تجارب عربية في تفصيح العامية

 

أ. د. عبد الجليل مرتاض

جامعة تلمسان ( الجزائر)

1. العامية الجزائرية وعلاقاتها بالفصحى

مما أجده ميسرا للإفضاء به أن ممارستي لمثل هذه الإشكالية اللغوية المعقدة ليس على مستوى الجزائر وحدها، ليست الأولى من نوعها، لقد قضيت أكثر من ربع قرن انطلاقا من اللهجات العربية القديمة وفوارقها المتنوعة، وكان آخر عمل نهضت بإنجازه يدور حول تواصلات عربية قديمة، عادة ما كان علماء اللغة العرب القدماء يطلقون عليه «لغة العامة» أو «لحن العامة»، وقل من العلماء من كان يجرؤ على تلحين عالم لغوي، وربما رُدَّ لحنه عليه إن لم يكن ضليعا في العربية وأسرارها ولهجاتها.

إن إنجازنا المشار إليه أعلاه لم يكن أكثر من قراءة لغوية مقارنة، حاولت أن ترصد تلك التكلمات التي كان يتخاطب بها العامة من العرب في كل من الأندلس وصقلية وبغداد، ومقارنة كل تكلم من تلك التكلمات على حدة بلغتنا الجزائرية المتداولة بيننا، وخاصة تلك المتصلة باللغة الطبيعية التي نشأت وكبرت معها في قرية «مسيردة» الجبلية الساحلية المعزولة عزلاً كليًا عن العالم الخارجي، وكان لمقياس أو المعيار اللساني الفصيح من غير الفصيح، لإعلاء منزلة لغة عامية على لغة عامية أخرى، هي العربية الفصحى نفسها.

وباتخاذي مدوّنات لغويّة معاصرة لتلك التكلمات الثلاث تبيّن لي ميدانيًا أن اللغة الجزائرية كانت الأقرب دائمًا إلى العربية الفصحى منها إلى تلك التكلمات، وأن كثيرا من الألفاظ التي قد نعدها عامية ومذمومة مطَّرحة ما هي إلا ألفاظ أفصح مما قد نتصور، وأن عاميتنا الجزائرية ضاربة بجذورها في عمق الفصحى البعيد، لعوامل تحتاج إلى دراسة ميدانية مضنية لا يستطيع فرد واحد أن يقوم بها.

ونحن إذا استثنينا أسماء النبات الهائلة عندنا، والتي لا تزال تسمى بأسمائها الجزائرية الأصلية؛ والتي لا يعرفها كلياً إلا الفلاحون والرعاة والقرويون، فإن لغة التواصل العام بيننا لغة عربية فصيحة، لا يشوبها إلا تكسير في محاصيلها الصوتية، بل حتى أسماء الأماكن والقرى والجبال تتنافس فيها الفصحى والعامية جنبًا إلى جنب، ترجع إلى أسباب ثابتة ومتحركة، وإلى ما هو منعدم أصلاً في أرض مما هو موجود في أرض أخرى، وإلى ما يطفو في كل عصر من أداءات وخطابات جديدة، وفي الوقت نفسه تندثر كلمات وتراكيب قديمة لم تعد من سلوك أو احتياج المجتمع الخلف، وهذا قد يصدق على الفصحى أزيد مما ينطبق على العاميات العربية برمتها، لكون الأولى معرضة لانتهاكات لسانية وثقافية وإبداعية مستمرة، بينما الثانية عادة ما يغلب عليها الانغلاق والثبوت.

ومن الخطإ المريب أن نذهب ذلك الذهاب التقليدي، بأن الطفل الجزائري في المدرسة يقضي وقتا طويلاً من أجل أن يتعلم الفصحى، ويفهم النصوص والحوار، والمواد الرياضية والعلمية، فهذا وهم ليس بعده وهم، لأن الطفل يدخل في سن السادسة برصيد لغوي هائل، إلا إذا كانت المناهج المدرسية تحاول أن تجعل منه ناشئا غريبا عن بيئته ومحيطه، لكن الإشكال أن الطفل يشعر بين عشية وضحاها بغرابة الاستعمال، والقهر اللساني، والتعسف التربوي، ودورها يكمن في كيفية إزالة هذه العوائق الثلاثة من نفسية الطفل، الذي يغدو ويشعر بنفسه وكأنه منذ الحين أمام عالمين، عالم مألوف، وهو عالم بيته وأمومته وطرائق محاكاته، وعالم أجنبي، هو عالم المدرسة الذي لا يتصوره أقل من سجن مؤقت.

وبإمكان كتبنا المدرسية أن تلعب دورها الناجح في تقريب العامية من الفصحى، من خلال تفصيح الرصيد اللغوي الذي اكتسبه الطفل خارج المدرسة من خلال إزالة الحواجز الثلاثة المشار إليها آنفًا، وتركه يفصح ويعبر عن نفسه بأي كلمة يشاء، ويكون دور المعلم الإشراف على التصحيح الصوتي، وإبدال ما هو أجنبي عن الفصحى، وهو نادر جدًا، بما هو فصيح سليم، بحيث سيصبح الطفل نفسه يشارك في عملية تفصيح العامية، إذا لم نقتل فيه روح المبادرة، وهذا دون إهمال وسائل أخرى في إنجاح هذه العملية التي لايمكن تحديدها بزمان ولا مكان، لأن اللغة ما هي إلا مستويات اجتماعية وحقلية وفنية دائمة.

وأهم قضية تُراعَى في هذا الموضوع أن نأخذ بعين الاعتبار المستوى الذي نتعامل معه، وكذا خصوصية المنطقة، كلما أردنا أن نتطاول على تفصيح كلمات عامية، لأن الاحتكاكات اللغوية مختلفة نسبياً بين منطقة وأخرى في بلد كالجزائر، مساحته مليونان ونصف مليون كيلومتر مربع، فضلاً عن كون مناطق بلادنا متباينة في طبيعتها وطبائعها، وحتى المناطق التي لا ننكر أن لها خصوصية لغوية معينة موروثة عن أسلافنا، تحتوي خطاباتها اليومية على نسبة معتبرة من الكلمات العربية التي امتزجت بها كامتزاج دمائنا بدماء الفاتحين العرب المسلمين منذ أربعة عشر قرنًا، وكذلك لا يتردد غير واحد من الدارسين المختصين أن القبائلية عندنا آلت إلى هجين لغوي عربي أمازيغي، وأنها تحوي 49% من الكلمات العربية، وذهب البعض الآخر إلى رقم 65 %، وهذا التداخل لا يعد قصورًا في لغة أمام كمال في لغة أخرى، لأننا لا نعرف لغة حية غير متداخلة لغويًا مع كلمات ثقافية ودينية وعلمية مستوردة من لغات تمازجت بها تاريخيًا وعرقيًا وحضاريًا.

وبالنسبة للغتنا الجزائرية المتداولة شعبيًا، وبصرف النظر عن تعدد مستوياتها تبعًا لتعدد مستويات المتكلمين بها حسب مراكزهم وثقافاتهم ومهنهم، فإنها ليست فقط قريبة من الفصحى، بل هي كنز وذخيرة لها، وحسب تقديرنا أن الكم الفصيح فيها لا يقل عن تسعين في المائة، وما هو نقي ونظيف فصاحةً أكثرُ نسبةً مما هو مشوه، والنقاوة نجدها في البنيات الإفرادية للكلمات، وأما التشوه فيلاحظ في اللواحق والسوابق والقواعد النحوية والتحقيق الصوتي، وهي ترجع لأسباب لا يجهلها علماء اللسان العام.

2. التجربة العربية القديمة

ومما أتمثله أن التجارب العربية تجربتان: تجربة ميدانية قائمة على التخاطب والتواصل والممارسة الكلامية والاستعمال، وتجربة نظرية لم تجد طريقها بعد إلى التنفيذ الإجماعي والتوظيف.

يمثل التجربة الأولى العربُ ومن تعرب ولحق بهم في العصور السليقية التي كان القوم يتواصلون فيها على سجيتهم، كتواصلنا نحن اليوم بهذه العاميات العربية منذ فساد السليقة اللغوية، وأما التجربة الثانية فتمثلها المجامع اللغوية والهيئات الأكاديمية ومراكز البحث وشخصيات عربية واستشراقية لها حظ وافر، وباع فكري في مجال الاهتمام لمحور هذا الموضوع، دون أن ننسى علماء اللغة العرب من قدماء ومحدثين، والذين لم يقصروا ولا آلوا جهداً في إثارة هذه الإشكالية الازدواجية في التواصل اللغوي بالعربية.

أ. أي فصيح ؟

إننا نعترف اعترافًا جميلا بالجهود المحمودة التي بذلها القدماء من متكلمين سليقيين أو عفويين من جهة، ولسانيين ملاحظين وحتى مشاكسين ومتصلبين من جهة أخرى.

ولعل تردد آراءٍ كثيرة في مادة «فصح» نفسها لدليل فصيح على تناول القدماء لهذه الكلمة ومشتقاتها، ونحن لا نريد أن نقع أسرى هذه المشتقات مادام الانطلاق من الكلمة في أي بحث انطلاقا خاطئا وثقيلاً، غير أن ما هو آكدُ لدينا؛ أن العرب كثيرًا ما أوُلِعُوا وَلُوعًا بهذه الكلمة، وظلوا يمدحون من اتصف بها أو الرقعة الجغرافية التي اشتهر غلمانها ونساؤها، ورجالها بها، ولما كان جماع اللغة ورواتها اتخذوا هذه الصفات شهادة لسانية، فقصدوا تلك الأصقاع لا يلوون على شيء للسماع والحفظ والتدوين عنها.

وكلمة الفصاحة التي لا أريد التورط في أسرها أيضاً تطلق على العربي والأعجمي سواء بسواء، لأن كليهما يفصح لك عن مراده وجهات كلامه، الأهم أن يتكلم كلامًا عربيًا سليمًا، بل قد « يجيء في الشعر في وصف العُجْم أفْصَحَ يريد به بيان القول، وإن كان بغير العربية، كقول أبي النجم:

أعْجَمْ في آذانها فصيحا

يعني صوت الحمار أنه أعجم، وهو في آذان الأُتُن فيصيح بين»1. والأَوْلى أن تطلق فَصُح على الأعجمي حقيقة منها على الدواب مجازًا، وربما تجاوزت كلمة فصيح معناها التقليدي، الدال عادة على البلاغة والبيان وحسن مخارج الأصوات، وتقريب آخر الكلام بأوله إلى مفاهيم دلالية أخرى محال عليها في المعاجم اللغوية، ولكنا لا نقبل تلك التفسيرات الانطباعية لها، من خلال تجزئة الكلام أو الخطاب إلى جيد ورديء، وهذا موضوع آخر، وكل ما في الأمر، كما سيشار لاحقًا، أن هناك مستويات من الخطاب والتواصل بين الناس.

وليس معنى ما سبق أننا نسوِّي بين مطلع بسيط، وآخر ضليع في هذه اللغة، التي يقترب ما هو مستعمل منها من مائة ألف كلمة، وإنما الناس في ذلك صنفان: صنف شغل بفرع علم العربية سطحيًا، فلا يكاد يعرف سواه، وصنف آخر، إلى جانب اهتمامه بالفرع، شغل أيضًا بالأصل وتعمقه، ومع ذلك فإن كلام العرب أكثر من أن يحاط به فرديًا2، وما كان أصدق الزجاجي إذ يقول: «وليس كل العرب يعرفون اللغة كلها غريبها وواضحها ومستعملها وشاذها، بل هم في ذلك طبقات يتفاضلون فيها»3، وبتعبير لساني حديث يريد الزجاجي أن يقول لنا إن العرب في تواصلهم مستويات، فعبر عن المستويات بالطبقات.

وعمومًا، فإن «اللغة العربية بالنسبة للمفهوم العربي القديم؛ هو ما نطق به العرب وتواصلوا به، ولافرق في هذا بين العرب والأعراب، أو حتى من الأجانب الذين نزلوا البادية وجاوروا البادين وظعنوا بظعنهم»4. والفرق بين هذه الفئة أو تلك، أن من جاوروا البادية وارتحلوا بارتحالهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف مستوطنًا المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب حق، وإن لم يكونوا فصحاء5، والفصاحة في تقديرنا سمة تكتسب جبلة لا صفةٌ تترسخ صناعة. وهنا يطرح تساؤل أحسبه مشروعًا: من أين أتت كلمة «التفصيح»؟ ومتى ظهرت في العربية الحديثة؟ ومن أول من استعملها؟ وماذا يقصد بتفصيح العامي إذا كنا لا نستطيع تحديد العامي تحديدًا لسانيًا موضوعيًا؟.

ومما نحن متأكدون منه؛ أن هذه الإشكالات أو ما يقترب منها قد لاكتها الألسن، وتداولتها المجالس الخاصة منذ فجر الإسلام وحتى قبله في العصر الجاهلي، ودليلنا على ذلك وقد ذكرناه في عمل آخر،6 أن إحساس العربي بالتباينات اللغوية ومستويات التواصل الكلامي قد طفا جليًا في فضاء الثقافة العربية الجديدة، ومن عينات ما نحن فيه ما أورده المبرد: «وحدثني من لا أحصي من أصحابنا عن الأصمعي… قال معاوية يومًا: من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط، فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير، فقال له معاوية: من أولئك ؟ فقال: قومي يا أمير المؤمنين! فقال له معاوية: من أنت؟ قال: أنا رجل من جرم، قال الأصمعي: وجرم من فصحاء الناس»7.

وربما رفع إلى النبي  حديث، ورد فيه شيء يشير بقوة إلى ما نحن بصدده لقوله عليه السلام: «أنا أفصح العرب مَيْدأني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر»8 وقال عمر بن الخطاب قولته المشهورة: «لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف»9 ليعقبه عثمان بن عفان بأمر آخر يشبهه في شق منه: «اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف»10 مفرقًا بين فصاحة النطق وبيانه، ودقة الرسم وحذاقته في حين أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (32هـ) ذا الأصل الهذلي، والذي أبدى معارضة شديدة لعثمان في توحيد المصاحف، كان يستحب أن يكون الذين يضطلعون بكتابة المصاحف من مضر11، ومما هو غريب أن أحد الشعراء الفرنسيين قال منذ القرن الثاني عشر: «لهجتي خير اللهجات، لأني نشأت في باريز»12 عكس اعتذار جان دومان (صاحب الجزء الثاني من رواية «الوردة» بقوله: « لئن بدت لك لهجتي وحشية لاتهذيب فيها فعذري أني لم أنشأ في باريز»12.

ونجد في غير مصدر أن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة، وكانت «مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب»13، ولا أدل على فصاحتهم وصفاء لغتهم ان القرشية سليمة من عنعنة تميم، وعجرفية قيس، وكشكشة أسد، وكسكسة ربيعة، ومن ذلك الكسر الذي نجده في أوائل الأفعال المضارعة التي على وزن فعل (بكسر العين) يفعل ( بفتح العين)، ولا من ذلك الإتباع الصوتي في نحو شِعير وبِعير بدل فتح الشين والباء، لأن هذه الأشكال التواصلية الأخيرة من اللغات المذمومة لدى الفقلغيين العرب، على الرغم من أنها منسوبة لأقوام بأعيانهم.

ب. مستويات داخل الفصحى

وحين نتكلم عن إشكالية العامي والفصيح، فإنه يجب علينا أولاً التفكير في تحديد مستويات ما هو فصيح، قبل أي مقارنة بينه وبين ما هو عامي، حتى وإن كنا لا ننكر أن العامي نفسه لا يخلو هو أيضًا من مستويات ما، لكن تحديده وتشريحه سيظل أكثر اعتياصًا من الفصيح.

وحسب وجهة نظر بعض العلماء العرب أن التواصل لا يقتصر على الفهم والإفهام على شرط لغة كل متكلم كمجرد إعراب عن النفس ذاهبين إلى ان هذه المرتبة من التواصل الأدنى أخس مراتب البيان، مادام ان الأبكم قد يتواصل معك بإشارات وحركا ت ليدُلَّك على مراده دون أن يسمى متكلما «فضلاً عن أن يسمى بينًا أو بليغًا»14، ومن ثم رأى بعض العلماء العارفين بخبايا اللغة العربية وأسرار علومها ومكنون صفاتها وخصائصها أن أحدًا من التراجم لا يقدر على نقل القرآن إلى شيء من الألسنة، لأن سائر اللغات لم تتسع في مجازها اتساع العربية.

وفي تقديرنا أن اللغة العربية التي كانت تستعمل في وظائف تواصلية مختلفة لم تكن على نسق واحد، بل كانت تراكيب وأنساقًا متباينة لم تستطع المعيارية البصرية الصارمة طمس معالمها، بل عمل البصريون أنفسهم على حفظها وتسجيلها كتراث لغوي متنوع ذي أبعاد نحوية وصرفية وصوتية متباينة، غير ان أبعادها المختلفة في النطق والإعراب والأداء لم تكن لتبعدها كل الإبعاد عن مجال كل ما هو فصيح مستعمل.

ودون أن نتورط في التاريخيات اللغوية للعربية، فإننا نشير إلى أن العملية بدأت أول ما بدأت بتفصيح الفصحى نفسها، وتنقيتها من شوائب العامية التي كانت تَعْلَقُ بها في الأمصار التي اتسعت رقعتها، حيث أضحى من العسير على العلماء أن يراقبوا كل التكلمات الشفهية من جهة، وأن توفر الإمكانات التربوية والعلمية للشعوب المتعربة الجديدة، من جهة أخرى، فجنحوا باهتمامهم نحو الفصحى لصيانتها، دون إيلاء اهتمام كبير موازن للدراسات والملاحظات والتحقيقات النظرية والميدانية التي كانت تٌولَى للفصحى.

وثمة ظواهر لسانية فصيحة متعددة قضي عليها، ولم تعد كلها مستعملة استعمالاً شائعًا فيها هو فصيح، ومن هذه الظواهر التي كانت يومًا فصيحة15:

1. كسر حرف المضارعة.

2. تسكين ما هو مفتوح أو تحريك ما هو مُسكَّن

ومن يتَّقْ فإن الله مَعْـــهُ   ورزقُ الله مؤتابٌ وغـــادِ

3. إبدال الأصوات غير المتقاربة مخرجًا ولا تصنيفًا بعضها ببعض

ألالِك قومي لم يكونوا أُشابَةً  وهل يعظ الضليل إلا ألا لكـا؟

4. التخفيف والتحقيق بالنسبة للهمز.

5. الاختلاف في تقديم صوت على صوت، أو تأخير أحدهما على الآخر: صاقعة في صاعقة ونحو هذا.

6. الحذف تارة لصوت والإثبات له مرة : استَحَيْتُ في استحيَيْتُ.

7. إبدال صامت بصائت معتل : أيْما في أمّا.

8. الإمالة والتفخيم : قضى ورمى.

9. الاختلاف في واو الجماعة الساكن يستقبله حرف مثله:

اشتروا الضلالة (بكسر الواو) واشتروا الضلالة ( بضمها).

10. التذكير والتأنيث: وهو باب واسع: هذه النخيل وهذا النخيل،

11. الإدغام والإظهار : مهتدون ومهدّون.

12. الإعراب ما هذا بشرًا، ما هذا بشر، إن هذان لساحران :

13. صورة الجمع : أَسْرى وأُسَارى.

14. التحقيق والاختلاس : يأمركم ويأمُرْكم، عُفيَ لهُ وعُفْيَ له.

15. الاختلاف في الوقف على هاء التأنيث: هذه أمَّهْ وهذه أمَتْ.

16. إشباع صائت قصير ليتحول إلى صائت طويل :

الله يعلم أنّا في تلفُّتنـــــــا      يوم الفراق إلى جيراننا صُورُ.

وأنني حيث ما يثْني الهوى بصري    من حيث ما سلكوا أدنو فأنظورُ

وإذ نورد هذه الأمثلة القليلة من التراكيب اللغوية التي كانت تضمها العربية السائرة الفصيحة، فلسنا ننكر أنها تراكيب لهجية منسوبة إلى أقوام بأعيانهم، ولكنها في مجملها متداولة في كلام العرب من شعر ونثر وأمثال وخطاب عام، ثم مالبث القراء منذ فجر الإسلام وصدره أن تبنوا ظواهر منها في القراءات السبع والعشر والأربع عشرة بله القراءات الشاذة، بل بقيت حية في خطاب العرب عاميه وفصيحه، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، ولكنا لا نزعم أن الظواهر الصوتية لم تتغير وبقيت صورتها الصوتية السمعية نسخة طبق الأصل لها دونما تبديل.

وهذه التراكيب وغيرها لتدل دلالة تقودنا إلى الاعتقاد الذي لا مرد له؛ بأن الخطاب اللغوي العام بالنسبة للعربية الكلاسيكية لم يكن كله ـ كما سبق أن ألمحنا ـ على نسق واحد من الفصاحة الشريفة والأداءات المتميزة لصورة موحدة بين طبقاتها المتواصلين بها.

وأعتقد ان العربية مهما أحاطها علماؤها الأجلاء من إثراء وتقديس، فهي في النهاية لا تتناقض نواميسها مع أية لغة إنسانية أخرى، وفي أي عصر من عصورها، مما ييسر لنا القول بأن داخل الفصحى نفسها مستويات مشروعة، قد يكون بعضها أفصح من بعض، إذا جعلنا الأفصح من خاصة الخاصة أو الطبقات النبيلة الشريفة، والفصيح من عامة العامة أو الطبقات الدنيا من المجتمع، ولكن هذا التحديد إذا صدق على صفات العرب النفسية وأحوالهم الشخصية، فإنه لا يصدق بتاتاً على لغتهم، لأن الطبقات النبيلة من كانت ترسل أبناءها إلى البادية موئل الجبلة والطبع.

وبكلمة أخرى، لا يمكن لما هو فصيح أن يتحدد إلا بمقابلته بما هو غير فصيح، فضلا عما هو عامي، وسنكون من العقوق بمكان إذا لم نحل إحالة لا تخلو من إشارة اعتراف وتقدير على جهود علمائنا الفطاحل، الذين سبقونا إلى تناول وعلاج ما نحن فيه، علاجًا لا نرقى نحن اليوم إليه إلا حلمًا.

ج. جهود القدماء في تحديد العامي والفصيح

فبالنسبة إلى ثعلب (291هـ) صاحب كتاب الفصيح الذي عكف عليه الناس واهتموا به اهتمامًا في الحفظ والشرح والتذليل، ان مدار الفصاحة في الكلمة يكون على كثرة استعمالها من العرب لها16.

وحدد العلماء الفصيح في أضرب شتى:

1. ألا يكون مفرد الكلمة متنافرا لحروف ولا مخالفًا للقياس ولا دالاً على الغرابة كما في قول عيسى بن عمر وقد سقط على حمار، فاجتمع الناس عليه من باب الشفقة أو الفضول: «ما لكم تكأكأتم عليَّ تكأكؤكم على ذي جنة، افرنقعوا عني»17.

ويرى العلماء أن مخالفة القياس إذا كان لدليل فلا يخرج عن كونه فصيحًا، كجمع فعيل على فُعُل في مثل سُرُر جمع سرير، وقياسه أن يجمع على أفعلة وفُعْلان، مثل أرغفة ورُغفان، ومثل سرر الفعل استحوذ،… خلافا لقوله: الحمد لله العلي الأجلل

حيث فك الأجلل، وهو مدغم، أو صرف مالا ينصرف، أو منع ما ينصرف من الصرف، أو الحذف المجحف لصوتين من كلمة: دَرَسَ المنا بِمُتالِعٍ فأبانا

حيث حذف الزاي واللام من المنا.

2. ألا تكون الكلمة مبتذلة كتغيير العامة لها من وضع إلى وضع ثان أخرجها عن الأصل، وقد وصف وعدد حازم القرطاجني الفصيح الخالي من الابتذال عن النحو التالي:

أ. كل ما استعملته العرب وخاصةُ المحدثين دون عامتهم.

ب. ما كثر في كلام العرب وخاصةِ المحدثين وعامتهم، ولم يكثر في ألسنة العامة، فهذا الصنف المتشارك فيه كلامًا وخطابًا لا ألسنة وتوليدًا لا بأس به في فصاحته.

ج. أن تكون الكلمة أكثر دوراناً لدى الخاصة والعامة جميعا، لعدم وجود بديل لها، وليست العامة أحوج إلى ذكرها من الخاصة، ولم تكن من الكلمات المهنية، فهذا النوع غير مبتذل.

د. إذا حافظت العامة على ما نطقت به العرب، ولو استعملته دون الخاصة، من غير تغيير له، فإنه لا يعد مبتذلا، لأن الابتذال في الألفاظ «ليس وصفًا ذاتيًا ولا عرضًا لا زمًا، بل لا حقًا من اللواحق المتعلقة بالاستعمال في زمان دون زمان، وصُقع دون صُقع»18.

3. ألا تكون الأصوات ثقيلة على اللسان أي متنافرة، ذاكرين أن أكثر الأصوات استعمالاً عند العرب الواو والياء والهمزة، وأقلها استعمالاً لثقلها على ألسنتهم الظاء، ثم الذال، ثم الثاء، ثم الشين، ثم القاف، ثم الخاء، ثم العين، ثم النون، ثم اللام، ثم الراء، ثم الباء، ثم الميم19.

والفصيح عند العلماء العرب مراتب ودرجات في الاستعمال، مادام هناك مستويات: فصيح وأفصح:

أ. البُر أفصح من قولهم : القمح والحنطة

ب. أنصبه المرض أعلى درجة من نصَبَه.

ج. الحِبر بكسر الحاء أفصح من فتحها، لأنه يجمع على أحبار أي أفعال، بينما الحَبْر ( بفتح الحاء) يجمع على فُعول مثل فَلْس وفُلوس.

د. الأنْمُلة التي تطلق على طرف الأصابع أفصح من ضم الهمزة.

هـ. أوفى بعهده أفصح من وفى الثلاثية.

و. الفصحاء يقولون: حرص يحرص بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، والعامة تلفظ هذه المادة على وزن تعب يتعب، ولكنها صحيحة ،… الخ.

وعلى عكس الفصيح والأفصح، فهناك صفات شتى وصفت بها اللغة وصفًا مشينًا، وكأنها كائن حي يلام ويذم فيما تحتوي عليه من ظواهر لسانية لم ترق علماء اللغة، منها:

أ. الضعيف، وهو ما انحط عن درجة كل ما هو فصيح، كقولهم: انتُقع، لونه في امتقع إذا تغير وجهه من ترح أو مرح، وتمندل بالمنديل بدل تندّل، وواخاه في آخاه ،… وجمع الأم أمات، وجمعها الفصيح: أمهات، وهذا ما جاء في شرح ابن دَرَسْتَويهْ لفصيح ثعلب، على الرغم من أن الشائع في أمهات ما تعلق بالناس، وفي غير الناس: أمات للفرْقِ20.

ب. ما سموه منكرًا، وهو مالا يعرف في أصل اللغة كقولهم: نبلة في النبل، مع أن واحد النبل ليس من لفظه وهو سهم.

ج. ما سموه متروكًا أو مهجورًا، كقول بعضهم : محبوب من حببت، ومثل أسماء الأيام في الجاهلية:

1. السبت : شِيَار.

2. الأحد : أوّلُ.

3. الإثنين : أهون وأوهَدُ

4. الثلاثاء : حُبارُ.

5. الأربعاء : دُبار.

6. الخميس : مؤنِس.

7. الجمعة : عروبة.

ومثل الأيام أسماء الشهور الجاهلية قد تركت

د. المذموم من اللغات، وسبق أن أشرنا إلى هذا النوع، كالعنعنة والكسكسة والكشكشة، وغيرها.

هـ. الرديُ، ويقصد به عادة ما لم يشع استعماله مثل : أرابني الرجل في رابني، وفَكاك الرقاب( بفتح الفاء بدل كسرها)، واندخل في دخل، وأخيرا في خير، وأشغله في شغله ،…الخ.

و. المواقف الشخصية المحافظة للعلماء إزاء تكلمات وقواعد معينة، أو إزاء متكلمين وخاصة المحدثون منهم، فأبو عمرو وجماعة من تلامذته كانوا لا يحتجون ببيت شعر أو كلام من ولدوا وعاشوا في العهد الإسلامي، فهذا الأصمعي يرفض كلمات وتراكيب لغوية كقوله مثلا:    «لا يقال إلا فلانة زوج فلان، ومن قال فلانة زوجة فلان فقد أخطأ»21، فإذا رُدَّ قولُه ببيت شعر لذي الرمة:

أذو زوجةٍ في المصر أو ذو خصومة   أراك لها بالبصرة العام ثاويا

أجاب: « ذو الرمة أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين»22.

ج. الفضاءات العربية الفصيحة من غير الفصيحة

وسجل الفارابي نصًا مشهورا عادة ما اتخذه جماعة من المعياريين والمحافظين المتشددين حجة في تسويغ القبول والرفض والتحفظ والتردد، لثروة لغوية ما كانت العربية لتتطور بدونها، ورأيت انه من الأنسب لعملنا هذا أن أثبته: «كانت قريش أجود العرب انتقاءاً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا، وأبينها إبانة عما في النفس؛ والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثرُ ما أخذ ومعظمه، وعليهم أتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف؛ ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم»23.

ويضيف الفارابي أنه لم يؤخذ24:

1. من لخم ولا من جذام، لمجاورة هؤلاء أهل مصر والقبط.

2. من قضاعة وغسان وإياد، لمجاورتهم أهل الشام، فضلا عن كون أكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية.

3. من تغلب واليمن، لمجاورتهم اليونان.

4. من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس

5. من اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة.

6. من عبد القيس وأزدعمان، لأنهم كانوا بالبحرين يخالطون الهنود والفرس.

7. من بني حنيفة وسكان اليمامة وثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم.

8. من حاضرة الحجاز، لأن ناقلي اللغة حين ابتدأوا نقلها صادفوا لغتهم فسدت، لمخالطتهم غيرهم من الأمم.

د. نشوء الخطاب بالعامية

وإضافة إلى نص الفارابي الذي لا يلقى إجماعا، وإلا محونا أكثر من نصف اللغة العربية مادام أنه يمحو أكثر من ثلثين للخريطة اللغوية الموروثة، فهذا أبو الطيب اللغوي (351هـ) يقول: «فأما مدينة الرسول فلا نعلم بها إمامًا في العربية»25 داعمًا قوله بشهادة الأصمعي(216هـ): «أقمت بالمدينة زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة»26.

ويردف الوصفان السابقان للمدينة بوصف آخر لأبي حاتم(255هـ) لكن لأهل بغداد، بأنهم حشوا عسكر الخليفة «ولم يكن بها من يوثق به في كلام العرب، ولا من ترتضى روايته، فإن أدعى أحد منهم شيئًا رأيته مخلطًا صاحب تطويل وكثرةِ كلام ومكابرة…»27.

وتواصلت الملاحظات الميدانية صوب الخطابات الشفهية في الأمصار والحواضر التي بدأت الفصحى تنحط فيها وتتكسر على ألسنة عامتها، فجعلت العربية تتباين وفق مستويات لم تعد متمسكة بقواعد واحدة في الأداء والخطاب، ولا حظ العلماء المتأخرون أن العرب من عادتها تتكلم طبعًا لا تعلمًا، حتى إن عالمًا مثل نفطويه (233هـ) ألف كتابًا يستدل فيه على أن العرب تتكلم طبعًا لا تعلمًا28، وألف غيره كتابًا بعنوان «ما قاله العرب وكثر في أفواه الناس»29، ولأبي عمر الزاهد (345هـ) كتاب يدعى ما أنكرته الأعراب على أبي عبيد فيما رواه وصنفه، وذكر ابن النديم في فهرسته أن أبا عمر الزاهد كان يقول الشعر مع عاميته30.

إذا ما الرافض الشاميُّ تَمَّتْ  معايبُهُ تخَتَّم في يمينــهْ

فإما إن أتاك لسمــــت  فإن الرفض بادٍ في جَبينِهْ

وللأصمعي كتاب موسوم بـ «كتاب ما تكلم به العرب فكثر في أفواه الناس» أي ما شاع أكثر من غيره استعمالاً، وكان هذا الأخير يتعجب من راوٍ روى أن أعشى همدان قال بيتا لا يخلو من ظواهر عامية31.

من دعا لي غُزَيِّلـــي      أربح اللهْ تِجارتًــــهْ

مضيفا: «يا سبحان الله! يحذف الألف التي قبل الهاء في «الله» ويسكن الهاء، ويرفع «تجارته» وهو منصوب»32.

هـ. الإعراب والمعنى وصلتهما بالقواعد

وفضلاً عن ملاحظة الأصمعي السابقة التي لا غبار عليها عروضيًا ونحويًا، فإن علماء اللغة يرفضون أن يقال: «من دعالي» ويرون أن هذا التركيب على هذا النحو محال، والقول الصحيح: «من دعا لغزيِّلي»، ومن دعا لبعير ضال33، مما حدا ببعض العلماء أن يذهب إلى أن الحركات الإعرابية ليست دوال على معانيها مُجيزًا أن العرب «نطقت أولا بالكلام غير معرب، ثم رأت اشتباه المعاني فأعربته، ثم نقل معربًا فأعربته فنتكلم به»34، ويدعم هذا الرأي مذهبه، بأن المرء في العربية يجد في كلام العرب أسماء مختلفة في إعرابها متفقة في معانيها، «فما اتفق إعرابه واختلف معناه قولك: إن زيدًا أخوك، ولعل زيدًا أخوك، وكأن زيدًا أخوك: اتفق إعرابه واختلف معناه، ومما اختلف إعرابه واتفق معناه قولك؛ ما زيد قائما، وما زيد قائم ،… ومثله: ما رأيته منذ يومين، ومنذ يومان، ولا مالَ عنك، ولا مالٌ عندك، وما في الدار أحدًا إلا زيد، وما في الدار أحد إلا زيدًا، ومثله، إن القوم كلَّهم ذاهبون، وإن القوم كلُّهم ذاهبون، ومثله: «إن الأمر كلَّه لله» و«إن الأمر كلُّه لله» قرئ بالوجهين جميعًا35، ومثله: ليس زيد بجبانٍ ولا بخيلٍ ولا بخيلاً،… فلو كان الإعراب إنما دخل الكلام للفرق بين المعاني، لوجب أن يكون لكل معنى إعراب يدل عليه لا يزول إلا بزواله»36

ولعل ما يناسب ما نحن فيه، ان أحد اليزيديين من علماء اللغة قال: سألني الواثق، وقد دخلت داره: «كيف تقول: قام زيد؟ فقلت: قام زيد، فقال: كيف تقول: لم يقم زيد؟ فقلت: لم يقم زيد، فقال: كيف تقول: أقيم زيد؟ فقلت: أقيم زيد، قال: مرفوع إذا فعل وإذا لم يفعل وإذا فُعِل به»37، الأمر الذي جعل اليزيدي ينشد:

أحدث الواثق بالله لأهل النحو كيـدا

وهو المانع أن يضرب عبدُ الله زيدا

حتى إن بعض الروايات التي تكررت في أكثر من مصدر، وهي على هشاشتها وضعفها، تشير إلى أن بعض القادة العرب في حدود منتصف القرن الأول الهجري لما استشير في وضع صناعة النحو رفض قائلا:«لا نؤمن من أن يتكل الناس عليه، ويتركوا اللغة، وأخذ الفصاحة من أفواه العرب، إلى أن فشا اللحن وكثر وقبح، فأمره أن يفعل ما كان نهاه عنه»38.

ولربما عارض بعض الأعراب ما غدوا يسمعون من مصطلحات لغوية، تغزو لغتهم الطبيعية من خلال ردود أفعالهم التي نجدها في كتب الطبقات، واللغة والآداب، يهجون فيها النحاة وينددون بما أحدثوه من قواعد، لم يسبق لهم أن سمعوها، وهي تجري على ألسنتهم طبعا وجبلة، كأنهم اعتبروا أن وضع شيء من الصناعة النحوية إيذان بوفاة تلك اللغة الشفهية الطبيعية، لأنه من المؤسف في حق اللغة الشفهية العربية «إن اللغة الخطية عملت على قوقعتها والحد من تفتحها، وقلت من إبداعها، وأشلت حركة تطورها، وحدت كثيرًا من حريتها، فحكمت عليها بالطبقات الاجتماعية والشعبية، وصنفتها تصنيفًا جائرًا وفق مستويات راقية ومنحطة، وتكلمات فصيحة، وأخرى دميمة مطروحة، وكأن اللغة شكل مادي يعشق فيوصل، أو ينفر من محياه فيهجر»39.

وكان ثعلب ممن يرى أن العرب تخرج الإعراب على اللفظ دون المعاني، وأن الإعراب حتى ولو دخل اللفظ فإن دخوله لا يفسد المعنى، لأنه إذا كان الإعراب مما يفسد المعنى فليس ذلك من كلام العرب، لأنه لم يوجد في خطاب العرب الموروث ولا أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مُطبِّق للإعراب، والإعراب مطبِّق للمعنى، مشيدًا بأستاذه الفراء (206هـ) الذي حمل العربية على الألفاظ والمعنى، فبرع خلافًا لسيبويه الذي عمل كلام العرب على المعاني، ولذا فهو لا يعيب الفراء الذي دخل على الرشيد فتكلم كلامًا لحن فيه مرات، لأن حجة الفراء أن طباع أهل البدو الإعراب، بينما طباع أهل الحضر اللحن، «فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت»، مما جعل الرشيد يستحسن كلامه.

وفي الاتجاه السابق نفسه نجد بعض العلماء يحكي عن ثعلب قائلا: «ولم يكن مع ذلك موصوفًا بالبلاغة ولا رأيته إذا كتب كتابًا إلى بعض أصحاب السلطان خرج عن طبع العامة، فإذا أخذته في الشعر والغريب ومذهب الفراء والكسائي رأيت من لا يفي به أحد، ولا يتهيأ له الطعن عليه»41.

والأمثلة في تعدد المستويات داخل العربية الفصحى أكثر من أن تحصى وتحصر، وكل من وقف على نماذج من الموروث اللساني العربي القديم يدرك هذه الحقيقة ويقربها، ولا يلتفت في كل مرة إلى تعسف القدماء وتضييقهم على العامة، فالناس ليسوا كلهم مثل الأصمعي الذي كان لا يجوِّز إلا أفصح اللغات، وكيف لا يكون من حقه ذلك، وهو الذي كان يجيب في ثلث اللغة، أو أبي عبيدة الذي كان يجيب في نصفها، أو      أبي زيد الأنصاري الذي كان يجيب في ثلثيها، أو أبي مالك عمرو بن كركرة الذي كان يحفظ العربية كلها؟42.، فمثل هؤلاء يحق لهم أن يُضيقوا ويَلِجّوا ويمْحكوا ويتشددوا، لكن ذلك مع اللغة في ذاتها ولذاتها قد يكون محمودًا أو مقبولاً، لكنه غير مسوّغ مع كل طبقات المتلقين، وخاصة المتعلمين أو حتى خاصة الخاصة، من هذا عتاب الرشيد للأصمعي وكان قد استبطأه، فقال الأصمعي:« ما أَلاَقَتْنيِ أرض حت رأيت أمير المؤمنين، فلما خرج الناس، قال: ما معنى ألا قتني؟ قلت: ما ألصقتني بها ولا قبلتني، فقال: هذا حسن، ولكن لا تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه حتى أجد جوابه، فإذا خلوتُ فقل ما شئت، فإني أسألك عما لا اعلم، وإنه يقبح بالسلطان ان يسمع مالا يدري»43.

و. غموض الفصيح مما هو غير فصيح

وحتى الآن لم تظهر لنا بعد مقاييس ما هو فصيح مما هو غير فصيح لأسباب عدة:

1. ما ذكر من تراكيب إفرادية أو تركيبية غير مقنع لنا ولا لمن يقيض له أن يطلع على هذا العمل.

2. كان من الممكن تناول الموضوع الذي نحن بصدده وعلاجه بطرق أخرى غير المنهج الذي عالجناه به.

3. الإشكالية لم تحدد حتى الآن تحديدًا صارمًا بشأن المسمى فصيحًا وما يقابله من غير فصيح.

4. عادة ما يقابل الفصيح ويعرّف أكثر بكل ما هو رسمي، بينما يطلق العامي على كل ما هو شعبي.

5. تضارب العربية وقواعدها من الداخل وفي معظم مستوياتها، بما في ذلك القلة والكثرة والاطراد والشذوذ والقياس ونحو ذلك، فبينما يجمع العلماء على أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير القرآن، ولا خلاف في ذلك، ولكن القرآن نفسه وردت فيه نبذٌ من الأمثلة الشاذة قياسًا، المطردة استعمالاً كقوله تعالى: «ولا يحْزُنْك»، فذكرُوا أن يَحْزُنُه من الرباعي وليس من الثلاثي، وهذا في نظرهم شاذ44.

6. لم يحسن علماء التعقيد اللغوي التعامل مع العناصر اللسانية، حيث كان تعاملهم يرتكز على الأعلى والأدنى، مع ان أحد المستويين لا يستطيع أن يقوم مقام الآخر، لأننا لا نستطيع أن نتواصل بمستويين أو مستويات في الان ذاته، فنحن إما أن نقول:

ـ أقائم أخواك أم قاعدان؟

وإما أن نقول:

ـ أقائم أخواك أم قاعدهما؟

والمعيارية التي توجب التركيب الثاني لا تستطيع أن تحل مشكل التركيب الأول:

ومثل ما تقدم ما يقوى قياسًا ويضعف استعمالاً، كاستعمال عسى مفعولاً صريحًا لا مصدرًا مؤولاً:

عسىالغوير أبؤسًا.

وقريب مما مضى نصب المسند إليه والمسند معًا بالحروف المشبهة بالفعل45.

إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن   خطاك خفافًا إن حراسنا أسدا

وفي الحديث: «إن قعر جهنم سبعين خريفًا» وذكر الخليل «أن ناسًا من العرب يقولون: إن بك زيد مأخوذ، مؤولاً هذا التركيب على بنية عميقة هي: إنه بك زيد مأخوذ، ووردت في أشعار العرب تراكيب أخرى كثيرة، أبطل فيها وظيفة «إن» كعنصر نحوي، ولا سيما إحدى أخواتها، وهي كأن، حيث أبقى فيها على وظيفتها الثانية، وهو التشبيه، وألغي عملها النحوي ،… من ذلك قولهم:

ووجه مشرق النحـــر كأن ثدياه حقان»46.

ومثل إن وأن وكأن سائر الحروف الباقية كقول العجاج

يا ليت أيام الصبار رواجعا

بل من هذه الحروف ما يجر، مثل: «لعل أبي المغوار منك قريب»، ومنها ما يرفع المسند إليه، «إن هذان لساحران»47.

7. لم يأخذ اللسانيون العرب القدماء كل العناصر اللسانية على قدم المساواة، بل قعّدوا لما شاؤوا، وردوا على العرب ما شاؤوا، فحل النحاة المتحرون المتشددون محل النصوص المتحركة التي لم يألوا جهدا في تحويلها إلى مدونات ثابتة، فذهب من العربية ثروة لم تعوض حتى الآن، وما بقي منها غير مهيأ، حتى الحين لا تجرؤ هيئاتنا ومجامعنا والقائمون على شؤون البرمجة والتعليم في الوطن العربي قاطبة على إدماجه في كتب التعليم لأطفالنا، ولا يجد كتابنا بالعربية، إن فقهوه، جرأة على توظيف عنصر من العناصر اللسانية المهجورة، ولو فعل ذلك لرمي بزندقة لسانية.

8. سواء أحببنا أم كرهنا فهناك قواعد أسيرة داخل اللغة العربية، موازية لما هو شائع بيننا من قواعد، ولا تزال تنتظر الانعتاق من أسرها، لتستعمل مثلما كان أصحابها الأصليون، يستعملونها ويتواصلون بها.

ز. لغات العامة

وعلاوة على اهتمام القدماء بقضايا اللغة العربية من بنياتها المختلفة، فإنهم نهضوا بمتابعة ومراقبة ما تلحن فيه العامة، بعد ما شاكسوا الخواص منذ العقود الأولى من تأسيس القواعد، وسرد الأمثلة في هذا الميدان يطول، ولكنه باب مشهور لدى علماء اللغة والباحثين، ولكن العزوف على ذكر مناظرات ومشادات بين مستعملين ولغويين لا يمنعنا من أن نشير إلى أن ما ألف في حقل ما تلحن فيه العامة، ومنها:

1. ما يلحن فيه العامة لثعلب (291هـ).

2. الفاخر فيما يلحن فيه العامة للمفضل بن سلمة (300هـ).

3. ما تلحن فيه العامة لأبي الهيذام العقيلي.

4. ما تلحن فيه العامة لأبي عبيدة (210هـ).

5. ما يلحن فيه العامة لأحمد بن حاتم (231هـ).

6. ما يلحن فيه العامة للمازني (236هـ).

7. ما يلحن فيه العامة لأبي حاتم السجستاني (255هـ)

إلى غير ذلك من الرسائل التي لا مست الموضوع قربًا أو بعدًا، ولكنها لا تخلو كلها من دلالات تدور حول الطروحات المثارة هنا.

ويجب أن ننوّه ببعض العلماء الذين رزقوا علمًا واسعًا في العربية وعلومها ودقائق أبعادها وغور أسرارها أنهم كانوا يتسامحون مع المتكلمين والمستعملين لأشكال لغوية منسوجة على طراز قواعد لم تصلنا، أو من اجتهاد المتكلم في ظل سعة العربية ودرجات فصاحتها وحقيقتها ومجازها، ومن هؤلاء العلماء أبو عمر، وبن العلاء الذي كان أوسع علمًا بكلام العرب ولغاتها وغريبها، حيث كان يسلِّم للعرب ولا ينتقدهم، وكان ممن تعاطف مع الفرزدق في بعض تراكيبه الشعرية المشهورة التي ردها عليه بعض اللغويين، وخاصة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي48.

ويظهر أن أبا عمرو كان من القدماء الأوائل الذين أدركوا ما في العربية من لغات، أو مستويات تداخل لغة واحدة، لأن أحدًا لما سأله: «أخبرني عما وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب، وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر، واسمي ما خالفني لغات»49.

والسؤال نفسه وجه إلى عيسى بن عمر (149هـ)50.

ـ خبِّرني عن هذا الذي وَضعت، أيدخل فيه كلام العرب كله؟

ـ فقال عيسى: لا

ـ فقال السائل: فمن تكلم بخلافك، واحتذى على ما كانت العرب تتكلم به أتراه مخطئًا؟

ـ قال عيسى : لا

ـ فقال سائله: فما ينفع كتابك؟

ومن الكتب المؤلفة في اللغات:

1. كتاب اللغات ليونس بن حبيب (183هـ).

2. كتاب اللغات لأبي عبيدة (210هـ).

3. كتاب اللغات للفراء (207هـ).

4. كتب أخرى في اللغات لكل من أبي زيد (215هـ) والأصمعي وأبي عمرو الشيباني (206هـ).

ح. المستويات اللغوية في نظرنا

ومن المصنفات التي ألفت فسميت بـ «كتاب لغات القرآن» كتب كثيرة،… وهذا يدل بقوة على الإدراك المبكر من العلماء العرب لمستويات اللغة في العربية، والتي يمكن أن تجمل حسب المستويات التالية:

1. العربية الفصحى.

2. العربية الفصيحة.

3. العربية الأكثر شيوعًا حتى وإن كانت قليلة.

4. العربية الأقل استعمالا لقدمها أو غرابتها أو عزوف الناس عنها أو رفضها من اللغويين.

5. اللغة المهجورة المسماة باللغات المذمومة مثلا:

6. اللغة المولدة من العربية مباشرة، أو المغيرة من المولدين نطقا وتحقيقا أو دلالة، ومما هو معرب ومترجم ومنحوت.

7. لغة العامة غير المعربة كليًا او الملحونة جزئيًا.

8. اللغة السفلى: لغة الصنائع والمهن والسوق والشارع والجند،…

ط. خلاصة تحليلية في التجربة العربية القديمة

والخلاصة ان التجارب العربية القديمة كانت ذات أبعاد علمية ودينية وقومية، تشبه إلى حد ما أسباب وضع القواعد، لكنها كانت أعم وأوسع وأكثر تحديًا لما واجههم من احتكاكات لغوية مفروضة بقوة الفعل من الخارج، وهم وإن لم يغلقوا أبواب العربية أمام الزحف الحضاري والشعبي وكل ما من شانه أن يعبر عن المدنية العربية الجديدة، فإنهم في المقابل لم يتهاونوا ولا تقاعسوا فرادى وهيئات ومسؤولين في تشجيع العاملين عليها، لما تتمتع به من حرمة تاريخية وقدسية روحية مرتبطة بكتاب الله عز وجل، هذا الكتاب الذي لا تدرك أوامره ونواهيه، ومحظوراته ومباحاته، وما فيه من صور حقيقية ومجازية والتفاتات بعيدة، إلا بهذه اللغة الفصيحة.

ومما يمكن تلخيصه من هذه التجارب علاوة على ما ذكر آنفًا:

1. صيانة الفصحى من العامية ودخول الدخيل فيها، حتى وإن كانت هذه الصيانة لم تفلح فلاحًا شاملاً وبشكل دائم، بل ظلت العامية تكسب المواقع تلو المواقع، وأصبح الإقبال عليها يعظم من العامة والخاصة سواء بسواء؛ في الأسواق، والشوارع والتعاملات الإدارية الرسمية الشفوية، والعلاقات الاجتماعية والتجارية والمهنية، وداخـل الدواوين والقضاء والشرطة والجيش، ومجالس السمر للأمراء والقادة والملوك.

2. صدم القدماء أمام واقع لساني شعبي جارف، الأمر الذي قادهم إلى العمل الجدي لإخضاع مائات من الكلمات الدخيلة لقوانين اللغة العربية وخصائصها الصوتية، مما جعل العربية تثرى بمداليل جديدة، كانت في أمس الحاجة إليها:

3. ظل معظم علماء اللسان العربي القدماء لا يعترفون إلا ضمنيًا بالمستويات اللغوية، على الرغم من نباهة نوابغ منهم وتنبيههم على ذلك، وعلى الرغم من ان العربية في حد ذاتها مزيج من اللهجات القبلية التي نتج عنها لغة مشتركة يتعاطاها كل العرب، إلا ما قل وندر من خصوصيات لهجية محلية لم تشع شيوعا عامًا، وربما اشتهر عنصر منها وعم العرب جميعا.

4. لم يهتد العرب القدماء إلى تأسيس علم اللهجات مستقلاًّ يدرس المستويات اللغوية ويضبطها ويقننها، فبقيت دراستهم الجليلة تتسم بالأحادية، ولعلهم عزفوا عن ذلك حفاظًا على الوحدة اللغوية، ظنًا منهم أن مادة مثل علم اللهجات لا تزيد الطين إلا بلة، مع انهم كانوا يوظفونه ضمنيا دون أن يصرحوا به.

5. خلفوا لنا منجزات علمية في تفصيح العربية ومحاربة العامية، تتمثل في عناوين تحمل مصطلحات عديدة.

وحسبنا تأكدًا من الجهود العربية القديمة لبيان الروابط والصلات الوثيقة بين فصحانا وعامياتنا في مشارق الوطن العربي ومغاربه، أن نسرد هنا جانبا حيُا للدلالة على مدى فزع علماء اللسان العربي القدماء ومن لحق بهم على مدى قرون متتالية متبادلين المشعل نفسه:

1. لحن العامة للكسائي (189هـ).

2. إصلاح المنطق لابن السكيت. (216هـ).

3. أدب الكاتب لابن قتيبة: (276هـ).

4. الفصيح لثعلب (291هـ).

5. لحن العامة للزبيدي (379هـ).

6. ثقيف اللسان وتلقيح الجنان لابن مكي الصقلي (501هـ).

7. درة الغواص في أوهام الخواص للحريري (516هـ).

8. التكملة فيما يلحن العامة للجواليقي (516هـ).

والأمثلة كثيرة، بحيث كل عمل أنجز في هذا الموضوع الـذي يعد في نظرنا أمرًا طبيعيًا بالنسبة للغةٍ كالعربية انتشرت انتشارًا شفهيًا إلا وتصدى للتكلمات التي كانت تؤدي بأداءات منحرفة عما كان يعتقده أولئك العلماء، خرقًا لغويًا في اللغة المعتادة، وظل العلماء لا يكادون يجرؤون على الطعن فيما قد يقع بعضهم في لحن أو خرق لغوي، ويظهر أن الحريري ممن كانت له الجرأة في مواجهة ما أسماه بأوهام الخواص، بدل مصطلح العامة الذي لم يكن يراد به جوهرًا إلا ما ولَّده الجيل الجديد ممن لهم رصيد مرموق من الثقافة اللغوية والدينية والعلمية.

3. التجارب العربية الحديثة في العامي والفصيح

وأما التجارب العربية الحديثة في تفصيح العامية فهي تجارب فردية وخواطر شخصية، فليست هناك دراسة علمية موضوعية ولا أكاديمية لهذا الموضوع، عبر هيئات رسمية أو علمية في مراكز البحث والجامعات العربية، ولربما أضحت العامية وآدابها والفنون الشعبية المتصلة بها زادًا للارتزاق ونيل شهادات، إذ الأبحاث التي تعالج باسم العامية في جامعاتنا أبحاث لا تسلط الضوء على العامية نفسها، بل تكتفي بتناول عنصر أو جزء منها، تناولا بعيدًا عن أهل الميدان والاختصاص.

إن عاميتنا هبة لسانية طبيعية مجانية، وتوظيفها اليومي في شتى المجالات والتعاملات توظيف يفوق توظيف الفصحى بشيء كثير، ودون عناء ولا بذل دينار واحد من أجلها، خلافًا لفصحانا التي توفر لها كل دولة عربية إمكانات مادية وبشرية هائلة، إلى جانب هياكل استقبال من مدارس وجامعات ومراكز، وإقامة مجامع أكاديمية ومجالس عليا ،… كل هذا من أجل تعليمها وإثرائها وترقيتها، ومحاولة تعميم استعمالها، وفي كل مرة نجد أنفسنا ندور في حلقات مفرغة، وكل ما ينجز فيها يبقى نظريًا.

إن عاميتنا ظاهرة من ظواهر التواصل اللغوي التي صمدت صمودًا شعبيًا وقوميًا، يدعونا إلى أخذ العبرة، ويلفت نظرنا إلى التفكير في إعادة النظر في هذا الموروث اللساني الأصيل، الذي ليس كل ما فيه نحسًا وشرًا بالنسبة للرؤية العربية الأحادية إيديولوجياً، لأنه موروث يكتنز في أحشائه ذخائر لغوية فصيحة وتاريخية مهمة، ولذلك كان المحتل غبيًا حين تصدى إلى مقاومة الفصحى، وهي لغة مفبركة، أو اصطناعية بالنسبة إلينا، وسها عن العامية، وهي لغة طبيعية وجبلة فينا.

وأول إشكال يطرح؛ يتعلق بهذا المستوى الشعبي العريض من التبليغ، أي حول تحديد هويته والاعتراف به أو رفضه لأنه مستوى يعمل على زيادة الطين بلة بالنسبة للهوية الوطنية الواحدة.

ب. تشبيه مآل الفصحى بمآل اللاتينية

إن الذين يدعون إلى التخلي عن الفصحى والتحول إلى العامية، يستندون في دعوتهم إلى تشبيه العربية باللاتينية قائلين: «إن حالة العربية الفصحى الآن، لا تختلف عن حالة اللاتينية الكلاسيكية قديمًا، فمصيرها سيكون شبيها بمصير اللغة المذكورة حتمًا»51. والتي ولَّدت لغات أوروبية عامية، ما لبثت بعد قرون أن تحولت إلى لغات علم وأدب، بينما اللاتينية الأصلية قد أمَّحَتْ واندثرت، بعد ان كانت لغة العلم والأدب في معظم بلاد الغرب.

وفات هذا الرأي أن اللغة العربية موروث لساني بدوي، ولم يكن تكلمها حكرًا على طبقة اجتماعية راقية دون طبقات أدنى من ذلك، على عكس اللاتينية التي انتشرت شفاهيا، كان لا يتكلمها إلا الطبقات الأرستوقراطية، ولا يحسنها إلا النخب الممتازة من القوم، وكان حالها بمثابة حال فصحانا اليوم، «ومن الطبيعي أن اللاتينية الكلاسيكية بقيت ـ خلال هذا الانتشار ـ كما هي: بمفرداتها وقواعدها الصرفية والنحوية المدونة في الكتب، ولكن اللاتينية العامية لم تسلم من التغير والتحول، لأنها كانت تنتقل وتنتشر عن طريق المشافهة وحدها، فكان من الطبيعي أن تتأثر ـ خلال هذا الانتشار ـ من خصائص اللغات المحلية القديمة، ولا سيما من أساليبها الصوتية»52.

ج. تعريف العامية

ويعرف الدكتور حسين نصار اللغة العامية، وهو يقدم «معجم تيمورالكبير في الألفاظ العامية بأنها: «اللغة التي نتخاطب بها في كل يوم، عما يعرف لنا من شؤون حياتنا مهما اختلفت أقدارنا ومنازلنا: لسان المتعلمين منا وغير المتعلمين، على اختلاف فئاتهم وحرفهم، والمثقفين وغير المثقفين ،… يتقارب المتحدثون بهذه «اللغة العامية» على «اختلاف أقدارهم ومنازلهم» فيتم التفاهم في يسر وسرعة في أكثر الأحيان ويتباعدون بسبب هذا الاختلاف حتى يتعذر التفاهم»53 على الرغم من أن المتحاورين قد يكونون من بلد واحد.

د. الصلة بين العامية والفصحى في عملية الاستعمال

«الصلة بين العاميات العربية والفصحى لا يشك فيها أحد، ولكن هذه الصلة قد تتفاوت قربًا أو بعدًا، لأن هناك عاميات من جهة، ولغات فصيحة من جهة أخرى، فلما يتفق او يختلف العامة يتفق أو يختلف الخاصة، والفرق بينهما أن مجال اللغات الفصيحة مجال محدد، خلافًا للعامية التي مجالها مفتوح وصعب؛ بل مستحيل تحديده بالسياسات اللغوية العربية الراهنة54.

ولعل منهجية القدماء في التعامل مع هذه الإشكالية متباينة مع منهجية المحدثين، لأن حرب القدماء كانت متوجهة ضد خرق كل ما هو رسمي في لغة الدواوين، والرسائل، ولغات الآداب والشعر، في حين أن منهجية المحدثين صارت توجه سهامها إلى لغة الحديث الجارية على لسان العامة، التي تمثل أدنى الطبقات الثقافية من المجتمع، لتليها لغة الإعلام والصحافة.

ومن المؤلفين المحدثين من لم يرد حرب العامية ولا تفصيحها، « بل اعترف بها حفيدة شرعية للعربية الفصيحة من بناتها المتعددات التي كانت لقبائل تتحدّث بها»55، في حين اعترف البعض الآخر بها كلغة مكتملة، وعالجها علاج اللغات ذات الكيان المستقل بنفسه، مستدلين بذلك على ما لهذه العامية من انتاجات أدبية وفنية ملحونة، اهتم بها القدماء قبل المحدثين دراسة وتدوينا، مثلما نجد لدى صفي الدين الحلي في كتابه «العاطل الحالي»، وعند ابن حجة الحموي في كتابه «بلوغ الأمل»، ولدى الأبشهي في «المستطرف في كل فن مستظرف».

وممن استخدم العامية في أجناس أدبية وفنية شتى عبد الله النديم     (1896م)، الكاتب المصري دون ان يدعو إليها أو يتعصب على الفصحى، ففي نظر هذا الكاتب أن العامية «ليست منمقة بمجاز واستعارات ولا مزخرفة بتورية واستخدام ،… ولكنها أحاديث تعودنا عليها، ولغة ألفنا المسامرة بها، لا تلجئك إلى قاموس الفيروز أبادي، ولا تلزمك مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطرك لترجمان يعبر لك عن موضوعها، ولا لشيخ يفسر لك معانيها..»56.

وإذا كنا مقتنعين مبدئيًا بأن للغة الشفوية تقليدًا عن اللغة الخطية وثابتًا على نحو آخر، حسب تعبير دي سوسور57، فإننا كنا قد أشرنا إلى أن اللغة الشفهية الممثلة في عاميتنا غالبا بنية لسانية ما قبلية، بينما الخطية المتمثلة دائمًا في فصحانا بنية لسانية ما بعدية، وكل ما في الأمر أن اللغة «الخطية تنتهي فور انتهاء المراسلة أو الخطاب المراد رصده، من أجل توصيله للآخر، بينما تظل الشفوية على حالها»58، ولذا فإن نص عبد الله النديم السابق نص غير مقبول عندنا، من حيث بعده اللساني العام، فللعاميات قواعدها وبلاغتها وأساليبها وإبداعاتها، وهي ليست أكثر مرونة ولا سهولة من الفصحى، بل هي أعقد وأعوص منها، ويتجلى ذلك من خلال الصعوبة التي يجدها عراقي في تعلم عامية جزائري، والعكس صحيح بالنسبة للجزائري، والسهولة التي أشار إليها عبد الله النديم تأتي من كون عامية كل واحد منا جبلة وطبعًا قائمين في نفوسنا، وهي فوق ذلك ملكة لسانية اجتماعية59.

هـ. دعوة إلى تبني العامية

ومن الأجانب الذين دعوا إلى ترك الفصحى، وتبني العامية التي يفهمها الشعب كله، الألماني «ولهلم سبيتا» الذي كان يشغل مديرًا لدار الكتب المصرية، مؤلفًا كتابه «قواعد العربية العامية في مصر»، مشبهًا العربية الفصحى باللغة اللاتينية، متنبئًا بالموت والفناء لها، متهمًا إياها بالصعوبة والجمود، وشتى الاتهامات الهشة الأخرى التي تدحضها وقائع تاريخية وحضارية ولسانية دحضًا لا يقبل مجالاً للنقاش60.

وكان الإنجليزي وليم ولكوكس ممن حذا حذو الألماني ولهلم سبيتا، حيث دعا الناس إلى نبذ الفصحى واعتناق العامية كأداة للكتابة والتأليف، ذاهبًا إلى ان عدم وجود قوة اختراع علمي لدى المصريين يرجع إلى تبني الناس لهذه الفصحى.

ومن العرب من ذهب مذهبًا أكثر غرابة وشراسة في الهجوم على الفصحى والازدراء بتراثها من هؤلاء أمين شميل الذي سخر من العربية وقواعدها: «فكانت الوطنية قولهم ضرب زيدا عمرًا، واشتعل الرأس شيبًا»61

و. دعوة إلى تكسير الفصحى

بينما اقترح سلامة موسى منهجًا لتيسير الفصحى لا يقبله متكلم، لأنه منهج يكسر ما هو فصيح، بدل أن يفصح ما هو عامي، ويزيل ما هو كائن، عوض أن يبدع وييسر أو يثري العربية بما تحتاجه فعلاً من تعابير جديدة، واصطلاحات علمية وتقنولوجية عصرية، إذ كيف يقبل متكلم62.

1. إلغاء الألف والنون من المثنى.

2. حذف الواو والنون من جمع المذكر السالم.

3. إلغاء التصغير.

4. إلغاء جمع التكسير كله، والاكتفاء بالألف والتاء لغير المذكر السالم.

5. إلغاء الإعراب والاكتفاء بتسكين أواخر الكلمات.

في حين أن حسن الشريف اقترح:

1. حذف موانع الصرف

2. جعل العدد من جنس المعدود.

3. إلتزام المنادى والمستثنى حالة واحدة من الحالات، بحيث يكون منصوبًا دائمًا او مرفوعًا دائمًا63.

ز. تقاطع العامية بلغات أخرى

وهكذا نرى ان هذه الدعوات المنحرفة التي لا تخلو من تأثيرات خارجية وشبة داخلية باءت كلها بالفشل الذريع، وكنا تمنينا لو كانت دعوات بريئة، تنادي بتيسير الفصحى وتفصيح العامية وخلق لغة وسطى يتفاهم ويتواصل بها كل الطبقات، ذات المستويات الثقافية المتباينة، لأن غير واحد من الباحثين الأكاديميين لاحظ أنه بقدر ما يوجد من بعد مستمر بين فصحانا وعاميتنا، فإن هذه الأخيرة لها من المؤهلات التي تتيح لها أن تتجاوب بيسر ومرونة مع لغات أصلية لها، أو أجنبية متعايشة معها، بفعل عوامل خارجية، فتعطيها وتأخذ منها، من ذلك أن العامية العراقية أخذت غير قليل من الألفاظ الفارسية والتركية، والعامية السورية افترضت كلمات من اللغة السريانية، والعلمية والمصرية دخلها ألفاظ تركية وإيطالية، فضلاً عن كلمات قبطية محلية، ونحن نعلم ان العامية الجزائرية غزتها كميات من المفاهيم التركية والإسبانية والفرنسية والإيطالية فضلاً عن كلمات من اللغة الأمازيغية القديمة.

ح. إنجازات علمية في تأصيل العامية: وصف ومنهج

ومن الجهود الميدانية التي اضطلع بها المحدثون في التقريب بين الفصحى والعامية، وخاصة في مصر تلك المؤلفات والمعاجم التي أنجزوها، ومنها:

1. لف القماط على تصحيح بعض ما استعمله العامة من العربي الدخيل والمولد والأغلاط، لصاحبه صديق بن حسن خان القنوجي، وألفه عام 1878.

2. الدليل إلى مرادف العامي والدخيل لرشيد عطية طبع عام 1898.

3. معجم عطية في العامية والدخيل طبع عام 1944.

4. أصول الكلمات العامية لحسن توفيق عام 1899.

5. الحكم في أصول الكلمات العامية، د. احمد عيسى.

6. معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية المشار إليه.

7. القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب لمحمد بن أبي السرور البكري.

8. التحفة الوفائية في اللغة العامية المصرية للسيد وفا محمد القوني.

9. معجم الألفاظ الحديثة لمحمد دياب.

10. قاموس العوام  لحليم دموس طبع عام 1923.

11. تهذيب العامي والمحرف لحسن علي البدراوي طبع 1912.

12. تهذيب الألفاظ العامية لمحمد علي الدسوقي طبع 1913.

13. المحرف والعامي لحليم فهمي طبع عام 1923.

وممن وصف مضمون وهدف ومنهج هذه المؤلفات التي كُتِبَت بالعامية وعلاقتها بالفصحى الدكتور حسين نصار: «وابتدأت الكتب المؤلفة في العامية برسائل موجزة، تكتفي بإيراد اللفظ الخاطئ وتصويبه مع شاهد من القرآن أو الشعر، ولكنها أخذت في الطول شيئا فشيئًا حتى ارتمت في أحضان الأخبار والأشعار والأحاديث والتعليقات النحوية والصرفية والاستطرادات في القرنين الخامس والسادس تميل إلى نظام المتون تارة وإلى نظام الأخبار الأدبية والاستطرادية أخرى، وتتوسط بين ذلك ثالثة، حتى غلب عليها الإيجاز والتوسط في العصر الحديث»64. مردفًا القول بأن الكتب الأولى من العاميات لم تكن تلتفت إلى ما فيها من دخيل، ولكن سرعان ما تداركت الأمر، مثلما نجد ذلك لدى ابن قتيبة في أدب الكاتب، ليظهر الاهتمام نفسه ثانية في القرن التاسع عشر، بعد تقاطع الثقافة العربية بالثقافة الغربية الحديثة التي شهدت تطورًا مذهلاً قياسًا بثقافتنا العربية الضحلة في جميع مستوياتها.

والواقع أن وصف الدكتور حسين نصار لمنهجية بعض الأعمال التي عنيت بتهذيب العامية وتفصيحها ومحاولة رد كل كلمة منها إلى أصلها يصدق كل الصدق على بعض المحاولات المحتشمة من هذا القبيل، والتي ظهرت عندنا في الجزائر على شكل مقالات أو كتيبات، فهي أعمال على الرغم من قيمتها التثقيفية اللسانية العامة في اللغة العربية وآدابها وتراثها، تظل بعيدة عن الطابع العلمي الأكاديمي، لأنها أعمال تغلب عليها الانطباعية، وتسودها الإنشائية، وتغمرها روح علمية استعراضية استطرادية، أو قل هي مطبوعة بطابع البحث العلمي الانفعالي المراهق، في المجال اللغوي الذي غدا منذ زهاء قرنين مجالاً قائمًا بذاته، ومنذ قرن نبذ كل ما هو خارجي غريب عن حقله.

وبالنسبة للأستاذ تيمور في معجمه وهو يتحدث عن الكلمات العامية، أن أصول العامية ثلاثة أقسام65.

1. قسم عربي الأصل، وهو الغالب.

2. قسم دخيل من لغات شتى.

3. قسم عامي محض لا أصل له، أو غاب عنا أصله.

فالعربي الأصلي ما أبقي على أصله وحوفظ على استعماله في مدلوله الذي وضع له، ومنه ما حرّف صوتيًا في حركاته، ومنه ما أبقي على أصله، ولكنه عاد مستعملاً في غير معناه، وأما الدخيل فكل ما دخل العربية من ألفاظ أجنبية، بينما العامي المحض هو ما ارتجلته العامة، أو لم تستطع إدراك أصله.

وتعرض المعجم في عمله إلى66:

1. الحروف وإبدالاتها الصوتية المشهورة.

2. النطق الحركي القصير.

3. الأسماء.

4. الاشتقاق.

5. النحت.

6. أبواب نحوية وصرفية شتى.

7. أبواب بلاغية.

8. أنواع الشعر كالفنون السبعة (الدوبيت، الزجل، القوما، كان وكان، المواليا ،…)

ومنذ إنشاء المجمع اللغوي العربي بمصر بدأ يلتفت إلى هذه الإشكالية عملاً وإفتاء، وتصدى رئيسه (محمد توفيق البكري) إلى وضع عشر كلمات67.

1. مرحى كلمة براقو Bravo.

2. برحى عكس مرحى.

3. مسرة ( لم تشكل) للتلفون.

4. عم صباحا لبونجور Bonjour.

5. عم صباحًا لبنوسوار Bonsoir.

6. بهو للصالون Salon.

7. قفاز للجوانتي.

8. نمرة لنمرو Numéro.

9. وشاح للكوردون Cordon.

10. مدرة للافوكاتو Avogat.

وأول ملاحظة أن هذه الكلمات التي وضعها المجمع ترجمة، وليست تهذيبًا لكلمات غربية عامية، والملاحظة نفسها تكاد تنطبق على الكلمات العشر التي وضعها أمين سر المجتمع ( محمد بيرم).

ومما يدعو إلى الأسف؛ أن هذه الكلمات العشرين التي وضعها المجمع أثارت جدالاً ونقاشًا بين عدة شخصيات علمية وثقافية فاعلة، فالأستاذ جرجي زيدان أقر ثماني كلمات مما وضعه البكري، ورفض كلمتيْ (مدرة للأفوكاتو ونمرة لنمرو)، وناقشها كذلك عبد الله النديم، لكن النقاش احتدم بينه وبين زيدان؛ أي حول الكلمتين اللتين رفضهما هذا الأخير68.

ط. ارتياح جماعة للكتابة بالعامية

والغريب ان عبد الله النديم حين طالع قراءه برغبته في الإقلاع عن الكتابة بالعامية ثارت ثائرة جمع منهم، بمن فيهم أدباء مصر وعلماؤها، مبينين له حجج اعتراضهم على إغلاقه باب الكتابة بالعامية، وهذه الحجج ملخصها:

1. إغلاق باب العامية سيحرم كثيرًا من قرائه.

2. إن العامية قد وجدت بجانب الفصحى منذ القرن الأول الهجري، ومع توالي القرون لم تشكل أي خطر على الفصحى الأصلية.

3. إن اختلاف عبارة العامة عن عبارة العلماء والأدباء والكتاب أمر جار في كل أمة لها لغة مستقلة، بما في ذلك أوروبا التي يوجد بها جرائد تكتب بالعامية.

4. أن المدرسين يعبرون أحيانا عن القواعد النحوية والصرفية بعبارات عامية، لتقريبها إلى الأفهم وأذهان التلاميذ.

5. أن المواليا والزجل والقوما من فنون الشعر لا تكتب ولا تقرأ إلا إذا كانت ملونة ومكسرة.

6. أن كثيرًا من العلماء كتبوا في علوم عقلية ونقلية بالزجل تسهيلاً للعامة.

7. أن الضرر الذي يخشى منه على لغتنا الفصحى لا يتأتى إلا من طريق نقل العلوم والتعلم في المدارس ومجامع العلماء باللغة العامية.

ي. كيف تذهب العامية؟

وإذا كان لهذه الدعوة ما يبررها في القرن التاسع عشر؛ حيث لم يكن التعليم متاحًا للمجتمع العربي كله، فإنه لم يعد لها في القرن العشرين، وخاصة مع بداية هذه الألفية الثالثة ما يبررها إطلاقًا، فالأمور تغيرت تغيرًا جذريًا منذ عصر النديم إلى عصرنا، وكل ما يمكن عمله هو النظر إلى لغتنا الفصحى على أنها مستويات، كنا أشرنا إليها آنفا، وأن نعمل بدون هوادة عملاً مزدوجًا، وفي الآن ذاته:

1. تثقيف المجتمع فرادى وجماعات، بتوفير شروط المقروئية ونشر التعليم.

2. الاستمرار على خطى علمائنا القدماء والمحدثين في تهذيب العامية وتقريبها من الفصحى، من أجل خلق لغة وسطى، تفهمها وتتواصل بها طبقات العامة والخاصة من المجتمع، وهذه اللغة الوسطى تعني استعمال مستوى ميسر مزيج من الفصحى والأصلية، ومما هذب وفصح من الكلمات العامية القريبة من أمها الفصحى، التي بعدت أو انحرفت عنها لظروف قاهرة لم تكن ترغب فيها إراديا أيما رغبة.

ويمكن تسجيل عينات من تجارب العرب المحدثين في تفصيح العامية والاشتغال فيها فيما يلي:

I. انصب اهتمام الهيئات والمجامع على ترقية الفصحى، واتبعوا خطوات القدماء.

أ. التعريب

ب. الترجمة

ج. المولد عن:

1. طريق التحول المعنوي الذاتي للكلمة.

2. طريق الوضع اللفظي.

3. طريق الوضع المجازي.

4. طريق الاشتقاق الاسمي، ومنه النحت.

II. هناك التفاتات وجهود فردية نهض بها أعضاء مجمعيون في المشرق العربي، ولكن تلك الالتفاتات بقيت جهودًا ضيقة محلية وبوادر شخصية.

III. ظل الناس إلا من ندر ينظرون إلى العامية نظرة لا تختلف عن رؤية القدماء.

IV. ليس للعرب حتى الآن في جامعاتها وهيئاتها ومراكز بحثها حقل خاص بعلم اللهجات، أسوة بما وجد لدى الغربيين منذ مائة وعشرين سنة على الأقل.

V. لم ندرك حتى الآن بأن عاميتنا هي التي تمثل ذخيرة الفصحى، وهي التي حافظت عليها في أحلك ظروفها وليس العكس، باعتبار أن كل الدعوات الاستشراقية والتغريبية الهدامة كانت ضد الفصحى، ولم تكن ضد لغة الشعب الطبيعية، التي لا يمكن لقوة أن تتحكم في رقاب جملة واحدة منها.

VI. عمل مثل هذا يجب ان يكون جماعيا وحقليا:

أ. لهجات.

ب. آداب وفنون قول شعبية.

ج. خطابات مهنية وصناعية وزراعية.

د. تواصلات ريفية وحضرية.

هـ. كل شكل من أشكال التعبير اللساني الشفهي من هنا وهناك.

دليل البحث من إحالات ومراجع :

1. لسان العرب، م:2/544 لابن منظور، ط:1/1990

دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

2. راجع هذه الأفكار في فقه اللغة، ص:29 ـ31 لابن فارس،  تحقيق : د. مصطفى الشويمي، ط: 1963 مؤسسة بدران، بيروت.

3. الإيضاح في علل النحو، ص:92 الزجاجي.

4. علم اللهجات اللغوي والأدبي عند العرب، ص:6 عبد الجليل مرتاض (الكتاب قيد الطبع).

5. راجع المصباح المنير، ص:400، الفيومي، المكتبة العلمية بيروت.

6. أعني بهذا العمل «علم اللهجات اللغوي والأدبي عند العرب»

7. الكامل: 2/ ص:223 المبرد، تحقيق أبو الفضل وشحاتة، نهضة مصر، القاهرة.

8. فقه اللغة لابن فارس، ص:57.

9. نفسه، ص:57 ـ 58.

10. نفسه، ص:58.

11. انظر المرجع السابق، ص:57.

12. مدخل إلى اللسانيات، ص:37. رونالد إيلوار، ترجمة، د.بدر الدين القاسم، ط:1980 جامعة دمشق.

13. فقه اللغة لابن فارس، ص:52.

14. نفسه، ص:40.

15. هذه التراكيب التالية ( ستة عشر تركيبا) في فقه اللغة لابن فارس ص:48ـ50.

16. راجع المزهر1/ص:185 الشبوطي، تحقيق: محمد أحمد جاد المولى علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

17. السابق، ص:187.

18. السابق، ص:191.

19. نفسه، ص:195.

20. انظر المصباح المنير، ص:23 وغيره من مراجع اللغة مثل مراتب النحويين، ص:92.

21. طبقات النحويين واللغويين ص: 172 للزبيدي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر.

22. نفسه، ص:172.

23. المظهر1/ص:211ـ 212.

24. راجع المصدر السابق، ص:212.

25. مراتب النحويين، ص:155 أبو الطيب اللغوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي.

26. نفسه، ص:156.

27. نفسه، ص: 156 ـ157.

28. الفهرست، ص:90 لابن النديم، تحقيق رضا تجدد، ط:1971 مطبعة طهران.

29. نفسه، ص:88.

30. نفسه، ص:83.

31. انظر مراتب النحويين، ص:156 ـ157.

32. نفسه، ص:156 ـ157.

33. نفسه، ص:157.

34. الإيضاح في علل النحو، ص:68 ـ69.

35. قر أ أبو عمر وبن العلاء ويعقوب « كله » رفعًا على الابتداء والباقون نصبًا على القاعدة الشائعة (التوكيد).

36. الإيضاح في علل النحو، ص:70.

37. نور القبس، ص: 94 للمرزباني من اختصار اليغموري وتحقيق رودلف زلهايم، ط:1964 نشر فرانتس شتاينر بقيسبادن.

38. الإيضاح في علل النحو: ص: 89.

39. اللغة والتواصل (اقترابات لسانية للتواصليين، الشفهي والكتابي) ص:108 عبد الجليل مرتاض ـ ط1/2000 دار هومة الجزائر.

40. طبقات النحويين واللغويين، ص:131.

41. السابق، ص:143.

42. أنظر مراتب النحويين، ص:73.

43. نور القبس، ص: 142.

44. انظر المزهر 1/ص: 230.

45. الموازنة بين اللهجات العربية الفصيحة( دراسة لسانية في المدونة والتركيب) ص: 199 عبد الجليل مرتاض. دار الغرب للنشر والتوزيع وهران الجزائر، ط:1/2002.

46. نفسه، ص:192.

47. راجع هذه القضايا النحوية في المرجع السابق، ص:192 ـ 198

48. انظر بوادر الحركة اللسانية الأولى عند العرب ص: 125ـ128 عبد الجليل مرتاض، ط1/1988 دار الأشرف بيروت.

49. طبقات النحويين اللغويين، ص:39.

50. المصدر نفسه، ص:45.

51. مجلة المجمع العلمي العربي مجلد :32/ج2 ص:241 عام 1957

52. نفسه، ص:245.

53. معجم تيمور الكبير، ج1/5، أحمد تيمور، وتحقيق د. حسين نصار، ط1971 الهيئة المصرية العامة للكتاب.

54. نفسه، ص:6.

55. نفسه، ص:7.

56. عبد الله النديم بين الفصحى والعامية، ص:61 ـ 62. دة، نفوسة زكريا سعيد، ط :1966 الدار القومية للطباعة والنشر الاسكندرية.

57. محاضرات في الألسنية العامة، ص:40 ف، دي سوسور ـ ترجمة يوسف غازي ومجدي النصر، دار نعمان للثقافة بيروت.

58. اللغة والتواصل، ص:127.

59. راجع اللغة والتواصل، ص:124 ـ 127.

60. راجع عبد الله النديم بين الفصحى والعامية، ص:132 ـ 133

61. نفسه، ص: 152.

62. نفسه، ص: 153.

63. نفسه، ص: 153

64. معجم تيمور الكبير 1/9.

65. نفسه، ص: 19 ـ 10.

66. هذا الوصف التالي لا يعني إلا الجزء الاول من المعجم المشار إليه.

67. عبد الله النديم بين الفصحى والعامية، ص: 192.

68. راجع المرجع السابق، ص:192 وما بعدها.

69. راجع المرجع السابق، ص: 209 ـ 210.

صفحة بيضاء

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading