العلوم السياسية ما بين  تأثير تقنيات الذكاء

الاصطناعي  ومراجعة أركان ووظائف مفهوم الدولة وبنية النظام العالمي

د.هبة جمال الدين محمد العزب*

مستخلص

أحدثت تقنيات الذكاء الاصطناعي ثورة في برامج حاسوبية تحاكي القدرات الذهنية فأصبحنا أمام متغيرات جديدة تحتاج إلى البحث وإعادة النظر في أركان العلم ذاته، ووحدات التحليل المختلفة بداخل حقل العلوم السياسي كالدولة والنظام الدولي. فتحاول هذه الورقة استكمال النقاش العلمي الدائر حول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على العلوم السياسية بالتركيز على وحدتي التحليل الأبرز؛ الدولة والنظام الدولي. وتسعى الورقة لمناقشة إشكالية تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على فرع العلوم السياسية، وما تطرحه من إشكاليات مصاحبة حول تجديد العلم بأفرعه المختلفة فتلك التقنيات تدفعنا لإعادة النظر لمبادئ العلم ذاته. تمهيدًا لطرح سياسات يمكن استنباطها من الخبرة العملية والمشاهدات النظرية التي تم استقرائها خلال الدراسة وذلك للاستعداد والجاهزية في إطار تقنيات حديثة متوقع أن تغير موازين القوى ومقدراتها وشكل التفاعلات بين الدول التي قد تغير أركانها ووظائفها بالأساس. في هذا السياق، تنقسم الورقة لأربعة  أقسام رئيسة؛ الأول يتناول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على الدولة؛ والأركان والوظائف والتهديدات، والثاني يناقش تأثير التقنيات الحديثة على النموذج الديموقراطي من حيث المفهوم وزيادة سلطة المواطن وركائز الديموقراطية، أما القسم الثالث فيتناول تأثير الذكاء الاصطناعي على النظام الدولي. والقسم الرابع يطرح أبرز السياسات الممكن طرحها أمام صانع القرار العربي  في إطار ما تم التوصل إليه بالدراسة.

كلمات مفتاحية: الذكاء الاصطناعي، بنية النظام الدولي، أركان الدولة، وظائف الدولة

Abstract:

Artificial intelligence techniques have revolutionized computer programs that simulate mental abilities, so we are faced with new variables that require research and reconsideration of the pillars of science itself, and the main units of analysis within the field of political science such as the state and the international system. This paper attempts to participate in the scientific debate on the impact of artificial intelligence techniques on political science by focusing on the two most prominent units of analysis; The state and the international system.

The paper seeks to discuss the impact of artificial intelligence techniques on the branch of political science, and the accompanying problems it poses about the renewal of science in its various branches. These techniques push us to reconsider the principles of science itself. In this context, the paper is divided into four main sections; The first deals with the impact of artificial intelligence technologies on the state; The pillars, functions and threats. The second discusses the impact of modern technologies on the democratic model in terms of concept and the increase of citizen power and the pillars of democracy. The third section deals with the impact of artificial intelligence on the international system. The fourth section presents the most prominent policies that can be presented to the Arab decision-maker within the framework of what was reached in the study.

Key Words: ARTIFICIAL INTELLIGENCE, NTERNATIONAL POLITICAL SYSTEM structure, STATE PILLARS, STATE CONCEPT.

أولاً: مقدمـــة:

مع التقدم الكبير الذي أحدثته تقنيات الذكاء الاصطناعي في ظهور برامج حاسوبية تحاكي القدرات الذهنية، وأنماط عملها في ظل قدرتها على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج عليها الالة[1]، مع وجود ثورة تكنولوجية ومعلوماتية هائلة ظهرت خلالها مفاهيم حديثة كالبيانات الضخمة، وأنترنت الأشياء، وتعلم الآلة، وسلاسل الكتل، ظهرت تحديات جديدة تشمل مختلف العلوم ليس فقط الكمية والطبيعية، ولكن امتدت إلى العلوم الاجتماعية بأفرعها المختلفة التي يندرج في إطارها فرع العلوم السياسية.

 فأصبحنا أمام متغيرات جديدة تحتاج إلى البحث وإعادة النظر في أركان العلم ذاته، ووحدات التحليل المختلفة بداخل العلم كالدولة والنظام الدولي. وهذا الجدل الذي أسترعي اهتمام مراكز الفكر والأبحاث، والجامعات العالمية كمركز التكنولوجيا والشئون الخارجية بجامعة أكسفورد الذي يجري مشروع بحثي كبير حول تأثير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي على العلوم السياسية. وتقريرChatam House  بالمعهد الملكي للشئون الدولية الصادر عام 2018 حول مستقبل الذكاء الاصطناعي على الشئون الدولية، حيث أختبر التقرير تأثير الذكاء الاصطناعي على الشئون الدولية والعسكرية والأمن الإنساني والركائز الاقتصادية.[2]

 وتعمل جامعة برنستون  Princetonعلى دراسة المحاور السياسية للذكاء الاصطناعي[3]. وتدور الاهتمامات البحثية حول دراسة تأثير التقنيات على فرعي علم العلوم السياسية الأبرز؛ حقل النظم السياسية، وحقل العلاقات الدولية. وامتدادًا لهذا الجهد البحثي وهناك دراسات كدراسة Ronny Patz توصلت إلى نجاح التقنيات الحديثة في إزالة الحدود المعرفية بين الحقلين، ووحدتي التحليل الأبرز الدولة والنظام الدولي[4]. واستكمالاً لما سبق ذكره، تحاول هذه الورقة استكمال النقاش العلمي الدائر حول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على العلوم السياسية بالتركيز على وحدتي التحليل الأبرز؛ الدولة والنظام الدولي. فكان للتطور التكنولوجي المتسارع الفضل في إعادة النظر لأركان العلم وفقا لنظريات العلوم السياسية المتعارف عليها. فعلينا الوقوف والتساؤل حول مفهوم السلطة كمفهوم مطلق، يكرس لاحتكار الدولة للقوى والسلطة. وعلينا إعادة النظر لمقومات الشرعية والرضاء الذي يستند عليها الحاكم  كميثاق شرعي يمكنه من تقلد السلطة وممارستها.

كما تسعى للتطرق لدراسة وظائف الدولة واختبار استمرارية الوظائف التقليدية التي أقرتها النظريات المتعارف عليها، في العلوم السياسية كوظيفة الدولة الحامية، والوظيفة الاقتصادية للدولة، وممارسة الإكراه، ونشر الوعي والثقافة. وفي سياق الوظيفة الأمنية للدولة ومقدرات الأمن القومي، تتطرق الورقة لدراسة تحديات الأمن القومي في ظل التقنيات الجديدة، هل تستمر كما هي اذا زادت الحدة، أم تغيرت نوعية التحديات والتهديدات ومداها، هل يقف عند حدود الدولة أم يمتد لوحدة تحليلية أكبر كالنظام الدولي، وتأثير ذلك على السلم والأمن الدوليين في ظل ظهور الحشرات الروبوتية والطيارات بدون طيار.

وبدورها تنتقل الورقة للوحدة الثانية محل الاهتمام “النظام الدولي”، وتحاول الوقوف على مدى تأثير التقنيات الحديثة على محددات التفاعل بين الفاعلين الدوليين بالنظام الدولي، وهوية الفاعلين داخله وإشكالية امتلاك الأسلحة الذكية المتطورة، ومحددات مقدرات توزيع القوى داخل النظام الدولي فهل تستمر كما هي وما مدى تأثير ذلك على السلم والأمن الدوليين. وفي إطار ما سبق ذكره يمكن القول أن هذه الورقة تتطرق لمناقشة إشكالية تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على فرع العلوم السياسية، وما تطرحه من إشكاليات مصاحبة حول تجديد العلم بأفرعه المختلفة فتلك التقنيات تدفعنا لإعادة النظر لمبادئ العلم ذاته. تمهيدًا لطرح سياسات يمكن استنباطها من الخبرة العملية والمشاهدات النظرية التي تم استقرائها خلال الدراسة وذلك للاستعداد والجاهزية في إطار تقنيات حديثة متوقع أن تغير موازين القوى ومقدراتها وشكل التفاعلات بين الدول التي قد تغير أركانها ووظائفها بالأساس. في هذا السياق، تنقسم الورقة لأربعة  أقسام رئيسة؛ الأول يتناول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على الدولة؛ والأركان والوظائف والتهديدات، والثاني يناقش تأثير التقنيات الحديثة على النموذج الديموقراطي من حيث المفهوم وزيادة سلطة المواطن وركائز الديموقراطية، أما القسم الثالث فيتناول تأثير الذكاء الاصطناعي على النظام الدولي. والقسم الرابع يطرح أبرز السياسات الممكن طرحها أمام صانع القرار العربي في إطار ما تم التوصل إليه بالدراسة.

ثانياً: فرضيات البحث:

· ساعد الذكاء الاصطناعي على تغير مفهوم أركان الدولة بالمعني المتعارف عليه بنظريات العلوم السياسية.

·أحدثت تقنيات الذكاء الاصطناعي تغير جوهري في وظائف الدولة التقليدية.

·زادت التقنيات الحديثة من احتمالية عدم الاستقرار ببنية النظام الدولي.

·تغيرت مقدرات القوى المحددة للقوى الصاعدة ببنية النظام الدولي بفعل الذكاء الاصطناعي.

ثالثاً: أهداف البحث:

·  اختبار تأثير التقنيات الحديثة على أركان الدولة

·  الوقوف على التغيرات المفترض مراجعتها في وظائف الدولة بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

·  تغير مقدرات القوى وما يفرضه الذكاء الاصطناعي من مراجعات مهمة على كاهل الدول.

·  التطرق إلى التطور المعرفي الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في وحدتي التحليل الأساسيتين في حقلي النظم السياسية والعلاقات الدولية.

·  ماهية أبرز السياسات الممكن طرحها أمام صانع القرار العربي لبناء قدرات الدولة ومقدراتها للصعود بالنظام الدولي

رابعاً: المنهج المستخدم:

يجمع البحث بين المنهج الاستقرائي ومنهج تحليل السياسات العامة: فتستخدم الدراسة المنهج الاستقرائي حيث تم توظيفه في إطار نظرية الدولة ومفهوم النظام الدولي، وتم جمع البيانات حول التطورات الحديثة التي طرأت بفعل التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي، وتتبع الظواهر المرتبطة بفعل التقنيات الحديثة على أركان الدولة ووظائفها ومحددات القوى الدولية والاستقرار بالنظام الدولي والربط بينها في مجموعة من العلاقات الكلية العامة للوصول لمجموعة من الاستنتاجات المبينة على ملاحظات جزئية متكررة قابلة للتفسير للوصول للمشاهدات العامة حول ما طرأ على الركائز الكلية الأساسية لنظرية الدولة ومفهوم النظام الدولي. كما تستخدم منهج تحليل السياسات العامة فبعد طرح التغيرات الطارئة على ركائز الدولة ووظائفها الأساسية ومقدرات القوى الطارئة التي ستغير موازين القوى بالنظام الدولي سيتم طرح بعض السياسات المستنبطة من النتائج التي تم استقرائها بفعل المنهج الاستقرائي وصياغتها للطرح أمام صانع القرار، وذلك لبناء سياسات مستنبطه من المشاهدات النظرية والخبرة التطبيقية لطرحها من أجل الاستعداد والجاهزية.

القسم الأول: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على الدولة (المفهوم والوظائف والتهديدات)

طرح الذكاء الاصطناعي إشكالية كبيرة أمام علماء السياسة، حول أركان مفهوم الدولة الأربع الاساسية (السيادة، والسلطة، الشعب، الإقليم). فلم تعد الدولة هي المحتكر للقوة والعنف وسلطة الاكراه في المجتمع. فأصبحنا أمام كيانات من غير الدول تستخدم القوة والعنف والأسلحة التي أصبحت في متناول العديد من القوى، ولم تعد قادرة على ممارسة سلطتها بشكل مطلق فسلطتها أصبحت محل تنازع بين من يمتلك التكنولوجيا والبيانات ومقدرات القوى. كما أنها لم تعد الدولة الحامية بالمفهوم المتعارف عليه، بشأن تأمين البيانات وحماية الارواح. الأمر الذي يؤكد على تغير ركائز الشرعية ومفهومها.

يضاف إلى تغير وظائف الدولة فلم تعد هي المحتكر الوحيد للقوى، ولم تعد قادرة على لعب دور الدولة الحامية بشكل مطلق؛ حتى أن ما تلعبه من وظيفة اقتصادية وتوعوية دخل الذكاء الاصطناعي في سياقهما ليغير المحددات والادوار، مما خلق تهديدات جديدة أمام الأمن القومي للدول.

في هذا الصدد، سينقسم هذا المحور الأول لقسمين رئيسين؛ القسم الأول يناقش تأثير الذكاء الاصطناعي على أركان مفهوم الدولة كمحاولة لأثبات صحة الفرضية الأولى للدراسة، والثاني يتناول التأثير على وظائف الدولة للبحث في مدى صحة الفرضية الثانية للدراسة.

أولاً: تأثير الذكاء الاصطناعي على أركان مفهوم الدولة:

يثير هذا المحور جدلية تأثير الذكاء الاصطناعي على أركان الدولة، حيث خلق تغيرا واضحا في الأركان الأربع فإذا نظرنا إلى مفهوم السيادة، فقد تم انتقاصها لصالح فاعلين من غير الدول والشركات التي تمتلك البيانات، ولم تعد المحتكر الوحيد للقوة وسلطة الاكراه. كما أن ركيزة السلطة حدث بها تراجعًا في سلطة الدولة القومية لصالح الحكومة العالمية؛ كمفهوم افتراضي تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي على ظهوره، كما أن مبررات القوى لامتلاك السلطة أصبحت اكثر ذكاءا Smart. وإذا نظرنا إلى الشرعية فامتلاك التكنولوجيا يتم طرحه كمدخل لشرعية التحكم في الموارد، ولبناء برنامج انتخابي يلبي تطلعات الشعوب بحكم تقنيات الذكاء الاصطناعي.  أما بشأن الشعب  فقد أضحى المعيار الحاكم لقوة المكون البشري هو متوسط ذكاء الفرد IQ ،  ومدى توافر مهارات جديدة اكثر ذكاءًا وابداعًا، كما أنه لم يعد نقص عدد السكان هو المعيار الحاكم بسبب ظهور الآلة والإنسان الآلي كبديل نسبي عن القوى البشرية. ويظهر ذلك في الشكل رقم 1

الشكل رقم 1: تأثير الذكاء الاصطناعي على أركان مفهوم الدولة

المصدر: الشكل من إعداد الباحثة

  1. السلطة محل انتقاص ومبرراتها أكثر ذكاءاً :

تؤثر تقنيات الذكاء الاصطناعي على مفهوم السلطة كأحد ركائز الدولة فقد اصبحت أكثر ذكاءا الأمر الذي يتطلب أعادة النظر للمفهوم التقليدي للسلطة السياسية، هذا في إطار ظهور مفهموم الحكومة العالمية واشكالية تراجع السلطة السياسية للدولة. وهذا ما سيتم مناقشته ويظهر ذلك في الشكل رقم 2

الشكل رقم 2: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على مفهوم السلطة

1.1 انتقاص مفهوم السلطة لصالح الحكومة العالمية:

بمعنى افتقاد السلطة السياسية التأثير على نشاط “ما بعد الحقيقة”، فيميل مجتمع ما بعد الحقيقة لحل أية سلطة مستقرة  وطويلة الأجل، فالأمر يتعدى حدود السلطة السياسية ليصل إلى السلطة الاخلاقية، ويميل لهدم مفهوم القيم المشتركة والمصلحة العامة، أو الصالح العام التي تأسست على سلطة الدين أو العقل.[5] مقابل سلطة أشمل لا تتقيد بحدود تربط العالم ببعضه؛ فترعى الحكومة الامريكية منتدى يسمى AI World Government  منتدى حكومة العالم للذكاء الاصطناعي؛ تهدف من خلاله لنشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بمختلف دول العالم، عبر بناء قدرات الهيئات الحكومية والعاملين لربط كل الانشطة بالتقنيات الحديثة؛ لتعزيز أداء الخدمات الحكومية بمختلف دول العالم.[6]

1.2 مبررات السلطة أضحت أكثر ذكاءًا:

 ظهر مفهوم الدولة الذكية ليطرح اشكالية جديدة أمام الدول، لتطوير قدرتها الحكومية وخدماتها لتلبي احتياجات المواطنين، خاصة في ظل ظهور شركات عالمية تلبي متطلبات المواطن كجوجل وفيسبوك وشركة أبل، بكفاءة ومهارة عالية. فالحكومة الذكية هي سريعة الاستجابة وذكية ومتكاملة، لذا تتضمن الحوكمة التكنولوجيا الحديثة كمعيار للحكم على  حسن إدارة مؤسسات الدولة بفروعها الثلاثة.

