المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية وانعكاساتها على تعدد أنماط التعليم المصرى

(دراسة تحليلية)

إعداد

دعاء عادل عبدالسميع بدوى

باحثة بكلية التربية-جامعة الزقازيق

Doaaadel2050@yahoo.com

 

مستخلص البحث:

إن تعدد أنماط التعليم لم يكن ظاهرة حديثة أو مستجدة أو وليدة العصر الحالى، ولكنها ظاهرة لها جذور تاريخية بدأت مع بداية انتشار التعليم واختراع الكتابة؛ فنظام التعليم فى مصر قد مر بمراحل مختلفة عبر العصور، وكان للمتغيرات والأحداث و السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأيديولوجية الحاكم دور رئيس فى توجيه سياسته ورسم معالمه وفلسفته وفقا لما يخدم أهدافا سياسية واجتماعية واقتصادية معينة.وقد استهدفت الدراسة الحالية الكشف عن أهم المتغيرات والأحداث والعوامل التى أدت إلى ظهور مشكلة تعدد أنماط التعليم وذلك منذ العصور القديمة البدائية مرورا بعهد الفراعنة والبطالمة وعصر صدر الإسلام، والدولة الفاطمية، والأيوبية، والعهد المملوكى، ومع نشأة الدولة الحديثة على يد “محمد على باشا” الذى اهتم اهتماما بالغا بالتعليم، وأنشأ المدارس لتخدم أغراضه فى تكوين جيش وطنى قوى، وبعد وفاة “إبراهيم باشا” جاء”عباس الأول” الذى ساء حال التعليم فى عهده، وجاء بعده “سعيد باشا” الذى كانت سياسته ترمى إلى إن الشعب الجاهل يسهل قيادته فأهمل التعليم، ولكن عاد التعليم مرة أخرى ليزدهر فى عهد “إسماعيل باشا”. وهكذا نجد إنه كان لسياسة الحاكم والمتغيرات والأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية دور فى توجيه دفة النظام التعليمى فى مصر عبر التاريخ، ومن ثم تعددت أنماطه وتشرذمت مآربه مما شكل تهديدا لتماسك بنية المجتمع.

الكلمات المفتاحية: تعدد أنماط التعليم- المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية.

Political, economic and cultural variables and their reflects on the diversity of Egyptian education styles

(An analysis study)

Abstract

The multiplicity of education styles was not a recent or emerging phenomenon, or a product of the current era, but rather a phenomenon with historical roots that began with the beginning of the spread of education. The education system in Egypt has gone through different stages throughout the ages, and events, political, social and economic conditions and the ruler’s ideology played a major role in directing his policy and drawing his features and philosophy according to what serves certain political, social and economic goals. The current study aimed to reveal the most important variables, events and factors that led to the multiplicity of education patterns, since primitive antiquity, through the era of the Pharaohs and the Ptolemies, the era of early Islam, the Fatimid state, the Ayyubids, and the Mamluk era, and with the emergence of the modern state at the hands of “Muhammad Ali Pasha,” who He cared deeply about education, and established schools to serve his purposes in forming a strong national army, and after the death of “Ibrahim Pasha” came “Abbas I”, who worsened the state of education during his reign, and came after him “Saeed Pasha”, whose policy was aimed at that the ignorant people facilitate their leadership, so he neglected education, But education returned once again to flourish during the era of “Ismail Pasha”. Thus, we find that the ruler’s policy, events, and political, economic and cultural variables played a role in guiding the educational system in Egypt throughout history, and then its patterns multiplied and its aims fragmented, which posed a threat to the cohesion of the structure of society.

Keywords: Multiple styles of education political, economic and cultural variables.

مقدمة البحث:

    ترتكز نهضة المجتمع علي نوعية أفراده، هذه النوعية التي تعتمد في المقام الأول علي نوعية تعليمهم. وليس من المغالاة في شيء القول بأن ارتقاء المجتمعات أصبح رهناً بالتعليم الجيد فيها، الذي ينمي قدرات أبنائها ومهاراتهم وقيمهم، ويُكوِّن شخصياتهم وينميها من شتي جوانبها، ولذا فإن للتعليم في حياة المجتمعات وفي مستقبلها شأناً عظيما وأثراً بعيداً –أو هكذا ينبغي أن يكون، فمستوي تقدم أي مجتمع يتناسب طردياً مع مستوي تعليم أفراده، مما جعل الاهتمام بالتعليم وتطويره والارتقاء بمستوي نوعيته في مقدمة أولويات الدول كافة (1).

وتستمد التربية أصولها أولا من المجتمع الذي أوجدها، مهما كان نوع هذا المجتمع أو حجمه أو درجة تطوره، لتكون أداة بقاء المجتمع واستمراره، والحفاظ علي هويته الثقافية التي تكونت عبر السنين، كما أنها-التربية- أداة لتطوير هذا المجتمع والبحث عن آفاق مستقبله. فكل تربية تحمل صفات مجتمعها بالضرورة، لأنها تقوم علي فهم معين للمجتمع والثقافة؛ لتعبر عن ثقافة المجتمع واتجاهاته، وأساليب الجماعة أو المجتمع، وما يحمله هذا المجتمع من قيم وأفكار، تقاليد وعادات تمثل بيئة نظام التربية(2).

والتعليم بصفة عامة هو المسئول عن تكوين الإنسان وتنميته، فالإنسان هو هدف التنمية ووسيلتها في آن واحد، وهنا  يستلزم امتلاك المجتمع لرؤية ورسالة واضحة فيما يتعلق بتبصر واقعه وباستشراف مستقبله وطموحاته بشأن هذا المستقبل(3).

    وبذلك، فإن فهم التربية ومعرفة حدود أدوارها يتوقف علي فهم المجتمع، وتحليل مكوناته، وتقصي إطار ثقافته التي تميزه، وما تستمده التربية من المجتمع بالضبط، وإسهام هذه الأصول في صنع التربية وتشكيلها، وتوجيهها نحو غايتها المواكبة لإطار حياة المجتمع (4).

مشكلة البحث:

    إن نظام التعليم المصري يعاني من مشكلات عديدة تعوق تقدمه للأمام. وحل هذه المشكلات يحتاج التركيز من قبل الباحثين ليس فقط علي الأسباب المباشرة لتلك المشكلات، ولكن فهم الجذور التاريخية للمشكلات، ومحاولة الوصول لاستيعاب الأبعاد المختلفة لأي مشكلة سواء الأبعاد الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية …فكل ذلك يجعلنا قادرين علي حل تلك المشكلات من جذورها والوصول إلي الأهداف الكبري .

ولقد ظهرت كتابات حديثة ودراسات تؤكد علي أن أحد أهم الظواهر الملحوظة في نظام التعليم المصري هي تعدد أنماط التعليم فيه. وتلك الأنماط المتعددة تشكل ظاهرة تهدد وبشكل قوي تماسك بنية هذا النظام التعليمي، وبنية المجتمع ككل.

     وقد أشارت دراسة (علياء عمر:2009) أن تعدد أنماط التعليم له انعكاسات خطيرة على ثقافة المجتمع علاوة على أنه يعيد إنتاج التمايز الطبقى ويؤثر على لغة المجتمع، ويصاحبه تعدد فى أنماط الفكر والقيم والانتماء(5).

    ويرى (سعيد اسماعيل على: 2011) أن تعدد أنماط وأشكال التعليم هو صورة من صور العشوائية حيث تنتج لنا أنواعا من الشخصيات التى لا تجمعها رابطة قومية واحدة متينة النسيج، وهذه الشخصيات لها قيمها ولها سلوكياتها ومفاهيمها وتوجهاتها مما يضخ فى سوق الثقافة المجتمعية أنماطا سلوكية وقيمية متباينة فيصيب المجتمع بلبلة مفاهيمية وقيمية تضعف من متانة وترابط النسيج الاجتماعى وتوقع المجتمع فى ” تيه فكرى “(6).

    وتذكر دراسة (سحرمحمد كمال: 2014) أن تنوع أنماط التعليم مابين حكومى وأجنبى ودولى أدى إلى تصدع فى جدار الهوية لدى بعض طلاب المرحلة الثانوية؛ لدرجة التشوه وضياع بعض المفاهيم والمصطلحات اللغوية بالنسبة للغة الأم، والعادات والتقاليد، والقيم المختلفة نظرا لأن هذه المدارس تعمل على غرس بعض القيم فى نفوس طلابها الدارسين بها، ومن بينها غرس قيم الولاء والانتماء للأوطان التى تحمل هذه المدارس اسمها، مما يمثل خطرا كبيرا على الهوية الثقافية(7).

    كما أكدت دراسة(دعاء محمد:2017) أن التنوع فى أنماط التعليم فى مصر يمثل تهديدا واضحا لهويتنا الثقافية ويؤثر على روابط الولاء والاعتزاز بالهوية الثقافية لمجتمعنا ويؤدى إلى اختلال النسق القيمى للأجيال الناشئة(8).

    ولكي نحدد أبعاد ظاهرة تعدد أنماط التعليم ونفهمها لا يمكن إلا أن نحلل المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي أدت إلى ظهورها، فكل الظواهر الاجتماعية يسبقها تحولات تاريخية وثقافية واقتصادية واجتماعية تسهم في تشكيلها.ومن ثم تتحدد مشكلة البحث في الأسئلة التالية :

1-ما الأبعاد التاريخية لتعدد أنماط التعليم في مصر في العصور القديمة ؟ 

2-ما المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أدت إلى تعدد أنماط التعليم ؟

3-ما أهم المقترحات التى تسهم فى الحد من انعكاسات مشكلة تعدد أنماط التعليم على المجتمع المصرى؟

أهداف البحث:

يتمثل الهدف الرئيسي للبحث في : تحليل ظاهرة تعدد أنماط التعليم سواء في ظهورها علي مستوي العالم، أو ظهورها في النظام التعليم المصري،والوقوف علي الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية التي تؤدي لظهورها، وفي سبيل تحقيق ذلك،يسعي البحث إلي تحقيق الأهداف التالية :

1-  تحليل لتاريخ  ظهور أنماط مختلفة من التعليم في العصور القديمة فى مصر والعالم .

2-  تحليل الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتاريخية التي أدت إلى تعدد أنماط التعليم فى مصر.

3-وضع مقترحات للحد من انعكاسات مشكلة تعدد أنماط التعليم على المجتمع المصرى.

أهمية البحث:

    تنبع أهمية الدراسة في أنها تعالج موضوعاً حيوياً هو مشكلة تعدد أنماط التعليم؛ لتضع يدها علي العوامل والظروف التي تساعد في ظهور تلك المشكلة..حيث أن تعدد الأنماط لا يظهر إلا بتضافر مجموعة من العوامل والتي لابد أن نقف عندها .

فالدراسة تستعترض العوامل المختلفة للظاهرة وتحللها، مما قد يساعد المسؤولين عن المؤسسات التربوية ومتخذي القرار في بيان حجم الضرر الناتج عن تعدد الأنماط مما يسهم في وضع حلول للمشكلة.

    وتأتيتلك الدراسة استجابة لتوصيات بعض الدراسات والبحوث والمؤتمرات التي أكدت علي ضرورة الانتباه لمشكلة تعدد أنماط التعليم.بالإضافة إلي تعدد فئات المستفيدين منها حيث من المتوقع أن يستفيد من نتائجها وتوصياتها الفئات التالية: الباحثون في مجال التربية بصفة عامة، والمخططون وراسموا السياسات التعليمية وأعضاء هيئة التدريس .

منهج البحث:

    في ضوء مشكلة الدراسة وأهدافها استخدمت الدراسة الحالية المنهج الوصفي باعتباره من أنسب المناهج المستخدمة في وصف الظواهر وجمع البيانات والأوصاف المفصلة عن المشكلة موضوع الدراسة.

    ولا يقتصر البحث الوصفي علي جمع البيانات وتصنيفها وتبويبها بل تحليلها التحليل الكافي الدقيق المتعمق وتضمين قدر من التفسير لهذه النتائج، ثم الوصول إلي تعميمات بشأن الظاهرة موضوع الدراسة(9).

لذا استخدمت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لأهميته وملاءمته لمثل هذا الموضوع..فهناك عوامل عديدة موضوعية وتاريخية  جعلت العلوم تستقل وجعلت هناك العديد من الأنماط التعليمية كمؤسسات التعليم الديني المختلفة عبر العالم ومؤسسات التعليم المدني، وهناك عوامل ذاتية تخص جمهورية مصر العربية وظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي ساعدت علي ظهور مثل تلك الأنماط، والتي بالضرورة البحثية تحتاج إلي تحليل وبحث.

حدود البحث:

    تستعرض الدراسة بعد تحليل الأدبيات التاريخية والتربوية جوانب من تاريخ مصر والعالم القديم والحديث، وتستعرض تاريخ تعدد الأنماط في العصر الحديث من بداية عهد محمد علي باشا (1805م) إلي عهد الخديوي إسماعيل (1863م) والتي تتوقف عنده .

مصطلحات البحث:

تعدد أنماط التعليم

    “هو الأشكال المختلفة الموجودة في هيكل التعليم المصري بمراحله المختلفة، فهناك أنماط من المدارس تتباين سواء في تبعيتها أو هيكلتها أو مناهجها،وفي جميع الممارسات السائدة فيها(10).

خطة البحث:

    وفي ضوء استخدام البحث للمنهج الوصفي لمناسبته لطبيعة موضوع الدراسة من خلال الأدبيات التاريخية والتربوية ذات الارتباط بموضوع الدراسة.يسير البحث وفق الخطوات التالية:

الخطوة الأولي: تحليل الأدبيات التاريخية المتعلقة بنشأة التعليم في العصور القديمة، وتعدد أنماطه.

الخطوة الثانية: تحليل الأدبيات المختلفة التى تعكس الظروف والأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التى أدت إلى تعدد أنماط التعليم في العصر الحديثة حتى عهد الخديوى اسماعيل.

الخطوة الثالثة:يتم استخلاص العديد من النتائج والتوصيات في ضوء ما سبق.

الإطار النظري

المحور الأول: الأبعاد التاريخية لنشأة التعليم فى العصور القديمة وتعدد أنماطه فى مصر

بدأ الإنسان البدائي حياته علي الأرض وهو لا يعرف القراءة والكتابة، ولذلك كل ما تعلمه كان عن طريق التلقين من آبائه وأجداده، وبالتالي أصبح علم وحكمة الآباء والأجداد، أي الأسلاف كنزاً قديماً يحفظه الأشخاص كبار السن في القرية أو القبيلة،ويصبح الشخص الأكثر علماً رئيساً للقبيلة وطبيباً يعالج أمراضهم بما تعلمه من الأسلاف، ويحكم بينهم بما يراه عدلاً إن نشب بينهم خلاف، ولا شك أن موت شخص كهذا يمثل فقداً عظيماً للقبيلة، تحاول تعويضه بأن تتخيل أن روح هذا الفقيد ما زالت تعيش بينهم وتحاول إرشادهم إلي ما فيه خيرهم (11).

وكان اختراع الكتابة منذ نحو خمسة آلاف عام نقلة هائلة في تاريخ البشرية، حيث انتقل فيها الإنسان من الثقافة والعلم الشفهي إلي التدوين، وبذلك ظهرت أولي الحضارات علي الأرض سواء السومرية أو المصرية القديمة، وبدأ تاريخ الإنسانية يتم تسجيله، وظهرت الحاجة إلي مؤسسات التعليم. وهنا يظهر أول أنماط التعدد في نظم التعليم في التاريخ ..حيث كان نظام التعليم مركزه الأشخاص الأكبر سناً ورؤساء القبائل بما لديهم من خبرات ورثوها عن الأسلاف وظهرت الحاجة إلي أنماط جديدة ومؤسسات جديدة للتعلم ستنازع النمط الأول .

     فظهر ( بيت التعليم ) حيث كانت تسمي بذلك في الحضارة المصرية القديمة، فلم يعد الطفل يظل في أسرته للتربية بل يحتاج إلي الذهاب إلي المدرسة. وكان منهاج الدراسة يشتمل علي الدين وآداب السلوك والقراءة والكتابة والحساب والسباحة والرياضة البدنية. وفي المدن الكبري ما ندعوه اليوم بالمدارس الابتدائية العليا، وفيها يتم تعليمه كتابة الحروف المختلفة والرسم والمحاسبة والإنشاء الأدبي والجغرافيا العلمية. ويكون الانتقال من المدرسة الأولية إلي المدرسة العليا بعد امتحان يؤديه الطالب (12).

    وقد اقتصر التعليم في المدارس علي الأمراء فقد عهدوا بتعليم أبنائهم إلي أناس مختصين قاموا بتدريس منهجاً خاصاً بهم، وفي بعض الفترات الزمنية أنضم لأمراء مصر عدد من أمراء كل من سوريا وفلسطين والنوبة والسودان.كما أرسلت عائلات النبلاء أولادها ليتعلموا مع أولاد الملوك، ولقد تركزت الدراسة حول تعلم الكتابة إلي جانب تعلم آداب اللياقة والتقاليد الملكية، وتنشئتهم علي حب وطاعة الجالس علي العرش، وكان يتم التدريس بجمع عدد من التلاميذ تحت إمرة أستاذ واحد(13).

    أي إن التعليم في المنزل هو الذي كان أكثر شيوعاً، وظهرت المدارس فقط لتلبية احتياجات الملوك والأمراء. بالإضافة إلي مدرسة المعبد حيث كان للمعبد دور في تعليم الصبية المزمع تعيينهم كهنة وقد تجلي دوره بوضوح في تعليم القراءة والكتابة، وكان يوزع علي التلاميذ لوحات من الحجر الجيري المصقول ذي السطح الناعم، ولم يكن بالمعبد مدرسة فقط للأولاد الصغار لتعليم القراءة والكتابة ولكن كان به أيضاً مكتبات لحفظ الوثائق والنصوص المختلفة الأنواع التي نسخها عدد من الكُتاب تضمنت كتبا في علوم الأخلاق والآداب والفلسفة التي كان يحتاج إليها صغار الطلبة(14).

    إذن كانت هناك تعددية في أنماط التعليم عند المصريين القدماء، فالملوك والنبلاء كانوا يدرسون في مدارس ملحقة بالقصر الملكي يتعلمون فيها من الصبا للكبر القراءة والكتابة وعلوم الدين والأدب والطب والرياضيات والفلك وما يرغبون من العلوم الأخري.والمدارس الملحقة بالمعبد والتي تهتم بإعداد الكهنة.ومع ظهور الدولة الحديثة أُلحقت بعض المدارس بأقسام الحكومة والإدارات الحكومية، ومنها المدارس الملحقة بالجيش لتعليم العلوم العسكرية بما فيها من تدريبات علي فنون القتال واستعمال السلاح أي تعليم يهتم بالمناصب الإدارية والحكومية(15).

وكل تلك الأنماط ظهرت نتاج للعديد من العوامل والمتغيرات التي يتداخل فيها ما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي والتي بدأت مع سيطرة الرئيس والقبيلة علي العلم والمعرفة وكيفية نقلها، ثم ظهرت اعتبارات ثقافية كاختراع الكتابة مما أدي إلي الحاجة لظهور أماكن للتعلم، وبالتأكيد العوامل السياسية الطبقية جعلت تلك الأماكن للصفوة فقط من الأمراء والنبلاء، ولاعتبارات الدين ومكانته عند المصريين القدماء ظهر نمط تعليم لإعداد الكهنة ورجال الدين. بالإضافة لاعتبارات أخري تخص نظام العمل في الدولة ظهرت مدارس خاصة بالمصالح والإدارات الحكومية المختلفة.

    وتذكر (فاطمة باخشوين:2014) الخصائص العامة للتعليم في مصر القديمة علي النحو الآتي:

1-العلم والتعليم كان لهما أهمية عظيمة في مصر، حيث أنزل المتعلم منزلة لا تساويها منزلة .

2-تركيز التعليم علي الصبيان دون الإناث، وإن وجدت قلائل من الفتيات يتلقين التعليم الأوَّلي

3-كانت دوافع التعليم تتركز في الإعداد للمهنة، واستجابة لمطلب الدين، والإيمان بأهمية التعليم.

4-كان التعليم ينقسم إلي مرحلتين التعليم الأولي ويتركز في تعليم القراءة والكتابة، والتعليم العالي  ويتركز في تعليم إحدي العلوم المهنية من الطب والفلك والرياضيات والفنون.

5-كان النظام التعليمي في مصر الفرعونية طويلا وقاسياً وتنوعت وسائل التعليم بين العنف واللين .

6-اهتم المصريون القدماء بمختلف مجالات التعليم من الأدب والطب والرياضيات والفلك والفنون، وابتكروا أساليب متنوعة ووضعوا مدارس مختلفة لإيصال هذه العلوم، حتي يتمكن الناشيء من التخصص الوظيفي.

7-عرفت مصر المعلمين المتخصصين في مجال التعليم،ويؤكد ذلك وجود كلمة مدرس،هذا إلي جانب وجود تمارين للطلاب والدروس التعليمية(16).

    وحينما بدأ عصر البطالمة في مصر(305ق.م)، سعي “بطليموس الأول” إلي إقامة دولة تستند علي أسس شرقية، مع إضفاء الصبغة الإغريقية عليها، وإذا كان البطالمة قد حرصوا علي الظهور أمام رعاياهم من المصريين في مظهر الحكام الوطنيين،فإنهم في نفس الوقت كانوا حريصين علي الاعتزاز بأصلهم الإغريقي،والاحتفاظ بعلاقات قوية مع بلاد اليونان،لأنهم كانوا بحاجة إلي الإغريق للاستعانة بهم في إقامة دولتهمفي المجال العسكري والإداري. وفتح البطالمة أبواب البلاد علي مصراعيها أمام الأجانب،وعلي وجه الخصوص الإغريق،فشجعوهم علي الاستقرار في مصر، واختصوهم بالوظائف العليا،وأغدقوا عليهم الهبات السخية(17).

وكان “بطليموس الأول” من الشخصيات الإغريقية الفذة التي وفدت إلي مصر، فقد أنشأ مجمعا علميا، تلحق به مكتبة تجمع فيها الكتب من جميع أقطار الأرض، وسُمي هذا المعهد (الموسيون)، وهي كلمة يونانية تعني (معبد ربات الفنون والعلوم) اللائي يوحين للشاعر والكاتب والمفكر. ومن كلمة (موسيون) اليونانية اشتقت الألفاظ الأوروبية Muoseum و Muse التي نترجمها اصطلاحا بكلمة (متحف) (18).

    وقد أظهر البطالمة اهتماماً كبيراً بالعلم،مما جعل الإسكندرية تحتل مركز الصدارة، وتتفوق علي أثينا، ومما لا شك فيه إن إنشاء دار العلم والمكتبة، كان له أبعد الأثر في اجتذاب العلماء والدارسين من شتي أرجاء العالم. ففي مجال العلوم والرياضيات بلغت مدرسة الإسكندرية شأنًا كبيراً، واشتهر من علمائها “إقليدس” الذي وضع كتاباً في أصول الهندسة،كما عرف أرشيمدس صاحب قانون الطفو، وشهد الأدب أيضاً ازدهاراً حيث إن الأدب اليوناني برمته في هذا العصر يطلق عليه الأدب السكندري. وما هو جدير بالذكر إن دار العلم التي تقع في الحي الملكي هي أشبه بالجامعات في عصرنا الراهن، وهي مكان يقيم فيه العلماء، ويلقون فيه دروسهم علي الطلاب، وكان هؤلاء العلماء منقطعين لعلم،ولا يمارسون عملاً آخر،فقد كانت الدولة توزع الرواتب عليهم لكي تكفيهم مؤونة البحث عن لقمة العيش. وارتبطت بدار العلم مكتبة الإسكندرية الكبري، وظلت مكتبة الإسكندرية تقوم بدورها علي الوجه الأكمل، إلي أن تعرضت للتدمير في عام 48 ق.م(19).

    وعلى الرغم من إن البطالمة اهتموا بالتعليم والعلم، لكنهم صنعوا أنماطا تعليمية تخدم أغراضهم السياسية والاستعمارية، فكل اهتمامهم كان منصبا علي ازدهار اسم الحضارة الإغريقية واستغلوا الموقع الحيوى لمدينة الإسكندرية لجلب كل العلماء من كل دول العالم، واهتموا أيضاً باللغة الإغريقية والثقافة الإغريقية من آداب وفنون، فقد فرضوا اللغة اليونانية كلغة رسمية للبلاد. وبذلك يمكننا القول إنهم أهملوا أنماط التعليم القديمة، وركزوا علي مؤسساتهم التعليمية والتي تأتي استجابة لتحقيق غرضهم وهو فرض سيطرتهم علي المصريين والعالم كله.

   ومن خلال دراستنا للتكوين الاجتماعي لمصر في العصرين البطلمي والروماني نجد أن السكان كانوا خليطاً من شتي الجنسيات والشعوب القديمة :أغلبية مصرية وأقلية ممتازة من الإغريق ثم جاليات متفاوتة العدد من اليهود والسوريين والليبيين والرومان وغيرهم. وقد يسأل سائل عن الوسيلة التي تم بها التفاهم بين هذه العناصر جميعاً. ما من شك إن اللغة اليونانية كانت اللغة الرسمية للبلاد منذ بداية العصر البطلمي. ولكن لغة هذا العصر كانت لغة يونانية متطورة بحكم اختلاطها باللهجات واللغات المحيطة المختلفة.فهذه اللغة كانت لغة الحديث بين الإغريق  وسائر الجاليات الأجنبية التي تأغرقت تماماً في هذا العصر، وكانت تصدر بها الأوامر الملكية والقوانين العامة. وكانت فوق ذلك لغة الثقافة والفكر، وكتب بها الكتاب والشعراء(20).

    وبالتأكيد هذا الخليط من التركيبة السكانية سيفرز أنماطًا متباينة من التعليم والمؤسسات التعليمية تلبي احتياجات تلك الفئات المختلفة، فوجود الأقليات بالتأكيد يجعل ظهور أنماط مختلفة من التعليم أمراضروريا. وهذا ما حدث ….حيث إن الحياة التعليمية في الإسكندرية في العصر الروماني كانت حياة معقدة إلي أبعد الحدود،وذلك لاصطدامها بالظروف الدينية الجديدة ..فأصبح علماء الموسيون والمكتبة ومعاهد تدريبهم يمثلون الثقافة والحضارة الوثنية؛ بينما نشأت مدارس جديدة: واحدة لدراسة الدين اليهودي دراسة فلسفية بين اليهود، وأخري لتدريس الدين المسيحي (21).

    ولقد أبدي المسيحيون الأولون تحفظا شديدا تجاه الثقافة الوثنية الرومانية وتجاه المدارس التي أقامتها تلك الثقافة.وبما أن النصوص المسيحية تدعو إلي ترك الدنيا وانتظار ملكوت السماوات،فقد اتجهت أفكار رجال الدين إلي ترك العلوم التي تخدم الدنيا.ولذلك حاول المسيحيون أن ينشئوا مدارس خاصة بهم يخدم التعليم فيها مباديء الديانة المسيحية. لكن إنشاء هذه المدارس لم يمنع أبناء المسيحيين من الذهاب إلي المدارس الوثنية لتثقيفهم في العلوم الدنيوية. لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا إذ أصدر الامبراطور “جستنيان” مرسومه الشهير في عام 529 م الذي يقضي بإغلاق المدارس الوثنية. وبهذا المرسوم أخذت الثقافة الدينية تطغي علي الثقافة الدنيوية(22).

    وحين ظهر الإسلام اهتم اهتماما شديدا بعملية التعليم والتعلم والحث علي التفكير وطلب العلم، وشدد القرآن وتعاليم الرسولﷺ علي أهمية التعليم مما أدي لسلسلة من التغيرات في حياة العرب، ويذكر (عبد الله عبد الدائم:1984) إن الكتاتيب ظهرت قبل الإسلام، وإن كانت قليلة الانتشار ثم أصبح الكُتَّاب بعد ظهور الإسلام المكان الرئيس للتعليم، وقد دعت إلي ظهوره حاجات التوسع في نشر الدين وانتقال العرب من حال البداوة إلي حال الحضارة.وقد استمتع بمكانة كبيرة الأهمية في الحياة الإسلامية،لأنه كان المكان الرئيس لتعليم الصغار القرآن، ولأن تعليم الأطفال القرآن بصفة خاصة كان أمرا له عظيم الأثر في الإسلام(23).

    ولم تكن الحكومة تشرف علي الكتاتيب في صدر الإسلام،وإنما كانت الرقابة متروكة لدين المعلم ووجدانه وخلقه،وقد كان الناس في صدر الملة الإسلامية يخافون الله فيراقبون أنفسهم،وكان كثير من المعلمين والمربين يُعلّمون وهم لا يبغون من التعلم إلا الاحتساب وطلب الثواب،ولما تطورت الحياة في المجتمع الإسلامي، ودخل في كيان الدولة الفساد صار الآباء يهتمون بانتقاء أفاضل المعلمين لأولادهم كما ينتقون العارفين بهذه المهنة (24).

    وسرعان ما تظهر أنماط للكتاتيب، فظهر نوعان من الكُتَّاب :الكتاب الخاص بتعليم القراءة والكتابة وكان يقوم غالبا في منازل المعلمين، والكتاب لتعليم القرآن ومباديء الدين الإسلامي،وكان مكانه في المسجد في الغالب، وقد اختلفت الكتاتيب اختلافا في منهاج تعليم الأطفال فأهل المغرب اقتصروا علي تعليم القرآن،وأهل الأندلس أضافوا رواية الشعر والترسل وقوانين العربية وتجويد الخط،وأهل أفريقيا أضافوا الحديث وكذلك أهل المشرق(25).

    ومع الوقت ظهرت مدارس في القصور..فقد كان هناك تعليم خاص بأبناء الخلفاء والوزراء وعلية القوم وأثريائهم، ويتم هذا التعليم داخل القصور،وقد تكونت مناهج التعليم في القصور تبعا لمستقبل المتعلمين وما ينتظرهم من مسؤوليات اجتماعية وسياسية.ومنهاج التعليم في القصور كان يضعه أو يشارك في وضعه الخليفة نفسه ليتناسب مع مهام الابن المستقبلية. فأوصي مثلا الخليفة الأموي “عبد الملك بن مروان” مؤدب أولاده وقال له (علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن،وإذا احتجت أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر ولا يعلم به أحد من الحاشية فيهونوا عليه) وكانت وظيفة المؤدب هذه تخلع علي من يشغلها حلة من الجلال والاحترام. وكان يخصص للمؤدب جناح في القصر يعيش فيه حيث يكون إشرافه علي أبناء الخليفة بشكل كامل(26).

     وقد تعددت وسائط التعليم ومؤسساته في العصر الإسلامي مما يجعلنا نقول إن هناك أنماطا تعليمية مختلفة ظهرت خلال تاريخ الدولة الإسلامية. فيذكر (أحمد علي الحاج:2013) إن اتخاذ المسجد مكانا لتلقي العلم، يرجع إلي التقليد الذي اتبعه رسول الله ﷺحيث كان يجلس بعد الانتهاء  من الصلاة، يعلم الناس أمور دينهم ودنياهم، ولهذه القداسة اتخذ المسجد،لبحث ودراسة قضايا المسلمين في كل ما يهم شئون حياتهم السياسية والقضائية والاجتماعية.ومن المسجد كانت تخرج الجيوش المحاربة لإزالة العوائق من طريق الدعوة ونشر الدين الإسلامي، وقد انتشر هذا التقليد في ربوع العالم الإسلامي.أما تعليم الصبية فقد نهي الرسولﷺعن جواز تدريسهم بالمساجد،للمحافظة علي نظافتها،فأقيمت الدروس بجانب المساجد في أماكن أخري، يتعلم فيها الأطفال سميت (كُتَّاب) في غالب البلدان العربية (27).

    ورغم إن المنازل ليست بالأمكنة الصالحة للتدريس،فقد أقيم فيها -تحت ضغط الظروف- حلقات تعليمية. مثال ذلك حين اتخذ الرسولﷺ منزل “الأرقم بن أبي الأرقم” في مكة المكرمة مكانا للتعليم يجمع فيه الرسول الكريم القلة القليلة التي آمنت به سرا ويعلمها آيات القرآن الكريم، كما استقبل الرسول فيه من دخل حديثا بالدين الحنيف ليغمر قلوبهم بإرشاداته وتعاليمه.ومن أهم المنازل العلمية في العهد الإسلامي منزل الشيخ الرئيس “ابن سينا” ومنزل الإمام “الغزالي”(28).

    وفي ذروة الازدهار هذا تطور نظام التعليم الإسلامي، بظهور المدرسة النظامية ببغداد عام 459 ه (1067) ، وهذا التاريخ يعتبر حداً فاصلا فيما يختص بأمكنة التعليم عند المسلمين، ففي هذا العام افتتحت في بغداد أول مدرسة من مجموعة المدارس الكثيرة المنظمة التي أنشأها الوزير السلجوقي العظيم نظام الملك، وقد انتشرت هذه المدارس في العالم الإسلامي حتي شملت البلدان والقري الصغيرة، بالإضافة إلي المدارس الكبري في عواصم الأقاليم، ثم اقتدي بنظام الملك كثير من الملوك والعظماء في ذلك المضمار علي ما سيأتي تفصيله.وقبل انتشار المدارس كانت حلقات التعليم لا تعقد في أمكنة من طراز واحد، بل تعقد في أمكنة مختلفة المشارب، كالمساجد، ومنازل العلماء، ودكاكين بيع الكتب، وغيرها(29) .

    وكل ذلك يشير إلي تعدد في أنماط التعليم قد ظهر في العصر الإسلامي ما بين كتاتيب ومساجد ومنازل وقصور، ولم تكن الحكومات لها رقابة علي هذه المؤسسات بالشكل الفعلي إلا متأخرا، وبالتالي كان هناك حرية كبيرة في اختيار المناهج وطرائق التدريس وهي كلها مجهودات فردية تؤدي بالضرورة إلي اختلاف وتعدد في أنماط التعليم فمثلا الكتاتيب منها ما اعتمد علي القرآن فقط كمنهج دراسي، ومنها من أضاف الشعر والفنون والآداب، أي إن الأمر اعتمد علي تصورات فردية سواء من منطلق الأسر التي ترسل أولادها إلي تلك الأماكن أو من قبل القائمين علي تلك المؤسسات، كل ذلك يجعلنا نقول إن تعدد أنماط التعليم ظهر في أوقات مبكرة وأنه ليس بالمشكلة الحديثة أو المعاصرة.

    وفي مصر في عصر الدولة الإسلامية ظهرت أيضا أنماط من التعليم متوازية؛ حيث توضح (هبة الأصبحي:2017) أن جامع “عمرو بن العاص” هو أول مركز تعقد فيه حلقات الدرس في مصر خلال العصر الإسلامي فهو بذلك يكون قد سبق  الجامع الأزهر في وظيفة التدريس،ولكن بينما كانت الدروس في جامع عمرو بن العاص تعطى تطوعاً وتبرعاً، كانت الدروس بالجامع الأزهر بتكليف من الدولة يؤجر عليها العلماء والمدرسين، فكان بذلك أشبه بالمدارس والمعاهد النظامية اليوم، وكان مكان الدرس بجامع “عمرو بن العاص” يسمي الزاوية، ويعرف في الجامع الأزهر باسم الحلقة(30).

    ونلاحظ بالطبع إنه حين أتي “صلاح الدين الأيوبي” وقضي علي المذهب الشيعي في مصر،كان لابد أن تحاول الدولة الأيوبية فرض سيطرتها، وفرض السيطرة لا يتم إلا عن طريق تغيير مصر من المذهب الشيعي إلي المذهب السني، ويوضح (أحمد النجار:1970) إنه عندما قضي “صلاح الدين” علي الدعوة الفاطمية عمل علي أن يحل المذهب السني محل المذهب الشيعي مستخدما في ذلك القمع كلما أعوز الأمر، والطرق السلمية بإنشاء المدارس السنية التي لم يكن لمصر الإسلامية بها عهد من قبل و أحال مدارسهم الشيعية إلي مدارس تقوم علي أصول المذهب السني ناهجا في ذلك نهج “نور الدين” الذي سبق إلي بناء مدارس للحديث في دمشق وحلب وحمص وغيرها من المدن الكبيرة بالشام وكانت كلها تُعلم المذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة في الفقه ومذهب الأشعري في أصول الدين.وقد كان الأيوبيون أول من أحدث المدارس بالفسطاط، وكانت المساجد هي المدارس في عهد الفاطميين. وكان “صلاح الدين” بهذه الخطة السلمية الحكيمة يقوِّم سلطان المذهب الشيعي، وينتزعه من النفوس عن طريق الفهم والإقناع والتنشئة علي حب المذهب السني، والاقتناع به، والدفاع عنه(31). وكل هذا بالطبع يوضح أن الأيوبيين لجأوا لنمط تعليم مختلف مواز للمساجد وهو المدارس لكي يتمكنوا من تحويل مصر من المذهب الشيعي إلي المذهب السني .

    وكما كانت المكتبات والمجامع العلمية ودور العلم والحكمة وغيرها جزءا من الخطة التي دبرها الفاطميون لتشييع مصر أصبحت المدارس الأيوبية جزءا مهما من الخطة التي وضعها صلاح الدين وقصد بها تعليم المذهب السني ومحاربة العقائد الفاطمية وإثارة الحماسة الدينية ضد الفرنج في الحروب الصليبية (32).أي إن تعدد الأنماط كان مهما سواء للدولة الفاطمية أو الأيوبية لتحقيق أهداف مذهبية دينية وسياسية…وهذا ما يثير انتباه أي باحث في تعدد الأنماط التعليمية لأنه سيجده قديما جدا ومرتبطا بأبعاد سياسية ودينية كما في حالة الدولة الفاطمية والدولة الأيوبية.

    ومن أكثر ما يمكن الإشارة إليه في ذلك الموضوع أن المدارس الإسلامية بمصر في ذلك العصر قد ساهمت وبصورة فعالة في فك العزلة الثقافية التي كان الفاطميون قد فرضوها علي المصريين وإعادة فتح الباب أمامها للاتصال بالعالم السني وذلك عن طريق استقطابها لكثير من علماء البلاد الإسلامية الأخري (33)، الأمر الذي يعني أن تعدد الأنماط أحيانا يكون ملجأً لكسر حاجز العزلة الثقافية وفتح آفاقا جديدة لأي بلد وهذا ما سيحدث بالضبط مع تعدد أنماط التعليم مع “محمد علي” في  مصر الحديثة. أي أن الحكام والدول تلجأ لفكرة تعدد الأنماط التعليمية من أجل أهداف ثقافية وليست فقط مجرد أهداف سياسية عقائدية.

    ويذكر ( حسين أمين :1976) في استعراضه لتاريخ المدارس الإسلامية في العصر العباسي أن المدارس حين نشأت في ذلك الوقت اهتمت أيضا بالتركيز علي الجوانب الدينية فقط حيث بذلت عناية فائقة في دراسة العلوم الدينية وكان لهذا الأمر الأثر الكبير في تطوير وتعميق المواضيع الدينية كعلوم القرآن والحديث والفقه. ثم دخلت المواضيع الأدبية كاللغة والنحو والصرف والعروض والأخبار والأدب الي المدارس الإسلامية وكانت العناية فائقة بتطوير تلك الدراسات وبذل مجهودات قيمة من أجل خدمة التراث الأدبي العربي وتقديم البحوث القيمة في هذا المجال.كما عنيت المدارس بالعلوم الرياضية وهي تشمل الحساب والجبر والهندسة والمساحة. وبالعلوم العقلية التي تضم المنطق وعلم الكلام (34).

    ومما سبق يمكننا أن نستنتج إن تعدد الأنماط ما بين فقط المساجد كمؤسسة للتعليم إلي ظهور المدارس كان يعكس فكرة الاحتياج الشديد للتخصصات المختلفة والعلوم المختلفة، الأمر الذي كان من الصعب أن تظل المساجد فقط هي المؤسسة التعليمية الوحيدة. فالمسجد مهما كان مرتبط ارتباطا وثيقا بالدين وروحانياته، وظلت المساجد تهتم بالعلوم التي تخدم هذا الغرض، وهو تعليم العلوم الإسلامية وما يرتبط بها. لذلك كان لابد من إنشاء وتأسيس نمط آخر بعد أن ظهرت الحاجة إلي تدريس العلوم المختلفة.

    ويمكننا أن نلاحظ من استقراء التاريخ أن الأيوبيين لكي يحققوا أغراضهم التي ترمى إلى جعل مصر سنية، رفضوا فكرة تعدد أنماط التعليم حيث مثل لهم الأزهر كمؤسسة تعليمية بؤرة شيعية أرادوا استبعادها من خطتهم التعليمية، ويذكر (أحمد عزت عبد الكريم:1950) ” عندما جاء الأيوبيون أهملوا الأزهر، مركز الدعوة الشيعية، وأنشأوا مدارس تدعو لمذهبهم وإن لم تهمل دراسة المذاهب الأخري. وأخذت مدارسهم تزاحم الأزهر وتجتذب إليها كثيرين ممن كان الأزهر يزخر بهم، وبلغ عددها فى عهد المقريزي خمسا وأربعين مدرسة”(35). فاختلافهم المذهبى والفكري مع التشيع جعل تفكيرهم يتجه لاستحداث نمط مغاير للتعليم يخدم مصالح الدولة الجديدة.

    واستمرت المدارس في  العهد المملوكي حيث كان لإنشاء المدارس في مصر في العهد المملوكي دور كبير في تدعيم النهضة العلمية والثقافية في ذلك العصر، ويمكننا القول إنها كانت مصدرا للسلطة، وتوضح (هبة الاصبحي :2017) إنه خلال عصر الدولة المملوكية ازدهرت العمارة وأُسست عدة مدارس كان هدفها الرئيس العلوم الدينية بجانب بعض العلوم الأخري ومن أبرزها المدرسة الظاهرية التي أنشأها “الظاهر بيبرس” عام 662م، والمدرسة المنصورية التي بناها السلطان “المنصور قلاوون” 683م، وألحق بها بيمارستان، والعديد من المدارس الأخري (36).

    ويمكننا أن نلاحظ مظاهر تعدد أنماط التعليم في العهد المملوكي في العديد من الأمثلة..منها كما سبق أن أوضحنا إنه فى العهد الأيوبي والمملوكي كانت المدارس مخصصة دائما لتدريس المذهب الشافعي أو المالكي، لكن حين هاجر مجموعة من الفرس إلي مصر تم تأسيس مدرسة صرغمتش لعلماء المذهب الحنفي، وهي علي خلاف المدارس السائدة المخصصة للمذهب الشافعي والمالكي (37) ، وهذا يعكس مظهر من مظاهر التعددية النمطية في مؤسسات التعليم حيث تهتم الدولة بإتاحة تعلم مذهب من المذاهب ثم يأتي بعض الأجانب علي تلك البيئة فيتم إنشاء مدرسة مخالفة لما هو سائد وهذا ما يظهر علي مدي كل العصور الزمنية كما أوضحنا.

    ومع الوقت عادت للأزهر مكانته العلمية والدينية، وبدأ المماليك الاهتمام به مرة ثانية وتجديد مبانيه، ففي سنة 725 ه استعاد الازهر مكانته لإقامة الصلوات الخمس، وأصبح معهدا للدراسات العليا، ومركزا لإذاعة قرارات الدولة. ومما هو جدير بالملاحظة أن السلطان “الظاهر بيبرس” لم يستطع أن يواصل جهوده لاستعادة مجد الأزهر إلي ما كان عليه في العهد الفاطمي لانشغاله بصد غارات الصليبيين والوقوف في وجه التوسع المغولي (38).

المحور الثانى: الظروف والأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التى أدت إلى تعدد أنماط التعليم في العصر الحديثة

    لا خلاف بين المؤرخين علي أن مصر الحديثة ولدت مع مطلع القرن التاسع عشر، ولكنهم يختلفون حول مسببات هذه الولادة..بعضهم يعزوها إلي الحملة الفرنسية التي جاءت عام 1798 ورحلت في عام 1801م، وحجتهم في ذلك أن الحملة أيقظت مصر من سباتها، وختمت علي مرحلة طويلة من التدهور والتخلف والجمود، وأنها غرست في مصر بذور النهضة التي ازدهرت فيما بعد، ووضعت البلاد علي أعتاب العصر الحديث.وهذا القول فيه نظر.ذلك أن مدة إقامة الحملة في مصر لم تتجاوز ثلاث سنوات وبضع شهور، وهي فترة قصيرة لا تكفي لبناء نهضة أو حتي إرساء قواعد الحداثة في مجتمع شرقي يخضع لمؤثرات تقليدية قوية(39).

ولذلك نستطيع أن نعتبر عصر الحملة كقنطرة، انتقلت من خلالها مصر من العصور الوسطي إلي العصور الحديثة،حيث إن مصر في عهد المماليك لم تخرج عن كونها مجرد دولة في العصور الوسطي. لذلك يمكننا القول إن “محمد علي” هو منشيء الدولة الحديثة(40).

    كان ظهور “محمد علي” إيذانا بأفول ثلاثة قرون من الجهل والضعف والتخلف،عاشتها مصر تحت حكم العثمانيين. وبزغت بظهوره نهضة جديدة أخرجت مصر من كبوتها ودفعت بها إلي مستوي الدول القوية.وأرسي “محمد علي” الأساس المتين لبناء مصر الحديثة،وأدرك بفطرته السليمة-رغم كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب –إن التعليم هو نقطة البداية، والحداثة تعني إحياء العلوم والآداب وفتح المدارس وخلق طبقة من العلماء المتخصصين في الهندسة والطب والعمران والأخذ بالأساليب التي أخذت بها الحضارة الأوروبية(41)

    فقد أدرك “محمد علي باشا” إنه لا يمكن إدخال أي إصلاح ثابت ما لم ينشىء جيلا جديدا أكثر تعليما وثقافة وأهلاً للثقة من أبناء الجيل الحاضر،لذلك اهتم بتدريب نخبة من المصريين في المجالين العسكري والمدني، وقام بإرسال البعثات إلي أوروبا من أجل هذه الغاية، كما قام بتشجيع التعليم علي المستويات كافة بهدف رفع المستوي العلمي والثقافي في البلاد(42).

    ولكن كان التعليم قبل “محمد علي” محصورا في الكتاتيب التي تعلم الصبية مباديء الدين والقراءة والكتابة والحساب، وتدفع إلي الأزهر بمن يسعده الحظ بالهجرة إلي القاهرة، ولم يكن الأزهر يقدم لطلابه سوي قشور من علوم الدين واللغة في شكل حواش وشروح وتعليقات علي كتب الأسلاف، وتوقفت فيه حركة التأليف والإبداع، وقد صدم هذا القحط العلمي الأجانب الذين كانوا يحسنون الظن بهذه المؤسسة العلمية العريقة (43).

    ومن هنا تبدأ مشكلة تعددية أنماط التعليم في العصر الحديث، فالنمط التعليمي السائد وهو الأزهر أصابه الضعف ولم ير فيه “محمد علي” المؤسسة التي يمكن من خلالها تلبية طموحاته في تأسيس دولة قوية علي غرار دول النهضة الأوروبية، ففكر في أنماط تعليمية موازية تخدم أغراضه .

    لذلك اهتم “محمد علي باشا” ببناء المدارس العصرية في مصر وقد بلغ عددها نحو خمسين مدرسة تضم خمسة آلاف وخمسمائة طالب في عام (1254ه/1838م)، ويكفي التذكير بأن مدرسة أبو زعبل كانت تضم آنذاك حوالي ألف وخمسمائة تلميذ، ومدرسة الإسكندرية نحو ألف وثلاثمائة تلميذ. ولعل أول مدرسة أنشأها هي مدرسة القلعة، وأنشأ مدرسة الإدارة الملكية لسد حاجة دواوين الحكومة إلي الموظفين،وتخريج المترجمين، ومدرسة الطب البشري في عام( 1242ه/1827م) برئاسة “كلوت بك” لإعداد ما يتطلبه الجيش الجديد من الأطباء، ومدارس الطب البيطري، والمدارس الزراعية والهندسية والألسنية، ومن المفيد هنا الإشارة إلي إن التوجه العام الذي حكم السياسة التربوية تمثل بالاستفادة من خبرات العلماء الأجانب الذين كانوا يتولون التدريس في المدارس المصرية، وعمد “محمد علي” باشا إلي الاستعانة بطائفة من المترجمين لتعريب دروسهم، ولكن علي خلفية العمل لاستبدالهم بوطنيين تؤمنهم المدارس والمهنيات الداخلية أو بعثات التخصص في الخارج (44).

   ونلاحظ هنا إن “محمد علي” لم يكتف بمجرد إنشاء مدارس مدنية موازية للتعليم الديني الأزهري، ولكنه استعان بالأجانب للتدريس في تلك المدارس،مما يعني إنه لم تظهر أنماط مختلفة من التعليم فحسب، ولكن أيضا ظهرت تلك المدارس والأنماط بالاستعانة بكوادر أجنبية أي كوادر غير وطنية، الأمر الذي يظهر أيضا في بعض صور تعدد الأنماط في الآونة الأخيرة من ظهور وانتشار مدارس التعليم الأجنبي والتي تعتمد علي مناهج بريطانية أو أمريكية بالكامل وأيضا اعتمادها علي بعض المدرسين من جنسيات أجنبية سواء في الكادر الإداري أو التعليمي.

    وتوضح (رفيقة حمود :2014) حين أراد “محمد علي” تحويل مصر إلي دولة حديثة قوية سياسيا واقتصاديا وعسكريا تستند إلي جيش قوي. ورأي أن ذلك يحتاج إلي تطوير التعليم لتوفير المهندسين والأطباء والصيادلة والبيطريين والضباط وغيرهم، فأهمل الأزهر، واقتطع من مخصصاته المالية ووضع يده علي أوقافه، وأنشأ عوضا عنه المدارس الخصوصية (العالية ) علي النمط الأوروبي، والمدارس العسكرية لتخريج الفنيين والضباط، واستعان بأساتذة وضباط أوروبيين، فأرسي بذلك الدعائم الأساسية التي قام عليها التعليم الجامعي في مصر (45).

    أي إن “محمد علي” بذلك ولظروف الأزهر التي عاني منها علي مدي عقود طويلة خاصة بعد دخول العثمانيين إلي مصر 1517م وما صاحب ذلك من تدهور في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية قد اضطر لاستحداث أنماط مختلفة من التعليم تؤدي إلي تحقيق الأهداف، حيث أن الأزهر بالتأكيد سيعارض مثلا تدريس الأجانب داخل أروقته، وسيعارض أيضا دخول تدريس بعض المناهج غير الدينية ضمن مناهجه. ومن ثم ارتأي “محمد علي” استحداث نمط مواز للتعليم.

   ومع مرور الوقت قام “محمد علي” بإنشاء مجلس شوري المدارس عام 1836م وكان يتبع ديوان الجهادية وفي 9 مارس 1837 انفصل وسمي ديوان المدارس وأصدر مجلس شوري المدارس لائحة التعليم الإبتدائي، وحددت مدة الدراسة بها بثلاث سنوات من سن الثانية عشرة إلي الخامسة عشرة، تزداد سنة رابعة لبعض التلاميذ الذين تعوقهم ظروفهم الخاصة، ويلتحق الطفل بالفرقة الثالثة ثم ينتقل للثانية ثم الأولي، كما قامت الحكومة بدمج الكتاتيب الأهلية في نظام التعليم العام، وأنشأت تدريجيا مدارس أولية لتحل محل الكتاتيب. وقد أنشأت أول مدارس تجهيزية (ثانوية)سنة 1825م، وكانت تستقبل طلاب الكتاتيب والأزهر وتقوم علي تعليمهم وتربيتهم،وحددت مدة الدراسة بها بأربع سنوات دراسية ينتقلون بعدها إلي المدارس الخصوصية،ويتلقي طلابها مواد دراسية موحدة تجمع بين الفنون الحربية والعلوم الأدبية دون تشعب، وبذلك كانت المدارس التجهيزية تمثل المرحلة الثانية والوسطي من مراحل التعليم العام، وكانت تمثل حلقة الوصل بين مكاتب المبتديان وبين المدارس العليا. وكانت مدرسة العمليات ببولاق أولي مدارس التعليم الفني الصناعي وكان الغرض من إنشائها تخريج الفنيين لسد احتياجات الجيش. فلما استنفذ الجيش أغراضه منها هبط مستواها وأهمل شأنها (46).

   وبالفعل يمكننا استقراء إن “محمد علي” كانت لديه خطط وسياسات تعليمية وإنها لم تكن أمورا عشوائية، فقد أراد بإنشاء مجلس شوري المدارس أن تكون لديه هيئة تعليمية تقر اللوائح والقوانين وعمل علي دمج الكتاتيب الأهلية في نظام التعليم العام مما يوحي بسعيه نحو جعل التعليم النظامي المدني هو شكل ونمط للتعليم مستقل بالكامل عن التعليم الديني الأزهري، علي الرغم أنه بالتأكيد كان يستعين بطلاب وكوادر من الأزهر في باديء الأمر ليستكملوا تعليمهم في المدارس الخصوصية (العالية) والتي يحتاجها بصورة ملحة في استكمال مشروعه النهضوي.

    ويذكر (سليم حسن، و عمر الإسكندري :2014) إنه لم تقف همة “محمد علي باشا” عند إنشاء المدارس في جميع أنحاء القطر، بل أرسل عددا كبيرا من الشبان المصريين إلي أعظم ممالك أوروبا –وخصوصا فرنسا- لتلقي العلوم بها، حتي إذا ما عادوا إلي مصر استغني بهم عن استزادة عدد الأوروبيين.فأرسل البعثات من المصريين ليتعلموا العلوم الغربية، وليستعينوا بآراء الفرنسيين وأفكارهم وطرق حياتهم علي إصلاح شأن مصر. ومن الغريب أن آباء التلاميذ كانوا يندبون حظ أبنائهم الذين ساعدهم الحظ الأوفر باختيارهم للرحيل إلي أوروبا.واستعملوا كل الوسائط لحرمان أولادهم من ثمرة العلم، فلم يثن كل ذلك عزم “محمد علي”، وأرسل في عام (1242ه /1826م) أربعين طالباً فتحت لهم مدرسة خاصة في باريس عهد أمر إداراتها إلي الأستاذ الشهير “المسيو جومار” فقام بها خير قيام، واختار لها مدرسين أكفاء، وخصص كل واحد من التلاميذ بدراسة فرع محدد من العلوم ليتقنه. وكان ممن تعلم بهذه المدرسة الخديوي إسماعيل باشا، والأمير أحمد، والأمير مصطفي فاضل، والأمير حليم باشا، وشريف باشا، ومراد باشا، وعلي مبارك باشا(47).

    ونلاحظ إن تعدد الأنماط في التعليم تواجهه صعوبات في ظهوره حتي لو تبنته الدولة، فعلي الرغم من إن “محمد علي” اهتم بالتعليم واهتم بالبعثات التعليمية، إلا أن الناس رفضوا تلك البعثات وصار كل من يرشح لها يحاول جاهدا أن يتهرب منها ..ولم تكن البعثات وحدها بل يذكر (سليم حسن، عمر السكندرى: 2014) لما وجه “محمد علي” شطراً عظيماً من عنايته، اعترض طريقه عدة عقبات،إذ كان الآباء يمتنعون عن إرسال أبنائهم إلي دور العلم مع تكفله بنفقات تعليمهم وإطعامهم وإلباسهم،وكان يحبب إليهم العلم والتعليم بإعطائهم الرواتب الشهرية .ومن العجيب أنه كان مع هذا يضطر غالباً أن يقود التلاميذ إلي دور العلم بالسلاسل والأغلال. ومن هؤلاء أفراد نبغوا وساروا فيما بعد بالتعليم شوطاً بعيداً”(48) …أي أن التعليم في المدارس التي استحدثها “محمد علي” لم يجد إقبالا، ومن أحد الأسباب هو غياب البعد الديني الثقافي الذي تمثل في الأزهر فقيمة التعليم الأزهري في أنه يجعل الفرد عالم بكتاب الله وبعلوم الشرع التي تفيد الفرد في آخرته قبل دنياه، وهذا البعد أقل في التعليم المدني الموازي، فلم يجد له صدي من القبول إلا بالإجبار أحياناً.

    فقد كان عدد أنماط التعليم في عهد “محمد علي”   كما أوضحنا هو ثمرة لضعف النمط الديني في التعليم وقصوره علي المواد الدينية والشرعية والتي تكون عامل جذب للطلاب في هذا النمط،ولما غاب زهده الناس، أي أن ظهور التعليم المدني له أبعاد ثقافية أيضا تجعله يظهر أو يختفي. حتي في فرنسا ظهر نمط من التعليم الخاص. لما أراد “محمد علي” إرسال البعثات أنشأ لهم مدرسة خاصة في باريس ولها إدارة خاصة تعلمهم بمناهج خاصة،وهذا نمط خاص بتعليم البعثات المصرية بمناهج خاصة وله إدارة خاصة.

    ولما أرسلت البعثة الكبيرة إلي فرنسا كان “رفاعة رافع الطهطاوي” من بين أعضائها، فأقام في باريس خمس سنوات،فدرس علي يد “جومار” مؤلف كتاب (وصف مصر) وقد أتاح له أن يقابل العديد من الشخصيات العلمية في الأدب والفن والعلوم الاجتماعية نذكر منهم “سيلفستر دي ساسي”، وأعد لدي عودته إلي مصر تقريرا “لمحمد علي باشا” ضمَنه رؤيته في الإصلاحات الواجب تنفيذها في التعليم الثانوي والجامعي،وتحديث التعليم في الأزهر عبر الانفتاح علي المواد التعليمية الحديثة،وعدم الاكتفاء بعلوم القرآن والدين، لكنه تمادي عندما نادي بفصل الدين عن الدولة، وتحرير المرأة المسلمة علي نمط المرأة الأوروبية(49).

وكان من نتاج هذا التقرير الذي أعده رفاعة الطهطاوي، أن شجعت الحكومة إنشاء تعليم ثانوي قوي في مصر وطبقت الطرق الفرنسية في التعليم واتجه نحو الثقافة الفرنسية ،واشتركت الإرساليات الدينية الفرنسية بصورة فعالة في التعليم: فوصلت أخوات سان فانسان دي بول (Saint Vincent de Paul) إلي القاهرة عام 1844م وتلاها مدارس الفرير والجيزويت (Jesuites) التي افتتحت مدارس علي نفس مستوي المدارس الفرنسية (كوليج)  (College) والتحق بها الأغلبية الساحقة من صفوة المصريين واستمر هذا الوضع قائماً حتي الحرب العالمية الثانية من 1939-1945م،وقام أحد تلاميذ “رفاعة الطهطاوي” وهو علي مبارك الذي صار فيما بعد وزيراً للمعارف العمومية،بإنشاء التعليم في مصر حسب النظام المتبع في فرنسا: ابتدائي وثانوي وعالي ثم أنشأ مدرسة المعلمين العليا التي صارت منافسة للأزهر، كما أنشأ دار الكتب علي نفس نمط المكتبة الوطنية في باريس ،أما عن المعهد المصري الذي أسسه نابليون بونابرت فقد تابع أبحاثه(50).

    وكانت اقتراحات “رفاعة الطهطاوي” ليس فقط بإنشاء تعليم ثانوي قوي في مصر وتطبيق الطرق الفرنسية في التعليم، ولكن أيضا ساهمت مقترحاته بإنشاء أول جامعة مدنية عربية وهي مدرسة الألسن …فيوضح (جمال الدين الشيال  :2017) أن مدرسة الألسن قد أنشأت تحقيقاً لاقتراح تقدم به رفاعة لمحمد علي باشا، و عرض علي”محمد علي” أنه بإمكانه أن يؤسس مدرسة ألسن يمكن أن ينتفع بها الوطن ويستغني عن الدخيل، فأجابه إلي ذلك، ووجه به إلي مكاتب الأقاليم لينتخب منها من التلامذة ما يتم به المشروع وأسس المدرسة، وكان تلاميذ المدرسة في أول عهدها ثمانين تلميذا. اختار رفاعة معظمهم من مكاتب الأقاليم، وضم إليهم تلاميذ مدرسة الإدارة الملكية بعد إلغائها، ولكن هذا العدد زاد بعد ذلك حتي أصبح مائة وخمسين. وكانوا ينقسمون إلي قسمين ويرأس كل قسم أستاذه ويساعده بعض التلاميذ المتقدمين (51).

    وهنا يمكننا القول إن تعدد أنماط التعليم وظهور مدارس مدنية تطبق النظم الغربية كانت بمثابة ضرورة مجتمعية وحضارية لإنقاذ مصر من براثن التخلف والجهل والمرض، وأن “محمد علي” رغم تمسكه وحرصه علي الثقافة والهوية الإسلامية والتي ظهرت في إرساله مثلا الشيخ “رفاعة الطهطاوي” ليؤم البعثة التعليمية في الصلاة بباريس والتي تظهر حرصه علي تعاليم الإسلام ،لكنه استجاب لإنشاء مدارس مدنية وتعليم مواز للأزهر يطبق مناهج حديثة ويدخل مواد دراسية المجتمع بحاجة إليها .ووصل الأمر للجامعات أيضا فأنشأ جامعات مدنية تستوعب التخصصات التي تحتاج إليها البلاد في ذلك الوقت.

   ولكن بعد “محمد علي باشا” انحدرت الدولة في جميع المجالات، ولم يتم استكمال المشروع النهضوي الذي بدأه..ويذكر (عبد الرحمن الرافعي :1948) أنه يصح اعتبار عصر “عباس باشا الأول” عهد رجعية،ففيه وقفت حركة التقدم والنهضة التي ظهرت في عهد “محمد علي”. ولي “عباس حلمي” الحكم بعد وفاة “إبراهيم”، وفي حياة “محمد علي باشا”، وهو ابن طوسون بن محمد علي، ولم يرث عن جده مواهبه وعبقريته، ولم يشبه عمه ابراهيم في عظمته وبطولته، بل كان قبل ولايته الحكم وبعد أن تولاه خلواً من المزايا والصفات التي تجعل منه ملكا عظيما يضطلع بأعباء الحكم ويسلك بالبلاد سبيل التقدم والنهضة(52).

    أما المدارس، فقد ساءت حالتها في عهده، فألغي معظمها (بعد الذي عطل منها في أواخر عهد محمد علي) وأقفلت أبوابها، بين عالية وثانوية وابتدائية، ولم يبق منها إلا النزر اليسير، وكأنما كان “عباس الأول” يكره العلم والتعليم ،فانه لم يكتف بإغلاق معظم المدارس،بل أنفذ إلي السودان طائفة من كبار علماء مصر في ذلك العهد،مثل “رفاعة بك رافع”، و”محمد بيومي أفندي”، و”دقلة أفندي”، بحجة إنشاء مدرسة ابتدائية بالخرطوم، والسبب الحقيقي هو إبعادهم ونفيهم من مصر (53).

    ونلاحظ هنا أيضا أن تعدد أنماط التعليم كان سيعكس نهضة في مجالات كثيرة، وأن كل من تعرضوا للدراسة لفترة ما بعد حكم محمد علي أدركوا أن إهمال المدارس المدنية التي أنشأها كان له أثر عكسي في حركة نهضة المجتمع، وأن بالتأكيد إغلاق المدارس وعدم الاهتمام بها هو شيء سلبي حتي لو كانت تلك المدارس منفصلة عن الأزهر أو تدرس المناهج الأوروبية.

    ولما جاء عهد “سعيد” أهمل التعليم أيضا، ويذكر (محمد عبد الرحيم مصطفي بك:1952) أن في عصر “سعيد” تم إهمال التعليم، وانصرافه عن تعليم الشعب، علي الرغم  مما عرف عنه من تقديره للعلم في ذاته والمتعلمين، ويعزي هذا إلي نزعته الأوتوقراطية، وحبه جمع السلطة في يده، والتصرف في شؤون البلاد بنفسه،دون مكابرة أو معارضة من رعاياه. ويدل علي ذلك ما أجاب به يوما مربيه السويسري، عندما طلب إليه إعادة فتح المدارس التي أغلقها عباس  قائلا “لماذا نعلم الشعب؟؟؟ ألكي يتعذر علينا حكمه؟ دع القوم في جهلهم ! فالأمة الجاهلة أسلس قيادة من الأمة المتعلمة”..ولذلك ألغي (ديوان المدارس) عند توليه الحكم، وقد ساء حال التعليم كثيرا، عما كانت عليه في زمن سلفه، وأصبح عدد المتعلمين في أواخر عهد سعيد، لا يتجاوز بضع مئات، في حين أن ميزانية التعليم انحطت في أيامه، فلم تكن أكثر من ستة آلاف جنيه فقط عام 1862م(54).

    ويعد هذا دليل واضح علي أن التعليم المدني مهما كان حتي وإن كان توسع في الأنماط التعليمية كان له آثارا إيجابية في توسعة عدد المتعلمين، وأن هذا بالتأكيد له أثره الإيجابي علي المجتمع مهما كان، بل هذا ما جعل (أحمد عزت عبد الكريم :1954) ينتقد سياسات “محمد علي” التعليمية فيما يتعلق بهذه النقطة ويذكر أن “محمد علي” قضي في حكم مصر ثلاثة وأربعين عاما، أدخل في حياتها القومية من التغيير ما خلقها خلقا جديدا ووجه تاريخها وجهة جديدة،وضع النظم،ومس مختلف المرافق الحيوية، واتصل بالزارع والتاجر والصانع وأنشأ المصانع وجيش الجيوش وبني السفن، واستعان لبلوغ هذا كله بإنشاء المدارس يجمع لها أبناء الأهالي ليكون منهم أعوانه ورجاله، ولكن مدارس “محمد علي” وإن مست الحياة القومية المصرية –أن كان قوامها أبناء البلاد –إلا إنها مستها في رفق ولين، وحسبك أن أكثرها كان يقوم في حاضرة البلاد، فلم يقدر لها أن تتغلغل في صميم الريف حيث يعيش فلاح مصر جادا مقبلا علي عمله لا يلفته عنه سوي ما يصيبه من حين لآخر من اضطراب الحكم وعبث الحاكمين (55).

    أي إن في نظر (أحمد عزت عبد الكريم) كانت تحتاج تجربة “محمد علي” إلى التوسع لتمس حياة الريف المصري ولا تقتصر علي المناطق الحضرية فقط، أي أنه يراها بشكل إيجابي وأن توسعها كان سيكون في مصلحة الوطن…ويضيف (أحمد عزت عبد الكريم:1954) حيث يقول ” وكان علي هذا النحو النظام التعليمي الذي أنشأه “محمد علي”: معلقاً في الهواء، لم تمتد جذوره إلي باطن التربة المصرية، فكان من ذلك ما نعرفه مما أصابه من الاستقرار حينا والترنح حيناً آخر. ومن التوسع حينا والإنكماش حينا آخر. وفي حكم “إبراهيم” القصير تنبه القائمون علي شئون التعليم إلي فكرة التعليم الشعبي الذي تكفله الدولة في مدارسها وتنفق عليه من الأموال عامة. ونهض للعمل في سبيل هذه الفكرة، ولكن الفكرة جاءت متأخرة، ولم تمتد الحياة بإبراهيم حتي ينهض لتحقيقها(52).

وحين تولي “الخديوى إسماعيل” الحكم في عام1863م، كان بمثابة المفترق الحاسم في التاريخ المصري، في القرن التاسع عشر، فقد كان معجبا ومتحمسا لأوروبا وكرس هذا الحاكم نفسه قلبا وقالبا للإسراع بتحديث البلاد(57).

وكانت له العديد من الآثار الإيجابية علي تطوير التعليم و نهض  التعليم في عهده علي جميع المستويات وعلي مختلف أنماط التعليم ….يوضح (جمال شقرة :2015) الإجراءات التي اتخذها “الخديوى إسماعيل” لإصلاح التعليم و تطويره علي النحو التالي:

1 عندما تولي الحكم كانت معظم المدارس التي أنشأها “محمد علي” مغلقة، فأعاد تأليف ديوان المدارس، وعهد برئاسته إلي نفس الشخص الذي تولاها في عهد “محمد علي باشا” وهو “إبراهيم أدهم باشا” وعلي الفور دبت الحياة في المدارس القديمة .

2أسس مجموعة من المدارس العالية الجديدة، وفي مقدمتها: مدرسة الحربية، ومدرسة المهندسخانة، ومدرسة الحقوق، ومدرسة دار العلوم .

3اهتم “الخديوى إسماعيل” بتعليم البنات، إذ كان تعليم البنات قبله في حكم العدم، فأسست مدرسة السيوفية للبنات سنة 1873م، كما ظهرت مدرسة أخري سنة 1874م، وتطورت مدرسة الطب والولادة في عهده، وتخرج فيها نفر من أعلام الطب في مصر الحديثة.

4 أولي “الخديوى إسماعيل” التعليم الصناعي كل اهتمام، فأسس عددا ليس بالقليل من المدارس الصناعية في مقدمتها: مدرسة الفنون والصنائع وكانت تعرف بمدرسة العمليات، وكانت تقوم بتخريج الصناع الفنييين. ومنهم مهندسو الوابورات البرية والبحرية، والموظفون الفنيون، والسائقون في مصلحة السكة الحديد، وصناع عربات السكك الحديدي، والبواخر والآلات البخارية، وزودت هذه المدرسة بالمعامل التي كان الطلاب يمارسون فيها التمرينات العملية منها: معمل تركيب الآلات وتصليحها، ومعمل الحدادة، والسباكة.

5 وظهرت في عهده كذلك (المدارس الخصوصية ) منها: مدرسة المساحة، والمحاسبة، ومدرسة اللسان المصري القديم لتعليم اللغة الهيروغليفية، ومدرسة الزراعة، ومدرسة العميان والخرس .

6  اهتم بالمدارس الثانوية فأسست في عهده: المدرسة التجهيزية بالعباسية، ومدرسة رأس التين بالإسكندرية.

7فيما يتعلق بالتعليم الإبتدائي-وكانت معظم المدارس الإبتدائية التي أنشأها محمد علي، قد ألغيت في أواخر عهده، ولم يلتفت لها عباس أو سعيد– فبذل إسماعيل جهودا كبيرة لإحياء التعليم الابتدائي في القاهرة وبقية المديريات، فأسست عشرات المدارس. ويرجع الفضل في الاهتمام بالتعليم الابتدائي إلي “شريف باشا” ثم إلي “علي باشا مبارك” الذي فكر في تحويل التعليم في الكتاتيب إلي التعليم الابتدائي النظامي.

8اهتم إسماعيل بالأزهر الشريف، وأدخل علي نظام التعليم فيه عدة إصلاحات، كان أهمها إلغاء نظام الإجازات الذي كان معمولا به، وإنشاء نظام الامتحانات لتخريج العلماء والمدرسين.

9 كما ازدهرت المدارس التي أنشأتها الطوائف الشرقية غير المسلمة (الأقباط الأرثوذكس، والكاثوليك، والروم الأرثوذكس، والكاثوليك، الموارنة، الأرمن، اليهود، وغيرها)

10 كذلك مدارس الإرساليات والجاليات الأجنبية، حيث نالت تشجيعا ودعما كبيرا من “إسماعيل باشا”(58).

    فعلي الرغم من أنه لم يؤسس كل تلك المدارس غير أن الفضل يرجع إليه في تنظيم هذه المدارس وزيادة ميزانية نظارة المعارف ورفعها أولا من ستة آلاف جنيه في عهد سعيد إلي أربعين ألف جنيه، ثم وقف عليها أراضي الوادي بعد أن اشتراها ثانية من شركة قناة السويس. وكان غرض إسماعيل باشا من قانون رجب سنة 1284 ه نشر التعليم، وتوحيد نظامه في جميع أنحاء البلاد مع مراعاة ما يلائم كل طور من أطوار الدراسة، فكان لا يجهد عقول التلاميذ في الطور الأول بالمواد التي لا فائدة لهم منها، بأن جعل التعليم في المدارس الابتدائية قاصرا علي مباديء الكتابة والقراءة، وخص المدارس التجهيزية بمن يريد التقدم في مضمار التعليم، أما المدارس العالية والخصوصية فكان يتعلم فيها الطلاب كل العلوم الدراسية وفيها اللغات، وكان يترك لهم الحرية في اختيار اللغة التي يتعلمونها بشرط أن يتعلموا اللغتين العربية والتركية، وكان طلاب المدارس الخاصة علي قسمين: قسم يتعلم علي نفقته الخاصة، والآخر علي نفقة الحكومة، ولذلك كان يتحتم علي هؤلاء أن يخدموا في وظائف الحكومة مدة معينة. وكان ينتخب أحسن الطلاب لمدرسة الهندسة ومدرسة الطب. ولا شك أن هذا القانون الذي يشمل أربعين مادة وضع أساسا متينا للتعليم في البلاد(59).

    كل ذلك يدل علي أن ظاهرة تعدد أنماط التعليم هي ظاهرة تصاحب تاريخ التربية والتعليم علي مدي العصور، وأنها ليست خاصة بالواقع المصري فحسب، بل هي ظاهرة متواجدة في كل الأنظمة التعليمية وفي كل العصور بدرجات متفاوتة، وهي ظاهرة تظهر لعوامل ومتغيرات وظروف متشابكة ومعقدة تحتاج إلي دراستها تاريخيا وواقعيا، فلا يمكن التعامل مع حل أي مشكلة إلا بالإطلاع علي جذور تلك المشكلة وكيف تتشكل، وعندها يمكننا التعامل معها بشكل إيجابي وبأقل الأضرار.

خاتمة البحث:

من خلال العرض السابق توصل البحث إلى مجموعة من النتائج على النحو التالى:

1-   إن ظاهرة تعدد الأنماط في التعليم المصري المعاصر( حيث لدينا أنواع وأنماط من التعليم كالمدارس الدينية (الأزهرية والخاصة)، المدارس الحكومية (العادية والتجريبية)، المدارس الخاصة (عربي ولغات)، المدارس الدولية، المدارس اليابانية المصرية، مدارس النيل المصرية الدولية .بالإضافة أيضا إلي أنماط التعليم الجامعي المختلفة، وإن اختلفت في التعليم الجامعي على حدة تعدد الأنماط نسبيا)، هي ظاهرة ليست حديثة النشأة، وأن كل من يتناولها سواء في الوسائل الإعلامية والصحف يعتبرها ظاهرة مستحدثة ولم تكن موجودة وهذا ما أثبت الباحث خطأه. فهي ظاهرة ممتدة من عصور مصر القديمة حتي وقتنا الراهن .

2-  العديد من الدراسات التي تتناول الموضوع لا تعطي أهمية بمكان لجذور تلك المشكلة وأبعادها، فهي مشكلة معقدة، مركبة، وجدلية، وتتشكل بعوامل متشابكة وأن دراسة تاريخ تعدد الأنماط يفتح المجال لمعرفة أبعاد المشكلة، ولا يمكن معرفة هل هي ظاهرة تحمل أبعادا سلبية أم إيجابية بدون فهم عميق لجذور تلك المشكلة.

3-  أن صنع السياسة التعليمية لأي نظام تعليمي لابد أن يعتمد علي تكاتف جميع الجهود سواء الحكومية متمثلة في الوزارات المعنية ومراكز الأبحاث والجامعات، وقادة الفكر والرأي …لأن ظهور مشكلة تعدد الأنماط تظهر في غياب وجود سياسات تعليمية واضحة، أو انفراد طرف من الأطراف بوضع سياسة تعليمية تخدم مصالحه فقط .

4-  إن للمتغيرات الاقتصادية دورا كبيرا في ظهور أنماط متباينة للتعليم، حيث يظهر تعليم للطبقات الغنية ويظهر تعليم مواز للطبقات الفقيرة، كل منهم يسعي جاهدا لتلبية طموحاته المتباينة، الأمر الذي لابد من القائم علي التعليم السعي جاهدا لوضع قوانين تجعل النمطين يقدمان مخرجات تعليمية متجانسة تحمل القدر الأساسي المشترك من اللغة والتراث والمعتقدات والموروثات الثقافية .

5-  لابد من تكامل كل تلك النظم والأنماط التعليمية لتحقيق أهداف الفلسفة التعليمية الخاصة بالوطن، وكل ذلك لا يتأتي إلا بالتشريعات والقوانين ووجود دور فعال لهيئة الجودة والاعتماد المصرية، التي توفر معايير وطنية عامة يمكننا من خلالها تقييم تلك الأنماط ووضعها علي الطريق الصحيح .

6-  باستقراء التاريخ من خلال هذا البحث …يمكننا القول أن تعدد الأنماط ليس شرا في ذاته ولكن ما يصاحبه من غياب الرقابة وضعف الإدارة، وضبابية الفلسفة التعليمية والأهداف ،هي التي تؤدي إلي سلبيات تلك الظاهرة .

مقترحات البحث:

1-  أن تضع وزارة التربية والتعليم خطة عامة تسعى لتقريب الفجوة بين أنماط المدارس المختلفة ومتابعة تنفيذها على مستوى المدارس.

2-  إلزام المدارس الخاصة بدفع الضرائب المقررة والاستفادة من تلك الضرائب لتطوير المدارس الأكثر احتياجا.

3-  بناء جسور التعاون والتضامن بين كافة أنماط المدارس من خلال إقامة اجتماعات تجمع بين مديرى المدارس المختلفة من أجل تبادل الخبرات.

4-  أن تنظم الوزارة تدريبات صيفية بأجر رمزى فى إجازة نهاية العام تضم كل من يرغب فى الاشتراك بها من طلاب المدارس المختلفة وذلك لتنمية روح التعاون وتحقيق التواصل الفكرى بين الطلاب من كافة أنماط التعليم.

5-  أن تسعى وزارة التربية والتعليم للحد من الفجوة القيمية التى يحدثها تعدد أنماط التعليم بين فئات المجتمع المختلفة.

6-  أن توضع السياسة التعليمية فى دستور الدولة فهى لا تتغير بتغير الحاكم، وإنما هى ثابتة تعكس متطلبات الشعب من منظومة التعليم، ويستكمل تحقيق أهدافها جميع المسئولين.

7-  إجراء المزيد من الدراسات حول ظاهرة تعدد أنماط التعليم في مصر،حيث نحتاج للتعامل مع تلك الظاهرة إجراء دراسات تاريخية وتحليلية، ودراسات مقارنة، ودراسات ميدانية للوقوف علي الأبعاد المختلفة لتلك الظاهرة.

8-   أن تكون دراسة تلك الظاهرة علي مستوي جميع أقسام كليات التربية، فالمشكلة تمس جميع عناصر العملية التعليمية من مناهج وطرق تدريس، وإدارة تعليمية، وعلم النفس التربوي وأصول التربية .

9-   ضرورة وجود فلسفة تعليمية واضحة، يشرف علي وضعها لجنة عليا من أساتذة التربية المتخصصين، وأساتذة علم الاجتماع، وممثلين عن الوزارات المعنية والمثقفين …تراعي تلك الفلسفة التعليمية أبعاد قضية تعدد أنماط التعليم في مصر.

المراجـــــــــع

1-  أحمد محمود الزنفلي:الإنفاق الحكومي علي التعليم قبل الجامعي :الكفاية والكفاءة والعدالة دراسة تحليلية، مجلة كلية التربية الزقازيق، العدد (96)، يوليو 2017، ص 122.

2-   أحمد علي الحاج: أصول التربية، دار المناهج للنشر والتوزيع، الأردن، ص 21.

3-  محمد صبري الحوت، ناهد عدلي شاذلي:التعليم والتنمية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،2006،ص3 .

4-  أحمد علي الحاج:أصول التربية، مرجع سابق، ص 21.

5-  علياءعمر كامل : التعددية فى التعليم بالحلقة الأولى من التعليم الأساسى وأثرها على تكافؤ الفرص التعليمية فى مصر، رسالة ماجيستير، كلية الدراسات العليا للتربية، قسم أصول التربية، جامعة القاهرة، 2009.

6-  سعيد اسماعيل على : السواء والمرض فى تعدد أنواع التعليم، مؤتمر ثورة 25 يناير ومستقبل التعليم فى مصر، معهد الدراسات التربوية، جامعة القاهرة، فى الفترة من 13-14 يوليو 2011، ص 178.

7-  سحر محمد كمال : الهوية الثقافية كما يدركها طلاب التعليم الثانوى الحكومى والدولى فى مصر..دراسة اثنوجرافية، رسالة ماجيستير، كلية الدراسات العليا للتربية، قسم أصول التربية، جامعة القاهرة، 2014.

8-  دعاء محمد: التوزيع الاجتماعى للتعليم وتشكيل الهوية الثقافية..دراسة نقدية فى سوسولوجيا التعليم المصرى، مجلة العلوم التربوية، القاهرة، العدد(4)، أكتوبر 2017، ص42.

9-  محمد سرحان علي المحمودي :مناهج البحث العلمي، دار الكتب، صنعاء،2015،ص46.

10-      ثناء هاشم محمد: الهوية الثقافية والتعليم في المجتمع المصري،جامعة بني سويف، مجلة كلية التربية، عدد يناير2019،ص ص 124-125 .

11-      أسامة سيد علي :العرب بين التاريخ والحضارة قبل الإسلام، دار الشاهد للنشر والتوزيع، 2021، ص 248.

12-      عبد الله عبد الدائم :التربية عبر التاريخ ،دار العلم للملايين، ط5 ،1984، ص 48.

13-      جورج بوزنر(وآخرون):معجم الحضارة المصرية القديمة، ترجمة أمين سلامة، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة،1992، ص 73.

14-      نسرين مرجان: المعبد والكهنوت في مصر والعراق رسالة ماجيستير، كلية الآداب، جامعة عين شمس،2012، ص ص 103-105.

15-      هبة الأصبحي: كيف بدأ التعليم وكيف تطور ،حقوق النشر محفوظة للمؤلف، الرياض،2017، ص 7.

متاح على: books-library.online_nooa31ab2c6d65e8bd1af320a-33551.pdf (google.com)

16-     فاطمة باخشوين:العلم والتعليم في مصر القديمة،مجلة كلية الآثار بقنا،جامعة جنوب الوادي،ع (9)،2014،ص 307.

17-        أبو اليسر فرح: تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان،عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية،2002، ص 97.

18-    مصطفي العبادي :العصر الهلينستي،دار النهضة العربية للطباعة والنشر،1988، ص156. نقلاً عن: سعيد إسماعيل علي :التربية في الحضارة المصرية القديمة، عالم الكتب،1996، ص 309.

19-    أبو اليسر فرح: تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان،مرجع سابق، ص ص 112-113.

20-        مصطفي العبادي : الإمبراطورية الرومانية النظام الإمبراطوري ومصر الرومانية، دار المعرفة الجامعية،1999، ص223.

21-      المرجع السابق، ص 223.

22-       فخري رشيد رضا:تطور الفكر التربوي، دار الرشيد للنشر والتوزيع، الرياض،2007، ص ص 85-86.

23-      عبد الله عبد الدائم :التربية عبر التاريخ ، مرجع سابق، ص 146.

24-      محمد أسعد طلس:التربية والتعليم في الإسلام، مؤسسة هنداوي للنشر،2014، ص60.

25- عبد الله عبد الدائم :التربية عبر التاريخ ، مرجع سابق، ص146.

26-        فخري رشيد رضا:تطور الفكر التربوي، مرجع سابق، ص 135.

27- أحمد علي الحاج: أصول التربية، مرجع سابق، ص 64.

28- فخري رشيد رضا: تطور الفكر التربوي، مرجع سابق، ص ص 134-135.

29- أحمد شلبي: تاريخ التربية الإسلامية، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت،1954، ص 19.

30- هبة الأصبحي: كيف بدأ التعليم وكيف تطور، مرجع سابق، ص 10.

31- أحمد النجار: الإنتاج الأدبي في مدينة الاسكندرية في العصرين الفاطمي والأيوبي، المجلس الأعلي لرعاية الفنون والاداب والعلوم الاجتماعية، الكتاب الأول، الجمهورية العربية المتحدة القاهرة، ص36.

32-المرجع السابق، ص 36.

33- أيمن شاهين سلام: المدارس الإسلامية في مصر في العصر الأيوبي ودورها في نشر المذهب السني، رسالة دكتوراة غير منشورة ،كلية الاداب جامعة طنطا ،1999،ـ ص ص 167-168.

34- حسين أمين: المدارس الاسلامية في العصر العباسي واثرها في تطوير التعليم،الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، العدد(6) ،العراق،1976، ص ص 9-10.

35- أحمد عزت عبد الكريم: تاريخ التعليم في عصر محمد علي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ص7.

36- هبة الأصبحي: كيف بدأ التعليم وكيف تطور، مرجع سابق، ص 11.

37- محمد محمود خلف عناقرة: المدارس في مصر في عصر دولة المماليك، رسالة دكتوراة غير منشورة، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية،2005 ، ص 97.

38- محمد البهي: الأزهر تاريخه وتطوره، وزارة الأوقاف وشئون الأزهر، القاهرة، 1964، ص44.

39- جمال بدوي: محمد علي وأولاده،مكتبة الأسرة ، القاهرة ،1999،ص7.

40- محمد عبد الرحيم مصطفي بك:تاريخ مصر الحديث،المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة،1951، ص120.

41- جمال بدوي: محمد علي وأولاده، مرجع سابق، ص ص 33-34.

42- محمد سهيل طقوش:تاريخ مصر الحديث والمعاصر، دار النفائس، لبنان، 2018، ص ص 180-181.

43- جمال بدوي: محمد علي وأولاده، مرجع سابق، ص 34.

44- محمد سهيل طقوش: تاريخ مصر الحديث والمعاصر، مرجع سابق، ص 181.

45-رفيقة حمود: تطور التعليم العالي في مصر ،في قضايا النوعية في التعليم العالي في البلدان العربية:الكتاب السنوي الثامن(تحرير)، الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية ، بيروت،2014، ص 730.

46- هبة الأصبحي: كيف بدأ التعليم وكيف تطور، مرجع سابق، ص 13.

47- سليم حسن وعمر الإسكندري :تاريخ مصر من الفتح العثماني إلي قبيل الوقت الحاضر،مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة ،2014، ص 160.

48- المرجع السابق، ص 158

49- محمد سهيل طقوش: تاريخ مصر الحديث والمعاصر، مرجع سابق، ص 182.

50-جي فارجيت: محمد علي مؤسس مصر الحديثة، ترجمة: محمد رفعت عواد، المجلس الأعلي للثقافة المشروع القومي للترجمة،القاهرة، ص ص 95-96.

51-جمال الدين الشيال:رفاعة الطهطاوي زعيم النهضة الفكرية في عهد محمد علي ،مؤسسة هنداوي للنشر،القاهرة ، ص 34.

52-عبد الرحمن الرافعي:عصر إسماعيل، ج (1)، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1948، ص 7.

53- المرجع السابق، ص 16.

54- محمد عبد الرحيم مصطفي بك: تاريخ مصر الحديث، مرجع سابق، ص 188.

55-أحمد عزت عبد الكريم: تاريخ التعليم في مصر عصر عباس وسعيد، وزارة المعارف العمومية مطبعة النصر،القاهرة ، 1945، ص ص 3-4.

56- المرجع السابق، ص 5.

57-ماسيمو كامبانيني: تاريخ مصر الحديث من النهضة في القرن التاسع عشر إلي مبارك، ترجمة عماد البغدادي، المجلس الأعلي للثقافة المشروع القومي للترجمة، القاهرة،2006، ص 32.

58-جمال شقرة :الدولة الحديثة في مصر (1863-1879)،في يونان لبيب رزق(تحرير):المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، المجلس الأعلي للثقافة، القاهرة،2009، ص ص 266-267.

59- سليم حسن وعمر الإسكندري: تاريخ مصر من الفتح العثماني إلي قبيل الوقت الحاضر، مرجع سابق، ص 238.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading