحه. يقول ابن تيمية: “العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله تعالى لعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على
ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض ” ([14]).
ومما ينبغي التأكيد عليه أن الفقه الإسلامي لا يعني بالرحمة والإحسان تعطيل النظام العقابي، وإفراغه من تحقيق مقاصده وغاياته؛ فهذا يتناقض مع مقاصد الشريعة الإسلامية وفلسفة التشريع الجنائي الإسلامي، المبنية على صون حقوق المجتمع وإصلاح الجاني وردعه في الآن نفسه، لقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [سورة البقرة: الآية 179].
أن اللجوء إلى العقوبة البديلة، في الفقه الجنائي الإسلامي، ليس مطلقا وبلا ضوابط وقيود؛ ذلك أن العقوبات في الشريعة الإسلامية تنقسم، باعتبار تقديرها، إلى عقوبات مقدرة: يعبر عنها في الفقه الجنائي الإسلامي بالحدود والقصاص، وأخرى غير مقدرة (مفوضة) يرجع تحديد مقدارها إلى سلطة الحاكم. ويجمع الفقهاء على أن الحدود لا يمكن إلغاؤها لإحلال عقوبات بديلة، كيفما كان نوعها؛ وذلك لأن هؤلاء الفقهاء يعتبرونها حقوقا لله أولا (مسائل تعبدية)، ثم للعباد ثانيا. أما عقوبات القصاص فلا يمكن استبدالها بالعقوبة البديلة إلا حين يقع الصلح بين المجني عليه أو وليه والجاني: مثل جرائم القتل والجراح.
وتشمل عقوبات الحدود والقصاص إجراءات محددة تتعلق بتطبيق مقاديرها وكيفياتها، حسب ما نصت عليه النصوص الشرعية: كتطبيق اقصى العقوبة أو أدناها مثل: حالة تكوين عصابة إجرامية والاعتداء على الغير؛ فقد تراوحت العقوبة بين القتلى والنفي حسب درجة خطورة الفعل الجرمي. قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [سورة المائدة: الآية 33]. كما يمكن اللجوء إلى التعزير في حالة ثبوت الفعل الجرمي وعدم توفر جميع الشروط الشرعية الموجبة لإيقاع العقوبة. كما يمكن درء هذه العقوبة إذا وجدت هناك شبهة معينة.
ويعتبر التعزير الميدان الملائم لتقرير العقوبة البديلة؛ وذلك باعتباره مفوضا للسلطة المختصة -كما أشرنا سابقا -. وهذا ما يدفعنا للحديث عن التعزير والعقوبات البديلة المرتبطة به.
الفقرة الأولى: التعزير
التعزير في أصل اللغة هو المنع والتأديب، وفي الاصطلاح الفقهي هو “معاقبة المجرم بعقاب مفوض شرعا إلى ولي الأمر نوعا ومقدارا، وذلك في جميع أنواع الجرائم والأعمال الممنوعة التي تستوجب الزجر والتأديب، غير موجبات الحدود والقصاص ” ([15]).
وعندما نقول بأن تقدير العقوبة مفوض للسلطة التقديرية للحاكم لا نعني بذلك التسيب والتشهي، ولكن لا بد من مراعاة مبدا شرعية العقوبة والملاءمة بينها وبين الجناية، مع اعتبار حال الجاني وكافة الظروف التي أحاطت بجنايته، في كل قضية تعرض عليه، كذلك ينبغي على القاضي أن يضع في اعتباره -عند نظر قضايا التعزير -مقاصد الشريعة الإسلامية، ومقرراتها العامة في التجريم وفلسفة العقوبات ([16]).
والتعزير هو المجال الواسع والقابل للتجديد، في الفقه الجنائي الإسلامي، الذي يخول لسلطة القضاء الاجتهاد المستمر لإيجاد عقوبات مناسبة لنوع الجريمة وحال المجرم: وفي مقدمتها العقوبات البديلة عن العقوبات البدنية والسالبة للحرية.
إذا كان المقصد من العقوبة هو ردع الجاني وإصلاحه، فإنه لا بد من اختيار عقوبة مناسبة تحقق هذا الردع وهذا الإصلاح؛ لأنه أن لم ينظر إلى المآل الذي يترتب عن إيقاع العقوبة وما ستحدثه من تغير إيجابي في سلوك الجاني، لكان إيقاعها فيه نوع من العبث الذي قد يؤدي إلى التعسف في استعمالها. وفي هذا يقول العز بن عبد السلام: “كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل” ([17]).
وبناء عليه فإن المجال واسع للحاكم في أن يعدل عن عقوبة بدنية، أو سالبة للحرية، إلى عقوبة أخرى بديلة تحقق الردع والإصلاح وتؤتي الثمرة المرجوة.
ومن النصوص الشرعية التي جعلها الفقهاء أساسا يمكن الاستناد إليه في اللجوء إلى العقوبات البديلة قوله: (أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم إلا الحدود) ([18]). وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: ” والظاهر انهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خضهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستورا مشهورا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأديل عليه شيطانه فلا نسارع إلى تأنبيه وعقوبته، بلى تقال عثرته ما لم يكن حدا من حدود الله، فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع “، فإن النبي قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) متفق على صحته، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد” ([19]).
وفيما يلي بعض الأمثلة الدالة على مشروعية اللجوء إلى العقوبات البديلة ([20]):
- تقرر في كتب الفقه أن حبس المدين المماطل الممتنع عن الأداء شرع وسيلة لدفعه إلى إظهار ماله ليؤدي الدين الذي عليه، وذلك إذا غلب على الظن يساره، فيحبس بناء على طلب الدائن، فإذا ثبت إعساره، فلا يجاب طلب الدائن حبسه؛ لأن في حبسه مجرد الإضرار الذي لا يؤدي إلى الغاية المنشودة. يقول العز بن عبد السلام في هذا الصدد: ” أن ثبت إعساره فلا يجوز حبسه حتى يثبت يساره ” ([21]).
يستدل من هذا الفقه أن الوسائل، وان كانت في أصلها مشروعة، تسقط بسقوط مقاصدها؛ فإن علمنا أن حال الجاني لا ينصلح بالعقوبة، المراد إيقاعها، صار توقيعها عليه لمجرد الإضرار فقط، الذي لا يحقق الغاية المنشودة من العقاب وهي الردع والزجر والإصلاح ([22]).
روي أن إمام الأندلس يحيى بن يحيى الليثي صاحب الإمام مالك قد افتى لأحد الملوك المغاربة بالأندلس، الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي، الذي كان قد نظر في رمضان إلى جارية له كان يحبها حبا شديدا، فعبث بها، فلم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندما شديدا، فسأل الفقهاء عن توبته وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: تصوم شهرين متتابعين، فلفا بدر يحيى بذلك سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا، فقالوا ليحيى: مالك لم تفته بمذهب مالك، وهو التخيير بين العتق والصيام والإطعام؟ فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود ([23]).
وقد علق القرافي على هذه الفتوى بما أورده صاحب الفواكه بما معناه: ” أن الكفارات شرعت للزجر والملوك لا تنزجر بالإعتاق، لسهولته عليهم، فتعين ما هو زاجر لهم، وهذا من النظر في المصلحة، ولا تأباه القواعد، ولعله غير مناف للتخيير” ([24]).
وقال القرافي في تهذيب الفروق: ” إفتاء يحيى له بالصوم هو الأوفق بكون مشروعية الكفارات للزجر، ولم يفته يحيى على إنه أمر لا يجوز غيره ” ([25]).
إذا كان يحيى بن يحيى الليثي قد افتى لأمير الأندلس بالصيام بدلا من الإطعام والعتق؛ لكون الصيام يحقق مقصد إصلاحه وردعه. وهذا ما لا يحققه الإطعام والعتق. لكن في زماننا هذا، وبعد أن اعتبرت العقوبات السالبة للحرية هي السائدة، في أغلب التشريعات في العالم، وبعد ظهور قصورها وعدم تحقيقها للردع والإصلاح للجناة، فقد أصبحت العقوبات المالية الوسيلة الناجعة لردع كثير من هؤلاء الجناة وإصلاحهم، إذا ارتكبوا المخالفات البسيطة. وفيما يلي الحديث عن هذه العقوبات ومشروعيتها في الفقه الإسلامي.
الفقرة الثانية: العقوبات المالية في الفقه الإسلامي
تنقسم العقوبات في الفقه الإسلامي إلى عقوبات بدنية (بما فيها السالبة للحرية) وعقوبات مالية. والعقوبات المالية بدورها تنقسم إلى قسمين: عقوبات بالمال (أو ما يطلق عليها بالغرامات والتعويضات)، وعقوبات في المال (وتعني إتلافه كله أو بعضه).
يقول ابن القيم: “وأما التعزير بالعقوبات المالية، فمشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد أحد قولي الشافعي. وقد جاءت السنة عن رسول الله ” وعن أصحابه بذلك… ومن قال: أن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا. فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد وغيره، وكثير منها سائغ عند مالك. وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته مبطل أيضا لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم… قال ابن رشد في كتاب البيان له: ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل أو غير ذلك من السلع بما ذكره أهل العلم في ذلك. فقد قال مالك في المدونة: أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبا لصاحبه. وكره ذلك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به. ومنع من ذلك في رواية أشهب… وقد افتى ابن القطان في الملاحف الرديئة النسج بالإحراق بالنار، وافتى ابن عتاب فيها بتقطيعها خرقا وإعطائها للمساكين ” ([26]).
يتبين من كلام ابن القيم أن العقوبة المالية جائزة في الشريعة الإسلامية، وقد استدل على ذلك بأفعال الرسول، والصحابة والتابعين وكبار فقهاء المذاهب الفقهية. وتوقع هذه العقوبة عندما يكون الفعل الجرمي مخالفة كالغش في الأسواق، وعندما يكون هذا الفعل جنحة كالسرقة فيما دون النصاب. أما فيما يخص العقوبات المالية في الجنايات، فقد استحسن الفقهاء استبدال العقوبة المقررة للجناية، لتحل محلها العقوبة البديلة (المالية)، خصوصا إذا كان الجاني ممن لم يعرف عنه نزوعه نحو الشر، وإنما كانت جنايته فلتة؛ فقد جاء في الموازية من رواية عيسى عن ابن القاسم عن مالك قال: “لا اخب أن يشفع لأحد وقع في حد من حدود الله تعالى بعد أن يصلى إلى الإمام أو الحرس وهم الشرط، وأما قبل أن يصل في أيدي هؤلاء فالشفاعة حينئذ للرجل إذا كانت منه فلتة،… فأما من عرف شره وأذاه للناس، قال مالك فأحب إلى أن لا يشفع له” ([27]). ويرى كذلك كثير من الفقهاء انه يمكن الرجوع إلى العقوبة البديلة إذا كان المجني عليه لا ولي له. يقول السرخسي، في تفسير قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: الآية 179]: ” فكان للإمام أن يستوفي القصاص
إن شاء؛ لأنه قد يعود بمنفعة الزجر عن قتل أمثاله هذا الذي لا ولي له، وان شاء صالح على الدية؛ لأنه مجتهد وله أن يميل باجتهاده إلى المطالبة بالدية، ولأنه ناظر للمسلمين فربما يكون استيفاء الدية أنفع للمسلمين ” ([28]). وفيما يخص الجراح فيرى معظم الفقهاء انه ليس في المأمومة (شجاج الرأس التي تصلى إلى أم الدماغ) ولا في الجائفة (التي تصل إلى الجوف) قصاص لعدم إمكان استيفائها دون حيف أو زيادة ([29]).
ومن هنا يتضح أن العقوبة البديلة عمل مشروع في الفقه الجنائي الإسلامي؛ وهذا ما تؤكده مجموعة من النصوص الشرعية، نذكر منها ما يلي:
- قوله: (فِي كُلِّ سائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ لا يُفَرِّقُ إِبِلَ عَنْ حسابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مؤتَجِرًا بها، فَلَهُ أجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا، وشطر مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، ليس لآل مُحَمَّدٍ مِنْهَا شيء) ([30]).
- حديث سويد بن مقرن قال: (كنا بني مقرز سبعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا خادم ليس لنا غيرها، فلطمها أحدنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أعتقوها “) ([31]).
لكن الرجوع إلى العقوبة البديلة ينبغي أن يتقيد في الفقه الجنائي الإسلامي بالضوابط التالية ([32]):
- أولا: الجواز الشرعي،
- ثانيا: تحقيق مقصد العقوبة،
- ثالثا: عدم المخالفة لنص شرعي أو حكم قطعي،
- رابعا: ألا تتعارض العقوبة البديلة مع عقوبة منصوصة شرعا أو نظاما،
- خامسا: لا تصح العقوبة البديلة بما هو عبادة محضة،
- سادسا: أن تكون العقوبة البديلة عدلا،
- سابعا: أن تقع العقوبة البديلة على فعل محظور مجرم شرعا أو نظاما،
- ثامنا: يجب أن لا يلتحق بالعقوبة البديلة ضرر أو آثار سلبية على الشخص الجاني أو الغير بما لا يتفق وطبيعة العقوبة،
- تاسعا: كون المحكوم عليه مكلفا ذا أهلية تامة،
- عاشرا: أن يصدر بالعقوبة البديلة حكم قضائي نهائي،
- حادي عشر: وضوح الحكم بالعقوبة البديلة وإمكانية تنفيذها،
- ثاني عشر: تنفيذ العقوبة البديلة برعاية جهة الاختصاص.
خاتمة
وفي الختام يتبين أن العقوبات البديلة قد أصبحت واقعا يفرض نفسه على المشرع المعاصر؛ وذلك للخروج من الإكراهات والسلبيات التي تطرحها العقوبة البدنية -خصوصا منها السالبة للحرية -.
وبالنظر إلى مشروعية هذه العقوبات يتبين أنها تستند إلى مجموعة من المبررات الموضوعية، والأسس التي تنطلق منها؛ خصوصا أن الفقه الجنائي الإسلامي والتشريعات المعاصرة تتفق على مشروعيتها، وقدرتها على تحقيق الإصلاح والإدماج للجناة.
ومما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذه العقوبات يجب ألا تلغي باقي العقوبات؛ حيث ينبغي أن يخضع تطبيقها إلى ملاءمتها مع طبيعة كل جان وكل جريمة.
[1] ياسر بن صالح البلوي: بدائل السجون (الأحكام البدلية)، منشور بالموقع الآتي: http://www.jurispedia.org
[2] انظر بلتاجي محمد: الجنايات وعقوباتها في الإسلام وحقوق الإنسان، دار السلام، الطبعة الأولى، القاهرة، 2003، ص. 83/84.
[3] بنتام: أصول الشرائع، ترجمة فتحي زغلول، الطبعة الأولى، الجزء الأول، ص. 233.
[4] رؤوف عبيد: أصول علمي الإجرام والعقاب، دار الجيل، مصر، ص. 61.
[5] انظر بلتاجي محمد، مرجع سابق، ص. 87.
[6] كاره مصطفى عبد المجيد: السجن كمؤسسة اجتماعية –دراسة عن ظاهرة العود، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1987 م، ص. 45 -48.
[7] براك احمد محمد: العقوبة الرضائية في الشريعة الإسلامية والأنظمة الجنائية المعاصرة -دراسة مقارنة –(رسالة دكتوراه منشورة)، كلية الحقوق جامعة القاهرة، 2009 م، ص 36.
[8] الكساسبة يوسف فهد: وظيفة العقوبة ودورها في الإصلاح والتأهيل، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، سنة 2010 م، ص. 268.
[9] بلقاسم محمد: مقال بجريدة هسبريس الإلكترونية http://www.hespress.com/societe/93165.html
[10] اليوسف عبد الله بن عبد العزيز: تجارب الدول الأخرى لبدائل عقوبة السجن، ضمن ندوة بدائل عقوبة السجن، الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، الرياض، الطبعة الأولى، 1428 هـ / 2007 م. ص. 30 -36. وانظر كذلك مداخلة الأستاذ انس سعدون ضمن أشغال ندوة حول موضوع بدائل العقوبات السالبة للحرية في القانون الدانمركي ونظيره المغربي المنعقدة بمحكمة الاستئناف ببني ملال بتاريخ 24/06/ 2011.
[11] العلمي عبد الواحد: شرح القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص، ص. 440 -441.
[12] انظر مسودة مشروع القانون الجنائي، منشورة على موقع وزارة العدل والحريات، http://www.justice.gov.ma
[13] يقسم الفقه القانون الوضعي الأفعال المجرمة إلى مخالفات وجنح وجنايات، في حين يعتبر الفقه الإسلامي كل فعل لمحظور أو امتناع عن فعل مأمور به جناية.
انظر ذلك بتفصيل عند عودة عبد القادر: التسريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار الكاتب العربي، بيروت، الجزء الأول، ص. 68.
[14] ابن تيمية احمد: الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية كتاب الجنايات، الجزء السادس، ص. 389.
[15] الزرقاء مصطفى احمد: المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 2012 م، الجزء الثاني، ص. 689.
[16] انظر كذلك بلتاجي محمد، الجنايات وعقوباتها، مرجع سابق، ص. 59.
[17] عز الدين بن عبد السلام، القواعد الكبرى، دار ابن حزم، ج 1، ص 102.
[18] أخرجه احمد في مسنده برقم 24946، وأبو داود في كتاب الحدود برقم 4375.
[19] ابن قيم الجوزية: بدائع الفوائد، مكتبة القاهرة، الجزء الثالث، ص. 171.
[20] التميمي عماد محمد رضا علي: التفريد الجزائي: مفهومه وتأصيله الشرعي على ضوء مقاصد الشارع من العقاب دراسة فقهية قانونية مقارنة، مقال منشور بموقع جامعة القصيم بالمملكة العربية السعودية. http://www.publications.qu.edu.sa
[21] العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (القواعد الكبرى)، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 2003، الجزء الأول، ص. 103.
[22] انظر الدريني فتحي: نظرية التعسف في استعمال الحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1988 م، ص. 254.
[23] المرداوي، التحبير شرح التحرير، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، 2000 م، الجزء السابع، ص. 340.
[24] النفراوي احمد غنيم: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع، الجزء الأول، ص. 315.
[25] القرافي شهاب الدين: الفروق، عالم الكتب، الجزء الرابع، ص. 74.
[26] ابن القيم، الطرق الحكمية، دار البيان، ص 224، وما بعدها بتصرف.
[27] الباجي سليمان بن خلف: المنتقى شرح الموطأ، تحقيق محمد عبد القادر احمد عطا، كتاب الحدود، ترد الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1420 هـ/ 1999 م، الجزء السابع، ص. 164.
[28] السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، الجزء العاشر، ص. 380.
[29] ابن قدامة المقدسي، المغني، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1985 م، الجزء الثامن، ص. 370 وما بعدها.
[30] رواه الإمام احمد في مسنده برقم 20053، وأبو داود في سننه برقم 1575.
[31] رواه مسلم في صحيحه برقم 1658.
[32] انظر علي بن راشد الدبيان: شروط العقوبات البديلة، ضمن ندوة نظمتها وزارة العدل السعودية منشورة بالموقع الإلكتروني التالي: http://www.moj.gov.sa