 فقد أصبحت الأتمتة  من أبرز معايير الحكم على أداء السلطة، وأضحت القوى الناعمة من محدداتها استخدام التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي. فالحكومات التي لا تستطيع الاستجابة  التكنولوجية لاحتياجات مواطنيها تفتقد دواعي السلطة والسيطرة والنفوذ. ففي عام 2017 قامت المملكة المتحدة بالإعلان عن استراتيجية التحول الحكومي  في مجال التكنولوجية الرقمية، لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والحكومة. [7]

  1. تغير مفهوم السيادة ما بين الانتقاص والتقاسم:

مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي ظهرت اشكالية مهمة تتعلق بمفهوم السيادة إلى أي مدى تم تدعيمها أم انتقاصها بفعل التقنيات الحديثة. وهذا ما سيتم مناقشته خلال هذا الجزء ويظهر عبر الشكل رقم 3

الشكل رقم 3: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على مفهوم السيادة

2.1الدولة لم تعد المحتكر الوحيد لمقدرات القوة:

استطاعت تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة إتاحة القدرات العسكرية، التي تمتلكها الدول بتكلفة أقل ويسرت تداولها فلم تعد حكرا على الدول فقط، بل وخلقت قدرات أخرى جديدة من اليسير الحصول عليها، ودفع تكلفتها من قبل قطاع عريض من الفاعلين من غير الدول. فعلى سبيل المثال تمكن الحوسبة الإلكترونية من توفير واتاحة “الدرونز” الطائرات بدون طيار طويلة المدى سواء للدول أو للفاعلين من غير الدول. [8]

ومع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي للدرونز يزيد الأمر خطورة، عبر إدخال تقنيات التعرف على الوجه بالدرون، أو عبر استخدام حواسب بها تقنيات الذكاء الاصطناعي الذكية الأمر الذي يرفع من قدرتها ويقلل من التدخل البشري كتعاون شركة مايكروسوفت، وشركة دي جي اي العملاقة عام 2018 لصناعة الطائرات بدون طيار تجمع بين الحوسبة والذكاء الاصطناعي عبر تزويد الدرون بحواسب محمولة، تتمتع بتقنيات الذكاء الاصطناعي المدمجة بالمركبات الجوية غير المأهولة. ومن ثم تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بتحليل البيانات المستهدفة دون الحاجة لرفع البيانات لسحابة إلكترونية لإجراء التحليل، مما يعني زيادة قدرات الدورن بفعل ادماج تقنيات الذكاء الاصطناعي به.[9]

 وقد استفادت الجماعات الإرهابيّة من التطبيقات المُختلفة للذكاء الاصطناعي والحوسبة ووظَّفتها لأغراضٍ إرهابيّة، في ظل سهولة النفاذ للأسواق فلم تعد مثل هذه التقنيات حكرا على الدول، وإنما أضحى من اليسير الوصول إليها من قبل الفاعلين من غير الدول، ومنها الجماعات الإرهابية والعصابات مثل إقدام “داعش” على تطوير درونز واستخدامها في تحميل موادّ متفجّرة، يشكِّل دليلاً واضحاً في هذا الإطار. فعن طريق الجمع بين الحوسبة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي استفادت الجماعات الإرهابية منها في أعمال التجسُّس، والتعقُّب، والرقابة، ورصْد الأهداف. إضافة إلى عمليّات الاغتيال، ولاسيّما أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي تجعل عمليّات الاغتيال هذه أكثر دقّة، إذ تمَّ بناء درونز تعمل بأنظمة” التعرُّف على الوجه (Facial Recognition)، لتحديد وجه الشخص المُراد تصفيته، وشنّ اغتيالات بصورة يصعب اقتفاء آثارها. [10] في ظل اتمته العمالة المدربة وتوافرها في السوق السوداء، مما يمثل تهديدا للأمن القومي للدول.[11]

2.2انتقاص سيادة الدولة لصالح فاعلين اخرين:

ظهر فاعلون جدد يشاركون الدول في تفوقها وسيادتها في مختلف المجالات، التي يأتي على رأسها المجال الاستخباراتي؛ فتم إزالة الحدود بين المنظمات الاستخباراتية، والقطاع الخاص بشأن المعلومات. فأضحى القطاع الخاص يشارك الاجهزة الاستخباراتية؛ في ملكية تقنيات جمع وتحليل وتتبع المعلومات والاهداف الاستخباراتية.

فظهرت منصات تشارك المعلومات ينشئها القطاع الخاص، بجانب المنصات التي يتم تطويرها من قبل المنظمات الاستخبارية ذاتها لتخدم مصالحها. وهناك أنواعا مختلفة من التعاون بين الهيئات الاستخباراتية والشركات الخاصة، كصندوق (IN_Q_TEL) المالي في الولايات المتحدة، حيث يهدف لتشخيص الشركات التي تقوم بتطوير التكنولوجيا الرائدة التي تخدم الأمن الامريكي القومي والاستثمار فيها، لتسمح للمجتمع الاستخباراتي الأمريكي للوقوف على رأس جبهة التطوير التقني، وهذا الصندوق هو شركة مستقلة لا تتبع اية وكالة حكومية، لكن هناك تنسيق متصل ولصيق يجري بين الصندوق وبين وكالة الاستخبارات الامريكية وتعد الحكومة الامريكية المستثمر الاول فيه.[12]

  1. الذكاء الاصطناعي مبررا لاكتساب الشرعية بل ومدخل للحصول عليها:

كان لتقنيات الذكاء الاصطناعي دور في مراجعة مبررات اكتساب الشرعية فأصبحت ألة ومبرر، ألة لاكتساب الدعم ومبرر للحصول عليها وفقا للتوجهات الدولية الجديدة. ويظهر ذلك في الشكل رقم 4.

الشكل رقم 4: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على مفهوم الشرعية

3.1 امتلاك التقنيات الحديثة مبرر للحصول على الشرعية:

أثارت الأمم المتحدة إشكالية ندرة الموارد الطبيعية وأثارها السلبية على استدامة العالم ككل، في ظل ما اسمته بـ “التوزيع غير العادل للموارد” لدول اكثر فسادا، وأقل تطورا لا تمتلك التكنولوجيا الحديثة التي تساعدها على تصنيع المورد النادر؛ الذي سينضب في يوم ما خاصة بفعل غياب الرؤية التخطيطية لاستخراج، وترشيد وتصنيع هذا المورد النادر. وطرحت صيغة تشارك الموارد كمطلب لاستدامة العالم.[13] هنا جاءت التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي كمبرر لإدارة الموارد بل والتحكم بها، كالمياه والنفط والحاصلات الزراعية.  وفي هذا السياق، هناك العديد من الدراسات التي تؤكد رؤية تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترشيد إدارة المورد. فعلى سبيل المثال أجرى مركز دراسة المخاطر الوجودية (CSER) في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، دراسة حول مزايا وعيوب استخدام خوارزمية الذكاء الاصطناعي للمساعدة علي الاستفادة المثلى من الموارد، مثل المياه والأراضي الزراعية. ووجد فرصة كبيرة تقدمها الخوارزميات في مجال تحسين إدارة الموارد؛ ففي مجال الزرعة على سبيل المثال يمكن لخوارزمية الذكاء الاصطناعي تقديم توصيات زراعية، حول المحاصيل التي ستزرع وأفضل طريقة لزراعتها.

ويتأتى ذلك عبر استخدام المدخلات التي تتضمن الأحوال الجوية والتنبؤات، وأسعار السوق، والموقع الجغرافي، مما سيؤدي لدعم المنظومة الزراعية، خاصة في المجتمعات المهمشة. وسيسفر عن زيادة الحصيلة الزراعية وتقليل الموارد المائية، المستخدمة، وبالمقابل دعم منظومة الأمن الغذائي والاقتصادي.

 فيمكن أن تساعد الخوارزميات في تحديد المحاصيل التي تحتاج إلى الماء أو المغذيات، ومتى وإلى من ينبغي توزيع هذه الموارد. وكذا تحديد أنماط إنتاج واستهلاك الموارد الزراعية المعقدة للغاية، بحيث لا يمكن للبشر إدراكها. كما يمكن أن تقدم الأنظمة توصيات دقيقة لإدارة وتوزيع الموارد مع مراعاة السياق الإقليمي والثقافي، بما في ذلك التقاليد والأعراف الاجتماعية، والمناخ والظروف المناخية المحددة ، وتوقعات الناس ، لتقديم حلول أكثر كفاءة.[14]

 كما تستطيع أيضا تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر استخدام آلية البيانات الضخمة تحسين إدارة الموارد المائية، فعلى سبيل المثال تدعم خوارزميات ANN بناء محطات المياه التي تقدم إحصاءات محدثة حول الموارد الحالية، وتساعد على بناء نماذج للمواقف القادمة.  كما أنها تساهم في تنمية الموارد المائية الحالية، وتحسين الموارد المتاحة وأتمتتها تلقائيًا. فمن خلالها يمكن أن تقف الهيئات الحاكمة والإدارات المعنية بالمياه على أسباب فقدان المياه، وإساءة استخدامها ومن ثم تلافيها، من خلال التخطيط القائم على الذكاء الاصطناعي.[15]  كما يساعد الذكاء الاصطناعي على تحسين أنماط الانتاج بآبار البترول عبر تقدير الخصائص الجيولوجية، وتحديد واستخراج التفاعلات المعقدة والعلاقات من العديد من المعلمات، والتي يمكن للصناعة استخدامها لتصميم آبار أفضل ووضع خطط لنشر الآبار وتحسين كفاءة انتاجها لأقصي قدر من التعافي وتحقيق الإيرادات. [16] ففي هذا الإطار، تطرح تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة الموارد النادرة كشرعية للإدارة. ولكن الخطورة تكمن في الخطط المطروحة من قبل بعض مراكز الفكر؛ فهناك من قدم فكرة التحكم المركزي في المورد لمن يمتلك تكنولوجيا تصنيع المورد كما طرحته جامعة فلوريدا عام 2015 [17]، بل وذهب البعض لأبعد من ذلك عبر الحديث عن فشل الدول القومية وأهمية إقامة اتحاد فيدرالي بين الدول الفاشلة والدول المتقدمة تكنولوجيا يقوم على إزالة الحدود للحفاظ على المستقبل، لجعله مستداما للأجيال القادمة باعتباره واجبا اخلاقيا كما تطرحه جامعة فيرجينيا عام 2018 [18].  ومن ثم فأضحى امتلاك التكنولوجيا مبررا للشرعية وامتلاك السلطة.

3.2     اكتساب النخبة التأييد والشرعية بنزاهة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي:

 يمكن للنخبة السياسية تطويع تقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتساب الدعم والتأييد من قبل الناخبين، بل والشرعية من جانب المواطنين؛ كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال بناء برنامجه الانتخابي عام 2017.  فقد تمكن من وضع برنامج انتخابي يلبي مطالب الجموع عبر ما يسمى استقراء مطالب “الشبكة العصبية الاجتماعية”؛ فنظم ماكرون لحملة انتخابية اسماها “من الباب إلى الباب” بجميع أرجاء فرنسا، حيث رصد القضايا الأكثر اهتماما من قبل الناخبين الفرنسيين “قضايا الرأي العام” والشأن العام”. وتم عقب جمع الاجابات معالجة هذه الكمية العملاقة من البيانات الضخمة (الإجابات) من خلال خوارزمية “التعلم” المتقدمة عبر موجز ويب، وكانت نتائج المعالجة هي القضايا الرئيسية للبرنامج السياسي للحملة التي اتسمت بالحياد والتعبير عن مختلف الطوائف، دون اتخاذ موقف عقائدي مهيمن، واختار شعارها لا يمين ولا يسار”: لا توجد رؤية مثالية للمجتمع”. بمعنى آخر جاء برنامجه يعكس مطالب ويلبي احتياجات الجميع، حيث تضمن برنامجه الانتخابي اقتراح حلول قابلة للتحقيق لحل المشكلات الفعلية والحالية التي جمعها ورصدها بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن ثم ظهر وكأنه لسان حال الشعب الفرنسي . لذا جذبت هذه المقاربة أعدادًا غفيرة من نشطاء المجتمع المدني، والكوادر التي كانت عازفة من قبل عن المشاركة في الحياة السياسية. وكانت النتيجة انتخاب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، رغم عدم امتلاكه الخبرة السياسية السابقة كرصيد يستند عليه في السباق الانتخابي. فقد نجح عبر مغازلة احلام المواطنين بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي. [19]

  1. الشعب ما بين المحددات الجديدة واكتساب المهارات:

ظهرت مقومات جديدة للحكم على قوة الشعب أو للنظر إليه كرأس مال بشري يصب في صالح معايير قوة الدول من أهمها؛ توافر مهارات جديدة وتخصصات جديدة أكثر ذكاءا Smart تعمل في إطار تكاملي عابر للتخصصات. كما أن عدد السكان لم يعد المحك للنظر لقوة الدولة، فنقص السكان لم يعد المشكلة الكبيرة التي تؤرق الدول.  في ظل ظهور تقنيات متقدمة كالروبوتات (الإنسان الألي) القادرة على لعب الأدوار والوظائف الشاغرة؛ بسبب نقص عدد السكان، ولكن الامر ليس على إطلاقه، فقد يكون أكثر نجاعة بالنسبة للمجتمعات التي تمتلك التكنولوجيا في إطار إشكالية تحيز الخوارزميات، وإمكانية اختراقه ولكن الأمر يظل تحدي مطروحا أمام العلماء. ويظهر ذلك في الشكل رقم 5

الشكل رقم 5 تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على ركيزة  الشعب

4.1الروبوت وتغير النظرة تجاه السكان:

نتج عن الذكاء الاصطناعي ثورة صناعية جديدة أخذة في التبلور ستقلل من الطلب على العمالة، مثل امريكا فمتوسط الأعمار التي ستتاح لهم فرص العمل، ستمثل الثلث فقط من إجمالي السكان وبقية السكان(ما بين 25 إلي 54)، لن تتاح لهم الفرصة للمشاركة في عجلة الانتاج. فلن يجدوا فرص عمل مع نهاية النصف الثاني من هذا القرن، بسبب أتمتة أغلب الوظائف التي كانوا يشغلونها، وظهور الروبوتات هذا في ظل عدم امتلاكهم للقدرات المطلوبة في العصر الجديد.

ومن ثم فلن يصبح عدد السكان أحد مقدرات القوى للدول؛ فالدول قليلة العدد السكاني التي تمتلك القدرات الحديثة للذكاء الاصطناعي، ستتجاوز الدول ذات الكثافة السكانية[20]. فنقص السكان سيشغله الروبوتات، ومن ثم ستتغير المعادلة لاحتساب قدرات الدول ليكون الذكاء الاصطناعي هو المحك الاساسي، ولن يصبح نقص عدد السكان على مطلقه تحدي كبير.

4.2اشكالية المهارات الجديدة المفروض توفرها في راس المال البشري:

أضحى “علماء المعطيات  Data Scientists” من أهم التخصصات الواجب توافرها داخل المؤسسات المختلفة كأجهزة جمع المعلومات والبحث، مثل الاجهزة الاستخباراتية لما لهم من القدرة على دمج القدرات الحسابية والإحصائية، والإدراك العميق للمنظومات المحوسبة. أيضا على الراس المال البشري أن يتحلى بالتفكير النقدي وتشخيص الأنماط الكامنة، فالمسئول سيكون مطالب بالتعامل مع طقم من المشاكل المعقدة، وكل واحدة منها تتطلب تمييزًا واضحًا بين الوظائف المختلفة.

مما يفرض تحدي أمام القوى البشرية، خاصة في مواقع دعم وصنع واتخاذ القرار لأن يكونوا منذ الآن عابرين للتخصصات، ومتنوعي المعرفة بشكل أكبر من ناحية قدرتهم العقلية، وسبل تأهيلهم، مما يفرض تحدى أمام الأجهزة والمؤسسات في استقطاب، وتأهيل القوى البشرية الأفضل. فعلى سبيل المثال أصبحت المنظمات الاستخباراتية مطالبة بالتنافس مع القطاع الخاص، حول ظروف التوظيف وخصوصا مع شركات الهاي تك. كما أن عليها العثور على نماذج جديدة للتعاون مع القطاع المدني.[21] ومن المتوقع مشاركة الذكاء الاصطناعي في مختلف الاعمال البشرية حتى السياسية منها ، فتسعى الصين لإدخال الروبوت إلى عملية اتخاذ القرار في شئون السياسة الخارجية للبلاد والعملية الدبلوماسية، وهو ما بدأ تطبيقه بالفعل بجهاز ذكاء اصطناعي في وزارة الخارجية الصينية طورته أكاديمية العلوم الصينية، ليتم استخدامها في وزارة الخارجية.

 فهناك عددا من نماذج أنظمة الذكاء الاصطناعي الدبلوماسية جاري تطويرها حاليا في الصين. وقد أكدت الخارجية الصينية لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست” وجود خطة حقيقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدبلوماسية، خاصة أن الدبلوماسية تتشابه مع الألعاب الاستراتيجية اللوحية كالشطرنج، فعندما تقوم دولة بخطوة أو تحرك تستجيب لها الدولة الأخرى، فيما يسعى الجميع للفوز. وقد أثبت الذكاء الاصطناعي كفاءته في الألعاب اللوحية، حيث هزمت روبوتات أبطال العالم في الشطرنج ولعبة “جو”، كما فاز روبوت بلعبة بوكر، التي تتشابه كثيرا مع الدبلوماسية، لأن اللاعب لا يمتلك أبدا كل المعلومات التي يحتاجها.  من هذا المنطلق تسعى وزارة الخارجية الصينية الأن إلى تطوير سياساتها الخارجية، خاصة في ظل ضرورة أن تلعب دورا في ظل مبادرتها العملاقة الحزام والطريق، وكذا رغبتها في الصعود كقطب من اقطاب النظام العالمي الجديد، الأمر الذي يفرض عليها التخلي عن سياسات عدم التدخل خلال الفترة القادمة الأمر الذي يحتم عليها تطوير أداء وزارة الخارجية الصينية، وقد وجدت ضالتها في التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي، مما سيجعل الوزارة تسعى لأن تتكيف مع أي اتجاه تكنولوجي شائع، وتحرص على استخدام التكنولوجيا الجديدة لتحسين العمل وتعزيزه. [22]

من هنا يتضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي نجحت بالفعل في إحداث تغير جوهري في مفهوم أركان الدولة بمعناها التقليدي فاستطاعت تطوير تلك الأركان التي تضمنتها عليها نظريات العلوم السياسية. مما يثبت صحة الفرضية الأولى للدراسة.

ثانياً: تغير وظائف الدولة بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي

أدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي تغيرات في وظائف الدولة المتعارف عليها، في نظريات العلم المختلفة فأضحى من مكونات نشر الوعي وبناء القيم. وجلب معه تحديات أمام وظيفة الاكراه التي تمارسها الدولة في ظل ظهور فاعلين جدد يتقاسمون سلطة الاكراه مع الدولة. وكذا ظهور أدوات إكراه جديدة الأمر الذي خلق بدوره اشكالية بشأن وظيفة الدولة الحامية، كإشكالية تأمين البيانات وسرية المعلومات وتفوق لأجهزة الاستخباراتية وتأمين الارواح. مما خلق إشكالية بشأن وظيفة استتباب الأمن والاستقرار فتظهر إشكالية خداع نظم الذكاء الاصطناعي وتحيز الخوارزميات، ونشر الأخبار الكاذبة والمظاهرات الافتراضية والهجمات السيبرانية، واختراق المجتمعات بفعل التقنيات الحديثة.  الأمر الذي امتد إلى الوظيفة الاقتصادية للدولة في ظل اختلاف مقدرات الثروة، فالنفط الجديد هو البيانات الضخمة والتكنولوجيات الحديثة، وامتلاك الشركات لهما دون الدول، ومن ثم اصبحت وظيفتها الاقتصادية محل تهديد. ويظهر ذلك  في الشكل رقم 6

الشكل رقم 6: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على وظائف الدولة

  1. وظيفة نشر الوعي وبناء القيم:

أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي أحد القيم الحديثة التي تقاس عليها، مدى تقدم الأمم الأمر الذي لم يقف عند محاولات الأتمته أو جهود الحكومة على شراء، وامتلاك تلك التقنيات، ولكنه أمتد إلى نشر الوعي بين المواطنين، بل وحثهم على الإقبال واستخدام تلك التقنيات كبديل عن غيرها لتصبح بمرور الوقت قيمه من ضمن قيم المجتمع ومشكل لثقافته.

1.1نشر ثقافة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بين المواطنين:

أضحى الذكاء الاصطناعي أحد القيم الذي يقاس عليها مدى تقدم المجتمعات، الأمر الذي دفع بعض الحكومات حث مواطنيها على ورفع وعيهم، والإقبال على استخدام التقنيات الحديثة، فعلى سبيل المثال عملت حكومة دبي على نشر ثقافة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وحث المواطنين على استخدام التقنيات في المعاملات الحكومية. ففي 26 أكتوبر 2019، أطلقت حكومة دبي مبادرة “يوم بلا مراكز خدمة”  بهدف الحصول على خدمات دائرة المالية، وإجراء المعاملات الحكومية عبر التطبيقات الذكية أو مواقع الأنترنت، والاستغناء عن مراكز الخدمة التقليدية [23].

  1. وظيفة الدولة الحامية:

أثارت التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي اشكاليات متطورة، بشأن اشكاليات تامين البيانات وسرية المعلومات، والحماية وتأمين الأرواح، الأمر الذي صاحبه تهديدات وتحديات جديدة سيتم طرحها في هذا الجزء.

الشكل رقم 7: التغيرات التي احدثها الذكاء الاصطناعي في وظيفة الدولة الحامية

2.1تحدى له علاقة بطبيعة المعلومات ذاتها:

تثار مشكلة المعلومات كأحد تحديات الدولة الحامية بسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي، ففي الغالب تعتبر المعلومات منفصلة ولا يمكن قولبتها، لذلك تواجه أجهزة الاستخبارات تحدي صب جميع المعلومات في منتج أمني استخباراتي واحد؛ فعليها السعي إلي بناء رؤي وهياكل تنظيمية تعمل على خلق الأفكار التشاركية، في ظل توافر تشكيلة من الأدوات بالأسوق الخاصة التي تعمل على صهر ودمج المعلومات في بوتقة واحدة بدءا من الادوات البسيطة، وصولا إلي وسائل ذكية تتيح اجراء عمليات تنظيمية معقدة.[24]

2.2اشكالية سرية المعلومات وامتلاكها وتفوق الاجهزة الاستخباراتية:

افتقاد المنظمات الاستخباراتية طلائعيتها وفرادة موقعها من ناحية جمع المعلومات أحد أبرز التحديات أمام الدولة الحامية، وتخلق تحديات مصاحبة تتعلق بتحليلها ونشرها. فالسبب الأساسي لوجود اجهزة الاستخبارات هو الحصول على معلومات عن الخصم قبل أن يتمكن من إخفاء هذه المعلومات، ولكن يتوجب اليوم على المنظمات الاستخباراتية إعادة التفكير في تفوقها النسبي مقارنة بغيرها في ظل انتشار التقنية، وكذا مقارنة بالجهات المدنية القادرة على جمع المعلومات وتحليلها، خاصة في ظل كمية المعلومات الكبيرة اليوم. فعلى سبيل المثال وجدت الولايات المتحدة تهديدا لما تملكه من أقمار تجسسيه متطورة بسبب انتشار نفس التقنية لدي بعض الدول، الأمر الذي جعلها تتخلى عن سرية تلك التقنية. ففي يونيه  2011 رفعت أمريكا الحصانة عن قمر kh-9Hexagon التجسسي الذي كان يستخدم في الفترة بين 1971: 1986، ولكن اختلف الأمر في ظل امتلاك دول كالصين والهند وجنوب كوريا الجنوبية واليابان وفرنسا وألمانيا وإسرائيل لتقنيات متقدمة في هذا الشأن، حيث تمتلك أقمار صناعية ذات قدرات تجسسيه متطورة.

وتمتلك كندا وألمانيا وإيطاليا أقمار صناعية تجارية متطورة، تحتوي رادارًا  قادرًا علي التقاط الصور في ظروف شديدة الصعوبة، كالليل الحالك أو الغيوم الكثيفة. ومع انتشار الشركات القادرة على إنتاج التقنية لم تعد هناك قيود على بيعها مثل شركتي Digiglobe الامريكية، وشركة SPOT الفرنسية؛ فهما شركتان توفران نسخا عن الأقمار الصناعية الملونة بدقة صورية عالية لكل من يطلبها.  وتمتلك السوق المدنية أقمار صناعية تجارية على غرار الأقمار التي تنتجها. أيضا شركة NSO أحدى الشركات التي تمتلك تكنولوجيات حديثة تستطيع تطوير تكنولوجيا التعقب بمستويات عسكرية، وتوفر أدوات اقتحام للأجهزة الخلوية والخدمات الموجودة على الأنترنت وتبيع الشركة خدماتها لوكالات استخبارات وأجهزة أمنية حكومية، ولكن يمكنها في ذات الوقت أن تبيع خدماتها لجهات غير حكومية أخرى.  وفي عام 2011 اشترت شركة جوجل  شركة Skybox التي تنتج أقمار صناعية رخيصة بجودة عالية جدا، وقد بلغ سعر الصفقة نص مليار دولار، مما يعكس انخفاض أسعار تلك التقنيات بشكل أتاح لشركات دون الدول امتلاكها بسهولة وبساطة.[25]

3   وظيفة الأمن ودفع الاستقرار:

عند الحديث عن التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي، تطرأ  تغيرات حول وظيفة الامن ودفع الاستقرار، تتمثل في تحيز الخوارزميات، وخداع نظم الذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية، واختراق المجتمعات، ونشر الاخبار الكاذبة، واندلاع المظاهرات الافتراضية. الأمر الذي يظهر خلال ا لشكل رقم8

الشكل رقم 8: التغيرات الطارئة في وظيفة الامن ودفع الاستقرار

3.1  احتماليّة اختراق نظم الذكاء الاصطناعي:

بالرغم من التقدم الكبير للتقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي لكن من الممكن اختراقه؛ سواء من قبل الدول التي طورت تلك التقنيات، أو من قبل فاعلين آخرين. إذ يُمكن للهجمات السيبرانيّة أن تخترِق نُظم الذكاء الاصطناعي العسكريّة. أيضا يُمكن للجهة المُهاجِمة في بعض الأحيان أن تُسيطِر على أحد الروبوتات العسكريّة، وإعادة توجيهها، ما يُلحق الأضرار بالأفراد أو بالمُنشآت التي ليست في دائرة الاستهداف أساساً، مثل الهجوم الإلكتروني بفيروس شمعون الذي استهدف بعض المؤسسات بالمملكة العربية السعودية في يناير 2017، ونتج عنه تعطيل سير العمل في وزارات العمل والاتصالات، وتقنية المعلومات وشركة صدارة للكيماويات.[26]

3.2 إمكانيّة خداع نُظم الذكاء الاصطناعي:

 مع التطور الحديث الذي لجأت إليه بعض الدول في رصْد التهديدات التي تُواجِه الأمن القومي للدولة، وتحديده من اضطرابات، وعصيان، أو ثورات، أو احتمالية نشوء حرب، والتنبّؤ كذلك بالتطوّرات التي يُمكن أن تحدث حول العالَم.  وقد ينقلب الوضع، حال نجاح الدولة المُعادية في تحديد كيفيّة عمل هذه الأجهزة، فإنّه يسهل عليها بالتالي خدعها من خلال نشْر أخبار كاذبة، لتضليلها وقيادتها إلى استنتاجات خاطئة.

وقد يصل الامر لتصبح بمثابة عميل مزدوج يقدم معلومات مضللة؛ عبر ما يسمى بإشكالية “ضعف البيانات المغذية Data Diet Vulnerability، حيث يتعلم الخصوم كيفية تغذية نظم المراقبة العاملة بالذكاء الاصطناعي بمعلومات مضللة بشكل مفاجئ، لتكون بمثابة “عميل مزدوج سري آلي عن غير قصد” يقدم معلومات مضللة.[27]

3.3 اختراق المجتمعات مما يهدد الامن القومي:

 فيُمكن لدولة أجنبيّة أن تَستخدم نُظم الذكاء الاصطناعي؛ للتعرُّف على الأفكار والتوجّهات السياسيّة والاجتماعيّة لأفراد الدولة المُناوِئة لها، على مَواقِع التواصل الاجتماعي، ومُحاولة الربط بين الجماعات المُنعزلة جغرافيّاً، والتي تتبنّى أفكاراً وتوجّهاتٍ مُشابهة، وتبنّي مَواقف سياسيّة مُعارِضة قد تهدِّد الأمن الوطني والقومي لهذه الدولة.[28]

3.4 كثرة مصادر المعلومات وتزييف الحقائق ونشر الاشاعات:

عمل الذكاء الاصطناعي على خلق أكثر من مصدر للمعلومة، الأمر الذي صاحبه ظهور أزمة الثقة في المعلومات المستقاه في ظل تعدد مصادرها، خاصة إنها تأتي في منظومة مقنعة في ظل إتقان الإشاعات، وتداول الأخبار الكاذبة. كما أن الذكاء الاصطناعي يساعد علي تزوير الفيديوهات والتسجيلات بشكل أكثر إتقانا، وجودة عالية، وتكلفة أقل. وفي المستقبل سيمثل الذكاء الاصطناعي تحدي لمرتكزات الثقة عبر العديد من المؤسسات. [29]

3.5 زيادة فاعلية أداء وظيفة الدولة في تأمين الأرواح والممتلكات:

ورغم ما تحمله من تحدي للهيمنة العسكرية للدول، ولكنه في الوقت ذاته يحمل مميزات متعددة للقوات العسكرية من حيث: تحقيق الكفاءة والفاعليّة في ساحة المعركة، الحِفاظ على الأرواح البشريّة وحِمايتها، مُكافَحة الإرهاب والتنبّؤ بالتهديدات المستقبليّة، العثور على الاهداف العسكرية بشكل اتوماتيكي في مناطق شاسعة الاتساع، تشخيص الازمات والكوارث.[30]

3.6     الحكم الرشيد اشكالية الحياد وتحيز الخوارزميات:

تتجه الدول والحكومات لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، خلال إدارة مؤسسات الدولة لتقليل فرص الخطأ البشري، ومكافحة الفساد نظرا لفرضية حياد الآلة. ولكن الأمر لا يمكن النظر إليه كمسلمة حيث يظهر ما يسمى بإشكالية حياد الخوارزميات. إن غموض الخوارزميات يجعل من الصعب الحكم على صحة الاداء، وتقييم المخاطر وتوخي العدالة في التطبيقات الاجتماعية، كما يمكن للغموض أن يحجب الفهم السببي وراء القرارات. إلا أن معظم الخوارزميات لا تضمن الدقة سوى في ضمانات احتمالية وحسب؛ فيمكن تطبيق النماذج والخوارزمية الصحيحة بشكل مناسب مع توافر أفضل النوايا تجاه اتمام البيانات.

 هنا على مصمموا الخوارزميات أن يعتمدوا على الافتراضات، ولكنها يمكن أن تفشل وتؤدي لنتائج غير متوقعة. الأمر الذي يمس الحياد والواقعية والكفاءة والعدالة في الخدمات المقدمة؛ خاصة لأنها تتعلق بالمبرمج وما يدخله من بيانات ومعادلات واختياره للعينة عند إعداد الخوارزميات.  هذا إضافة إلي مشكلة صلاحية الخوارزمية التعليمية، حيث تتعلق بصحة تنفيذها للمهام وبصحة تفاعلها مع المتعلم المكتسب مثل روبوت الدردشة بتقنية الذكاء الاصطناعي Tay  الذي اطلقته شركة مايكروسوفت، فتم تمكينه ليتحدث بطريقة بشرية مقنعه مع مستخدمي تويترـ ولم تظهر الاختبارات المكثفة في البيئات الخاضعة لمراقبة أية علامات تحذيرية. ومن أبرز المزايا السلوكية له قدرته على التعلم، والاستجابة لميول وتفضيلات المستخدمين، من خلال استيعاب بياناتهم وقد مكنت هذه الميزة مستخدمي تويتر من التلاعب بسلوك تاي مما أدي لإصدار الروبوت لعدد من العبارات البذيئة فهذه التجربة لم تأخذ الحداثة في سياقها الجديد. علاوة على أن القدرة على التكيف لاستجابة البيانات المدخلة، قد يفتح الباب لهجوم المستخدمين من أصحاب الأغراض الخبيثة، وتعتبر تغذية البيانات في خوارزمية التعلم موضوع شائع. فوكلاء الذكاء الاصطناعي غير منزهين عن التحيزات مثلهم مثل البشر[31].

كما إن الخوارزميات الخاطئة في مجالات البنية التحتية (شبكة الكهرباء) أو أنظمة الدفاع، أو الاسواق المالية، يمكن أن يشكل مخاطر شديدة على الأمن العالمي. قد تكون الخوارزمية مثالية من الناحية الرياضية، ولكن تثير اشكاليات من الناحية الاخلاقية، وعلى الرغم من أن صنع القرار البشري حافلا بالتحيزات المماثلة التي قد تبديها وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومن ثم تصبح المساءلة أكثر غموضا عند الاعتماد على العوامل الاصطناعية.[32] الأمر الذي يمس بجودة الخدمات المقدمة، وحسن إدارة الخدمات المقدمة مما يمس بنزاهة العملية ككل. ويمس بالمقابل بمنظومة الأمن القومي.

3.7 زيادة قدرة اجهزة جمع المعلومات والاستخبارات بالدولة:

تساعد التقنيات الحديثة في تيسير جمع المعلومات بشكل حديث يصعب كشفه، من خلال تقنيات متناهية الصغر، عبر ما تتيحه الطابعات ثلاثية الأبعاد من المروحيات المسيرة متناهية الصغر بأعداد كبيرة جدا بالألاف أو مئات الألاف.  فهذه الأجهزة ستنتشر في أسراب مروحيات بحجم حشرات، ومن المتوقع أن تستطيع هذه الحشرات الروبوتية الجمع بين الدماغ والعيون والاذان والأجنحة، فقد تدمج المجسات في المستقبل الربط بين القدرات الاستخبارية خصوصا في مجال جمع المعلومات والقدرات العسكرية. Virtual reality. ومن أبرز الجهات العاملة في هذا المجال مؤسسة البحث الوطنية لكوريا ومركز ابحاث الروبوت المحاكي للأحياء في إدارة برنامج الاكتساب الدفاعي ومعهد ويس. [33]

كما تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات عبر الربط بين قواعد البيانات المختلفة بمختلف الجهات والساحات؛ مثل ما تقوم به شركة Palantir في مجال الـ Analytics التحليلات، فتوفر الشركة برمجيات  قادرة على مسح مصادر متنوعة للمعلومات على غرار الوثائق المالية وطلبيات تذاكر الطيران، وتسجيلات محادثات الهاتف الخلوي والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي .. الخ. [34]

4 الإكراه ما بين الأدوات الجديدة وظهور الفاعلين الجدد:

تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي على تطوير وظيفة الإكراه؛ عبر تراجع السلكة التي تمتلكها الدولة، وظهور قوى تشارك الحكومات سلطتها الاكراهية، بل وظهور أدوات اكراه جديدة. كما يظهر في الشكل رقم9

الشكل رقم 9: التغير الذي احدثته تقنيات الذكاء الاصطناعي في  وظيفة الاكراه

4.1     ظهور فاعلين جدد يقتسمون أدوات الإكراه:

لم تعد الدولة الفاعل الوحيد الذي يمتلك أدوات الإكراه، خاصة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي توصلت لأدوات إكراه جديدة، كالأسلحة والمعدات الحديثة التي أضحت جميعها تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي. أو هي ككل أحد أشكال الردع في حد ذاتها كالطائرات بدون طيار، والروبوت المقاتلة والحشرات الروبوتية وغيرها من التقنيات. فظهرت تنظيمات إرهابية على سبيل المثال تنتج التقنيات الحديثة وتستطيع شرائها وبيعها كتنظيم داعش والقاعدة، وأضحت الشركات العملاقة تقاسم الدول في قدرتها التكنولوجية.

4.2     أدوات جديدة للإكراه:

 ظهرت تكتيكات هجومية جديدة  كالتلاعب المتعمد لوسائل التواصل الاجتماعي “المتصيدون” أو “المتسللين” أو غيرها من الأسلحة الإلكترونية، تم نشرها من أجل إحداث  إرباك وعزل أي انشقاق فردي أو جماعي متصور – باستخدام “مزيف” كالشائعات، التي تؤدي للاغتيال المعنوي لبعض الشخصيات عبر تشويهها، الأكاذيب البسيطة. [35] ومن أبرز التقنيات برنامج يستخدمه الجيش الامريكي اسمه ICEWS:Integrated Crisis Early Warning System تم إطلاقه من قبل شركة الأمن والطيران والتكنولوجيا العملاقة “لوكهيد مارتن”، يعد هذا المشروع مثال جيد على محاولة صهر عدة طرائق بحثية بالدمج مع معطيات هائلة الحجم.  بهدف خلق نموذج بشكل كمي بخصوص انعدام الاستقرار السياسي في أرجاء العالم، ويحاول تشفير المعلومات الكمية، وإجراء تحليلات ترتكز على المحللين تستخدم الاستقراء الإحصائي عبر تحليل ملايين الأجزاء من المعلومات المنتشرة على تشكيلة واسعة من التصنيفات في عدة مناطق جغرافية. لتقليص التحيز والتوصل إلي ما يسمى بـ “نموذج النماذج كلها”، علاوة على قدرته على التعلم الذاتي، وقد تم تجريب المنظومة على نحو 30 دولة في آسيا والمحيط الباسفيكي، لاختبار إمكانيات وقوع أعمال تمرد أو مؤامرات، أو عنف عرقي أو أزمات داخلية أو دولية. وقد درست المنظومة عددًا كبيرًا من الأحداث الماضية في هذه الدول، وبناء على المعطيات قامت بترسيم محددات لوقوع التمرد بمناسيب مختلفة في كل دولة من الدول.

وقدرة هذه الآلة على الاستقرار قد زادت ما بين عدة شهور إلي سنة . وفي اختبارات تم اجراؤها خلال السنوات الماضية نجح النموذج في إحداث وقوع قلاقل بمنسوب نجاح بلغ 60%. وتقنية ستار آب الاسرائيلي الذي يطلق عليه Reasoning  فهو منظومة لتشخيص السلوكيات بناء على تحليل البصمة النصية للأفراد، تعمل على تطوير العثور على الموظفين اللائقين بالمؤسسات، وتشخيص مبكر للتهديدات  مثل اطلاق النار في المدارس. وكذا مشروع Joint Information  Environment الذي يديره البنتاجون يهدف لخلق بيئة تنظيمية موحدة من أجل القيادة والسيطرة بحيث تكون مؤمنة وموثوقة ومرنة للعدد الكبير من شبكات الاتصالات المختلفة، التي تستخدمها وزارة الدفاع والقوات المؤتمرة بأمرها، كما يمكنها ايضا تقصي نشاطات رجال وزارة الدفاع نفسها بهدف إحباط التهديدات الداخلية سواء بوعي أو من دون وعي.

أما تقنية تحليل النظم المستهدفة أو تحليل الجمهور المستهدف Target Systems Analysis/ Target Audience Analysis  هي تقنية قادرة على التزويد باستقراءات مرتكزة إلى فرص التحقق متعلقة بتصرف عدو ما، وتشخيص نقاط ضعفه “عنق الزجاجة” المحتملة في خطوط تزويده بالمؤن والسلاح واقتراح طرق مواجهة محتملة بواسطة محاكات وخلق نماذج لأنماط العمل المحتملة. كل ذلك بناء على متغيرات كثيرة ملتقطة من مجسات عدة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي. في 2016 أعلنت وكالة الاستخبارات الأمريكية إنها نجحت في استقراءات مستقبلية استخبارية قادرة على تشخيص حالة نهوض الاحتجاجات الاجتماعية، وانعدام الاستقرار الاجتماعي بشكل استباقي قبل خمسة أيام من اندلاع هذه الأحداث؛ بفعل تقنية  التوقعات الاحتمالية Probabilities Forecasts. [36]

من هنا يتضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ساعدت على إدخال تغيرات أساسية في وظائف الدولة، بالمعني المتعارف عليه في النظريات التقليدية للعلوم السياسية مما يؤكد على صحة الفرضية الثانية للدراسة.

القسم الثاني : ركائز الديموقراطية وتقنيات الذكاء الاصطناعي:

أحدثت تقنيات الذكاء الاصطناعي طفرة في ركائز الديموقراطية، والحديث عن نظريات الدولة الديموقراطية كشكل من أشكال الحكم، فهناك تقنيات ساعدت على زيادة مشاركة المواطنين في وضع القوانين والسياسات وتخصيص الموارد والفرص الاقتصادية. وهناك تقنيات أخرى زادت من سيطرة السلطة على حقوق الفرد، بل بعضها هدد ما يتمتع به من منظومة الحقوق الأساسية التي يأتي في مقدمتها الحق في الحياة وحماية الأرواح.  كما أن سلطة المواطن وزيادة نفاذه للأسواق والتقنيات التكنولوجية خلقت قوى تهدد الأمن والسلم، كظهور الهاكرز والمتسللين، ولكن نجد تقنيات أخرى تجمع بين مطالب واحتياجات المواطن والسلطة؛ كاستخدام سلاسل الكتل في نزاهة العملية الانتخابية التي قد ينتج عنها زيادة مشاركة الناخبين، وتقلل من الدعاية على العملية الانتخابية. وكذا تقلل من أعباء الطوابير والزحام المصاحب للانتخابات، مقابل ذلك فهي تضمن للناخب تلبية مطالبه بشأن نزاهة وشفافية العملية الانتخابية. ويظهر تأثير تلك التقنيات على ركائز الديموقراطية في الشكل رقم 10

الشكل رقم 10: تأثير التقنيات على ركائز الديموقراطية

فيقدم هذا الجزء طرحا لمفارقة كبيرة يحملها الذكاء الاصطناعي بشأن حقوق الانسان، والمشاركة الديموقراطية، حيث يسمح بمزيد من الحرية والتمكين للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني وتحقق الشمول الاجتماعي والنفوذ للطبقات الدنيا ومختلف فئات المجتمع. ولكنه في ذات الوقت يزيد من قدرة الحكومات على الحد من الحريات الشخصية في ظل ظهور تقنيات حديثة أكثر تقدما عن ذي قبل. ومن ثم فالمحك هنا هو طبيعة النظام السياسي، وتوجهه تجاه المجتمع، وكذا التهديدات التي يشهدها النظام السياسي من فترة لأخرى.

  1. زيادة مشاركة المواطن:

ساعدت تقنيات الذكاء الاصطناعي على زيادة مشاركة المواطن ودعم العملية الديموقراطية عبر؛ ظهور أدوات للعصيان المدني مستجدة، تدعيم الديموقراطية السائلة والمحاسبة، وتطرح اشكالية حول قدرة الهاكرز والمتسللين لاختراق أنظمة الدولة، وتثير تساؤل مهم حول مستقبل الإنسان مقابل الألة هل العلاقة ستكون الإحلال، أم التنافس، أم التكامل. ويتضح ذلك خلال الشكل رقم 11

الشكل رقم 11: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على مشاركة المواطن

1.1الديموقراطية السائلة والمحاسبة:

تقدم بعض تطبيقات سلاسل الكتل تطبيق يسمى بالديموقراطية السائلة تهدف لدعم مشاركة المواطنين في العملية التشريعية، وجعل المواطنين أقرب لممثليهم من أعضاء البرلمان ومحاسبة أعضاء الكونجرس أمام ناخبيهم بطريقة قابلة للتحقق منها، والتفاعل وتقوم فكرة التطبيق على أن كل شخص يجب أن يكون له الحق في تقديم ملاحظات حول مسألة سياسة أو تشريع جديد، ولكن في كثير من الأحيان لا يتوفر للناس الوقت للقيام بذلك. ومع هذا باستخدام منصة الديمقراطية السائلة، يمكن للناخب اختيار ممثل شخصي لديه السلطة ليكون وكيلًا لتصويتهم من ضمن أعضاء البرلمان. يمكن تغيير هذا الوكيل وفقًا لتغير مصالح الناخب وتيسر التفاعل معهم والوقوف على أدائهم وإبداء الرأي في القضايا، ومشروعات القوانين المطروحة .الأمر الذي يدعم مشاركة المواطن بحرية مع توفر معايير النزاهة والمحاسبة والشفافية. ومن أبرز المنصات منصة تسمى الصوت الموحد United.vote لاختيار الممثلين الشخصين. تقنيات الذكاء الاصطناعي وزيادة سلطة المواطن.[37]

1.2 الانسان مقابل الالة “احلال- تنافس- تكامل” واستحداث ادوار جديدة:

قدرة الهاكرز والمتسللين للوصول لأنظمة الدولة: يهدد المتسللون والهاكرز مؤسسات الدول وأنظمتها الأمنية مما يثير اشكالية حول قدرة الدول في الحفاظ على ما تمتلكه من معلومات وبيانات، وكذا في حماية مواطنيها من هجمات المتسللين، ومن أبرز الهجمات هجوم وسطاء الظل  في أغسطس 2016 على وكالة الأمن القومي الامريكي، واستولت على أسلحة الكترونية بقيمة 500 مليون دولار، ثم عرضت تلك البرمجيات الخبيثة للبيع في مزاد تحت اسم “مزاد الأسلحة السيبرانية لمجموعة التسوية”.

وامتد الاختراق للمؤسسات النووية مما يمثل خطرا يهدد بقاء البشرية ككل، فذكر تقرير لوزارة الآمن الداخلي ومكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي “أف بي أي” في يونيو 2017 كما سبق الاشارة.[38] تشير مجلة الأمن Security Magazine   أنه يمكن رصد هجومًا كل 39 ثانية في المتوسط ​​على الويب، وأن أسماء المستخدمين وكلمات المرور غير الآمنة التي يتم استخدامها تمنح المهاجمين فرصة أكبر للنجاح. وستكلف جرائم الانترنت العالم 6 تريليون دولار بحلول عام 2021. [39]

1.3      اشكالية العلاقة بين الانسان والالة:

 ففي ظل ثورة البيانات الضخمة ليس هناك مجالا لإقصاء الإنسان من العمل الاستخباراتي وإنما لتغير ديناميكية الإنسان- الألة وإخراج الإنسان من حلقات معينة يعجز فيها عن مجاراة الآلة. فتثور مثلا جدلية مدى امكانية الاستغناء عن رجل المخابرات مقابل الروبوت، الأمر الذي يعد أمرًا مستبعدا ، فالألة لن تتمكن من الحلول محل ملكة طرح الاسئلة والنظريات وبلورة المستخلصات وربطها بالعمل من خلال توصيات موجهة لأصحاب القرار. فالذكاء الاصطناعي سيتيح لرجال الاستخبارات معرفة معلومات أكثر في وقت وبمجهود أقل، الأمر الذي سيتيح التحرك بسرعة، وجمع المعلومات، وتخزينها بكميات غير محدودة، مما يؤدي لإنتاج استدراكات أكثر جودة وأكثر كما بمرور الوقت.[40] هنا في المستقبل سيفرض هذا التطور على رجل الاستخبارات أن يتمتع بالآتي:

o التفكير النقدي والإبداعي، والفهم العميق لهندسة وتشغيل خزانات المعلومات والإمكانات الكامنة فيها ومعرفة نقاط ضعفها.[41]

o القدرة على استعراض أفكار معقدة بوضوح، ولديه القدرة على الاستعراض البصري للادعاءات، وامتلاك القدرة النافذة على استخدام أدوات الاستعراض البصري الشبيهة.

o ستتيح أدوات البحث تقليص المجالات المعرفية، التي يتوجب عليه معالجتها ولكن سيتم تقييم الباحث وفقا للطريقة التي يفكر بها، لا للمعلومات التي يمتلكها. فالمعلومات الضرورية لعمله ستكون موجودة في خزانات المعطيات المتطورة، وسيساعده الذكاء الاصطناعي في معضلة تفنيد المعلومات. [42]

o التحول من الرؤية المواجهة الفردية إلى رؤية تشاركية تتمثل في تطوير المعرفة، فالمنظمات الاستخباراتية ستكون اكثر شبكية وتشاركية واقل هرمية وبعيدة عن الحيز  العام الأمر الذي يرتبط بأبعاد عدة:[43]

o التعاون مع الزملاء والعمل المستمر في اطار طاقم وليس حالات فقط

§ التعاون مع جمهور خارجي ليس ضمن إطار المنظومة الاستخبارية بداية من الشركاء في الأسواق الخاصة، والأوساط العلمية وصولاً للقدرة على تشغيل جماهير واسعة من الناس

§ الحاجة لتعلم العمل مع الحواسيب بشكل مشترك فالعلاقة بين الباحث الإنساني والآلة ستكون علاقة تبادلية؛ حيث ستتيح الماكينة للبشري تحسين عملية البحث. وسيقوم الباحث بتقليم الآلة بالقواعد والمعلومات والأسئلة والتغذية الرجعية ومن ثم سيتحسن ادائها.[44]

ورغم ذلك يتضمن الاعتماد كليا على الذكاء الاصطناعي اشكالية ما يسمى بـ :

o  “الضباب الاستخباري”: إن محاولة ترجمة المعلومات للغة يمكن للألة فهمها قد يدفع رجل المخابرات الي بلورة صورة مضللة عن الواقع. [45]

o فالآلات تفكر بطريقة كمية ولكي تتمكن من مواجهة المعلومات النوعية، ينبغي ترجمة هذه المعلومات إلي لغة كمية، وقد تمس بقدرات رجال الاستخبارات على مواجهة قضايا نوعية في جوهرها او قضايا لا يمكن التعامل معها كميا وتحويلها لأرقام ومعادلات.

o – الآلة تقوم وفقا لما تمت برمجتها للقيام به وهى غير قادرة على الربط بشكل عميق بين اجزاء المعلومات، وغير قادرة على الإبداع المرتبط في ترسيم السيناريوهات، وغير قادرة على وضع نفسها مكان الخصم، وغير قادرة على إدراك منظومة الاعتبارات الواسعة لأصحاب القرار وقت الاشتباك. فمن النادر العثور على معلومات نقية او نظيفة بناء على غالبية المعلومات الناقصة أو الجزئية أو المشوهة. [46]

1.4 ظهور أدوات للعصيان المدني الجديدة للمواطنين مثل المظاهرات السياسية الوهمية:

المظاهرات السياسية الوهمية هي مظاهرات مفبركة غير حقيقية تستند على الاخبار الكاذبة، مثل مظاهرات الإخوان المسلمين الوهمية في مصر في 30 يونيه 2019 بدأ الاعلان عنها وبث صور ودعاية كاذبة قادها بعض العملاء والمرتزقة الكترونيا. [47]

2. تقييد الحريات بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي:

تثير تقنيات الذكاء الاصطناعي إشكالية بشأن تقليص حقوق المواطنين بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل حرية التجمع وحرية التنظيم، وحرية التعبير، حق الحياة، الخصوصية:[48] ويتضح ذلك في الشكل رقم 11

الشكل رقم 11: اشكالية تقييد الحريات بقعل تقنيات الذكاء الاصطناعي

2.1     حرية التجمع:

تسمح الأعمال الشرطية التنبؤية لأجهزة الشرطة باعتراض المظاهرات السلمية من قبل أن تبدأ. وعندما تحدث المظاهرات، تُمكّن تقنيات التعرف على الوجوه الاجهزة الشرطية من التعرف على المتظاهرين؛ ما يؤدي إلى احتجازهم واستجوابهم. كاستخدام السلطات بهونج كونج لتقنية التعرف على الوجه بالمظاهرات – التي تمت خلال عام 2019- للقبض على المتظاهرين والتحقيق معهم.[49]

2.2     حرية التنظيم:

ويمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي في تقويض أعمال منظمات المجتمع المدني عن طريق حجب مواقع المجموعات المعارضة والمنظمات الحقوقية. كما تفعل تركيا والصين وكوريا الشمالية وايران لمنع بعض المواقع أمام مواطنيها .[50]

2.3     حرية التعبير:

يمكن أن تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في حجب أو تقليص حرية التعبير عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فالصين على سبيل المثال تقيد حرية التعبير باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث عن كتابات مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع التي تدعم حركة #أنا_أيضا وتحجبها. وبالمثل، ففي عدة دول  منها قطر يُستخدم تطبيق “Netsweeper” الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث عن وحجب المحتوى “المتصل بمجتمع الميم”.[51]

2.4     تآكل الخصوصية:

تثير تقنيات الذكاء الاصطناعي إشكالية تآكل الخصوصية؛ مثل استخدام كاميرات المرور، فقد ثار داخل الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال نقاش حول استخدام الأدلة، التي تنتجها أدوات غير مؤتمته بشرية، ولكن كاليفورنيا حسمت الأمر في قضية people v. Goldsmith عام 2014، حيث أقرت أن الأدلة المستخدمة من كاميرات المرور ليست مجرد أقاويل عندما تكون مدعومة بشهادة مسؤول ما. [52]

2.5     حق الحياة:

 يثر استخدام الروبوتات في القبض على المخالفين للقانون إشكالية بشأن حماية الارواح، اذ انتهى حادث إطلاق نار جماعي بأمريكا مؤخرا بمقتل مطلق النار بقنبلة أطلقها عليه روبوت عام 2016، رغم أن قرينة البراءة بشأنه قد تكون قائمة.  ومن ثم قد يساهم استخدام الروبوت في المجال الشرطي، في تراجع القبول المجتمعي لدورها رغم الجهود التي تبذل في مختلف دول العالم لكسب ثقة مجتمعاتهم وابنائهم؛ فالإشكالية ستنشأ بسبب هذا الفعل مثلا فقد تسهم الاخطاء غير المتوقعة للأتمته في تقويض هذه الجهود لنحو بلاداعي[53]

3. تحسين عملية اتخاذ القرار:

من أبرز التحديات المثارة بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي، تأتي اشكالية عملية اتخاذ القرار ومعضلة تحسينها وتطويرها، ففي ظل ضخامة المعلومات وكثرتها ينشئ تحدي للعثور على معلومات محددة تخص القضية محل الاهتمام، ومعالجتها بسرعة وتشخيص الأنماط المتكررة واستخلاص الاستنتاجات، وتحويل المعرفة الناتجة لمعرفة يمكن للمستهلك الوصول إليها، الأمر الذي تحقق بفعل ثورة البيانات العملاقة BIG DATA وتقنيات الذكاء الاصطناعي. [54]

4. مشاركة المؤسسات الوسيطة:

تعد اشكالية مشاركة المؤسسات الوسيطة في الحياة الديموقراطية، من أبرز الاشكاليات المثارة بفعل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهنا يأتي مشكلة تراجع دور الأحزاب مقابل اكتساب مؤيدين جدد، وتثور أيضا اشكالية زيادة فاعلية وتيسير أداء منظمات المجتمع المدني. كما يظهر في الشكل رقم 12.

الشكل رقم : 12 تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على مشاركة المؤسسات الوسيطة

4.1 الاحزاب السياسية بين تراجع الدور واستهداف ناخبين جدد:

تستخدم الأحزاب السياسية استراتيجيات إعادة الاستهداف لإقناع الناخب بالتصويت لها، فإعادة الاستهداف هي تقنية تتبع نشاط يمكن من خلالها، رصد تفاعلات شخص ما عبر الإنترنت؛ رصد التعليقات، والمواقع التي يزورونها، والمنتجات التي يبحثون عنها ، والمقالات التي “يعجبون بها”. فباستخدام هذه المعلومات، يمكن للسياسي إرسال رسالة خاصة تجعل الناخب يجد ضالته فيما يبحث عنه. [55]

كما فعل ماكرون في حملته الانتخابية من الباب للباب كما سلف الذكر. ولكن في المقابل تظهر إشكاليات جديدة يثيرها الذكاء الاصطناعي وتجعل الساسة والاحزاب السياسية عاجزة عن تلبيتها وعلاجها، علاوة على مواقع التواصل الاجتماعي وما أحدثته من مساحة للمشاركة والتعبير عن الرأي كبديل عن العضوية في المنظمات الوسيطة كالأحزاب والنقابات العمالية. [56]

4.2 زيادة فاعلية وتيسير أداء منظمات المجتمع المدني:

استفادت مؤسسات المجتمع المدني من تقنيات الذكاء الاصطناعي: تثور مناقشات عملية حول كيفية استفادة منظمات المجتمع المدني من تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتم العمل على وضع تطبيقات للانتفاع منها في مجال الاعمال الخيرية كجمع التبرعات Crowd Funding. فيتوافر بالهند 15 منصة تستخدم تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي لجمع التبرعات وأجرت 12 الف حملة ناجحة لجمع الاموال عبر الانترنت خلال عام 2018[57]، مثل برمجيات Siri وAlexa تستخدم تقنية “المُساعد الشخصي”، في تيسير التبرعات للمؤسسات الخيرية المفضلة للأفراد، وتقنية (robo-advisors) تساعد المانحين في تحديد المشروعات التي سيقدمون المنح إليها .[58] كما تعتمد عليها في تنظيم عملها وتسييره مثل استخدام الدرون خلال العمليات الإغاثية أبان الكوارث الطبيعية. كما يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي تنسيق الأعمال الداخلية لمؤسسات المجتمع المدني كتنسيق عمل الإدارات وطرق التواصل، واستقطاب الموارد البشرية وادارتها. فيمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تحليل سلوك الموظفين بالجمعيات الأهلية لمنعهم من أية ممارسات خاطئة خاصة المالية، كما يساعد في ربط ومتابعة الاعمال التنفيذية كالإنشاءات وحملات التوزيع والمسح الشامل للاحتياجات، حيث يقلل التكلفة ويزيد من الكفاءة ويسمح بتوافر معايير الاستدامة [59]، ويمكن استخدامه أيضًا في تحسين وتسريع عجلة الخدمات المقدمة للجمهور. مثل أحد منظمات المجتمع المدني الروسية التي طورت برمجية (بوت) لتقدم المساعدة القانونية الآنية للمتظاهرين.

ولم يقف الأمر عند الاستخدام، ولكن أضحى الذكاء الاصطناعي يقدم كمساعدات ضمن برامج المسئولية المجتمعية من قبل الشركات لمؤسسات المجتمع المدني؛ مثل شركة ميكروسوفت وغوغل وآي بي إم وشركات أخرى.  [60]

5. تقنيات الذكاء الاصطناعي والعملية الانتخابية بين التوجيه والنزاهة:

يثار الجدل حول دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في نزاهة العملية الانتخابية، الأمر الذي لا يمكن الجزم به واطلاقه كحكم مسلم، خاصة أننا يمكننا هنا التفرقة بشكل تحكمي بين الذكاء الاصطناعي وسلاسل الكتل، أو ما يسمى بالبلوك اتشين Block Chain. فيمكن للأخيرة تأكيد نزاهة الانتخابات وحمايتها من التزوير أو التلاعب، ولكن هذا لا يتعلق بتزوير الإرادة أو توجيهها الذي يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي الاخرى القيام به: كما في الشكل رقم 14.

الشكل رقم13: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على العملية الانتخابية

5.1     التأثير السلبي على نزاهة الانتخابات عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي:

–   التأثير على إرادة الناخبين:

قد تؤثر تقنيات الذكاء الاصطناعي سلبا على نزاهة العملية الانتخابية سواء، عبر توجيه الناخبين قد تتمكن أداة اصطناعية تتمتع برؤية شاملة على الشبكات الاجتماعية، والسياسية أن تحدد فرص التأثير في الشبكات لكي تحقق نتيجة سياسية ما. فقد تتمكن الأداة من التدخل في الشبكات من أجل ربط مجموعة منعزلة ولكن متشابهة التفكير معا، لتصبح قادرة على العمل في ظل زيادة حجمها وتنوعها الجغرافي كي تحقق نتائج سياسية معينة، ويمكن لمثل هذا النشاط ان يشكل نسخة اوسع نطاقًا وأكثر استراتيجية للاستهداف المتقدم الحالي لإيصال الرسائل السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل استخدام منصة الاستهداف بالإعلانات في فيسبوك وقد بدأت المحادثات مؤخرا في مجال عمليات المعلومات الناشئة لتسلط الضوء على أنشطة أخرى قابلة للأتمته لتمكين إطلاق حالات تأثير مستهدفة. [61]

وتسمى هذه الظاهرة بــ “فقاعات الترشيح filter bubbles ” أحد انعكاسات التصميم المشخص لاستخدامات شبكة الانترنت،[62] ويمكن أن تؤدي إلي فصل حاد في الخطاب السياسي من مجموعات من البشر. مما يمثل فرصا لإيصال رسائل سياسية مستهدفة للغاية، مما يؤدي إلي خفض التركيز على الحقيقة في الرسائل المرسلة والصحافة. مستغلة قابلية البشر للتأثر بالإنحياز التأكيدي، مما يجعلهم أكثر قدرة على تصديق الرسائل التي تؤكد المعتقدات القائمة، مهما كانت خاطئة مما يساعد في انشاء غرف صدى للمعلومات المضللة، نظرا لانحيازاتنا التفكيرية في ظل الطبيعة المغلقة لمنصات تواصلنا الاجتماعي عبر شبكة الانترنت وفقا لTufekci. ومن أبرز التطبيقات على ذلك استخدام الحزب الجمهوري والديموقراطي بأمريكا في انتخابات 2016 حيث استفاد كل منهم وانتهز القدرة على تحديد الجمهور المستهدف بالأخبار والرسائل المزيفة في بعض الاحيان. [63] وقامت “وكالة أبحاث الإنترنت” بروسيا، بتوظيف الآلاف من النشطاء لإنشاء ونشر دعاية للناخبين الأمريكيين، تصل لأكثر من 126 مليون مستخدم على Facebook وحدهم، وأصدر التحقيق بقيادة مولر في التواطؤ بين حملة ترامب وروسيا 36 لائحة اتهام ضد الرئيس الأمريكي[64]. وقد أكدت ذلك وكالة الاستخبارات الأمريكية أن الانتخابات الأمريكية تعرضت لتدخل أجنبي تجاوز حده من خلال هجمات إلكترونية خارجية. وأخذت الهجمات بشكل إصدارات عامة انتقائية لبيانات خاصة مسربة في محاولة للتأثير في أراء الناخبين.[65] وفي البرازيل ، قام المحافظ المناهض للأقليات والمعارض للتعذيب Jair Bolsonaro بالتنسيق مع الشركات الدولية لنشر الأكاذيب والدعاية، ضد خصومه من خلال واتس آب ، وعلى فيسبوك.[66]

 مما يتضح إمكانية توجيه إرادة الناخبين والمفارقة أمكانية كشف التلاعب، ولكن تجدر الاشارة أن في أحوال أخرى قد يصعب اكتشاف التلاعب، فيمكن للأدوات الاصطناعية الأكثر تقدما أن تزيد من كفاءة أي جهات ذات نوايا، وأن تجعلها أقل قابلية ليتم اكتشافها خلال هذه العملية. [67]

–   اختراق التصويت الإلكتروني بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي:

في إطار استخدام تقنية التصويت الإلكتروني” آلة التصويت الإلكتروني” (EVM) خلال الاقتراع تثور إشكالية تأمينها، لأنها غير مأمونة ومأمنه بشكل تام. فهذه التقنية عرضة للتسلل وقد أظهرت العديد من الدراسات أن الآلات معرضة بشدة لخطر التلاعب والقرصنة، واشارت بعضها إلى استخدام الولايات المتحدة لتلك الالية في الاقتراع وما يشوبها من خلل، حيث تستخدم أنظمة التصويت المباشر للتسجيل الإلكتروني وتقوم بتخزين الأصوات على قرص صلب، ولكن ليس لديها أي شكل من أشكال النسخ الاحتياطي للأصوات الامر الذي يسمح بالتلاعب فيها أو اختراقها. بل واعترف أحد البائعين بالولايات المتحدة بتثبيت برامج مستترة  في أجهزة التصويت بقصد التلاعب بالنتيجة. [68]

5.2     تقنية سلاسل الكتل ونزاهة الانتخابات وشفافيتها:

تثور إشكالية نزاهة الانتخابات وإمكانية توجيه الناخبين أو تزوير الانتخابات بفعل التلاعب بتقنيات الذكاء الاصطناعي. في هذا الصدد، تأتي سلاسل الكتل لتقدم حلا أكثر تأمينا للانتخابات، حيث تساعد في زيادة نزاهة العملية الانتخابية، وتأمين إرادة المواطنين. فهي تساعد على منع أي شخص من التلاعب بعملية التصويت، ودعم مناخ الثقة ناهيك عن تيسير عملية التصويت واتاحتها لتتم بأية مكان. ففي نوفمبر 2018 قامت ولاية غرب فرجينيا خلال انتخابات الكونجرس الامريكية باستخدام سلاسل الكتل خلال الانتخابات، حيث سمحت لعدد 144 ناخب بالاقتراع نظرا لتواجدهم بدول مختلفة خارج الولايات المتحدة، بأماكن بعيدة يصعب وصولهم لسفاراتهم بالخارج لإجراء التصويت. فتم استخدام برنامج VOATZ  [69] وتمت عملية الاقتراع بنجاح. الأمر الذي يساعد على النفاذ بل وزيادة اعداد الناخبين.  وخلال شهر مارس 2018 ، أجرت دولة سيراليون بغرب إفريقيا ، أول انتخابات قائمة على أساس سلسلة الكتل وتمت بنجاح. تم خلالها منح الناخب “محفظة” (أوراق الاعتماد) و “عملة معدنية” (فرصة للإدلاء بصوته). ثم تم التحقق من هوية الناخب باستخدام أدوات القياس الحيوي، مثل فحص بصمة الإبهام ، قبل التصويت عبر التليفون المحمول. ثم يقوم الناخبون بالإدلاء بأصواتهم إلكترونياً في دفتر الأستاذ القائم على الكتلة، حيث تظل أصواتهم آمنة تتمتع بالشفافية مع الحفاظ على سرية هوية الناخبين والنتائج، والتي سيتم تخزينها في نقاط مختلفة بأجهزة كمبيوتر كثيرة غير معلومة. بعد ذلك، يمثل كل تصويت مسجل جزءًا من سلسلة من الأصوات تماثل صندوق الاقتراع. وتتوافر شبكة خارجية للتحقق  مكونة من مجموعة من الجهات الفاعلة المستقلة للتحقق من نزاهة التصويت ، بحيث لا يمكن لأي شخص تغيير أي بيانات في blockchain بنفسه. بمعنى أخر، ستكون الأصوات المسجلة آمنة بشكل كبير. [70] ومن أبرز مزايا إجراء الانتخابات بفعل تكنولوجيا سلاسل الكتل تخفيض تكلفة الحملات الانتخابية، حيث تنفق الحملات السياسية مبلغًا هائلاً من المال في حملات التسويق، في محاولة لاستخدام قوة المال للتأثير على الناخبين، والتي يجب أن تتوقف. فلن يتطلب تصويت Blockchain مثل هذه النفقات الضخمة والجهد لالتماس التبرعات، حيث أن التصويت سوف يكون استنادًا لمعرفة كل ناخب ومعتقده. [71]

هذا علاوة على، تيسير عملية التصويت وعدم وجود طوابير من الناخبين إضافة إلى عدم رمزية السلطة الانتخابية، وتوافر حرية لدى كل ولاية أو مدينة أو دولة لاختيار طرق التحقق من الناخب فبعض التطبيقات مثل  Voatz أختار تقنية التعرف على الوجه في حين اختارت سيراليون البصمة كأحد سبل التحقق، مما يعرف باسم “قانون دوفيرجر” الذي ينطلق من حرية دمج التكنولوجيا الآمنة والمأمونة في أنظمة التصويت المختلفة وفق إرادة السلطة المنظمة للعملية الانتخابية من أجل الدفع باتجاه المزيد من أساليب الانتخابات الأكثر عدالة وديمقراطية. بمعنى آخر تصميم تطبيق يجمع تكنولوجيات عديدة من أجل التحقق من الناخبين، وحفظ الأصوات دون إلزام باستخدام تقنينه بعينها مما يزيد من نزاهة العملية الانتخابية.[72]

القسم الثالث: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على النظام العالمي

يطرح هذا القسم إشكالية مهمة لإعادة النظر ببنية النظام الدولي من منظور الذكاء الاصطناعي، بمعني أن التقنيات الحديثة قد خلقت واقعا جديدا في إطار إعادة تشكل النظام العالمي. فيفند هذا القسم الفرضية الثالثة والرابعة للبحث، حيث يتناول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على تغير مقدرات القوي، وزيادة احتمالية عدم الاستقرار ببنية النظام الدولي بالتبعية.  فمع تغير هيكل وبنية النظام وتحوله من نظام أحادي القطب إلى نظام تعددية قطبية آخذة في التشكل والتبلور، هنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليفتح فصلا جديدا من التفاعلات لتكون امتلاك التقنيات أك8حد محددات الصراع والتعاون، بل أن محددات القوى العظمي أضحي الذكاء الاصطناعي من ضمنها، خاصة أنه ساعد في ظهور فاعلين جدد على الساحة يمارسون أدوارا تتقاسم مع أدوار الدول، بل قد تتعاداها في بعض الاحيان.

 كما أنه أصبح مدخلا مهما لتهديد السلم والأمن الدوليين. بل أنه أصبح محددا لزيادة الفجوة بين القوى التي تمتلك التكنولوجيا والقوى المستوردة لها هذا في ظل ظهور سباق على التسلح، الأمر الذي قد يتخطى لحد اشعال الحرب، وهنا تكمن الخطورة في ظل احتمالية زيادة اعداد الضحايا والأثار الناجمة عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على الساحة الدولية. وهذا ما يظهر في الشكل رقم 15 حيث يوضح تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على بنية النظام العالمي والتفاعلات بداخله.

الشكل رقم14: تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على بنية النظام العالمي والتفاعلات

 

  1. منافسة الشركات للدول القومية في النفوذ والسلطة:

تتزايد المنافسة على الساحة الدولية بين الشركات العملاقة والدول القومية، بسبب البيانات الضخمة التي تمتلكها تلك الشركات، وتعتبرها الدول مصدر تهديد لأمنها، كشركة جوجل تمتلك بالفعل كميات هائلة من البيانات الشخصية لمليارات من المستخدمين لديها، وتثير بعض الشركات إشكالية في ثقة الجمهور في الحفاظ على خصوصية بياناتهم، الأمر الذي يمثل تحدي لسلطة وسيادة الدول في حماية بيانات مواطنيها ربما يكون Facebook أكثر جامعي البيانات إثارة للجدل فقد تلقى Mark Zuckerberg ورفاقه استدعاء من الكونغرس لمناقشة مدى سوء استخدام الشركة لثقة الجمهور.[73]

2.الهيمنة الاقتصادي لمن يملك التكنولوجيا والفجوة بين الدول المالكة والمستوردة:

سيشهد العالم خللا في القدرات الاقتصادية العالمية لصالح من يملك التقنية (الشركات المتقدمة)؛ حيث تمتلك قلة صغيرة من الشركات الضخمة التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي. وتتمتع بالنفاذ إلي قواعد البيانات الكبيرة، وكذا العمال الفنين عالي المهارة، مما يعني أن العوائد والمكاسب الانتاجية الناجمة عن الرقمنة بالذكاء الاصطناعي تنصب في صالح مجموعة ضيقة من الشركات العملاقة.[74]

  1. ظهور فاعلين جدد على الساحة الدولية:

ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي يضعنا أمام فاعلين جدد؛ تثار بشأنهم اشكالية إطفاء الشخصية القانونية عليها. فتناقش أدبيات الذكاء الاصطناعي اشكالية كيفية اكتساب الأدوات الاصطناعية الشخصية القانونية، وما يترتب عليها من تباعات في الحقوق والواجبات خاصة أن دورها يتخطى حدود الدول.  فيرى Bayern أن هذه الأدوات قد سهلت المنافسة بين النظم الاساسية للشركات عبر الدول، الأمر الذي يؤكد اكتساب الكيانات الاصطناعية لشخصية قانونية والحفاظ عليها بكل سهولة من خلال النظام الاساسي للشركات، حيث تتمتع هذه الكيانات القانونية الخوارزميات بميزة نسبية مقارنة بالكيانات التي يتحكم بها البشر في الأنشطة الجنائية أو الإرهابية أو غيرها من الانشطة المعادية للبشر، ويرجع ذلك جزئيا إلي الولايات القضائية وسهولة نقل البرمجيات عبر الحدود. فقد يكون مجال وفرع قانوني يجب استحداثه ومناقشته. كيف نكيف القانون مع قدراتنا الجديدة؟”.[75] الامر الذي يمتد ليس فقط علي مستوى القانون الوطني، ولكن يمتد التحدي إلى القانون الدولي نظرا لدورها على الساحة الدولية العابرة للحدود، مما يضع عبئا على المشرع.

4. الذكاء الاصطناعي أحد مقدرات القوى العظمى:

أضحى الذكاء الاصطناعي أحد مقدرات القوة والنفوذ التي تتنافس عليها القوة العالمية. فكشفت دراسة نشرتها منظمة الملكية الفكرية العالمية، أن الصين والولايات المتحدة تقودان المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي.  فقد استحوذتا “كل من الولايات المتحدة والصين” بوضوح على الصدارة. فهما في المقدمة فيما يتعلق بالتطبيقات والمنشورات العلمية. حيث تمثل المنظمات الصينية ثلاثة من أربعة لاعبين أكاديميين مدرجين بين أكبر 30 من طالبي براءات الاختراع، وحلت الأكاديمية الصينية للعلوم في المرتبة الـ17 بأكثر من 2500 من براءات الاختراع. ومن بين اللاعبين الأكاديميين، تمثل المنظمات الصينية 17 من بين أبرز 20 لاعبا دراسيا في براءات اختراع الذكاء الاصطناعي، وتمثل كذلك 10 من بين أبرز 20 في المنشورات العلمية بالمجال.[76]

5. الذكاء البشري احد محددات القوى العظمى:

كشف مركز راند عام 2018 عن ثغرة مستقبلية تهدد مستقبل الولايات المتحدة في مجال التفوق في الذكاء الاصطناعي. فيعتبر أن تزايد مبتكري الذكاء الاصطناعي وخبراتهم في دول أخرى كالصين مثل شركات بايدو Baidu وعلى بابا Alibaba وديدي Didi ، ربما يعطي ذلك اشارة أكثر دلاله إلي فقدان الولايات المتحدة عن الهيمنة في الحوسبة عالية الأداء من تعقيد الساحة، حيث انتشرت تلك الاصول واصبحت متوفرة عالميا، ولم يعد من الجائز افتراض غياب جهات أجنبية لها خبرات وموارد ذكاء اصطناعي مماثلة.  في هذا السياق، ينبغي التخلص من افتراض التفوق الامريكي الدائم في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وخبراته لنأخذ في الحسبان وجود منافسة عالمية شديدة، وربما تزداد شدتها مع مرور  الوقت خاصة في ظل إحراز الطلبة الامريكان نتائج في استبيانات التعليم العابر للحدود PISA الذي أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية درجة متوسطة أو أقل من المتوسطة. مما يخلق مشكلة أمام الولايات المتحدة في مجال التفوق في الذكاء الاصطناعي في ظل القدرات والمواهب المحدودة لدي الطلبة الأمريكان. لذا اقترح مركز راند اهمية وضع استراتيجية كبيرة لجذب ذوي المواهب وتأمينها الأمر الذي تحتاج لسياسة نحو الهجرة تعطي الأولوية لهذه المجموعات من المهارات، ويرى أن أهمية تعزيز هذه الموجات من الهجرة لثلاثة أسباب رئيسة: [77]

· وجود نسبة عالية غير معهودة من خبراء الذكاء الاصطناعي المقيمين في الولايات المتحدة من أصول أجنبية أو مهاجرين من الجيل الأول.

· برامج الدراسات العليا حيث أعتمد تطوير خبرات الذكاء الاصطناعي على هجرة الطلاب منذ سنوات كثيرة، خاصة أن مسار التعليم من رياض الاطفال حتى الصفوف الثانوية في أمريكا، مؤخرًا لم ينتج عما يكفي من الخريجين الأمريكان المهتمين بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضة STEM.

· المنافسة العالمية على جمع الخبراء معادلة صفرية، وقد يكون من الأسهل تعزيز الهيمنة الأمريكية على التكنولوجيا والحفاظ عليها إذا هاجر الخبراء والساعون ليصبحوا خبراء من دول منافسة أخرى.

فيرى كلا من جولدن وكاتز أن مواطن ضعف نظام التعليم الامريكي، تجعل استمرار الاستثنائية الاقتصادية الأمريكية أمرا غير مرجح. الأمر الذي يؤكد تغير شكل النظام العالمي، استنادا على تغير مفهوم مقدرات القوى لتصبح أكثر ذكاءا، ومن ثم اضحى الذكاء الاصطناعي أحد محددات معايير صعود القوى العظمي ببنية النظام الدولي.

6. نشوب سباق تسلُّح في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري:

  نظرا للتطور الحديث للأسلحة الذي أحدثه تقنيات الذكاء الاصطناعي شرعت الدول الكبرى، وبخاصّة الولايات المتّحدة الأميركيّة، وروسيا الاتّحاديّة والصين في تطوير تطبيقات متعدِّدة للأنظمة العسكريّة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لأنه اضحى ضمن المقدرات الجديدة للقوى والتأثير واكتساب مناطق النفوذ والتأثير. الأمر الذي يهدد باحتمالية دخول الدول في سباق تسلّح، كما هو الحال بالنسبة لسباق التسلُّح الأميركي – الصيني في تطوير أسراب الدرونز الطائرة. الأمر الذي يزيد الوضع خطورة على السلم والأمن الدوليين، حيث يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دَوراً تصعيديّاً في التفاعُلات الصراعيّة بين الدول، في حال أخذنا في الاعتبار صعوبة تحديد هويّة الطَّرف القائِم بشنّ الهجوم، سواء في العمليّات العسكريّة الواقعيّة (من خلال طائرات الدرونز) أم في مجال السيبراني. الأمر الذي قد يدفع دولة ما إلي استخدامها لاختلاق ازمة بين دولتين آخرتين.[78] كحال ارامكو 2019.

7. زيادة احتمالية نشوء حربا بسبب محاولات دمج الذكاء الاصطناعي في الاسلحة والمعدات العسكرية:

 وذلك وفقا لتقرير مركز الامن القومي الامريكي CNAS عبر التصعيد غير المتعمد باستخدام الدرونات (الطائرات بدون طيار)، بسبب صغر حجمها وانخفاض تكلفتها وعدم وجود تهديد لحياة الجنود المقاتلين، ورغم ذلك لم تحدد الدول قواعد الصراع المسلح بالنسبة للأنظمة المستقلة. ويمكن أن يكون عدم اليقين في حد ذاته “تهديدا حقيقيا وشرعيا يكون ذريعة، أو سببا لاندلاع الحرب حيث تكمن مشكلة الدرون بشكل عام في التحكم عن بعد، لذا تميل الجيوش لان تكون اكثر فظاظة حول استخدامها في المجال الجوي المتنازع عليه.  مما قد يؤدي لغموض التفسيرات حول نوايا هذه الطائرات فعلى سبيل المثال استطاعت الصين تطوير درون يسمى Blowfish A2 تتمتع باستقلالية كاملة وصولا للأهداف المستهدفة، مما يعني أن استخدامها سيكون أكثر دقة وحرفية وتهديدا لمرمي العدو. الأمر الذي يمثل تهديد للسلم والأمن الدوليين”[79]

8. زيادة الضحايا والوفيات نتيجة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:

 كانت للحرب العالمية الأولي والثانية أثرها الشديدة نتيجة عدد الضحايا الذين لقوا حتفهم، بسبب شدة وضراوة هذه الحرب، الأمر الذي أسفر في النهاية عن تغير شكل النظام العالمي وتوازن القوى بين اعضاءه. هنا تظهر إشكالية مماثلة مصاحبة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي سواء عند قصد أو غير قصد. فيمكن لعملية صنع القرار المؤتمته بالكامل في مجال الامن القومي أن تؤدي إلي إخطار مكلفة ووفيات كثيرة. فبلغ الحال أبان الحرب الباردة أن وصلت بلدان كثيرة لحافة الحرب النووية؛ بسبب خلل في انظمه دفاعها النووية المؤتمتة، ويبحث تقرير موقع ديفنس وان defense one إشكالية أسلحة الذكاء الاصطناعي، التي تعمل دون تدخل بشري. [80] بل أن الأمر تعدى ذلك لتهديد الاختراق للمؤسسات النووية، ففي تقرير وزارة الامن الداخلي ومكتب التحقيقات الامريكي (FBI) عام 2017 رصدت محاولات اختراق لبيانات الاعتماد بنظم تشغيل المحطات النووية، وذلك عبر رسائل تصيد الكترونية مشبوهة. [81] مما يزيد من احتمالية التهديد باستخدام السلاح النووي من قبل جماعات غير مسئولة، الأمر الذي سيخلف عنه الدمار والقتل والخراب بمساحات واسعة. واتساقاً مع ما ذكر يمكن استنتاج صحة الفرضية الثالثة والرابعة للدراسة، فاستطاعت تقنيات الذكاء الاصطناعي من زيادة احتمالية عدم الاستقرار ببنية النظام الدولي، وظهور مقدرات جديدة للقوى كان امتلاك خوارزميات الذكاء الاصطناعي أحد تلك المقدرات.

القسم الرابع: السياسات الممكن طرحها امام صانع القرار

توصلت الدراسة إلى وجود تأثيرا كبير لتقنيات الذكاء الاصطناعي على العلوم السياسية، بحقليها الأبرز النظم السياسية والعلاقات الدولية وقد اختبرت الورقة تأثيرها على وحدتي التحليل الأكبر الدولة والنظام الدولي. وتوصلت لوجود تأثير للتقنيات الحديثة على أركان الدولة ووظائفها وركائز الديموقراطية ومحددات الأمن القومي. ونجاح تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل بنية النظام الدولي، من حيث مقدرات القوى وإعادة توزيعها والتفاعلات بينها. ومع ما يقدم من طرح بشأن وحدتي التحليل، هناك طرحا نظريا يثير مسألة إزالة الحدود المعرفية بينهما بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويؤكد أن التطورات التكنولوجية الحديثة قد ساعدت على إزالة الفوارق النظرية، وجعلت وجود تأثيرا متبادلا بين الوحدتين بشكل يصعب تحديده أو فصله معرفيا. ومن أبرز ملامح التأثير المتبادل:

– مهددات السلم والأمن الدوليين بفعل خطأ الخوارزميات في أنظمة أحد الدول في مجالات الدفاع والطاقة الكهربائية والنووية وغيرها، قد ينتج عنه تهديد يتجاوز حدود الدول ويمتد للنظام العالمي ككل. [82]

– استقراء تفضيلات المواطنين يتجاوز حدود المؤسسات السياسية التقليدية للدول فقد اثبتت تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرة تلك التقنيات الحديثة على التعرف على اختيارات وتفضيلات الأنظمة السياسية أكثر من الحكومات ذاتها الأمر الذي يمتد للنظام العالمي بأكمله ومؤسساته الأممية.

– خلق إنسانية جديدة مترابطة تكنولوجي تؤثر في مصير الحكومات والتنظيم الدولي يدعمها علماء البيانات الضخمة والاثنوجرافيا.

– إزالة الحدود بين المحلي والعالمي عبر جمع الشركات العالمية جنبا إلى جنب مع المنظمات العامة بالمؤسسات الأممية، الأمر الذي يتطلب حتمية خلق أنظمة سياسية حديثة تواكب التكنولوجيات الحديثة.[83]

فتحاول تلك الدراسات اثبات قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على إزالة الحدود المعرفية بين النظم السياسية والعلاقات الدولية عبر الربط بين أصغر الديناميكيات الاجتماعية والسياسية على نطاق عالمي.  ويوضح الشكل رقم 16 التأثير السياسي الأبرز لتقنيات الذكاء الاصطناعي الذي توصلت إليه الدراسة على أركان ووظائف الدولة وبنية النظام الدولي.

الشكل رقم 15: التأثير السياسي الأبرز لتقنيات الذكاء الاصطناعي على أركان ووظائف الدولة وبنية النظام الدولي

وفي هذا السياق، واستقراءا لما تقدم بالورقة البحثية التي أثبتت صحة فروض الدراسة الأربعة، يمكن الوقوف على عدد من السياسات المهم طرحها أمام صانع القرار العربي لتعظيم الاستفادة، في إطار الطرح المقدم بشأن تغير أركان مفهوم الدولة ووظائفها، ومقدرات بنية النظام الدولي وإزالة الحدود الفاصلة بينهما.

 الأمر الذي يطرح على صانع القرار إشكالية حول ماهية أبرز السياسات المهم الانتباه إليها، والعمل على تطبيق الملائم والمناسب منها كل في ضوء قدراته وإمكاناته ورؤيته المستقبلية؛ للاستعداد وبناء القدرات والامكانات وتطوير وظائف الدولة تمهيدا لبناء مقدرات قوتها داخل بنية النظام الدولي. في ظل اهتمام دول العالم المختلفة بوضع رؤي قومية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كاستراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031[84]، واستراتيجية الهند الصادرة عام 2018[85]، والمانيا واسرائيل والولايات المتحدة، وغيرها من دول العالم التي تربو إلى المستقبل وتطلع إليه. وهذا ما سيطرحه هذا الجزء فيما يلي.

ويمكن تقسيم محاور السياسات المقترحة سبعة محاور فرعية تظهر في الشكل رقم 16

الشكل رقم6 1 محاور السياسات المقترحة

المحور الأول: المستوى الوطني

أ‌.  تضمين استخدامات الذكاء الاصطناعي في خطط التنمية الوطنية للتنمية المستدامة 2030، وتحديد استخداماتها في كل قطاع من قطاعات كل دولة وخطط العمل اللازمة لاستكمال الأتمته والرقمنة والربط الإلكتروني. مع أهمية التأكيد على بناء منظومة صناعية متطورة تستخدم الطابعات ثلاثية ورباعية الأبعاد.

ب‌. تطبيق تقنية “الشبكة العصبية الاجتماعية” عند:

– إعداد برنامج عمل الحكومة كل عام لتعكس احتياجات ومتطلبات المواطنين.

-إعداد البرنامج الانتخابي بالحملات الانتخابية وببرامج الأحزاب السياسية للوقوف على مطالب الشعب، اقتداء بحملة طرق الأبواب التي أجراها الرئيس الفرنسي ماكرون عام 2017، وكان لها الفضل في نجاحه كمعبرا عن إرادة الناخبين رغم افتقاده للخبرة السياسية مقارنة بسابقيه.

المحور الثاني: البحث العلمي وإعداد وبناء الكوادر:

أ‌. دعم منظومة البحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وزيادة المخصصات المالية لمنظومة البحث العلمي من الموازنة العامة للدولة (فالمعايير الأوروبية تتراوح المخصصات المالية على البحث العلمي من الناتج القومي الإجمالي للدول الأعضاء بالاتحاد الاوروبي ما بين 3.5%: 7.5%).

ب‌.    الاهتمام بأبحاث Dataset لتقليل تحير الخوارزميات والعمل على وضع ضوابط للتقليل من أخطاء الخوارزميات عن قصد أو عن غير قصد، ووضع ضوابط للمراقبة والمتابعة الدورية.

ت‌.    اجتذاب متخصصين من علماء البيانات DATASCIENTISTS وإنشاء تخصصات بالجامعات العربية في هذا الإطار لبناء كوادر عربية ماهرة، خاصة أن المستقبل يفرض على أجهزة الاستخبارات العربية اجتذاب أفضل الكوادر في هذا التخصص للعمل بها. ومن ثم ستثور اشكالية الكفاءة مقابل الولاء والسرية.

ث‌.  إنشاء كليات متخصصة في الذكاء الاصطناعي الأمر الذي بدأت فيه بعض الدول العربية مثل مصر والأمارات ولكن لابد من تطبيقه بشكل أكبر وبمختلف الدول العربية.

ج‌.  رفع مرتبات وبدلات العاملين والمتخصصين في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي بمؤسسات الدولة الحكومية في ظل المنافسة على استقطابهم من قبل القطاع الخاص والأسواق السوداء المشبوهة التي تهدد أمن الدول واستقراراها.

المحور الثالث: التشريعات المنظمة

أ‌.أهمية العمل مع الجماعة الدولية بالمنظمة الأممية على وضع تشريعا دوليا لتقنين إنتاج وتبادل اسلحة الذكاء الاصطناعي خارج الأسواق الرسمية.

ب‌.  العمل دوليا لوضع اخلاقيات منظمة للعمل في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ت‌.  سن تشريعات وطنية تسمح بتطوير وانتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي ولكن مع مراعاة اعتبارات الأمن القومي.

ث‌.    سن تشريعات تقنن استخدام العملات المشفرة في حدود منظمة لاعتبارات الأمان المالي واعتبارات الأمن القومي.

المحور الرابع: تطبيقات في مجالات هامة

أ. استبدال آلية التصويت الإلكتروني بسلاسل الكتل Blockchain باعتبارها أكثر أمنا وتأمينا، خلال الحملات الانتخابية مع المغتربين والمواطنين الصعب مشاركتهم في العملية الانتخابية.ويمكن تطبيقها من قبل السلطة الفلسطينية لإجراء انتخابات بالقدس الشرقية رغما عن رفض اسرائيل لإجراء الانتخابات بها والادعاء بأنها كاملة عاصمة لإسرائيل عقب قانون القومية الصادر عام 2018. كذلك يمكن استخدامها لتطبيق إعلان القاهرة بليبيا؛ عبر اجراء الانتخابات التي نصت عليها المبادرة، خاصة بالمناطق التي تسيطر عليها قوات السراج.

ب. استخدام وزارة الخارجية روبوتات تساعد على عملية اتخاذ القرار في شئون السياسة الخارجية في ظل تشابه الدبلوماسية مع الشطرنج كلعبة لوحية، وقد اثبت الذكاء الاصطناعي تفوق في الألعاب اللوحية مثلما تفعل الصين مؤخرا، ولكن مع وجود البشر بجانب الألة لتحسين عملية اتخاذ القرار لأن المنظومة البحثية الجديدة، أثبتت أن العلاقة تبادلية بين الإنسان والألة للخروج بأفضل النتائج المرغوبة والمرجوة، خاصة في مثل هذه المجالات الحساسة كوزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات

ج. تطوير تقنيات ترشيد استخدام الموارد وتصنيعها على الأرض كي لا يكون ذلك ذريعة للحديث عن تقاسم الموارد، فلم يعد هناك مجالا لتصديرها كمادة خام، وإنما تصنيعها وتوطين صناعتها محليا، ولابد من الإشارة بالمحافل الدولية أن امتلاك التكنولوجيا ليس مبررا لتقاسم الموارد خاصة أن الموارد المطروحة في هذا الصدد؛ النفط، والغاز، والموارد المائية على وجه الخصوص.

ح. استخدام الجمعيات الاهلية ومؤسسات المجتمع المدني لتقنيات الذكاء الاصطناعي في اعمالها الإنسانية والخدمية، كأعمال الإغاثة “الدرونز”، وكذا في استقطاب الموارد وتوزيع المساعدات، ومنع الفساد وتقديم المساعدات القانونية بالمنظمات الحقوقية.

المحور الخامس: التنظيمات الدولية والإقليمية

أ‌. انضمام الدول العربية إلى منتدى حكومة العالم للذكاء الاصطناعيAI World Government  لبناء قدرات الهيئات الحكومية والعاملين بالتقنيات الحديثة، ولكن مع مراعاة الحفاظ على السيادة الوطنية، ومقدرات الأمن القومي.

ب‌. تشكيل منتدى عربي لتقنيات الذكاء الاصطناعي يتبع جامعة الدول العربية، يتولى مهام دعم منظومة البحث العلمي ودعم التحول التقني والأتمتة بالدول العربية، وينسق فيما بينها لتبادل المعارف والخبرات.

المحور السادس: دعم الشرعية السياسية ومقدرات الدولة في ظل التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي

أ‌. النظر إلى العمالة التي تم تصفية عملها بفعل الأتمته والرقمنة والعمالة المزمع إنهاء أعمالها والبدء في برامج تدريب تحويلي وفقا لقدراتهم وسماتهم الشخصية كي لا يتحولوا لمعول هدم، وإنما سيمثل هذا التدريب دعم لسياسات الاحتواء الاجتماعي وزيادة رضاء المواطنين مما يصب في دعم شرعية السلطة الحاكمة.

ب‌. الاهتمام بالنشء وتصميم الدولة دوريا اختبارات لقياس مستويات الذكاء IQ للطلبة وتصميم برامج لرفع معدلات الذكاء وبناء المكونات المعرفية المطلوبة في المستقبل لأن الذكاء البشري هو أحد مقدرات القوى للدول وفقا لبنية النظام الدولي الجديد، جنبا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي؛ لأنه هو الذي سيقود إليه وسيعمل على تطويره.

المحور السابع: استراتيجيات جديدة للعمل

أ. فرضت التقنيات الحديثة على الكثير من أجهزة الدولة إعادة النظر في استراتيجيات عملها فعلى سبيل المثال:

ب.  لابد للأجهزة الاستخباراتية بناء نماذج جديدة للتعاون مع القطاع المدني والتنافس مع القطاع الخاص.

– على وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات تبني استراتيجيات جديدة في استقطاب وبناء الكوادر الاستخباراتية العاملة، لتتمتع بالعقلية النقدية والرؤية المستقبلية العابرة للتخصصات القادرة على التعامل مع العلوم الحديثة والتقنيات المتطورة.

خاتمة:

أخيرا وليس أخراً، قدمت الورقة طرحا لأهمية إعادة النظر في وحدتي التحليل الأساسيتان في العلوم السياسية الدولة وبنية النظام العالمي، فكلاهما تأثرا سلبا وايجابا بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تحمل في طياتها إشكاليات جديدة مصاحبة تقتضي مراجعة ثوابت، وركائز العلم فيما يتعلق بأركان مفهوم الدولة، ووظائفها، وركائز الديموقراطية وكذا بنية النظام الدولي ومقدرات القوى ومعايير صعود القوى الجديدة وشكل التفاعلات السياسية. فقد أحدث الذكاء الاصطناعي طفرة في زيادة قدرات الدول تقنينا بسبب ما تقدمه من ثورة في اطار تعلم الالة والأتمته والرقمنة والروبوتات وأنترنت الاشياء وغيره. وفي ذات الوقت تفتح المجال أمام الفاعلين من غير الدول للنفاذ للأسواق والتأثير الأمر الذي خلق بدوره تهديدات للأمن القومي للدول، وخلق تحدي بشأن وظيفة الدولة الحامية، ووظيفة تحقيق الأمن ودفع الاستقرار، مما يطرح بدوره اشكالية كبيرة حول اخلاقيات وسياسات الذكاء الاصطناعي . كما أن على الدول قاطبة أن تفكر في التشريعات الخاصة المنظمة للذكاء الاصطناعي تحسبا لاندلاع الصراعات والنزاعات وتهديد السلم والأمن الدوليين.

كما فرضت تقتيات الذكاء الصناعي مقدرات جديدة للحكم على مراكز التأثير بل غيرت مفهوم مقدرات القوى الذي يتوقف عليه معايير احتساب قوة الدولة بالمعني الجامد Hard وكذا المعني المرن Soft فأضحى أحد المقاييس الجديدة في احتساب قدرات ومقدرات الدول، وصعودها كأحد اقطاب القوى الجديدة والناشئة والصاعدة، في ظل نظام دولي جديد أخذ في التغير والتبلور.

الأمر الذي يخلق ساحات جديدة للتنافس ليس فقط في مجال التسلح، ولكن في مجالات جديدة كامتلاك العقول القادرة على الإبداع هنا تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في موطن ضعف، نتيجة متوسط ذكاء الطلبة الأمريكان، لذا تعتبر مستقبلها في هذا المجال مرهونا باستقطاب العقول المبدعة عبر موجات الهجرة الجديدة. فالعقول النابهة ستكون محل تنافس واستقطابها سيكون من أكبر التحديات حتى أمام الاجهزة الاستخباراتية، التي عليها أن تدخل في ساحات المنافسة مع شركات القطاع الخاص لاستقطاب الافضل.

واستطاع الذكاء الاصطناعي أيضا استحداث ابعاد جديدة للحروب أكثر ضراوة بسبب هيمنة الآلة وبعد العنصر البشري عن الصدام المباشر والتواجد في ساحات القتال كالقتال عبر الدرونز الأمر الذي قد يخلق بدوره:

– زيادة معدلات التواجد على حافة الحرب Edge of War عبر استخدام المروحيات بدون طيار مع غموض النوايا

– الوصول لحروب عبر دخول فاعلين من غير الدول في ساحات القتال

– سباق التسلح في ظل مجهولية الفاعل والمستفيد

كما أدي الذكاء الاصطناعي لزيادة المساحة القائمة أمام الافراد في إعلاء أصواتهم والتعبير عنها، وممارسة حرياتهم عبر تقنيات حديثة، ولكن مع مزيد من القدرات الحكومية للمراقبة والمتابعة. كما أن المساحة المتاحة أمام الأفراد تطرح في ذات الوقت تحدي أمام الدول، خاصة في ظل ظهور المتسللين والهاكرز، مما يطرح اشكالية حول قدرات الحكومات في التأمين والأمن وحماية البيانات والمعلومات. وتثير تلك التقنيات اشكالية حقوقية أكبر تتجسد في اختراق الحقوق الاساسية للمواطن بفعل توظيف تلك التقنيات كالحفاظ على الأرواح من ابرزها تدخل الروبوت في الاعمال الشرطية والقبض على المشتبهين، الأمر الذي قد يهدد حياة البشر كما حدث من قبل في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016. هنا نجد أن الوضع ملتبس ما بين مزيد من القوى والتأثير، وخلق تهديدات وتحديات جديدة نظرا لطبيعة الأدوات الحديثة المستخدمة. وفي ذات الوقت سيزيد من فرص الفاعلين من غير الدول والأسواق المشبوهة وسيزيد من اشكاليات حقوق الأنسان ايجابا وسلبا.

وتوصلت الورقة إلى منظومة من السياسات يمكن طرحها أمام صانع القرار العربي، للاستعداد وبناء مقدرات القوى في ظل تغير وظائف الدولة وأركانها وتغير مقدرات القوي. وشملت المنظومة سبعة محاور رئيسية جمعت بين سياسات مهمة على المستوى الوطني، وأخرى على مستوى التشريعات، والتنظيمات الدولية والاقليمية،  البحث العلمي وبناء الكوادر الفنية المتخصصة، ودعم الشرعية السياسية ومقدرات الدولة في ظل التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي، وتطوير استراتيجيات العمل، وقدمت استخدامات هامة تطبيقات للذكاء الاصطناعي في مجالات جديدة نسبيا كعمل وزارة الخارجية، والعمل الأهلي، وتخطيط استخدام واستهلاك الموارد، اضافة للعملية الانتخابية التي يمكن تأمينها عبر سلاسل الكتل كبديل أفضل عن التصويت الإلكتروني.

ورغم ما قدم سلفا، لكن يمكن القول أن المجال خصب يحتاج لمزيد من الجهد البحثي، لاستكشاف مجالات تأثر ركائز العلم ورصد الظواهر السياسية الجديدة، ووضعها في نصابها المعرفي المطلوب

هوامش الدراسة



·     مدرس العلوم السياسية والدراسات المستقبلية، بمعهد التخطيط  القومي، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية                          Email: heba.gamaleldean@inp.edu.eg



[1] Bernard Mar, The Key Definitions Of Artificial Intelligence (AI) That Explain Its Importance, ‘Forbes”,

https://www.forbes.com/sites/bernardmarr/2018/02/14/the-key-definitions-of-artificial-intelligence-ai-that-explain-its-importance/#115860854f5d, Feb 14, 2018, accessed on 25/02/2020

[2] M.L. Cummings (& others). Artificial Intelligence and International Affairs Disruption Anticipated, Chatem House: THE Royal Institute of International Affairs, Great Britian, 2018, https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/publications/research/2018-06-14-artificial-intelligence-international-affairs-cummings-roff-cukier-parakilas-bryce.pdf, accessed on 30/05/2020

[3]  Kaveh Waddell, AI Makers Get Political Axios, December 2018, https://www.axios.com/artificial-intelligence-political-awakening-societal-impact-2d69e973-de31-4ebd-85ff-f1955fb1defc.html, accessed on 30/05/2020

[4] Ronny Patz, Political Science in the Age of Artificial Intelligence, Polscieu, London : The academic association for contemporary European Studies, 22/02/2017, https://polscieu.ideasoneurope.eu/2017/02/22/political-science-age-artificial-intelligence-global-institutions/, accessed on 04/06/2020

[5] ALFREDO G. A. VALLADÃO, Artificial Intelligence and Political Science, OCP Policy Center, “Policy Paper”, Sept 2018, https://www.policycenter.ma/sites/default/files/OCPPC-PP1807_0.pdf, accessed on 09/02/2020

[6] لمزيد من التفاصيل انظر:

AI World Governmenthttps://www.aiworldgov.com, accessed on 11/02/2020

[7] Jonathan Dupont , The Smart State: Redesigning government in the era of intelligent services, Policy Exchange, https://policyexchange.org.uk/wp-content/uploads/2018/05/The-Smart-State-1.pdf, 2018, accessed on 25/02/2020

[8] Greg Allen & Taniel Chan, Artificial Intelleigence and National Security, Belfer Center Study, A study on behalf of Dr Jason Matheny (Direcctor of the US Intellegence Advanced Research Projects Activity “IARPA”), Harvard Kennedy School: Belfer Center for Science and International Affairs, 2017

[9] روب فيرجر، طائرات بدون طيار، ذكاء اصطناعي، واجتماعات ذكية في بداية مؤتمر “بيلد” من مايكروسوفت، العلوم للعموم ومؤسسة دبي للمستقبل، 13 مايو 2018،

https://www.popsci.ae/%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%8C-%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%8C-%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85/، متوافر بتاريخ 22 يوليو 2020

[10] نسيب شمس، ​الذكاء الاصطناعيّ وتداعياته المستقبليّة على الإنسان،

https://arabthought.org/ar/researchcenter/ofoqelectronic-article-details?id=1006، متوفر بتاريخ 15/12/2019

[11] Greg Allen & Taniel Chan, Op.Cit

[12] شاي هيرشكوفيتش، مستقبل الاستخبارات في عصر التقنيات الرقمية المتقدمة، (دراسة مترجمة)، مهند ابو غوش (مترجم)،مركز الارث المخابراتي بإسرائيل، معهد ابحاث الطرق العلمية الاستخبارية،  https://babelwad.com/pdf/

pdf?fbclid=IwAR17vP-UTRIYqJ7irX0SBbh_hzrx2KHUlBpk1Irmb0i3kffeNMs-tiIntFQ مستقبل-الاستخبارات-في-عصر-التقنيات-الرقمية-المتقدمة.

، متوفر بتاريخ 11/05/2019

[13] Greg Allen & Taniel Chan, Op.Cit                                                                                 

[14] Andrew Ware, “Can Artificial Intelligence Alleviate Resource Scarcity?,” Inquiry Journal , The University of New Hampshire, Spring 2018, https://www.unh.edu/inquiryjournal/spring-2018/can-artificial-intelligence-alleviate-resource-scarcity, accessed on 22/07/2020

[15]BHARAT ADIBHATLA,” Solving Global Water Crisis With Artificial Intelligence”, Analytical Indian Magazine,  25/11/2018, https://analyticsindiamag.com/solving-global-water-crisis-with-artificial-intelligence, accessed on22/07/2020/

[16] Leidos Editorial Team, How does AI optimize oil and gas production?, Leidos, November 12 , 2019, https://www.leidos.com/insights/how-does-ai-optimize-oil-and-gas-production, accessed on 22/07/2020

[17] Daniel E Campbell &  Elliott Campbell, The United States of Abraham: A Path toward Peace in the Middle East?, Emergy Synthesis 8, Conference Paper • January 2015,  Proceedings of the 8th Biennial Emergy Conference (2015)  , https://www.researchgate.net/publication/291818421

[18] Shahidur Talukdar, Pursuing Sustainability: A Case for Regional Approachhttps://www.communitychange.ipg.vt.edu/articles/10.21061/cc.v2i1.a.14/, “Community Change”. 2(1): 4. DOI: https://doi.org/10.21061/cc.v2i1.a.14

[19] ALFREDO G. A. VALLADÃO, Op.Cit.

[20]  Greg Allen & Taniel Chan, Op.Cit

[21]  شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[22] احمد ابو المجد، الصين.. الذكاء الاصطناعي يخطو إلى عالم الدبلوماسية، العين الاخبارية، https://al-ain.com/article/china-ai-enters-diplomacy، 30/07/2018، متوفر بتاريخ 25/02/2020

[23] خالد بريقا، الذكاء الاصطناعي لايجاد كبار السن الضائعين، 4 اغسطس 2019، https://www.asiatimes.com/2019/08/article/chinese-police-using-ai-to-identify-lost-elderly-people، متوافر بتاريخ 1/02/2020

[24] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[25] المرجع نفسه

[26] محمد عبد الله يونس، ” الصراعات المفتوحة: الملامح الصاعدة للازمات الاقليمية في الشرق الاوسط” 2017، تقرير المستقبل، اغسطس 2017، العدد 22،  ص 11

[27]المرجع نفسه

[28] نسيب شمس، ​مرجع سابق

[29] Greg Allen & Taniel Chan, Op.Cit

[30] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[31] أوشونديه أوشوبا وووليام ويلسر الرابع، ذكاء اصطناعي بملامح بشرية: مخاطر التحيز والاخطاء في الذكاء الاصطناعي،

https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/research_reports/RR1700/RR1744/RAND_RR1744z1.arabic.pdf، 2017

[32] المرجع نفسه

[33] Ho-Young Kim & Kyu-Jin Cho,” Robotic insect mimics nature’s extreme moves”, the Harvard Gazette, 31st July 2015, http://news.harvard.edu/gazette/story/2015/07/robotic-insect-mimics-natures-extreme-moves/?utm_source=facebook , accessed on 03/06/2020

[34] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[35] ALFREDO G. A. VALLADÃO, Op.Cit.

[36] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[37] David Ernst, Liquid Democracy Candidates: How to Upgrade Our LegislatureOne Seat at a Time, THE LIQUID BLOG, 04 Jul 2017, https://blog.democracy.space/2017/07/04/running-liquid-democracy-candidates/, accessed on 04/03/2020

[38] محمد عبد الله يونس، مرجع سابق، ص11

[39] Agnes Talalaev, Website Hacking Statistics in 2020https://www.webarxsecurity.com/website-hacking-statistics-2018-february/, 31/01/2020, accessed on 24/02/2020

[40] Central Intelligence Agency, Big Data is a Big Deal at the CIA, 29/11/2012, https://www.cia.gov/news-information/featured-story-archive/2012-featured-story-archive/big-data-at-the-cia.html, accessed on 22/04/2019

[41] John Weathington, How data scientists use critical thinking to generate valuable processes, TechRepublic, February 14, 2017, https://www.techrepublic.com/article/how-data-scientists-use-critical-thinking-to-generate-valuable-processes/, Accessed on 22/02/2020

[42] Martin Zwilling, What Can Big Data Ever Tell Us About Human Behavior?, Forbes, Mar 24, 2015, https://www.forbes.com/sites/martinzwilling/2015/03/24/what-can-big-data-ever-tell-us-about-human-behavior/#742def4961f9, accessed on 22/03/2020

[43] Central Intelligence Agency, Big Data is a Big Deal at the CIA, NOV, 12, 2012, https://www.cia.gov/news-information/featured-story-archive/2012-featured-story-archive/big-data-at-the-cia.html, Accessed on 22/02/2020

[44] H. James Wilson, Human Plus Machine: Reimagining Work in the Age of AI, Harvard Business Review, August 16, 2018, https://hbr.org/webinar/2018/08/human-plus-machine-reimagining-work-in-the-age-of-ai, accessed on 22/03/2020

[45] Frank Lee , Intelligent IoT and Fog Computing Trends, September 14, 2017, https://www.iotforall.com/intelligent-iot-fog-computing-trends/, accessed on 22/03/2020

[46] H. James Wilson, Op.cit

[47] ALFREDO G. A. VALLADÃO, Op.Cit.

[48] Zach Lampell &Lily Liu, How can AI amplify civic freedoms?  ,the global freedom of expression program at the International Center for Not-for-Profit Law (ICNL), https://www.openglobalrights.org/how-can-AI-amplify-civic-freedoms/?lang=English, December 18, 2018, accessed on 11/12/2019

[49] Sbskr, ” Hong Kong police have AI facial recognition system for demonstrators” ,  Tellerreport, 24/10/2019, https://www.tellerreport.com/news/2019-10-24—%22hong-kong-police-have-ai-facial-recognition-system-for-demonstrators%22-.HkZHGd0CYS.html, accessed on 22/07/2020

[50] Miguel Leiva-Gomez, Internet Censorship: How Countries Block Their Citizens from Entering Websites, maketecheasier Network, March, 21, 2014, https://www.maketecheasier.com/internet-censorship-block-citizens-from-websites, accessed on 22/07/2020/

[51] زاك لامبل وليلي ليو، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الحريات المدنية؟، برنامج حرية التعبير العالم، 18 ديسمبر 2018، https://www.openglobalrights.org/how-can-AI-amplify-civic-freedoms/?lang=Arabic، متوافر بتاريخ 4 يونيه 2020

[52] أوسوندي أ. أوسوبا، ويليان ويلسر الرابع، مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأمن ومستقبل العمل، منظور تحليلي: رؤي الخبراء بشأن السياسات الآنية،  مركز Rand، 2018، https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/perspectives/PE200/PE237/RAND_PE237z1.arabic.pdf، متوفرة بتاريخ 11/12/2019

[53] المرجع نفسه.

[54] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[55] Jonathan Roberts (& Others),  Would you let an AI vote for you?, https://www.weforum.org/agenda/2019/05/avoid-the-politics-and-let-artificial-intelligence-decide-your-vote-in-the-next-election/, accessed on 16/05/2019

[56] ALFREDO G. A. VALLADÃO, Op.Cit.

[57] لمزيد من التفاصيل انظر: Shruti Kedia, How Crowd-funding platforms in India are Using AI, Blockchain to Help People Raise Money for Medical Procedures, Social Story, https://yourstory.com/socialstory/2019/02/crowdfunding-platforms-ai-ml, accessed on 24/02/2020

[58] Zach Lampell &Lily Liu, Op.Cit

[59] لمزيد من التفاصيل انظر:

Jade Nguyen, AI: The Applicationss in NGOs World, ENVZONE, https://www.envzone.com/how-ai-saves-ngos, 12/04/2019, Accessed on 21/02/2020/

[60]   Zach Lampell &Lily Liu, Op.Cit

[61] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[62] Eli Pariser, How Filter Bubbles Distort Reality: Everything You Need to Know,  Farnam Street Media  , https://fs.blog/2017/07/filter-bubbles/, accessed on 04/05/2020.

[63] أوسوندي أ. أوسوبا، ويليان ويلسر الرابع، مرجع سابق

[64] Will Mekemson, Political Revolution and the Blockchain: A Tale of Two Paradigm Shifts, https://hackernoon.com/political-revolution-and-the-blockchain-18751b780f12, December 31st 2018

[65] أوسوندي أ. أوسوبا، ويليان ويلسر الرابع، مرجع سابق

[66] Will Mekemson, Op.Cit

[67] أوسوندي أ. أوسوبا، ويليان ويلسر الرابع، مرجع سابق

[68] Will Mekemson, Op.Cit

 [69] عدم التلاعب امر غير مطلق ايضا بسبب امكانية اختراق الاجهزة المسجل عليها الاصوات رغم انها غير معلومة ولكن قد تتم ايضا مراقبة شبكات الانترنت لمنع عملية التصويت او لتزييف الارادة. لمزيد من التفاصيل انظر: Markus Spiske, I study Blockchain. It Shouldn’t be Used to Secure Our Election, https://www.fastcompany.com/90419485/i-study-blockchain-it-shouldnt-be-used-to-secure-our-elections , 19/10/2019, accessed on 24/02/2020

[70] Danny Crichton, liquid democracy uses blockchain to fix politics, and now you can vote for ithttps://techcrunch.com/2018/02/24/liquid-democracy-uses-blockchain/, 24/02/2018

[71] Ibid

[72] Will Mekemson, Op.Cit

[73] Tomer Afek, Blockchain, Power and Politics: How Decentralization Engenders Freedomhttps://cointelegraph.com/news/blockchain-power-and-politics-how-decentralization-engenders-freedom, 30/11/2019

[74] شاي هيرشكوفيتش، مرجع سابق

[75] المرجع نفسه

[76] الصين بعيون عربية، الصين والولايات المتحدة تتصدران السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي، https://www.chinainarabic.org/?p=41671، متوفر بتاريخ 15/12/2019

[77] أوسوندي أ. أوسوبا، ويليان ويلسر الرابع، مرجع سابق

[78] نسيب شمس، ​مرجع سابق.

[79] المرجع نفسه

[80] نور الدين، الصين تخشى أن تطوير الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى حرب بين الأمم، المنتدى العسكري العربي، http://www.defense-arabic.com/2019/02/07/ الصين-تخشى-أن-تطوير-الذكاء-الاصطناعي-ي/، 07/02/2019

[81] محمد عبد الله يونس، مرجع سابق، ص 11

[82] نور الدين، مرجع سابق

[83] Ronny Patz, Op.cit

[84] الموقع الرسمي لاستراتيجية الامارات  الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031،

http://www.uaeai.ae/، متوفر بتاريخ 31 مايو 2020

[85] National Stategy for Artificial Intelligence “Airforall”. https://niti.gov.in/national-strategy-artificial-intelligence, accessed on 11/0502020

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading