أسباب الآزمة المالية
مارتن نيل بيلي
روبرت ليتان
ماثيو جونسون
ترجمة: محمود أحمد مهدي
موجز
إن الأزمة المالية التي ظلت تجتاح الأسواق بعنف في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم منذ أغسطس 2007 م تعود من حيث أسبابها إلى فقاعة في أسعار الأصول، تفاعلت مع أصناف جديدة من المبتكرات المالية القادرة على إخفاء المخاطر، كما اقترنت بإخفاق المؤسسات في اتباع إجراءاتها الخاصة بإدارة مخاطرها، وفشل الجهات المعنية بالتنظيم والإشراف في كبح الإفراط في قبول المخاطر.
بدأت الفقاعة في التشكل في أسواق المساكن حيث ظلت أسعارها، في جميع أنحاء القطر، ترتفع سنويا منذ منتصف تسعينات القرن الماضي وحتى العام 2006 م متجاوزة الأساسيات الأخرى مثل مستوى دخل الأسرة. وكما هو شأن الفقاعات التقليدية لأسعار الأصول، تنامت توقعات ارتفاع الأسعار مستقبلا، وشكلت عاملا فاعلا في تضخيم أسعار المساكن. فحين يشهد الأفراد ارتفاع الأسعار من حولهم، وفي جميع أنحاء القطر، يتوقعون أن يستمر ارتفاع تلك الأسعار حتى في السنوات المتأخرة من الفقاعة والتي يكون فيها التضخم قد شارف ذروته.
وقد ساعد النمو المطرد في إقراض المقترضين دون الممتازين “subprime borrowers” على تضخم فقاعة أسعار المساكن. فقبل العام 2000 م لم يكن الإقراض دون الممتاز موجودا عمليا، ثم لم يلبث أن ظهر بعد ذلك متخذا وتيرة نمو متزايدة. وعلى نحو مفاجئ، ونتيجة للزيادة المطردة في أسعار المساكن وما رافقها من مبتكرات مالية جديدة، أصبح عملاء الإقراض دون الممتاز الذين كانوا مبعدين من قبل عن أسواق إقراض الرهن العقاري أصبحوا عملاء يحظون باهتمام مقرضي الرهن العقاري. وابتكر المقرضون قروض الرهن العقاري ذات أسعار الفائدة القابلة للتعديل “Adjustable Rate Mortgages”، بأسعار فائدة ابتدائية منخفضة للتشويق “teaser rates”، وبدون دفعات مقدمة، بل إن منها ما أتاح للمقترض تأجيل جزء من الفائدة المستحقة شهريا وإضافتها إلى أصل القرض. وقد بنيت تلك الفوائد القابلة للتعديل على توقع استمرار الارتفاع في أسعار المساكن.
غير أن الابتكار في تصميم قرض الرهن العقاري وحده ما كان ليتيح للكثير من المستفيدين من الإقراض دون الممتاز الوصول إلى الائتمان في غياب ابتكارات أخرى في ما يعرف بعمليات توريق قروض الرهن العقاري، أي تجميع قروض الرهن العقاري في حزم، ومن ثم بيع السندات المغطاة بتلك الحزم للمستثمرين الذين يتلقون من المقترضين دفعات تناسبية من أصل التمويل والفائدة. وهذه الصيغة التمويلية طورتها في سبعينيات القرن الماضي مؤسستان تحظيان برعاية الحكومة خصصتا لإقراض الرهن العقاري هما مؤسسة فاني ماييي “Fannie Mae” ومؤسسة فريدي ماك “Freddie Mac”. وقد أضافت هاتان المؤسستان ضمانات من جانبيهما لهذه السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري لضمان قابليتها للتسويق. ولمدة قاربت ثلاثة عقود قصرت المؤسستان ضماناتهما على المقترضين الممتازين المستفيدين مما يعرف بالقروض المنضبطة قانونا (أي القروض التي يقل أصل التمويل فيها عن قيمة معينة محددة بالدولار)، والمقترضين الذين تظهر سجلاتهم الائتمانية نقاطا تتجاوز سقفا محددا. وخلال هذه المسيرة طور القطاع الخاص سندات مغطاة بقروض الرهن العقاري تسندها قروض غير منضبطة قانونا لها وسائل أخرى “لتعزيز الائتمان “، غير أن هذه السوق ظلت صغيرة نسبيا إلى أواخر تسعينات القرن الماضي. وعلى هذا النحو الأخير قام المستثمرون في السوق المالية الرسمية بدور فاعل في تمويل المقدمين على شراء المساكن خارج القطاع المالي. ذلك لأن البنوك ومؤسسات الادخار والصناعة الجديدة لسماسرة قروض الرهن العقاري أنشأت القروض، ولكنها لم تحتفظ بها على غرار الطريقة القديمة لتمويل امتلاك المساكن.
وطوال العقد الماضي طورت البنوك التجارية والاستثمارية في القطاع الخاص طرقا جديدة لتوريق قروض الرهن العقاري دون الممتازة بتجميعها في هيئة حزم من “التزامات الدين المغطاة بالضمانات ” (مع سندات أخرى مغطاة بالأصول أحيانا) ومن ثم تقسيم التدفقات النقدية إلى “شرائح ” مختلفة لتصبح جاذبة لطبقات مختلفة من المستثمرين المختلفين من حيث القدرة على تحمل المخاطر. ومن خلال ترتيب الحقوق في تلك التدفقات النقدية أفلح مطورو التزامات الدين المغطاة بالضمانات (وبالتالي السندات الأخرى المبنية على هذا النموذج) في إقناع وكالات التصنيف الائتماني بمنح أرفع درجات التصنيف للسندات في الشريحة أو طبقة المخاطر العليا. وفي بعض الحالات أقبل من يسمون مقدمي التأمين الأحادي للسندات (التأمين الأحادي هو التأمين القائم على تغطية نوع واحد فقط من المخاطر المترجم)، الذين كانوا يركزون من قبل على سندات البلديات، أقبلوا على توفير التأمين الوقائي لمن يستثمرون في التزامات الدين المغطاة بالضمانات، بحيث يلتزمون بالسداد لأولئك المستثمرين عند التقصير في السداد من جانب الجهات المدينة. وفي حالات أخرى، خاصة في الآونة الأخيرة، قامت شركات التأمين وبنوك الاستثمار وجهات أخرى بشيء مماثل من خلال توفير صفقات مبادلة الإعسار الائتماني”credit default swaps” التي تشبه التأمين الأحادي من حيث المبدأ، وتختلف عنه من حيث المخاطر، حيث إن مقدمي خدمات مبادلات الإعسار الائتماني يخصصون قدرا يسيرا جدا من رأس المال لتغطية صفقاتهم.
هذه الابتكارات الجديدة جعلت وول ستريت “Wall Street” تهيئ لقروض الرهن العقاري دون الممتازة ما هيأته من قبل من تمويل لقروض الرهن العقاري المنضبطة قانونا، كما مهدت السبيل لطفرة الإقراض دون الممتاز التي ظهرت عقب العام 2000 م. فمن خلال عمليات توجيه أموال الاستثمارات في القطاع المالي الرسمي لدعم نشوء قروض الرهن
العقاري دون الممتازة سنحت الفرصة للعديد من الأسر التي كانت من قبل عاجزة عن التأهل لائتمان الرهن العقاري، كي تصبح مستحقة للقروض. وقد ساهمت هذه المجموعة الجديدة من مستحقي الاقتراض في زيادة الطلب على المساكن وتضخيم أسعارها.
وازدهرت هذه الابتكارات المالية الجديدة في بيئة اتسمت بالسياسات النقدية المتساهلة لدى الاحتياطي الاتحادي وضعف الرقابة التنظيمية. وفي ظل التدني الشديد لأسعار الفائدة، وانصراف نظر الجهات التنظيمية، أفرطت المؤسسات المالية في اقتراض النقود (أي أفرطت في زيادة نسبة الدين إلى رأس المال) لتمويل مشترياتها من السندات ذات الصلة بقروض الرهن العقاري. وأنشأت البنوك كيانات تابعة لها خارج موازناتها العمومية مثل آليات الاستثمار المهيكل لشراء الأصول ذات الصلة بالرهن العقاري التي لا تخضع لمتطلبات تنظيمية خاصة برأس المال. واتجهت المؤسسات المالية أيضا نحو “الاقتراض قصير الأجل المغطى بالضمان ” كاتفاقيات إعادة الشراء، إلى حد أصبحت فيه بنوك الاستثمار بحلول العام 2006 م تقوم بإعادة تدوير ما يعادل، في المتوسط، ربع موازناتها العمومية كل ليلة. وخلال السنوات التي شهدت تصاعد أسعار الأصول أصبح من الممكن إعادة تدوير هذا الدين قصير الأجل دوران الساعة. ثم انتهى هذا الوضع الغريب في نقلة واحدة إلى صدمة من الهلع في عام 2007 م حين أدى الشعور المفاجئ بعدم اليقين إزاء أسعار الأصول إلى امتناع حاسم من قبل المقرضين عن إعادة تدوير ديونهم، ووجدت البنوك المثقلة بالديون نفسها عرضة لتناقص مطرد في أسعار الأصول مع قليل من رأس المال.
وفي حين نستطيع أن نقول في أعقاب الأزمة إن زيادة النقود المقترضة التي عمت النظام بكامله تنم عن عدم استشعار للمسؤولية وقد كان من شأنها الإفضاء إلى كارثة، فليس ثمة ما يدعو إلى العجب في سعي المستهلكين، المقدمين على امتلاك المساكن، والبنوك التي كانت تستهدف تعظيم الأرباح، إلى اقتراض المزيد من النقود حين أخذت أسعار الأصول في التصاعد، بل أن السعي إلى ذلك يعد، في الواقع، أمرا بدهيا في هذه الحال. غير أن ما يثير الدهشة بصفة خاصة هو الإخفاق الفادح من جانب المؤسسات، في كل حلقة من سلسلة التوريق، في إجراء التقويم الكافي للمخاطر المتعلقة بما تحتفظ به وتتاجر فيه من الأصول ذات الصلة بالرهن العقاري. فبدءا من منشئ قرض الرهن العقاري، وانتقالا إلى مقدم التمويل، ومصدر السند المغطى بالرهن العقاري، ومصدر التزام الدين المغطى بالضمان، ومصدر مبادلات الإعسار الائتماني، ووكالات التصنيف، وانتهاء بحاملي كل تلك السندات، لم يتوقف أحد في لحظة ما لينبه الجمع، أو يختبر نماذج الحاسوب التي حظيت بالقليل من الفهم، أو يلحظ تدهور شروط الاقتراض المتعلقة بقروض الرهن العقاري، وقد كان من الواضح أن لا سبيل لاحتمال ذلك التدهور.
ومن النقاط الأساسية لفهم ما أدى إلى فشل النظام جميعه في تقويم المخاطر، كون كل حلقة من سلسلة التوريق كانت عرضة لعدم التماثل في المعلومات، أي أن أحد الطرفين كانت لديه معلومات أفضل مما لدى الطرف الآخر. وفي مثل هذه الحال يكون أحد الطرفين في المعتاد حذرا في الدخول في صفقة مع الآخر، ومن ثم يبذل كل ما في وسعه من جهد لإجراء تقويم سليم لمخاطر الطرف الآخر بناء على ما حصل عليه من معلومات. غير أن هذا النوع من الحذر اللازم المتوقع من المتعاملين في الأسواق في ظل عدم تماثل المعلومات، لم يكن موجودا في عمليات توريق قروض الرهن العقاري التي شهدتها السنوات الأخيرة. فقد استحوذت نماذج الحاسوب على دور الحكم البشري على الأمور فعزف من أنشأوا قروض الرهن العقاري عن إجراء التقويم السليم لمخاطر المقترضين، وامتنع مقدمو التمويل عن التقويم السليم لمخاطر الشروط المتعلقة بتلك القروض، وامتنع مصدرو السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري عن التقويم السليم لمخاطر ما باعوا من السندات، وهلم جرا.
ولعل غياب الحذر اللازم في جميع هذه الجبهات يعود جزئيا إلى طبيعة الحوافز المرتبطة بنموذج التوريق نفسه. ففي ظل القدرة على تمرير المخاطر المتعلقة بأصل ما مباشرة إلى شخص آخر يصبح لدى المؤسسات حافز مالي ضئيل جدا يدفعها نحو القلق بشأن المخاطر الفعلية المرتبطة بالأصول المعنية. ولكن ما بال حاملي السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، والتزامات الدين المغطاة بالضمانات، ومبادلات الإعسار الائتماني الذين يتحملون المخاطر بالكامل؟ إن حاملي هذه الأدوات لديهم كل الحوافز التي تدفعهم نحو فهم المخاطر المرتبطة بالأصول، فما الذي يفسر فشلهم في القيام بذلك؟ لعل أحد الأسباب هو أن أولئك المستثمرين شأنهم شأن الآخرين وقعوا في فخ الفقاعة التي غمرت كل النظام. ومن أولئك المستثمرين أيضا من رأى الأرباح الضخمة الناتجة عن الأصول ذات الصلة بقروض الرهن العقاري دون الممتاز فأراد الانضمام إلى الركب. إضافة إلى ذلك فإن ما اتسم به قطاع التوريق من تعقيد شديد وعتمة شاملة يعني أن معظم الناس لم تكن لديهم المعلومات أو القدرة على إصدار أحكامهم حيال ما يحملون من سندات، فاعتمدوا عوضا عن ذلك على وكالات التصنيف ونماذج الحاسوب الخاطئة برغم تعقيدها. وبتعبير آخر فإن ضعف الحوافز، وفقاعة أسعار المساكن، وانعدام الشفافية، ألغت التحفظات الملازمة للأسواق غير متماثلة المعلومات (ومنذ اندلاع الأزمة في 2007 م أصبح الأمر على النقيض من ذلك، حيث أدت مشكلات عدم تماثل المعلومات إلى تجميد أسواق الائتمان تماما). وفي الصفحات التالية سنروي هذه القصة بمزيد من التفاصيل.
مقدمة
إن الأزمة المالية التي ظلت تجتاح الأسواق بعنف في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم منذ أغسطس 2007 م تعود من حيث أسبابها إلى فقاعة في أسعار الأصول، تفاعلت مع أصناف جديدة من المبتكرات المالية القادرة على إخفاء المخاطر، كما اقترنت بإخفاق المؤسسات في اتباع إجراءاتها الخاصة بإدارة مخاطرها، وفشل الجهات المعنية بالتنظيم والإشراف في كبح الإفراط في قبول المخاطر. وسنسعى في هذه الورقة إلى تسليط الضوء على هذه العوامل ([1]).
فالورقة منظمة على النحو التالي: يتناول الفصل الأول فقاعة أسعار المساكن التي تشكلت خلال حقبة من الزمن حتى عام 2007 م، والعوامل التي أثرت على الطلب على المساكن خلال تلك السنوات. وتتناول الفصول الأخرى: التغير في أنواع إقراض الرهن العقاري وتدهور معايير الإقراض، والحوافز الاقتصادية في أسواق إنشاء الإسكان وإقراض الرهن العقاري، والتوريق وتمويل الطفرة الإسكانية، والابتكارات في نموذج التوريق، ودور المؤسسات المالية المفرطة في الديون، وتأمين الائتمان ونمو مبادلات الإعسار الائتماني، ووكالات التصنيف، وسياسات الاحتياطي الاتحادي وبعض عوامل الاقتصاد الكلي الأخرى، والتنظيم والإشراف، وفشل ممارسات إدارة المخاطر لدى المؤسسات، وفشل سياسات تقويم الاستثمار على أساس أسعار السوق. وتختتم الورقة بإشارة عابرة إلى ما سيلحق من أعمال في سلسلة “Fixing Finance”، واستخلاص الدروس المستفادة من دراسة أصول الأزمة المالية.
الطلب على الإسكان
وتصور المخاطر المنخفضة في الاستثمار السكني
تكمن القوة الدافعة لتجاوزات الرهن العقاري والأسواق المالية التي أدت إلى حدوث أزمة الائتمان في التصاعد المطرد لأسعار المساكن، والاعتقاد بأن ليس أمام تلك الأسعار سوى التصاعد. وفي واقع الأمر فإن المؤشر القياسي لأسعار المساكن الخاص بمكتب مراقبة مؤسسات الإسكان الاتحادية لم يكد يشهد انخفاضا يذكر طوال الفترة من عام 1975 م حتى الربع الثالث من عام 2006 م. ولعل الانخفاض الملحوظ الوحيد الذي شهده هذا المؤشر (بنسبة 5.4 %) كان في الفترة ما بين عام 1981 م وعام 1982 م. وقد كانت تلك الفترة أسوأ فترات الركود في تاريخ ما بعد الحرب. وخلال الفترة من عام 1991 م حتى الربع الثالث من عام 2007 م أظهر المؤشر تصاعدا في كل ربع من عام مقارنة بالربع المماثل له في عام السابق. وقد تخطت معدلات ارتفاع الأسعار نسبة 6 % عام 1999 م، وتصاعدت إلى 8% ثم 9% قبل أن تأخذ في التباطؤ في أواخر عام 2005 م. وأظهرت دراسة لكارل كيس وروبرت شيلر “karl Case & Robert Shiller” (2003 م) أن الأغلبية العظمى ممن شملهم المسح الذي تم في عام 2003 م أعربوا عن الموافقة أو الموافقة بشدة على أن العقار هو أفضل استثمار لحاملي الأدوات الاستثمارية طويلة الأجل. وتوقعت الردود في ذلك المسح ارتفاع الأسعار في المستقبل بنسبة تتراوح ما بين 6% و 15 % حسب الموقع.
غير أن ذلك التصاعد المطرد في الأسعار الإسمية للمساكن لم يتحول دائما إلى زيادة حقيقية في الأسعار حين يؤخذ التضخم العام في الحسبان.
ويظهر الشكل (1) أن الأسعار الحقيقية للمساكن شهدت موجتين دوريتين في الفترة من عام 1975 م حتى عام 1995 م، تمثلتا في ارتفاع بعد عام 1975 م، تلاه انخفاض في بداية ثمانينات القرن الماضي، ثم ارتفاع مرة أخرى تلاه انخفاض في بداية التسعينات. ففي الفترة من عام 1975 م إلى عام 1995 م فاق معدل الزيادة في أسعار الإسكان معدل التضخم، ولكن ليس بقدر كبير. وبعد منتصف التسعينات من القرن الماضي شهدت الأسعار الحقيقية للمساكن موجة صعود قوية ومتواصلة حتى عام 2005 م الأمر الذي جعل العقار السكني ليس استثمارا عظيما فحسب، بل أصبح في نظر الكثير من الناس استثمارا جد آمن ([2]).
وهنالك عوامل متنوعة تحدد الطلب على المباني السكنية، منها ثلاثة تحظى بأهمية خاصة من حيث أثرها على دفع زيادات الأسعار. وقد تحدثنا في الفقرات القليلة السابقة عن العامل الأول منها، فارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تنامي التوقعات لزيادات أخرى في المستقبل، فتنخفض الكلفة الفعلية لامتلاك المسكن، حيث إن الربح الرأسمالي المتوقع من امتلاك المسكن يمثل جزءا مرتجعا من كلفة الملكية الحالية. وحين يشهد الناس ارتفاع الأسعار عاما بعد عام ويشهدون من حولهم من يستثمرون في المساكن قد تنشأ (كما حدث بالفعل) عدوى توقعات زيادات الأسعار فيؤدي ذلك إلى حدوث الزيادات واستمرارها. والعامل الثاني يتمثل في ارتفاع الدخل الأسري الذي يزيد القدرة على تحمل أعباء قروض الرهن العقاري الضخمة فيزيد الطلب على الإسكان. وخلال الفترة من عام 1995 م إلى عام 2000 م ارتفع نصيب الأسرة من إجمالي الدخل القومي بصورة ملحوظة، ومن ثم ساهم في زيادة الطلب. ومهما يكن، فإن الشكل (1) يظهر أن الزيادة في أسعار المساكن فاقت نمو الدخل الأسري بدءا من عام 2000 م. وتتمثل إحدى المؤشرات الدالة على التصاعد الكبير في أسعار المساكن في تحرك تلك الأسعار صعودا بسرعة فاقت الزيادة في مستوى دخل الأسرة الحقيقي، حيث كان الناس يجهدون أنفسهم من أجل شراء المساكن ([3]).
والعامل الثالث هو أسعار الفائدة. فعقب الارتفاع الكبير الذي حققته أسعار الفائدة الإسمية إبان الفورة التضخمية في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي أخذت تلك الأسعار في التراجع بعد ذلك، واستمرت في اتجاهها التنازلي إلى عهد قريب جدا. أما أسعار الفائدة الحقيقية (المعدلة على أساس التضخم) فلم تنخفض بنفس القدر وإن كانت قد انخفضت أيضا. ومن وجهة نظر سوق إقراض الرهن العقاري، فإن أسعار الفائدة الاسمية تعذ أكثر صلة بالأمر من أسعار الفائدة الحقيقية طالما أن الموافقة على قرض الرهن العقاري تعتمد عادة على أن المقترض سيصبح قادرا على أداء الدفعات الشهرية التي تعتمد في معظمها على مطالبات الفائدة الاسمية. وبغض النظر عن ذلك، فإن انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية والاسمية معا إلى ما دون مستواهما خلال عدة سنوات مضت أفضى إلى زيادة الطلب على الإسكان الممول بالرهن.
الشكل (1) الأسعار الحقيقية للمساكن والدخل الحقيقي للأسرة (1976 م= 100)
وسعر الفائدة على قروض الرهن العقاري التقليدية لثلاثين عاما.
إن فقاعات أسعار الأصول تنطوي على دورة ذاتية لإعادة التعزيز، حيث تعمل فيها زيادات الأسعار على إطلاق مزيد من الزيادات، ولكن عندما يأخذ مستوى أسعار الأصول في التصاعد إلى حيث يتجاوز الأساسيات الاقتصادية تصبح فقاعة الأسعار أرقا شيئا فشيئا إلى أن تنفجر في النهاية. وعند تلك النقطة قد ينعكس عمل الدورة حين يهرع الناس للتخلص من الأصول قبل أن تشهد أسعارها مزيدا من الانخفاض (انظر الإطار رقم 1). وقد كان هذا هو نمط فقاعة الارتفاع الوهمي في أسعار أسهم تقنية المعلومات “the dot com bubble” ” في أواخر تسعينات القرن الماضي حين افتتن المستثمرون بما تعد به التكنولوجيا الجديدة فدفعوا بأسعار أسهم التكنولوجيا إلى حيث لم يبق لها أفق معقول لنمو المكاسب، فانهارت أسهم معينة، ثم هوت فجأة معظم أسهم التكنولوجيا. أما بالنسبة للزيادة الوهمية في أسعار الإسكان فقد شهدت بعض الأسواق ارتفاعا شديدا أدى إلى خنق الطلب. وفي آخر الأمر تزايد التوجس خيفة من أن تتجه الأسعار المتصاعدة نحو التباطؤ (ما حدث بالفعل في 2005 م) ثم تنخفض في نهاية المطاف، وقد كان ذلك في 2007 م وفق كل من مؤشر كيس وشيلر ” “Case – Shiller”، ومؤشر مكتب مراقبة مؤسسات الإسكان الاتحادية ([4]).
إن ارتفاع أسعار الإسكان لم يكن بصورة متماثلة في جميع أنحاء القطر، وتلك حقيقة لا بد من المواءمة بينها وبين القصة التي سردناها عن أسباب فقاعة الأسعار. فإن كانت ثمة جهة وطنية أو عالمية تسببت في طفرة الأسعار، فلم لم تعم تلك الأسعار كل السوق؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تكمن في امتلاك بعض أجزاء القطر أراض كافية متاحة للبناء، لذا فإن انخفاض أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وشروع أسعار المساكن في الارتفاع شجع في مثل هذه الحال على انطلاق طفرة إنشائية وزيادة في عرض المساكن. لقد ارتفعت الزيادة السنوية في المساكن من 1.35 مليون عام 1995 م إلى 2.07 مليون عام 2005 م، وكان نصيب الجنوب والغرب 1.52 مليون مسكن من عرض المساكن الكلي البالغ 2.07 مليون مسكن عام 2005 م. ومن ناحية أخرى فإن نمو الطلب على المساكن تجاوز العرض في المناطق الآخذة في النمو السريع مثل المدن في لاس فيغاس وكاليفورنيا والساحل الغربي، حيث أعاقت القيود المفروضة على نمو المناطق السكنية زيادة عرض الأراضي. وقد كانت هنالك زيادة جد متواضعة في أسعار المساكن في الغرب الأوسط نظرا لتناقص العمالة والسكان في المدن القديمة التي كانت تعتمد على الصناعات التحويلية. لذا فإن الإجابة على اللغز هي أنه في الوقت الذي امتد فيه أثر العوامل المشجعة على زيادة الأسعار إلى نطاق واسع (خاصة أسعار الفائدة المنخفضة)، كان أيضا أثر ذلك على ارتفاع الأسعار، وعلى مدى تطور التضخم الوهمي، رهينا بالظروف المحلية ([5]).
وثمة ملاحظة أخرى حول هذه المسألة تستشف من النظر إلى الدل الأخرى. فقد كان انخفاض أسعار الفائدة ظاهرة عالمية، وقد شهدت معظم الدول المتقدمة ما نتج عن ذلك من زيادات في أسعار المساكن ([6]). فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار المساكن في المملكة المتحدة بنسبة 70 % في الفترة من عام 1998 م إلى عام 2007 م. في بعض الدول كانت هنالك فترات انخفاض لاحقة في الأسعار توحي بحدوث فقاعة في الأسعار كالتي حدثت في الولايات المتحدة. وعموما، فإن تجارب الدول الأخرى تدعم وجهة النظر القائلة بأن انخفاض أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري شكل عاملا رئيسا في إطلاق التصاعد المطرد لأسعار المساكن (انظر غرين وواتشر “Green & Watcher” 2007 م).
التغير في أنواع إقراض الرهن العقاري
وتدهور معايير الإقراض
عندما كان الاقتصاد يتعافى من ركود 2001 م كان التوسع في إقراض الرهن العقاري موجها صوب قروض الرهن العقاري الممتازة، ولكن عندما تواصلت الطفرة اتجه الشق الأكبر من الإقراض إلى ما يسمى بالإقراض غير الممتاز “non-prime lending” الذي يشمل الإقراض دون الممتاز “subprime lending “، وإقراض بدائل الأوراق المالية من فئة “Alt- A” وإقراض أسهم المساكن. وبالرغم من أن مصطلح المقترض دون الممتاز “subprime borrower” لم يحظ بتعريف دقيق، فإنه يعني عموما المقترض ذا التاريخ الائتماني الضعيف (أي الذي لديه أقل من 620 نقطة أو نحو ذلك بمقياس فيكو “FICO”)، ويحصل على القروض بسعر فائدة أعلى. أما المقترضون من الفئة Alt- A فيعتبرون أقل
مخاطرة (بقدر يسير) عن المقترضين دون الممتازين، غير أنهم ليسوا ممتازين تماما، وهم يفوقون المقترضين دون الممتازين من حيث النقاط الائتمانية ولكن توثيق دخلهم ضعيف أو معدوم.
ويوضح الشكل (2) التحول الذي حدث مؤخرا نحو الإقراض “غير الممتاز”. ففي عام 2001 م بلغت قيمة ما تم إنشاؤه من قروض الرهن العقاري 2.2 ترليون دولار أمريكي، منها نسبة 65% في هيئة قروض تقليدية منضبطة قانونا، وقروض لإدارة الإسكان الاتحادية، وقروض لوزارة شؤون المحاربين القدماء، و 20 % قروض رهن عقاري ممتازة ضخمة أصدرت لأصحاب الملاءة الائتمانية المميزة الراغبين في شراء منازل باهظة الأثمان بحيث لا يتسنى جعل قروضها منضبطة قانونا. وهذا يعني أن 85% من القروض التي تم إنشاؤها في عام 2001 م كانت من الصنف الممتاز. وقد شهد العامان التاليان لعام 2001 م توسعا ضخما في إقراض الرهن العقاري. ففي عام 2003 م صدر من القروض ما قيمته 4 ترليون دولار أمريكي، وظل نصيب قروض الرهن العقاري الممتازة محافظا على نسبة 85%، نظرا لتضخم حجم قروض الرهن العقاري المنضبطة قانونا.
وعقب عام 2003 م انخفض الحجم الكلي لإقراض الرهن العقاري إلى حوالي 3 ترليون دولار سنويا في الفترة من عام 2004 م إلى عام 2006 م، غير أن نصيب الإقراض دون الممتاز وإقراض أسهم المنازل شهد توسعا ملحوظا، بينما انخفض نصيب قروض الرهن العقاري الممتازة إلى نسبة 64% من الحجم الكلي لقروض الرهن العقاري عام 2004 م، ثم إلى 56 % عام 2005 م، ثم إلى 52 % في عام 2006 م. أي أن ما يقارب نصف ما تم إنشاؤه من قروض الرهن العقاري عام 2006 م كان بمثابة قروض رهن عقاري دون الممتازة، أو من الفئة Alt-A، أو أسهم مساكن. ومن هنا يتضح التغير الكبير الذي طرأ على أنماط الإقراض منذ عام 2004 م.
الشكل (2)
إجمالي قروض الرهن العقاري المنشأة حسب النوع: مع نصيب كل منتج، بالمليار، بالنسبة المئوية.
الإطار رقم (1): طفرة قروض الرهن العقاري، في إطار نظريات الفقاعات التضخمية، “Bubble Theories”
إن الأحداث التي أدت إلى الأزمة الراهنة تتفق إلى درجة كبيرة مع بعض النظريات العامة حول كيفية تشكل الفقاعات التضخمية. مثلا، بختشانداني وهيرشليفر وولتش “Bakhchandani. Hirshleifer& Welch” (1992 م) طوروا نظرية حول أسباب إقدام الأشخاص الراشدين على سلوك القطيع الذي من شأنه أن يؤدي إلى فقاعة تضخمية ناشئة عن السلوك الاقتصادي المبني على الوهم. فقد أنشأ بختشانداني” “Bakhchandani” ومن معه نموذجا نظريا يبني فيه الأفراد قراراتهم على أحكامهم الذاتية وأحكام الآخرين. فإذا شاهد الفرد كل من حوله يختارون طريقا بعينه قد يستنتج من ذلك أن الجميع على صواب، حتى إذا كانت قناعته الشخصية عكس ذلك. وقد أطلق المؤلفون على هذه الظاهرة مصطلح شلال أو تيار المعلومات “information cascade”. ففي السوق حيث يلاحظ الأفراد أفعال غيرهم قد يطغي سلوك القطيع على أحكام من يتمتعون بالرشد. وهذا النوع من العدوى الاجتماعية قد يجدي كثيرا في إيضاح كيف أن مالكي المساكن، ومنشئي قروض الرهن العقاري، وحاملي السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، والجهات التنظيمية، بل كل فرد، قد علقوا جميعا بفقاعة سلوك مبني على الوهم تبين فيما بعد أنها كانت آيلة إلى الانفجار.
ومن النظريات الأخرى التي تفسر فقاعات الأسعار الناشئة عن السلوك الاقتصادي المبني على التوهم، وحظيت باهتمام واسع في وسائل الإعلام نظرية الاقتصادي هايمان مينسكي”Hyman Minsky” الذي ذهب إلى أن الأسواق المالية تتصف ذاتيا بعدم الاستقرار، ومن ثم طور نظرية لدورة الفقاعة التضخمية تفسر بصورة وافية الفقاعة التي شهدتها مؤخرا أسواق المساكن. وكما يرى مينسكي “Minsky” فإن تشكل الفقاعة يتم في خمس مراحل. المرحلة الأولى: هي مرحلة التحول، وفيها يشعر المستثمرون بالاستثارة حيال شيء ما، سواء أكان ذلك الشيء هو شركات تقنية المعلومات، أو أكمام زهر التيوليب في هولندا القرن السابع عشر، أو قروض الرهن العقاري دون الممتازة. والمرحلة الثانية هي مرحلة الطفرة: وفي هذه المرحلة يشرع المضاربون في جني العائدات الضخمة، وعند رؤية تلك العائدات يدخل المزيد من المستثمرين السوق. والمرحلة الثالثة هي مرحلة الشعور بالنشاط والخفة: وعندها يكتظ السوق بالجموع المتزايدة، فيقبل المقرضون والبنوك على إتاحة الائتمان للمزيد من المقترضين المشكوك في ملاءتهم، ويخفضون معايير الإقراض (أي يقبلون على إقراض المقترضين ذوي الدخل غير الموثق، أو تقديم قروض ترتفع فيها نسبة القرض إلى قيمة الأصل الممول)، ويبتدع المهندسون الماليون أدوات جديدة تتسنى من خلالها زيادة التعرض في السوق (أي التزامات الدين المغطاة بالضمانات، ومبادلات الإعسار الائتماني)، ويحدث اندفاع يائس من قبل المشاركين الجدد للظفر بنصيب فيما يجري. وفي واقع الأمر قد تتخذ هذه الخطوة الثالثة حجما كبيرا من حيث ما تنطوي عليه من أثر ظاهرة “تيارات المعلومات “، وسلوك القطيع. والمرحلة الرابعة هي مرحلة أخذ الأرباح: وهنا تبلغ الفقاعة ذروتها، ويأخذ المستثمرون الأذكياء أرباحهم ويغادرون السوق. وتطلق عملية أخذ الأرباح هذه العنان للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة الهلع: فحالما تبدأ فقاعة التضخم في الانحسار، يحل التشاؤم مباشرة محل الحماسة، ويسعى المستثمرون إلى التخلص، بأسرع ما يمكن، من أصولهم التي أصبحت الآن سيئة الطالع. وفي ظل تلك الأزمة تجد البنوك قيم أصولها آخذة في الانحدار، ويمتنع مقرضوها عن إعادة تدوير ديونهم فتضطر إلى المزيد من إنقاص نسبة الدين في مواردها لإصلاح وضع مطلوباتها. وتظهر عندئذ لحظة تعرف بــ لحظة مينسكي “Minsky moment” عندما تضطر البنوك وكذلك المقرضون إلى التخلص حتى من أصولهم الآمنة لسداد المطلوبات المستحقة.
وقد ذهب مينسكي”Minsky” إلى أبعد من ذلك في عمل نشره عام 1992 م بشأن “فرضيته الخاصة بعدم الاستقرار المالي ” حيث يرى أن لا مناص للاقتصادات من إفراز الفقاعات التضخمية. ففي الأوقات الجيدة تزيد البنوك من وضعية مخاطرة أصولها للحصول على عائدات عالية، وتقترض أكثر فأكثر لتمويل تلك الأصول وزيادة ربحيتها. ومن ثم يرى مينسكي “Minsky” أن الأسواق المالية تتسم بخاصية ذاتية من عدم الاستقرار.
وهنالك بالطبع نظرة بديلة تؤمن بكفاءة الأسواق، وتقول بأن الأفراد مستثمرون مستقلون عقليا، وأن أسعار الأصول تعكس المعلومات التي يحصل عليها كل فرد. وتترتب على هذا مقولة أن السوق أكثر حكمة من كل شخص مفرد. ووفقا لهذه النظرة فإن ظاهرة الإفراط في قبول المخاطر ليست خاصية ذاتية في الأسواق بل مشكلة خلل أدبي تقع مسؤوليتها على السياسات الحكومية التي تؤمن الودائع وتقوم بنجدة البنوك التي تقع في مشكلات. ووفقا لإفادة قدمها للكونجرس ألان غرينسبان ” “Alan Greenspan”في الثالث والعشرين من أكتوبر من عام 2008 م، فإننا في الوقت الذي نستطيع فيه أن نرد ما حدث إلى فشل السياسات الحكومية، نجد أن إخفاقات الأطراف الخاصة المشاركة في السوق تقع في قلب الأزمة. وقد درس روبرت شيلر “Robert Shiller” الفقاعات الناشئة عن المضاربة في الأسعار”speculation”، وقام بتحليل دورات سوق الأسهم وأسعار الأصول الأخرى بناء على الحماسة غير الرشيدة في الأسواق “irrational exuberance”. وكتب شيلر “Shiller”، بوقت طويل قبل وقوع الأزمة عن المخاطر المتعلقة بفقاعة في أسواق العقار، كما قد م تحليلا للأزمة الحالية عام 2008 م.
لقد كانت الفترة من عام 2001 م إلى عام 2007 م من أكثر الفترات تواضعا من حيث معدلات النمو في دخل الأسرة، غير أن معدل استهلاك الأسرة استمر في النمو نظرا لاستمرار انخفاض معدل الادخار الشخصي الذي كان متدنيا أصلا. وأخذ الأمريكيون يستخدمون الثروة المتزايدة الكامنة في قيم مساكنهم لتمويل الاستهلاك. وقد قدر غرينسبان وكنيدي (2007 م) ما اقتطعه ملاك المساكن في هيئة أسهم صافية في ذروة الطفرة الإسكانية عام 2005 م بحوالي 743.7 مليار دولار أمريكي، مقارنة بمبلغ 229.6 مليار دولار عام 2000 م، ومبلغ 74.2 مليار دولار عام 1992 م. إن الارتفاع في أسعار المساكن هو الذي مهد السبيل إلى فورة الاقتراض التي تم تمويلها بدرجة كبيرة بطفرة في
قروض الأسهم السكنية (الموضحة في الشكل 2) من خلال إتاحة المجال لمالكي المساكن للاقتراض بضمان القيم المتصاعدة لمساكنهم ([7]). بالإضافة إلى ذلك فقد كان هنالك توسع في تقديم القروض للأسر منخفضة الدخل عالية المخاطر الائتمانية، من جهات تشمل مؤسستي فاني مايي “Fannie Mae” وفريدي ماك “Freddie Mac” اللتين استهدفتا توسيع ملكية المساكن، لما يترتب على ذلك من فوائد في الحفاظ على علاقات الجوار.
وقد كان هنالك تدهور في معايير الإقراض عموما يعود إلى العام 2004 م أو 2005 م. فالأسر التي كانت بحاجة إلى الدخل أو الدفعة الأولى المقدمة كي تقوم بشراء منزل وفق شروط قرض الرهن العقاري المنضبط قانونا، وجدت التشجيع على أخذ قروض رهن عقاري ترتفع فيها قيمة القرض إلى ما يقارب قيمة المسكن المراد شراؤه أو تساويها أحيانا (وقد تلجأ بعض الأسر إلى استخدام رهن ثان أو ثالث في كثير من الحالات). لذا فإن مثل تلك الأسر تبدأ بغير أسهم ابتدائية أي بغير حصة مالية حقيقية في المسكن. واقتراض كهذا يتطلب سعر فائدة مرتفع وقسط شهري كبير نسبيا مما يؤدي إلى الإخلال بالقوانين المعتادة لتخصيص جزء من دخل الأسرة لخدمة الدين. وقد التف منشؤو قروض الرهن العقاري حول هذه المشكلة بتقديم قروض الرهن العقاري ذات الفائدة القابلة للتعديل، التي تنشأ عنها دفعات ابتدائية منخفضة تستمر إلى عامين أو ثلاثة قبل تعديلها إلى دفعات شهرية كبيرة. وأسعار الفائدة هذه التي تسمى أسعار فائدة تشويقية “teaser rates” لا تكون، في كثير من الأحيان، منخفضة جدا، لكنها تكون منخفضة بما يكفي لإنفاذ قرض الرهن العقاري ([8]). وكان المقترضون يخطرون بأن أسعار مساكنهم سترتفع في غضون عامين أو ثلاثة بما يمكنهم من إعادة تمويل القرض. وظلت أسعار المساكن ترتفع بنسبة تراوحت ما بين 10 % إلى 20% ولمدة عام في العديد من المواقع، موحية بأن استمرار هذا الوضع يعني أن عملية الاقتراض بالرهن العقاري التي يكون فيها القرض يعادل نسبة 100 % من قيمة المسكن سيصبح القرض فيها خلال وقت قصير يعادل نسبة 80% فقط من قيمة المسكن. وسيتسنى للأسرة تبعا لذلك الحصول على تمويل جديد بصيغة قرض رهن عقاري منضبط قانونا أو قرض ممتاز ضخم بشروط أفضل.
وهنالك صناعة مفعمة بالحيوية في الولايات المتحدة تقدم الإرشادات للراغبين في تكوين ثروة من خلال شراء العقارات السكنية وإعادة بيعها بهامش ربح. فقد كانت سوق ميامي للملكيات العقارية المشتركة مكانا مفضلا للمضاربة العقارية، حيث درج المستثمرون على شراء العقارات مشتركة الملكية بأسعار ما قبل الإنشاء وبيعها بعد وقت وجيز بهامش
ربح. إن الطلب الناشئ عن المضاربة الشراء بغرض تحقيق ربح قصير الأجل قد أضيف في هذه الحال إلى الطلب الكلي للمساكن ([9]).
إن ممارسات الاحتيال، بحكم طبيعتها، يصعب تقويمها بناء على الحالات المكتشفة فقط، غير أن التقارير الصحفية والمقابلات تشير إلى أن إخفاء الحقيقة وحالات الاحتيال الظاهرة شكلت أهمية في الطفرة العقارية (وفي الأزمة التالية لها). وفي ضوء بيانات شبكة إنفاذ القوانين المتعلقة بالجرائم المالية “Financial Crimes Enforcement Network” ظل عدد حالات الاحتيال المسجلة في مجال إقراض الرهن العقاري في ازدياد كل عام منذ أواخر تسعينات القرن الماضي ليصل إلى 53000 حالة عام 2007 م، مقارنة بحوالي 3500 حالة عام 2000 م ([10]). فقد كذب بعض المقترضين بشأن دخولهم، وعما إذا كانوا يزمعون العيش في ما اشتروا من مساكن أم لا، وحجم ديونهم. كما أن نقاط الائتمان يمكن
تحويرها، مثلا، من قبل ممن يصبحون موقعين على حسابات الائتمان الخاصة بأصدقائهم أو أقاربهم ذوي التصنيف الائتماني الجيد. وبدون أن ينتظم هؤلاء بأنفسهم في سداد القرض يستطيعون الحصول على التصنيف الائتماني العالي الخاص بسواهم. وثمة ممارسة احتيالية أخرى تظهر لدى المضاربين. فإن مقدمي قروض الرهن العقاري يرغبون في معرفة ما إذا كانت الأسرة ستستغل المنزل أو الوحدة السكنية المشتراة، أم ستؤجرها، أم ستبيعها. ومعرفة هذه النواحي لها أهمية بلا شك في تقدير احتمالات عدم الالتزام بالسداد، أو القدرة على تعجيله، وكلتا الناحيتين لها تأثيرها من حيث الكلفة بالنسبة للمقرض. نحن لا ندري كم هي حالات التأخر في سداد قروض الرهن العقاري التي كانت فيها الأملاك قد استغلت من قبل غير مالكيها، ولكننا سمعنا عن إحصاءات تقدرها في حدود 40 إلى 50 بالمائة.
إن تحريف الحقائق من قبل المقترضين، وممارسات التضليل من قبل المقرضين مسألتان مرتبطتان ببعضهما في معظم الحالات. فسمسار الرهن الذي يتلقى دخله عن طريق العمولة قد يقود المقترض خلال عملية تقديم الطلب مقترحا عليه المواضع التي ينبغي أن يغير فيها الإجابة، أو تلك التي ينبغي أن يتفادى عندها المعلومات المدمرة. وفي بعض الأحيان قد تلتبس الرؤية عند الخط الفاصل بين قيام السمسار بمساعدة الأسرة على إتمام عملية التقديم بحيث تتمكن من شراء المنزل الذي تستطيع تحمل كلفته، والحال التي يتواطأ فيها السمسار ومقدم الطلب على الكذب المتعمد.
وبالنظر إلى البيانات يتضح أن تدهور معايير الإقراض إبان فترة الطفرة كان ملحوظا. فقد ارتفع نصيب القروض الممتازة التي تم إنشاؤها بوصفها قروض رهن عقاري ذات أسعار فائدة قابلة للتعديل من 51% إلى 81% في الفترة من عام 1999 م إلى عام 2006 م، بينما قفزت قروض الرهن العقاري من الفئة Alt-A من 6% إلى 70% خلال نفس الفترة. ويتضح أيضا التدهور في معايير الإقراض بالنظر إلى نسبة القيمة المجمعة للقرض إلى قيمة العقار (تحتسب هذه النسبة بتجميع كل حقوق الرهن على العقار) حيث قفزت هذه النسبة، بالنسبة للقروض دون الممتازة، من 79% إلى 86%. بالإضافة إلى ذلك فقد انخفض نصيب القروض دون الممتازة مكتملة المستندات من 69% إلى 58%، ونصيب قروض Alt-A مكتملة المستندات من 38% إلى 16 % ([11]).
ويتضمن الشكل (3) مزيدا من الإيضاح لما حدث مع تقدم الطفرة من تحول نحو الإقراض الأكثر مخاطرة، فيبرز الشكل نسبة قروض الرهن العقاري التي تم إنشاؤها لشراء المساكن وتم إصدارها وفق نظام سداد الفائدة فقط”interest only”، أو نظام الإطفاء المنقوص للقرض “negative amortization loan provisions” (لا تشمل هذه البيانات إعادة التمويل) “refis”. والشخص الذي يقترض على أساس سداد الفائدة فقط يقوم بسداد دفعة شهرية منخفضة نسبيا نظرا لعدم وجود سداد لأصل التمويل. ولما كان سداد الأصل في السنوات القليلة الأولى من قرض الرهن العقاري، في المعتاد، ضئيلا جدا فإن هذا الوضع لا يشكل مسألة ذات أهمية في المدى القصير، وإن كان الأثر سيأخذ في الازدياد مع مرور السنين. أما القرض منقوص الإطفاء فيذهب إلى أبعد من ذلك حيث إن المقترض لا يدفع مبلغ الفائدة المستحقة في كل شهر كاملا، ومن ثم يصبح الرصيد غير المسدد في تزايد عبر الزمن. ومثل هذا القرض الرهني قد يبدو مقبولا للأسر التي تتزايد دخولها مع مرور الزمن، وعندما تكون أسعار المساكن في ارتفاع، غير أنه يضيف قدرا معتبرا من المخاطر للمقترض والمقرض معا.
وإجمالا فإن طفرة إقراض الرهن العقاري قد استندت إلى أسعار الفائدة المنخفضة، والتيسير في ممارسات الإقراض. فحين أقدمت الأسر على استخلاص النقد من الثروة الكامنة في مساكنها لإنفاقه في الاستهلاك، تمكنت الأسر الأقل ملاءة ائتمانية من شراء المساكن، واستطاع المضاربون شراء المساكن على أمل تحقيق ثروة عن طريق إعادة بيعها. إن معايير الإقراض المتراخية تشكل إحدى خصائص السلوك التقليدي إبان ظواهر فقاعات الأسعار. لقد ظهر الاحتيال، وعدم توخي الحيطة اللازمة، وممارسات التضليل، لدى جانبي صفقة قرض الرهن العقاري، وعندما ظلت أسعار المساكن ترتفع بصورة جيدة، تمكن النظام جميعه من الاستمرار، وحتى الخداع والتضليل صار من الممكن إخفاؤهما وراء قدرة المقترض على إعادة التمويل، لتفادي الإخلال بشروط قرض الرهن العقاري والحفاظ على ما لديه من أسهم (إن كان ثمة شيء لديه).
ومن أجل الاستفادة من التجربة، يمكننا النظر إلى الوراء لنرى أن بعض منتجات إقراض الرهن العقاري المبتكرة قد ساهمت في الأزمة التي تحل بنا الآن. ومهما يكن، نود أن ننوه هنا إلى أن هذا التحليل لا ينبغي أن يفسر على أنه دعوة إلى الحد من الابتكارات المالية. لقد كانت هنالك فوائد جمة لأولئك الذين استخدموا المنتجات المبتكرة بطريقة سليمة. فالأسر الشابة تواجه في كثير من الحالات وضعا صعبا حين تحاول الحصول على مسكن. فمثل هذه الأسر تكون في مرحلة مبكرة من المستقبل الوظيفي، ودخولها متواضعة، في الوقت الذي تواجه فيه نفقات أطفالها صغار السن. وامتلاك مسكن في جوار جيد وبالقرب من مدارس جيدة يشكل لدى هذه الأسر أمرا ذل أولوية أمنية، غير أن معظم تلك الأسر يفتقر إلى الدفعة الأولى الضرورية والقسط الشهري للقرض، خاصة في المناطق مرتفعة الكلفة مثل كاليفورنيا والساحل الشرقي.
الشكل (3)
نصيب قروض سداد الفائدة فقط وقروض الإطفاء المنقوص، من قروض الرهن العقاري الكلية المنشاة بغرض شراء مساكن (بدون قروض إعادة التمويل)، 2000 م –2006 م، النسبة المئوية
وقد ترى الأسرة أنها، في ضوء دخلها المتوقع عبر مسيرتها الحياتية، تستطيع شراء المنزل، لكنها تواجه عائق الافتقار إلى السيولة في الوقت الراهن. وقد تلتمس بعض الأسر المساعدة من أعضائها الأكبر سنا، إلا أن ذلك لا يتسنى لها جميعا. لذلك فإن قروض الرهن العقاري ذات الأقساط المنخفضة في السنوات القليلة الأولى والدفعات الأولية البسيطة تهيئ السبيل إلى التعامل مع هذه المشكلة.
وإجمالا، فإن هنالك حاجة إلى إعادة معايير الإقراض إلى وضعها السليم في أعقاب الأزمة، على أن هذا لا ينبغي أن يعني، على سبيل المثال، إلغاء قروض الرهن العقاري ذات أسعار الفائدة المتغيرة أو الدفعات الأولية البسيطة للمقترضين بالصيغة الائتمانية السليمة.
الحوافز الاقتصادية في أسواق إنشاء الإسكان
وقروض الرهن العقاري
إن الترتيبات القانونية والمؤسسية السائدة في سوق الإسكان في الولايات المتحدة قد أنتجت نمطا من الحوافز كانت له مساهمة في ما حدث. أولا بعض الميزات الحمائية المهمة التي أتيحت للأسر. وهذه تختلف من ولاية إلى أخرى، ولكن في معظم الولايات يسمح بسداد قرض الرهن العقاري مبكرا دون التعرض إلى إجراء جزائي. وهذا الخيار يعني أن الأسر لاقت التشجيع على أخذ قروض الرهن العقاري التي تبدو جيدة في المدى القصير، لكنها ليست كذلك في السنوات المستقبلة. وظنت الأسر أنها تستطيع إعادة التمول في وقت لاحق وبشروط أفضل دون التعرض إلى غرامة سداد مبكر.
وفي بعض الولايات يتم التعاقد بشرط “عدم الرجوع على المقترض ” أي إذا توقفت الأسرة عن الدفع، وأصبحت مخلة بالسداد، يستطيع المقرض الاستيلاء على المنزل (المرهون كضمان للقرض)، لكنه لا يستطيع رفع دعوى قضائية لاسترداد ما يتحمل من خسائر إذا لم يكف المبلغ المتحصل من بيع العقار لسداد قرض الرهن العقاري وتغطية مصاريف البيع والمصاريف القانونية. ومن حيث المبدأ فإن هذا يتيح للأسرة الإفلات سالمة إذا عجزت أو لم تشأ الوفاء بدفعات القرض. وبالرغم من أن شرط عدم الرجوع على المقترض قد يوفر حماية مهمة للأسر التي تواجه فقدان وظيفة أو مصاريف طبية غير متوقعة، فإنه قد يساء استخدامه من قبل المقترضين، أو يشجع على الإفراط في الاقتراض. وفي نسبة كبيرة من حالات عدم السداد في الأزمة الحالية اكتفى المقترضون بإرسال مفاتيح المنازل عبر البريد ولم يتكبدوا حتى مشقة الاتصال بالمقرض للعمل على إيجاد تسويات لتفادي مشكلة الإخلال بالسداد. وثمة جدل يجري حول أهمية هذه المسألة. فمن ناحية هنالك تقارير تفيد بأن أكثر الولايات التي كانت عرضة للإخلال بسداد قروض الرهن العقاري هي الولايات التي تكفل حق عدم الرجوع على المقترض. ومن الناحية الأخرى، فإن الجهات المقرضة نادرا ما تجد مقاضاة المقترضين أمرا مجديا حيث إن قيام بنك كبير بمقاضاة أسرة فقيرة تواجه مشكلات يعد أمرا تحجم معظم البنوك عن أخذه إلى المحاكم.
ولعل أكثر الحوافز فسادا في سوق إنشاء قروض الرهن العقاري هو حق منشئ القرض في بيع القرض المكتمل مباشرة ونقله من دفاتره إلى مؤسسة مالية أخرى. معظم قروض الرهن العقاري حاليا يقوم بإنشائها مختصون وسماسرة لا يقدمون لها التمويل مباشرة، بل تقوم المؤسسة المنشئة بتوفير التمويل الابتدائي لقرض الرهن العقاري ثم تبيعه على الفور لمؤسسة مالية أخرى، لتحتفظ به في موازنتها العمومية أو تضيفه إلى حزمة من قروض الرهن العقاري الأخرى ليتم توريقها ([12]). والمسألة الأساسية هنا هي أن المؤسسة التي تنشئ القرض سيكون لديها حافز مالي ضئيل جدا أو قد تفقد الحافز الذي يدفعها نحو التأكد من جودة القرض. ومعظم السماسرة والمختصين يتلقون أجورهم بحسب حجم ما أنجزوا من قروض. ومن ثم فإن لدى هؤلاء حافز للحفاظ على سرعة دوران عجلة الاقتراض، حتى إذا كانت ستقود إلى قروض متزايدة المخاطر.
وقد قدم ميان وصوفي”Mian & Sufi” (2008 م) الدليل على أن العديد من الزيادات المتناهية الضخامة التي حدثت في أسعار المساكن في الفترة من عام 2001 م إلى عام 2005 م (وبالتالي الانهيارات الضخمة وحالات الإغلاق في الفترة من عام 2005 م إلى عام 2007 م) حدثت في المناطق التي شهدت ارتفاعا شديدا في نصيب قروض الرهن العقاري التي باعها منشؤوها عقب الإنشاء بزمن وجيز. وقد أطلق ميان وصوفي “Mian & Sufi” على هذه العملية اسم نقض الوساطة “disintermediation” (ولكنها مرادفة للمرحلة الأولى من التوريق التي تحدثنا عنها قبل قليل). كما اتصفت تلك المناطق أيضا بقدر كبير من الطلب الكامن منذ تسعينات القرن الماضي، أي أن مجموعة كبيرة من المقترضين ذوي المخاطر العالية كانت قد حرمت من التقديم للحصول على قروض رهن عقاري. ومن خلال تمكين منشئي قروض الرهن العقاري من تمرير مخاطر قروضهم، أدت عملية نقض الوساطة إلى زيادة عرض الائتمان وشجعت على إقراض المقترضين ذوي المخاطر العالية الذين كانوا من قبل يفتقرون إلى أهلية الاقتراض، (وقد اكتشف الكاتبان أن تلك المناطق شهدت أيضا معدلات عالية نسبيا من عدم الوفاء بالالتزامات فور شروع أسعار المساكن في الانخفاض عقب عام 2004 م). وهكذا أدت عملية نقض الوساطة من خلال زيادة الائتمان المتاح للمقترضين ذوي المخاطر العالية إلى زيادة الطلب على المساكن وارتفاع أسعارها إبان سنوات الطفرة. كما لاحظ الكاتبان أن بعض المناطق التي شهدت زيادات كبيرة في أسعار المساكن، شهدت في الفترة نفسها تراجعا نسبيا في نمو الدخل والتوظيف. ومن ثم أوضح ميان وصوفي “Mian & Sufi” (2008 م) تجريبيا أن القدرة على توريق قروض الرهن العقاري دون الممتازة كانت عاملا رئيسا في زيادة فقاعة أسعار المساكن.
إن الحوافز السلبية الكامنة في نموذج إنشاء قروض الرهن العقاري من أجل بيعها تظهر أيضا في أسواق أخرى تتسم بعدم التماثل في المعلومات، أي حين يكون أحد أطراف الصفقة لديه معلومات تفوق ما لدى الطرف الآخر. فعلى سبيل المثال نجد أن معظم السائقين لديهم معلومات قليلة عن المسائل الميكانيكية، لذا حين تتعرض سياراتهم إلى مشكلات فإنهم يأخذونها إلى المختص بميكانيكا السيارات. ونظرا لأن هذا المختص أكثر علما من مالك السيارة بالسبب الذي أدى إلى المشكلة فهو يستطيع إخطار مالك السيارة بأن فيها أعطالا مكلفة لا بد من إصلاحها، حتى وإن لم تكن تلك هي الحقيقة. فالميكانيكي لديه حافز اقتصادي للمبالغة في تشخيص أعطال السيارة من أجل تحقيق مكسب مادي من إصلاحها. ومهما يكن فليس من الضروري أن يوحي لك هذا بوجود فشل في عمل السوق، إذ إن هنالك استجابات من قبل السوق لحالات عدم التماثل في المعلومات. فالأشخاص الذين يمارسون الأعمال لفترة طويلة يرغبون في اكتساب شهرة في التمتع بالأمانة وأهلية الثقة، كما يمكن استخدام منشورات مثل تقارير المستهلك “Consumer Reports” أو خدمات مثل قائمة آنجي “Angie’ s List” للعثور على منتجات وخدمات عالية الجودة. وسوق إنشاء قروض الرهن العقاري أيضا فيه استجابات لحالات عدم تماثل المعلومات شبيهة بما بيناه هنا. وقد كانت هنالك تشريعات قصد بها توفير المعلومات للمتحملين النهائيين لمخاطر عدم السداد، وحماية حقوقهم. فمثلا تقضي التشريعات بأن على كل من يقوم ببيع قرض رهن عقاري تقديم معلومات عن نقاط الائتمان الخاصة بالمقترض، ونسبة القرض إلى قيمة العقار، ومعلومات أخرى يستطيع مشتري القرض استخدامها في عملية التقويم. وهنالك الكثير من المؤسسات المالية التي ظلت تنشئ قروض الرهن العقاري لعدة سنين واشتهرت بسلامة ممارساتها.
ومما يؤسف له أن استجابات السوق لعدم تماثل المعلومات في سوق إقراض الرهن العقاري لم تحل المشكلة. وإنه لأمر يثير الدهشة إلى حد ما أن كان هذا هو الحال في السوق الثانوية حيث تمت إعادة بيع قروض الرهن العقاري. ولعل ما كان متوقعا من المؤسسات التي انتهت أخيرا إلى مخاطر تأخير السداد أن تدرك مشكلات الحوافز المتعلقة بعملية إنشاء قروض الرهن العقاري، وتتخذ الإجراءات المناسبة لمعالجتها. ومن الصعب العثور على إجابة مكتملة لعدم إقدام تلك المؤسسات على ذلك، غير أن التفسير الرئيس هو ما سلف بيانه، وهو أن الحركة التصاعدية المطردة لأسعار المساكن أقنعت، تقريبا، كل الأطراف المعنية بأن تلك الأسعار ليس أمامها سوى التصاعد، فأدت هذه القناعة إلى تدهور الرقابة ومعايير الإقراض في مجال إنشاء قروض الرهن العقاري. كما أن بقاء معدلات تأخير السداد لدى مستوى منخفض لعدة سنوات لم يدع مجالا لإدراك ما ينطوي عليه الوضع من مخاطر.
وهنالك مسألة أخرى، كما سنرى لاحقا في هذا البحث، وهي أن عملية التوريق أحدثت فجوة عميقة بين إنشاء القرض والمستثمرين الذين تحملوا في الآخر المخاطر المرتبطة به، مما جعل القيام بتحليل معقول للمخاطر أمرا بالغ الصعوبة.
التوريق وتمويل طفرة الإسكان
في النموذج القديم كانت قروض الرهن العقاري من عمل مؤسسات الادخار والإقراض، وكان تمويلها يأتي من الودائع الادخارية لعملاء التجزئة. وكانت مؤسسات الادخار والإقراض نفسها تقوم بتدقيق قروض الرهن العقاري وتتحمل المخاطر الثلاث التي تنطوي عليها: مخاطر تأخير السداد، ومخاطر السداد المبكر (الذي يؤدي إلى انخفاض العائد)، ومخاطر تغيرات أسعار الفائدة. ولما كانت لدى تلك المؤسسات مصلحة في سلامة ما تنشئ من قروض، فقد كان لديها حافز مالي لمراقبة جودة تلك القروض والتحري عما إذا كان المقترض سيقدر على سداد التزاماته أم لا. ومهما يكن، فقد كان احتفاظ تلك المؤسسات بالقروض في دفاترها أمرا مكلفا، مما أدى إلى الحد من حجم القروض التي استطاعت إنشاءها.
ثم انهار هذا النظام عند وقوع أزمة الادخار والإقراض في ثمانينات القرن الماضي لأسباب معقدة ترتبط بالحقبة التي كانت فيها المؤسسات المالية وأسعار الفائدة تخضع لضوابط تنظيمية محكمة ([13]). وللتبسيط الشديد يمكن القول بأن تلك الأزمة نشأت من مخاطر أسعار الفائدة ومخاطر عدم السداد معا. فعندما أخذت أسعار الفائدة في السوق في الارتفاع كان على مؤسسات الادخار والإقراض دفع فوائد أعلى على ودائعها لكنها لم تستطع رفع أسعار الفائدة على ما بحوزتها من قروض الرهن العقاري بالقدر الكافي. وحاولت تلك المؤسسات تفادي الإعسار بالاستثمار في الأصول الأكثر مخاطرة بما في ذلك العقارات التجارية التي تبشر بعائد مرتفع، فواجهت من ثم خسائر خطيرة ناتجة عن عدم السداد. وبسبب التشريعات التي تحد من العمل المصرفي ما بين الولايات فقد كانت محافظ قروض الرهن العقاري الخاصة بمؤسسات الادخار والإقراض مركزة جغرافيا، الأمر الذي جعلها أكثر مخاطرة (عانت أسواق إقراض الرهن العقاري السكني في تكساس وكاليفورنيا معدلات عدم سداد عالية في ثمانينات القرن الماضي). كما كانت هنالك ممارسات احتيال في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال عند انهيار مؤسسة لينكولن للادخار أدين الرئيس التنفيذي المدير العام لتلك المؤسسة، تشارلس كيتنغ “Charles H Keating”، وقضى وقتا في السجن. واستجابة لخسائر مؤسسات الادخار والإقراض أنشأت الحكومة الاتحادية مؤسسة متخصصة “Resolution Trust Corporation” كي تأخذ الأصول من دفاتر البنوك، وقد قامت تلك المؤسسة ببيعها. ونتجت عن هذه العملية خسائر ضخمة تحملها دافعو الضرائب (150 مليار دولار أمريكي تقريبا).
واتجه النظر إلى التوريق لحل مشكلات نموذج مؤسسات الادخار والإقراض، إذ إن التوريق حرر مقدمي قروض الرهن العقاري من عائق السيولة في موازناتهم العمومية. ففي حين أن النظام القديم يمكن المقرضين من تقديم عدد محدود من القروض على أساس حجم موازناتهم العمومية، فإن النظام الجديد مكن المقرضين من بيع قروضهم إلى طرف ثالث، وحذفها من دفاترهم، بل واستخدام النقود لإنشاء مزيد من القروض. وأنشأت الحكومة الاتحادية مؤسسات تحظى برعاية الحكومة، أشهرها مؤسستا فاني مايي”Fannie Mae” وفريدي ماك “Freddie Mac” اللتان أنشئتا عام 1938 م وعام 1970 م على التوالي للقيام بمهمة تمثلت بإيجاز في التالي: قامت المؤسستان اللتان ترعاهما الحكومة بشراء قروض الرهن العقاري المستوفية لشروط محددة (سميت “القروض المنضبطة قانونا”) من البنوك من أجل تسهيل إقراض الرهن العقاري، وخفض أسعار الفائدة على قرض الرهن العقاري (نظريا) ([14]). وفي بادئ الأمر مولت المؤسستان مشترياتهما من قروض الرهن العقاري عن طريق إصدار سندات دين”bonds” وكانت لهما الريادة في مجال التوريق (أي تجميع قروض رهن عقاري متفرقة جغرافيا في حزم وبيعها للمستثمرين بوصفها سندات مغطاة بقروض الرهن العقاري انظر الإطار رقم (2) أدناه). وأصدرت فريدي ماك “Freddie Mae”في شهر يونيو من عام 1983 م أول سند حديث مغطى بقروض رهن عقاري. وتعكس عائدات السند المغطى بقروض الرهن العقاري العائدات على مجمع قروض الرهن العقاري الذي أصدرت على أساسه السندات. وتحمل حاملو السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري الصادرة من المؤسستين اللتين ترعاهما الحكومة بعض المخاطر، أهمها مخاطر أسعار الفائدة. والمهم في الأمر، على أية حال، هو أن المؤسستين احتفظتا بمخاطر الإخلال بالسداد لقروض الرهن العقاري الأساسية التي أصدرت على أساسها السندات المباعة. فقد وفرت هاتان المؤسستان ضمانات للمستثمرين ضد الخسائر الناشئة عن الإخلال بالسداد، وخسائر السداد المبكر (بتضمين رسوم ضمان في سعر السند المغطى بقروض الرهن العقاري)، أو على الأقل الخسائر الزائدة عن مبلغ متوقع مضمن في معدل عائد السند المغطى بقروض الرهن العقاري عند إصداره. وهكذا حظي المستثمرون في السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري المصدرة من قبل المؤسستين اللتين ترعاهما الحكومة بالحماية من المخاطر الناشئة عن الإخلال بسداد القروض الأساسية.
وبعد ذلك كان باستطاعة المؤسستين بيع السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري في السوق المفتوحة، أو إصدار سندات دين خاصة بهما واستخدام الدخل في شراء السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري والاحتفاظ بها في دفاترهما. وقد كان باستطاعتهما أيضا شراء السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري التي تصدرها المؤسسات الخاصة، لزيادة حجم دفاترهما. وهكذا كانت المؤسستان تحققان ربحا حيث إنهما كانتا تجنيان عائدات أسعار فائدة على الأصول الرهنية تفوق ما تقومان بدفعه على ما أصدرتاه من سندات الدين.
وهذا الوضع شبيه في بعض النواحي بنموذج مؤسسات الادخار والإقراض، سوى أن فاني وفريدي”Fannie & Freddie” كان في استطاعتهما الاحتفاظ بمجمعات أكبر من الأصول المشتتة جغرافيا. بالإضافة إلى ذلك فإن هاتين المؤسستين كان ينظر إليهما على أساس أنهما تحظيان ضمنيا بغطاء ضماني من الحكومة الاتحادية (الضمان الذي أصبح فيما بعد صريحا) ولذلك كانتا تدفعان على سندات دينهما نقاط أساس قليلة فوق معدل عائد الخزانة. فهذه التغطية الحكومية الضمنية خفضت كلفة الاقتراض للمؤسستين وأتاحت لهما المجال لتضخيم موازناتهما العمومية بصورة هائلة. ومع مر السنين أصبح خط العمل هذا جد مربح للمؤسستين وانتفخت محافظ قروضهما الرهنية المحتفظ بها داخليا إلى أن واجهتا القيود التنظيمية التي نادى بها ألان غرينسبان “Alan Greenspan” وآخرون، وقد كان ألان غرينسبان آنذاك رئيسا للاحتياطي الاتحادي.
وهكذا أصبحت المؤسستان اللتان ترعاهما الحكومة من المشاركين الأساسيين في سوق إقراض الرهن العقاري، وبحلول عام 2008 م بلغ ما ملكته أو ضمنته فاني وفريدي “Fannie& Freddie” معا من ديون الرهن العقاري 5.4 ترليون دولار أمريكي. وفي شهر سبتمبر من عام 2008 م اضطرت الخزانة إلى تأميم هاتين المؤسستين وضمان مطلوباتهما لأنهما كانتا ستضطران إلى إعلان الإفلاس إن لم تفعل ذلك. وقد بلغت خسائر المؤسستين معا 5.5 مليار دولار أمريكي وفق بياناتهما المالية في الربعين الأولين من عام 2008 م. ولعل السبب الأهم لدخول هاتين المؤسستين في المشكلات هو أنهما ظنتا، مثل الكثير من الناس، أن معدلات الإخلال بالسداد مستقرة ويمكن التنبؤ بها، وأن أقصى ما سيحدث هو فقط فترات انخفاض في الأسعار على المستوى الإقليمي وليس الوطني. وحين انفجرت فقاعة التضخم الوهمي في الأسعار، واجهت المؤسستان معدلات إخلال بالسداد فاقت التوقعات، ولم يكن لديهما ما يكفي من رأس المال لتغطية خسائرهما. ذلك لأن وضعهما غير المستقر الذي رعته الحكومة أتاح لهما المجال للالتفاف حول متطلبات رأس المال، ففاقت ديونهما الحد المعقول، وفي عام 2007 م قدرت نسبة الديون إلى رأس المال لديهما بضعف هذه النسبة لدى البنوك التجارية ([15]).
إن مشكلات هاتين المؤسستين نشأت، جزئيا، مما بذلتا من جهود لتحقيق أهداف توفير الإسكان المقدور على كلفته التي رسمها الكونجرس. وظل الكونجرس يدفع المؤسستين نحو توفير مزيد من القروض للمقترضين ذوي الدخل المنخفض كي تقدما بذلك ما يبرر حظوتهما بمزايا رأس المال الناتجة عن الضمان الاتحادي الضمني المتاح لهما. وقد كانت القوانين التي تعمل في ظلها المؤسستان تقضي بعدم قيامهما بشراء القروض دون الممتازة المستقلة، غير أنهما لم تواجها قيودا في حجم ما تستطيعان شراءه من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري من الجهات الخاصة المصدرة، ثم تحتفظان به في دفاترهما. وفي واقع الأمر، قامت المؤسستان في الفترة من عام 2002 م حتى عام 2007 م بشراء ما تتراوح قيمته ما بين 340 إلى 660 مليار دولار أمريكي من الإصدارات الخاصة للسندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، من الفئة دون الممتازة والفئة ([16])Alt-A . وتشمل الخسائر الحالية في محفظتي قروض الرهن العقاري لدى المؤسستين ما هو مقيد في دفاترهما من قروض الرهن العقاري الممتازة، وقروض الرهن العقاري الأقل جودة. ذلك لأن أسعار المساكن انخفضت لدرجة جعلت الإخلال بالسداد يمتد إلى العديد من قروض الرهن العقاري الممتازة. ويشير كثير من المراقبين إلى فاني وفريدي جهتين أساسيتين متهمتين بالتسبب في الأزمة المالية، ذلك لأن الضمان الحكومي الضمني مكنهما من تضخيم موازناتهما العمومية عبر الاقتراض بأقل من أسعار السوق. فما مدى صحة هذا الاعتقاد؟ بدءا من عام 2004 م شرعت المؤسستان فعلا في شراء قروض عالية المخاطر في ظل الضغوط التي كان يمارسها عليهما الكونجرس، غير أن ذلك كان بمثابة المشاركة المتأخرة بعد أن انطلقت بالفعل مسيرة الإقراض الخاص دون الممتاز. وفضلا عن ذلك، فإن مؤسستي فاني وفريدي إذ أقدمتا على شراء السندات الخاصة المغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة دون الممتازة والاحتفاظ بها في دفاترهما، لم تقدما على تولي الصدارة في ذلك. فعلى سبيل المثال في عام 2002 م اشترت فاني ما يزيد قليلا عن 2% من السندات الخاصة المغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة دون الممتازة والفئة Alt- A. وفي عام 2004 م حين كان السوق قد شرع بالفعل في الطفرة، اشترت المؤسسة المذكورة 10 % من مجموع هذه السندات، ثم اشترت في عام 2007 م 45 % منها ([17]). لذا فإن فاني وفريدي لم تقوما بتحفيز سوق السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة دون الممتازة، وإنما شرعتا في الاحتفاظ بمثل تلك السندات ضمن مشترياتهما من قروض الرهن العقاري المجمعة، ربما نتيجة لضغوط المساهمين، أو لمعاودة الحصول على حصة من السوق.
الإطار (2): تشريح سند مغطى بقروض الرهن العقاري
يوضح الشكل رقم (4) الطريقة التي من خلالها أتاح السند المغطى بقروض الرهن العقاري إعادة تجميع قروض الرهن العقاري من أجل زيادة الأموال المتاحة لسوق إقراض الرهن العقاري، وتحصيل رسوم في الوقت ذاته للجهات التي تقوم بعملية إعادة التجميع. ونظرا لأن بعض قروض الرهن العقاري التي يتم تجميعها لا بد أن يتعرض لعدم السداد، يتم انتقاء قروض الرهن العقاري من مناطق جغرافية متفرقة بحيث تتهيأ (كما كان الاعتقاد) الحماية لمجمع قروض الرهن العقاري من أية صدمات محلية للإخلال بالسداد، وقبل الاضطراب الحالي في أسواق الإسكان، لم يشهد سوق الإسكان أي انكماش على المستوى القومي. ومع ذلك، كان الأصل المبني على مجمع بسيط لقروض الرهن العقاري دون الممتازة يحمل تصنيفا ائتمانيا أقل، أو أقل بكثير، من الدرجة AAA.
وبدلا من بيع سند من نوع واحد مبني على كل مجمع الأصول، تستطيع الجهة المصدرة للسند المغطى بقروض الرهن العقاري إصدار سندات تتفاوت من حيث المخاطر والعائد، وذلك بتقسيم السندات إلى مجموعات مختلفة من الشرائح بحسب مقدار التعرض لمخاطر المجمع الأساسي لقروض الرهن العقاري. وبعد شراء حسابات القبض الخاصة بالآلاف من قروض الرهن العقاري، تقوم الجهة المصدرة بعد ذلك بتحويلها إلى ما يسمى آلية ذات غرض خاص ” “special purpose vehicle” هي كيان خارج الموازنة العمومية مستقل قانونا يتولى امتلاك حسابات القبض في صورة مجمعة ويصدر السندات. وتقسم السندات عادة إلى عدة شرائح تشمل: الفئة الممتازة “senior grade”، والفئة الوسطى “mezzanine grade”، والفئة غير الاستثمارية (الأسهم) “non- investment grade”. وتحظى الشريحة الممتازة بحق الأفضلية في تدفق العائد الذي تدره قروض الرهن العقاري. وحين يتم الدفع لجميع حاملي سندات الشريحة الممتازة، يتم بعد ذلك الدفع لحاملي سندات الشريحة الوسطى، ثم تأخذ شريحة الأسهم ما يتبقى من العائد. ولربما يتعرض جزء من القروض إلى العجز عن السداد، ولكن ينبغي أن تعني صيغ الحماية المختلفة أن ثمة تدفق كاف من العائد سيتواصل، للاستمرار في الدفع، على الأقل، لحاملي سندات الشريحة الممتازة. ومن ثم فإن حاملي سندات الشريحة الممتازة ينظر إليهم على أنهم حملة أصول ذات مخاطر أقل من مخاطر مجمع قروض الرهن العقاري الأساسي، ولذا اعتبروا على درجة من الأمان بحيث أقبلت وكالات التصنيف على منحهم الدرجة AAA.
إن أمان الشريحة الممتازة أو أية شريحة أخرى يعتمد في الأساس على عاملين (عدا سلامة قروض الرهن العقاري نفسها) هما: حجم التبعية التالية لتلك الشريحة “subordination”، ومستوى التحسينات الائتمانية للسند المغطى بقروض الرهن العقاري ([18]). وتعني التبعية الخاصة بشريحة معينة الحجم الكلي للشرائح التي تأتي دونها درجة، وكلما ازداد حجم تبعية الشريحة أصبحت الشريحة أكثر أمانا. فعلى سبيل المثال إذا كانت 75% من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري في الشريحة الممتازة فإن ذلك يعني أن الشريحة الممتازة تتمتع بنسبة 25% من التبعية، بالإضافة إلى أية ضمانات فائضة ([19]) “over- collateralization”. وتعني الضمانات الفائضة الحال التي تكون فيها القيمة الإسمية لأصول الرهن العقاري في المجمع أعلى من القيمة الإسمية للسندات المشمولة في الحزمة، وهي صيغة للتحسينات الائتمانية تستخدم لخفض تعرض المستثمرين في الدين للمخاطر التي ينطوي عليها مجمع قروض الرهن العقاري. والجزء الذي يغطيه الضمان الفائض من مجمع السندات هو شريحة الأسهم نظرا لأن حامليها هم أول الخاسرين في حال حدوث إخلال بالسداد، ويحصلون على ما ينتج من “بقايا” العائد إذا جاء الإخلال بالسداد أقل مما كان متوقعا. وعلى سبيل المثال إذا كانت شريحة الأسهم تمثل نسبة 1.5 % من مجموع السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري فهذا يعني أنه بالإمكان الإخلال بنسبة 1.5 % من مدفوعات قروض الرهن العقاري، قبل أن تتكبد أقل شرائح الدين مرتبة أية خسائر.
ومن صيغ التحسينات الائتمانية المهمة الأخرى الهامش الفائض ” “excess spread”، وبموجبه تصبح الفوائد الكلية المتحصلة من مدفوعات قروض الرهن العقاري أعلى من المدفوعات التي تتم لحاملي الديون من الفئتين الممتازة والوسطى، ورسوم الجهة المصدرة، وأية مصروفات أخرى. ويشكل الهامش الفائض خط الدفاع الأول من حيث الحماية، حيث لن تتكبد أي من الشرائح خسائر ما لم يصبح إجمالي الإخلال بالائتمان عاليا إلى درجة تجعل الهامش الفائض سالبا. وإذا لم يحدث هذا تحصل شريحة الأسهم على ما يتبقى من الهامش الفائض. إن إعادة تجميع السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري في شرائح لا يؤدي إلى خفض مستوى المخاطرة الكلية لمجمع قروض الرهن العقاري، بل ينظمها. فالشرائح الممتازة أقل مخاطرة، وهي مؤهلة لتكون استثمارا لتصنيف ائتماني رفيع، لأنها (نظريا) بمنأى تماما عن مخاطر عدم السداد.
ومن الناحية الأخرى فإن الشرائح الدنيا تتسم بالمخاطر العالية، وقد تواجه الخسائر سريعا. أما شريحة الأسهم فقد تحقق عائدات ضخمة عندما تنخفض معدلات الإخلال بالسداد، لكنها تصبح أول المتضررين عندما تتجاوز معدلات الإخلال بالسداد، ولو بدرجة يسيرة، ما كان متوقعا. أي إن تقسيم السندات إلى شرائح يؤدي إلى إعادة توزيع المخاطر وفقا لشهية تقبل المخاطر لدى المستثمرين، فالشرائح الممتازة تدر عائدا أقل لكنها تمثل رهانا آمنا، بينما تدر الشرائح الدنيا عائدا أعلى لكنها أكثر خطورة.
ومهما يكن فإن تقسيم المخاطر إلى شرائح بصورة فاعلة يقوم على افتراض إجراء تحليل سليم لمخاطر الأصول الأساسية. ومنذ عام 2007 م خضعت كثير من السندات التي كانت من قبل مصنفة بالدرجة AA إلى تخفيض في درجة التصنيف، مما يدل على أن كل الجهات المعنية بالأمر أخفقت في تقويم المخاطر الحقيقية لهذه السندات. ونتيجة لذلك فإن الكثير من حاملي السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري ممن كانوا يعتبرون بمنأى عن المخاطر نسبيا أصبحوا عرضة لها.
إن فكرة أخذ الأصول عالية المخاطر وتحويلها إلى سندات من الدرجة AAA قد قوبلت بازدراء من قبل الكثير من الناس عندما انهار سوق قروض الرهن العقاري. وقد كان لذلك الازدراء ما يبرره إذ إن درجة مخاطرة تلك السندات كانت في واقع الأمر أعلى بكثير مما يعكسه تصنيفها، لذلك فقد نتج الانهيار العام للسوق عن موجة من حالات الإخلال بالسداد المتعلقة بتلك السندات. غير أن هذه الخيمياء المالية “financial alchemy” (الخيمياء هي الكيمياء القديمة التي كانت تستهدف تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، واكتشاف عقار كلي للمرض، ووسيلة لإطالة العمر إلى الأبد المترجم) ليست في واقع الأمر غريبة كما تبدو، حيث إنها كانت موجودة منذ زمن بعيد في الأسواق الأخرى. فالشركة العامة أصل ذو تدفق عائدات غير مؤكد. وفي الوضع الأمثل تؤول الحقوق على الدخل إلى مجموعتين عريضتين تتمثلان في حاملي السندات وحاملي الأسهم. وقد تكون سندات الشركة ذات مخاطر منخفضة ومن ثم مؤهلة لتصنيف ائتماني رفيع. ويحصل حاملو السندات أولا على حصتهم من عائدات الشركة، ويأخذ حاملو الأسهم ما يتبقى من العائد. ومعظم الشركات الكبيرة تقسم مطلوباتها في الواقع إلى شرائح سندات ذات مستويات مختلفة من الامتياز من حيث أولوية الحقوق في الدخل، وقد يكون لهذه الشركات أسهم مختلفة الطبقات أيضا. وباختصار فإن فكرة شرائح الأصول المختلفة التي تتفاوت من حيث مستويات المخاطر ليست مطلقا بالجديدة، ولا تنطوي على أي خطأ بنيوي. فالهدف هو توفير مخاطر وخيارات عائد مختلفة للمستثمرين، وفسح المجال للمستثمرين ذوي الشهية للمخاطر لأخذ ما يشاؤون منها. وتقسيم السندات إلى شرائح لا يتوقف عند ذلك الحد على كل حال. فهناك جولة ثانية وثالثة من التوريق، تنتج عنهما مشكلات أسوأ من مشكلات هذه الجولة.
الشكل (4)
تشريح سند مغطى بقروض الرهن العقاري
وقد أصدرت مؤسسات مالية أخرى أيضا سندات مغطاة بقروض الرهن العقاري، ولكن نظرا لميزة رأس المال التي تتمتع بها مؤسستي فاني وفريدي “Fannie Mae& Freddie Mac” تركزت عمليات المؤسسات الأخرى في سوق القروض الضخمة التي يفوق حجم المبالغ فيها ما يسمح لفاني وفريدي بشرائه، خاصة في سوق السندات من الفئة دون الممتازة والفئة Alt- A. وفي السنوات القريبة من الطفرة، منذ عام 2000 م تمدد نشاط المؤسسات المالية الخاصة في مجال التوريق، وبدأت فاني وفريدي في فقدان حصتهما السوقية بصورة متزايدة، لصالح الجهات الخاصة “غير المؤسسية ” المصدرة للسندات المغطاة بقروض الرهن العقاري. وللإيضاح: في عام 2000 م كانت السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري المصدرة من قبل فاني وفريدي تمثل 78% من مجموع الإصدارات في ذلك العام. وبحلول عام 2006 م انخفض نصيب المؤسستين من إصدارات السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري إلى 44 % من مجموع إصدارات العام ([20]). وقد شملت قائمة أكبر مصدري السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة Alt- A في عام 2006 م أسماء سيئة الطالع مثل ليهمان “Lehman Brothers”، وبير ستيرنز “Bear Steams”، وكونتريوايد “countrywide”، وواشنطون ميوتيوال “Washington Mutual” وميريل لينتش “Merril Lynch” (وستكون لنا عودة في تقرير لاحق للحظ العاثر لهذه الأسماء وغيرها). وحين أصبح التوريق واسع الانتشار، وانتعش سوق الفئة دون الممتازة من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، خضع السوق للاحتكار المتزايد من قبل البنوك الخاصة، والمتعاملين من السماسرة، ومؤسسات أخرى.
ويوضح الشكل (5) الأهمية المتزايدة للتوريق من خلال عرض معدلات 2006 م لنسبة التوريق في القروض المنضبطة قانونا، والقروض الضخمة الممتازة، والقروض دون الممتازة (الفئةAlt-A) التي بلغت نسبة التوريق فيها 81% و 46% و 81 % على التوالي. وقد كان التوريق نشاطا مؤسسا بالنسبة للقروض المنضبطة قانونا حيث إن مؤسستي فاني وفريدي ظلتا تمارسان توريق هذه القروض طوال حقبتين من الزمن، وقد شهد عام 2001 م توريق 72% من القروض المنضبطة قانونا. والطفرة الحقيقية في التوريق منذ عام 2001 م كانت في القروض دون الممتازة وقروض Alt- A إذ إن الجزء الذي تم توريقه من مجموع هذه القروض قفز إلى نسبة 75% منذ عام 2001 م. وبحلول عام 2006 م أصبح التوريق يمول معظم قروض الرهن العقاري من الفئات الأدنى تصنيفا، وهي القروض التي تواجه مشكلات حاليا.
الشكل (5)
معدلات التوريق حسب نوع قرض الرهن العقاري في 2001 م و 2006 م، بالنسبة المئوية
مزيد من التوريق، ومزيد من استخدام موارد الدين: التزامات الدين المغطاة بالضمانات، وآليات الاستثمار المهيكل، والاقتراض قصير الأجل
كما لاحظنا فيما سبق فإن مؤسستي فاني وفريدي اللتين ترعاهما الحكومة قد سيطرتا على سوق التوريق إبان الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وبحلول عام 2000 م شرعت هاتان المؤسستان في فقدان حصتهما من السوق لصالح المؤسسات المالية الخاصة، حين بات التوريق يتجه أكثر فأكثر نحو قروض الرهن العقاري دون الممتازة. وعندما أصبح سوق التوريق تحت سيطرة القطاع المالي أصبح يزداد تعقيدا وعتمة. ولم يصبح السوق أكثر مخاطرة وأقل شفافية فحسب، بل تحول، بجانب ذلك، إلى عالم مالي يفتقر إلى التنظيم الكافي، ويستعصي على فهم المتعاملين. وعند إقبال البنوك والسماسرة وصناديق التغطية والمؤسسات الأخرى على استخدام المبتكرات المالية الجديدة لتعظيم تعرضها لهذه المنتجات، تسبب ذلك في ارتفاع الطلب على قروض الرهن العقاري عالية المخاطر، وانتفاخ فقاعة التضخم الوهمي التي انفجرت أخيرا في أغسطس من عام 2007 م.
وكما ذكرنا من قبل فقد كان التوريق ابتكارا شديد الإيجابية بالنسبة لأسواق الائتمان. فمن خلال السماح للبنوك ببيع القروض المكتملة وحذفها من دفاترها، وتوزيع المخاطر وفق شهية المستثمرين، أدى التوريق (افتراضا) إلى خفض كلفة الإقراض للجميع، وأتاح تقديم الائتمان إلى مقترضين جدد ما كانوا بدونه ليجدوا أبواب الائتمان مشرعة أمامهم ([21]). ومع تزايد تعقيد السوق وعتمته، راجت المتاجرة في أدوات جديدة مبنية على نماذج فنية للحاسوب، بين مؤسسات مفرطة في استخدام موارد الدين، وكثير منها يعوزه مجرد فهم تلك النماذج. وفي الأوقات الجيدة قد تصبح هذه الأدوات المجهولة الكنه مصدرا للأرباح الهائلة، إلا أن تعقيدها وغياب البنية التحتية الفاعلة والمعلومات العامة عنها أسفر عن موجة من الهلع الشديد الذي عم النظام المالي بدءا من أغسطس من عام 2007 م.
ومن الأسباب الأساسية التي أدت إلى استفحال الأزمة المالية الحالية (وانتفاخ فقاعة التضخم الوهمي بهذه الصورة الشنيعة) تركز الكثير من التعرض لقروض الرهن العقاري دون الممتازة في القطاع المالي المعتمد على استخدام موارد الدين. ونعني بمصطلح استخدام موارد الدين، الرافعة “leverage” أي استخدام أموال مقترضة من أجل تعظيم العائدات على استثمار معين. فإذا كانت أسعار الأصول متصاعدة، وكلفة الإقراض منخفضة، يصبح من الطبيعي سعي البنوك إلى تعظيم تعرضها لأسعار الأصول المتصاعدة من خلال التوسع في الاقتراض إلى أقصى حد ممكن. وفي الوقت الذي تشكل فيه الأموال المقترضة عنصرا محوريا لمفهوم “استخدام موارد الدين ” فإن تعريفها يمكن توسيعه ليشمل أية أداة يتمكن البنك عن طريقها من تعظيم تعرضه لأصل معين. وسنناقش مثل هذه الأدوات فيما يلي:
التزامات الدين المغطاة بالضمانات
حين أصبح توريق قروض الرهن العقاري يمثل، على نحو متزايد، أحد شؤون القطاع المالي الخاص، أثار هذا مزيدا من الابتكار في المنتجات التي تدر أرباحا ضخمة في الأوقات الجيدة، لكنه شكل في الوقت ذاته مصدرا لبعض الخسائر الهائلة منذ ظهور الأزمة في عام 2007 م. فقد كانت التزامات الدين المغطاة بالضمانات بمثابة خطوة شجاعة في عالم التوريق الذي بدأ تمدده الحقيقي منذ عام 2000 م. يقوم مصدرو التزامات الدين المغطاة بالضمانات بشراء شرائح مختلفة من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري ووضعها في مجمع بجانب سندات أخرى مغطاة بالأصول. وتكون تلك السندات الأخرى مغطاة، إلى درجة كبيرة، بقروض بطاقات الائتمان، وقروض السيارات، وقروض الأعمال، وقروض الطلاب. وفي أغلب الأحيان يتكون التزام الدين المغطى بالضمان، المصنف في الفئة الممتازة، من شرائح عالية التصنيف تضم السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري والسندات الأخرى المغطاة بالأصول، في حين يتكون التزام الدين المغطى بالضمان المصنف في الفئة الوسطى من حصة أكبر مجمعة من الشرائح الدنيا. وعلى النقيض من السند المغطى بقروض الرهن العقاري الذي تشتمل أصوله على مدفوعات قروض رهن عقاري فعلية، فإن أصول التزام الدين المغطى بالضمان تشتمل على سندات تحصيل مثل تلك المدفوعات، أي يمكننا القول من ناحية إن التزامات الدين المغطاة بالضمانات تشكل عملية “إعادة توريق ” لسندات موجودة ومن ثم فإن الشكل (4) يبدو أكثر ملاءمة لوصف التزام دين مغطى بالضمان، من وصف سند مغطى بقروض الرهن العقاري. وفي واقع الأمر فإن التزام الدين المغطى بالضمان هو بالضرورة “إعادة تطبيق ” لهيكل السند المغطى بقروض الرهن العقاري. وعلى هذا النحو يتيح التزام الدين المغطى بالضمان إعادة توزيع مخاطر أصوله مرة أخرى من خلال إعادة تقسيم السندات الجديدة إلى شرائح وبيعها. وفي صيغة من صيغ مراجحة التصنيف تبدو كالمعجزة، يمكن إنشاء التزام دين مغطى بالضمان من الفئة الوسطى بتجميع شرائح دنيا من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري مع سندات أخرى مغطاة بالأصول، وتحويل جزء منها إلى سندات جديدة لها تصنيف AAA. وهكذا يتم تأسيس تدفق مدفوعات لشريحة مصنفة ضمن الفئة AAA من سندات مغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة الدنيا، وسندات مغطاة بالأصول.
وقد درج المصدرون على العمل مع وكالات التصنيف مباشرة لهيكلة شرائح التزامات الدين المغطى بالضمان بحيث يتمكنون من الوصول إلى الحجم الأمثل من الشرائح عالية التصنيف، وخفض كلفة التزامات الدين المغطاة بالضمانات. ذلك لأن رسم الكوبون على الفئة AAA، أقل منه على الفئة A-أو الفئة BBB. أي أن كلفة إصدار السند عالي التصنيف أقل من كلفة إصدار السند ذي التصنيف الأدنى. ومن الطبيعي أن يسعى المصدر إلى تعظيم حجم الشريحة الممتازة، كي يتمكن من خفض كلفة التمويل. ومهما يكن فإن زيادة حصة الشرائح الممتازة في ما يتم تصنيفه من إصدارات، يؤدي تلقائيا إلى انخفاض حصة الشرائح الأدنى “حجم التبعية للشرائح الممتازة ” وينخفض بالتالي حجم الحماية المتاح للشرائح الممتازة. وبهدف إيجاد حماية إضافية يلجأ مصدرو التزامات الدين المغطاة بالضمانات إلى شراء مبادلات إعسار ائتماني، أو تأمين ائتمان لرفع درجة تصنيف ما أصدروا من سندات وحماية شرائح الفئة AAA من مخاطر الإخلال بالسداد (انظر التفصيل أدناه). وعندما ضربت موجة من تخفيض الرتب “downgrading”التزامات الدين المغطاة بالضمانات في عام 2007 م ([22]) أصبح جزء كبير من شرائحها عالية التصنيف عرضة للخسائر. لذلك فإن انخفاض التعرض للمخاطر الصافية الذي بدأ كما لو أن التزامات الدين المغطاة بالضمانات تشتمل عليه، بات عند التطبيق وهميا في معظمه. ومن الحقائق المهمة كذلك أن تلك الجولة الثانية من التوريق زادت الصعوبة التي واجهها المستثمرون في تحديد ما يتحملون فعليا من مخاطر.
إن أول التزام دين مغطى بالضمان استحدث في عام 1987 م من قبل المتوفى حاليا دريكسيل بيرنهام لامبرت “Drexel Burnham Lambert” غير أن هيكل السندات ذلك لم يستخدم على نطاق واسع حتى أواخر تسعينات القرن الماضي عندما قام مصرفي من البنك الملكي الكندي للتجارة “Canadian Imperial Bank of Commerce” بتطوير معادلة رياضية عرفت برابط غوس “Gaussian Copula” تستخدم لإجراء عملية حسابية نظرية تحدد احتمالات تعرض مجموعة معينة من القروض للخسائر الارتباطية ([23]). وارتفعت الإصدارات السنوية لالتزامات الدين المغطاة بالضمانات من حوالي صفر في عام 1995 م، إلى ما يزيد عن 500 مليار دولار في عام 2006 م. ومع نمو إصدارات الدين المغطاة بالضمانات نمت حصتها المخصصة لقروض الرهن العقاري. وقد ذكر ماسون وروسنر”Mason & Rosner” (2007 م) أن 81% من ضمانات التزامات الدين المغطاة بالضمانات المصدرة في عام 2005 م كانت مكونة من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري (حوالي 200 مليار دولار أمريكي في مجموعها). وهكذا ظلت التزامات الدين المغطاة بالضمانات، خلال عدة سنوات ماضية من طفرة الإسكان، تمول قروض الرهن العقاري، خاصة دون الممتازة منها.
بل إن ماسون وروسنر “Mason & Rosner” (2007 م) ذهبا إلى أبعد من ذلك ليبينا أن التزامات الدين المغطاة بالضمانات قد أضافت قدرا معتبرا من السيولة إلى قروض الرهن العقاري دون الممتازة والسندات المغطاة بالأصول وبذلك زادت الطلب عليها. ووفقا لتقديرات ماسون وروسنر “Mason & Rosner” فإن أصول السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري التي استخدمت غطاء لالتزامات الدين المغطاة بالضمانات عام 2005 م بلغت 200 مليار دولار أمريكي، منها 140 مليار دولار أمريكي سندات مغطاة بقروض رهن عقاري، مصنفة فيما دون AAA (أي شرائح “دون الممتازة “). ثم استخدم هذان الباحثان أرقاما صادرة عن اتحاد صناعة السندات والأسواق المالية توصلا منها إلى أن ما تقدر قيمته بحوالي 133 مليار دولار أمريكي من الشرائح دون الممتازة للسندات المغطاة بقروض الرهن العقاري قد أصدر عام 2005 م. وهكذا يبدو أن مصدري التزامات الدين المغطاة بالضمانات اشتروا عام 2005 م شرائح دون الممتازة من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري سندات تفوق ما تم إصداره في ذلك العام! ومع أن هذه التقديرات ليست دقيقة، إلا أنها تقيم حجة واضحة بأن التزامات الدين المغطاة بالضمانات أتاحت، تقريبا، كل الطلب على الفئات الدنيا للسندات المغطاة بالأصول دون الممتازة خلال السنوات المتأخرة من الطفرة، وبذلك أتاحت مصدر ائتمان حرج لقروض الرهن العقاري دون الممتازة، يغذي الطلب ويزيد من انتفاخ فقاعة التضخم ([24]).
آليات الاستثمار المهيكل، والكيانات خارج الموازنات العمومية
تشكل ضرورة الوفاء بمتطلبات رأس المال أحد القيود المفروضة على البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، أي أن هذه المؤسسات يجب عليها تمويل نسبة مئوية معينة من أصولها من رأسمال المساهمين بدلا من تمويل تلك النسبة بصيغة ما من صيغ الدين. وتقع مسؤولية إنفاذ متطلبات رأس المال على عاتق الهيئة الاتحادية لتأمين الودائع، ومراقب البنوك، والاحتياطي الاتحادي معا. وكما سنناقش في تقرير قادم فإن البنوك في الولايات المتحدة، منذ سريان أحكام اتفاقية بازل عالميا عام 1989 م، أصبحت ملزمة بمتطلبات اتفاقية بازل لكفاية رأس المال، إلى جانب معيار آخر منفصل خاص بالولايات المتحدة. وإن متطلبات رأس المال تؤدي إلى انخفاض ربحية البنوك نظرا لأنها تحد من قدرة البنوك على استخدام موارد الدين لدعم أي استثمار ابتدائي من أموال المساهمين (والأرباح المحتجزة المتراكمة). ولذلك أصبح من الطبيعي أن تبحث البنوك عن سبل للالتفاف حول تلك المتطلبات المفروضة على رأس المال. والوسيلة المفضلة لتفادي تلك المتطلبات هي ما يعرف بآليات الاستثمار المهيكل، وهي آليات ذات غرض خاص تقوم البنوك بإنشائها خارج موازناتها العمومية لتتولى قبض السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، والتزامات الدين المغطاة بالضمانات، والديون المؤسسية طويلة الأجل الأخرى أصولا لها ([25]). ومن خلال مراوغة متطلبات رأس المال مكنت آليات الاستثمار المهيكل البنوك من استخدام موارد الدين لدعم ما تحمل من هذه الأصول، بدرجة أكبر مما لو كانت هذه الأصول مدمجة في الموازنات العمومية للبنوك. ولتمويل هذه الأصول أصدرت آليات الاستثمار المهيكل أوراقا تجارية مغطاة بالأصول وسندات دين متوسطة الأجل بوصفها مطلوبات لها، يكون لها في أغلب الأحيان أجل استحقاق قصير جدا يتطلب إعادة التدوير باستمرار. ونظرا لحصولها على صفة البعد عن الإفلاس”bankruptcy remote” استطاعت آليات الاستثمار المهيكل الحصول على تمويل أرخص مما تحصل عليه البنوك، وتمكنت من زيادة مطلوباتها قصيرة الأجل، وأصولها طويلة الأجل، ونجحت -لفترة قصيرة – في تحقيق أرباح مالية. وقد بلغت أصول آليات الاستثمار المهيكل 400 مليار دولار أمريكي في يوليو 2007 م (موديز: 2008 م).
وحتى وقوع أزمة الائتمان الطاحنة في أغسطس من عام 2007 م ظل نموذج الأعمال هذا يعمل بسلاسة، حيث كان باستطاعة آلية الاستثمار المهيكل إعادة تدوير مطلوباتها قصيرة الأجل تلقائيا. ولم يكن ينظر إلى السيولة على أنها مشكلة، حيث إن آليات الاستثمار المهيكل كانت تستطيع باستمرار الحصول على التمويل الرخيص الذي يعتمد عليه، حتى عندما تحولت إلى الاقتراض لأجل أقصر (انظر الشكل 6). ومن الناحية الفنية اعتبرت آليات الاستثمار المهيكل كيانات مستقلة عن البنوك تشكل افتراقا نظيفا “clean break” من الموازنات العمومية للبنوك، وفقا لتعبير اتفاقية بازل الثانية (اتفاقية دولية حول الإشراف على البنوك ومستويات احتياطي رأس المال) ومن ثم لا تضيف شيئا إلى متطلبات الاحتياطي أو رأس المال. وفور تعرض آليات الاستثمار المهيكل للمتاعب المالية، قامت البنوك بإعادتها إلى موازناتها العمومية، لأسباب تتعلق بالسمعة، وتفادي تأليب المستثمرين، وربما تجنب الدعاوى القضائية ([26]).
استخدام موارد الدين ودفع الاقتراض قصير الآجل
لقد كانت الزيادة في التمويل باستخدام موارد الدين خلال فترة الفقاعة واسعة، وامتدت إلى العديد من المؤسسات المالية، والعديد من الأدوات التمويلية. وارتبطت هذه الزيادة في استخدام موارد الدين وما صحبها من نمو في السيولة الكلية، بالارتفاع العام في أسعار المساكن والأصول الذي دام لفترة طويلة. وقد قدم أدريان وشن (2007 م) إيضاحا تجريبيا، لربما بدا مناقضا للإدراك الحدسي لكنه على قدر كبير من الأهمية، ومفاده أن المؤسسات المالية عندما أرغمت على تقويم الأصول على أساس أسعار السوق “mark-to- market”، أي أجبرت على أن تحدد قيمة الأصل على أساس تقويمه الحالي في السوق، برزت أسعار الأصول المتصاعدة في الموازنات العمومية للبنوك تلقائيا، مما زاد القيمة الصافية للبنوك وخفض نسب استخدامها لموارد الدين. ولو كانت البنوك سلبية لانخفض استخدامها الكلي لموارد الدين. غير أن المؤسسات المالية، على أية حال، بعيدة تماما عن السلبية. فعندما تأخذ أسعار الأصول في التصاعد يكون من غير المربح تماما للبنك أن يكون استخدامه لموارد الدين أدنى مما يجب، ولذا تبحث البنوك عن سبل مناسبة لتوظيف “فائض رأس المال ” الجديد لديها. وهذا البحث من جانب البنوك عن سبل استخدام فائض رأس المال يعني محاولة البنوك توسيع موازناتها العمومية وزيادة استخدامها لموارد الدين. وهذه الظاهرة التي قدم أدريان وشن “Adrian & Shin” دليلا تجريبيا لها تؤدي إلى توسع في السيولة الكلية والاستخدام الكلي لموارد الدين في النظام المالي. ووفقا لما ورد عن هذين الكاتبين في الصفحة 31 من مؤلفهما “يمكن النظر إلى السيولة الكلية على أنها معدل النمو الكلي في الموازنات العمومية “.
وفي سياق فقاعة أسعار المساكن نشأت حلقة من المعلومات المرتدة، حين أدت الزيادة المطردة في أسعار الأصول في المنتجات المتعلقة بإقراض الرهن العقاري، إلى زيادة القيمة الصافية للبنوك، فأدت هذه بدورها إلى تنشيط البحث عن مزيد من موارد الدين، وضاعفت الطلب على هذه الأصول. وحين اندلعت الأزمة، انحدرت أسعار الأصول عموديا، وأخذت حلقة المعلومات المرتدة تعمل في الاتجاه المعاكس، إذ وجدت المؤسسات المفرطة في استخدام موارد الدين نفسها مكشوفة وبحوزتها قليل من رأس المال، وعبء زائد من الدين، وأجبرت على تقليص موازناتها العمومية. وقد ساهمت هذه الحلقة في “تجميد السيولة ” في أسواق الائتمان.
إن بنوك الاستثمار لم تكن تعامل من قبل الجهات الإشرافية معاملة البنوك التجارية المتلقية للودائع، أو تفرض عليها متطلبات رأسمال مماثلة لما يفرض على تلك البنوك. ولذلك فقد استطاعت بنوك الاستثمار زيادة استخدامها لموارد الدين إلى حد كبير. ولم تكن بنوك الاستثمار خاضعة للقيود التنظيمية التي تصاحب متطلبات رأس المال. وقد تمكنت مؤسسات مثل بير ستيرنز “Bear Stearns”، وليهمان “Lehman Brothers”، من الاقتراض لأجل قصير جدا، وامتلاك أصول طويلة الأجل عالية المخاطر، مع مستويات منخفضة من رأس المال والاحتياطيات لمقابلة ظروف السوق المتغيرة. ووفقا لتقديرات أجراها غرينلو وآخرون “Greenlaw et al” (2008 م) فإن نسبة الدين إلى موارد رأس المال العادي لدى البنوك التجارية كانت بمعدل (9.8: 1)، بينما كانت هذه النسبة بمعدل (32: 1) لدى السماسرة / المتعاملين (وكانت بمعدل 24: 1 لدى المؤسستين اللتين ترعاهما الحكومة بالرغم من خضوعهما للوائح التنظيمية).
وقد أصبحت اتفاقيات الشراء ليوم واحد / ليلة واحدة، أو ما عرف باتفاقيات إعادة الشراء “repo loans” إحدى الأدوات المفضلة لدى بنوك الاستثمار (انظر موريس وشن “Morris & Shin” 2008 م للوقوف على نقاش أعمق). وتعتبر اتفاقيات الشراء ليوم واحد من صيغ “الاقتراض المغطى بالضمان ” الذي يقوم فيه البنك برهن أصوله لبنك آخر ضمانا لقرض ليوم واحد. وبعبارة أخرى، يبيع البنك الأول جزءا من أصوله للبنك الثاني، ويتم التفاهم بين الطرفين على أن يقوم البنك الأول بإعادة شراء تلك الأصول في اليوم الثاني بسعر أعلى قليلا من سعر البيع الأول. وقد اعتبرت هذه العملية ائتمانا منخفض المخاطر في الأوقات الجيدة، ولكنها تنطوي على مضامين عميقة تتعلق بالنظام ككل لكونها تؤدي إلى الربط بين المؤسسات المالية، وبحيث تنتشر المتاعب التي تواجهها أي من تلك المؤسسات إلى المؤسسات الأخرى التي تتعامل معها. وأصبحت اتفاقيات إعادة الشراء ليوم واحد مصدرا متزايد الأهمية لتمويل بنوك الاستثمار. ففي هذا الصدد بين برينيرمير “Brunnermeier” (2008 م) أن نصيب اتفاقيات الشراء ليوم واحد من إجمالي أصول بنك الاستثمار قد ارتفع من حوالي 12 % عام 2001 م، إلى ما يزيد عن 25% عام 2007 م، أي أنه بحلول عام 2007 م أصبحت بنوك الاستثمار تقوم في كل ليلة لإعادة تدوير مطلوبات تعادل ربع موازناتها العمومية.
ويظهر الشكل (6) مثالا آخر للزيادات المتسارعة في الاقتراض قصير الأجل الذي يصل أجل استحقاقه إلى يوم واحد. وقد برز هذا النوع من الاقتراض عندما بلغت الطفرة ذروتها عام 2006 م، وبداية عام 2007 م في أسواق الأوراق التجارية المغطاة بالأصول. وكما بينا فيما سبق فإن الأوراق التجارية المغطاة بالأصول يتم إصدارها من قبل كيانات خارج الموازنات العمومية مثل آليات الاستثمار المهيكل، لتمويل الأصول طويلة الأجل. وتعتبر الأوراق التجارية المغطاة بالأصول، شأنها شأن اتفاقيات إعادة الشراء، صيغة من صيغ “الاقتراض المغطى بالضمان “، أي أن المصدر يضع جزءا معلوما من أصوله ضمانا للورقة المالية التي يصدرها. ولما كان العديد من البنوك الكبيرة ينشئ كيانات خارج الموازنة العمومية لتفادي الضوابط التنظيمية، أصبحت الأوراق التجارية المغطاة بالأصول مصدر تمويل مهم للعديد من المؤسسات الكبيرة. ويبين الشكل (6) الحقيقة المدهشة، وهي أن النمو في إصدارات الأوراق التجارية المغطاة بالأصول منذ حوالي عام 2004 م كان بكامله، تقريبا، في الأوراق ذات الأجل القصير جدا، التي يتراوح أجل استحقاقها بين يوم واحد وأربعة أيام. وأصبحت الأوراق التجارية المغطاة بالأصول ذات أجل استحقاق يوم واحد، واتفاقيات الشراء ليوم واحد، تشكلان، على نحو متزايد، وسيلة لاعتماد البنوك على الاقتراض المتزايد في قصر الأجل، لتمويل أصولها. وكان مصدر التمويل هذا أرخص من الاقتراض طويل الأجل، ويمكن إعادة تدويره، حتى عام 2007 م، كما تدور الساعة. وقد شكل الجفاف الذي أصاب أسواق هذا التمويل قصير الأجل عنصرا مهما في الأزمة المالية منذ أغسطس من عام 2007 م. فعندما جف فجأة تمويل السيولة قصيرة الأجل، المتمثل في الأوراق التجارية المغطاة بالأصول واتفاقيات الشراء ليوم واحد، واجهت المؤسسات المالية تهافتا فعليا على السحب ” a run” ووجدت نفسها مكشوفة، ولديها قليل جدا من رأس المال.
وإجمالا، فإن الفوائد المنتظرة من التوريق تكمن في قدرته على تمكين الأموال المتاحة للإقراض من الانتقال بيسر بين الأقاليم، بل وحتى الأقطار، وتوزيع المخاطر على المقرضين الأكثر رغبة في تحملها، مما يؤدي إلى انخفاض سعر المخاطرة. كما كان ينتظر من التوريق أيضا أن يؤدي إلى نقل المخاطرة من قلب نظام المدفوعات، وخفض مخاطر الأزمة المالية. وقد تكاملت زيادة استخدام موارد الدين والاقتراض قصير الأجل، مع تصاعد التوريق، حين سعت المؤسسات إلى الإفراط في تعظيم تعرضها لأسعار الأصول المرتفعة. وكما سوف نناقش في تقارير قادمة، فإن التوريق بينما كان يقصد به نشر المخاطر بعيدا عن مركز النظام المالي، قد أفضى إلى العكس تماما. وعندما اندلعت الأزمة المالية في أغسطس من عام 2007 م، كانت المخاطر التي قصد تشتيتها على نطاق النظام، تركزت حقيقة بصورة قوية في قلب النظام المالي، بين المؤسسات المفرطة في استخدام موارد الدين.
الشكل (6)
إجمالي قيمة إصدارات الأوراق التجارية المغطاة بالأصول، بحسب تاريخ الاستحقاق،
المتوسط المتحرك لثلاثين يوما. منذ فبراير 2001 م، بالبلايين.
تأمين الائتمان، والنمو الهائل في مبادلات الإعسار الائتماني
حظيت عملية التوريق بالمزيد من الدعم من قبل نمو نشاط تأمين الائتمان والمشتقات التي عرفت بمبادلات الإعسار الائتماني. ذلك لأن التأمين وهذا النوع من المشتقات أتاحا، من حيث المبدأ، نقل مخاطر الإخلال بالسداد من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري والتزامات الدين المغطاة بالضمان، قبل تسويقهما للمستثمرين العامين. وقد طورت الصيغ الأولى من تأمين الائتمان من قبل من أطلق عليهم اسم مقدمي التأمين الأحادي مثل شركتي MBIA و Ambac اللتين ظهرتا في مطلع السبعينات من القرن الماضي، لتغطية سندات دين البلديات. وشركات التأمين هذه لها تصنيف ائتماني قوي جدا وكانت تبيع خدمات التأمين ضد مخاطر الإخلال بالسداد لمصدري سندات البلديات. ومن خلال تقديم التأمين ضد مخاطر الإخلال بالسداد مكنت الشركات أحادية الخط البلديات من الاقتراض بأسعار AAA في حين أنها كانت ستواجه، في غياب التأمين، الاقتراض بتصنيف أدنى، ومن ثم كلفة اقتراض أعلى. وهكذا كانت الشركات أحادية الخط تتقاضى رسوما على التأمين وتتحمل البلديات، بفضل التأمين، كلفا أقل حتى بعد دفع تلك الرسوم. وقد ثبت أن هذا خط أعمال جيد، إن لم يكن مثيرا، نظرا لندرة المخلين بالسداد بالنسبة لسندات البلديات. وتمكنت شركات التأمين أحادي الخط من الاستفادة من ميزات مراجحة التصنيف “ratings arbitrage”ونجحت في ذلك لأن وكالات التصنيف كانت تغالي في تقدير احتمالات الإخلال بالسداد في سندات البلديات على الأقل حتى الآن.
وعقب تطوير خط الأعمال هذا، قامت شركات التأمين الأحادي، إلى جانب البنوك وصناديق التحوط والضامنون مثل AIG، بتوسيع نموذج أعمالها لتقديم منتجات مهيكلة متعلقة بسوق الإسكان، وذلك ببيع مبادلات الإعسار الائتماني لتأمين حاملي السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، والتزامات الدين المغطاة بالضمانات، والأصول الأخرى، ضد مخاطر الإخلال بسداد قروض الرهن العقاري. ولذلك كما هي الحال بالنسبة لسندات البلديات كانت مبادلات الإعسار الائتماني أداة لمراجحة التصنيف تتيح تحسينات ائتمان خارجية لمصدري السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري، والتزامات الدين المغطاة بالضمانات، للحصول على تصنيف AAAلسنداتها التي كان الكثير منها سيحصل على تصنيف أدنى. ومثل تأمين الائتمان تشتمل صفقة مبادلة الإعسار الائتماني على مشتري حماية “protection buyer”، أي مصدر سندات يحاول رفع درجة التصنيف لحماية سندات معينة من مخاطر الإخلال بالسداد، وبائع حماية “protection seller”، أي طرف مقابل يتلقى تدفقا ثابتا من الدخل في مقابل تحمل مخاطر الإخلال بالسداد. وعلى أية حال، فقد كانت هذه الصفقات تجري دون الإشراف عليها من قبل أية جهة تنظيمية، حيث كانت تتم خارج إطار السوق الرسمية “over the counter”، لكي لا يعلم شروط العقد أحد سوى الطرفين المتعاملين. ومن ثم لم تكن هنالك معرفة عامة بما تم من صفقات لتبادل الإعسار الائتماني لدى معظم المؤسسات.
إضافة إلى ذلك، لم يكن هنالك حد أدنى لمتطلبات رأس المال أو الأصول لبائع الحماية، وبالتالي ليس هنالك ما يضمن امتلاك البائع الأموال الكافية للدفع بالكامل إذا وقع إخلال بالسداد. وتعرف هذه المسألة بمخاطر الطرف المقابل، حيث أصبحت تثير القلق بصفة خاصة منذ انهيار بير ستيرنز “Bear Stearns”، إحدى المؤسسات العملاقة في مجال المتاجرة في المشتقات، في مارس من عام 2008 م. ومع ذلك فقد كانت مبادلات الإعسار الائتماني في الأوقات الجيدة تشكل وسيلة أخرى متاحة للمؤسسات المالية الراغبة في استخدام موارد الدين لتعظيم تعرضها في سوق إقراض الرهن العقاري. ومنذ وقت مضى، يعود إلى أغسطس 2007 م، قال أحد مسؤولي AIG: يصعب علينا، إن لم نكن متبجحين، أن نتخيل أي نسق واقعي للأحداث يظهر لنا احتمال خسارتنا لدولار واحد من تلك الصفقات (مبادلات الإعسار الائتماني) ([27])، وبعد عام واحد قدمت الحكومة الاتحادية قرضا بمبلغ 85 مليار دولار لـ AIG لتغطية خسائر واجهتها في عقودها لمبادلات الإعسار الائتماني (ثم تبع ذلك قرض آخر بمبلغ 38 مليار دولار أمريكي).
ومنذ عام 2000 م بصفة خاصة، شهد نشاط تأمين الأصول المتعلقة بقروض الرهن العقاري، إلى جانب سندات الشركات والأصول الأخرى، نموا هائلا. ويظهر الشكل (7) ذلك النمو الهائل في سوق مبادلات الإعسار الائتماني منذ عام 2000 م. فقد بلغ حجم مبادلات الإعسار الائتماني غير المحصلة رقما صاعقا هو 60 ترليون دولار أمريكي عام 2007 م. وبحلول سبتمبر من عام 2008 م باعت شركة الضمانات المالية AIG نفسها مبادلات إعسار ائتماني تقرب قيمتها من 500 مليار دولار أمريكي، يتعلق معظمها بتأمين التزامات دين مغطاة بالضمانات، عاثرة الحظ. وحين انتفخ سوق مبادلات الإعسار الائتماني، تضخم كذلك نصيب مبادلات الإعسار الائتماني المباعة من قبل المؤسسات المفرطة في استخدام موارد الدين، مثل صناديق التحوط وبنوك الاستثمار، بالمقارنة مع شركات التأمين أحادي الخط كثيفة رأس المال. وبناء على ما أوردته وكالة التصنيف الائتماني فيتش “Fitch”(2007 م) بلغ نصيب صناديق التحوط ما يقرب من 60% من حجم المتاجرة في مبادلات الإعسار الائتماني في عام 2006 م. وعندما تمدد سوق مبادلات الإعسار الائتماني على نطاق أوسع في ذلك العالم المالي المبهم وغير المنظم، أفلت وزنه الهائل ومضامينه المتعلقة بالنظام من الرقابة، إلى أن اندلعت الأزمة في أغسطس من عام 2007 م.
إن تأمين الائتمان ومبادلات الإعسار الائتماني تعدان من المبتكرات القيمة لكونهما من خلال تحمل مخاطر الإخلال بالسداد في الصفقات تتيحان كلف تمويل أقل، ووصولا أيسر للسيولة التمويلية لمؤسسات ما كان ليتسنى لها ذلك بدونهما. وقد سماهما ألان غرينسبان “Alan Greenspan” في مايو من عام 2006 م “أهم أداتين في التمويل “، وأضاف “ما فعلته مبادلات الإعسار الائتماني هو إحالة كل مخاطر المؤسسات المتوسعة في استخدام موارد الدين…. إلى المؤسسات الأمريكية والعالمية المستقرة ” ([28]) ومهما يكن فقد أصبحت هذه الأداة القوية مشكلة كبيرة بسبب حجم السوق الضخم، ولأن المشاركين ابتدعوا أداة وظفتها المؤسسات المالية في استخدام موارد الدين لتعظيم تعرضها إلى طبقة معينة من الأصول، إلى جانب القليل من رأس المال. وعلى النقيض من ملاحظة غرينسبان ” Greenspan ” عام 2006 م، فإن المصدر الأكبر لما حدث مؤخرا من نمو في سوق مبادلات الإعسار الائتماني لم ينشأ وسط المؤسسات المستقرة، وإنما نشأ وسط المؤسسات غير الخاضعة للتنظيم الكافي والمفرطة في استخدام موارد الدين، مثل صناديق التحوط وبنوك الاستثمار. ومن ناحية أخرى، فإن مؤسسات تأمين الحياة والممتلكات والتأمين ضد الكوارث تخضع لقدر كبير من التنظيم، وهي على درجة عالية من كثافة رأس المال.
الشكل (7)
قيمة مبادلات الإعسار الائتماني غير المحصلة، بالترليونات
وكالات التصنيف الائتماني
إن غياب الشفافية في التزامات الدين المغطاة بالضمانات جعل السوق تعتمد على درجات التصنيف التي تمنحها الوكالات مؤشرا لما تنطوي عليه هذه الأدوات من مخاطر. ولم يكن للجهات التنظيمية دور في تلك الأسواق، لذلك لعبت وكالات التصنيف دور الوكيل عن تلك الجهات، لدرجة جعلت مكتبا رفيع المكانة مثل مكتب مراقب البنوك، الذي ينظم البنوك الوطنية المسجلة، يعتمد على وكالات التصنيف في تقويم جودة التزامات الدين المغطاة بالضمانات ([29]). بالإضافة إلى كون التزامات الدين المغطاة بالضمانات نفسها أدوات معقدة لدرجة تجعل الحكم المستقل على مخاطرها أمرا بالغ الصعوبة.
وقد استخدمت وكالات التصنيف الرئيسة موديز وفيتش وستاندرد آند بورز “Moody’ s, Fitch and Standard & Poors” نماذج محاكاة معقدة تسمى نماذج محاكاة مونت كارلو “Mont Carlo Simulations” للتنبؤ باحتمالات الإخلال بسداد قروض الرهن العقاري التي تشكل أساس التزامات الدين المغطاة بالضمانات، والقيام أخيرا بهيكلة التزام الدين المغطى بالضمان (أو السند المغطى بقروض الرهن العقاري) بالطريقة التي بيناها في الفصول السابقة أي: تقسيم المخاطر إلى شرائح مختلفة، واستخدام النموذج لحساب مقدار التبعية المطلوب والتحسينات الائتمانية اللازمة لكل شريحة. والمعلومات التي تغذى بها هذه النماذج لحساب احتمالات الإخلال بالسداد تشتمل على خصائص
مجمع قروض الرهن العقاري المتمثلة في نقاط ائتمان المقترضين، والمجموع التراكمي لنسبة القرض إلى قيمة العقار”cumulative loan to value ratio”، وتوثيق الدخل (أو عدمه)، وما إذا كانت القروض تتعلق بالسكن الأساسي للمقترضين، والمعلومات التاريخية للإخلال بالسداد بالنسبة للقروض المماثلة.
وابتداء، ينطوي هذا النموذج على مشكلة، حيث إن المعدلات التاريخية للإخلال بالسداد التي استخدمت في هذه النماذج أخذ معظمها من بيانات السنوات من 1992 م إلى 2000 م وما بعدها ([30])، أي الفترة التي كانت فيها معدلات الإخلال بالسداد منخفضة وأسعار المساكن مستمرة في الارتفاع. ولذلك عندما يبني مستخدمو تلك النماذج تقديراتهم لاحتمالات الإخلال بالسداد، بالنسبة للإصدارات الجديدة من التزامات الدين المغطاة بالضمانات، على فترة تاريخية شهدت طفرة إسكانية وزيادات سنوية في الأسعار الحقيقية والاسمية للمساكن، فإنهم يجانبون الصواب بعدم الاكتراث إلى احتمال حدوث انتكاسة عامة في الطفرة الإسكانية تجعل الكثير من قروض الرهن العقاري عرضة للإخلال بالسداد. إن خفض المخاطر في مجمع من قروض الرهن العقاري يعتمد على مدى عدم ارتباط احتمالات الإخلال بالسداد، داخل المجمع، ببعضها البعض. فحين يحدث انكماش عام في الإسكان على نطاق القطر (الأمر الذي لم يصدق أحد في ذلك الوقت بإمكانية وقوعه) فإن احتمالات الإخلال بالسداد تتجه نحو التصاعد مجتمعة.
وعلى النقيض مما عليه الحال بالنسبة لسندات الشركات حيث تقف الوكالات على الحياد عند تقويم مخاطر الشركة، فإن الوكالات هي التي “تدير العرض ” ([31]) للمنتجات المهيكلة. فقد درجت وكالات التصنيف على نصح مصدري التزامات الدين المغطاة بالضمانات حول كيفية هيكلة هذه الأدوات بأدنى تمويل ممكن. وللقيام بذلك كان مصدرو التزامات الدين المغطاة بالضمانات يعملون مع الوكالات للوصول إلى الحجم الأمثل من الشرائح من أجل تعظيم حجم الشرائح التي تحصل على تصنيف عال من بين الشرائح منخفضة العائد. وحيث كانت الوكالات تحصل على مبالغ كبيرة مقابلا لهذه الخدمة، نتج عن ذلك تعارض واضح في المصالح. ذلك لأن مصدري التزامات الدين المغطاة بالضمانات إذا لم يحصلوا، لدى وكالة بعينها، على التصنيف الذي يرغبون فيه كان بمقدورهم المحاولة لدى وكالات أخرى، فيذهب معهم ما كانوا سيدفعون من أتعاب. وقد عرف هذا التصرف بالتسوق التصنيفي ” “ratings shopping”. وبناء على ما أوردته نيويورك تايمز” New York Times”، فقد قفزت أرباح وكالة موديز “Moody’ s” للتصنيف إلى ثلاثة أضعاف لتصل إلى 70 مليون دولار أمريكي في الفترة من عام 2002 م إلى عام 2007 م، ويعزى ذلك في معظمه إلى الأتعاب المحصلة من منتجات التمويل المهيكل ([32]). ووفقا لما ذكر كوفال وآخرون “Coval et al” (2008 م) فقد شكلت الأتعاب المتحصلة عن منتجات التمويل المهيكل 44 % من إيرادات موديز”Moody’ s” عام 2006 م.
وفي حين يبدو أن وكالات التصنيف قد واجهت إغراءات مفسدة، فإن عدم شفافية النظام إجمالا ضاعف أثر الأحكام البائسة التي أطلقتها تلك الوكالات، وتسبب في تضخم تصنيفي ” “ratings inflation”. ولم يقف الأمر فقط عند حد التعقيد الشديد الذي أصاب أسواق الالتزامات المغطاة بالضمانات والمنتجات المهيكلة الأخرى وجعل التصنيف الوسيلة الوحيدة المتاحة للمستثمرين للحكم على المخاطر، بل استفحل الأمر بحيث واجهت معظم الجهات المؤسسية المستثمرة قوانين تتيح لها فقط شراء الأصول الاستثمارية بناء على أحكام وكالات التصنيف. ومن ثم أصبحت وكالات التصنيف الثلاث هي وحدها المحكمة في المخاطر في سوق منتجات التمويل المهيكل.
سياسات الاحتياطي الاتحادي
والاقتراض من الخارج، والبحث عن العائد
من العوامل التي كثيرا ما تتجه نحوها أصابع الاتهام بشأن الأزمة المالية، سياسات الاحتياطي الاتحادي المتمثلة في المحافظة، لوقت طويل، على مستوى منخفض لأسعار الفائدة لتمكين الاقتصاد من الخروج من ركود عام 2001 م. فحين كانت نسبة البطالة متصاعدة وكان التضخم متناقصا (انظر التحليل في تايلور (“Taylor, 2007″، تم خفض
سعر الفائدة على أرصدة البنوك لدى الاحتياطي الاتحادي إلى 1 % في منتصف عام 2003 م، واستمر ذلك إلى منتصف عام 2004 م. وفي ظل انخفاض أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى مستوى 1 %، أخذت عدة مؤسسات مالية تناضل من أجل تحقيق ما كانت تراه كافيا من العائدات. وواجهت الصناديق المشتركة في سوق النقد مشكلة في تغطية المصروفات ودفع أي قدر من العائد لمستثمريها، بينما طفق مديرو الصناديق الأخرى يبحثون في يأس عن أصول ذات عائد أعلى دون تحمل قدر غير مناسب من المخاطر. وقد وصف لنا أحد مديري الصناديق هذا الوضع مبينا أنه وجد نفسه مجبرا على شراء سندات مغطاة بقروض الرهن العقاري وسندات أخرى مغطاة بالأصول لأنها كانت تعطي عائدات أعلى وتحظى بتصنيف عال لدى وكالات الائتمان. وقال إنه كان يدرك أن المخاطر قد تكون أعلى مما كان مقدرا، غير أن عملاءه كانوا سيسحبون أموالهم من صناديقه إذا كان قد أحجم عن تلك الاستثمارات. وكانت الصناديق المتنافسة تعلن عن عائدات مرتفعة ومخاطر منخفضة. وهكذا يحتج البعض بأن الاحتياطي الاتحادي شجع مثل هذا السلوك بإبقائه أسعار الفائدة قصيرة الأجل منخفضة إلى هذا الحد لوقت طويل جدا.
وقد نتساءل هل كان على الاحتياطي الاتحادي إبقاء أسعار الفائدة لدى مستوى أعلى، أو رفعها مبكرا لتفادي فقاعة أسعار المساكن؟ في هذا الصدد يحتج كل من إدوين ترومان وميشيل موسى “Edwin Truman & Michael Mussa” من معهد بيترسون بأن السياسات النقدية ينبغي أن تخضع للتعديل عندما تبدو الدلائل واضحة على تطور فقاعة في أسعار الأصول (انظر موسى “Mussa” 2004 م، وترومان”Truman” 2005 م). وعلى سبيل المثال فإن أسعار الأسهم قد تصاعدت كثيرا في تسعينات القرن الماضي خاصة أسهم التكنولوجيا، غير أن ذلك كان على نطاق السوق برمته. ثم انفجرت بعد ذلك فقاعة أسعار الأسهم، وتأثر العديد من الأمريكيين بدرجة بالغة. فقد كان هنالك إفراط استثماري في أسهم رأس المال في قطاع التكنولوجيا في تلك الحقبة، وكان للانحسار في الاستثمار التكنولوجي الذي وقع بعد ذلك دور محوري في إحداث ركود عام 2001 م. ولو أن أسعار الفائدة كانت قد حركت إلى أعلى بسرعة أكبر في تلك الحقبة، لربما كان بالإمكان تفادي الفقاعة الحالية، أو خفض حجمها. ومرة أخرى في السنوات التالية لعام 2000 م تسببت فقاعة الأسعار في قطاع الإسكان في طفرة إنشائية ضخمة ارتبط بها إنفاق على الأثاث ولوازم الاستعمال وما إلى ذلك. ولما كان الاحتياطي الاتحادي هو الجهة المنوط بها الحفاظ على توازن الاقتصاد، يستقيم القول بأن السياسات النقدية كان ينبغي إحكامها عاجلا للحد من الإفراط في الاستثمار الإسكاني. ولربما أدى ذلك إلى التضحية بقدر قليل من النمو الاقتصادي خلال الفترة من عام 2003 م إلى عام 2007 م، غير أن ذلك سيفضي إلى منفعة مؤجلة للنمو الاقتصادي، إذا أمكن تفادي موجة الانكماش. ويدفع زميلنا في مؤسسة بروكنغز”Brookings Institution”، دوجلاس إيلمندروف “Douglas Elmendorf” (2007 م) بالحجة المعاكسة، مستنتجا أن التجاوز في التوجه التوسعي للسياسة النقدية كان جد قليل في الجزء المبكر من هذه الحقبة الزمنية قياسا إلى مؤشرات البطالة والتضخم. وإذا أخذنا في الحسبان القوى الأخرى المؤثرة على الاقتصاد الكلي، لوجدنا أن أسعار الفائدة كانت مناسبة. ويلاحظ إيلمندروف”Elmendorf” أن السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية “countercyclical policy” تعد أداة ضعيفة الفاعلية، وأن ضمان النجاح في تقليص فقاعة أسعار الأصول يتطلب تأثيرا كبيرا جدا على الاقتصاد الكلي.
وأشار إيلمندروف”Elmendorf” أيضا إلى صعوبة التحديد، في وقت لاحق للأزمة، متى كان ارتفاع أسعار الأصول، حقيقة، جزءا من الفقاعة. وعلى سبيل المثال، حذر ألان غرينسبان “Alan Greenspan”، الذي كان حينها رئيسا للاحتياطي الاتحادي، من الحماسة الطائشة “irrational exuberance” في سوق الأسهم عام 1996 م عندما كان مؤشر داو جونز “Dow Jones” لدى 6000 نقطة فقط. وكل من غادر السوق في ذلك الوقت (كما فعل بعضهم) لا شك قد خسر مكاسب رأسمالية ضخمة وقابلة للاستمرار. وفي مقال نشر مؤخرا خلص جوناثان مكارثي ورتشارد بيتش “Jonathan McCarthy & Richars w. peach” (2004 م) من بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك إلى أن هنالك دليل واه لوجود فقاعة في أسعار المساكن في ذلك الوقت. وهكذا فإن الاعتماد على الاحتياطي الاتحادي في إجراء تقويم دقيق لفقاعة أسعار المساكن أمر محفوف بالمتاعب.
وبالرغم من أننا في كتابات سابقة وجدنا هذه الحجة مقنعة، فإننا الآن نقف في صف من يفضلون تعديل السياسات النقدية لإصلاح حالات فقاعات الأسعار. إن حدوث الطفرة والانهيار في قطاع الإسكان كان أمرا مكلفا لدافعي الضرائب وللاقتصاد كله لدرجة تبرر قبول الانخفاض في النمو الاقتصادي في الفترة 2004 م 2005 م كثمنا لتخفيف وطأة الانهيار الذي نواجهه الآن. وبينما يصعب الشعور المؤكد بوجود فقاعة الأسعار إبان حدوثها، فثمة أوضاع تبدو فيها احتمالات حدوثها عالية. ففي عام 2006 م أدرك ذوو الحذر الزائد من مراقبي سوق الإسكان الاحتمال الكبير لوقوع انهيار. وحتى إذا كان مكارثي وبيتش “McCarthy & Peach” على صواب بشأن عدم وجود فقاعة عام 2004 م، فمن المؤكد أن ذلك قد حدث بعد عامين لاحقين. ومن هنا نستخلص أن السياسات النقدية التي أبقت أسعار الفائدة منخفضة جدا كانت أحد أسباب الأزمة المالية.
ومع ذلك، فإن من الخطأ المغالاة في تصوير الأثر الذي كان سينتج عن اتباع مسلك مختلف لأسعار الفائدة قصيرة الأجل على ودائع البنوك لدى الاحتياطي الاتحادي، لأن الاحتياطي الاتحادي يحدد سعر الفائدة هذا ولا يحدد السلسلة الواسعة من أسعار الفائدة كما سبق بيانه في الشكل (1). فقد قام الاحتياطي الاتحادي بإحكام السياسات النقدية منذ
عام 2004 م، غير أن أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري ظلت منخفضة جدا مقارنة بمعدلاتها التاريخية ([33]).
وبمعزل عن سياسات الاحتياطي الاتحادي، هناك سبب مهم جدا لبقاء أسعار الفائدة منخفضة في الولايات المتحدة وعلى نطاق العالم وهو أن عرض المدخرات كان ضخما بالقياس إلى الطلب على الأموال للاستثمار ([34]). إن اقتصاد الولايات المتحدة اقتصاد قليل الادخار كثير الاقتراض، مول عجز موازنته واستثماره السكني معا من الاقتراض الخارجي. وقد كان هذا، جزئيا، تمويلا مباشرا من المؤسسات الأجنبية لشركات الولايات المتحدة وأدوات الدين الرهني العقاري. ولكن نظرا لأن النقود شيء قابل للانتقال، لم يكن يهم كثيرا أي الأصول كان الأجانب يشترون، بل إن ما يهم هو أنهم كانوا راغبين في تمويل تدفق ضخم لرأس المال القادم إلى الولايات المتحدة. وهذا التدفق الداخل لرأس المال كان الطرف المقابل له هو العجز في الحساب الجاري. ويظهر الشكل (8) العجز الضخم النامي للولايات المتحدة في الأعوام القليلة الماضية. وفي ظل عولمة الأسواق المالية، وكل النقود القادمة من مختلف أنحاء العالم بحثا عن عائدات، استطاع اقتصاد الولايات المتحدة تمويل طفرته الإسكانية بأسعار فائدة منخفضة ([35]).
لسنا ندري على نحو دقيق الهيئة التي كان سيبدو عليها اقتصاد الولايات المتحدة لو أن الجهات الأجنبية لم تكن قد رغبت في إقراض الولايات المتحدة بتلك الشروط الجيدة، ولكن يبدو من الراجح جدا أن ذلك كان سيفضي إلى أسعار فائدة أعلى وطفرة إسكانية أقل. فمن ناحية ما إذا، يستطيع المرء إلقاء جزء من اللوم بشأن حدوث التضخم الوهمي في قطاع الإسكان على أولئك الذين جلبوا رأس المال إلى اقتصاد الولايات المتحدة. وتلك حجة خادعة على كل حال. فقد كان من أهداف السياسة المهمة لدى الولايات المتحدة إبقاء أسعار الفائدة منخفضة في المتوسط لتشجيع الاستثمار والنمو الاقتصادي، فالنظام الذي أخضعت له الموازنة الاتحادية في تسعينات القرن الماضي كان يستند إلى هذا التبرير الصحيح. وعموما فإن من الأفضل تمويل الاستثمار بمدخرات تم توليدها محليا، ولكن إذا لم تأت تلك المدخرات يصبح من الأفضل الاستمرار في الاستثمار على نحو منتج، واقتراض النقود. وبالاستغناء عن الأموال الخارجية كان اقتصاد الولايات المتحدة سيستثمر بقدر أقل في جميع أصناف رأس المال. على أن المشكلة الحقيقية هي الإفراط في توجيه الاستثمار نحو الإسكان الذي لا يعد منتجا لدى الهامش، الأمر الذي ينبغي أن نلقي اللوم بشأنه على أنفسنا، قبل إلقائه على الذين أقرضوا النقود. وفضلا عن ذلك، فقد تلقى المستثمرون الأجانب ضربة موجعة لإقراضنا، إذ إن البنوك في مختلف بقاع الأرض واجهت خسائر كبيرة في أصولها المتعلقة بقروض الرهن العقاري في الولايات المتحدة.
الشكل (8)
تدفقات رأس المال إلى الولايات المتحدة (تساوى عجز الحساب الجاري) التي بلغت ما يتجاوز 6 % من إجمالي الناتج المحلي عام 2006 م.
الإطار رقم (3): مخطط زمني للموجة الابتدائية للأزمة ديسمبر 2006 م
- مؤسسة أونيت لحلول الرهن العقاري”Ownit Mortgage Solutions” تقدم مستندات إعلان إفلاس.
8 فبراير 2007 م
- يعلن HSBC Holdings (بنك ضخم مقره لندن) شطب ديون معدومة مقدارها 10.5 مليار دولار أمريكي، تفوق تقديرات المحللين بما يزيد عن ملياري دولار أمريكي. ويزعم البنك أن 20% من هذا المبلغ يعزى إلى محفظة قروض الرهن العقاري دون الممتازة بالولايات المتحدة.
28 فبراير
- -تعلن مؤسسة فريدي ماك ” Freddie Mac” عزمها على عدم شراء القروض دون الممتازة
13 مارس
- تظهر إحصاءات اتحاد مصرفيي الرهن العقاري للأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2006 م أن مدفوعات قروض الرهن العقاري المتأخرة أو المفقودة ارتفعت إلى 4.95 %، وبالنسبة لسوق قروض الرهن العقاري دون الممتازة ارتفعت إلى 13.3%.
3 أبريل
- القرن الجديد للتمويل “New Century Financial” (إحدى الشركات الكبيرة العاملة في مجال إقراض الرهن العقاري دون الممتاز) تقدم مستنداتها لإعلان إفلاسها بموجب الفصل (11).
10-12 يونيو
- موديز”Moody’s” تجري خفض رتب تصنيف لما قيمته 5 مليار دولار من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري الإسكانية من الفئة دون الممتازة، وتضع 184 شريحة من شرائح التزامات الدين المغطاة بالضمانات قيد المراجعة بغرض خفض الرتب. كما تقوم ستاندرد آند بورز “Standards & Poors” بوضع ما قيمته 7.3 مليار دولار من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري الإسكانية المنشأة في عام 2006 م تحت المراجعة بغرض خفض الرتب، وتعلن مراجعة صفقات التزامات ديون مغطاة بالضمانات، معرضة لمخاطر سندات مغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة دون الممتازة.
12 يونيو
- يعلن بير ستيرنز “Bear Srearns” عن مشكلات لدى اثنين من صناديق التحوط الضخمة التي يمتلكها (HSCSELF) و (BSHSCSMF)، مقدما بذلك الدليل على تدهور قيمة سندات مغطاة بالرهن العقاري، عالية التصنيف.
22 يونيو
- بير ستيرنز “Bear Stearns” يحاول إنقاذ صناديق التحوط التي يمتلكها حيث قام بضخ 1.6 مليار دولار من السيولة في صندوقه “المحسن” الذي فقد كل قيمته تقريبا.
31 يوليو
- قدم صندوقا بير ستيرنز “Bear Stearns” اللذان يواجهان مشكلات مستنداتهما لإعلان الإفلاس.
1 أغسطس
- عرضت وحدة النقود لدى شركة الإصدارات الفرنسية AXA SA الدفع نقدا للمستثمرين للتخارج من صندوق سنداتها ذي المليار دولار عندما تقلص حجمه بنسبة 40% في الشهر السابق، وقد خسر اثنان من الصناديق الفرعية لصندوق AXA 13.5 % و 12.6 % من قيمتيهما.
2 أغسطس
- البنك الألماني IKB Deutche بحاجة للإنقاذ من قبل بنك ألماني حكومي بسبب مشكلات ناتجة عن تعرض الأول للقروض دون الممتازة في الولايات المتحدة.
6 أغسطس
- البيت الأمريكي “American Home” (مؤسسة استثمار عقاري) تقدم مستنداتها لإعلان الإفلاس بموجب الفصل (11).
9 أغسطس
- البنك الفرنسي BNP Paribas قال إنه يقوم بتجميد ثلاثة صناديق بسبب خسائر تتعلق بالقروض دون الممتازة.
- البنك المركزي الأوربي والاحتياطي الاتحادي قدما الأموال لإقراض بنوك تواجه مشكلة واسعة النطاق في نقص السيولة.
- للمرة الأولى منذ سنوات ينخفض مقدار الأوراق التجارية المغطاة بالأصول، معطيا المؤشر على حالة استيلاء على أسواق الائتمان.
16 أغسطس
- أعلن الاحتياطي الاتحادي تخفيض سعر الحسم بمعدل نصف في المئة ليصبح 5.75 %.
17 أغسطس
- كونتريوايد “Countrywide” تسحب خط تمويلها الائتماني البالغ و 11.5 مليار دولار كاملا، وتواجه تهافتا على السحب.
23 أغسطس
- كونتريوايد”Countrywide”تحصل على دعم سيولة مقداره مليارا دولار أمريكي من بنك أمريكا ” “Bank of America”.
- سبتمبر
- البنك البريطاني نورثرن روك ” “Northern Rock” (مقدم قروض الرهن العقاري) يواجه تهافتا على سحب الودائع ويحصل على دعم سيولة من بنك إنجلترا “Bank of England”.
18 سبتمبر
- الاحتياطي الاتحادي يخفض سعر الفائدة على أرصدة البنوك لديه بنسبة نصف في المئة، إلى 4.75 %.
15 أكتوبر
- -سيتي بنك “Citibank” يعلن تخفيض قيمة موجودات مقداره 6.4 مليار دولار أمريكي.
24 أكتوبر
- ميريل لينتش “Merril Lynch” تعلن خفض قيمة موجودات مقداره 8.4 مليار دولار أمريكي.
31 أكتوبر
- يخفض الاحتياطي الاتحادي المستوى المستهدف لسعر الفائدة على أرصدة البنوك لديه بنسبة ربع في المائة، إلى 4.5 %.
4 نوفمبر
- مجموعة سيتي “Citigroup” تزيد خفض قيمة الموجودات ليصبح التخفيض 11 مليار دولار أمريكي، ويستقيل الرئيس التنفيذي المدير العام.
7 نوفمبر
- مورغان ستانلي “Morgan Stanley” تواجه 3.7 مليار دولار أمريكي إضافية تخفيضا لقيمة الموجودات.
- وكالة التصنيف فيتش “Fitch” تقول إنها ستقوم بمراجعة التصنيف لالتزامات دين مغطاة بالضمانات أصدرها ضامنون من بينهم Mbac و MBIA.
14 نوفمبر
- HSBC يأخذ إلى موازنته العمومية مبلغا أعلى مما كان متوقعا 3.4 مليار دولار أمريكي ديونا معدومة، و 41 مليار دولار أمريكي أصولا آلية خاصة للاستثمار.
- بير ستيرنز “Bear Stearns” يواجه خفض قيمة موجودات بقيمة 1.2 مليار دولار أمريكي للربع الرابع.
11 ديسمبر
- الاحتياطي الاتحادي يعلن تخفيضا بقيمة نصف في المائة في سعر الفائدة على أرصدة البنوك لديه.
12 ديسمبر
- بالتنسيق مع أربعة بنوك مركزية أخرى، يقدم الاحتياطي الاتحادي ما يصل إلى 40 مليار دولار أمريكي قروضا خاصة للبنوك خلال الأيام الثمانية التالية.
13 ديسمبر
- مجموعة سيتي “Citigroup” تدرج في موازنتها العمومية 49 مليار دولار أمريكي أصولا متعثرة.
18 يناير 2008 م
- واشنطون ميوتيوال “Washington Mutual” تسجل 1.87 مليار دولار أمريكي خسائر في الربع الرابع .
- وكالة فيتش “Fitch” للتصنيف تخفض تصنيف Mbac.
21 يناير
- إبان إغلاق الأسواق في الولايات المتحدة في ذكرى مارتن لوثر كنغ، انخفضت المؤشرات الأساسية على نطاق العالم، بما في ذلك انخفاض بنسبة 7.2% في ألمانيا، و 7.4% في الهند، و 5.5 % في بريطانيا.
22 يناير
- الاحتياطي الاتحادي يخفض سعر الفائدة على أرصدة البنوك لديه بنسبة ثلاثة أرباع في المائة.
16 مارس
- إعلان العزم على بيع بير ستيرنز “Bear Stearns” لـ JP Morgan بملياري دولار أمريكي للسهم، بموجب اتفاقية توسط فيها الاحتياطي الاتحادي والخزانة، وحسنت بضمان قروض بمبلغ 30 مليار دولار أمريكي من الاحتياطي الاتحادي. وقد كان هذا من أجل تدارك الإفلاس الوشيك لبير ستيرنز “Bear Stearns”. وكانت هذه أول مرة يقدم فيها الاحتياطي الاتحادي دعما لبنك استثمار.
التنظيم والإشراف
منذ أكثر من ثلاثين عاما مضت ظلت السياسات في الولايات المتحدة تتسم بتخفيف القيود التنظيمية على الأسواق الخاصة. فقد شهدت سبعينات القرن الماضي تخفيف القيود التنظيمية المفروضة على الخطوط الجوية والنقل بالشاحنات، حيث كان الرئيس ريغان “Regan” من داعمي إلغاء القيود التنظيمية، شأنه في ذلك شأن حليفته فلسفيا تاتشر”Thatcher” في المملكة المتحدة. وشهدت الأسواق المالية أيضا تحريرا تدريجيا من القيود التنظيمية، بدءا من تمكين الصناديق المشتركة في السوق المالية من إصدار حسابات جارية مدرة للفوائد، وانتهاء بإلغاء محظورات قانون غلاس ستيغال “Glass- Steagall” على البنوك. ومهما يكن فإن تحديد القدر الأمثل للتحرير من القيود التنظيمية أمر يتطلب الحذر كما رأينا في صناعة الطاقة الكهربائية. ولعل القطاع المالي يتطلب قدرا مماثلا، أو أكثر، من الحذر.
ولتجنيب البنوك التهافت على السحب كان هنالك تأمين للودائع في الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي، كما كانت هنالك ترتيبات موازية له في الاقتصادات المتقدمة الأخرى. فحين يعلم المودعون أن أموالهم محمية ليس ثمة ما يدفعهم إلى التهافت نحو نوافذ السحب منذ انطلاق أول شائعة عن وقوع مشكلة. وعندما واجه مؤخرا البنك البريطاني نورثرن روك “Northern Rock” بعض المشكلات، واصطف المودعون على طول الطرق المؤدية إلى فروعه، كان ذلك لأن برنامج التأمين في المملكة المتحدة لا يوفر الغطاء الكافي. فضلا عن ذلك فإن الاحتياطي الاتحادي، مثل البنوك المركزية الأخرى، يقوم بدور الملجأ الأخير للاقتراض بتقديم السيولة الإضافية للبنوك عند الشدة، مثلما فعل مع بنك الاستثمار بير ستيرنز في مارس من عام 2008 م، ومنذ ذلك الحين ظل يقوم بذلك الدور لكل النظام المالي ([36]). فقد تولت الحكومة الاتحادية حماية مودعي البنوك المنفردة، وحماية القطاع المالي كله.
ولما كان دافعو الضرائب للحكومة الاتحادية والولايات المتحدة هم الذين يتحملون تأمين الودائع وحماية استقرار النظام المالي، فإن من المناسب أن تكون لديهم جهة تنظيمية تتأكد من أن المؤسسات تتصرف بمسؤولية. وإلى جانب ذلك، فإن هناك حجة أخرى تدعم أهمية الإشراف على سوق إقراض الرهن العقاري. ذلك لأن شراء المنزل يشكل عادة أكبر استثمار تقوم به الأسرة في مسار حياتها ويتطلب مستوى من التعقيد في الأمور المالية يفتقر إليه العديد من الأسر بل معظمها. والأسواق لا تعمل بصورة جيدة عندما تتسم بعدم تماثل المعلومات، وهذا السوق يتسم بتلك الصفة.
ومن ثم هناك مسوغ واضح للحاجة إلى تنظيم أفضل لأسواق إقراض الرهن العقاري والأسواق المالية. وفي واقع الحال، كان هنالك جهاز تنظيمي مختص بالأسواق المالية. وكما وصف الأمر أحد مسؤولي البنوك الأمريكية الكبيرة، فقد كانت هناك “غرف مكتظة” بالمنظمين المنهمكين في الاطلاع على الدفاتر. وعلى مستوى العملاء يعلم كل فرد استفاد من قرض رهن عقاري أن هناك رزمة من الأوراق للتوقيع، استحدثها المنظمون الولائيون والاتحاديون، بموجب قانون إجراءات التسويات العقارية، وقانون إظهار الحقيقة في الإقراض، (RESPA & TILA) بهدف حماية المقترضين. فلماذا لم يكن ذلك المستوى من التنظيم فاعلا؟
هذه مسألة سيتم تناولها بمزيد من الاستفاضة في أبحاث لاحقة من هذه السلسلة، حين ننتقل إلى الحديث عما ينبغي عمله لتفادي وقوع مشكلات مماثلة مستقبلا، ولكن لابد هنا من أن نشير إلى بعض الأمور. ففي واقع الأمر ليس هنالك نظام موحد للإشراف على البنوك، وإنما هناك عمل أشبه بالترقيع يقوم به المنظمون على المستويين الولائي والاتحادي. وحين كنا نعد هذا البحث صدمنا بما تنطوي عليه آليات الاستثمار المهيكل والتزامات الدين المغطاة بالضمانات من تعقيد، غير أننا كدنا نصعق من هول التعقيد البيزنطي لهيكل التنظيم لدى الولايات المتحدة. فالاحتياطي الاتحادي يشرف على كل الشركات البنكية القابضة والبنوك المدرجة في عضوية نظام الاحتياطي الاتحادي. ومؤسسة تأمين الودائع الاتحادية تقدم 100000 دولار أمريكي (زيدت مؤخرا إلى 2500000 دولار أمريكي) من تأمين الودائع، وتقوم بدور المنظم الاتحادي لحوالي 6500 من البنوك المرخص لها من قبل الولايات غير المدرجة في عضوية نظام الاحتياطي الاتحادي. ومكتب مراقب البنوك يتولى مهمة الترخيص والتنظيم لـ 1600 بنك وطني، بينما تقوم 50 إدارة ولائية بالترخيص والتنظيم لبنوك الولايات، وعضوية نظام الاحتياطي الاتحادي مطلوبة بالنسبة للبنوك الوطنية. ويتولى مكتب الإشراف على الادخار مهمة الإشراف على ما تبقى من مؤسسات الادخار والإقراض. أما المجلس المحاسبي للمعايير المالية فينظم القوانين المحاسبية، وتنظم هيئة السندات والبورصات المؤسسات بما فيها بنوك الاستثمار ووكالات التصنيف. ولا أحد يمتلك سلطة واضحة. فنحن قد قمنا بتطوير سوق لقروض الرهن العقاري يتمتع بعلاقات عالمية، ومع ذلك ليست لدينا سلطة وطنية موحدة للتنظيم.
وإلى جانب الطبيعة البيزنطية التي يتسم بها النظام التنظيمي الاتحادي، فإن جزءا معتبرا من قروض الرهن العقاري دون الممتازة تلك التي شكلت جذور الأزمة المالية الراهنة كانت قد أنشأتها في المقام الأول مؤسسات خارج نطاق التنظيم الاتحادي. وقد أشارت بعض التقديرات إلى أن ما يزيد عن نصف القروض دون الممتازة التي تم إنشاؤها في الفترة من عام 2004 م إلى عام 2005 م، أنشئت من قبل شركات لإقراض الرهن العقاري، غير متلقية للودائع، وغير تابعة لأي بنك (انظر كول “Cole”، 2007 م). وهذه الشركات المستقلة لم تكن مغطاة من قبل مؤسسة تأمين الودائع الاتحادية، أو الاحتياطي الاتحادي، أو التنظيم الاتحادي، بل تقتصر تغطيتها فقط على التنظيم الولائي.
وبالنظر إلى نوع القروض متأخرة السداد حاليا أي النظر في جذور الاضطراب المالي الحالي يبدو جليا أن جزءا كبيرا من هذا النوع من القروض قد تم إنشاؤه “تحت رادار” التنظيم الاتحادي. وتبين إحصاءات اتحاد مصرفيي الرهن العقاري أن 6.4 % من إجمالي قروض الرهن العقاري تواجه تأخرا في السداد كما في الربع الثاني من عام 2008 م. ووفق تقديراتنا نحن فإن حوالي ربع هذه القروض تم إنشاؤها خارج النظام التنظيمي الاتحادي. وكذلك الحال بالنسبة لما يقرب من 30% من قروض الرهن العقاري التي تعرضت إلى حبس الرهن من الربع الثاني من عام 2008 م ([37]). وهكذا فإن الجهات التنظيمية الاتحادية حتى إذا كانت راغبة وقادرة بما يكفي لكبح التعامل بالمعايير غير الصارمة، فإنها لا تملك السلطة المباشرة للقيام بذلك بالنسبة لجزء كبير من السوق.
غير أن نشوء جزء كبير من الإقراض دون الممتاز خارج نطاق مسؤولية الأجهزة التنظيمية الاتحادية لا يعد حجة مبرئة لها. فبالرغم من محدودية سلطات الاحتياطي الاتحادي، كان ينبغي عليه بذل جهد أكبر لإبطاء أو وقف تدهور معايير الإقراض. فقد حذر إدوارد غراملتش “Edward M. Gramlich” الذي كان محافظا للاحتياطي الاتحادي في ذلك الوقت زملاءه بشأن تدهور معايير الإقراض وما تشكله من مخاطر منذ عام 2000 م. وقد كان هنالك مجلس استشاري للمستهلكين يطلع الاحتياطي الاتحادي على آرائه ومخاوفه. ويبين محضر اجتماع ذلك المجلس عام 2005 م أنه كان على علم بالمشكلات التي أخذت تنشأ في أسواق إقراض الرهن العقاري، وقد حذر الاحتياطي الاتحادي منها. وقد كانت للاحتياطي الاتحادي المنزلة المرموقة التي تمكنه من إحداث التغيير والتأثير على الجهات التنظيمية الولائية. فإطلاق التحذيرات على المستوى الخاص أو بصورة معلنة كان كافيا للحد من حجم الإقراض الرديء حتى في الأسواق التي لم تكن للاحتياطي الاتحادي سلطة قانونية مباشرة عليها. ولا شك أن الأجهزة التنظيمية الولائية والاتحادية كان ينبغي عليها أيضا القيام بدور أفضل.
الفشل في ممارسات إدارة مخاطر الشركات
في أعقاب الأزمة تكبدت عدة شركات مالية خسائر ضخمة وفقد العديد من الرؤساء التنفيذيين وظائفهم. ولم تكن الأزمة فقط أو حتى في أساسها فشلا تنظيميا، إذ إنها تعكس ضعف الحوكمة المؤسسية الداخلية، وضعف البنية الأساسية للأسواق المالية المعتمة وغياب الرقابة عليها، وفوق هذا وذاك الأخطاء التي ارتكبها صانعو القرار في القطاع الخاص.
وهناك تقويمان مهمان أجريا في أعقاب الأزمة لجوانب الفشل (وجوانب النجاح) لممارسات إدارة المخاطر في المؤسسات المالية. ففي 6 مارس 2008 م أصدرت مجموعة كبار المشرفين بمنتدى الاستقرار المالي تقريرا بعنوان “ملاحظات حول ممارسات إدارة المخاطر إبان اضطراب السوق مؤخرا “. وقد أعد هذا التقرير على أساس مسح شمل إحدى عشرة منشأة من أضخم منشآت العمل المصرفي والسندات (بالإضافة إلى اجتماع مائدة مستديرة ضم خمس منشآت أخرى). وحدد ذلك التقرير ممارسات إدارة المخاطر التي ساعدت بعض هذه المنشآت على تجنب أسوأ الخسائر، والممارسات التي أدت إلى الفشل.
وفي 18 أبريل أصدر البنك السويسري UBS تقريرا للمساهمين حول تخفيض قيمة موجودات UBS بناء على طلب سلطات العمل المصرفي السويسرية. وقد كان ذلك التقرير مطولا وبمثابة صيغة للإقرار بالذنب “mea culba” غير عادية تسرد بالتفصيل المشكلات التي نتجت عنها الخسائر فائقة الضخامة، في سوق سندات الرهن العقاري.
ونحيل القراء إلى تلك التقارير نفسها لما حوت من تفصيل حول الممارسات الأفضل والأسوأ. غير أن هناك بضع مسائل تبرز من حيث أهميتها الفائقة. فالمشكلات الكبرى ظهرت حين أخفق المديرون القياديون في مراقبة وضبط أقسام شركاتهم التي تمارس المتاجرة في التزامات الدين المغطاة بالضمانات والسندات المتصلة بها. إن المؤسسات المالية لديها إجراءات لإدارة المخاطر لكنها لم تتبعها، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى الأموال الطائلة التي كان يتم جنيها إبان الطفرة. وبدون ممارسة الإشراف الكافي ظن أولئك المديرون القياديون أن الأصول الخطرة يجري ببساطة بيعها في السوق دون الاحتفاظ بها في الموازنات العمومية للبنوك. ويعزى ذلك الظن من ناحية إلى وجود فاصل زمني بين تاريخ إصدار السندات وتاريخ بيعها، ومن ناحية أخرى إلى كون الاحتفاظ بالسندات المدة من الزمن) أمر جد مربح.
وكما لاحظنا سابقا، فإن من المشكلات الرئيسة، كون التصنيفات التي كانت تصدرها الوكالات تقبل بدون المعرفة الكافية بالمخاطر التي تنطوي عليها محافظ قروض الرهن العقاري ذات الصلة. ولم يكن هناك اختبار توتر”stress testing” كاف لتلك المحافظ ضد الهزات الارتباطية (تراجع السوق على نطاق واسع)، أو تصور متكامل لدى المؤسسات لما تنطوي عليه المحافظ المعنية من مخاطر. وكانت أنشطة الأعمال ينظر إليها بصورة مجزأة، لا كجزء واحد مترابط ضمن الإطار الكلي لمحافظ الشركة.
وحين واجهت المؤسسات المالية أسعار فائدة منخفضة، وضغوطا تنافسية لتحقيق عائدات عالية للمستثمرين وأرباحا عالية للمساهمين، فشل العديد منها في تطبيق ما كان لديه بالفعل من ممارسات إدارة المخاطر. والآن، فقد تعلمت تلك المؤسسات المالية درسا سيجعلها، بلا شك، تتصرف بأسلوب مختلف في المستقبل، على الأقل إلى حين من الزمن. وهذا السرد، على كل حال، يبدو محبطا إذ إن قانون ساربانس أوكسلي لعام 2002 م كان مقصده تقوية ممارسات إدارة المخاطر، وتمكين المديرين القياديين من تحمل المسؤولية كاملة تجاه تجنب هذا النوع من الأزمات.
أثر التقويم على أساس أسعار السوق
ثمة تغيير في القواعد المحاسبية تم إدخاله بالتدريج في معايير إعداد البيانات المالية للشركات وهو القيام بتقويم الأصول في الموازنة العمومية بالقيم التي كانت ستحصل عليها لو بيعت في السوق. ويصف العديد من الاقتصاديين هذا التغيير بأنه تغيير تدرك مرماه البديهة، حيث إن الشركات عندئذ لا تستطيع أن تبقي في دفاترها الأصول التي لم تعد تحتفظ بقيمها المحسوبة على أساس القيمة التاريخية والإهلاك. فضلا عن أن هذا الأسلوب قادر على إعطاء الاعتبار المناسب للأصول التي تصبح أكثر قيمة.
وقد استحدث تقويم الأصول على أساس أسعار السوق عام 1993 م بعد أزمة الادخار والإقراض، حيث أدت المعايير ذات المنظور الرجعي، المبنية على المبادئ المحاسبية المقبولة عموما “GAAP” إلى إطالة الأزمة بإتاحتها الفرصة للعديد من مؤسسات الادخار والإقراض لإظهار ملاءتها المالية على دفاترها، حتى إذا كانت قد فقدت كل رأسمالها. ذلك لأن القيمة الدفترية للأصول كانت تحسب على أساس قيمة شرائها من قبل المؤسسة، بدلا من حسابها على أساس سعرها الجاري في السوق. ومن ثم بدت الموازنات العمومية غير متأثرة عندما هبطت قيم الأصول. وقد جعل هذا الوضع المعتم البنوك التي كان ينبغي إغلاقها، تتشبث بالسوق وتطيل أمد الأزمة. لذا اعتبر تقويم الأصول على أساس سعر السوق الحل الذي سيجلب قدرا أكبر من الشفافية في الموازنات العمومية، ويمنع حدوث كارثة شبيهة بكارثة مؤسسات الادخار والإقراض، مرة أخرى.
وعلى أية حال، فإن هناك مشكلتان قد تنتجان عن تقويم الأصول على أساس سعر السوق. المشكلة الأولى هي أن كثيرا من الأصول أصول متفردة، ولا تتم المتاجرة فيها بانتظام في السوق، ولا يوجد، في حقيقة الأمر، سعر سوقي جاهز لتقويمها وفقه. والمشكلة الثانية هي كون الأسعار السوقية شديدة التقلب، وقد تشهد ارتفاعا جامحا في الوقت الذي تتشكل فيه فقاعة التضخم الوهمي، ثم انخفاضا جامحا حين تنفجر الفقاعة، وقد يكون كل من صعودها وهبوطها على هذا النحو مصدرا للمشكلات. فعند الصعود تظهر أصول الشركات تجاوزا في القيمة حين يتم تقويمها على أساس أسعار السوق. وكما أوضحنا من قبل، فإن هذا الارتفاع في الأسعار قد يشجع الشركات على التوسع في الإقراض والإفراط في تعبئة موارد الدين. وحين تنفجر فقاعة التضخم الوهمي، تنخفض أسعار الأصول كثيرا، وتضطر البنوك إلى الحد من الإقراض بدرجة كبيرة، وقد تصبح معسرة إذا تجاوزت الخصوم قيمة الأصول المقومة على أساس سعر السوق. وإذا كان قد أتيح للمؤسسات الاحتفاظ بالأصول إلى حين الاستحقاق، في هذه الحال، كانت ستحقق قيمة حالية لتدفقاتها النقدية أكبر مما يظهره التقويم السوقي قصير الأجل.
وقد كان من المبررات الأساسية لبرنامج إسعاف الأصول المتعثرة “TARP” الذي اقترحته الخزانة بوصفه جزءا من استجابتها للأزمة محاولة التوصل إلى تسعير لأصول البنوك يكون أكثر دقة وشفافية. وقد ضمم برنامج المزاد العلني العكسي “reverse auction” الذي اقترحته صمم ليعمل كآلية “لاكتشاف السعر” تتيح للأسواق معرفة ما كانت بعض الأصول المتعثرة ستحظى به، فعليا، من حيث القيمة، حين يتم تقويمها على أساس “الاحتفاظ لحين الاستحقاق “، بدلا من أسعار البيع البخس “fire sale” التي سادت في جو الأزمة.
وهنالك مراقبون يذهبون إلى أن محاسبة التقويم على أساس أسعار السوق تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن الأزمة، لإرغامها بعض المؤسسات المالية على الإفلاس رغم ما لدى تلك المؤسسات من قيمة صافية موجبة، إذا تم تقويمها على أساس القيمة طويلة الأجل. وفي هذه المرحلة من الأزمة، لم يتضح بعد الحكم على المسألة. لا ندري إلى الآن ما ستكون عليه القيمة الحقيقية لبعض الأصول.
دروس مستفادة من دراسة أصول الأزمة المالية
نأتي هنا إلى خلاصة النقاش حول الأزمة المالية. وقد عرضنا في الإطار رقم (3) مخططا زمنيا للموجة الابتدائية للأزمة، بدءا من أواخر عام 2006 م، وانتهاء بانهيار بير ستيرنز “Bear Stearns” في مارس 2008 م. وفي هذا الفصل الأخير سنعرض القليل من الدروس المستفادة مما تم سرده من أحداث. وفي البحث القادم من أبحاث سلسلة إصلاح التمويل (Fixing Finance) سيغطي النقاش امتداد الأزمة إلى الأسواق العالمية، واستجابة الجهات التنظيمية، وما كان لها من فاعلية في الوسط الاقتصادي خارج وول ستريت “Wall Street”.
- بعض العوامل التي ساهمت في الأزمة ليست مما هو قابل للتغيير، إلا بكلف غير مقبولة. فعلى سبيل المثال، لم يكن للطفرة الإسكانية أن تستمر كما فعلت إذا لم تأت الأموال بذلك الحجم الضخم من المقرضين الأجانب. ولكن إقفال حدود الولايات المتحدة أمام رأس المال الأجنبي أمر غير مقبول. سيكون الثمن مكلفا جدا، وفي ظل تكامل شركات الولايات المتحدة مع بقية العالم يصبح ذلك غير مجد.
- كان من الممكن أن يؤدي الإحكام الشديد للسياسات النقدية في وقت مبكر من دورة الأزمة إلى الحد من الطفرة الإسكانية. وقد نظن أن تلك فكرة جيدة، ولكن هنالك حدودا لما كان بالإمكان فعله على هذا النحو. فهناك طرق أفضل لتفادي الأزمة، بدلا من دفع الاقتصاد إلى الركود عام 2004 م، أو 2005 م.
- يبرز تدهور معايير الإقراض الخاصة بقروض الرهن العقاري بوصفه أحد المسائل التي كان بالإمكان، وكان ينبغي، إيقافها خاصة عندما ظهرت المخاوف من حدوث تضخم وهمي في أسعار المساكن. والتحدي الذي نواجهه هو أن نستحدث هيكل حوافز في إطار نموذج الإنشاء بغرض التوزيع “originate to distribute” كي يؤدي إلى النتيجة التي نريد، أو ننشئ قوة من المنظمين أكثر تكاملا للتأكد في عدم وجود قدر كبير من السلوك السيء، أو نلجأ إلى مزيج من هذين الإجراءين معا.
- لقد ذهب توريق قروض الرهن العقاري إلى مدى يفوق نقطة القيمة، وأوجد أصولا لم تتسم بالشفافية. ونحن نعلم من النظرية الاقتصادية أن الأسواق ذات المعلومات غير المتماثلة مشكلة، وكأن من عملوا على مضاعفة عمليات التوريق كانوا مصممين على مضاعفة تلك المشكلة.
- تحتاج البنى الأساسية للنظام المالي إلى فحص دقيق. ففي حين شهدت المشتقات المعقدة مثل مبادلات الإعسار الائتماني نموا مضاعفا، لا يدري أحد درجة تعرض أية مؤسسة لهذه المنتجات نظرا لأن كل صفقة من صفقات مبادلة الإعسار الائتماني تتم خارج البورصة بدلا من داخلها. وغياب الشفافية هذا يضاعف مشكلة عدم تماثل المعلومات ويزيد من المخاطر المتوقعة للنظام.
- فشلت وكالات التصنيف الائتماني في التقويم السليم لمخاطر الأصول المورقة التي قامت بتصنيفها. وتأثرت بتعارض في المصالح يتعلق بهيكل أتعابها. ويكمن الجزء الأكبر من مشكلة التصنيف الائتماني في انعدام الشفافية في النظام لدرجة جعلت وكالات التصنيف الجهة الوحيدة التي يتم تحكيمها في المخاطر. وأصبح كل فرد، حتى الجهات المنظمة نفسها، يعتمد تماما على رأي تلك الوكالات في المخاطر. فهناك حاجة إلى إصلاح في هيكل التصنيف الائتماني، وربما تقليل الاعتماد على تصنيف الوكالات.
- المؤسسات المالية نفسها لم تتبع ما لديها من أفضل الممارسات في إدارة المخاطر. وفي المدى القصير ستقوم هذه المؤسسات، بلا شك، بإجراء تغييرات داخلية، غير أن التجارب دلت على أن مشكلة أخرى قد تقع بعد مضي عدة سنوات. فهل هذه المشكلة تستلزم تغيير السياسات أم لا؟. إن قانون سربانس – أوكسلي”Sarbanes- Oxley”
أصبح حاليا مصدرا لمشكلات تنافسية للأسواق المالية في الولايات المتحدة، كما لم يكن فاعلا في تدارك هذه الأزمة. ولعل إحدى المسائل المهمة في هذا المجال هي تحديد ما إذا كانت البنوك قد أفرطت في الاعتماد على موارد الدين وكان ما لديها من رأس المال غير كاف أم لا. وفيما يبدو فإن قوانين اتفاقية بازل الثانية لم تكن فاعلة هي الأخرى. - ينبغي أن تتطرق المناقشات اللاحقة المتعلقة بالتنظيم إلى السمة الدوريةpro- cyciIicality للسيولة واستخدام موارد الدين في النظام المالي.
- لم يتلق العامة التحذير الكافي من الأخطار الناشئة في سوق إقراض الرهن العقاري. قد لا نستطيع أن نتوقع من صانعي السياسات القيام بتخمين حال السوق أو أن يعلموا متى ما وقع تقويم للأصول بما يفوق قيمتها الحقيقية، ولكننا نستطيع وينبغي أن نتوقع منهم التحذير من المخاطر المتنامية للأصول التي قد تدر عائدات ضخمة، ذلك أنها قد تؤدي أيضا إلى خسائر هائلة. لقد كان ينبغي تحذير الأسر من أن استمرار الزيادات الكبيرة في أسعار المساكن ليس أمرا مؤكدا.
- لماذا لم يقم المنظمون الاتحاديون والولائيون بأكثر مما فعلوا؟ لعل إحدى المسائل المهمة في هذا الصدد هي أنهم ظنوا أن تخفيف الضوابط التنظيمية كان هو الأفضل، وأن السوق سيتولى شأن أية مشكلات أخرى. إن الاندفاع نحو تخفيف القيود التنظيمية خلال الأعوام الثلاثين الماضية قد أدى إلى غياب التفريق في السياسات. نحن بحاجة إلى التخلص من القيود التنظيمية السيئة التي تكبت المنافسة وتمنع الابتكار، ولكننا بحاجة أيضا إلى تحسين القيود التنظيمية حيث تكون تلك القيود قادرة على جعل الأسواق تعمل بصورة أفضل، وتتجنب الأزمات.
المراجع
- أدريان توبياس، وهايون سونغ شين، 2008 م، “السيولة واستخدام موارد الدين “، ورقة غير منشورة، بنك الاحتياطي الاتحادي – نيويورك وجامعة برنستون، (سبتمبر).
- أشكرافت آدم، وتيل ستشورمان، 2008 م، “فهم توريق ائتمان الرهون العقارية دون الممتازة ” تقرير داخلي رقم (318)، بنك الاحتياطي الاتحادي – نيويورك، (مارس).
- بارث جيمس، وغلين ياغو، 2008 م، “تبسيط انهيار قروض الرهن العقاري: ماذا يعني الانهيار للسوق المالية الرسمية، وغير الرسمية، والنظام المالي في الولايات المتحدة “، عرض قدم في معهد ميلكين، (2 أكتوبر).
- لجنة بازل للإشراف المصرفي، 2001 م، اتفاقية بازل الجديدة لرأس المال، بنك التسويات الدولية، (مايو).
- بختشانداني سوشل، وديفيد هيرشمليفر، وإيفو ولتش، 1992 م، “نظرية حول الهوس، والموضة، والعادات، والتغير الثقافي، كتيارات معلوماتية ” مجلة الاقتصاد السياسي، مجلد (100)، العدد (5)، أكتوبر 1992 م، الصفحات من 922 إلى 1026.
- برانرميير ماركوس، 2008 م، “أفكار حول بنية معمارية مالية جديدة: ملاحظات عن الأزمة في وول ستريت ” حلقة حوارية نظمت في جامعة برنستون، (23 سبتمبر).
- كارل كاثارين كومان، وبارتون هيبيرن، 2008 م، “الدور المحوري لأسعار المساكن في الأزمة الحالية: كيف ينقشع الوضع في السوق “، من أوراق مؤسسة بروكنغز حول النشاط الاقتصادي (2: 2008 م).
- كول روجر، “سوق الرهن العقاري دون الممتاز”، شهادة أدلي بها أمام لجنة المصارف والإسكان وشؤون المدن التابعة لمجلس الشيوخ، (22 مارس).
- كوفال جوشا، وجاكوب جيرك، وأريك استافارد، 2008 م، “اقتصاديات الاستثمار المهيكل “، ورقة عمل لمدرسة هارفرد للأعمال، كيمبردج.
- بنك كريديت سويس، “سيولة قروض الرهن العقاري الحالية: تقديرها كما ينبغي “، بحث حول رأس المال، (مارس).
- دميانيك يوليا، وأوتو فان هيميرت، 2008 م، “فهم أزمة قروض الرهن العقاري دون الممتازة “، ورقة غير منشورة، بنك الاحتياطي الاتحادي – سانت لويس وجامعة نيويورك، (فبراير).
- إيلمندروف دوغلاس، 2008 م، “الابتكار المالي والإسكان: مضامينه المتعلقة بالسياسات النقدية “، مؤسسة بروكنغز، (21 أبريل)، متاحة في:http:// www. brookings. edu/monetary policy elmendrof. aspx 10421/ papers/2008
- إيلمندروف دوغلاس، 2007 م، “هل كان الاحتياطي الاتحادي متساهلا أكثر مما يجب، لفترة أطول مما يجب؟”، ورقة غير منشورة، مؤسسة بروكنغز، (9 نوفمبر)، متاحة في: fed elmendrof. aspx 11/ http:// www. brookings. edu/ opinions/2007
- فيتش للتصنيف، 2007 م، “تقرير خاص: مسح مشتقات الائتمان “CDx Survey”استمرار نمو الأسواق من حيث الحجم في حين نشوء المخاوف الجديدة “، (16 يوليو)، متاحة في: www. fitchratings. Com
- غالين جوشا، 2004 م، “العلاقة طويلة المدى بين أسعار المساكن والريع “، ورقة نقاش رقم (2004 -50) حول التمويل والاقتصاد، واشنطون: مجلس محافظي النظام الاحتياطي الاتحادي، (سبتمبر).
- غيراردي كريستوفر، وآدم هيل شابيرو، وبول ويلين، 2007 م، “نتائج إقراض الرهن العقاري دون الممتاز: قروض رهن عقاري ذات مخاطر، وتجارب ملكية مساكن، وحالات حبس رهن “، ورقة عمل رقم (07- 15)، بنك الاحتياطي الاتحادي بوسطون، (ديسمبر).
- غورتون غاري، 2008 م، “ذعر دون الممتاز”، ورقة عمل رقم (14398)، المؤسسة الوطنية للبحوث الاقتصادية، كيمبردج.
- غرامليتش إدوارد، 2007 م، “الطفرات والأزمات: حالة قروض الرهن العقاري دون الممتازة “، ورقة قدمت في ندوة بنك الاحتياطي الاتحادي في مدينة كنساس، جاكسون هولى، ويو، (31 أغسطس أول سبتمبر).
- غرامليتش إدوارد، 2007 م، “الرهن العقاري دون الممتاز: الطفرة والأزمة في أمريكا مؤخرا”، واشنطون، معهد الدراسات الحضرية.
- غرين رتشارد، وسوزان واتشتر، 2007 م، “ثورة تمويل الإسكان “، ورقة قدمت في ندوة بنك الاحتياطي الاتحادي في مدينة كنساس، جاكسون هول، ويو، (31 أغسطس أول سبتمبر).
- غرينلو ديفيد، وجان هاتزيوس، وأنيل كاشاب، وهيون سونغ شين، 2008 م، “الخسائر المدعومة باستخدام موارد الدين: دروس من انهيار سوق إقراض الرهن العقاري “، ورقة أعدت لمنتدى الولايات المتحدة للسياسات النقدية، جامعة شيكاغو ومعهد روسنبرج للتمويل العالمي بجامعة برانديس، (29 فبراير).
- غرينسبان ألان، وجيمس كنيدي، 2007 م، “مصادر واستخدامات الأسهم المستخلصة من المساكن “، ورقة مناقشة رقم (2007 -20) في التمويل والاقتصاد، مجلس محافظي النظام الاحتياطي الاتحادي، (مارس).
- صندوق النقد الدولي، 2008 م، “تقرير الاستقرار المالي العالمي: احتواء مخاطر النظام والحفاظ على السلامة المالية “، واشنطون، (أبريل).
- بنك JPMorgan، 2005 م، “تغيرات واتجاهات سوق الأوراق المالية المغطاة بالأصول “، بحث في التمويل المهيكل العالمي، (6 يونيو).
- جوزيف ماسون، وجوشوا روسنر، 2007 م، “ما مدى استجابة السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري لفوضى التزامات الدين المغطاة بالضمانات “، (15 فبراير)، متاحة لدى شبكة بحوث العلوم الاجتماعية:”SSRN” http:// ssrn. com/ abstract=1027472
- مكارثي جوناثان، ورتشارد بيتش، 2004 م، “هل ستشكل أسعار المساكن فقاعة التضخم الوهمي الجديدة؟”، تقرير السياسات الاقتصادية لبنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، 10 (3): 171.
- ميان عاطف، وأمير صوفي، 2008 م، “عواقب توسع ائتمان الرهن العقاري: أدلة من أزمة الإخلال بسداد قروض الرهن العقاري عام 2007 م “، ورقة غير منشورة، جامعة شيكاغو، (يناير).
- مينسكي هايمان، 1992 م، “فرضية الاستقرار المالي “، معهد جيرومي ليفي الاقتصادي بكلية بارد، ورقة عمل رقم (74)، (مايو).
- موديز لخدمات المستثمر، 2008، “النظرة المستقبلية لالتزامات الدين المغطاة بالضمانات في الولايات المتحدة، وتقرير 2007 م “، تقرير خاص حول التمويل المهيكل، (مارس).
- موديز لخدمات المستثمر، 2008 م، “نشرة موديز حول آليات الاستثمار المهيكل “، تقرير خاص حول التمويل المهيكل العالمي، (مارس).
- ميشيل موسى، 2004 م، “الآفاق الاقتصادية العالمية: مشرقة لعام 2004 م، مع تساؤلات بعد ذلك “، عرض قدم في معهد الاقتصاد الدولي، واشنطون، (أول أبريل).
- مكتب مراقبة مؤسسات الإسكان الاتحادية، 2008 م، تقرير قدم للكونجرس.
- باسمور وايني، وشاني شيرلند، وغليان بيرغس، 2005 م، “تأثير مؤسسات الإسكان المرعية من قبل الحكومة على أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري “، مجلة اقتصاديات العقار، العدد 33 (خريف 2005 م)، الصفحات من 427 إلى 463.
- روبرت شيلر، 2008 م، “حل الرهن العقاري دون الممتاز: كيف حدثت الأزمة المالية الراهنة، وماذا ينبغي أن يفعل تجاهها؟”، مطبعة جامعة برنستون، نيو جيرسي.
- جون تايلور، 2007 م، “الإسكان والسياسات النقدية “، ورقة قدمت في ندوة بنك الاحتياطي الاتحادي في مدينة كنساس، جاكسون هول، ويو، (31 أغسطس أول سبتمبر).
- إدوين ترومان، 2004 م، “تأجيل الإصلاح العالمي: تحليل الإصلاح المؤجل لعدم التوازن العالمي “، ورقة عمل: معهد الاقتصاد الدولي، واشنطون.
[(*)] باحث أول في الدراسات الاقتصادية بمؤسسة بروكنغز، ومدير مبادرة “الأعمال والسياسة العامة”.
[(**)] باحث اقتصادي أول في الدراسات الاقتصادية بمؤسسة بروكنغز.
[(***)] مساعد بحث أول في برنامج الدراسات الاقتصادية بمؤسسة بروكنغز.
[1] هنالك الكثير من الأعمال التي تسعى أيضا إلى إيضاح الأحداث التي أدت إلى الأزمة ز انظر أشكرافت وستشورمان (2008 م)، وكالوميريس (2008 م)، وغيراردي ولينهارت وسيرلينت وولين (2008 م)، وغورتون (2008 م)، ودميانيك وهيميرت (2008 م)، وغيرهم.
[2] يستخدم أيضأ مؤشر كيس شيلر على نطاق واسع لقياس أسعار المساكن. ويتسم ذلك المؤشر من ناحية عامة بنسق شبيه بما قمنا بعرضه هنا، ولكنه لا يعود بنفس القدر إلى الوراء من حيث البعد التاريخي.
[3] العلاقة بين دخل الأسرة والطلب على الإسكان ليست دقيقة انظر مثلا غالين “Gallin” (2004 م). وللوقوف على نظرة أكثر عمقا وتفصيلا حول نسبة أسعار السكن إلى الدخل خلال العقد الماضي. انظر كيس وآخرين “Case et al” (2008 م). وقد أوضح شيلر”Shiller” (2008 م) أن أسعار السكن طوال مئة عام (من 1880 م إلى أوائل تسعينات القرن العشرين) تحركت بالتناسب مع بعض الأساسيات مثل كلفة البناء، وعدد السكان. أما الطفرة التي أعقبت ذلك فقد تجاوزت كل من هذه الأساسيات.
[4] بدأ مؤشر كيس شيلر ” Case – Shiller”في الانخفاض في وقت مبكر قليلا عن مؤشر مكتب مراقبة مؤسسات الإسكان الاتحادية، كما شهد انخفاضا يفوقه بكثير وينبغي توقع ذلك، إذ إن مؤشر كيس شيلر “Case – Shiller” الذي يشمل عشرة مدن يتتبع الأسواق التي شهدت موجات انخفاض كبيرة في الأسعار.
[5] للإيضاح أشار كيس وآخرون Casc, et al (2008 م) إلى أن نسبة أسعار المساكن إلى نصيب الأسرة من إجمالي الدخل القومي أظهرت سلوكا جد مختلف، حيث ارتفعت هذه النسبة بدرجة كبيرة في المناطق الرئيسة مثل ميامي وشيكاغو، بينما طلت ثابتة نسبيا في مدن مكل تشارلوت وبتسبيرج.
[6] تعتبر ألمانيا استثناء حيث شهدت طفرة بناء ضخمة عقب إعادة توحيدها نتج عنها فائض في عرض المساكن.
[7] الطفرة في قروض الأسهم السكنية حدثت في واقع الأمر منذ ثمانينات القرن الماضي عندما قامت البنوك في بداية الأمر بالإعلان عنها لدى مالكي المساكن بهدف “استخلاص الثروة ” من مساكنهم. انظر لويس ستوري Louise Story,
“Home Equity Frenzy was a Bank Ad Come True”, The New York Times, August 15, 2008″
[8] نظرا لأن أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري مرتبطة بأسعار الفائدة على أموال الاحتياطي الاتحادي، ساعدت السياسات النقدية المتراخية في الفترة من عام 2001 م إلى عام 2004 م على إبقاء أسعار الفائدة القابلة للتعديل الخاصة بقروض الرهن العقاري منخفضة إلى مستوى غير طبيعي.
[9] حيث إن كل من يشتري منزلا تقريبا يضع في حسبانه المكسب الرأسمالي المتوقع تحقيقه من شراء المنزل، فإن كل شخص عرضة للطلب الناشئ عن المضاربة. وما نود الإشارة إليه هنا هو سلوك الأشخاص أو الشركات عند شراء مساكن دون رغبة في العيش فيها أو استخدامها في العطلات.
[10] أخذا عن بارث وياغو “Barth& Yago” & (2008 م).
[11] البيانات مأخوذة من أشكرافت وستشورمان “Ashcraft & Schureman” (2008 م)، والانخفاض في نصيب القروض مكتملة المستندات غير مستغرب نسيا بالنسبة لقروض الفئة Alt- A نظرا لأن هذه القروض تحديدا قدمت للمقترضين ذوي الدخول ضعيفة التوثيق أو غير الموثقة.
[12] عقود بيع قروض الرهن العقاري في كثير من الأحيان تسمح للمشتري لإعادة بيع القرض للبائع خلال مدة محددة (سنة أو سنتان) ولكن في زمن تتصاعد فيه أسعار المساكن وتقل فيه حالات العجز عن الوفاء بالالتزامات لا يرى منشئ القرض في شرط حق إعادة البيع مخاطرة تذكر.
[13] نتج أحد هذه الأسباب عن اللائحة التنظيمية المسماة “Regulation Q” التي حددت سعر الفائدة الذي تستطيع مؤسسات الادخار والإقراض دفعه على ودائعها، مما دفع المودعين إلى سحب أموالهم لدى ارتفاع أسعار الفائدة. وفي حقبة شهدت ارتفاعا كبيرا في أسعار الفائدة في السوق، أصبحت مؤسسات الادخار بسبب تلك اللائحة عرضة لتدفقات نقدية خارجة ضخمة في الفترة من عام 1979 م إلى عام 1981 م، وقد تم تفادي هذا الوضع عندما أبطل الكونجرس اللائحة. ولكن بعد حدوث هذا، فإن الخسائر في قيمة الأصول في الموازنات العمومية لمؤسسات الادخار والإقراض بينت أن معظم تلك المؤسسات كان لديها قليل أو أنها لا تملك شيئا من رأس المال المعرض للمخاطرة.
[14] هنالك تقديرات مختلفة لمدى ما استطاعت المؤسستان تقديمه من أسعار فائدة منخفضة للمقترضين. وترى معظم تلك التقديرات أن الأثر على أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري كان ضئيلا بعض الشيء أنظر على سبيل المثال باسمور وشورلاند وبيرغيس “Passmore, Shurlan & Burgess” (2006 م) ولعل تحقق النجاح كان محتملا لو كان قد استعيض بمؤسسات أحرى بدلا من هاتين المؤسستين.
[15] غرينلو وآخرون “Green1aw et al” (2008 م)، ص 35.
[16] مكتب مراقبة مؤسسات الإسكان الاتحادية (2008 م) يعود الفارق الكبير بين النهايتين الصغرى والعظمى لهذه التقديرات إلى كون بيانات مشتريات فريدي ماك من الفئة دون الممتازة والفئة Alt- A من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري تغطي الفترة حتى عام 2006 م فقط، ومن ثم قدرت مشترياتها للفترة من عام 2002 م إلى عام 2005 م.
[17] البيانات المتاحة لمشتريات مؤسسة فريدي ماك من السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة دون الممتازة لا تذهب إلى الوراء إلى هذا الحد، ولكن من الممكن أن تكون فريدي قد لعبت دورا أكبر من دور فاني في السوق. ففي عامي 2006 م و 2007 م، على سبيل المثال، اشترت فريدي 12 % من مجموع إصدارات السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري من الفئة دون الممتازة.
[18] هنالك قدر كبير من الأدبيات المختصة بإيضاح هيكل السند المغطى بقروض الرهن العقاري، وللوقوف على وصف أعمق وأوضح انظر أشكرافت وستشورمان “Ashcraft & Schuerman” (2008 م)، أو غورتون”Gorton” (2008 م)
[19] شرائح الفئة الممتازة المؤلفة من قروض رهن عقاري دون الممتازة كانت تحظى عادة بتبعية أكبر من سندات الفئة Alt-A أو السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري الممتازة، وذلك للتعويض عن المخاطر العالية للمجمع الأساسي لقروض الرهن العقاري.
[20] قام بحسابها كاتبو الورقة من النشرة السنوية لإحصاءات سوق الرهن العقاري، من منشورات Inside Mortgage Finance.
[21] لمزيد من الإيضاح للتمويل المهيكل من الناحية الفنية انظر أشكرافت وستشورمان “Ashcraft & Schureman” (2008م)، أو غورتون (2008 م)
[22] ذكرت وكالة موديز للتصنيف “Moodys” (2008 م) أن من بين التزامات الدين المغطاة بالضمانات التي صنفتها رقم قياسي، هو 1655 التزام دين مغطى بالضمان، وقد شهد قدرا من التخفيض في الرتبة عام 2007 م يعادل عشرة أضعاف ما شهد عام 2006 م.
[23] للوقوف على نقاش شيق حول هذه المعادلة ومدلولاتها بالنسبة للانفجار الذي حدث مؤخرا في إصدارات التزامات الدين المغطاة بالضمانات، انظر مارلا وايتهاوس Mark Whitehouse:
(Slices of Risk: How a Formula Ignied Market that Burned Some Big Investors, Wall Street (Journal. September 12, 2005).
[24] ثمة حقيقة فنية تلقي الضوء على مدى إسهام التزامات الدين المغطاة بالضمانات في زيادة الطلب على السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري دون الممتازة. تأتي تلك الحقيقة من الهيكل التمويلي للمنتجات المورقة وبناء على ماسون وروسنر “Mason & Rosner” (2007 م) فإنه بينما يتألف السند المغطى بقروض الرهن العقاري في هيئته المثلى من 90% من الشرائح الممتازة و 10 % فقط من الشرائح الدنيا، ينبغي بيع الشرائح الدنيا أولا قبل بيع أية شريحة ممتازة. ومن ثم فإن مصدر السند المغطى بقروض الرهن العقاري لا يستطيع (افتراضا) بيع أية شرائح مصنفة في الفئة AAA من مجمع قروض الرهن العقاري قبل التخلص أولا من الشرائح ذات المرتبة الأدنى. ولذا فإن التزامات الدين المغطاة بالضمانات من خلال ما تبدو عليه من قدرة على توفير كل الطلب على الشرائح الدنيا أضافت السيولة اللازمة لبيع كامل هيكل السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري.
[25] ذكر صندوق النقد الدولي “IMF”(2008 م) أن وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني “Standard& Poors” قدرت نسبة السندات المغطاة بقروض الرهن العقاري في أصول آليات الاستثمار المهيكل بحوالي 30% في أكتوبر 2007 م، منها 8.3% سندات مغطاة لقروض الرهن العقاري دون الممتازة، و 15.4 % التزامات دين مغطاة بالضمانات.
[26] التعارض الذي يبدو بن اعتبار آلية الاستثمار المهيكل بمثابة الافتراق النظيف مع الموازنة العمومية للبنك من جهة، وقدرة البنك من الجهة الأخرى على القيام لدور “المسعف الأخير”، تمت تسويته بحاشية تشريعية سميت الالتجاء الضمني “implicit recourse”، وردت في اتفاقية بازل الثانية وتقول بإمكانية قيام البنك الراعي بتقديم الدعم لآلية الاستثمار المهيكل التي تتجاوز “التزاماتها التعاقدية” للمحافظة على وضعه الأخلاقي وحماية سمعته.
[27] غريتشن مورغنسون “Gretchen Morgenson”:
(Behind Insurer’s Crisis, Blind Eye to a Web of Risk, The new York Times. September 27, 2008)
[28] ضمن ملاحظات في 18 مايو 2008 م لاتحاد سوق السندات في نيويورك.
[29] رتشارد تومليسون وديفيد إيفانس Th Ratings Charade, Bloomberg, July 2007: “Richard Tomlison & David Evans”. وكما سنناقش لاحقا، يتطلب القانون الاتحادي أو يعتمد على استخدام التصنيف الائتماني في عدة مجالات أخرى.
[30] أشكرافت وستشورمان “Ashcraft& Schureman”” (2008 م).
[31] نقلت العبارة عن تشارلس كالوميريس”Charles Calomiris” ، أستاذ بجامعة كولمبيا، في رتشارد تومليسون وديفيد إيفانس:
“Richard Tomlison & David Evans”: (The ratings Charade. Bloomberg, July 2007).
[32] روجر لونستاين ” roger Lowenstein”:
(Triple- A Failure, New York Times Magazine, April 27. 2008)
[33] أحد العوامل المهمة المتسببة في الأزمة هو قيام البنوك بالاقتراض لأجل قصير والإقراض لأحل طويل كما لاحظنا سابقا. وإلى درجة ما، فإن هذا الوضع شجعت عليه أسعار الفائدة المنخفضة التي اتبعها الاحتياطي الاتحادي، ولكن من المهم أيضا ملاحظة أن هذا الوضع دام بل تركز حتى بعد رفع أسعار المائدة لدى الاحتياطي الاتحادي إلى 5.25 %. وقد حلت الخسارة بالمقترضين لأجل قصير عندما ارتفعت علاوة المخاطرة بدرجة كبيرة، كما سنبين في التقرير اللاحق.
[34] لم يتوصل الاقتصاديون إلى نظرية إجماعيه لتحديد أسعار الفائدة، ونحن لا نزمع الدخول في حلبة هذا الجدل، إذ يكفي أن نقول إن السياسة النقدية والعرض والطلب العالميين على المدخرات عاملان مهمان.
[35] هنالك نظرة أخرى إلى هذه المشكلة تقول بأن التدفقات الداخلة لرأس المال ليست هي فقط التي مكنت الولايات المتحدة من إبقاء أسعار الفائدة منخفضة، بل إن ما حدث هو أن تلك التدفقات الداخلة لرأس المال وما رافقها من ارتفاع للدولار وضعف في الطلب على الصادرات الصافية، تطلبا من الولايات المتحدة إبقاء أسعار الفائدة منخفضة من أجل توليد طلب كلي كاف للحفاظ على التوظيف الكامل. فإذا لم تكن هنالك تخمة في المدخرات العالمية، لكانت أشياء عدة قد اختلفت، كانت الصادرات الصافية للولايات المتحدة ستزداد، والاحتياطي الاتحادي كان سيقدم على اتباع سياسات مختلفة تكون أسعار الفائدة عالية في ظلها. فالمسألة الأساسية هي إذا تركيبة النمو الاقتصادي وما إذا كان متوازنا أم لا.
[36] في ذلك الوقت لم يستطع الاحتياطي الاتحادي تقديم المال لبير ستيرنز “Bear Stearns” مباشرة، لكون الأخير ليس مصرفا متلقيا للودائع، الأمر الذي يفسر قيام الاحتياطي الاتحادي لتقديم الدعم لبير ستيرنز “Bear Stearns” عبر بنك JP Moran الذي كان يتلقى الودائع.
[37] نحن نقدر هذه الأرقام كالتالي: تظهر إحصاءات اتحاد مصرفيي الرهن العقاري أن 6.41 % من قروض الرهن العقاري تواجه تأخرا في السداد كما في الربع الثاني من عام 2008 م. قروض الرهن العقاري دون الممتازة ذات سعر الفائدة القابل للتعديل شكلت 6.8% من إجمالي القروض غير المسددة، و 33% منها متأخرة السداد وقروض الرهن العقاري دون الممتازة ذات سعر المائدة الثابت شكلت 6.3 من كل القروض، و 12 %منها متأخرة السداد. لذا تصبح العملية الحسابية كالتالي. (0.68) × (0.33) + (0.063) × (12) = 0.03 وهكذا فإن القروض دون الممتازة متأخرة السداد تشكل 3 %من كل القروض. وقد ذكرنا فيما تقدم أن حوالي نصف القروض دود الممتازة تم إنشاؤها من قبل شركات إقراض رهن عقاري مستقلة. وعليه فإن القروض دون الممتازة متأخرة السداد التي أنشأتها الشركات المستقلة تشكل 1.5 % من كل القروض، أي (0.15÷ 0.641= 23)، 23% من كل القروض متأخرة السداد حاليا. والعملية الحسابية بالنسبة لحبس الرهن بدءا من الربع الثاني من عام 2008 م، تتم بطريقة مماثلة.