ملامح أفول نظرية أعمال السيادة في مادة الرقابة على الاتفاقيات الدولية

القاضي/ سفيان عبدلي

باحث دكتوراه، تخصص القانون الدولي وحقوق الإنسان

كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر بسكرة،الجزائر

abdellisofiane@gmail.com

ملخص البحث

تعتبر نظرية أعمال السيادة خروجا حقيقيا على مبدأ الشرعية وخضوع الدولة للقانون. ما كان ابتداع مجلس الدولة الفرنسي لهذه النظرية، إلا لحماية وجوده واختصاصه من رد فعل الحكومة، عشية عودة النظام الملكي، فما كان منه إلا أن حصن بعض أعمالها من رقابته ومجاملة الحكومة عبر أحكامه.

غير أن توجهات مجلس الدولة في بداياته لم تلبث إلا وعرفت العديد من التحولات لاسيما في مجال الحد من آثار إعمال تلك النظرية فيما يتعلق بتطبيق المعاهدات الدولية؛ فأصبح العديد من أعمال الحكومة التي كان من المسلم أنها تتحصن من رقابة القضاء الإداري خاضعة لهذا الأخير.

تهدف هذه الدراسة إلى معاينة الانحصار المتزايد لنظرية أعمال الحكومة أمام امتداد الرقابة القضائية لتشمل مختلف مراحل تطبيق المعاهدات الدولية وكذلك تمسك القاضي الوطني بسلطة تقرير الأثر المباشر للمعاهدة ومدى قابليتها للتطبيق من عدمه، حتى بعد دخولها حيز النفاذ.

وتجادل هذه الدراسة أنه وبفضل التطور الاجتهادي المتميز لمجلس الدولة الفرنسي، تحت تأثير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أصبحت نظرية أعمال الحكومة تتجه نحو الأفول، ضمانا للحق في محاكمة عادلة وفي طعن فعال.

الكلمات المفتاحية:المشروعية؛ أعمال السيادة؛ الحصانة؛ المعاهدات الدولية.

مقدمة:

يتزايد الاهتمام بالقانون الدولي شيئا فشيئا، بفعل تسارع حركية تنقل الأشخاص والأشياء عبر الحدود، وتضخم المرجعية القانونية الدولية للدولة، ونمو الوعي لدى الفرد، الذي جعله يتمسك باتفاقيات دولية تضمن له حقوقا في مختلف المجالات، وفي مواجهة أطرف عديدة؛ الدولة، الأفراد والمؤسسات.

تقوم فكرة دولة القانون على مبدأ مفاده حق الفرد في الطعن ضد قرارات الدولة، بوجه عام، التي تتعدى على الحقوق المضمونة له بموجب التشريع الداخلي أو القانون الدولي. فيصبح من الطبيعي جدا، أن يؤسس الفرد ادعاءاته أمام القاضي الوطني على القانون الدولي. كما أن تكريس الحقوق العالمية الممنوحة للإنسان من طرف مختلف الصكوك الدولية، سمح بتدويل المنازعة أمام المحاكم الوطنية.

غير أن الطعن التنازعي ضد القرارات الإدارية الصادرة عن الدولة بوجه عام كثيرا ما يصطدم بما يعرف بنظرية أعمال الحكومة. هاته الأخيرة، عرفت الكثير من التحولات عبر الاجتهاد القضائي الفرنسي. ولذلك ستتناول هذه الدراسة بالتفصيل نظرية أعمال الحكومة، كما تبرز أثر تلك النظرية على الحلول القضائية التي كرسها القضاء في مادة تطبيق المعاهدات الدولية.

وينحصر نطاق هذه الدراسة في فرنسا منشأ نظرية أعمال الحكومة مع مقارنة بنظام القانون الجزائري وبعض الأنظمة القانونية والقضائية الأخرى كلما عالجت المسائل التي تشملها هذه الدراسة.

من هنا، صغنا الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة كما يلي: ما هو أثر إعمال نظرية أعمال الحكومة على الدور الرقابي للقاضي الإداري في مادة الرقابة على تطبيق الاتفاقيات الدولية؟

يتفرع عن هذه الإشكالية تساؤلات مرتبطة ببنية الأفكار المشكلة لموضوع الدراسة ولعل أهمها ما هو مبرر وجود نظرية أعمال الحكومة في ظل دولة القانون؟ وما أثرها على حق الفرد في محاكمة عادلة وفي طعن فعال؟ ثم، إلى أي مدى أسهم الاجتهاد القضائي في الحد من آثار تلك النظرية؟

لمعالجة هذه الإشكاليات، ارتأينا تقسيم الدراسة إلى مبحثين رئيسيين. تناولنا في المبحث الأول، مفهوم نظرية أعمال السيادة من خلال ثلاثة مطالب. درس المطلب الأول تعريف وأساس نظرية أعمال الحكومة، ثم تعرضنا لنطاق نظرية أعمال الحكومة في المطلب الثاني وأخيرا مختلف الاستثناءات التي أقرها القضاء الفرنسي على نظرية أعمال الحكومة تحت عنوان حدود نظرية أعمال السيادة في المطلب الثالث. أما المبحث الثاني فتعرضنا من خلاله لملامح أفول نظرية أعمال الحكومة في مادة الرقابة على الاتفاقيات الدولية عبر أربعة مطالب. تناولنا في المطلب الأول مراقبة القضاء لصحة إجراءات التصديق على المعاهدة الدولية، أما المطلب الثاني فتناول مراقبة القضاء لشرط نشر أحكام الاتفاقيات الدولية، في حين تناولنا في المطلب الثالث مراقبة القضاء لشرط المعاملة بالمثل، أما المطلب الرابع فخصصناه لدراسة مراقبة القضاء لشرط الأثر المباشر. وتفصيل خطة الدراسة كما يلي:

المبحث الأول: مفهوم نظرية أعمال السيادة.

المطلب الأول: تعريف وأساس نظرية أعمال السيادة.

المطلب الثاني: نطاق نظرية أعمال السيادة.

المطلب الثالث: حدود نظرية أعمال السيادة.

المبحث الثاني: ملامح أفول نظرية أعمال الحكومة في مادة الرقابة على الاتفاقيات الدولية.

المطلب الأول: رقابة القضاء على صحة إجراءات التصديق على المعاهدة الدولية.

المطلب الثاني: مراقبة القضاء لشرط نشر أحكام المعاهدة الدولية.

المطلب الثالث: مراقبة القضاء لشرط المعاملة بالمثل.

المطلب الرابع: مراقبة القضاء لشرط الأثر المباشر.

المبحث الأول:

مفهوم نظرية أعمال السيادة

سنتناول من خلال هذا المبحث، تعريف وأساس نظرية أعمال السيادة (المطلب الأول) ثم نتعرض لنطاق نظرية أعمال السيادة (المطلب الثاني) وأخيرا سندرس مختلف الاستثناءات التي أقرها القضاء الفرنسي على نظرية أعمال السيادة (المطلب الثالث).

المطلب الأول:

تعريف وأساس نظرية أعمال السيادة

نظرية أعمال الحكومة ([1])، وتعرف كذلك بنظرية أعمال السيادة، هي نظرية قضائية من ابتكار مجلس الدولة الفرنسي، وبذلك فهي لا تستند لأي نص تشريعي. يقصد بها مجموع الأعمال القانونية التي أقر مجلس الدولة بعدم قابليتها للرقابة القضائية.

وخلافا للأنظمة القانونية والقضائية للظروف الاستثنائية، لا تعد هذه النظرية مجرد قيد على مبدأ الشرعية بل وتعتبر الاستثناء الوحيد عليه ([2]). وهكذا لا يختص القضاء العادي أو الإداري بالرقابة على أعمال الحكومة، سواء أتعلق الأمر برقابة الشرعية أم بدعوى المسؤولية المتولدة عن تلك الأعمال. وبذلك تكتسب هذه الأعمال حصانة قضائية.

وهكذا، يمكن تعريف أعمال الحكومة، بوجه عام، على أنها تلك الأعمال الصادرة عنالهيئات التنفيذية في علاقاتها الدستورية مع السلطات العامة، ومن جهة أخرى في علاقاتها بالمنظمات الدولية وبالدول الأجنبية ([3]). ويمكننا أن نضيف لهذا التعريف عنصر عدم قابلية تلك الأعمال للطعن أو المنازعة القضائية.

تاريخيا، رفض مجلس الدولة الفرنسي إخضاع طائفة من القرارات الإدارية لرقابته معتبرا إياها من طبيعة سياسية ([4]) أو ذات غرض سياسي ([5]). غير أن مجلس الدولة ما لبث أن غير الأساس الذي تمسك به (الباعث السياسي) لاستبعاد تلك الأعمال من رقابة القضاء بأن اعتبرها قرارات مرتبطة بالوظيفة الحكومية ([6]).

أما الأساس المقدم اليوم لهذه النظرية فهو تقني؛ فعدم الاختصاص القضائي بفحص أعمال الحكومة مرتبط بكون تلك الأعمال ليست أعمالا إدارية. فالأعمال المتعلقة بالعلاقات بين الحكومة والبرلمان وبالعلاقات الخارجية لفرنسا تتجاوز النشاط الإداري بالمفهوم الضيق stricto sensu فهي تعد “نشاطا متميزا عن النشاط الإداري” فهي تتصل بالنشاط الحكومي الذي لا يخضع للقاضي الإداري ([7]).

الحقيقة أن مجلس الدولة ومنذ أن هجر فكرة الباعث السياسي كأساس لنظرية أعمال الحكومة لم يحاول إيجاد أساس جديد لتلك النظرية فحاول الفقه تتبع الاجتهاد القضائيوتصنيفه بشكل منهجي ضمن قائمة تشمل طائفة أعمال الحكومة ([8]).

وقد حاول الفقه تبرير نظرية أعمال الحكومة. هناك اتجاهان في هذا الصدد؛ أحدهما سلبي والآخر إيجابي. بالنسبة للاتجاه الأول فلا وجود لأعمال الحكومة وما رفض القاضي الإداري لنظر هذه الأعمال إلا لكونها ليست أعمال إدارية فكلها إما تتعلق بالقانون الدستوري أو بالقانون الدولي أو بقانون الحرب، في حين أن القاضي لا يختص إلا بتطبيق القانون الإداري على الأعمال الصادرة عن السلطات الإدارية. أما الاتجاه الثاني، وعلى العكس، فيصر على ضرورة تمييز الوظيفة الحكومية عن الوظيفة الإدارية؛ فيصبح من الطبيعي جدا عدم اختصاص القاضي بفحص القرارات المتخذة في إطار الوظيفة الحكومية. غير أنه ومن ناحية التطبيق، من المستحيل تقريبا ضبط حدود الوظيفة الحكومية وبالنتيجة تحديد نطاق أعمال الحكومة ([9]).

المطلب الثاني

نطاق نظرية أعمال السيادة

سبقت لنا الإشارة في المطلب السابق، أن نظرية أعمال الحكومة هي نظرية قضائية بالأساس. وفي ظل غياب أي نص تشريعي يحدد، حصرا، طائفة الأعمال والقرارات غير القابلة للرقابة القضائية تدخل القضاء الفرنسي عبر السنوات لضبط المسألة.

حسب توجهات مجلس الدولة الفرنسي، تشمل أعمال الحكومة طائفة الأعمال المتعلقة بالعلاقات بين السلطات العامة في الدولة وتلك المتعلقة بالعلاقات الخارجية للدولة ([10]).

الفرع الأول

أعمال الحكومة المتعلقة بالعلاقات بين السلطات الدستورية العامة

تقليديا، تتشكل الطائفة الأولى لأعمال الحكومة من القرارات المتعلقة بالعلاقة بين الحكومة والبرلمان، كتلك المتعلقة برفض عرض مشاريع القوانين على البرلمان ([11]) أو عدم عرض القوانين المصوت عليها على المجلس الدستوري ([12]) أو حل البرلمان ([13]). وتشمل أيضا القرارات التي تعني مختلف السلطات العامة الدستورية كقرارات رئيس الجمهورية باستعمال الصلاحيات الاستثنائية بموجب المادة ١٦ من الدستور الفرنسي ([14]) أو بتنظيم استفتاء أو مراسيم تعيين بعض أعضاء المجلس الدستوري ([15]) أو الوزير الأول أو الوزراء ([16]).

الفرع الثاني

أعمال الحكومة المتعلقة بالعلاقات الخارجية للدولة

تشمل فئة أعمال الحكومة المتعلقة بالعلاقات الخارجية للدولة تلك المرتبطة بالعلاقات الدبلوماسية وتلك المتعلقة بمادة المعاهدات الدولية.

في مجال العلاقات الدبلوماسية، يعد قرار وزير الشؤون الخارجية برفض الترخيص لبعض الأشخاص بالإقامة على الإقليم الفرنسي بصفة عضو بعثة دبلوماسية، قرارا سياديا، يندرج ضمن فئة أعمال الحكومة، وهو يتحصن بهذه الصفة من أي رقابة قضائية ([17]). وكذلك القرارات المتعلقة بوقف التعاون العلمي والتقني مع دولة أجنبية ([18]).

كما اعتبرت قرارات رفض عرض نزاع معين على محكمة العدل الدولية ([19]) وكذا قرارات إقحام القوات المسلحة الوطنية في بلد أجنبي ([20]) وكذا قرار رئيس الجمهورية بالسماح للطائرات العسكرية الأجنبية بالتحليق فوق الأجواء الوطنية قصد القيام بهجمات على دولة معينة ([21])، وقرار رفض ترشيح قاض لعضوية المحكمة الجنائية الدولية ([22])، من ضمن أعمال السيادة غير القابلة للطعن التنازعي أمام القضاء.

أما في مادة المعاهدات الدولية، فاعتبر مرسوم التصديق على معاهدة دولية ([23]) وكذا قرار رئيس الجمهورية بإجراء تجارب نووية المتخذ قبل البدء في المفاوضات المتعلقة بمعاهدة تتعلق بالحظر المطلق لهذا النوع التجارب ([24])، من ضمن طائفة أعمال السيادة التي تتحصن من الرقابة القضائية. وكذلك القرارات المتعلقة بشروط التوقيع على معاهدات دولية ([25]) أو تلك المتعلقة بعدم نشر معاهدة دولية ([26]) أو المرسوم المتعلق بوقف تنفيذ معاهدة دولية ([27]).

المطلب الثالث:

حدود نظرية أعمال السيادة (الأثر المخفف)

تحت تأثير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عبر تطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، عرفت نظرية أعمال الحكومة أزمة في المفهوم نتيجة الإشكال الذي طرحته المادتان ٦- ١ و ١٣ من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تضمن للفرد الحق في محاكمة عادلة والحق في طعن فعال.

وفي هذا الإطار، عرفت هذه النظرية أثرا مخففا في تطبيقها على الكثير من الأعمال الإدارية بفضل نظريتي الأعمال القابلة للانفصال ونظرية مسؤولية الدولة دون خطأ.

ففي مجال نظرية الأعمال القابلة للانفصال عن العلاقات الخارجية للدولة، لا تندرج كل القرارات المتعلقة بالعلاقات الدولية ضمن طائفة أعمال الحكومة؛ فبعض تلك الأعمال قابلة للانفصال عن العلاقات الدولية وتتعلق في مضمونها بالنظام القانوني الداخلي وبالتالي فهي تقبل الطعن فيها أمام القضاء الإداري. ويعتبر القرار قابلا للانفصال “في الوقت الذي تتمتع فيه السلطات الفرنسية بالحرية في اختيار الإجراء الذي تنفذ من خلاله التزاماتها الدولية، ويكون لها أن تبادر بالوسائل التي من خلالها تستجيب لتلك الالتزامات” ([28]). ومن أمثلة ذلك: الطعن بتجاوز حد السلطة ضد قرار التسليم ([29]) أين اعتبر القضاء أن قرار التسليم قابل للانفصال عن الاتفاقية الدبلوماسية المتعلقة بتسليم المجرمين فهو قابل للطعن القضائي ([30]). وكذلك قبل القضاء دعوى التعويض المرفوعة من طرف دبلوماسيين أجنبيين كانا ضحية اعتداء عليهما بفعل نقص الحماية الكافية من طرف الشرطة ([31]). كما وسع مجلس الدولة من نظرية الأعمال القابلة للانفصال لتشمل أعمال الحكومة المتعلقة بالعلاقات بين السلطات العمومية لما اعتبر أن قرار الوزير الأول بتكليف برلماني بمهمة مؤقتة لدى إحدى الإدارات، ليس من أعمال الحكومة كونه قابلا للانفصال عن العلاقات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية “اللتين ينظمهما الدستور” ([32]) وبالنتيجة فيمكن الطعن فيه أمام القاضي الإداري ([33]).

أما في مجال نظرية المسؤولية دون خطأ، على أساس قطع المساواة أمام الأعباء العامة بفعل تطبيق معاهدة دولية، فقد أثيرت مسؤولية الدولة عن الضرر غير العادي والخاص المتولد جراء تطبيق معاهدة دولية ([34])، كما ذهب نفس القرار إلى أنه “لا يجب أن يستخلص من الاتفاقية ذاتها أو من قانون التصديق عليها ما يفيد منع أي تعويض عنها”.

المبحث الثاني:

ملامح أفول نظرية أعمال الحكومة في مادة الرقابة على الاتفاقيات الدولية

عرفت نظرية أعمال الحكومة تطورا لافتا في مادة الرقابة على الاتفاقيات الدولية. فقد طور القاضي الوطني سلطاته في هذه المادة فتوسعت لتشمل مراقبة عدة مجالات كانت تعد من ضمن أعمال الحكومة التي لا تطالها الرقابة القضائية بأي شكل من الأشكال. هذا ما سنسلط عليه الضوء من خلال دراسة الرقابة القضائية على صحة إجراءات التصديق على المعاهدة الدولية (المطلب الأول) مراقبة شرط نشر أحكام الاتفاقيات الدولية (المطلب الثاني) مراقبة شرط المعاملة بالمثل (المطلب الثالث) لننتهي لدراسة مراقبة شرط الأثر المباشر والقابلية للاحتجاج (المطلب الرابع).

المطلب الأول:

الرقابة القضائية على صحة إجراءات التصديق على المعاهدة الدولية

حسب المادة ١٥٤ من الدستور الجزائري ([35])، فالمعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون.

وهكذا، تطرح مسألة فحص القاضي للشروط الإجرائية للتصديق على المعاهدة، وكذا لشرط نشر مضمونها في الجريدة الرسمية العديد من الإشكالات لدى الفقه والقضاء، العديد من التساؤلات. وبما أن الاتفاقيات الدولية تسمو على القانون، فهناك عدة شروط أخرى يتعين على القاضي بحثها، قبل تطبيقها.

أثيرت لدى القضاء الفرنسي مسألة فحص مدى نظامية إجراءات التصديق على المعاهدة. فهل بإمكان القاضي مراقبة مدى صحة إجراءات التصديق، قبل تطبيقه للمعاهدة الدولية؟

إن مبدأ الشرعية التدرجية للنصوص القانونية، يحتم على القاضي استبعاد تطبيق نصوص قانونية تسللت إلى المنظومة القانونية للدولة بطريق غير نظامية ([36]) أو مخالفة للدستور ([37])، فقبل كل شيء القاضي هو حامي الشرعية في الدولة، ولابد أن يضمن سلامة تلك النصوص الدولية من حيث إجراءات دخولها في النظام القانوني الوطني، قبل قيامه بتطبيقها ([38]).

دون شك، أول موقف سيعارض هاته الفكرة سيستند مباشرة لنظرية أعمال السيادة، التي من المستقر فيها أن القاضي يمتنع عن مراقبتها، احتراما لمبدأ فصل السلطات. لكن، ومع ذلك، لا يوجد نص صريح في الدستور يحدد قائمة حصرية بأعمال السيادة ([39]). فضلا، على أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية تسمو على القانون ولكنها لا تعلو على الدستور الذي قد يحدد شروطا يجب استكمالها لصحة الالتزام بالمعاهدة ونفاذها في المنظومة القانونية.

في فرنسا، تطور الأمر نحو هجر فكرة اعتبار إجراءات التصديق على المعاهدات ضمن طائفة أعمال السيادة. وكان لمجلس الدولة الفرنسي الفضل في توسيع اختصاصه في مسائل المعاهدات الدولية بصفة عامة وبالمقابل تضييق نطاق ما تضمه منها نظرية أعمال السيادة وتسحبه من ولايته.

في ٢٠ أكتوبر 1989 صدر قرار Nicolo الشهير، ومعه بدأ الفقه الفرنسي يستشعر ملامح تطور في اتجاهات مجلس الدولة يستهدف تأكيد سلطته القضائية واستقلاليته التي يكفلها له الدستور في مواجهة بقية السلطات. إن قرار Nicolo سجل خطوة حاسمة في أحكام مجلس الدولة المتعلقة بمكانة القانون والمعاهدات في النظام القانوني الداخلي ([40]). وهكذا، قام مجلس الدولة الفرنسي، من خلال هذا القرار ولأول مرة، بمطابقة أو بمقابلة قانون بمعاهدة سابقة عليه لتقصي المطابقة من عدمها.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب لأبعد من ذلك، ففي قرار ([41]) صدر بتاريخ ١٨ ديسمبر 1998 مدد مجلس الدولة الفرنسي رقابته إلى إجراءات التصديق اللازمة لاندراج المعاهدة الدولية في النظام القانوني الداخلي وإنتاج آثارها فيه؛ وبذلك لم يعد القاضي الإداري الفرنسي يكتفي بالتحقق من الوجود المادي للاتفاقية أو المعاهدة الدولية فقط ولكن، أيضا، يراقب مدى نظامية وشرعية إجراءات التصديق عليها.

أكد هذا القرار على التلازم بين علوية المعاهدة على سابقها ولاحقها من القوانين من جهة، مع شرعية إجراءات التصديق عليها من جهة أخرى. وهذا إعمالا لنص المادة ٥٥ من الدستور الفرنسي لسنة ١٩٥٨. وهكذا، فكل معاهدة دولية تمت المصادقة عليها بإجراءات غير نظامية تفقد كل آثارها في النظام القانوني للدولة ([42]).

وهكذا، ومن خلال هذا القرار، وفي حالة تجاوز رئيس الجمهورية للقيود الدستورية المفروضة على اختصاصه بإبرام المعاهدات، كمصادقته على المعاهدة قبل الحصول على موافقة البرلمان، متى اشترطها الدستور، أو رغم اعتراض هذا الأخير عليها، فإن القاضي يعاين هذا التجاوز في حكمه، وبالتالي يستبعد من التطبيق أحكام الاتفاقية الدولية، المصادق عليه بإجراءات غير شرعية أو غير نظامية ([43]).

ومتى عاين القاضي الإداري، فحصه لإجراءات اندراج المعاهدة في النظام القانوني للدولة، أن رئيس الجمهورية حال تصديقه على المعاهدة الدولية، تجاوز قيد الموافقة البرلمانية، الذي يشترطه الدستور في بعض المعاهدات ([44])، يستبعد تطبيق بنود تلك المعاهدة الدولية على النزاع المعروض أمامه، مسببا ذلك بعدم نظامية- أو صحة- إجراءات التصديق ولو أدى ذلك إلى تحميل الدولة للمسؤولية الدولية عن خرق التزاماتها الدولية.

هنا ستكون الدولة مرتبطة، على الصعيد الدولي، بالاتفاقية الدولية، طبقا لقاعدة إلزامية التعهدات الدولية pacta sunt servanda في حين أن المعاهدة غير مطبقة على المستوى الداخلي من طرف القاضي الوطني. وفي هذا الصدد، قام مجلس الدولة بإبطال مرسوم ٢٦ أفريل ١٩٤٧ المتعلق بتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الامتيازات والحصانات، لغياب الموافقة البرلمانية ([45])، مما نتج عنه سلب تلك الاتفاقية من جميع آثارها على المستوى الداخلي، في حين أنها بقيت ملزمة لفرنسا على المستوى الدولي ([46]).

ولا يبقى أمام الدولة سوى إعادة التصديق بشكل نظامي على المعاهدة المصرح باستبعادها، بعد اتخاذ الإجراءات الدستورية التي تم تجاوزها. وفي كل الحالات، لا يمكن أن تطبق المعاهدة على النزاع المعروض أمام القاضي بأثر رجعي. وهو ما قامت به فرنسا فيما يتعلق باتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالحصانات والامتيازات سالفة الذكر ([47]).

وأكد مجلس الدولة توجهه هذا بتاريخ ٢٣ فيفري ٢٠٠٠ (Bamba Dieng Et Autres) بالحد من مطلق الحصانة التي كانت تتمتع بها أعمال السلطة التنفيذية المتعلقة بإبرام المعاهدات ([48])، لما قضى بإبطال مرسوم نشر اتفاق دولي لم يخضع لإجراء الموافقة البرلمانية رغم كونه يندرج ضمن مقتضيات المادة ٥٣ من الدستور التي تشترط ذلك ([49]). وهذا ما يعد تراجعامن مجلس الدولة الفرنسي عن سابق اجتهاده ([50]). وفي ذلك كله تعزيز لاستقلالية القضاء وسيادته، في إطار الشرعية. وفي نفس هذا السياق كان توجه محكمة النقض الفرنسية ([51]).

عمليا، تتم عملية الرقابة بواسطة القاضي الإداري، عبر فحص مرسوم النشر. وهكذا، يعتبر مرسوم نشر الاتفاقية الدولية غير المصادق عليها من طرف المشرع، متى اشترط ذلك الدستور، غير شرعي، ويبطله القاضي، لهذا السبب. ويمكن أن تتم هذه الرقابة بطريق الدعوى، حال رفع الطعن بتجاوز حد السلطة، أو بطريق الدفع، بمناسبة نزاع قضائي يثار فيه تطبيق الاتفاقية وكان مرسوم النشر المنتقد لم يطعن فيه خلال الآجال المفتوحة لدعوى الإبطال، وهو ما يعتبر ميزة للمتقاضي، نظرا لانقضاء آجال الطعن ([52]).

ربما هذا ما جعل الأستاذ Florence Poirat، يعتبر أن مجلس الدولة بهذه التحولات بدأ يقترب فعلا من رقابة الدستورية. أو كما وصفها البعض بالرقابة الدستورية المقنعة ([53]).

وفي رأينا، تبدو هذه النتيجة منطقية. كون أنه يتعين على القاضي تكييف موضوع المعاهدة والغرض منها على ضوء الأحكام الدستورية ذات الصلة ليصل للقول بمدى وجوب موافقة البرلمان عليها.

بتاريخ ٠٨ جويلية ٢٠٠٢ صدر قرار بلدية Porta. فأكد مجلس الدولة الفرنسي في هذا النزاع أنه ولئن كان القاضي الإداري، حال فحصه لمرسوم النشر، يراقب مدى صحة اندراج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الداخلي، بشكل نظامي، فإنه مع ذلك، لا يكون مختصا بمراقبة مدى مطابقة مرسوم نشر الاتفاقية الدولية المصادق عليها بموجب قانون، للدستور ([54])؛ لأن ذاك يمكن أن يؤدي إلى رقابة دستورية هذا القانون وهو الاختصاص الأصيل للمجلس الدستوري. وصرح أنه في هكذا حالات تطبق نظرية القانون- الحاجز ([55])La Théorie De La Loi Ecran.

عبر الطعن بتجاوز حد السلطة، طلبت بلدية بورتا من مجلس الدولة إبطال مرسوم نشر الاتفاقية المؤرخ في ٢٨ أوت ٢٠٠١، لخرقه أحكام المواد ٥٣، ٥٥ و٧٢ من الدستور الفرنسي. مع الإشارة إلى أن الاتفاقية الدولية تم إقرارها بموجب قانون، طبقا للمادة ٥٣ من الدستور الفرنسي. مجلس الدولة رفض ممارسة هذه الرقابة؛ لكون ممارسة رقابة دستورية مرسوم النشر، يؤدي بالضرورة إلى ممارسة رقابة دستورية قانون الموافقة على المعاهدة. فالمدعون أثاروا خرق مرسوم النشر لأحكام المواد ٥٣، ٥٥ و ٧٢ من الدستور الفرنسي. والاتفاقية الدولية تمت الموافقة عليها بموجب قانون ٠٦ جويلية ٢٠٠١، مما يجعل دستورية هذا القانون على المحك، فالمعاهدة الدولية التي تم التصديق أو الموافقة عليها بموجب قانون، لا يمكن لمجلس الدولة أن يفحص الوجه المثار بكون مرسوم نشرها، يتناقض مع الدستور، كونه سيفحص لا محالة دستورية قانون الموافقة على المعاهدة؛ وهو ما تمنعه نظرية القانون- الحاجز، التي تحظر مناقشة دستورية القوانين أمام القاضي الإداري.

كرس مجلس الدولة، أيضا، من خلال نفس القرار، أن بنود الاتفاقية الدولية تندرج ضمن طائفة أعمال الحكومة، المحصنة ضد أي طعن سواء أمام القضاء الإداري أو العادي. وهكذا، لا يمكن لمجلس الدولة فحص مدى صحة بنود التزام دولي في مواجهة التزامات دولية أخرى لفرنسا أو في مواجهة المبادئ المكرسة بموجب المادة ١٧ من إعلان حقوق الإنسان والمواطن، كما أكد مجلس الدولة عدم اختصاصه بفحص الوجه المثار حول عدم أهلية السلطة الموقعة على الاتفاقية باسم الدولة الأجنبية، بموجب الدستور والقانون الداخلي لتلك الدولة.

وتدريجيا، دخل مفهوم الأعمال القابلة للانفصال، حال ممارسة الرقابة في مجال أعمال الحكومة. فكلما كان العمل الإداري على علاقة بمجالي العلاقات الدولية أو العلاقة بين السلطات العمومية عد من ضمن أعمال الحكومة. أما الأعمال القابلة للانفصال فهي أعمال إدارية، على علاقة غير مباشرة بأعمال الحكومة، وقابلة للانفصال عنها؛ فهي تخضع لرقابة القاضي الإداري ([56]).

وهكذا، اعتبر مجلس الدولة في قرار بلدية بورتا أن بنود الاتفاقية الدولية لا يمكن فصلها عن مجال تسيير العلاقات الدولية، وبالتالي فهي تدخل ضمن طائفة أعمال الحكومة التي لا تختص بمراقبتها الجهات القضائية.

كما لا يمكن أن يثار بشكل مجد، أمام مجلس الدولة، بمناسبة الطعن ضد مرسوم النشر، عدم تطابق مضمون (الأحكام الموضوعية) الاتفاقية أو المعاهدة مع الدستور ([57]).

وصرح مجلس الدولة، أيضا، أنه وحال الطعن ضد مرسوم نشر الاتفاقية الدولية، لا يمكن للقاضي الإداري فحص مدى صحة هذه الاتفاقية في مواجهة الالتزامات الدولية الأخرى التي صادقت عليها فرنسا ([58]).

كما تجدر الإشارة إلى أن مجلس الدولة اعتبر رفض التصديق على معاهدة ما يعد عملا سياديا من أعمال الحكومة، غير قابل للطعن القضائي. كما رفض أيضا، وبنفس الأساس، مراقبة شروط التوقيع على الاتفاقية، اختيار طريقة إبرام الاتفاقية، الرقابة على مضمون الاتفاقية، ومراقبة صحة الاتفاقية في مواجهة غيرها من المعاهدات الدولية وقرار وقف تطبيق معاهدة دولية ([59]).

وهكذا، ذهب القضاء الوطني للدول، على غرار القضاء الفرنسي والجزائري، نحو الاشتراط الصارم لموجب التصديق على المعاهدة الدولية قصد إنفاذها في النظام القانوني الوطني كما مارس القضاء الداخلي رقابته على صحة الإجراءات الدستورية المستوجبة لنفاذ المعاهدات الدولية داخليا.

ويبدو أن التوجه هو ذاته في ألمانيا ([60]) وإيطاليا ([61]) ولكسمبورغ ([62]) وبلجيكا ([63]) أين رتب القضاء الوطني لتلك الدول، من خلال رقابته على مخالفة الشروط الدستورية لصحة اندراج المعاهدة في النظام القانوني الوطني، لا سيما بسبب غياب موافقة البرلمان، جزاء عدم نفاذها داخليا.

غير أن المثير للدهشة، أنه وفي بعض الدول التي تتبع نظام الازدواج القانوني، منح القضاء الوطني لبعض المعاهدات الدولية المصادق عليها، ورغم عدم نفاذها في النظام القانون للدولة ([64])، أثرا تطبيقيا في النزاعات المعروضة أمامه عن طريق تقنية التفسير المتسق للقانون الوطني ليتوافق مع الالتزامات الدولية النافذة في الدولة، وغير النافذة، على حد سواء. واعتمدت المحاكم الوطنية في تلك الدول على المعاهدات المصادق عليها وغير النافذة، للحد من السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة بل واعترفت المحاكم للأفراد، بموجب المعاهدات غير النافذة، بحقوق لم يقررها القانون الوطني ([65]).

ومن الممارسات القضائية الجديرة بالاهتمام، في هذا الصدد، وفي بعض الدول التي تتبع نظام الوحدة القانونية، أين تم تطبيق الاتفاقيات الدولية غير المصادق عليها دستوريا، في النظام القانوني الداخلي، من قبل القضاة الوطنيين؛ ليس بوصفها أحكاما تعاهدية دولية ولكن باعتبارها قواعد عرفية راسخة؛ تشكل جزءا من القانون الدولي العرفي الملزم. فالمعاهدات الدولية في نهاية المطاف ليست سوى تقنين للعرف الدولي الراسخ والمقبول، والعرف الدولي الثابت لا يكتسب قوته الإلزامية من فعل تصديق الدول بل من عقيدة الشعور بالإلزام Opinion juris.

وهكذا، ورغم عدم مصادقة فرنسا على اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام ١٩٦٩ إلا أن قضاة النقض وقضاة مجلس الدولة، طبقوا بعض أحكام تلك الاتفاقية، معتبرين إياها بمثابة العرف الدولي المقنن، وهي بهذا الوصف ملزمة لفرنسا ولقضائها ([66]).

ورغم ما أثاره الفقه من نقاش حول هذا التوجه القضائي ومساسه بالاختصاصات الدستورية للسلطة التنفيذية في الدولة بل وبسلطات المشرع الوطني، في مجال إبرام المعاهدات الدولية، إلا أنه يمكن أن نلمس بحق توجه القضاء نحو الحد من مطلق نظرية أعمال السيادة في مواجهة أعمال الحكومة والبرلمان.

المطلب الثاني:

مراقبة القضاء لشرط نشر أحكام الاتفاقيات الدولية

نشر مضمون الاتفاقية الدولية شرط أساسي لتطبيقها، لكن متى تطلبه الدستور صراحة. ولذلك، ذهب المؤسس الدستوري الفرنسي، في نص المادة ٥٥ من دستور الجمهورية الخامسة، إلى أن: المعاهدات أو الاتفاقيات التي يتم التصديق أو الموافقة عليها، نظاميا، تحوز بعد نشرها قوة تعلو القانون، مع مراعاة تطبيقها من الطرف الآخر” ([67]).

وهكذا، وبنص صريح في الدستور، وحال تطبيقه لاتفاقية دولية، يعاين القاضي الفرنسي في أحكامه، وجوبا، مدى نشر الاتفاقات الدولية كشرط مسبق ([68]) لإمكانية تطبيق أحكامها.

وفي هذا الصدد، قضى مجلس الدولة بأن الاتفاقيات الدولية غير المنشورة لا يمكن أن تولد آثارا داخل النظام القانوني الداخلي للدولة ([69]). بل وأثير هذا الوجه تلقائيا من طرف القاضي الإداري ([70]). كما اعتبره كل من القضاء العادي والإداري من النظام العام ([71]).

ويجب أن يرفق مرسوم النشر بالنص الكامل، والحرفي، للمعاهدة والتحفظات والإعلانات التفسيرية الموضوعة من طرف الدول وقت التوقيع أو حين إيداع صكوك التصديق.

واعتبر القضاء أن مرسوم النشر قابل للانفصال عن سير العلاقات الدولية لفرنسا، وبالتالي لا يدخل ضمن أعمال السيادة، وبالتالي يمكن للقاضي مراقبته وتقدير مدى نظاميته (صحته) ([72]). غير أن رفض نشر المعاهدة أو الاتفاقية اعتبر من ضمن أعمال السيادة، ويخرج بطبيعته عن الرقابة القضائية ([73]).

وبداية من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية، تدخل الاتفاقية أو المعاهدة الدولية حيز التنفيذ في النظام القانوني الداخلي، بافي ذلك التي يكون لأحكامها أثر رجعي؛ فالمعاهدات الدولية، غالبا، ما تنص على أجل معين لسريانها ابتداء من إيداع الدولة الموقعة لصك التصديق، فإذا ما صدر مرسوم النشر بعد مضي المدة المنصوص عليها في المعاهدة، فذلك يؤدي إلى تطبيقه بأثر رجعي ([74]). وهكذا، وبمجرد دخول الاتفاقية في النظام القانوني الداخلي يمكن للقاضي تطبيق أحكامها رجعيا من تاريخ دخولها حيز التنفيذ على المستوى الدولي، ويضمن هذا الحل سد إحدى الثغرات الأساسية الناجمة عن التأخر في نشر الاتفاقية، مما يسمح للأفراد بالنتيجة بإثارة بنودها في مواجهة الأعمال الإدارية الصادرة قبل النشر وبعد دخولها حيز النفاذ على المستوى الدولي ([75]).

غير أن هذا الموقف، كان محل تراجع، فقضى مجلس الدولة بأنه “وتطبيقا لمقتضيات البند K من العهد الاجتماعي الأوروبي، المعدل، والذي دخل حيز النفاذ بتاريخ ١ جويلية ١٩٩٩، هذا التاريخ يتعلق فقط بالآثار التي تولدها هذه المعاهدة على المستوى الدولي، ولا ينبغي خلطه مع دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في النظام الداخلي، الذي يرتبط، طبقا للمادة ٥٥ من الدستور، بنشرها” ([76]).

أثار الفقه إشكالية نشر المعاهدات والاتفاقيات الدولية في ظل النظام القانوني الداخلي الجزائري، رغم عدم وجود نص صريح في الدستور الجزائري يوجب نشر المعاهدة أو الاتفاقية لاندراجها ضمن القانون الداخلي فالمادة ١٥٤ من الدستور ترمي إلى أن المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون. إن الدستور الجزائري، ببساطة، لا يتطلب النشر. غير أن بعض الفقهاء استدلوا بورود النص على هذا الشرط ضمن قرار شهير للمجلس الدستوري الجزائري ([77]). ومن أبرز ما ورد في هذا القرار أنه “ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها، تندرج في القانون الوطني، وتكتسب بمقتضى المادة ١٢٣ من الدستور سلطة السمو على القوانين، وتخول كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية، وهكذا الشأن خاصة بالنسبة إلى ميثاق الأمم المتحدة لسنة ١٩٦٦ المصادق عليه بالقانون رقم ٨٩- ٠٨ المؤرخ ٢٥ أبريل سنة 1989 الذي انضمت الجزائر إليه بمرسوم رئاسي رقم ٨٩- ٦٧ المؤرخ في ١٦ مايو سنة ١٩٨٩ (…)”.

من حيث المبدأ، نلاحظ أن المجلس الدستوري أضاف شرطا لم ينص عليه الدستور نفسه وهو شرط نشر الاتفاقية الدولية، عقب التصديق عليها، لتندرج ضمن النظام القانوني للدولة وتكتسب مكانة تعلو القانون. إن دور المجلس الدستوري ليس تعديل أحكام الدستور بل تفسيرها ورقابة تطبيقها.

وفي تسبيبه، استند المجلس الدستوري على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المشار له خطأ في متن قراره بمصطلح “الميثاق”) والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب المصادق عليهما من طرف الجزائر. ولم ينتبه القاضي الدستوري أن النصين الدوليين الذين عزز بهما تأسيسه القانوني لم يكونا في حد ذاتهما منشورين وقت صدور قرار المجلس الدستوري. وهنا المفارقة.

ولعل الفرصة كانت سانحة للمؤسس الدستوري، أكثر من مرة، لإضافة هكذا شرط في التعديلات المختلفة التي عرفها دستور ١٩٩٦، وآخرها التعديل الدستوري للعام ٢٠١٦ المشار له أعلاه.

إن مسألة نشر أحكام المعاهدة الدولية كشرط لدخول المعاهدة حيز النفاذ غير واردة ولا أثر لها في الدستور الجزائري.

دونما شك، المبدأ الدستوري واضح في أنه لا يعذر أحد بجهل القانون. وأن القوانين تطبق في تراب الجمهورية ابتداء من يوم نشرها في الجريدة الرسمية. وتكون نافذة، وفقا لما ورد في أحكام المادة ٠٤ من القانون المدني، المطبقة في هذا الشأن. لكن، هل يمكن الاستناد إلى أحكام المادة ٠٤ من القانون المدني، لاعتبار نشر مضمون الاتفاقيات الدولية شرطا ملزما لتطبيقها؟ الجواب سيكون حتما بالنفي. ويبرر هذا الجواب اعتبارين أحدهما قانوني والآخر عملي:

أما الاعتبار القانوني فيتعلق بعدم إمكانية الاحتجاج بنص قانوني عادي يضيف شرطا لم يورده النص الدستوري نفسه، كما لا يمكن السماح بتعطيل تطبيق التزام دولي بإضافة شرط لم ينص عليه الدستور ذاته. إن الدولة، بكل سلطاتها، مسؤولة عن تطبيق التزاماتها الدولية، وفقا لمبدأ حسن النية.

وبخصوص الاعتبار العملي، فكون العديد من الاتفاقيات الدولية، لا سيما تلك المتعلقة منها بحقوق الإنسان، لم تقم الجزائر بنشرها في الجريدة الرسمية، وهو ما يجعلها تفلت من التطبيق، الأمر الذي يشكل خطرا من شأنه تحريك مسؤولية الدولة الدولية في حال رفض القاضي الوطني تطبيقها استنادا لحجة عدم نشر أحكامها. كما أن الواقع، اليوم، يؤكد أن النشر بهدف الإعلام أصبح حجة كلاسيكية في ظل تطور وسائل تنقل المعلومات عبر العالم وتدفقها اللامحدود.

يمكننا أن نخلص في هذا الصدد، أن إجراء النشر على المستوى الداخلي للمعاهدات الدولية لم يحظ بتعامل موحد ونهج متسق من قبل القضاء الوطني للدول. فبينما تشترط بعض دساتير الدول موجب نشر الاتفاقيات الدولية (كالدستور الفرنسي) فقد أغفلت بعض الدساتير الدول الأخرى (كالدستور الجزائري) التنصيص على هذا الشرط، مما أدى لخلق نوع من المرونة في رقابة المحاكم الوطنية على هذا الشرط. والحقيقة أن هناك عدة اعتبارات قانونية وعملية يمكن الارتكاز عليها للقول إن هذا الشرط الكلاسيكي قد عفا عنه الزمن لا سيما بالنظر إلى التطور التكنولوجي الحاصل بما ينتفي معه أي اعتذار بجهل القانون الدولي الاتفاقي على وجه الخصوص.

المطلب الثالث

مراقبة شرط المعاملة بالمثل La réciprocité

حسب المادة ٥٥ من الدستور الفرنسي، فسمو الاتفاقيات الدولية على القانون مرهون بمبدأ المعاملة بالمثل. ولفحص مدى توافر هذا الشرط، يرجع القاضي إلى وزير الخارجية ([78]) كون الأمر يتعلق بعلاقات سياسية فيما بين الدول، وبالتالي لا يتعلق بمسألة تفسير قانونية بحتة، يختص بهاالقاضي وحده ويثيرها من تلقاء نفسه، إنما هي مسألة واقع، تتم إحالتها إلى الوزير ليس بغرض تفسيرها ولكن كإجراء تحقيقي لدى الوزير نفسه، وبالتالي فهي مسألة أولية.

كما أن غياب شرط المعاملة بالمثل لا يفقد الاتفاقية الدولية، بالضرورة، قيمتها القانونية داخل النظام القانوني للدولة كما أكد على ذلك المجلس الدستوري الفرنسي ([79]).

ورغم نص الدستور الفرنسي على شرط المعاملة بالمثل لسمو الاتفاقية الدولية، إلا أنه وفي حالات خاصة، لا يكون لهذا المبدأ أي معنى لما يتعلق الأمر مثلا بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وكذلك الأمر بالنسبة للاتفاقيات المؤسسة للاتحاد الأوروبي. فلهذه المعاهدات أثر مباشر ([80]) كون الدول التزمت بتطبيقها لكل الأشخاص المتواجدين بإقليمها. وهكذا، استبعد مجلس الدولة الفرنسي، شرط المعاملة بالمثل لما يتعلق الأمر بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ([81]). كا أن المجلس الدستوري، استبعد تطبيق هذا الشرط لما تعلق الأمر بالاتفاقية المتعلقة بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ([82]).

وبعبارة مركزة، لا محل لمراقبة القاضي لشرط المعاملة بالمثل، حال تطبيقه لاتفاقيات دولية تتعلقبحقوق الإنسان، أو يتعلق موضوعها بإنشاء ميكانيزمات قضائية تضمن الحقوق الأساسية لحماية الإنسان ضد الانتهاكات الجسيمة كالمحكمة الجنائية الدولية.

محكمة النقض الفرنسية، اعتبرت في أحد قراراتها ([83]) أن شرط المعاملة بالمثل، يعتبر قائما بقرينة غير قابلة لإثبات العكس (irréfragable)، طالما أن الحكومة لم تتخذ المبادرة بإعلان وقف تطبيق اتفاقية دولية.

أما مجلس الدولة الفرنسي، ومنذ قرار Rekhouالمشار إليه أعلاه، فلم يعتمد معيار القرينة غير القابلة لإثبات العكس. فنجده لا يفحص شرط المعاملة بالمثل من تلقاء نفسه (d’ office)وإذا ما أثار الأطراف ذلك فإنه يعتبر ذلك مسألة أولية يحيلها إلى وزير الخارجية، الذي يحدد ما إذا كان شرط المعاملة بالمثل محترما. إن النتيجة المنطقية لذلك، هي ارتباط قرار حل النزاع من طرف القاضي الإداري بقرار وزير الخارجية، وفي ذلك تجاوز لاستقلالية القاضي الإداري.

في آخر تحولات مجلس الدولة الفرنسي، صدر بتاريخ ٠٩ جويلية ٢٠١٠ قرار “السيدة سعادبنصغير ([84]) والذي أنهى من خلاله موقفه القديم بإحالة مسألة مراقبة شرط المعاملة بالمثل إلى وزير الشؤون الخارجية. فلأول مرة في تاريخه، صرح مجلس الدولة باختصاصه السيادي المطلق بمراقبة شرط التطبيق المتبادل للاتفاقيات الدولية (مبدأ المعاملة بالمثل)، ضمانا للمحاكمة العادلة. وهكذا، من الآن فصاعدا، يختص القاضي الإداري، بفحص شرط التطبيق المتبادل لالتزام دولي ما دون الحاجة للرجوع إلى وزير الشؤون الخارجية.

هذا التحول في موقف مجلس الدولة يعود في حقيقة الأمر إلى قرار صدر عن مجلس الدولة ([85]) أدينت بسببه فرنسا من طرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ([86]) لانتهاكها حق المحاكمة العادلة التي تضمنه المادة ٠٦ فقرة ٠١ من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

بالنسبة لوقائع قضية “السيدة بنصغير“، فهاته الأخيرة من جنسية فرنسية، وبموجب المادة ٠٥ من الإعلان الحكومي ل ١٩ مارس ١٩٦٢ المتعلق بالتعاون الثقافي بين الجزائر وفرنسا ([87]): فإن الرتب العلمية والشهادات التعليمية الممنوحة في الجزائر وفي فرنسا، في إطار نفس شروط البرامج التعليمية والامتحانات، تكون نافذة بقوة القانون في كلا البلدين. السيدة بن صغير، تحصلت على دبلوم بدرجة (دكتور في الطب) سنة ١٩٩٧ من طرف المعهد الوطني للتعليم العالي في العلوم الطبية بوهران. تقدمت بطلب لإدراج اسمها في قائمة منظمة الأطباء؛ فقوبل طلبها بالرفض من طرف المجلس الإقليمي لمنظمة الأطباء(le Conseil départemental de l’ordre des médecins) فلجأت بالطعن ضد قرار الرفض إلى المجلس الجهوي، ثم المجلس الوطني لمنظمة الأطباء، لكن دون جدوى. فتقدمت بطعن بتجاوز حد السلطة ضد قرار المجلس الوطني المؤرخ في ١٩ مارس ٢٠٠٨، والذي كان مسببا كما يلي: (بأن شهادة الدكتوراه في الطب، التي تحوزها العارضة، ليست نافذة بقوة القانون في فرنسا. ففي إطار اتفاقيات إيفيان المبرمة بين الجزائر وفرنسا، التزم البلدان باعتبار الرتب والشهادات الممنوحة بتوافر نفس البرامج الدراسية والامتحانات، نافذة بقوة القانون وفي كلا البلدين وهذا بموجب أحكام المادة ٠٥ المشار إليها أعلاه. وأسس المجلس الوطني قراره برفض طلب السيدة بن صغير على أن مقتضيات المادة 05 لم تكن محل تطبيق متبادل في الجزائر، طبقا للمادة ٥٥ من الدستور الفرنسي، وبالنتيجة فمقتضيات اتفاقية ١٢ مارس ١٩٦٢ تستبعد من التطبيق).

حال فصله في الطعن، أكد مجلس الدولة الفرنسي على أنه ولئن كانت أحكام المادة ٥٥ من الدستور، تنص على أن المصادقة النظامية على المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية ونشرها يجعلها تسمو على القانونشرط مراعاة التطبيق المتبادل من الأطراف الأخرى؛ أي مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل، فإن عدم تطبيق أحكام الاتفاقية من الطرف الأخر يؤدي فقط إلى عدم اعتبار هذا الالتزام الدولي ساميا على القانون. وهكذا، فعدم المعاملة بالمثل تجعل منزلة المعاهدة الدولية التي كانت تسمو على القانون تتقهقر في الرتبة،فتصبح بذلك، قاعدة قابلة لتطبيقها، لكن بدرجة أقل من القانون.

بعبارة أدق، فإن معاينة الإخلال بشرط المعاملة بالمثل، في تطبيق أحكام الاتفاقية الدولية لا يفقدها طبيعتها كقاعدة قانونية قابلة للتطبيق. غاية ما في الأمر، أن القانون في هذه الحالة يسمو على الاتفاقية الدولية. إن الإخلال بالتطبيق المتبادل لاتفاقية دولية يجعلها أدنى مرتبة من القانون.

إن تفسير مجلس الدولة هذا، يجعل شرط المعاملة بالمثل هو معيار سمو (علوية) الاتفاقية الدولية على القانون الوطني، وبغيابه ينقلب مركز الاتفاقية داخل النظام القانوني للدولة.

اعتمد مجلس الدولة الفرنسي، في هذا القرار “التاريخي” على أسس دستورية وأخرى مصدرها القانون الدولي العام. فالفقرة ١٤ من ديباجة دستور ١٩٤٦، تقرر بأن الجمهورية الفرنسية، وفية لتقاليدها، بما يتوافق والقانون الدولي العام. كا أن قواعد القانون الدولي العام تقرر بأنه: “يجب تنفيذ الاتفاقيات الدولية السارية في حق أطرافها، بحسن نية” ([88]).

وأكد مجلس الدولة أيضا، من خلال هذا القرار، على أن: “القاضي الإداري، متى أثيرت أمامه وسيلة مستمدة من أن قرارا إداريا أخطأ في التأسيس على التحفظ الوارد في المادة ٥٥ من الدستور، سواء باستبعاده تطبيق مقتضيات التزام دولي، أو بتطبيقها، يختص بمراقبة شرط التطبيق المتبادل للاتفاقية هل تم استيفاؤه من عدمه”.

وبالرجوع إلى قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي يشكل الخلفية الفلسفية لقرار “السيدة بنصغير” الصادر عن مجلس الدولة، نجد أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت أن القاضي الوطني سيد وأن سلطته تقتضي أن “لا يقيد نفسه” برأي وزير الخارجية، في مسألة التطبيق المتبادل لاتفاقية دولية. كما أنه، يتعين على القاضي الوطني، أن يمارس اختصاصه الكامل في حسم النزاع، وأن يأخذ بعين الاعتبار، حال فحصه شرط التطبيق المتبادل لاتفاق دولي ما، العناصر الواقعية والقانونية المقدمة من قبل طرفي النزاع. وكذلك يتعين عليه، احترام أحكام المادة ٠٦- ١من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تضمن حق المحاكمة العادلة، بأن يطرح مسألة التطبيق المتبادل للاتفاقية في “مناقشة وجاهية”.

ساير مجلس الدولة الفرنسي توجه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فجاء في إحدى حيثيات قرار “السيدة بن صغير” أن: “القاضي الإداري، لدى ممارسته لسلطات التحقيق في المنازعة الإدارية، يتلقى عرضا بملاحظات وزير الشؤون الخارجية، وعند الاقتضاء، يمكن للدولة أن تعرض ملاحظاتها في مناقشة وجاهية، وبعدها يعاين مدى كفاية عناصر الواقع والقانون ليستخلص من مجموع إجراءات التحقيق بأنواعها هل هي كافية لتوافر شرط التطبيق المتبادل للاتفاقية من عدمه”، وانتهى مجلس الدولة الفرنسي إلى أنه: “لم يثبت لا من وثائق ملف القضية ولا من جلسة التحقيق، وجود رتب أو شهادات في الطب ممنوحة في فرنسا، بنفس شروط مناهج التعليم والامتحانات، لم تعتبر نافذة بقوة القانون في الجزائر”. وبذلك، فشرط التطبيق المتبادل للاتفاقية قائم طالما لم يثبت هذا العكس، وبالتالي يتعين إبطال قرار المجلس الوطني لمنظمة الأطباء”.

نستخلص من هذا القرار أن مجلس الدولة، افترض قرينة “التطبيق المتبادل للاتفاقية” إلى حين إثبات العكس. غير أن إثبات هذا العكس، لا يكون إلا من خلال مناقشة وجاهية يضمن فيها حق الدفاع والمساواة في الأسلحة. فيتعين على الدولة تقديم الدليل على “عدم التطبيق المتبادل للاتفاقية” وفي الوقت نفسه للطرف الآخر دحض ذلك بالدليل العكسي أو تقديم الإشارة على وجود هذا الدليل ليستكمل القاضي البحث عنه، بموجب الدور الإيجابي المنوط به. وفي الأخير يفصل القاضي، بكل سيادة، في مسألة توافر شرط المعاملة بالمثل من عدمه، دون التقيد بما قد يبديه وزير الخارجية.

وبالنسبة للجزائر، شرط المعاملة بالمثل لم ينص عليه الدستور الوطني ([89]). ومتى أثير أمامالقاضي الوطني، فيتعين عليه، من حيث المبدأ، استبعاده من النقاش ([90]). وبالتالي، فالإشكال المتعلق بمدى سلطة القاضي الوطني واختصاصه بتقدير وجود تطبيق متبادل للاتفاقية، ومدى مساس ذلك بمبدأ فصل السلطات، لا محل له في الدستور الجزائري الذي لم يتناول أصلا ولم يشر لمبدأ المعاملة بالمثل كأساس لاستبعاد أو تطبيق الالتزامات الدولية، كما لم نعثر في الاجتهاد القضائي الجزائري على ما يفيد في هذا الشأن.

المطلب الرابع

مراقبة شرط الأثر المباشر والقابلية للاحتجاج

من حيث المبدأ، الأثر المباشر لاتفاقية دولية ما، هو وليد إرادة الأطراف المتعاقدة. وقد تظهر هذه الإرادة، بشكل صريح، كما هو الحال في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (المادة الأولى).

يعبر عن مفهوم الأثر المباشر بعدة مصطلحات؛ القابلية للتطبيق المباشر l’applicabilité directe ويوصف بطابع التطبيق- التلقائي caractère exécutoire أو ذاتية التطبيق Self- executing. ويقصد بالأثر المباشر فتح الإمكانية للمتقاضي لإثارة القاعدة الدولية والاحتجاج بها مباشرة أمام القاضي الوطني، دون الحاجة لتبني إجراء مسبق لتنفيذها في النظام القانوني الداخلي. فبعد تأكد القاضي من استقبال المعاهدة على المستوى الداخلي عبر تقنية التصديق أو غيرها، يبحث في نية الأطراف في منحها أثرا تطبيقيا مباشرا من عدمه، ثم يفحص مدى قابلية قواعدها للتطبيق المباشر بمعاينة الطابع الكامل والدقيق للقاعدة المعنية.

مع ذلك، فعادة ما تتضمن الاتفاقيات الدولية بنودا ومصطلحات غامضة، تلتزم بموجبها الأطراف المتعاقدة باحترام الحقوق المقررة، وليس بتقرير حقوق للأفراد، وهو ما يبعث على الاعتقاد بأنه مجرد التزام دولي على الدولة وليست قاعدة ذات تطبيق مباشر في القانون الداخلي. وكان الاجتهاد القضائي في السابق يمنح اهتماما كبيرا لصياغة بنود المعاهدات كتلك التي تبتدئ بصياغة أن “الدول تلتزم.. “les Etats s’engagent أو أن “الدول تسهر على ضمان..“les Etats veillent à

إن غموض العمل التعاقدي، لتلك الدول، يمنح الإمكانية للقاضي للتدخل عبر تقنيات التفسير. وهكذا، وفي العديد من الفرضيات، فدقة البنود التعاقدية من شأنها رفع اللبس حول مدى تطبيقها مباشرة. فكلما كانت القاعدة واضحة ودقيقة كلما اعترف لها القضاة، تلقائيا، بما لأثر المباشر. ويصبح كل هذا من السهل قبوله في ظل وجود قاعدة، احترامها، لا يتطلب سوى امتناع من جانب الدولة المتعاقدة، وكلما كان توفير الوسائل من جانب السلطات العامة ضروريا.

دون شك، هذا ما يفسر أن الجهات القضائية الفرنسية اعترفت بالأثر المباشر للعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، في حين رفضت ذلك، بوجه عام، بالنسبة لعهد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي جاء بعبارات في شكل أهداف قصد التحقيق. وبالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يجب الفحص حالة بحالة، ما إذا كانت البنود التعاقدية الدولية جاءت بشكل دقيق وكاف لتصبح قابلة للتطبيق المباشر؛ وهذا ما جعل مجلس الدولة الفرنسي، يتراجع، ويعترف بالأثر المباشر للمادة ٢٤ من الميثاق الاجتماعي الأوروبي. (C. E. 10 février 2014Décision n °358992). ومع ذلك، من الخطأ الاعتقاد بأنه يعترف لكل أحكام الميثاق بذات الأثر. وقد طبق مجلس الدولة في هذا القرار الاجتهاد الذي سبق وأن خرج به في قرار GISTI- FAPIL الذي سجل انعطافا نحو تليين شروط الساح بالأثر المباشر لاتفاقية دولية ([91]).

هذا القرار أكد على أن “بنود المعاهدة أو الاتفاقية الدولية، المندرجة نظاميا في النظام القانوني الداخلي، وفقا لمقتضيات المادة ٥٥ من الدستور، يمكن الاستفادة منها وإثارة تطبيقها سواء بطلب إبطال عمل إداري أو استبعاد تطبيق قانون أو تنظيم إداري لا يتوافق مع القاعدة القانونية الدولية، وبالنتيجة فتلك القواعد عندما تنشئ حقوقا للأفراد يمكنهم، مباشرة، تغليبها”. ويضيف القرار معتبرا بأنه “وباستثناء حالات المعاهدات التي أعلنت فيها محكمة العدل للاتحاد الأوروبي، اختصاصها المانع لتحديد أثرها المباشر، فبنود أي اتفاقية دولية يتعين على القاضي الإداري أن يقر لها بالأثر المباشر، بعد مراعاة النية الصريحة للأطراف المتعاقدة وللاقتصاد العام للمعاهدة المثارة وبالنظر كذلك لمضمونها ومصطلحاتها، عندما لا يكون هدفها الحصري هو: تنظيم العلاقات بين الدول، ولا تحتاج لتدخل أي عمل قانوني مكمل لتوليد آثارها تجاه الخواص؛ كما أن غياب أحد الآثار لا يمكن استنتاجه من الظرف الوحيد؛ بالقول إن البند يخاطب الدول المتعاقدة كأطراف في الالتزام الذي ينص عليه” ([92]).

وبذلك، يمكننا القول، إن البند الاتفاقي الدولي، لكي يكون ذا أثر مباشر، يجب أن يستجمع معيارين ([93]):

  • معيار ذاتي: بأن حكم البند الدولي لم يأت، حصرا، لتنظيم أو حكم العلاقات بين الدول. وأن يكون، بالنتيجة، قد أنشأ حقوقا شخصية لفائدة الخواص؛
  • معيار موضوعي: بعدم وجود أي عمل قانوني، ضروري، لتطبيق البند، وهذا باستعمال صيغة فعل الإلزام“requérir”: وهو ما يعني أنه لا يكفي أن يحيل البند إلى سن عمل قانوني وطني معين للاستبعاد الآلي للأثر المباشر([94]).

وبالرجوع لقرار GISTI لمجلس الدولة ([95]) الصادر في ١١ أفريل ٢٠١٢ فجمعية المعلومات ومساعدة الأجانب(groupement d’ information et de soutien des immigrés)طلبت من مجلس الدولة إبطال المرسوم ٩٠٨- ٢٠٠٨ الصادر في ٠٨ سبتمبر ٢٠٠٨ المتعلق بشروط البقاء في الإقامات للمستفيدين من حق السكن اللائق والمستقل، المتخذ تطبيقا لقانون ٠٥ مارس ٢٠٠٧، الذي أنشأ المادة R. 300- 2 من قانون السكن والعمران code de la construction et de I’habitation للأجانب الآخرين غير الحائزين على بطاقة مقيم أو سند إقامة ممنوح بموجب المعاهدات والاتفاقيات الدولية، تمنحهم حقوقا تعادل تلك المخولة بموجب بطاقة المقيم، بإثبات إقامة لمدة سنتين متتاليتين في فرنسا تحت عنوان إحدى الفئات الخمس لسندات الإقامة والتي تم تجديدها مرتين على الأقل. ويقصى من هاته القائمة بطاقة الإقامة المؤقتة التي تحتوي على إشارة “طالب tudianté” أو “أجير في مهمة “salarié en mission وبطاقة الإقامة ل “الكفاءات والمواهب “compétences et talents، وحسب منظمة GISTIفالمرسوم يخرق المادة ٦- ١ من الاتفاقية الدولية للعمل رقم ٩٧ المؤرخة في ٠١ جويلية ١٩٤٩ المتعلقة بالعمال الأجانب ([96])، كونه يؤسس الاستفادة من حق السكن على الإقامة الدائمة في فرنسا ويميز ضد ثلاث فئات من الأجانب.

مجلس الدولة أقر بعدم شرعية المرسوم معتبرا بأن الأحكام المثارة من الاتفاقية الدولية للعمل كافية، للتطبيق، بحد ذاتها. والمرسوم المهاجم- المنتقد- لا يتوافق وهذه الأحكام. فضلا على أن التميز في معالجة الوضعيات المختلفة، المتولدة عن هذا المرسوم، لا يجد له مبررا لا في المصلحة العامة ولا في تمايز الوضعيات بالنظر لشرط استمرار الإقامة بين الأشخاص الحائزين على بطاقة الإقامة المقصيين من المادة R. 300- 2 من قانون السكن والعمران وبين أصحاب سندات الإقامة ممن يدخلون في مجال تطبيق المادة. وهكذا فالمرسوم المنشئ للمادة R. 300- 2 يخرق مبدأ المساواة لما يقصي من الحق في السكن ثلاث فئات من حائزي سندات إقامة (بطاقات الإقامة المؤقتة التي تحوي على إشارة “طالب”، “أجير في مهمة” وبطاقة الإقامة “للكفاءات والمواهب”). بالنتيجة، أبطل مجلس الدولة المادة الأولى من مرسوم ٢٠٠٨ الذي أنشأ المادة R. 300- 2 على أن يسري هذا الإبطال من تاريخ ٠١ أكتوبر ٢٠١٢.

وهكذا، يكون مجلس الدولة من خلال قرار GISTI ل ١١ أفريل ٢٠١٢، قد أعطى لمفهوم الأثر المباشر للمعاهدات، بعدا أكثر ليبيرالية وتحررا. كما نلمس من خلال خلاصات المقرر العام السيدة Gaëlle Dumortier في هذا القرار، اقتراح هذه الأخيرة فصل مفهوم الأثر المباشر عن مفهوم قابلية الاحتجاج l’invocabilité بالاتفاقية. وهذا ما لم يسايره مجلس الدولة متمسكا بالعقيدة القضائية القديمة الراسخة لديه.

الحل الذي اقترحه ودافع عنه المقرر العام لدى مجلس الدولة، هو التمييز بين محل المسألة هل هو بند تنظيمي، تشريعي أو قرار فردي. ومن ناحية عملية، يجب فصل الأثر المباشر عن الاحتجاج في الحالتين الأولى والثانية فقط. فالفكرة، إذن، هي التسليم بأن كل اتفاقية، يحتج بها دائما toujours invocable، في مواجهة أي بند تشريعي أو تنظيمي. وبعبارة أخرى، فالاتفاقية قابلة للاحتجاج بها دائما، حتى ولو لم تتمتع بالأثر المباشر، في مواجهة النصوص التشريعية أو التنظيمية. وبالمقابل، في حال تعارض معاهدة مع عمل إداري فردي، فلا يحتج بها إلا إذا استجمعت المعيارين السابق ذكرهما معا؛ أي إذا كان لها أثر مباشر.

خلاصة الفكرة، في عبارة مركزة، أن الاتفاقية الدولية قابلة للاحتجاج بها سواء أكانت ذات أثر مباشر أملا في مواجهة الأحكام التشريعية أو التنظيمية. وفيما يتعلق بالقرارات الفردية، فلا يمكن الاحتجاج بالاتفاقية الدولية في مواجهتها إلا إذا كانت ذات أثر مباشر.

أثار المقرر العام العديد من الحجج لدفع الاجتهاد القضائي الإداري لهذا الحل التركيبي بين الأثر المباشر وقابلية الاحتجاج. لكن خشية القاضي الإداري من توسيع باب الاحتجاج بالقانون الدولي، بما يؤدي للاعتراف، في حالات عدة، بإمكانية الاحتجاج بالمعاهدات التي ليسلها أثر مباشر، قد يضعف دور الدستور كقاعدة مرجع أساسية. لكن، وحسب Gaëlle Dumortier، فوجود المسألة ذات الأولوية الدستورية، حاليا، تسمح للقواعد الدستورية بالحفاظ على كل مكانتها. ومن جهة أخرى، فالقاضي الإداري الفرنسي، منذ العام ١٩٨٩، قد طور سلطاته في مادة الرقابة على تطبيق الاتفاقيات الدولية؛ فمارس، كما سنرى لاحقا، سلطته في تفسير الاتفاقيات الدولية، ومراقبة شرط المعاملة بالمثل، والرقابة على مجموع شروط نظامية اندراج المعاهدة في النظام الداخلي، وكذلك، مؤخرا، مراقبة التنازع بين المعاهدات الدولية. فأصبح القاضي الوطني، شيئا فشيئا، خبيرا في مادة القانون الدولي، مستعملا في ذلك كل الأدوات الضرورية لممارسته الرقابية. من هنا جاء اقتراح المقرر العام لهذا الحل الأكثر جرأة، في مسألة قابلية الاحتجاج والأثر المباشر. لكن القاضي الإداري الأعلى في فرنسا، خشي إحداث صدمة للإدارة، التي يراقبها، بإلزامها باحترام عدد هائل من بنود الاتفاقية الدولية.

إذن، مجلس الدولة لما صرح بأنه لا يمكن الاحتجاج بغير المعاهدات التي تنشئ حقوقا للأفراد بإمكانهم إثارتها مباشرة”، يكون قد كرس موقفه التقليدي: بعدم إمكانية الاحتجاج إلا بالمعاهدات التي لها أثر مباشر. هنا تظهر، وبشكل ملموس، المزاوجة بين مفهومي الأثر المباشر وقابلية الاحتجاج. وبذلك لم يساير مجلس الدولة موقف المقرر العام، الرامي إلى التسليم، آليا، بقابلية الاحتجاج بالمعاهدات الدولية في مواجهة البنود التنظيمية أو التشريعية؛ حتى ولو لم يكن لتلك المعاهدات أثر مباشر. فما الذي دفع مجلس الدولة للحفاظ على موقفه هذا؟

الحقيقة، هناك سببان يفسران موقف مجلس الدولة المحافظ في قرار GISTI ل ١١ أفريل ٢٠١٢ بخصوص هاته المسألة. فالقاضي الإداري استند على الطبيعة التعاقدية للمعاهدات الدولية واعتبر أنه، بغياب الأثر المباشر، فالأفراد يجدون أنفسهم في مركز “الغير” أمام هذه “العقود“contrats، وهذا ما يفسر عدم إمكانهم إثارتها مطلقا. لكن السبب الرئيسي، دون شك، هو الخوف الذي ولدته الحركية التي أثرت على الاجتهاد القضائي في مادة التوجيهات الأوروبية المشتركة. في الواقع، وبعد التسليم بعدم قابلية الاحتجاج بتوجيه أوروبي في مواجهة عمل إداري فردي ([97])، أقر القاضي الإداري، بسرعة، بقابلية الاحتجاج بإحلال التوجيهات الأوروبية. وبعبارة أخرى، يمكن، بمناسبة منازعة عمل إداري فردي، إثارة التناقض بين قواعد (القانون، التنظيم، الاجتهاد) التي يستند عليها هذا العمل الإداري الفردي، وبين التوجيهات الأوروبية المشتركة. بهذه الفكرة، تم إفراغ قرار Cohn Bendit من كل محتواه. تخوفات مجلس الدولة، إذن، تتمركز في حقيقتها حول أن القبول بإمكانية الاحتجاج، الآلي، بالاتفاقيات في مواجهة الأعمال التنظيمية أو التشريعية الذي يمكن أن يؤدي إلى حركية قضائية شبيهة بتلك التي أثرت على التوجيهات الأوروبية؛ أي قابلية الاحتجاج بالاتفاقيات الدولية التي ليسلها أثر مباشر، في مواجهة عمل إداري انفرادي، متى كان مؤسسا على قاعدة وطنية تنظيمية أو تشريعية مخالفة للاتفاقية.

وبالرجوع إلى ما كتبه البروفيسور Denys Simon حول قانون الاتحاد الأوروبي فإن “الأثر المباشر (…) مرتبط بالحالة القصوى للمعيارية normativité وبقابلية التطبيق القضائي justiciabilité في النظام الداخلي” ([98]). بهذه الحالة المعيارية، تولد القاعدة الدولية آثارها في مواجهة الأفراد، وتسمح لهم بالدفع بها أمام الجهات القضائية. لكن، القاعدة الدولية يمكن أن تولد آثارا أخرى. تعرف في ظل قانون الاتحاد الأوروبي بالآثار “التنزيلية “descendantفالأفراد يمكنهم مطالبة الدولة باحترامها. في حين يقصد بالآثار “الصاعدة “ascendantsتلك التي يمكن للدولة فرضها على الأفراد. أما الآثار “الأفقية “horizontauxفتلك التي يكون عبرها للقواعد الدولية آثار فيما بين الأفراد.

وحسب السيدة Gaëlle Dumortier، فإن مسألة الأثر l’effet direct يمكن النظر إليها على أنها منفصلة عن مسألة القابلية للاحتجاج l’invocabilité. وبعبارة أخرى، حتى ولو لم يكن للقاعدة الأوروبية أثر مباشر فيمكن، للأفراد، الاحتجاج بها أمام القاضي الوطني في حالة خرقها، وترتيب الجزاء عن ذلك.

ورغم عدم إمكانية إحلال القواعد الأوروبية- غير المتمتعة بالأثر المباشر- مكان القواعد الوطنية، فإنه يمكن الاحتجاج أمام القاضي ب: تفسير القاعدة، التعويض عن النتائج الضارة من جراء خرق القانون الأوروبي واستبعاد تطبيق القاعدة الوطنية المخالفة ([99]).

وهكذا، يمكن أن يطلب من القاضي تفسيرها بطريقة تجعل القانون الوطني يطابق القاعدة الدولية وهو ما يسمى ب “التفسير المطابق “interpretation conforme ([100])، أو طلب إصلاحالضرر (كالتعويض) الناتج عن عدم اتفاقية l’inconventionnalité قانون أو قرار ما وهو ما يسمى ب “احتجاج جبر الأضرار “invocabilité de réparation ([101])، أو باستبعاد القاعدة الداخلية غير المطابقة للاتفاقية ويسمى ذلك ب “الاحتجاج الاقصائي “L’ invocabilité d’ exclusion ([102]).

وبذلك، فالقواعد الأوروبية المشتركة، ملزمة كلها، بالاستقلال عن مضمونها، وبسموها على الأنظمة القانونية الوطنية، قابلة للاحتجاج بها أمام القاضي الوطني عبر أحد الأشكال السابقة: تعويضا، تفسيرا وإقصاء. ونشير هنا، إلى أن القواعد التي لها أثر مباشر تختلف عن تلك التي لا تتمتع به، في نقطة وحيدة وهي “الاحتجاج الحلولي “L’invocabilitéde subsitution ([103]) الذي لا يكون إلا في القواعد ذات الأثر المباشر ([104]).

إذن، وفي خلاصة مركزة، فالقواعد التي لها أثر مباشر قابلة للاحتجاج بها بكل الأشكال: الاحتجاج التعويضي، التفسيري، الإقصائي والحلولي. أما القواعد التي ليس لها أثر مباشر فتقبل كل أشكال الاحتجاج السابقة باستثناء الاحتجاج الحلولي.

عبر الثلاثين عاما الأخيرة، انتهى مجلس الدولة لتكييف هذه الحلول المختلفة “لضمان” التطبيق القضائي للتوجيهات الأوروبية المشتركة.

والسؤال الذي يبقى عالقا، لماذا لم يتخذ مجلس الدولة خطوة حاسمة لبقية قواعد القانون الدولي، غير الأوروبية، كما دعت إلى ذلك المقررة العامة في خلاصتها؟

من المفيد، هنا، الإشارة إلى أنه وبعد صدور قرار GISTI ل ١١ أفريل ٢٠١٢، نلاحظ تواجد المزيد من أحكام الاتفاقيات الدولية أو الاتفاقات الثنائية التي لا تولد أي أثر في القانون الداخلي، ولو بطريقة غير مباشرة ([105]). وهذا ما جعل الأمر محل نقد فقهي؛ وصل لحد التشكيك في دستورية هذا التوجه، خاصة أن أي اتفاقية دولية، مصادق عليها نظاميا، يجب أن تحترم من طرف كافة سلطات الدولة، وأن نزع كل قابلية “لتطبيقها قضائيا” يمس بمبادئ القانون الدولي وبالمبادئ الدستورية. ففي نطاق القانون الدستوري، قاعدة العقد قانون المتعاقدين “Pacta sunt servanda” ([106]) هي واحدة من قواعد القانون الدستوري التي تتبناها فرنسا بموجب الفقرة ١٤ من ديباجة دستور العام ١٩٤٦. ونفس الأمر تنص عليه المادة ٥٥ من الدستور، ومؤخرا قانون الاتحاد الأوروبي عبر المادة ٨٨- ١، التي أنشأت مبدأ “إلزام مختلف هيئات الدولة أن تسهر على تطبيق الاتفاقيات الدولية، حسب اختصاصها”، وهو ما كرسه أيضا المجلس الدستوري الفرنسي ([107]). وبموجب قرار Commune d’ Annecy لمجلس الدولة، أقر بأن “كل قاعدة أو مبدأ ذي قيمة دستورية له بالضرورة قوة معيارية وبالنتيجة “قابلية للاحتجاج به” ([108]).

أما في القانون الدولي، فيوجد “مبدأ التدخل الذاتي “allant de soi ([109]) الذي يعني أن “الدولة التي تعاقدت بالتزامات دولية، ملزمة بأن تدرج في تشريعها الداخلي، التعديلات الضرورية، لضمان تنفيذ تعهداتها” ([110]).

ولذلك، فحرمان بعض البنود من الاتفاقيات الدولية من كل قابلية للاحتجاج بها، يعني منع المواطن والقاضي من تطبيقها وإرجاع ذلك إلى مشيئة المشرع أو الحكومة. وهكذا، وعلى سبيل المثال، على مستوى القانون الدولي، فالبروتوكول الإضافي الملحق بالعهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعتمد في ١٠ ديسمبر ٢٠٠٨ يقرر للأفراد أو لجماعات الأفراد، بعد استنفاذ سبل الانتصاف (طرق الطعن) الداخلية، حق إخطار لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متى كانوا ضحايا انتهاكات للعهد. إن التصديق على هذا البروتوكول يجعل من الضروري تطوير الأمر نحو قابلية الاحتجاج ببنود هذا العهد أمام الجهات القضائية الداخلية. والمشكل نفسه مطروح حول الاتفاقية المتعلقة بحقوق الأشخاص المعاقين (التي صادقت عليها فرنسا في 31/ 12/ 2009)، لأن فرنسا أقرت في 18/ 02/ 2010 باختصاص اللجنة بمصادقتها على البروتوكول الاختياري.

هذه القابلية للتطبيق القضائي، لتلك النصوص الدولية، ضرورية للقاضي الإداري، على المستوى الوطني، كما ذهبت إلى ذلك محكمة النقض الفرنسية، منذ سنوات، لما أقرت بإمكانية الاحتجاج بالمادة ٦ و ٧ من العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ([111]).

بل وأثارت من تلقاء نفسها وجها بخرق المادة ٠٦ من العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ([112]).

إن حرمان بعض أحكام الاتفاقية الدولية من قابلية الاحتجاج بها، كان لأسباب براغماتية، مفادها: خطر التوسيع المعتبر لكتلة قواعد القانون الدولي، القابلة للاحتجاج بها أمام القاضي الوطني، ليس في مواجهة الأعمال التنظيمية فقط، ولكن القوانين أيضا. وقد أجابت المقرر العام في قضية GISTI ل ١١ أفريل ٢٠١٢، على هذه الحجة باعتباره أنه “من المستبعد أن تتخذ السلطات العمومية، يوميا، قرارات تخالف الاتفاقيات الدولية (…) فضلا على أن الدفع بعدم الاتفاقية ليس من النظام العام- أمام القاضي الإداري- وما يثار من مخالفات للاتفاقيات الدولية هي نفسها المتكررة”.

أخيرا، يبقى السؤال مطروحا، إلى متى سيبقى مجلس الدولة الفرنسي محافظا على هذا الاتجاه؟ لأنه في النهاية، لا مناص من التسليم بقابلية كل قواعد القانون الدولي للاحتجاج بها أمام القاضي الوطني.

وبخصوص موقف القضاء الوطني الجزائري، من مسألة الأثر المباشر للاتفاقيات الدولية، فيمكن إجمالا يمكن القول إن ما سبق من تحليل يمكن تطبيقه في الجزائر؛ فالمعايير التي اعتمدها القضاء الوطني الجزائري في تقرير الأثر المباشر لبنود الاتفاقيات الدولية شبيهة، إلى حد التطابق، بتلك التي اعتمدها مجلس الدولة الفرنسي، ويبدو ذلك جليا من خلال صياغة تلك المعايير في الأحكام القضائية الجزائرية التي تناولت المسألة.

وهكذا، أقر القضاء الجزائري، من جهته، للمادة ٠٧ من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بقابلية التطبيق المباشر على النزاع، مؤكدا “أن نص المادة ٠٧ من العهد، ولئن كان يخاطب الدول، كأطراف سامية متعاقدة، غير أنه يكرس في الآن ذاته حقوقا للأفراد، مما يجعل النص قابلا للتطبيق مباشرة على النزاع في قضية الحال؛ وأن نص المادة نفسها، لا تشير صراحة إلى إلزامية سن تشريع داخلي، لإنفاذ الحقوق التي تضمنتها، كما أن المحكمة لم تعاين وجود ضرورة فعلية لذلك” لتنتهي المحكمة إلى نتيجة مفادها “أنه يكفي لتطبيق البند الاتفاقي الدولي، ولو كانت صياغته تخاطب الدول، أن يكون النص لم يأت لينظم، حصرا، علاقات بين الدول. وأن يكون، بالنتيجة، قد أنشأ حقوقا شخصية لفائدة الأفراد، ولما كان نص المادة لا يحيل، على سبيل الإلزام والضرورة، إلى سن عمل تشريعي وطني لتطبيق أحكامه، ولما كانت أحكامه واضحة، بحد ذاتها، فالمحكمة تصرح بأثرها المباشر في النظام القانوني الوطني” ([113]).

كما ذهب القضاء الجزائري، إلى أن أحكام المادة ١٢ من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم ٩٥ لسنة ١٩٤٩ بشأن حماية الأجور، والمصادق عليها بموجب المرسوم الرئاسي الصادر بتاريخ ١٩ أكتوبر ١٩٦٢، التي تقرر بأن الأجور، بالمفهوم المنوه عنه بالمادة الأولى من ذات الاتفاقية، يجب أن تدفع بشكل دوري، على أن تحدد القوانين أو اللوائح الوطنية أو الاتفاقيات الجماعية أو قرارات التحكيم فترات دفع الأجور ما لم توجد ترتيبات مناسبة أخرى تكفل دفع الأجور على فترات منتظمة، “ذاتية التطبيق وذات أثر مباشر، لدقة ووضوح مضمونها، وبأن نص المادة قابل للتطبيق مباشرة على هذا النزاع، بل وأثارته تلقائيا من طرفها” ([114]).

كا اعترف القضاء الجزائري ([115])، خلافا للقضاء الفرنسي ([116])، بالأثر المباشر لحق الطفل المنفصل عن والديه أو عن أحدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصية واتصالات مباشرة بكلا والديه، إلا إذا تعارض ذلك مع مصالح الطفل الفضلى، طبقا للمادة ٠٩- ٠٣ من الاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل وجاء في متن الحكم بأنه “واعتبارا لصياغة أحكام المواد ٠٣- ١، ٠٩- ٣ و ١٢- ٢ من اتفاقية حقوق الطفل، وفضلا عن ترتيبها لالتزامات على عاتق الدول فقد أسست لحقوق مباشرة لصالح الأفراد بإمكانهم الاحتجاج بها دون الحاجة لإعادة صياغتها داخليا، فالمحكمة تصرح بقابليتها للتطبيق الفوري وأثرها المباشر في النظام القانوني الوطني”. وكذلك أقر للمادة ١٦ من اتفاقية حقوق الطفل بالأثر المباشر ([117]).

وقصارى القول، أيضا، أن المعايير التي تعتمدها مختلف الأنظمة القضائية الأخرى في مسألة الأثر المباشر للمعاهدات الدولية متشابهة؛ فالقضاء الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، قد خلص عبر اجتهاداته، إلى أن الأثر المباشر يعتبر تقنية قضائية ([118]) تهدف لضمان تطبيق وفعالية القانون الدولي الاتفاقي على المستوى الداخلي من خلال تمكين الأفراد من إثارة البنود التعاهدية، يعترف بها للبند الدولي بالنظر إلى الطابع الكامل: (الواضح، الدقيق وغير المشروط) للقاعدة الدولية ([119]) من جهة مع الأخذ بعين الاعتبار نية الأطراف السامية المتعاقدة ([120]). وهو ما عبر عنه القاضي Allan Rosas بالقول “أن بنود المعاهدات الدولية، التي تكون كافية الوضوح، الدقة وغير مشروطة، يمكنها توليد أثر مباشر ومنح الأفراد حقوقا بإمكانها الاحتجاج بها أمام المحاكم والسلطات الداخلية” ([121]).

ومن المفيد هنا، التأكيد على أن القضاء الوطني للدول قد استقل بتقدير الأثر المباشر للبنود الاتفاقية الدولية، بعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية في هذا المجال. فبعدما كانت السلطة التنفيذية المنوط بها إبرام المعاهدات الدولية هي من تقرر المعاهدات ذاتية التنفيذ، أضحى القضاء هو الفيصل في تحديد ذلك، وفي كل الحالات مع مراعاة نية أطراف المعاهدة.

الخاتمة

تناولت هذه الدراسة، بالأساس، ملامح أفول نظرية أعمال الحكومة في مادة الرقابة على الاتفاقيات الدولية، لدى تطبيقها على المستوى الداخلي. وهكذا، عالجنا في البداية، مدى سلطة القاضي الوطني في مراقبة صحة إجراءات التصديق على المعاهدة. تقليديا، كانت هاته الفكرة مرفوضة استنادا إلى نظرية أعمال السيادة، التي من المستقر فيها أن القاضي يمتنع عن مراقبتها احتراما لمبدأ فصل السلطات. غير أنه، في ٢٠ أكتوبر ١٩٨٩ صدر قرار Nicoloالشهير، ومعه بدأ الفقه الفرنسي يستشعر ملامح تطور في اتجاهات مجلس الدولة يستهدف تأكيد سلطته القضائية واستقلاليته التي يكفلها له الدستور في مواجهة بقية السلطات. فقام مجلس الدولة الفرنسي، من خلال هذا القرار، ولأول مرة في تاريخه، بمطابقة أو بمقابلة قانون بمعاهدة سابقة عليه لتقصي المطابقة من عدمها، متخليا عن مفاهيمه الكلاسيكية وبدأ الأمر يتجه نحو أفول نظرية أعمال الحكومة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب لأبعد من ذلك، ففي قرار صدر بتاريخ ١٨ ديسمبر ١٩٩٨ مدد مجلس الدولة الفرنسي رقابته إلى فحص صحة إجراءات التصديق اللازمة لاندراج المعاهدة الدولية في النظام القانوني الداخلي وإنتاج آثارها فيه؛ وبذلك لم يعد القاضي الإداري الفرنسي يكتفي بالتحقق من الوجود المادي للاتفاقية فقط ولكن، أيضا، يراقب مدى نظامية وشرعية إجراءات التصديق عليها وفي ذلك تأكيد للتلازم بين علو المعاهدة على سابقها ولاحقها من القوانين من جهة مع شرعية إجراءات التصديق عليها، من جهة أخرى. وهذا إعمالا لنص المادة ٥٥ من الدستور الفرنسي لسنة ١٩٥٨. وهكذا، وفي حالة تجاوز رئيس الجمهورية للقيود الدستورية المفروضة على اختصاصه بإبرام المعاهدات، كمصادقته على المعاهدة قبل الحصول على موافقة البرلمان، متى اشترطها الدستور، أو رغم اعتراض هذا الأخير عليها، فإن القاضي يعاين هذا التجاوز في حكمه، وبالتالي يستبعد من التطبيق أحكام الاتفاقية الدولية، المصادق عليه بإجراءات غير شرعية، ولو أدى ذلك إلى تحميل الدولة للمسؤولية الدولية؛ ولا يبقى أمام الدولة سوى إعادة التصديق على المعاهدة المصرح باستبعادها، بعد اتخاذ الإجراءات الدستورية التي تم تجاوزها. وفي كل الحالات، لا يمكن أن تطبق بأثر رجعي.

وهكذا، ذهب القضاء الوطني للدول، على غرار القضاء الفرنسي والجزائري، نحو الاشتراط الصارم لموجب التصديق على المعاهدة الدولية قصد إنفاذها في النظام القانوني الوطني كما مارس رقابته على صحة الإجراءات الدستورية المستوجبة لنفاذ المعاهدات الدولية داخليا. ويبدو أن التوجه هو ذاته في ألمانيا وإيطاليا ولكسمبورغ وبلجيكا أين رتب القضاء الوطني لتلك الدول، من خلال رقابته على مخالفة الشروط الدستورية لصحة اندراج المعاهدة في النظام القانوني الوطني، لا سيما بسبب غياب موافقة البرلمان، جزاء عدم نفاذها داخليا.

غير أن المثير للدهشة، أنه وفي بعض الدول التي تتبع نظام الازدواج القانوني، منح القضاء الوطني لبعض المعاهدات الدولية المصادق عليها، ورغم عدم نفاذها في النظام القانوني للدولة أثرا تطبيقيا في النزاعات المعروضة أمامه عن طريق تقنية التفسير المتسق للقانون الوطني ليتوافق مع الالتزامات الدولية النافذة في الدولة، وغير النافذة، على حد السواء. واعتمدت المحاكم الوطنية في تلك الدول على المعاهدات غير النافذة داخليا، للحد من السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة بل واعترفت المحاكم للأفراد، بموجب المعاهدات غير النافذة، بحقوق لم يقررها القانون الوطني.

ومن الممارسات القضائية الجديرة بالاهتمام، في هذا الصدد، تطبيق يعض الدول التي تتبع النظام الأحادي للاتفاقيات الدولية غير المصادق عليها دستوريا، في النظام القانوني الداخلي، من قبل القضاة الوطنيين؛ ليس بوصفها أحكاما تعاهدية دولية ولكن باعتبارها قواعد عرفية راسخة؛ تشكل جزءا من القانون الدولي العرفي الملزم، فالمعاهدات الدولية في نهاية المطاف ليست سوى تقنين للعرف الدولي الراسخ والمقبول، والعرف الدولي الثابت لا يكتسب قوته الإلزامية من فعل تصديق الدول بل من عقيدة الشعور بالإلزام.

ورغم ما أثاره الفقه من نقاش حول هذا التوجه القضائي ومساسه بالاختصاصاتالدستورية للسلطة التنفيذية في الدولة بل وباختصاصات المشرع الوطني، في مجال إبرام المعاهدات الدولية، إلا أنه يمكن أن نلمس بحق توجه القضاء نحو الحد من مطلق نظرية أعمال السيادة في مواجهة الحكومة والبرلمان.

تطرقنا بعد ذلك، لسلطة القاضي الإداري في مراقبة شرط نشر أحكام الاتفاقيات الدولية. وأكدنا على عدم وجود نص صريح في الدستور الجزائري يوجب نشر المعاهدة أو الاتفاقية لإدراجها ضمن القانون الداخلي فالمادة ١٥٤ من الدستور ترمي إلى أن المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون. إن الدستور الجزائري، ببساطة، لا يتطلب النشر. إن مسألة نشر أحكام المعاهدة الدولية كشرط لدخول المعاهدة حيز النفاذ غير واردة ولا أثر لها في الدستور الجزائري، وعرضنا حججا تدعم هذا الموقف.

وفيما يتعلق بمراقبة القاضي الإداري لشرط المعاملة بالمثل أو كما يسمى بالتطبيق المتبادل للاتفاقية، فمن حيث المبدأ، لا محل لمراقبة القاضي لشرط المعاملة بالمثل وتفعيله، حال تطبيقه لاتفاقيات دولية تتعلق بحقوق الإنسان، أو يتعلق موضوعها بإنشاء ميكانيزمات قضائية لحماية الحقوق الإنسانية الأساسية ضد الانتهاكات الجسيمة كالمحكمة الجنائية الدولية.

فبالنسبة لمختلف المعاهدات الدولية الأخرى، غير معاهدات حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية، فالمبدأ الكلاسيكي هو عدم اختصاص القاضي الوطني بمراقبة شرط التطبيق المتبادل للاتفاقية، نظرا لطابعه السياسي، والذي تختص السلطات الحكومية، بتقديره، وفقا لمعطيات واقعية وسياسية. غير أنه بتاريخ ٠٩ جويلية ٢٠١٠ صدر عن مجلس الدولة الفرنسي قرار شهير يسمى ب “قرار السيدة سعاد بن صغير” والذي أنبى من خلاله موقفه القديم بإحالة مسألة مراقبة شرط المعاملة بالمثل إلى وزير الشؤون الخارجية. فلأول مرة في تاريخه، صرح مجلس الدولة باختصاصه السيادي المطلق بمراقبة شرط التطبيق المتبادل للاتفاقيات الدولية (مبدأ المعاملة بالمثل)، ضمانا للمحاكمة العادلة. وهكذا، يختص القاضي الإداري، بفحص شرط التطبيق المتبادل لالتزام دولي ما دون الحاجة للرجوع إلى وزير الشؤون الخارجية.

هذا التحول في موقف مجلس الدولة يعود في حقيقة الأمر إلى إدانة فرنسا من طرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لانتهاكها حق المحاكمة العادلة التي تضمنه المادة ٠٦ فقرة ٠١ من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان مجلس الدولة الفرنسي أكد في القرار على أنه: ولئن كانت أحكام المادة ٥٥ من الدستور، تنص على أن “المصادقة النظامية على المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية ونشرها يجعلها تسمو على القانون شرط مراعاة التطبيق المتبادل من الأطراف الأخرى؛ أي مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل”. فإن عدم تطبيق أحكام الاتفاقية من الطرف الأخر يؤدي فقط إلى عدم اعتبار هذا الالتزام الدولي سام على القانون. وهكذا، فعدم المعاملة بالمثل تجعل منزلة المعاهدة الدولية التي كانت تسمو على القانون تتقهقر في المرتبة، فتصبح بذلك، قاعدة قابلة لتطبيقها، لكن بدرجة أقل من القانون. وبعبارة أدق، فإن معاينة الإخلال بشرط المعاملة بالمثل، في تطبيق أحكام الاتفاقية الدولية لا يفقدها طبيعتها كقاعدة قانونية قابلة للتطبيق. غاية ما في الأمر، أن القانون الداخلي في هذه الحالة يسمو على الاتفاقية الدولية. إن الإخلال بالتطبيق المتبادل لاتفاقية دولية يجعلها أدنى مرتبة من القانون.

وبالنسبة للجزائر، فشرط المعاملة بالمثل لم ينص عليه الدستور الوطني. ومتى أثير أمام القاضي الوطني، فيتعين عليه، من حيث المبدأ، استبعاده من النقاش. وبالتالي، فالإشكال المتعلق بمدى سلطة القاضي الوطني واختصاصه بتقدير وجود تطبيق متبادل للاتفاقية، ومدى مساس ذلك بمبدأ فصل السلطات، لا محل له في الدستور الجزائري الذي لم يتناول أصلا ولم يشر لمبدأ المعاملة بالمثل كأساس لاستبعاد أو تطبيق الالتزامات الدولية.

كما تناولنا بالتحليل موضوع مراقبة شرط الأثر المباشر والقابلية للاحتجاج بالمعاهدات الدولية، في أحدث ما توصل إليه القضاء الفرنسي. وخلصنا من خلاله إلى أن البند الاتفاقي الدولي، لكي يكون ذا أثر مباشر، يجب أن يستجمع معيارين ذوي تطبيق تركيبي:

معيار ذاتي: بأن حكم البند الدولي لم يأت، حصرا، لتنظيم أو حكم العلاقات بين الدول. وأن يكون، بالنتيجة، قد أنشأ حقوقا شخصية لفائدة الخواص. التساؤل الذي يطرحه القاضي هنا “من هو المخاطب بأحكام الاتفاقية الدولية؟”. مجلس الدولة الفرنسي، تبنى وطور هذا المعيار، في قرار GISTIل ١١ أفريل ٢٠١٢ بتوجه ذي نفس ليبرالي لما اعتبر أن البند الاتفاقي، الذي ينشئ حقوقا للأفراد، يكون ذا أثر مباشر، ولو تضمن في الوقت ذاته، تنظيما لعلاقات بين الدول.

معيار موضوعي: بعدم وجود أي عمل قانوني، ضروري، لتطبيق البند الدولي، وهذا باستعمال صيغة فعل الإلزام “requérir”. ويجب الانتباه هنا، أنه لا يكفي أن يحيل البند الدولي إلى سن عمل قانوني وطني معين للاستبعاد الآلي للأثر المباشر؛ أي يجب أن يتحقق القاضي بأن يطرح التساؤل التالي: “هل وجود نص قانوني هو ضروري، فعلا، لتطبيق النص الدولي؟”.

أما بخصوص موقف القضاء الوطني الجزائري من مسألة الأثر المباشر للاتفاقيات الدولية فيمكن يمكن القول إن المعايير التي اعتمدها القضاء الوطني الجزائري في الإقرار بالأثر المباشر لبنود الاتفاقيات الدولية شبيهة إلى حد التطابق، بتلك التي اعتمدها مجلس الدولة الفرنسي، ويبدو ذلك جليا من خلال صياغة تلك المعايير في الأحكام القضائية الجزائرية التي تناولت المسألة.

ويمكننا إجمالا القول، أيضا، إن المعايير التي تعتمدها مختلف الأنظمة القضائية الأخرى في مسألة الأثر المباشر للمعاهدات الدولية متشابهة؛ فالقضاء الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، قد خلص عبر اجتهاداته، إلى أنه يعترف بها للبند الدولي بالنظر إلى الطابع الكامل: (الواضح، الدقيق وغير المشروط) للقاعدة الدولية من جهة مع الأخذ بعين الاعتبار نية الأطراف السامية المتعاقدة. وهو ما عبر عنه القاضي Allan Rosas بالقول “إن بنود المعاهدات الدولية، التي تكون كافية الوضوح، الدقة وغير مشروطة، يمكنها توليد أثر مباشر ومنح الأفراد حقوقا بإمكانها الاحتجاج بها أمام المحاكم والسلطات الداخلية”.

إن الممارسة القضائية الحذرة لم تعد مرحبا بها اليوم. وخوف القاضي من إعمال القانون الدولي خشية التدخل في السياسة الخارجية للدولة، والتي يقودها بنص الدستور رئيس الجمهورية، لم يعد مبررا.

لقد أضحى فحص الشروط السابقة واللاحقة لإنفاذ المعاهدات الدولية، بفعل الاجتهاد القضائي الوطني للدول، مكنة مطلقة بيد القاضي، يقدرها بكل استقلالية وسيادة دون إحالة أو تعقيب من الجهات الحكومية أو التشريعية.

عبر هذا التطور الاجتهادي المتميز للقضاء الوطني للدول، نعاين توجه نظرية أعمال الحكومة في مادة تطبيق الاتفاقيات الدولية، نحو الأفول، على الأقل في فرنسا. هذه النتيجة مبررة بالتحولات الجديدة التي عرفها القضاء هناك تحت تأثير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فلم يعد فقه هذه النظرية يستخدم إلى حد كبير من قبل القضاة كأساس منتج لإقصاء أعمال الدولة ذات الصلة بتطبيق المعاهدات الدولية من رقابة القضاء.

نتائج الدراسة:

  • أعمل القضاء الوطني للدول رقابته على الإجراءات الدستورية المستوجبة لإنفاذ المعاهدات الدولية على المستوى الداخلي؛ فلم تعد تلك الإجراءات الدستورية محصنة من الرقابة القضائية، فقد أخضعها القضاة للرقابة المسبقة، قبل الشروع في تطبيق المعاهدات الدولية.
  • أصبح تطبيق الالتزام الدولي الاتفاقي رهنا بصحة الإجراءات الدستورية المتخذة للمصادقة عليه؛ ومن ثم فتجاوز السلطة المختصة بالتصديق للقيود الدستورية المفروضة على اختصاصها بإبرام المعاهدات، كمصادقتها على المعاهدة قبل الحصول على موافقة البرلمان، متى اشترطها الدستور، أو مصادقته عليها رغم اعتراض البرلمان، يؤدي بالقاضي إلى معاينة هذا التجاوز في حكمه، وبالنتيجة يستبعد من التطبيق أحكام الاتفاقية الدولية المصادق عليه بإجراءات غير نظامية، ولو أدى ذلك إلى تحميل الدولة للمسؤولية الدولية.
  • منح القضاء الوطني لبعض المعاهدات الدولية، ورغم عدم نفاذها في النظام القانوني للدولة، أثرا تطبيقيا في المنازعات المعروضة من خلال تفسير القانون الوطني بشكل يتوافق مع تلك المعاهدات غير النافذة داخليا وهو ما أصبح يعرف في أدبيات القانون الدولي المعاصر بتقنية التفسير المتسق للقانون الوطني؛ ليتوافق مع الالتزامات الدولية النافذة في الدولة، وغيرالنافذة، على حد سواء.
  • طبق القضاء الوطني لبعض الدول الاتفاقيات الدولية غير المصادقعليها دستوريا، في النظام القانوني الداخلي؛ ليس بوصفها أحكام تعاهديه دولية ولكن باعتبارها قواعد عرفية راسخة؛ تشكل جزءا من القانون الدولي العرفي الملزم، فالمعاهدات الدولية في نهاية المطاف ليست سوى تقنين للعرف الدولي الراسخ والمقبول، والعرف الدولي لا يكتسب قوته الإلزامية من فعل تصديق الدول بل من عقيدة الشعور بالإلزام. ورغم مساس هذا التوجه بالاختصاصات الدستورية للسلطة التنفيذية في الدولة بل وباختصاصات المشرع الوطني، في مجال إبرام المعاهدات الدولية، إلا أنه يمكن أن نلمس من خلاله بحق توجه القضاء نحو الحد من مطلق نظرية أعمال السيادة في مواجهة أعمال الحكومة والبرلمان.
  • لم يحظ إجراء النشر على المستوى الداخلي للمعاهدات الدولية بتعامل موحد أو نهج متسق من قبل القضاء الوطني للدول. فبينما تشترط بعض دساتير الدول موجب نشر الاتفاقيات الدولية (كالدستور الفرنسي) فقد أغفلت بعض دساتير الدول الأخرى (كالدستور الجزائري) التنصيص على هذا الشرط، مما أدى لخلق نوع من المرونة في رقابة المحاكم الوطنية على هذا الشرط. والحقيقة أن هناك عدة اعتبارات قانونية وعملية يمكن الارتكاز عليها للقول أن هذا الشرط الكلاسيكي قد عفا عنه الزمن لا سيا بالنظر إلى التطور التكنولوجي الحاصل بما ينتفي معه أي اعتذار بجهل القانون الدولي الاتفاقي على وجه الخصوص.
  • لا مجال لمراقبة القاضي الوطني لشرط المعاملة بالمثل، ولا لتفعيله، حال تطبيقه للمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، أو تلك تعلق التي موضوعها بإنشاء ميكانيزمات قضائية لحماية الحقوق الإنسانية ضد الانتهاكات الجسيمة كالمحكمة الجنائية الدولية.
  • أفول فكرة امتناع القاضي الوطني عن رقابة شرطة المعاملة بالمثل، باعتباره شرطا سياسيا تختص السلطات الحكومية لوحدها بتقديره، والتوجه نحو استقلال القاضي، بكل سيادة، بتقدير مدى توافر شرط المعاملة بالمثل في مجال تنفيذ الالتزامات الدولية المكتوبة.وهكذا، فإحالة مسألة فحص وتقدير شرط المعاملة بالمثل للسلطة التنفيذية، ينتهك مبدأ استقلالية السلطة القضائية كما ينتهك مبدأ الحق في محاكمة عادلة؛ ومن ثم فلم يعد شرط المعاملة بالمثل يندرج ضمن طائفة أعمال الحكومة المحصنة من رقابة القضاء.
  • القضاء الوطني هو المختص دون سواه لتقدير الأثر المباشر للبنود التعاهدية الدولية من عدمها. وابتكر القضاء الوطني للدول مجموعة من المعايير في هذا المجال وهي تتشابه لحد كبير. ولا يرجع القاضي في تقدير الأثر المباشر لحكم تعاهدي ما للسلطة التنفيذية التي أبرمت المعاهدة الدولية ولكن الفيصل في المسألة هو المعايير القضائية المستحدثة في هذا الشأن. وفي مختلف الأنظمة القضائية، تحظى القاعدة الاتفاقية الدولية ذات الطابع الكامل: (الواضح، الدقيق وغير المشروط) بالأثر المباشر مع الأخذ بعين الاعتبار نية الأطراف السامية المتعاقدة.
  • معاينة الدور المتنامي للقضاء الوطني للدول في إعمال رقابته على تطبيق المعاهدات الدولية وانعكاس ذلك على تقليص نطاق نظرية إعمال الحكومة والحد من آثارها، لا سيما في مجال تطبيق وتفسير القانون الدولي الاتفاقي، ولعل الدافع الأساسي نحو ذلك هو انخراط المحاكم الوطنية في تطوير قانون المعاهدات عموما وحقوق الإنسان على وجه التحديد.
  • إن التوسع غير المبرر في نطاق نظرية أعمال السيادة يحد من حق الأشخاص في محاكمة عادلة وفي الحق في طعن فعال في ظل الآثار المتولدة عن إعمال تلك النظرية على حقوق الإنسان.

وختاما، ندعو من خلال هذه الدراسة، القضاء الوطني في الدول العربية، على وجه الخصوص، إلى لعب دور أكبر في الحد من نطاق نظرية إعمال السيادة وممارسة رقابة أكثر فعالية في مواجهة أعمال الإدارة، ضمانا لحق الأشخاص في محاكمة عادلة وفي طعن فعال؛ فكلا اتسع نطاق نظرية أعمال السيادة، باعتبارها خروجا حقيقيا عن مبدأ الشرعية، كلما تم إحباط ضمانات المحاكمة العادلة. إن عمل القضاء على التضييق من آثار تلك النظرية سيعزز، حتما، من مبدأ الشرعية وإلزام الدولة حدود القانون. بهذا المؤشر، كذلك، يتم قياس مدى خضوع الدولة بوجه عام للقانون.

لائحة المصادر والمراجع

  1. I. المراجع العربية:

١- منظومة قانونية.

  • الدستور الجزائري ل ٢٢ نوفمبر ١٩٩٦.
  • القانون رقم ١٦- ٠١ المؤرخ في ٦ مارس ٢٠١٦، المتضمن التعديل الدستوري.

2- نصوص فقهية.

  • سفيان عبدلي. ضمانات استقلالية السلطة القضائية بين الجزائر وفرنسا. نرو للنشر. ألمانيا.2011.
  • محمد فؤاد عبد الباسط. اختصاص القاضي الإداري بتفسير المعاهدات الدولية. دار الجامعة الجديدة. ٢٠٠٧.

٣-اجتهادات قضائية.

  • مجلس قضاء الوادي. محكمة قمار (الجزائر). القسم الاجتماعي. قضية رقم: ٧٣٩- ١٥. حكم نهائي. فهرس ٨٣٥- ١٥. ١٦- ١٢- ٢٠١٥. ص. ٠٥.
  • مجلس قضاء الوادي. محكمة قمار (الجزائر). القسم الاجتماعي. قضية رقم: ٧٣٨- ١٥. حكم نهائي. فهرس ٨٣٣- ١٥. ١٦- ١٢- ٢٠١٥. ص. ٠٣.
  • مجلس قضاء الوادي. محكمة قمار (الجزائر). قسم شؤون الأسرة. حكم بتاريخ ١٤-٠١- ٢٠٢٠. فهرس ٠٠٠٢٨- ٢٠.
  • مجلس قضاء الوادي. محكمة قمار (الجزائر). قسم الجنح. حكم بتاريخ ١٤- ٠٢- ٢٠١٩. فهرس ٠٠٠١٨٢- ١٩.
  1. II. المراجع الأجنبية:

1- نصوص فقهية.

  • Alain Pellet, Alina Miron. Les grandes décisions de la jurisprudence française de droit international public. 1ère édition. Dalloz. Paris. 2015.
  • Allan Rosas. The European Court of Justice and public international Law. In: Jan Wooters, Andre Nollkaemper, Erica DE WET. The Europeanization of international law. T. M. C. Asser press. La Haye. 2008.
  • André Nollkaemper. National Courts and the International Rule of Law. Oxford University Press. 2011.
  • Antoine Masson. Droit communautaire: Droit institutionnel et droit matériel. 2 e édition. Larcier. 2009.
  • Bérangère Taxil. Les Critères De L’applicabilité Directe Des Traités Internationaux Aux Etats- Unis Et En France. R. I. D. C. no. 1. 2007.
  • Bernard Stirn, Duncan Fairgrieve, Mattias Guyomar. Droits et libertés en France et au Royaume- Uni. Odile Jacob. Paris. 2006.
  • Bob Kieffer. L’organisation mondiale du commerce et l’évolution du droit international public. Larcier. 2008.
  • Catherine Weniger. La Responsabilité du Fait des Produits pour les Dommages Causes à un Tiers au Sein de la Communauté Européenne. Etude de droit comparé. Librairie DROZ. Genève. 1994.
  • Chiara Giorgetti. The Rules, Practice, and Jurisprudence of International Courts and Tribunals. Martinus Nijhoff Publishers. Leiden. 2012.
  • Christophe Guettier. Le contrôle juridictionnel des actes du Président de la République. Revue du droit public et de la science politique en France et à l’étranger. Tome 114. Numéro spécial 5- 6. 1998.
  • David Sloss. The Role of Domestic Courts in Treaty Enforcement: a comparative study. Cambridge University Press. Cambridge. 2009.
  • Erika de Wet., ‘The Reception Process in the Netherlands and Belgium’ in: Helen Keller and Alec Stone Sweet. (eds), A Europe of Rights. The Impact of the ECHR on National Legal Systems. Oxford. Oxford University Press. 2008.
  • Frowein, J. and Oellers-Frahm, K. ‘L’application des traités dans l’ordre juridique communautaire’ in: Pierre Michel Eisemann. L’intégration Du Droit International Et Communautaire Dans L’ordre Juridique National: Étude de la Pratique en Europe. Martinus Nijhoff Publishers. Netherlands. 1996.
  • Gernot Biehler. Procedures in International Law. Springer Science & Business Media. 2008.
  • Gilles Guglielmi. Droit administratif général. Tome I: Les structures. Universitoo. 2003.
  • Gilles Guglielmi. Droit administratif général. Université PANTHEON- ASSAS (Paris II). 2008.
  • Jean Combacau et Serge Sur. Droit international public. Montchrestien. Paris. 2009.
  • Koen Lenaerts. Direct effect and direct applicability of international law in EU legal order. In: Inge Govaere, Erwan Lannon, Peter van Elsuwege, Stanislas Adam. The European Union in the World: Essays in Honour of Marc Maresceau. Martinus Nijhoff Publishers. Leiden. 2014.
  • Laurence Potvin-Solis. Les effets du droit de l’Union européenne sur les compétences des collectivités territoriales. L’Harmattan. 2013.
  • Louis Favoreu, Patrick Gaïa, Richard Ghevontian, Jean- Louis Mestre, Otto Pfersmann, Guy Scoffoni, André Roux. Droit constitutionnel. 2 1e édition. Dalloz. Paris. 2019.
  • M. Long, P. Weil, G. Braibant. les grands arrêts de la jurisprudence administrative. 9 eme édition. 1990.
  • Marchi Jean- François. Droit constitutionnel et droit international. La date pertinente pour l’entrée en vigueur, en France, d’une convention internationale; Note sous Conseil d’État, 1re et 2e s/ sect. 7 juillet 2000. Fédération nationale des associations tutélaires, req. n ˚ 213461. Revue française de droit constitutionnel. Vol 54. no 2. 2003.
  • Marie Gautier. Droit insitutionnel de l’Union européenne. Presses universitaires de France. 2010.
  • Michel Rousset, Olivier Rousset. Droit administratif: L’action administrative. 2 e édition. Presses Universitaires De Grenoble. 2004.
  • Nadine Poulet- Gibot Leclerc. Droit administratif: sources, moyens, contrôles. 3 e édition. Bréal. France. 2007.
  • Patrick Kinsch. ‘Luxembourg’ in: Dinah Shelton International Law and Domestic Legal Systems: Incorporation, Transformation, and Persuasion. Oxford University Press. 2011.
  • Serge Slama. Adoption de nouveaux critères de détermination de l’effet direct des normes internationales sans consacrer leur invocabilité systématique. In Lettre Actualités Droits- Libertés. CREDOF. 14 mai 2012.
  • Tim Corthaut, Koen Lenaerts. Of birds and hedges: The role of primacy invoking norms of EU law. European law review. Vol. 31; issue. 3. 2006.

1-الاجتهادات القضائية.

  • C. E. 1822. Lafitte.
  • C. E. 9 mai 1867. Duc d’Aumale.
  • C. E. 19 février 1875. Prince Napoléon.
  • C. E. 18 décembre 1926. Arnaud.
  • C. E. Sect. 18 juillet 1930. Rouché.
  • C. E. Sect. 1er juin 1951. Société des étains et wolfram du Tonkin.
  • C. E. 9 janvier 1952. Gény.
  • C. E. 22 février 1952. Sieur Simon.
  • C. E. 9 juin 1952. Gény.
  • C. E. Sect. 11 décembre 1959. Commissaire du Gouvernement près la commission de répartition de l’indemnité des nationalisations tchécoslovaques.
  • C. E. 5 février 1962. Dame Caraco.
  • C. E. Ass. 2 mars 1962. Rubin de Servens et autres.
  • C. E. 11 avril 1962. Société Savana et Société des Etablissements textiles de Modeliaperth.
  • C. E. Ass. 13 juillet 1965. Requête n °5278. Société Navigator.
  • C. E. Ass. 30 mars 1966. Compagnie générale d’énergie radioélectrique.
  • C. E. Ass. 30 mars 1966. Guyot.
  • C. E. 4 novembre 1970. Sieur de Malglaive.
  • C. E. 22 décembre 1978. Cohn Bendit.
  • C. E. Ass. 29 mai 1981. Affaire Rekhou.
  • C. E. Ass. 23 novembre 1984. Association «Les Verts».
  • C. E. Ass. 8 avril 1987. Requête n ° 79840. Procopio.
  • C. E. 29 avril 1987. Consorts Yener et Erez.
  • C. E. 03 février 1989. Compagnie Alitalia.
  • C. E. 20 février 1989. Allain.
  • C. E Ass. 21 décembre 1990. Confédération nationale des associations familiales.
  • C. E. Ass. 28 février 1992. SA Rothmans International.
  • C. E. 23 septembre 1992. GISTI.
  • C. E. Ass. 18 décembre 1992. Préfet de la Gironde c. Mahmedi.
  • C. E. Ass. 15 octobre 1993. Royaume- Uni de Grande- Bretagne et d’Irlande du Nord et Gouverneur de la colonie royale de Hong Kong.
  • C. E. 29 juillet 1994. requête n ° 143866. Préfet de la Seine- maritime.
  • C. E. Ass. 29 septembre 1995. Association Greenpeace France.
  • C. E. Ass. 30 octobre 1996. Cabinet Revert et Badelon.
  • CE. 10 mars 1995. Demirpence; CE. 22 septembre 1997. Cinar; CE. sect. 23 avril 1997. GISTI.
  • C. E. Ass. 06 février 1998. Tête, Association de sauvegarde de l’Ouest lyonnais.
  • C. E. 25 Septembre 1998. Megret.
  • C. E.16 novembre 1998. Lombo.
  • C. E Ass. 18 décembre 1998. Affaire SARL du Parc d’activité de Blotzeim.
  • C. E. Ass. 9 avril 1999. Mme Bâ.
  • C. E. 9 avril 1999. Affaire Mme Chevrol- Benkeddach.
  • C. E. 5 juillet 2000. Mégret et Mekhantar.
  • C. E. 7 novembre 2001. Tabaka.
  • C. E. 12 novembre 2001. Requête n ° 214101. Watenne.
  • C. E. Ass. 5 mars 2003. Requête n ° 242860. Aggoun.
  • C. E. 10 avril 2003. Comité contre la guerre en Irak.
  • C. E. 11 mai 2004. Association AC.
  • C. E. 16 juillet 2007, Société Tropic Travaux Signalisation.
  • C. E. Ass. 3 octobre 2008. Commune d’Annecy. n ° 297931.
  • C. E. 30 octobre 2009. Mme Perreux.
  • C. E. Ass. 9 juillet 2010. Affaire Mme Souad Cheriet- Benseghir.
  • C. E. Ass. 23 décembre 2011. M. Eduardo José Kandyrine de Brito Paiva.
  • C. E. Ass. 11 avril 2012. GISTI et FAPIL. Req. n ° 322326.
  • C. E. Sect. 28 mars 2014. Groupe français de la Cour permanente d’arbitrage.
  • C. E. 11 avril 2014. Décision des 3 e, 8 e, 9 e et 10 e sous- sections réunies. n ° 362237, à publier au Lebon.
  • Cass. Crim. 15 octobre 1991, n ° 90- 86- 791; Cass. Crim. 31 janvier 2001. N ° 00- 82. 341.
  • Cour permanente internationale de justice. Avis, 21 février 1925 sur l’échange des populations grecques et turques.
  • Conseil constitutionnel. Décision n ° 80- 126 DC 30 décembre 1980.
  • Cass. Civ. 6 Mars 1984. Affaire Kryla.
  • Cons. Constit. décision n ° 86- 216 DC du 3 septembre 1986. Entrée et séjour des étrangers en France; Cons. Constit. décision n ° 92- 308 DC du 9 avril 1992. Traité sur l’Union européenne.
  • Cass. 1ere civ. 10 mars 1993. Le jeune, D. 1993.361. note Massip; 3 juin 1993. Babinet, Bull. civ. I. n ° 195.
  • Conseil constitutionnel. Décision n ° 98- 408 DC du 22 janvier 1999.
  • Cass. civ. I. 29 mai 2001. pourvoi n ° 99- 16. 673. Association pour la sécurité aérienne en Afrique et à Madagascar.
  • CEDH. 13 février 2003. N ° 49636- 99. Chevrol c. France.
  • Cass. 1ere civ. 18 mai 2005. N ° 02- 20613.
  • Cass. Civ. 1re, 11 juillet 2006. n ° 02- 20.389. Bull. civ. 2006- I. n ° 378. Tunisian Sea Transport Company c. Etat français. p. 325. D. 2006. 2277; Rev. crit. DIP. 2007. 391, note M. Audit.
  • Cass. Soc. 16 décembre 2008. Eichenlaub c/ Axia. N ° 05- 40876.

(*) استلم بتاريخ 3/6/2020 وأجيز للنشر بتاريخ 18/8/2020

([1]) نظرية أعمال الحكومة، حسب المفهوم الفرنسي، شبيهة في الآثار المترتبة عنها بنظرية “عمل الدولة السيادي” The act of stateالمعروفة لدى القضاء الأنجلو- أمريكي. لتفصيل أكثر انظر:

Gernot Biehler. Procedures in International Law. Springer Science & Business Media. 2008. P. 164.

([2]) Nadine Poulet- Gibot Leclerc. Droit administratif: sources, moyens, contrôles. 3e édition. Bréal. France. 2007. p. 100.

([3]) Gilles J. Guglielmi. Droit administratif general. Universite PANTHEON- ASSAS (Paris II). 2008. p. 98.

([4]) C. E. 1822. Lafitte.

([5]) C. E. 9 mai 1867. Duc d’Aumale.

([6]) C. E. 19 février 1875. Prince Napoléon.

في هذا القرار، تراجع مجلس الدولة عن فكرة الباعث السياسي كأساس لنظرية أعمال الحكومة. فوقائع قضية الأمير نابليون الثالث تتعلق بقيام هذا الأخير بتعيين ابن عمه في منصب جنرال. وبعد سقوط الإمبراطورية، قام وزير الحرب آنذاك، بسحب رتبة “الجنرال” من الأمير نابليون بسبب سقوط الإمبراطورية وعدم مسايرة الامتيازات التي كانت ممنوحة في ظلها لقيم الجمهورية الجديدة. يتضح جليا أن الباعث وراء هذا القرار سياسي. مجلس الدولة، رغم ذلك، تمسك باختصاصه ورفض الطعن من حيث الموضوع.

([7]) Nadine Poulet- Gibot Leclerc. Droit administratif: sources, moyens, contrôles. Op. cit. p. 103.

([8]) Michel Rousset, Olivier Rousset. Droit administratif: Laction administrative. 2 e édition. Presses Universitaires De Grenoble. 2004. pp. 74- 75.

 ([9])Ibid. pp. 75- 76.

 ([10])Nadine Poulet- Gibot Leclerc. Droit administratif: sources, moyens, contrôles. Op. cit. p. 101.

([11]) C. E. Sect. 18 juillet 1930. Rouché.

([12]) C. E. 7 novembre 2001. Tabaka.

([13]) C. E. 20 février 1989. Allain.

([14]) C. E. Ass. 2 mars 1962. Rubin de Servens et autres.

 ([15])C. E. Ass. 9 avril 1999. Mme Bâ.

([16]) Bernard Stirn, Duncan Fairgrieve, Mattias Guyomar. Droits et libertés en France et au Royaume- Uni. Odile Jacob. Paris. 2006. p. 59.

([17]) C. E. 16 novembre 1998. Lombo.

([18]) C. E. 23 septembre 1992. GISTI.

([19]) C. E. 9 juin 1952. Gény.

([20]) C. E. 5 juillet 2000. Mégret et Mekhantar.

 ([21]) C. E. 10 avril 2003. Comité contre la guerre en Irak.

([22]) C. E. Sect. 28 mars 2014. Groupe français de la Cour permanente d’arbitrage.

([23]) C. E. 5 février 1962. Dame Caraco.

([24]) C. E. Ass. 29 septembre 1995. Association Greenpeace France.

([25]) C. E. Sect. 1er juin 1951. Société des étains et wolfram du Tonkin.

([26]) C. E. 4 novembre 1970. Sieur de Malglaive.

([27]) C. E. Ass. 18 décembre 1992. Préfet de la Gironde c. Mahmedi.

([28]) Nadine Poulet- Gibot Leclerc. Droit administratif: sources, moyens, contrôles. Op. cit. p. 104.

([29]) C. E. Ass. 15 octobre 1993. Royaume- Uni de Grande- Bretagne et d’Irlande du Nord et Gouverneur de la colonie royale de Hong Kong.

([30]) Michel Rousset, Olivier Rousset. Droit administratif: Le contentieux administratif. 2 e édition. Presses Universitaires De Grenoble. 2004. p. 116.

([31]) C. E. 29 avril 1987. Consorts Yener et Erez.

([32]) C. E. 25 Septembre 1998. Megret.

([33]) Nadine Poulet- Gibot Leclerc. Droit administratif: sources, moyens, contrôles. Op. cit. p. 104.

([34]) C. E. Ass. 30 mars 1966. Compagnie générale dénergie radioélectrique.

([35]) الدستور الجزائري (دستور الجمهورية الثانية)، الذي وافق عليه الشعب في استفتاء الفاتح نوفمبر ٢٠٢٠، الصادر بالجريدة الرسمية العدد ٨٢ الصادر بتاريخ ٣٠- ١٢- ٢٠٢٠.

([36]) القرارات الإدارية غير الشرعية، بإبطالها، تزول بأثر رجعي. فلا يمكن السماح باندراجها في المنظومة القانونية للدولة وتوليد آثار فيها، مع ملاحظة التطور الاجتهادي لمجلس الدولة الفرنسي. ففي قرارAssociation AC وآخرون، المؤرخ في ١١ ماي ٢٠٠٤، ذهب مجلس الدولة الفرنسي إلى أنه “ولئن كان من حيث المبدأ، أن العمل الإداري المبطل قضائيا، لا يمكن أن يعود للوجود مطلقا. هذا الأثر الرجعي للإبطال يمكن أن يحمل في طياته نتائج غير متقبلة، وظاهرة في التجاوز، بسبب الآثار التي ولدها هذا العمل وللوضعيات التي أنشأها، لما تقتضي المصلحة العامة الحفاظ المؤقت على تلك الآثار، فيعود للقاضي الإداري، بعد استجماع ملاحظات الأطراف حول هذه النقطة، وبعد فحص مجموع الأوجه المثارة أمامه أو تلك المتعلقة بالنظام العام، معاينة شرعية العمل الإداري، مع الأخذ بعين الاعتبار من جهة للنتائج المترتبة عن رجعية الإبطال على مختلف المصالح العامة أو الخاصة في النزاع، ومن جهة أخرى، “الآثار السيئة” التي قد تظهر على مبدأي “الشرعية” و “حق المتقاضي في طعن فعال”، وتحديد آثار الإبطال من حيث الزمن (تقييد الأثر الرجعي للإبطال زمنيا)؛ فيرجع للقاضي، بمقاربة هذه العناصر، تقدير إمكانية تبرير هذا الخروج “الاستثنائي” عن مبدأ الأثر الرجعي للإبطال التنازعي وفي حالة الإيجاب، يحدد في قرار الإبطال أنه، ومع مراعاة دعاوى المنازعات الجارية منذ تاريخ الطعن ضد القرارات المتخذة تأسيسا على العمل الإداري محل الطعن، فكل أو جزء من آثار هذا العمل الإداري السابق بإبطالها يتعين أن تعتبر نهائية أو حتى، عند الاقتضاء، أن الإبطال لا يرتب آثاره إلا بتاريخ لاحق يتم تحديده”. نستخلص من هذا القرار الشهير، أن الإبطال المتولد عن دعوى تجاوز حد السلطة، لم يعد له أثر رجعي، بصفة مطلقة، متى تطلب الأمر حماية لمصالح عامة أو خاصة. فمع مراعاة مبدأي الشرعية والحق في التقاضي الفعال، يقوم القاضي، بعد موازنة المصالح، بتحديد أثر الإبطال من حيث الزمن، محققا بذلك الأمن القانوني. هذا المبدأ تأكد لاحقا في قرار آخر سنة ٢٠٠٧.

  1. 11 mai 2004. Association AC. Jurisprudence confirmée par l’arrêt du 16 juillet 2007, Société Tropic Travaux Signalisation.

لتفاصيل أكثر، حول التمييز بين الإبطال والإلغاء انظر: سفيان عبدلي. استقلالية السلطة القضائية بين الجزائر وفرنسا. نور للنشر. ألمانيا. ٢٠١١. ص. ٨٠.

([37])فلا يمكن للقاضي أن يطبق مراسيم تخالف القانون أو قانون يتضمن ما يخالف مقتضيات دستورية.

([38])في هذا السياق، أضحى التزام القضاء الوطني بتطبيق المعاهدات الدولية المصادق عليها من قبل الدولة، التزاما من المصف الدستوري، عملا بمقتضيات المادة ١٧١ من دستور (٢٠٢٠). وبالنتيجة فعدم التزام القاضي بتطبيق المعاهدات الدولية المصادق عليها، يمكن وصفه بأنه خرق مباشر لأحكام الدستور في مادته ال ١٧١. يراجع في هذا المعنى: مجلس قضاء ورقلة. محكمة ورقلة (الجزائر). قسم الجنح. قضية رقم: ٢٩١- ٢١. حكم فهرس ١٢٥٧- ٠٢١ الصادر بتاريخ: ٢٧- ٠٤- ٠٢٠٢١ ص. ٠٨.

([39]) نظرية أعمال الحكومة هي نظرية قضائية من خلق مجلس الدولة الفرنسي. ما كان ابتداع هذه النظرية، إلا لحماية مجلس الدولة لوجوده واختصاصه من رد فعل الحكومة، عشية عودة النظام الملكي، فما كان إلا أن حصن بعض أعمال الحكومة من رقابته. لا أحد ينكر أن مجلس الدولة الفرنسي كثيرا ما جامل الإدارة لا سيما في بدايات ظهوره. أما الآن، فقد أصبح مجلس الدولة هو حامي الشرعية والحريات الأساسية، وفي كثير من قراراته ألزم الدولة حدود القانون. إن نظرية أعمال الحكومة (السيادة) تسير نحو الأفول. لتفاصيل أكثر انظر:

Pr. Gilles Guglielmi. Droit administratif général. Tome I: Les structures. Universitoo. 2003. p. 97.

Christophe Guettier. Le contrôle juridictionnel des actes du Président de la République. Revue du droit public et de la science politique en France et à l’étranger. Tome 114. Numéro spécial 5- 6. 1998. p. 1719.

([40]) L’arrêt NICOLO marque une étape décisive de la jurisprudence du conseil d’état relative à la place respective de la loi et du traité dans l’ordre juridique interne”.

  1. Long, P. Weil, G. Braibant. les grands arrêts de la jurisprudence administrative. 9 eme édition. 1990. p. 749.

لتفاصيل أكثر انظر أيضا: محمد فؤاد عبد الباسط. اختصاص القاضي الإداري بتفسير المعاهدات الدولية. دار الجامعة الجديدة. ٠٢٠٠٧ ص ١٨٣.

([41]) CE Ass. 18 décembre 1998. Affaire SARL du Parc dactivité de Blotzeim.

([42]) Ronny Abraham. L’articulation du droit interne et du droit international. In : Gérard CAHIN, Florence POIRAT, Sandra SZUREK. La France et le droit international. Pedone. Paris. 2007. p. 264.

([43]) في هذا الصدد نشير لمضمون المادة ٤٦ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام ١٩٦٩ التي تنص على أنه “ليس للدولة أن تحتج بأن التعبير عن رضاها الالتزام بالمعاهدة قد تم بالمخالفة لحكم في قانونها الداخلي يتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال هذا الرضا إلا إذا كانت المخالفة بينة وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي. وتعتبر المخالفة بينة إذا كانت واضحة بصورة موضوعية لأية دولة تتصرف في هذا الشأن وفق التعامل المعتاد وبحسن نية”. فالخرق الواضح للقواعد الدستورية المانحة لاختصاص التصديق، وتحديد الأشخاص الذين يمثلون الدولة في ذلك وحدود سلطاتهم، تخول للدولة التمسك بانعدام رضاها بالالتزام بالنص الاتفاقي الدولي، وبطلان التزامها به.

كما تنص المادة ٤٧ من ذات الاتفاقية أنه “إذا كانت سلطة الممثل في التعبير عن رضا الدولة الالتزام بمعاهدة ما خاضعة لقيد معين فلا يجوز الاحتجاج بإغفال الممثل مراعاة هذا القيد كسبب لإبطال ما عبر عنه من رضا إلا إذا كانت الدول المتفاوضة الأخرى قد أخطرت بالقيد قبل قيام الممثل بالتعبير عن هذا الرضا”.

([44])على غرار اتفاقيات الهدنة، ومعاهدات السلم والتحالف والاتحاد، والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة، والمعاهدات المتعلقة بقانون الأشخاص، والمعاهدات التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة، والاتفاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف المتعلقة بمناطق التبادل الحر والشراكة وبالتكامل الاقتصادي. انظر على سبيل المثال المادة ١٤٩ من الدستور الجزائري والمادة ٥٣ من الدستور الفرنسي.

([45]) C. E. 16 juin 2003. M. Cavaciuti. Requête n ° 246794.

([46]) Alain Pellet, Alina Miron. Les grandes décisions de la jurisprudence française de droit international public. 1ère édition. Dalloz. Paris. 2015. p. 183.

([47]) le gouvernement à régulariser la situation, d’une manière pour le moins cavalière, en introduisant, dans le projet de loi autorisant l’approbation de l’accord sur les privilèges et immunités de la Cour pénale internationale, un article 2 prévoyant : « Sous réserve des décisions de justice passées en force de chose jugée ayant statué au fond, est validé le décret du 26 avril 1947 relatif à l’exécution de la convention sur les privilèges et immunités des Nations Unies en tant que sa légalité serait contestée par le moyen tiré de ce que la ratification de ladite convention devait être autorisée par la loi.

Alain Pellet, Alina Miron. Les grandes décisions de la jurisprudence française de droit international public. op. cit. p. 184.

([48])أين اعتبر أن الاتفاق المعدل لاتفاقية التعاون القضائي المبرمة بين فرنسا والسنغال بتاريخ ٢٩ مارس ١٩٧٤، يجب أن ينظر إليها على أنها اتفاقية معدلة لأحكام ذات طبيعة تشريعية بمفهوم المادة ٥٣ من الدستور، وبالتالي لا يمكن التصديق أو الموافقة عليها إلا بموجب قانون برلماني. ومن ثم فإنه يتعين إبطال مرسوم نشر الاتفاقية. انظر:

  1. E. 23 février 2000. Requête n ° 157922. Bamba Dieng.

([49]) Jean Combacau et Serge Sur. Droit international public. Montchrestien. Paris. 2009. p. 194.

([50])سابقا، كان مجلس الدولة الفرنسي مستقرا على أن إجراءات التصديق والإقرار المنصوص دستوريا على وجوب استيفائها لاندراج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الداخلي، تعد من أعمال السيادة الخارجة بطبيعتها عن نطاق الرقابة القضائية، وتعد بنفس الطابع والأثر كذلك المراسيم الصادرة بنشر هذه المعاهدات أيضا.

([51]) Cass. civ. I. 29 mai 2001. Pourvoi n ° 99- 16.673. Association pour la sécurité aérienne en Afrique et à Madagascar.

Louis Favoreu, Patrick Gaïa, Richard Ghevontian, Jean- Louis Mestre, Otto Pfersmann, Guy Scoffoni, André Roux. Droit constitutionnel. 21e édition. Dalloz. Paris. 2019. p. 224.

([52]) C. E. Ass. 5 mars 2003. Requête n ° 242860. Aggoun.

Selon cet arrêt: «il appartient au juge administratif, saisi dun moyen en ce sens, de sassurer quun traité ou accord a été régulièrement ratifié ou approuvé, non seulement lorsquun tel moyen est invoqué à lappui dun recours pour excès de pouvoir directement formé à lencontre du décret de publication qui en a permis lintroduction dans lordre juridique interne, mais aussi par voie dexception, à loccasion dun litige mettant en cause lapplication de cet engagement international, sans que puisse y faire obstacle la circonstance que le décret de publication dont la légalité est ainsi nécessairement contestée na pas été attaqué dans le délai de recours contentieux».

([53])Alain Pellet, Alina Miron. Les grandes décisions de la jurisprudence française de droit international public. 1ère édition. Dalloz. Paris. 2015. p. 183.

 ([54])C. E. 8 juill 2002. Requête N ° 239366. Commune de Porta.

([55]) مقتضى نظرية القانون الحاجز أنه حينما يكون العمل الإداري مطابقا للقانون، في حين أنه يخالف الدستور، يصرح القاضي الإداري بعدم اختصاصه بجزاء هذه المخالفة للدستور. ففحص القاضي لمدى مطابقة العمل الإداري للدستور يقتضي منه بحث مدى مطابقة تلك القوانين ذاتها للدستور. فلو قام القاضي الإداري بعملية الرقابة بهذا الشكل وأبطل القرار الإداري لمخالفته للدستور فسيكون لا محالة قد صرح بعدم دستورية القانون، بشكل غير مباشر، نظرا لتطابق مضمون العمل الإداري والقانون. وبهذا، انتهى مجلس الدولة إلى أنه قاضي الأعمال الإدارية وليس قاضي الأعمال التشريعية. في حين يبقى قاضي دستورية القوانين هو المجلس الدستوري. إذن، ومتى كان العمل الإداري المطلوب رقابته في مواجهة الدستور، مطابقا للقانون، فالقانون يعد حاجزا عاكسا بين العمل الإداري والدستور، ولا يمكن إبطال العمل الإداري.

  1. E. sect. 6 novembre 1936. Arrighi.

Louis Favoreu et autres. Droit constitutionnel. Op. cit. p. 222.

([56])لتحديد ما إذا كان العمل قابلا للانفصال عن أعمال الحكومة في مجال العلاقات الدولية الفرنسية، يبحث القاضي فيما إذا كان هذا العمل يدور حول النظام الدولي أو النظام الداخلي. وفي هذا الصدد، يعتبر قرار جمعية السلام الأخضر الصادر عن مجلس الدولة نموذجيا في هذا الشأن.(C. E. ass. 29/ 09/ 1995) ففي هذه القضية، تم الطعن ضد قرار رئيس الجمهورية بخصوص إجراء تجارب نووية. مجلس الدولة اعتبر أن هذا الإجراء يعد من ضمن أعمال الحكومة نظرا للبعد الدبلوماسي لحيازة السلاح النووي والذي يعتبر أساس سياسة الردع التي تعتبر قلب السياسة الدبلوماسية الفرنسية. وبذلك، فالعمل يدور حول النظام الدولي. وتكيف على أنبا أعمال سيادة، أيضا، الأعمال التحضيرية لإبرام المعاهدات الدولية، تدابير تنفيذها والتصديق عليها. وكذلك الأعمال الدبلوماسية الثنائية كإرسال الديبلوماسيين واستدعاء السفراء. وكيف مجلس الدولة القرار المتعلق برخصة البناء، محل طلب دولة أجنبية، لبناء سفارة، كعمل قابلللانفصال (C. E. sect. 22/ 12/ 1978. Vo Thank Nghia)

([57]) C. E. 9 juillet 2010. Requête n ° 327663. Fédération nationale de la libre- pensée.

([58]) C. E. Ass. 18 décembre 1998. Affaire SARL du Parc d’activité de Blotzeim et SCI Haselaecker.

([59]) C. E. Ass. 18 décembre 1992. Préfet de la Gironde c. Mahmedi; C. E. 18 décembre 1926. Arnaud; C. E. Ass. 23 novembre 1984. Association «Les Verts»; C. E. 9 janvier 1952. Gény; C. E. 22 février 1952. Sieur Simon; C. E. Ass. 29 septembre 1995. Association Greenpeace France; C. E. Ass. 30 mars 1966. Guyot.

([60]) Frowein, J. and Oellers- Frahm, K. ‘L’application des traités dans l’ordre juridique communautaire’ in : Pierre Michel Eisemann. L’intégration Du Droit International Et Communautaire Dans L’ordre Juridique National: Étude de la Pratique en Europe. Martinus Nijhoff Publishers. Netherlands. 1996. p. 11.

([61]) Treves, T. and Frigessi di Rattalma, M., ‘Italie’ in P. M. Eisemann (ed). Op. cit. p 365.

([62]) Patrick Kinsch. ‘Luxembourg’ in: Dinah Shelton International Law and Domestic Legal Systems: Incorporation, Transformation, and Persuasion. Oxford University Press. 2011. p. 369- 374.

 ([63])Erika de Wet., ‘The Reception Process in the Netherlands and Belgium’ in: Helen Keller and Alec Stone Sweet. (eds), A Europe of Rights. The Impact of the ECHR on National Legal Systems. Oxford. Oxford University Press. 2008. p. 243.

([64])بسبب عدم إدراجها من قبل المشرع الوطني، بموجب قانون، إذ لا يكفي في ظل الأنظمة التي تأخذ بالازدواجية القانونية فعل تصديق السلطة التنفيذية على المعاهدة الدولية، لتصبح نافذة في النظام القانوني الداخلي، بل يتعين إدراجها من قبل السلطة التشريعية، بموجب قانون داخلي.

([65]) David Sloss. The Role of Domestic Courts in Treaty Enforcement: a comparative study. Cambridge University Press. Cambridge. 2009. p. 608- 609.

([66]) Cass. Civ. 1re, 11 juillet 2006. N ° 02- 20.389. Bull. civ. 2006- I. n ° 378. Tunisian Sea Transport Company c. Etat français. p. 325. D. 2006. 2277; Rev. crit. DIP. 2007. 391, note M. Audit.

  1. E. 11 avril 2014. Décision des 3 e, 8 e, 9 e et 10 e sous- sections réunies. N ° 362237, à publier au Lebon.

([67]) l’article 55 de la Constitution du 4 octobre 1958 dispose que: «Les traités ou accords régulièrement ratifiés ou approuvés ont, dès leur publication, une autorité supérieure à celle des lois, sous réserve, pour chaque accord ou traité, de son application par l’autre partie».

([68])والمقصود هنا النشر على المستوى الداخلي. أما النشر على المستوى الدولي، فهو مكرس، عملا بنص المادة ١٠٢ من ميثاق الأمم المتحدة، ف “كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة بعد العمل بهذا الاتفاق يجب أن يسجل في أمانة الهيئة وأن تقوم بنشره بأسرع ما يمكن”. كما ذهبت المادة ٨٠ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات إلى أن “المعاهدات ترسل بعد دخولها حيز التنفيذ إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة لتسجيلها وحفظها، بحسب الحال، وكذلك لنشرها”.

([69]) C. E. ass. 21 décembre 1990. Confédération nationale des associations familiales catholiques et autres; C. E. 12 novembre 2001. Requête n ° 214101. Watenne.

([70]) C. E. Sect. 11 décembre 1959. Commissaire du Gouvernement près la commission de répartition de lindemnité des nationalisations tchécoslovaques.

([71]) C. E. Ass. 13 juillet 1965. Requête n ° 5278. Société Navigator; Cass. 16 mai 1961. Le Breton c/Delle Loesch.

([72]) C. E. 11 avril 1962. Société Savana et Société des Etablissements textiles de Modeliaperth.

([73]) C. E. 4 novembre 1970. Malglaive. Lebon. p. 635.

([74]) C. E. Ass. 8 avril 1987. Requête n ° 79840. Procopio.

([75])Marchi Jean- François. Droit constitutionnel et droit international. La date pertinente pour l’entrée en vigueur, en France, d’une convention internationale; Note sous Conseil

d’État, 1re et 2 e s/sect. 7 juillet 2000. Fédération nationale des associations tutélaires, req. n ° 213461. Revue française de droit constitutionnel. Vol 54. no 2. 2003. p. 401.

([76]) C. E. sec. 7 juillet 2000. Requête n ° 213461. Fédération nationale des associations tutélaires.

([77])المجلس الدستوري. القرار رقم ١- ق. ق- م د- المؤرخ في ١٨ محرم عام ١٤١٠ الموافق ٢٠ غشت سنة ١٩٨٩ المتعلق بقانون الانتخابات.

([78]) CE. Ass. 29 mai 1981. Affaire Rekhou.

([79]) «La règle de réciprocité énoncée à cet article n’a d’autre portée que de constituer une réserve mise à l’application du principe selon lequel les traités ou accords régulièrement ratifiés ou approuvés ont, dès leur publication, une autorité supérieure à celle des lois … Cette règle ne trouve à s’appliquer que dans le cas où il existe une discordance entre un texte de loi et les stipulations d’un traité…

En revanche, l’article 55 de la Constitution ne s’oppose pas à ce que la loi édicte, comme l’article 13 de la loi de finances pour 1981 le fait en l’espèce, des mesures ayant pour objet d’harmoniser la législation nationale avec les dispositions découlant d’un traité, alors même que celles- ci ne seraient pas appliquées par l’ensemble des parties signataires… La règle de réciprocité posée à l’article 55 de la Constitution, si elle affecte la supériorité des traités ou accords sur les lois, n’est pas une condition de la conformité des lois à la Constitution» Conseil constitutionnel. Décision n ° 80- 126 DC 30 décembre 1980.

([80]) فهي ذاتية التطبيق self- executing. وهو حال كل المعاهدات التي تحمي حقوق وحريات الإنسان. وتستثنى كذلك، من تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، اتفاقية الأمم المتحدة بشأن وضع اللاجئين لعام ١٩٥١. أيضا، يستبعد تطبيق هذا المبدأ على اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

([81]) CE Ass. 21 décembre 1990. Confédération nationale des associations familiales.

([82]) Conseil constitutionnel. Décision n ° 98- 408 DC du 22 janvier 1999.

 ([83])Cass. Civ. 6 Mars 1984. Affaire Kryla.

([84]) CE Ass. 9 juillet 2010. Affaire Mme Souad Cheriet- Benseghir.

([85]) CE. 9 avril 1999. Affaire Mme Chevrol- Benkeddach.

 ([86])CEDH. 13 février 2003. N ° 49636/ 99. Chevrol c. France.

([87]) La déclaration gouvernementale du 19 mars 1962 relative à la coopération culturelle entre la France et l’Algérie.

([88])وهذا ما تقرره القاعدة اللاتينية: “pacta sunt servanda”

([89]) وفي المقابل، تنص المادة ٦٠ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات ١٩٦٩، على حالات الإخلال الجوهري بالمعاهدات الثنائية أو الجماعية من قبل أحد أطرافها. قد يستند إلى هذا النص من أحد أطراف النزاع القضائي لتأسيس تحلله من التزاماته الدولية. الجدير بالذكر في هذه الحالة أنه وعلى عكس تضمين مبدأ المعاملة بالمثل في نص دستوري كشرط لدخول المعاهدة في النام القانوني للدولة يخاطب سلطات الدولة الدستورية، فإن نص المادة ٦٠ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات يخاطب الأطراف السامية المتعاقدة على الصعيد الدولي، ويخولها بشروط إمكانية التنصل من التزاماتها الدوليةأو إيقاف العمل بها في حالة ثبوت الإخلال الجوهري من أحد الأطراف.

([90])مع ذلك، هناك من يرى أن مبدأ المعاملة بالمثل هو عرف دولي راسخ ومستقر لا يحتاج لإقراره ضمن نص دستوري. كما أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام ١٩٦٩، في مادتها الستين، تكرس هذا المبدأ. وقد صادقت الجزائر على اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بموجب المرسوم الرئاسي رقم ٨٧- ٢٢٢ المؤرخ في ١٣ أكتوبر ١٩٨٧. كما أن تناولنا لهذا الشرط في ظل القانون الفرنسي، ومعاينة التطور الاجتهادي في هذه المسألة، مرجعه أن الكثير من الاتفاقيات الدولية تتناول في موادها صراحة هذا الشرط، مما يجعل إلمام القاضي الجزائري بالمسألة ضروريا، رغم عدم تناول الدستور الوطني للمسألة.

([91]) رغم هذا التطور في الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي، غير أنه وللأسف لم يذهب نحو الاحتفاظ، في حالة غياب الأثر المباشر، بالرقابة الموضوعية التي اقترحتها Gaelle Dumortierفي خلاصتها الممتازة وقبلها أيضاRonny Abrahamفي خلاصته في قرار GISTI المؤرخ في ٢٣ أفريل ١٩٩٧. فحتى لو لم يوجد للاتفاقية أثر مباشر في مواجهة الأفراد، فيبقى لها دائما قوة قانونية. ويمكنها أن تثير مسؤولية فرنسا على المستوى الدولي؛ فهي تمتلك، داخليا، قوة القانون، حسب ما جاء في ديباجة دستور العام ١٩٤٦، وبذلك يمكن الاحتجاج بها أمام القاضي الوطني.

([92]) C. E. 11 avril 2012. Gisti- FAPIL. cet arrêt, il est affirmé que: «les stipulations d’un traité ou d’un accord régulièrement introduit dans l’ordre juridique interne conformément à l’article 55 de la Constitution peuvent utilement être invoquées à l’appui d’une demande tendant à ce que soit annulé un acte administratif ou écartée l’application d’une loi ou d’un acte administratif incompatibles avec la norme juridique qu’elles contiennent, dès lors qu’elles créent des droits dont les particuliers peuvent directement se prévaloir (….) que sous réserve des cas où est en cause un traité pour lequel la Cour de justice de l’Union européenne dispose d’une compétence exclusive pour déterminer s’il est d’effet direct, une stipulation doit être reconnue d’effet direct par le juge administratif lorsque, eu égard à l’intention exprimée des parties et à l’économie générale du traité invoqué, ainsi qu’à son contenu et à ses termes, elle n’a pas pour objet exclusif de régir les relations entre États et ne requiert l’intervention d’aucun acte complémentaire pour produire des effets à l’égard des particuliers; que l’absence de tels effets ne saurait être déduite de la seule circonstance que la stipulation désigne les États parties comme sujets de l’obligation qu’elle définit».

([93])في دراسة متميزة، للدكتور Bérangère TAXIL، أستاذ القانون العام من جامعة باريس الأولى، خلص فيها إلى أن هذه المعايير هي نفسها في القانونين الأمريكي والفرنسي، غير أن مناهج التفسير لقضاة البلدين مختلفة. وهكذا، فقابلية التطبيق المباشر للاتفاقيات الدولية، معترف بها في فرنسا أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية. فإذا كان التطبيق الداخلي للقاعدة الدولية منظما عبر القواعد الدستورية، فإن التطبيق المباشر لها مشروط بقابلية تطبيقها قضائيا، وبإثارتها من قبل الأطراف. وبعبارة أخرى، يمكن أن نسمي ذلك بالحاجز الدستوري I’ ecran constitutionnel، فالقاعدة الدولية مرتبطة، بخيارات القضاة، من ناحية تطبيقها مباشرة.

إن الممارسة الأمريكية في مادة التطبيق المباشر للاتفاقيات الدولية، هي ممارسة براغماتية- نفعية إلى حد بعيد. مثلا، بالنسبة للمعيار الموضوعي للمعيارية؛ المتعلق بالطابع الدقيق والكامل للقاعدة الدولية، يتم تقديره من طرف القضاة الأمريكيين بالنظر لإرادة السلطات السياسية الوطنية وليس للقواعد الدولية للتفسير، فالمعاهدات الدولية غير الدقيقة وغير الكاملة تخاطب قبل كل شيء السلطات السياسية وليس القضائية. ويمكننا القول، إن تفسير القاعدة الدولية من طرف القاضي ضروري: لكنه مرتبط في النهاية، ليس بإرادة أطراف الاتفاقية، ولكن الطرف الأمريكي فقط. غير أنه في فرنسا، القاضي نفسه هو من يفسر الطابع التطبيقي للقاعدة، متبعا في ذلك القواعد التي وضعتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. ولا سيما، كما ألح على ذلك مفوض الحكومة Abraham، بإمكانية القاضي “استعمال التقنيات المستخلصة من المبادئ العامة للقانون الدولي المشار إليها في المواد من ٣١ إلى ٣٣ من اتفاقية فيينا لسنة ١٩٦٩”

Bérangère taxil. Les Critères De Lapplicabilité Directe Des Traités Internationaux Aux Etats- Unis ET En France. R. I. D. C. no1. 2007. pp. 159- 165.

([94]) يمكن للقاضي الجزائري، الاستئناس بهذا التطور الاجتهادي المتميز. تقليديا، يكون للاتفاقية الدولية أثر مباشر في حالة خلقها لحقوق أو التزامات لصالح أو على عاتق الأفراد ومتى لم تتطلب ضرورة سن إجراءات تطبيقية من جانب السلطات الداخلية (C. E 30 décembre. 2002. Féd Française de basket- ball) غير أن المعايير القضائية للقول بالأثر المباشر لأحكام الاتفاقية تتميز بعدم وضوحها (C .E 23 avril 1997. GISTI). ولتحديد ذلك يلجأ القاضي لاستعمال معيارين رئيسيين: فيفحص، أن الاتفاقية لا تنشئ فقط سوى التزامات بين الدول، وبأنها لا تتطلب سنإجراءات وطنية لتطبيقها. الحقيقة أن قرار GISTI ل ١١ أفريل ٢٠١٢ كرس هذين المعيارين، لكن مع جعلهما أكثر مرونة. أما بالنسبة للمعياران الثانويان، المتعلقان بالمظهر الصياغي والمعياري للاتفاقية، فيندرجان في خانة القرائن البسيطة. ويجب الانتباه، إلى أن ما سبق من حلول، صالح للتطبيق على كل الاتفاقيات باستثناء قانون المجموعة الأوربية: أين احتفظت محكمة العدل للمجموعة الأوروبية، باختصاصها المانع، للقول بالأثر المباشر لاتفاقية ما. كمعيار أول، يجب الإجابة عن سؤال من هو المخاطب بأحكام الاتفاقية الدولية؟ لتحديد مدى تمتعها بأثر مباشر. يقصد بذلك أن الاتفاقية أو البند منها لا يجب أن يكون موضوعه، حصرا، تنظيم العلاقات بين الدول، فلو أن الاتفاقية- أو أحد بنودها- غرضها تنظيم علاقات بين الدول فإنها لا تمتع بالأثر المباشر، ولو أنشأت حقوقا للأفراد. هذا هو التفسير التقليدي، الذي أصبح أكثر ليبيرالية مع قرار مجلس الدولة. هذا الأخير، الذي استعمل مصطلح “حصرا “exclusif الذي يدل على أن الأثر المباشر يجب أن يعترف به للاتفاقية التي تنشئ حقوقا للأفراد، حتى ولو كان غرضها في الوقت نفسه، تنظيم علاقات بين الدول. وهو ما جعل مجلس الدولة الفرنسي يدقق القول بأن غياب الأثر المباشر لا يمكن أن يستخلص من ظرف وحيد بأن البند يخاطب الدول المصادقة كأطرف في الالتزام الذي يتضمنه”. وبعبارة وجيزة، فالبند الاتفاقي الدولي، الذي ينشئ حقوقا للأفراد، يكون ذا أثر مباشر، ولو تضمن في الوقت ذاته، تنظيما لعلاقات بين الدول. المعيار الثاني، ومفاده أن الاتفاقية الدولية لا يجب أن تستلزم تدخل أي عمل قانوني تكميلي لتوليد آثارها في مواجهة الأفراد: وهذا مكرس، تقليديا، أيضا. وهكذا، يكون للمعاهدة أثر مباشر إذا كان تطبيقها لا يستوجب أي إجراء تنفيذي داخلي. الجديد الذي أتى به مجلس الدولة، استعماله لمصطلح “يستلزم “requérir، الذي يدل على أن ضرورة وجود إجراء وطني تطبيقي يجب أن يكون واضحا. ولذلك، لا يكون للمعاهدة أثر مباشر، إلا إذا استوجبت، فعليا، عمل قانوني داخلي لتطبيقها. ويجب الانتباه، أن مجرد نص الاتفاقية على الإجراء التطبيقي الداخلي، غير كاف بذاته، بل يجب أن يكون هذا الإجراء ضروريا، فعلا، لتطبيقها. إذن، مجلس الدولة واضح هنا: القاضي نفسه، فقط، هو من يقدر بكل سيادة، وحالة بحالة، حقيقة وجود تلك الضرورة “الفعلية” إذن، هما معياران حصريان، ذو تطبيق تركيبي، يحددان ما إذا كان لاتفاقية ما أثر مباشر. أما المعياران الثانويان الآخران، فوجودهما تقليدي، ومنذ هذا القرار، ذي النفس الليبيرالي، أدرجا في مصف القرائن البسيطة، وبعبارة أوضح: فهذان المعياران، كانا يعتبران في السابق كمعيارين محددين، أما اليوم فمجرد قرينتين بسيطتين، وهما:- معيار التحرير أو الصياغة: ويفحص القاضي من خلاله مظاهر صياغة الاتفاقية. فالبند الذي يصاغ في شكل أن: “الدول الأطراف….” نادرا ما يكون له أثر مباشر. ونفس الأمر لصياغة “الدول تتعهد/ تلتزم….”، فتفسر هذه الصياغة بأنها تتطلب إجراءات داخلية للتطبيق. معيار الكثافة المعيارية للاتفاقية: وينظر من خلاله لدقة أحكام الاتفاقية أو الغالبية العظمى منها؛ أي مدى دقة القاعدة الاتفاقية الدولية وتكامليتها- كفايتها- بحد ذاتها. ما يميز هذين المعيارين هما صعوبة استعمالها، نسبيا، من طرف القاضي. كما أن آثار عدم احترامهما راديكالية- استئصالية: فينعدم أي أثر مباشر للاتفاقية، بانتفائهما. ففيما يتعلق بمعيار الكثافة المعيارية للاتفاقية، فأحكام نفس الاتفاقية قد يعترف لها بالأثر المباشر من طرف البعض، وترفض تلك الصفة من أخرين، رغم قلة أحكامها غير الدقيقة. أما معيار الصياغة، فيجب تطبيقه بطريقة جد آلية. لذلك، نجد مجلس الدولة، جعل من هذين المعيارين الثانويين مجرد أمارات (قرائن).فذهب إلى أن الأثر المباشر يتحدد “بالنظر لنية الأطراف المعلنة وللاقتصاد العام للاتفاقية، وكذلك بالنظر للمضمون وللمصطلحات”. بهذه الفكرة، قرر القاضي الإداري الأعلى في فرنسا، جعل المعيارين القديمين مجرد قرائن بسيطة، قابلين لدحضهما، بإثبات العكس.

([95]) C. E. Ass. 11 avril 2012. GISTI et FAPIL. Req. n ° 322326.

([96]) la Convention n ° 97 de l’OIT du 1er juillet 1949 relative les travailleurs migrants, ratifiée par la France et publiée par le décret du 4 août 1954 (JORF du 7 août 1954). L’article 6 de la Convention internationale du travail n ° 97 de l’OIT dsipose que:

«1. Tout Membre pour lequel la présente convention est en vigueur s’engage à appliquer, sans discrimination de nationalité, de race, de religion ni de sexe, aux immigrants qui se trouvent légalement dans les limites de son territoire, un traitement qui ne soit pas moins favorable que celui qu’il applique à ses propres ressortissants en ce qui concerne les matières suivantes:

  1. a) dans la mesure où ces questions sont réglementées par la législation ou dépendent des autorités administratives:
  2. i) la rémunération, y compris les allocations familiales lorsque ces allocations font partie de la rémunération, la durée du travail, les heures supplémentaires, les congés payés, les restrictions au travail à domicile, l’âge d’admission à l’emploi, l’apprentissage et la formation professionnelle, le travail des femmes et des adolescents;
  3. ii) l’affiliation aux organisations syndicales et la jouissance des avantages offerts par les conventions collectives;

iii) le logement;

  1. b) la sécurité sociale (à savoir les dispositions légales relatives aux accidents du travail, aux maladies professionnelles, à la maternité, à la maladie, à la vieillesse et au décès, au chômage et aux charges de famille, ainsi qu’à tout autre risque qui, conformément à la législation nationale, est couvert par un système de sécurité sociale), sous réserve:
  2. i) des arrangements appropriés visant le maintien des droits acquis et des droits en cours d’acquisition;
  3. ii) des dispositions particulières prescrites par la législation nationale du pays d’immigration et visant les prestations ou fractions de prestations payables exclusivement sur les fonds publics, ainsi que les allocations versées aux personnes qui ne réunissent pas les conditions de cotisation exigées pour l’attribution d’une pension normale;
  4. c) les impôts, taxes et contributions afférents au travail, perçus au titre du travailleur;
  5. d) les actions en justice concernant les questions mentionnées dans la présente convention.
  6. Dans le cas où il s’agit d’un État fédératif, les dispositions du présent article devront être appliquées dans la mesure où les questions auxquelles elles ont trait sont réglementées par la législation fédérale ou dépendent des autorités administratives fédérales. Il appartiendra à chaque Membre de déterminer dans quelle mesure et dans quelles conditions ces dispositions seront appliquées aux questions qui sont réglementées par la législation des États constituants, provinces ou cantons, ou qui dépendent de leurs autorités administratives. Le Membre indiquera, dans son rapport annuel sur l’application de la convention, dans quelle mesure les questions visées au présent article sont réglementées par la législation fédérale ou dépendent des autorités administratives fédérales. En ce qui concerne les questions qui sont réglementées par la législation des États constituants, provinces ou cantons ou qui dépendent de leurs autorités administratives, le Membre agira conformément aux dispositions prévues au paragraphe 7 b) de l’article 19 de la Constitution de l’Organisation internationale du Travail.»

([97]) وهذا مكرس منذ قرار Cohn Bendit الذي أكد أن التوجيهات الأوروبية ليس لها أثر مباشر في غياب عمل قانوني داخلي يحدد كيفيات تطبيقها. انظر:C. E. 22 decembre 1978. Cohn Bendit.

مجلس الدولة، تراجع، واعترف بالقوة القانونية الملزمة للتوجيهات الأوروبية، حتى في غياب عمل قانوني داخلي يحدد كيفيات تطبيقه. فأبطل تنظيما إداريا يخالف الأهداف المقررة في التوجيه الأوروبي. بل وذهب إلى أن القانون نفسه يجب أن يحترم الأهداف التي حددها التوجيه الأوروبي المشترك. كما يمكن الدفع بعدم شرعية تنظيم يتناقض مع الأحكام الأوروبية المشتركة، ولا يمكن لقاعدة وطنية، متناقضة مع أهداف التوجيهات الأوروبية، أن تمنح الشرعية لقرار فردي، محل طعن قضائي، وأن هذا التناقض يتم تقديره ليس بالنظر إلى القانون بل بالنظر إلى المبادئ العامة للقانون. ثم، وفي تطور آخر، ذهب مجلس الدولة إلى أن كل متقاض له الحق، بمناسبة طعن موجه ضد عمل إداري تنظيمي، طلب تفضيل أحكام توجيه أوروبي وتطبيقها، لما لا تتخذ الدولة في الآجال المحددة، الإجراءات التحويلية الضرورية. انظر:

  1. E. 03 février 1989. Compagnie Alitalia; C. E. Ass. 28 février 1992. SA Rothmans International; C. E. Ass. 30 octobre 1996. Cabinet Revert et Badelon; C. E. Ass. 06 février 1998. Tête, Association de sauvegarde de l’Ouest lyonnais; C. E. 30 octobre 2009. Mme Perreux.

([98])Serge Slama. Adoption de nouveaux critères de détermination de leffet direct des normes Internationales sans consacrer leur invocabilité systématique. In Lettre Actualités Droits- Libertés. CREDOF. 14 mai 2012.

([99]) Marie Gautier. Droit insitutionnel de l’Union européenne. Presses universitaires de France. 2010.

([100]) وهو أول نموذج تم تكريسه. ويمكن من خلاله للقاضي الوطني تفسير القانون الوطني على ضوء القانون الأوروبي المشترك ولو كان هذا الأخير غير ذي أثر مباشر. ففي قرار Von Colson et Kamannل ١٠ أفريل ١٩٨٤ أقرت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي للأفراد بإمكانية الاحتجاج بالتوجيهات الأوروبية، التي ليس لها أثر مباشر، أمام القاضي الوطني، لدفعه لتفسير القانون الوطني على ضوء تلك التوجيهات. ونفس التوجه في قرار Maria Pupinoل ١٦ جوان ٢٠٠٥- والهدف من هذا التفسير هو حماية تمتع الأفراد بالحقوق التي يضمنها القانون الأوروبي المشترك، عبر تفسير فعال وموسع للقواعد الوطنية؛ خاصة إذا كانت صياغتها في شكل مبادئ عامة قابلة لعدة تفسيرات. ومع ذلك، لا يمكن لهذا التفسير المطابق أن يذهب نحو مناقضة المصطلحات الصريحة للقانون الداخلي.

Antoine Masson. Droit communautaire: Droit institutionnel et droit matériel. Op. cit. p. 269- 272.

([101]) وهو ما يعرف كذلك بمبدأ مسؤولية الدولة عن فعل خرق القانون الأوروبي المشترك. في قرار Francovich et Bonifaciل ١٩ ديسمبر ١٩٩١، لم تقم دولة إيطاليا بتحويل توجيه أوروبي يؤسس لنظام تعويضي لفائدة العمال الإجراء. هذا التوجيه الأوروبي ليس له أثر مباشر. بالنتيجة العمال الإجراء ليس بإمكانهم أن يطلبوا فرض تطبيق الحقوق التي يخولها التوجيه. مع ذلك، فمحكمة العدل، صرحت بإمكانية الاحتجاج بالتوجيه لمطالبة الدولة الإيطالية بإصلاح الأضرار المتولدة عن “عدم تحويل” التوجيه الأوروبي للقانون الداخلي.

Laurence Potvin- Solis. Les effets du droit de l’Union européenne sur les compétences des collectivités territoriales. L’Harmattan. 2013. p. 49.

([102])في حالة عدم السماح بإحلال القاعدة الأوروبية المشتركة مكان القاعدة الوطنية المخالفة لها، يمكن، دائما، استبعاد تطبيق القاعدة الوطنية المخالفة. ورغم ذلك، فهذا المبدأ ظل لمدة طويلة غامضا ومحل حساسية من طرف محكمة العدل. لكن، في قرار Linster ل ١٩ سبتمبر ٢٠٠٠ قبلت محكمة العدل بالاحتجاج الإقصائي للقواعد غير المتمتعة بالأثر المباشر، وهذا ما اعتبر كقفزة نوعية، فذهبت المحكمة إلى أن القاعدة الأوروبية، وبالاستقلال عن أثرها المباشر من عدمه، يمكن الاحتجاج باستبعاد- إقصاء- تطبيق قانون وطني يخالفها. وكذلك في قرار Unilever Italiaل ٢٦ سبتمبر ٢٠٠٠، بمناسبة نزاع بين أفراد، وحتى ولو أن التوجيهات لا يمكن في كل الفرضيات أن تولد أثرا مباشرا أفقيا، قبلت محكمة العدل بالاحتجاج الإقصائي للتوجيه الأوروبي، ولو في نزاع بين الأفراد.

([103])عند الحاجة لإحلال أو إضافة بند اتفاقي، للقانون الوطني غير المتوافق أو غير الكامل، لتسوية النزاع ويسمى هذا ب “الاحتجاج الحلولي”.

([104])فخاصية الأثر المباشر، هي في الواقع ضرورية لإدخال القاعدة الأوروبية ضمن النظام القانوني الوطني، وجعلها في مصاف السمو مقارنة بالقانون الوطني. وهكذا، فالقاضي الوطني، ملزم بترك تطبيق كل قاعدة وطنية، مناقضة لقاعدة أوروبية لها أثر مباشر، وتطبيق هاته الأخيرة. هذا ما يسمى بالحلول.

Catherine Weniger. La Responsabilité du Fait des Produits pour les Dommages Causes à un Tiers au Sein de la Communauté Européenne. Etude de droit comparé. Librairie DROZ. Genève. 1994. P. 231.

([105]) C. E. Ass. 23 décembre 2011. M. Eduardo José Kandyrine de Brito Paiva.

([106])هذه القاعدة مكرسة بموجب المادة ٢٦ من اتفاقية فيينا ١٩٦٩ “تلتزم الدولة الأطراف بالمعاهدات السارية ويجب أن تطبقها بحسن نية”.

([107]) Cons. Constit. décision n ° 86- 216 DC du 3 septembre 1986. Entrée et séjour des étrangers en France; Cons. Constit. décision n ° 92- 308 DC du 9 avril 1992. Traité sur l’Union européenne.

([108]) C. E. Ass. 3 octobre 2008. Commune d’Annecy. N ° 297931.

([109]) Bob Kieffer. L’organisation mondiale du commerce et l’évolution du droit international public. Larcier. 2008. P. 42.

([110]) Cour permanente internationale de justice. Avis, 21 février 1925 sur l’échange des populations grecques et turques.

([111]) Cass. Crim. 15 octobre 1991, n ° 90- 86- 791; Cass. Crim. 31 janvier 2001. N ° 00-

  1. 341.

([112]) Cass. Soc. 16 décembre 2008. Eichenlaub c/ Axia. N ° 05- 40876.

([113])مجلس قضاء الوادي. محكمة قمار. القسم الاجتماعي. قضية رقم: ٧٣٩- ١٥ حكم نهائي. فهرس ٨٣٥- ١٥. ١٦- ١٢- ٢٠١٥. ص. ٠٥.

([114])مجلس قضاء الوادي. محكمة قمار. القسم الاجتماعي. قضية رقم: ٧٣٨- ١٥ حكم نهائي. فهرس ٨٣٣- ١٥.١٦ ١٢ ٢٠١٥. ص. ٠٣.

([115])محكمة قمار (الجزائرية). قسم شؤون الأسرة. حكم بتاريخ ١٤- ٠١- ٢٠٢٠. فهرس ٠٠٠٢٨- ٢٠.

([116]) C. E. 29 juillet 1994. requête n ° 143866. Préfet de la Seine- maritime.

([117])محكمة قمار (الجزائرية). قسم الجنح. حكم بتاريخ ١٤- ٠٢- ٢٠١٩. فهرس ٠٠٠١٨٢- ١٩.

([118]) «it is the technique which allows individuals to enforce a subjective right, which is only available in the internal legal order in an instrument that comes from outside that order, against another (state or private) actor» see: Tim CORTHAUT, Koen LENAERTS. Of birds and hedges: The role of primacy invoking norms of EU law. European law review. Vol. 31; issue. 3. 2006. p. 310.

 ([119])Koen LENAERTS. Direct effect and direct applicability of international law in EU legal order. In: Inge Govaere, Erwan Lannon, Peter van Elsuwege, Stanislas Adam. The European Union in the World: Essays in Honour of Marc Maresceau. Martinus Nijhoff Publishers. Leiden. 2014. P. 59.

Chiara Giorgetti. The Rules, Practice, and Jurisprudence of International Courts and Tribunals. Martinus Nijhoff Publishers. Leiden. 2012. P. 437.

 ([120])André NOLLKAEMPER. National Courts and the International Rule of Law. Oxford University Press. 2011. p. 132- 133.

([121]) Allan Rosas. The European Court of Justice and public international Law. In: Jan Wooters, Andre Nollkaemper, Erica DE Wet. The Europeanization of international law. T. M. C. Asser press. La Haye. 2008. P. 75.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading