إعداد
د/ طلعـت يوسـف خاطـر
أستاذ قانون المرافعات المساعد
كلية الحقوق – جامعة المنصورة
مقدمة
اتجهت التشريعات المختلفة إلى الحماية السابقة للغير علي صدور الحكم، وذلك عن طريق السماح بتدخل الغير أو إدخاله في الخصومة، حتي يدافع عن حقوقه، وهذا التدخل يفقد الغير صفته، فيصبح طرفا في الحكم الصادر. وأحيانا قد لا يعلم الغير بوجود الخصومة التي تضر بمصالحه، ولا يكتشف القاضي حقا له([1])، لذا يكون من الأفضل حماية الغير بعد صدور الحكم، كما أن اجراءات التنفيذ قد تضر بحقوق الغير، فيلزم حماية الغير أثناء التنفيذ الجبري.
تقتصر آثار التنفيذ كقاعدة عامة علي طرفي الحق في سند التنفيذ، وهما طالب التنفيذ والمنفذ ضده([2])، غير أن المشرع عند معالجته لأطراف خصومة التنفيذ([3]) قد تصور حالات معينة تتسع فيها خصومة التنفيذ فتشمل أطرافا غيرهما، كما قد يكون للغير دور في خصومة التنفيذ لوجود علاقة بينه وبين المدين أو لصفة معينة فيه أو لواجب وظيفي يقتضي قيامه بعمل أثناء التنفيذ([4]).
ويجب قانونا حماية الغير أثناء التنفيذ الجبري، ويرجع ذلك إلى مبدأ أساسي وهو احترام قاعدة الحجية النسبية للسند التنفيذي، فلا يجوز المساس بحقوق شخص لم يكن طرفا في السند التنفيذي، حيث يذهب الفقه([5]) إلى أن السند التنفيذي لا يجوز تنفيذه إلا بين أطرافه الذي صدر فيما بينهم، فلا يفيد الغير ولا يضره، وذلك طبقا للقاعدة الرومانية الشهيرة. Res inter alois judicata aliis nec nocere nec prodesse potest.، وهذا ما أخذت به المادة 1351 من القانون المدني الفرنسي، والمادة 101 من قانون الإثبات المصري، وذلك بنصهما علي أن الأحكام لا تحوز حجية الشيء المحكوم فيه إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفتهم([6])، وبالتالي فلا يضار الغير من تنفيذ السندات التنفيذية.
وإذا كانت التشريعات المختلفة شرعت نصوص تهدف لحماية الغير
أثناء التنفيذ، إلا إنها تحتاج إلى التحليل خاصة في الأحوال التي تتشابك فيه
المصالح، بالذات بعد ظهور العقود الجماعية، ولم يعد الأمر مقصورا علي
الفرض المبسط الذي يتحدد بناء عليه أطراف التنفيذ والغير في أشخاص محددين ومعروفين.
سنشير في هذه المقدمة إلى النقاط الآتية:
1- أهمية البحث وتساؤلاته.
2- صعوبة البحث.
3- منهجية وأهداف البحث.
4- خطة البحث.
1- أهمية الدراسة وتساؤلاتها:
نظرا لأن الغير قد يضار من تنفيذ السند التنفيذي، وذلك يرجع إلى تشابك العلاقات القانونية بحيث يصعب فصل بعضها عن بعض، الأمر الذي يترتب عليه إمكانية المساس بحقوق الغير، بالرغم أنه لم يكن طرفا في التنفيذ([7])، ونتيجة لذلك تبدو ضرورة حمايته من آثار تنفيذه([8]).
كما قد يضار الغير بسبب خطأ المعاون أثناء إجراء الحجز، حيث يمكن تصور ثمة خطأ من المعاون بقيامه بالحجز علي مال مملوك للغير، حيث قد يكون هناك خطأ في المعلومات المقدمة من طالب التنفيذ، ولا سيما وأن الحجز قد يقع في غيبة المدين، كما أنه في حالة ما وقع أثناء وجود المدين، فمن المتصور أن يتواطأ مع المعاون أو أن يقوم بالتدليس عليه وتوجيهه إلي توقيع الحجز علي أموال يعلم يقينا بتعلق حق الغير بها، وخاصة أن المنقولات تعتبر محجوزة بمجرد ذكرها في محضر الحجز، ولذلك تبدو أهمية حماية حقوق الغير أثناء التنفيذ الجبري.
يعتبر حماية الغير أثناء التنفيذ الجبري من المبادئ الأساسية للتقاضي، ويتأسس ذلك على قاعدة أصولية قوامها وجوب اطمئنان الغير إلى حماية حقوقه، كما أن الغير لم يكن ممثلا في السند التنفيذي، ولم يدافع عن حقوقه أثناء تكوين السند، إلي جانب أن السند التنفيذي لا يكون حجة علي غير أطرافه، ولا يجوز التنفيذ إلا علي الأموال المملوكة للمدين، لذا يجب تمكين الغير من الدفاع عن حقوقه إذا مست أثناء إجراءات التنفيذ الجبري.
لقد حدد القانون إطارا معينا لممارسة حق التنفيذ بما يحقق المساواة بين أطرافه ويحمي الغير، ويمنع التعسف أو الإساءة في استعماله، حيث كفل لكل من أطرافه والغير ضمانات موضوعية وإجرائية. إذا كان متاحا للدائن الحجز علي أي مال من أموال المدين، فإن هذا لا يمنع من مساءلة الدائن إذا تعسف أو أساء في استعمال حقه في التنفيذ الجبري، فلا يجوز له القيام بالحجز علي أموال مملوكة للغير.
وإدراكا لأهمية حماية الغير أثناء التنفيذ الجبري، فقد حرصت بعض القوانين على تنظيم القواعد والإجراءات التي تحمي حقوق الغير أثناء التنفيذ، حيث نظمت
حق الغير في الاعتراض علي إجراءات التنفيذ الجبري من خلال الاستشكال في
التنفيذ، وإمكانية رفع دعوي موضوعية للمطالبة بملكيته للمنقول أو العقار وبطلان الحجز([9]).
والواقع أن موضوع الغير في التنفيذ الجبري، يزخر بالعديد من التساؤلات التي تبحث عن إجابة، فإننا لم نجد – للأسف – دراسة تجيب عن الكثير منها، حيث لا توجد دراسة تعالج الموضوع من كافة جوانبه بالعمق المطلوب، ولذا فإن البحث يقتضى تناول العديد من الموضوعات التي تتسم بالغموض، ويطرح العديد من التساؤلات الآتية: ما هو المقصود بالغير في التنفيذ الجبري؟ وهل يمكن للشخص أن تكون له صفتان في التنفيذ ( غير وطرف في الإجراءات)؟ وهل للغير دور في سير إجراءات التنفيذ الجبري؟ وما هي الوسائل التي تضمن حماية حقوق الغير؟ وما هي الجزاءات التي تترتب على التعدي علي حقوق الغير أثناء التنفيذ؟ وما هو الوقت الذى يجوز فيه اعتراض الغير على إجراءات التنفيذ الجبري؟ وهل يمكن الحجز علي أموال مملوكه للغير كاستثناءً؟
لاشك أن الإجابة على هذه التساؤلات تقتضى التعرض لبيان المركز القانوني للغير، ومظاهر حمايته أثناء التنفيذ الجبري، خاصه وأن المشرع المصري قد
خطا خطوات واسعة نحو حماية حقوق الغير أثناء التنفيذ الجبري، فإذا كان قد أجاز التنفيذ علي الغير في بعض الفروض، إلا أنه وضع له ضمانات تكفل حمايته من تعسف الحاجز، وتمكنه من الدفاع عن أمواله وحقوقه في مواجهة إجراءات التنفيذ الجبري.
2- صعوبة البحث:
نظرا لتطور العلاقات بين الأشخاص وتعددها وتشعبها، ومع ظهور العقود التي تطول مجموعات من الأشخاص وتجمعهم علي مصالح مشتركه، أصبح من الصعب حصر الحق في شخص معين أو أشخاص محددين، كما أن الالتزام لم يعد مقصورا علي شخص محدد يمكن أن يكون هو وحده الملتزم بالتنفيذ، ولعل هذا هو ما دفعنا إلى محاولة التعرض لتلك التطورات، من خلال البحث عن الأشخاص الذين تثبت لهم صفة الأطراف والغير في خصومة التنفيذ، حتي لا يضار الغير من إجراءات التنفيذ الجبري، ووسائل حمايته عند المساس بحقوقه.
إذا كانت حماية الغير أثناء التنفيذ الجبري ضرورة منطقية تتفق مع مبادئ العدل والإنصاف، فإن تناول الموضوع بالبحث والدراسة ليس مهمة يسيرة، بل تعد من أصعب الموضوعات التي يتعرض لها الباحث في قانون المرافعات، نظرا لما تثيره من مشكلات في مختلف جوانبها، ولعل نقطة الصعوبة الرئيسية في هذا الموضوع تكمن في تشعب موضوعات مفهوم الغير وحمايته أثناء إجراء التنفيذ الجبري، وعدم اتفاق الفقه في تحديد مفهوم أثر الأحكام بالنسبة للغير([10])، فالبعض يحصر الحجية فيما بين أطراف الدعوي والممثلين فيها، ورأي ثان يعتبر الأحكام حجة في مواجهة الكافة، ورأي ثالث يفرق بين القضاء الشخصي والقضاء الموضوعي، فالنسبة للأولي لها حجية نسبية، أما الثانية فالحجية تكون مطلقة، وهذا الامر أثر علي حق الغير أثناء التنفيذي الجبري([11])، فقد تمتد حجية الأحكام لأشخاص من الغير.
كما أن صعوبة البحث تظهر في أن النظام القانوني للغير له طبيعة خاصة من حيث دوره في خصومة التنفيذ، وعلاقته بأطراف الخصومة، كما أنه يوجد صعوبة حول حالات التعدي علي حقوق الغير، وإثبات ذلك، ووسائل حمايته، خاصة مع تشعب وتعدد إجراءات التنفيذ الجبري.
3- منهجية وأهداف البحث:
نظرا لتعدد معني الغير في مجال القانون، واختلافه باختلاف النظام المنسوب إليه، فإن نطاق هذا البحث سوف يقتصر علي حماية الغير في مجال التنفيذ الجبري، وذلك حتي يكون موضوع البحث مركزا، ويمكن معالجته تفصيلا دون أن يؤدي تشعبه إلى خلل في تناسق هيكله.
ويدور موضوع البحث حول مفهوم الغير ودوره وضماناته في التنفيذ الجبري، ولهذه الإشكالية طبيعة خاصة، وذلك لأن الغير أجنبي عن أطراف التنفيذ، وسوف تعتمد هذه الدراسة علي تحليل الأحكام القضائية التي تنظم هذا الموضوع في القضاء المصري مقارنة ببعض أحكام القضاء الأجنبي، خاصة القضاء الفرنسي، وذلك لأهمية هذه المنهجية في تبيان نقاط القوة والضعف، ثم القيام بمقارنة هذه الموضوعات في بعض القوانين اعتمادا علي الأدبيات السابقة التي تناولت هذه الموضوعات. وذلك من أجل استخلاص الإطار العام الذي يهيمن عليه، وسنتبع المنهج التحليلي المقارن، وسنحاول تقييم ضمانات الغير أثناء التنفيذ من الناحية العملية.
وتقتضى دراسة إشكالية الغير في التنفيذ الجبري بحث الموضوعات الآتية:
- بيان المركز القانوني للخصوم وللغير في خصومة التنفيذ.
- رسم الاطار الذي يبين دور الغير في خصومة التنفيذ.
- تحديد الحالات التي تظهر التعدي علي حقوق الغير.
- بيان الوسائل القانونية التي تحمي الغير أثناء التنفيذ الجبري وتجنب الإضرار به.
- بيان موقف القانون المقارن من حماية الغير أثناء إجراءات التنفيذ.
- رسم حدود المسئولية للأطراف التنفيذ في حالة الإضرار بالغير.
4- خطة البحث:
نري أن إشكالية الغير في التنفيذ الجبري تقتضي تحديد صفة الغير والأطراف في التنفيذ الجبري، ودور الغير أثناء التنفيذ، ثم بيان وسائل حمايته. فنقوم بتقسيم البحث إلى بابين، وفصل تمهيدي علي النحو التالي:
وتقتضى دراسة إشكالية الغير في التنفيذ بحث الموضوعات الآتية:
الفصل التمهيدي: صفة أطراف التنفيذ الجبري.
الباب الأول: صفة الغير في التنفيذ الجبري ودوره.
الباب الثاني: حماية الغير في التنفيذ الجبري
الفصل التمهيدي
صفة أطراف التنفيذ الجبري
لاستجلاء معني الغير بالنسبة للتنفيذ الجبري، يجب تحديد من يكون طرفا في التنفيذ، إذ علي ضوء هذا التحديد يمكن أن يفهم من يكون غيراً. والواقع أن أطراف التنفيذ هم الأشخاص الذين يكون السند التنفيذي حجة في مواجهتهم بنفس صفاتهم القانونية([12]). فأطراف التنفيذ هم الأشخاص المشتركون فيه ويعود عليهم نفع من إجراءه أو يتحملون عبئا من ورائه، وينطبق هذا التعريف علي طالب التنفيذ والمنفذ ضده، وخلافهما، ومن يستفيد من السند التنفيذي([13]).
سنشير في هذا الفصل إلى ماهية صفة أطراف التنفيذ، ثم نبحث أنواع الصفة في التنفيذ، وذلك في المباحث الأتية:
المبحث الأول
ماهية صفة أطراف التنفيذ
سنعالج في هذا المبحث، تعريف الصفة في التنفيذ واهميتها، وذلك في
المطلب الأول، أما المطلب الثاني، فيخصص لمعيار الصفة في التنفيذ، وذلك علي النحو التالي:
المطلب الأول
تعريف الصفة في التنفيذ الجبري وأهميتها
سنشير إلى تعريف الصفة في التنفيذ، ثم نبين أهميته الصفة في التنفيذ، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
تعريف الصفة في التنفيذ
يقصد بالصفة في الدعوي، صاحب الحق في رفع الدعوي أو هو من يحق توجيه الدعوي إليه باعتباره من أعتدي علي هذا الحق أو المركز القانوني([14])، أما بالنسبة للصفة في التنفيذ فيقصد بها أن يكون طالب التنفيذ صاحب مصلحة شخصية مباشرة، أي أن يكون هو صاحب الحق أو المركز القانوني المعتدي عليه، والمطلوب حمايته بمقتضي اجراءات التنفيذ. فلا يقبل التنفيذ بصفة عامة إلا من صاحب الحق في السند التنفيذي([15]) أو من ينوب عنه كالوصي أو الوالي أو الوكيل([16]).
كما أن الصفة تثبت للمدين في السند، وهو ما يطلق عليه صاحب الصفة السلبية في التنفيذ، وهو الشخص الواجب التنفيذ في مواجهته، لأنه الملتزم بمقتضي السند باعتباره الطرف السلبي في التنفيذ.
ويمكن التعرف علي صاحب الصفة في التنفيذ من خلال السند التنفيذي([17])، الذي يؤكد أنه صاحب الحق الموضوعي([18])، بمعني أنه صاحب الحق في الأداء الثابت بالسند([19])، فان كان هذا السند حكما فان المحكوم له يكون هو صاحب الصفة في طلب التنفيذ([20]) والمحكوم عليه صاحب صفة في التنفيذ عليه.
الفرع الثاني
أهمية الصفة في التنفيذ
ترجع العلة من ضرورة توافر الصفة في التنفيذ، إلى أن صاحب الصفة
هو وحدة الذي يملك أن يطلب بتنفيذ حقه أو يسكت عنه، فلا يجوز أن يجبر
علي الالتجاء إلي القضاء للتنفيذ، حيث إنه هو الذي يقرر مدي حاجته إلي التنفيذ. ولا يجوز للغير أن يمارس حقوق طرفي التنفيذ. كما أنه طبقا لمبدأ نسبية الأحكام، فإن الحكم الصادر في دعوي رفعها غير صاحب الحق لا تثبت لأحد حقا ولا علي أحد التزاما. كذلك الملتزم في السند هو صاحب الصفة باعتباره الطرف السلبي الواجب التنفيذ علي ذمته المالية، فلا يجوز التنفيذ علي غيره، وذلك تطبيقا لمبدأ الحجية للسندات.
ويكون التنفيذ باطلا إذا بدء التنفيذ من غير صاحب الصفة، بصرف النظر عن الفائدة التي تعود علي الشخص من حماية حق الغير. فالحجز الذي يقوم غير صاحب الصفة يعتبر كأن لم يكن، وترفع في مواجهته دعوي عدم الاعتداد بالحجز([21]). والواقع أن مسألة تقدير الصفة مسألة قانون، أي أنها ليست من إطلاقات قاضي التنفيذ، وإنما يخضع في تقديره بشأنها لرقابة محكمة النقض([22]).
ويري بعض الفقه أن الصفة شرط لقبول الدعوي أمام المحكمة، وكذلك تعتبر شرط لقبول اتخاذ إجراءات التنفيذ([23])، فهي شرط لقيام الحق في التنفيذ([24])، فالمادة الثالثة مرافعات تشترط الصفة لقبول أي طلب سواء قدم هذا الطلب في دعوي أو في طعن أو طلب بالتنفيذ.
ونري أن شرط الصفة في التنفيذ شرط لصحة الإجراءات، وهذا الشرط
يختلف عن شرط المصلحة اللازم لرفع الدعوي، فهو شرط لقبول الدعوي باعتباره يتعلق بسلطة الالتجاء إلى القضاء. وبناء عليه إذا باشر إجراءات التنفيذ غير ذي
صفة كانت الاجراءات باطلة، ويجوز التمسك بالبطلان عن طريق المنازعة في
التنفيذ.
المطلب الثاني
معيار الصفة في التنفيذ
سنشير إلى موقف المشرع المصري والفرنسي من معيار الصفة في التنفيذ، ثم نبين موقف الفقه من معيار الصفة في التنفيذ، والرأي المختار في معيار الصفة في التنفيذ، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
موقف المشرع المصري والفرنسي
نظرا لأن المشرع المصري نص علي شروط الدعوي في المادة الثالثة من قانون المرافعات بصورة مجملة([25])، مما ترتب عليه اختلاف الفقه في تحديد الشروط الواجب توافرها لقبول الدعوي سواء الدعوي العادية أو دعوي التنفيذ، فقد ذهب البعض إلي ضرورة توافر شرط وجود الحق والمصلحة وموضوع النزاع والصفة، بينما ذهب رأي أخر إلي الاكتفاء بالمصلحة([26])، بينما ذهب رأي إلي أن المصلحة ليست شرطا لقبول الدعوي وإنما هي شرط لوجودها، وحدد شروط قبول الدعوي في ثلاثة شروط، وجود الحق والاعتداء عليه وتوافر الصفة. فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة توافرت المصلحة في الدعوي.
والواقع أن المشرع المصري يركز علي شرط المصلحة لقبول الدعوي ويوجب أن تكون المصلحة قائمة وقانونية، وأن تكون شخصية ومباشرة، وليس عدم ذكر مصطلح الصفة أن المشرع استبعد هذا الشرط([27])، وإنما هو اعتبر الصفة شرطا في المصلحة، وذلك باشتراط أن تكون المصلحة (شخصية ومباشرة)، فتوافر المصلحة لا يغني عن توافر شرط الصفة([28]).
وبالنسبة للقانون الفرنسي فقد تحدث صراحة عن المصلحة والصفة كشرط لقبول الدعوي، حيث نصت المادة 31 مرافعات أن الدعوي تتاح لكل من له مصلحة مشروعة لكسب أو لدحض ادعاء مع الأخذ في الاعتبار الأحوال التي يسند القانون فيها حق التقاضي إلى أشخاص محددين لهم وحدهم صفة إثارة أو رد ادعاء، أو لهم صفة في الدفاع عن مصلحة معينة. كما أن نص المادة 122 مرافعات فرنسي ذكرت أمثلة لعدم قبول الدعوي ومنها تخلف شرط الصفة.
ويلاحظ أن المشرع المصري لم يورد نصا عاما لتحديد صاحب الصفة في السند التنفيذي، في مختلف السندات، وإنما يوجد نص خاص بالأحكام باعتبارها أهم صور تلك السندات ويمكن حمله إلى سائر تلك الصور الاخرى من السندات، حيث نص المشرع بطريقة عامة وغير مباشرة عن الخصم الذي له صفة في طلب تنفيذ الحكم([29])، فقد نصت المادة 181 مرافعات علي أن الصورة التنفيذية للحكم لا تسلم إلا للخصم الذي تعود عليه منفعة من تنفيذ الحكم. أما المشرع الفرنسي فقد نص في المادة 465 مرافعات علي أنه “يمكن لأي من الخصوم استلام نسخة من الحكم مزودة بالصيغة التنفيذية”.
كما نصت المادة 1166 مدني فرنسي علي حق الدائن في ممارسة كل الإجراءات التي تمكنه من الحصول علي حقه في مواجه المدين ماعدا ما يمس شخصه([30]).
الفرع الثاني
موقف الفقه من معيار الصفة في التنفيذ
اختلف الفقه في تحديد صاحب الصفة في التنفيذ، وذلك علي النحو التالي:
الاتجاه الأول: صاحب الصفة هو صاحب المصلحة في التنفيذ:
يري بعض الفقه أن مقتضي نص المادة 181 مرافعات مصري تسليم
الصورة التنفيذ للخصم الذي تعود عليه مصلحة من التنفيذ، حيث إن المشرع قصد من المنفعة المصلحة، وبالتالي فالدائن الذي ليس له مصلحة في التنفيذ لن يقبل
طلبه في تسلم الصورة التنفيذية، وبناء علي ذلك لا يجوز للدائن العادي التنفيذ
علي مال المدين المحمل برهن أو امتياز إذا كانت الحقوق المضمونة بالرهن أو الامتياز تزيد عن قيمة المال المراد التنفيذ عليه من الدائن العادي إذ لا تكون لهذ
الأخير مصلحة في إجراء التنفيذ. كذلك لا يجوز لدائن مرتهن متأخر في المرتبة
التقديم بطلب التنفيذ علي أموال المدين، طالما لا تكفي للوفاء بالدائن المتقدم عليه في المرتبة.
ومن تطبيقات ذلك ايضا ما نصت عليه المادة 403 مرافعات التي تجيز لأحد الدائنين أن يطلب من القاضي الإذن له بالحلول محل الدائن مباشر الإجراءات، وذلك لوجود مصلحة أقوي له([31]).
الاتجاه الثاني: صاحب الصفة هو صاحب المنفعة في التنفيذ:
يري رأي آخر إلي أن المشرع المصري يتحدث عن خصم له منفعة من تنفيذ الحكم، وذلك في نص المادة 181 مرافعات، وأنه لم يستعمل هذا اللفظ في أية مادة أخري، وأن المنفعة ليست بالتأكيد هي المصلحة، وإلا لكان المشرع استخدم تلك الكلمة الأخيرة، التي درج علي استعمالها في مواد عديدة، لعل أهمها نص المادة الثالثة مرافعات، حيث جعل المصلحة مناط الدعوي والطلب والدفع، ويمكن القول أن المشرع قصد أو عمد إلى اختيار تلك الكلمة، كي يوسع من دائرة الاشخاص الذين يمكن لهم طلب تنفيذ الحكم، وسائر السندات التنفيذية، فكل شخص تعود عليه منفعة أو فائدة- آيا كانت- من جراء التنفيذ، له أن يطلب صورة تنفيذية من السند، حتي يتسنى له تنفيذه جبرا، والمشرع بذلك المسلك انما استعمل كلمة مرنة لا تحصر صاحب الصفة، في طلب التنفيذ الجبري، فقط في المحكوم له، خلافا لما يذهب إليه البعض من أن الخصم الذي تعود عليه منفعة من تنفيذ الحكم هو المحكوم له، وهو وحدة صاحب الحق في التنفيذ، وأن الصورة لا تسلم لمن لم يكن ماثلا في الخصومة مهما كانت صلتة بالدائن([32]).
ونظرا لمرونة وعدم تحديد نص المادة 181 مرافعات، فيمكن القول بأن لأي شخص تعود عليه فائدة من تنفيذ الحكم أن يطلب صورة تنفيذية منه، حتي ولو لم يكن طرفا في الدعوي التي صدر فيها الحكم المطلوب تنفيذية، أي حتي لو لم يكن محكوما له، ويقترب من هذا المعني نص المادة الثامنة من قانون التوثيق: لا تسلم صور المحررات الموثقه إلا لأصحاب الشأن” وإن كان اصطلاح أصحاب الشأن يمكن حمله علي أطراف المحرر فقط. أما اصحاب المنفعة فلا يتطابق مع أطراف الدعوي الصادر فيها الحكم أو أصحاب المصلحة والصفة فيه([33]).
ويلاحظ أن النص الفرنسي قد كان أكثر صراحة وتحديدا، إذ حصر المادة 465 مرافعات استلام الصوة التنفيذية ف الخصوم، وبالتالي فإن من لم يكن خصما في الدعوي ليس له طلب تنفيذ الحكم.
الفرع الثالث
الرأي المختار في معيار الصفة
نلاحظ أن المشرع المصري استخدم لفظة الخصم التي تعود عليه بفائدة، وهذا المعني واسع، ويمكن أن يثير الكثير من العقبات في الواقع العملي، حيث قد تكون الفائدة اقتصادية فقط، وقد يكون الشخص من الغير ويعود عليه فائدة من التنفيذ، ولا يكون صاحب الحق الشخص في التنفيذ، فكان من الأولي أن يستخدم المشرع لفظ صاحب الحق المذكور في السند التنفيذي، لأن هناك فارقا بين الفائدة وصاحب الحق الشخصي والتي يقصد بها الصفة.
في الواقع اننا لا نسلم بالرأي الذي يذهب إلي أن الصفة هي ذات المصلحة، ونري أنه لا يمكن الخلط بين شرط الصفة وشرط المصلحة، فشرط الصفة يقصد به أن الدائن صاحب الحق المذكور في السند، أما شرط المصلحة فيقصد به الفائدة التي تعود عليه من التنفيذ، وهذا الشرط متطلب وفقا للقواعد العامة، فوفقا للمادة 3 مرافعات التي تنص علي أنه “لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون”. فإذا لم يكن لطالب التنفيذ مصلحة فلا يقبل طلبه،
وبالتالي يقصد بأصحاب الصفة في التنفيذ الأشخاص أصحاب الحق المشتركين فيه، ويعود عليهم نفع من إجراءاته أو يتحملون عبئا من ورائه، ولا ينطبق هذا التعريف بالطبع علي سلطة التنفيذ أي قاضي التنفيذ ومحضر والغير، وينطبق ذلك علي طرفي السند التنفيذي وهما طالب التنفيذ والمنفذ ضده([34]).
إذن طرفا التنفيذ هما المنفذ (أو طالب التنفيذ) أي الطرف الإيجابي في التنفيذ الجبري، والمنفذ ضده، أي الطرف السلبي في التنفيذ الجبري. ويجب أن تتوافر في كل منهما شرط يتعلق بوجود الحق في التنفيذ (الصفة والمصلحة)، وشرط آخر يتعلق بصحة مباشرة الحق في التنفيذ الجبري، وهو الأهلية([35]).
وفي بعض الأحوال ليس من السهل معرفة ما إذا كان طالب الصورة التنفيذية هو صاحب الحق في التنفيذ لصعوبة ودقة تحديد ما إذا كان ممن تعود عليه منفعة، وقد يدق الأمر ليس فقط علي الكاتب أو الموثق بل علي قاضي التنفيذ نفسه، وسوف نتتبع تحديد ذلك، سواء من ناحية أطراف التنفيذ، أو من ناحية امتداد الصفة في التنفيذ إلى كل من تعود عليه منفعة من تنفيذ الحكم. وذلك في المبحث التالي .
المبحث الثاني
أنواع الصفة في التنفيذ الجبري
تتنوع الصفة في التنفيذ إلي صفة ايجابية وصفة سلبية، وسنشير إلي ذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
الصفة الإيجابية في التنفيذ
“طالب التنفيذ”
لا شك في أهمية تحديد المقصود بالصفة الإيجابية في التنفيذ، حيث إن
صاحب هذه الصفة هو الشخص الذي يعطيه القانون سلطة مباشرة إجراءات التنفيذ، وهو الذي لا يتأثر بتصرفات المدين في المال الذي تم توقيع الحجز عليه، وهو الذي يمكنه أن يستفيد من حصيلة التنفيذ([36]). وذلك طبقا لقاعدة الأثر النسبي لإجراءات الحجز([37]).
ويقصد بالصفة الإيجابية في التنفيذ، الشخص الذي أعطاه السند
التنفيذي الحق في مباشرة التنفيذ الجبري([38]). وهو صاحب الحق في الأداء
الثابت بالسند التنفيذي([39]). ويظهر صفته من خلال السند التنفيذي الذي يثبت من له الحق في إجراء التنفيذ([40])، وهو أول من يظهر علي مسرح التنفيذ من أشخاص([41])، فهو من يطلب إجراء التنفيذ لصالحه علي أموال المدين([42]).
سنشير في هذا المطلب إلى صاحب الصفة الأصلية في السند التنفيذ، ثم نبين امتداد الصفة إلي غيره، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
صاحب الصفة الأصلية
سنشير إلى المقصود بصاحب الصفة الأصلية في السند التنفيذي، ثم نبين شروطه، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: المقصود بصاحب الصفة الأصلية
صاحب الصفة الاصلية في التنفيذ تثبت للدائن صاحب الحق الموضوعي الثابت اسمه في السند، حيث نصت المادة 181 مرافعات علي أن طالب التنفيذ هو الخصم الذي تعود عليه منفعة من تنفيذ الحكم، حيث تقترن الصفة في طلب التنفيذ بالحق الموضوعي وتلتصق بصاحبه، إذن يشترط في طالب التنفيذ أن يكون خصما في السند التنفيذي، وأن يكون له مصلحة في التنفيذ([43]).
والواقع أن الشخص يعتبر طرفا في التنفيذ حتي لو لم يكن حاضرا في الخصومة بنفسه إذا كان ممثلا في الدعوي عن طريق أحد الخصوم الحاضرين فيه([44])، أو كان ممثلا عن طريق وكيل عنه([45])، وقد تواترت عليه ذلك أحكام القضاء([46]).
وطالب التنفيذ قد يتسع ليشمل من يتدخل بإرادته أو يختصم في الدعوي، ففي هؤلاء جميعا يعتبر السند التنفيذ حجة لهم([47]). ويلاحظ أن العبرة بالخصم الحقيقي في السند التنفيذي، فلو أدخل شخص في خصومة ولم توجه إليه فيها طلبا ما، فإنه لا يصح اعتباره خصما في التنفيذ([48]).
يطلق علي صاحب الصفة الأصلية، اسم طالب التنفيذ([49])، وذلك لأن التنفيذ يتم بناء علي طلبه، أو اسم ” الدائن”([50])، وذلك لأنه صاحب الحق الذي يتضمنه السند التنفيذي الذي يجري التنفيذ اقتضاء له، أو اسم الحاجز([51])، متي كان التنفيذ يتم بطريق الحجز أو المحكوم له، إذا كان السند حكم([52])، وذلك حسبما يكون التنفيذ بطريق الحجز أو بغير ذلك من الطرق كالتنفيذ العيني.
وقد ذهب البعض إلى أن اصطلاح الدائن أو الحاجز مصطلحان لا يخلوان من عدم الدقة إذا استخدما للتعبير عن طالب التنفيذ في جميع الظروف، فطالب التنفيذ قد يكون صاحب حق عيني أصلي، وبذلك لا يصدق علي وصف الدائن، وقد يكون التنفيذ بطريق التنفيذ العيني، كتسليم المنقول أو تخلية العقار، وبذلك لا يصدق عليه وصف الحاجز([53]). ويري البعض أنه نظرا لأنه صاحب الحق في التنفيذ، فلا يوجد مانع من التعبير عنه بأي لفظ من هذه الألفاظ مادام أن المقصود به هو من يطلب إجراء التنفيذ لصالحه، سواء أكان ذلك بطريق التنفيذ العيني أو بطريق الحجز، وسواء أكان صاحب حق شخصي أو صاحب حق عيني أو أي حق آخر أيا كان وصفه([54]).
وتثبت الصفة الأصلية في التنفيذ للشخص الذي يؤكد السند أنه صاحب الحق الموضوعي([55])، وذلك سواء كان هو صاحب الحق الموضوعي في الواقع أم لا، حيث إن السند التنفيذ مفترض كاف للتنفيذ الجبري([56]). وتثبت الصفة لطالب التنفيذ بغض النظر عن كونه دائنا عاديا أو صاحب حق امتيار أو اختصاص أو رهن.
وتثبت صفة طالب التنفيذ للشخص الاعتباري([57]) كما تثبت للشخص الطبيعي([58])، وقد تثبت الصفة في التنفيذ في بعض الأحوال للنيابة العامة، وذلك في الأحوال التي يخولها فيها القانون رفع دعوي([59]).
وقد يتعدد طالب التنفيذ في السند التنفيذ، وذلك في حالة التضامن بين الدائنين، ويسمي بالتضامن الإيجابي([60])، ويؤدي ذلك أن يكون لكل دائن من الدائنين المتعددين أن يطلب المدين بكل الدين، ويكون وفاء المدين لأي من الدائنين مبرئا لذمته في مواجهة الباقين (م1197 مدني فرنسي) كما يكون لكل دائن الحق في الرجوع علي من قبض الدين منهم لمطالبته بالوفاء له بحصته، أي أن الدين ينقسم فيما بين الدائنين بقدر حصته (م283 مدني مصري، 1197 مدني فرنسي).
ورغم وحدة الالتزام التضامني، فإن المتضامن يعتبر من الغير بالنسبة للدعوي التي ترفع من أو ضد الباقين بشأن هذا الالتزام([61]). وبالتالي إذا قام أحد الدائنين برفع دعوي ضد المدين المشترك لمطالبته بالدين أو رفعت دعوي بقصد تبرئة ذمة ذلك المدين فإن باقي الدائنين المتضامنين يعتبرون من الغير، ولا يحوز الحكم الصادر في هذه الدعوي حجية الشيء المحكوم فيه بالنسبة لهم([62]). وذلك بسبب استقلال الرابطة الموضوعية من حيث أطرافها عن الرابطة الإجرائية، فلا تؤدي وحدة الالتزام إلى صيرورة من لم يرفع الدعوي أو ترفع في مواجهته بشأن الالتزام طرفا في الخصومة الناشئة عنها.
وقد ذهب جانب من الفقه الفرنسي إلى ما يسمي بالنيابة الكاملة بين الدائنين، سواء كان الحكم الصادر لصالح أحد أو ضده فيحتج به علي باقي الدائنين. بينما اتجه رأي آخر إلى نفي النيابة بين الدائنين أمام القضاء([63]).
ويثار التساؤل عن مدي حجية السند الصادر في مواجهة بعض الشركاء في حالة الالتزام غير قابل للانقسام([64]) أو في حالة الشركاء علي الشيوع.
في الواقع لا تؤدي عدم قابلية الالتزام للانقسام إلى استبعاد صفة الغير بالنسبة للشركاء فيه في علاقتهم فيما بينهم، فإذا رفعت دعوي بشأن هذا الالتزام من شخص واحد أو بعض الأشخاص فقط من الشركاء فيهاـ فإن باقي هؤلاء الشركاء يعتبرون من الغير بالنسبة للخصومة الناتجة عن هذه الدعوي، ولا يحوز الحكم الصادر فيها حجية الشيء المحكوم فيه في مواجهتهم ما لم يكونوا قد تدخلوا أو اختصموا في إجراءاته([65]).
كذلك، فالشركاء علي الشيوع في حق يقبل القسمة يعتبرون من الغير في علاقتهم فيما بينهم بالنسبة للخصومة بشأن هذا الحق([66])، ما لم يكونوا قد تدخلوا أو اختصموا فيها، وبالتالي إذا رفعت دعوي بشأن ملكية عقار من أو ضد شخص واحد أو بعض الأشخاص فقط من الشركاء في ملكية هذا العقار، فإن الباقين الذين لم يرفعوا الدعوي أو ترفع ضدهم يعتبرون من الغير بالنسبة للحكم الصادر فيها، طالما لم يتدخلوا أو يختصموا في إجراءات الخصومة التي انتهت بصدور هذا الحكم.
يري جانب من الفقه أن الشركاء في وصيه أو في إرث أو في ملك، يمثل كل منهم الآخر فيما ينفع لا فيما يضر([67]). ولكن بعض الفقه انتقد هذا الاتجاه، وذلك لأن مجرد التقاء المصالح لا ينشئ فيما بين الشركاء في مصلحة نيابة تبادلية أمام القضاء، ومن ثم يقتصر أثر السند التنفيذي علي من كان طرافا في الخصومة([68]).
وتطبيقا لذلك ذهبت بعض الأحكام القضائية إلى أنه ليس في القانون نص يوجب أن الشركاء في الملك ينوبون عن بعضهم البعض، وبالتالي فالحكم الصادر ضد بعضهم لا يسري علي الاخرين([69]). وإذا تعدد المضرورين، فإن الحكم الصادر في مواجهة أحدهم لا يكون له حجة في مواجهة باقي المضرورين.
ثانيا: شروط صاحب الصفة الأصلية
يشترط لتوافر صاحب الصفة الأصلية الشروط الآتية:
الشرط الأول: ثبوت صفته وقت التنفيذ
يتعين أن تتوافر الصفة في طالب التنفيذ([70]) لحظة طلب التنفيذ، أي قت مباشرة إجراءات التنفيذ، ويجب أن تستمر حتي انتهاء التنفيذ فلا يكفي أن تكون قائمة وقت صدور السند وغير قائمة وقت مباشرة التنفيذ([71])، فيجب أن يكون صاحب الصفة الأصلية حقه ثابتا في سند تنفيذ مكتمل الأركان والشروط([72]) وقت اتخاذ إجراءات التنفيذ وإلا كان الحجز باطلا ولا يصححه أن تثبت الصفة في وقت لاحق علي بدء الإجراءات، لأن ذلك لا يصحح البطلان([73]).
يمكن تصور زوال صفة طالب التنفيذ في الفروض الآتية:
1- البدء في التنفيذ دون توافر شرط الصفة في طالب التنفيذ:
إذا بدأت إجراءات التنفيذ دون ثبوت صفة طالب التنفيذ، كان التنفيذ باطل([74]). وللمدين أن يتمسك بهذا البطلان([75])، ولغيره كذلك ممن له مصلحة في إبطال
هذه الإجراءات كمشتري المال المحجوز بعد توقيع الحجز الباطل أو الحاجز التالي
الذي يوقع الحجز علي أموال المدين بعد الحجز الباطل، لأن الحكم بالبطلان من
شأنه أن يحول بينه وبين مزاحمة الدائن صاحب الحجز الباطل عند توزيع حصيلة التنفيذ([76]).
وإذا حدث عارض لطالب التنفيذ قبل البدء في التنفيذ كالوفاة أو فقدان التمثيل القانوني، فتوجه الإجراءات بواسطة من ينوب عنه، وإلا كانت الإجراءات باطله.
2- زوال الصفة أثناء إجراءات التنفيذ:
إذا بدأت إجراءات التنفيذ ممن له الصفة، ثم زالت الصفة بالوفاة أو فقدان أهليته أو زوال صفة من ينوب عنه، فلا يترتب علي ذلك انقطاع الإجراءات، بل وقفها واستكمالها بالنسبة للورثة أو من يحل محله. بالتالي يكون لمن حل محله الاستمرار في التنفيذ وذلك من اجل تحقيق اقتصادا في الوقت والنفقات([77]).
الشرط الثاني: اشتراط الأهلية للقيام بالتنفيذ
اشتراط المشرع توافر الأهلية اللازمة لإجراء التنفيذ([78])، ويلاحظ أنه لا يشترط توافر أهلية التصرف في طالب التنفيذ، بل يكفي أن تتوافر له أهلية الإدارة([79])، لذلك يجوز للقاصر المأذون له بالإدارة طلب التنفيذ،، وذلك أن التنفيذ يرمي إلي قبض الدين، وهو عمل من أعمال الإدارة، بل هو من أعمال الإدارة الحسنة([80]). كما يجوز هذا للوصي دون حاجة إلى إذن من المحكمة([81])، وتخول الوكالة العامة للوكيل سلطة طلب التنفيذ([82]).
أما إذا كان مباشر الإجراءات ليست له أهلية الإدارة بأن كان عديم الأهلية أو قاصرا لم يؤذن له بالإدارة فإن التنفيذ يكون باطل([83]).
الفرع الثاني
امتداد الصفة إلي غير صاحب الصفة الأصلية
تتعدي آثار السند التنفيذي إلى غير أطرافه الأصليين، لذا ذهب الفقه إلى بسط نطاق حجية السند التنفيذي خاصة الأحكام إلى غير الأطراف، حيث أمتدت آثار الحكم إلى خلف الخصوم، بل إلى كل شخص كان ممثلا في الدعوي عن طريق أحد أطرافه([84]).
والواقع أن الحق الموضوعي المذكور في السند التنفيذي قد ينتقل إلى شخص آخر غير صاحبه الأصلي، سواء كان ذلك أثناء حياته أو بعد الوفاة([85])، ويترتب علي ذلك انتقال الصفة في التنفيذ([86])، وبالتالي لا يشترط أن يكون طالب التنفيذ هو الدائن الذي ورد اسمه في السند التنفيذ إذ قد يحول حقه لغيره، وقد يتوفى فيباشر ورثته التنفيذ، وقد يكون يباشر دائن الدائن التنفيذ([87])، في هذه الحالات يكون لمن حل محل الدائن الاصلي أن يباشر إجراءات التنفيذ بشرط أن يقوم بإعلان سند حلوله محل الاصيل إلي المدين([88]). إذن تثبت الصفة في التنفيذ لمن يستفيد منه حتي ولو كان اسمه غير وارد في السند التنفيذي.
ويري البعض أن من حل قانونا أو اتفاقا محل صاحب الصفة في حقه حل محله فيما اتخذ من إجراءات التنفيذ. فالقاعدة أن الحلول يترتب عليه أن يستكمل المحال له ما بدأه الدائن من إجراءات. وتنقطع الإجراءات بزوال الصفة، ويجب إخطار الخصم الآخر بالصفة الجديدة([89]).
سنشير إلي انتقال الصفة بسبب الخلافة، وانتقالها لعلاقة المديونية، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: انتقال الصفة لوجود الخلافة
للخلف صفه في طلب التنفيذ بمقتضي السند التنفيذي نفسه الذي كان لصالح سلفه إذا لم يكن هذا الأخير قد طلبه([90]). وإجراءات التنفيذ التي اتخذها صاحب الصفة الأصلية سوف تنتقل إلى من يخلفه في حقه.
عالج القانون المصري حلول الخلف محل الدائن، وذلك في المادة 283 مرافعات، حيث نص علي أن “من حل قانونا أو اتفاقا محل الدائن يحل محله فيما اتخذ من إجراءات التنفيذ”. وبذلك يتابع من حل محل الدائن إجراءات التنفيذ دون إعادة ما تم فيها من إجراءات وعدم انقطاع هذه الإجراءات([91]). فإذا اتخذ صاحب الصفة الأصلية الإجراء، فإن تغير الصفة لا يبطل الإجراءات التي تمت صحيحة، ولا يؤدي إلى انقطاع إجراءات التنفيذ، بل تستمر الإجراءات بمعرفة صاحب الصفة الجديد([92]). وحكمة ذلك تفادي إعادة إجراءات التنفيذ مرة أخري ممن حل محل الدائن، وذلك من باب الاقتصاد في الإجراءات والمصروفات. وهذا الحكم يطبق علي جميع أنواع التنفيذ سواء كان حجزا تنفيذيا أو تحفظيا.
وإذا لم يكن صاحب الصفة الجديد علي علم بوجود إجراءات التنفيذ، فإن المواعيد التي كانت سارية في حق صاحب الصفة القديم يقف سريانها، ولا تستأنف إلا بعد إعلان صاحب الصفة الجديد بوجود إجراءات التنفيذ([93])، كما يجب علي صاحب الصفة الجديد- إن كان يعلم بوجود إجراءات التنفيذ وينوي متابعتها – أن يخطر خصمه بتغيير الصفة، وذلك تفاديا لاستمرار الخصم في اتخاذ الإجراءات في مواجهة من زالت صفته([94]).
فإذا كان مباشر الإجراءات وارثا يتعين عليه أن يعلن المدين بالقرار المثبت لوفاة الدائن ووراثته له، وإذا كان موصي له يعلن المدين بسند الوصية أو السند المثبت لتسلمه الشيء الموصي به، وإذا كان محالا اليه يعلن المدين بعقد الحوالة، ومع ذلك لا يلزم هذا الإعلان في حالات انتقال الحق المحال به إلى المحال إليه بموافقة المدين، غير أن نفاذ الحوالة بقبول المدين يتحقق به علمه بصفة المحال إليه ولا يلزم إعلانه به([95]).
وخلف طالب التنفيذ ينقسم إلى خلف عام وخلف خاص، وذلك علي النحو التالي:
1- الخلف العام:
ينتقل الحق في التنفيذ الجبري للخلف العام (م145 مدني) نتيجة لوفاة صاحب الصفة، ويقصد بهذا الخلف كل من يخلف طالب التنفيذ في ذمته المالية أو حصه شائعة منها (كالورثة أو الموصي له بحصة شائعه)- حتي ولو لم يكن اسمه واردا في السند التنفيذي، فالحق في التنفيذ الجبري ينتقل كأثر لانتقال الحق الموضوعي كالورثة([96]) أو للموصي له بحصه شائعة، وإذا جاز لأحد الورثة أن يطلب تنفيذ السند، فإنه يشترط أن يوكله باقي الورثة في طلب التنفيذ والقبض وذلك حماية لحقوقهم وحتي لا ينفرد أحدهم بالاستئثار بحصيلة التنفيذ. ويمكن للورثة جميعا طلب تنفيذ الحكم الصادر لصالح مورثهم أو لصالح التركة، لأن الصفة تثبت لمجموع الورثة وليس لوارث بعينه([97]).
وتتحقق الخلافة العامة في شأن الشخص الاعتباري، كما تتحقق في شأن الشخص الطبيعي، ويحصل ذلك في حالة الاندماج، حيث تنفني الشركة المندمجة، بكل ذمتها المالية- أي بكل ما لها من حقوق وما عليها من التزامات- في شركة أخري، سواء كانت موجودة من قبل أم نشأت بعد فناء الأولى، فشخصية الشركة المندمجة تزول وتفني في شخصية الشركة الدامجة أو المندمج فيها فهي تصبح خلفا عاما لها، فيما لها من حقوق وما عليها من التزامات، وتكون الشركة الدامجة وحدها هي الجهة التي تخاصم وتختصم في خصوص تلك الحقوق والالتزامات([98]). وطالما أن حقوق الشخص الاعتباري المندمج تؤل إلى الشخص الاعتباري الدامج، فان للأخير أن يطلب بتنفيذ السندات التنفيذية الصادرة لصالح الأول، باعتبار أن الصفة في التنفيذ انتقلت إليه بانتقال الحقوق، وتزول عن الشخص المندمج، باعتبار أنه لم يعد له كيان مستقل أو شخصيه قانونية([99]).
2- الخلف الخاص:
ينتقل الحق في التنفيذ الجبري للخلف الخاص من صاحب الصفة الأصلية
في التنفيذ، ويقصد بهذا الخلف، كل من يتلقى من سلفه ملكية شيء محدد أو حق
عيني أخر عليه، أو من ينتقل إليه حق شخصي كان سلفه دائنا به من قبل، كالمشتري الذي يخلف البائع في ملكية المبيع، وكصاحب حق الانتفاع الذي يعد خلفا خاص
لمن تلقي منه هذا الحق، والموصي له بعين معينه أو بحق معين كملكية قطعة أرض أو مبلغ من النقود. وهذا النوع من الخلافة قد يتحقق في حياة الشخص أو علي أثر وفاته([100]).
ويلاحظ أن انتقال الحق في التنفيذ إلي الخلف يرجع إلي أن التنفيذ أداة وظيفته لحماية الحق الموضوعي فإنه لا يمكن تحويله مستقلا بل هو ينقل كأثر لحوالة الحق الموضوعي أو التصرف فيه. وبانتقال الحق الموضوعي الثابت بالسند التنفيذي إلى الخلف، ينتقل الحق في التنفيذ، باعتبار أن الأخير نشأ ليحمي الأول، فلا قيمة للحق الذي انتقل إلى الخلف إذا لم يتمكن من الحصول عليه، فالخلافة لا تقتصر علي الحق الموضوعي وإنما تشمل أيضا الحق الإجرائي. فاستخلاف الحق يؤدي إلى استخلاف الصفة ([101]).
ويجب بمقتضي المادة 146 مدني حتي تنتقل الحقوق والالتزامات الناتجة عن العقد الذي أبرمه السلف إلى خلفه الخاص، أن يكون عقد السلف سابقا علي التصرف الذي انتقل به الحق إلى الخلف الخاص، أي سابقا في إبرامه علي انتقال الشيء من السلف إلى الخلف([102]).
وإذا تعدد خلفاء صاحب الصفة، كان لكل منهم طلب تنفيذ السند الصادر لصالحه، فللموصي له أن يطالب بتنفيذ الحكم الصادر لصالح الموصي، كما أن لكل من تثبت له صفة الخلف الخاص أن يطالب بذلك.
والواقع أن الحق ينتقل إلى الخلف الخاص بالحالة التي كان عليها وقت تحقق الخلافة، ومن ثم يعتبر الخلف أنه كان ممثلا بواسطة سلفه في كل الدعاوي السابقة علي انتقال الحق إليه، فيكون الحكم حجة له أو عليه بحسب ما إذا كان الحكم الصادر قد صدر لصالح سلفه أو ضده([103]).
والأصل يتحدد انتقال الحق في مواجهة الخلف الخاص، بوقت صدور الحكم، وليس بوقت رفع الدعوي أو بدء إجراءات التنفيذ. ولكن استثناء من ذلك ما نصت عليه المادة 15 والمادة 17 من قانون الشهر العقاري، فقد نصت الأولى علي وجوب تسجيل الدعاوي العقارية أو التأشير بها، ورتبت الثانية علي ذلك أثرا هاما هو جعل أثر الحكم مستندا إلى تاريخ تسجيل الدعوي أو التأشير بها. وبناء عليه، يعتبر الحكم الصادر في دعوي الاستحقاق المرفوعة علي البائع حجة علي المشتري، إذا كانت عريضة الدعوي سجلت أو تم التأشير بها قبل تسجيل عقده([104]).
وبالتالي في غير الدعاوي التي أوجب المشرع تسجيل صحيفتها أو التأثير بها، هل تكون العبرة في كون الحكم حجة علي الخلف أم لا؟ وهل تكون بوقت صدور الحكم في مواجهة السلف؟ أم بوقت رفع الدعوي عليه([105]).
ويري جانب من الفقه، أنه يكفي أن تكون الدعوي رفعت علي السلف قبل انتقال الحق للخلف أو قبل أن يصبح حقه نافذا في مواجهة الغير، حتي لو صدر الحكم فيها بعد ذلك. وحجة اصحاب هذا الرأي، أن الحكم يرتد أثره إلي يوم رفع الدعوي طبقا لمبدأ رجعية أثر الأحكام. ومن ثم يعتبر الخلف ممثلا بواسطة سلفة من هذا الوقت. فيكون الحكم حجة له أو عليه بحسب ما إذا كان لصالح سلفه أو ضده. وقد وجد هذا الرأي صدي كبيرا في ظل القضاء المختلط([106]).
والواقع أن هذا الرأي لا يمكن التسليم به، وذلك لأنه من وقت أن يصبح حق الخلف نافذا في مواجهة الغير ينفصل عن سلفه، فانه لا يمكن القول بأن السلف يظل بعد هذا الوقت ممثلا له أمام القضاء. وإنما يعتبر من الغير، فلا ينتج الحكم الصادر في مواجهة سلفه بعد ذلك أي أثر بالنسبة له([107]).
ولا أهمية لعلم الخلف عند اكتسابه الحق بوجود دعوي بين سلفه وبين الغير([108])، كما أن خروج الخلف من الدعوي لا يحول دون اعتبار الحكم حجة عليه، فإذا رفع شخص دعوي استحقاق علي المشتري مباشرة، فطلب الأخير إدخال البائع في الدعوي باعتباره ضامنا، وإخراجه هو من الدعوي، تاركا البائع يتابع الدعوي وحده متحملا عبء الدفاع في مواجهة المدعي، فالحكم يحوز حجية في مواجهة المشتري سواء صدر الحكم لصالح البائع أو ضده([109]). وهذه النتيجة منطقية، وذلك لأن عكس ذلك يترتب عليه عدم إمكانية حصول رافع دعوي الاستحقاق علي حكم في مواجهة المشتري، لأنه سيعمد إلى الخروج في كل مره من الدعوي ثم يحتج بأنه لم يكن طرفا في الدعوي التي صدر فهيا الحكم.
في الواقع لا يمثل الخلف العام أو الخاص سلفهما، وذلك لان السلف لا يتلقى حقوقه عن الخلف، ومن ثم، فانه لا حجية للأحكام الصادرة في مواجهة الخلف الخاص قبل مانح الحق، متي كان هذا الأخير لم يختصم في الدعوي([110]). وبالتالي فالحكم الذي يقضي بقبول دعوي الاستحقاق التي يرفعها الغير علي من انتقلت إليه ملكية العقار، دون اختصام البائع، لا يحوز الحجية في مواجهة البائع([111]).
وعلي الخلف أن يثبت للمنفذ ضده صفته، ويتم ذلك عن طريق الإعلان الذي يوجهه إلى المنفذ ضده قبل البدء في التنفيذ، ويبين فيه صفته وسنده وسبب خلافته للدائن الأصلي([112]). وللمنفذ ضده أن يطالبه بهذا حتي لا يضطر للوفاء مره أخري لدائنه([113]).وعلي الجهة التي تقوم بالتنفيذ أن تتحقق من ذلك، وذلك لأنها غير ملزمة بعدم القيام بما يطلب منها من اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري إلا لمصلحة صاحب الحق في السند التنفيذي([114]).
ثانيا: انتقال الصفة بسبب علاقة المديونية
في الواقع تنتقل الصفة من طالب التنفيذ إلي دائنة فيمكن له مباشرة إجراءات التنفيذ الجبري باعتباره صاحب صفة.
سنشير إلي أساس انتقال الصفة، ووسائل الدائن في مباشرة حقوق مدينة، وذلك في النقاط الآتية:
1- أساس انتقال الصفة إلي دائن طالب التنفيذ:
يرجع أساس حق الدائن في إجراء التنفيذ بدلا من مدينه صاحب الصفة الاصلية، أن للدائن علي أموال مدينه جميعها ضمان عام، الذي يعبر عن حق كل دائن في التنفيذ علي ما لدي المدين من أموال وقت التنفيذ واستيفاء حقه من المتحصل من البيع جبرا، فإذا تصرف المدين في مال من أمواله فخرج من ذمته نقص الضمان العام للدائن مما يهدد حقه بالضياع، وبالعكس إذا كسب المدين حقا زاد ضمانه عند التنفيذ عليه. لذلك فله أن يحتج بعقود المدين لينفذ علي الأموال التي كسبها المدين.
لا يعتبر الدائن خلفا لصاحب الصفة، إذ الخلف الخاص يتلقى حقا ثابتا وموجودًا في ذمة السلف، أما الدائن فينشأ له حق في ذمة المدين صاحب الصفة دون أن يكون لهذا الحق وجود من قبل، أي لا ينتقل إليه حق من المدين، فالدائن لا يخلف المدين في شيء، أي أن الدائن يعتبر من الغير – بالنسبة للعقود والتصرفات التي يبرمها مدينه- بمعني أنه لا يعد من الأشخاص الذين تتوافر فيهم صفه المتعاقد أو الخلف، فلا يكتسب من العقد الذي يعقده مدينه حقا ولا يلتزم بما ترتب عليه([115]).
في الواقع يحق للدائنين التمسك بحقوق مدينهم دون أهمية لما اذ
كانت ديونهم نشأت في تاريخ سابق علي السند التنفيذي أو لاحق عليه. وذلك
يرجع إلي الضمان العام علي أموال مدينهم، وهم في ذلك يشبهون الخلف العام.
حيث ذهب البعض أن المدين يمثلهم أمام القضاء([116]). والواقع أن المدين
يعتبر ممثلا لدائنه العادي في الخصومات التي يكون المدين طرفا فيها،
فيستفيد الدائن من الحكم الصادر فيها لمصحة مدينه، كما يعتبر الحكم علي
المدين حجة علي دائنة في حدود ما يتأثر بالحكم حق الضمان العام([117]). ويعتبر
الدائنين من الغير([118]) إذا صدر الحكم بين مدينهم وخصمه نتيجة تصرفات صورية أو تواطؤ للإضرار بحقوقهم، فلا يكون الحكم حجة عليهم([119])، وإنما من حقهم الطعن فيما اثبته الحكم بدعوي مبتدأه.
ويكون الدائن نائبا قانونيا عن المدين في اجراء التنفيذ، وهذه النيابة لمصلحة النائب، وليس لمصحة الأصيل، وإذا صدر الحكم لصالح المدين فإن له صفة في تنفيذه، لأنه هو صاحب الحق الذي كرسه الحكم، إلا أن هذه الصفة تثبت كذلك لدائنه، حيث ستعود عليه منفعة من طلب تنفيذ هذا الحكم، إذ من غير المقبول منطقيا أن تعطي لدائني المدين صفة رفع دعوي للمطالبة بحقوقه ولا تكون لهم صفة في ترجمة الحكم الصادر لصالح مدينهم إلى واقع ملموس([120]).
ويلاحظ أن صفة الدائن في توقيع الحجز التنفيذي هي صفة استثنائية، خوله القانون باسم مدينه ولصالح ذمته المالية، التي تمثل الضمان لحق الدائن، مما يعود علي الدائن بالنفع، حسب مفهوم المادة 181 مرافعات.
2- وسائل الدائن في الحلول محل صاحب الصفة
يباشر دائن الدائن إجراءات التنفيذ باسم مدينة ونيابة عنه في مواجهة المنفذ ضده([121])، وذلك بمقتضي المادة 235 مدني، والمادة 1166 مدني فرنسي، التي تنص علي أنه لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء أن يستعمل باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين، ما لم يكن متصلا بشخصه([122]) أو غير قابل للحجز. ويجب إثبات صفة الدائن التي تخول له مباشرة إجراءات([123])، وإلا كان التنفيذ باطل([124]).
ويستعمل الدائن حقوق مدينه في تنفيذ السند، بناء علي دعوي غير مباشرة أو بناء علي دعوي مباشرة أو بناء علي حجز ما للمدين لدي الغير، وذلك علي أساس ما يعود عليه من نفع من وراء هذا التنفيذ([125]).
ويجب حتي يكون لدائن طالب التنفيذ الحق في مباشرة إجراءات التنفيذ
توافر شروط الدعوى غير المباشرة المنصوص عليها في المادة 235 و236 من القانون المدني([126])، وذلك علي أساس إهمال المدين في المطالبة بحقه([127])، وأن يترتب علي عدم استعمال المدين لحقه ضررا بالدائن، ويمكن له اتباع طريق حجز ما للمدين لدي الغير.
ولا شك في أن حجز ما للمدين لدي الغير قد يحقق مزايا الدعوي غير المباشرة، ويغني الدائن بالتالي عن رفع الدعوي غير المباشرة، إلا أن ذلك لا يكون دائما، إذ إن اجراء هذا الحجز يفترض أن للمدين حقا- دينا أو منقولا- ثابتا في ذمة الغير، مما يتيح لدائنه أن يحجز علي حقه في حيازة شخص ثالث. ثم إن حجز ما للمدين لدي الغير مشاكله، إذ إن إجراءاته طويله وأطرافه متعددون، وإذا كان الدائن حينما يوقعه لا يشترط أن يكون حقه لدي مدينة ثابتا بسند تنفيذي، إذ أن حجز ما للمدين لدي الغير هو حجز تحفظي، يمكن للدائن الحصول علي إذن من قاضي التنفيذ مع تقدير دينه تقديرا مؤقتا ( م327 مرافعات) إلا أنه يجب علي الدائن في تلك الحالة- حيث لا يكون بيده سند تنفيذي- رفع دعوي بثبوت حقه وصحة حجزه خلال ثمانية أيام من إعلان الحجز إلى المحجوز لديه، وإلا اُعتبر كأن لم يكن (م333 مرافعات). كما أن حق مدينه (المحجوز عليه) تجاه مدين المدين (المحجوز لديه) يجب أن يكون ثابتا، إما من خلال التقرير بما في الذمة أو نتيجة الحكم في دعوي المنازعة في التقرير، التي يرفعها الحاجز- أي المدين أو دائنه- كدعوي خاصة يرفعها باعتباره حاجزا، إذ بتوقيعه الحجز يستعمل حقا خاصا به هو حق الحجز، وهو له باعتباره حاجزا أن يلزم المحجوز لديه بالتقرير بما في ذمته وله بهذه الصفة أن ينازع في تقريره([128]).
فللدائن طالب التنفيذ أن يستعمل حقوق مدينه في التنفيذ، وذلك إذا تقاعس صاحب الصفة الأصلية عن طلب تنفيذ السند، فحماية حقوق الدائن لا تقتصر علي منحه صفة رفع دعوي مدينة – باسم المدين- وإنما تمتد إلى إمكانية استعماله لحقوق مدينة المالية. ويدخل ضمن هذه الحقوق طلب تنفيذ السندات التنفيذية لصالح المدين. فللدائن أن يوقع الحجز باسم مدينة علي مدين مدينة، سواء كان حجزا تنفيذيا علي منقول أو علي عقار أو كان حجزا تحفظيا. كما له أن يوقع باسم مدينة حجز ما للمدين لدي الغير، وذلك لأن نص المادة 235 مدني نص عام يشمل حق توقيع الحجز كغيره من الحقوق التي لا تتصل بشخص المدين([129]).
ويمكن للدائن أن يحجز علي ما لمدينه في ذمة مدين ثان، فلا يقصد بحجز ما للمدين لدي الغير أن نقف عند الحجز علي مدين المدين، وإنما يمكن للدائن أن يحجز علي مدين مدين المدين، وهو يكون هنا بمثابة دائن الحاجز، وهو يباشر نيابة عن الحاجز وباسمه.
وفي بعض الفروض الخاصة يمنح المشرع الصفة الاستثنائية للدائن في أن يرفع دعوي باسمه الشخصي وليس باسم مدينه للمطالبة بحق ناشئ عن عقد لم يكن طرفا فيه، ولكنه بين المدين ومدين المدين، وهذا استثناء من مبدأ عدم انصراف آثار العقد إلى الغير. علي أن الدعاوي المباشرة بهذه الصفة الاستثنائية، لا تكون إلا بنص في القانون في حالة خاصة، من هذا ما تنص عليه المادة 596 مدني علي أن المستأجر من الباطن ملزما بأن يؤدي للمؤجر مباشرة ما يكون ثابتا في ذمته للمستأجر الأصلي وقت أن ينذره المؤجر([130]). كذلك يكون للمقاول من الباطن وللعمال
الذين يشتغلون لحساب المقاول في تنفيذ العمل حق مطالبة صاحب العمل مباشرة
بما لا يجاوز المقدار الذي يكون مدينا به للمقال الأصلي وقت رفع الدعوي (م662 مدني) ([131]).
وإذا تعدد دائنو المحكوم له، فإن لأي منهم أن يستعمل حقوقه، فلكل دائن أن يرفع الدعوي غير المباشرة علي أن يختصم فيها المدين، ويستفيد جميع الدائنين من نتيجة الحكم في هذه الدعوي، باعتبار أن كسب هذه الدعوي يدخل في ذمة المدين حقوقا فتزيد هذه الذمة، وإذا قام أحد الدائنين باستعمال حق المدين في الحجز
علي مدين المدين، فان الأمر يختلف بحسب طريق الحجز المتبع، فإذا قام دائن المدين بالحجز علي ما لمدينه في ذمة الغير – أي بطريق حجز ما للمدين لدي الغير-
فإنه إنما يستعمل طريقا رسمه له المشرع، أي يستعمل حقا خاصا به، فهو لا يباشر الحجز باسم المدين أو لمصلحته، وإنما باسمه هو ولصالحه الشخصي، وبالتالي
فإن الدائن يستأثر بحصيلة التنفيذ، ولا يشاركه فيه باقي دائني المدين باعتبار أن الحجز نسبي الأثر، لا يستفيد منه إلا من أجراه. ويجوز لسائر الدائنين أن يشاركوا في الحجز، وعندئذ يقاسمون الدائن الحاجز الأول في حصيلة التنفيذ باعتبارهم أطرافا في الحجز.
أما إذا سلك الدائن طريق الحجز التنفيذي بطريق الدعوي الغير مباشرة أو الدعوي المباشرة- علي منقول أو عقار- فإنه إنما يباشر الحجز باسم المدين ولمصلحته، حيث أنه يستخدم حقا خاصا بالمدين، وبالتالي فإن المتحصل من التنفيذ إنما يدخل في ذمة المدين المالية، ومن ثم فإن سائر دائني المدين- ولو لم يكونوا قد اشتركوا في الحجز- يستفيدون من حصيلة التنفيذ([132]).
المطلب الثاني
الصفة السلبية في التنفيذ (المنفذ ضده)
المنفذ ضده هو صاحب الصفة السلبية في التنفيذ، هو الشخص الواجب التنفيذ في مواجهته، فهو الملتزم في السند التنفيذي([133])، ولا صعوبة في تحديد صفة المدين، إذ يعني السند التنفيذ بتحديد شخص المدين بالالتزام([134]). فيتعين أن يكون هو الملتزم بالحق موضوع السند، أي مدينا لطالب التنفيذ إلى جانب كونه مالكا للمال الذي يجري التنفيذ عليه([135]). أي هو من يسمح السند التنفيذي بأن تتخذ إجراءات التنفيذ الجبري ضده، أو بمعني آخر ضد أمواله([136]).
المنفذ ضده هو الطرف السلبي في التنفيذ الجبري([137])، ويعبر عنه عادة بلفظ المحجوز عليه، إذا كان التنفيذ حاصلا بطريق الحجز، كما يعبر عنه بلفظ المدين علي تقدير أنه من يجري التنفيذ ضده باعتباره في مقام المدين بالنسبة للعلاقة التنفيذية. ونري أن مصطلح المنفذ ضده هو الأقرب إلى الدقة، وذلك لأن المدين مصطلح عام يطلق علي أي مدين بالتزام، سواء في خصومة التنفيذ أو في العقد، كذلك المحجوز عليه يطلق في حالة التنفيذ بطريق الحجز فقط، أما المنفذ ضده فقد يكون المدين الأصلي أو الكفيل أو الخلف، وفي كافة أنواع التنفيذ، سواء كان بطريق الحجز أو التنفيذ العيني.
في الواقع صفة المنفذ ضده قد تثبت لشخص آخر غير المدين الأصلي، فيمكن أن توجه إجراءات التنفيذ إلى خلف المدين، سواء الخلف العام أو الخاص، كما يمكن أن توجه كذلك إلى مدينه، أو كفيله الشخص باعتبار أن هؤلاء يقومون مقام المدين – في حدود الدين- في الوفاء بالدين. كذلك قد توجه إجراءات التنفيذ إلى شخص آخر، ليس هو المدين وليس مسئولا شخصيا عن الدين، كما هو الكفيل العيني، أو ضد من انتقلت إليه ملكية العقار المرهون، والذي يعبر عنه اصطلحا في قانون المرافعات بلفظ الحائز، كما أن هناك مدينين لا يجوز التنفيذ ضدهم([138])، بل إن إجراءات التنفيذ من المتصور أن تصح وتقبل إذا وجهت إلى شخص من الغير، وذلك هو حال المحجوز لديه في حجز ما للمدين لدي الغير وكذلك الحارس القضائي([139]).
سنشير إلى الصفة الشخصية للمدين في السند، وذلك في الفرع الأول، ثم نعالج الصفة الموضوعية للمدين في السند، وذلك في الفرع الثاني، ونبحث استثناءات علي صفه المنفذ ضده، وذلك في الفرع الثالث، وذلك علي النحو التالي:
الفرع الأول
الصفة الشخصية للمنفذ ضده
لاشك في أن الطرف الملتزم شخصيا بالأداء الثابت في السند التنفيذي هو المدين الذي يمكن اتخاذ إجراءات التنفيذ في مواجهته، وقد يكون هو المدين الأصلي أو الكفيل الشخصي له أو المتضامن، فكلاهما مسؤول شخصيا عن الدين([140]).
سنشير إلى صفة المدين الشخصي في السند التنفيذ، ثم نبحث صفة الكفيل الشخصي في السند التنفيذ، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: المدين الشخصية في السند التنفيذي
لم يحدد المشرع صراحة المدين المنفذ ضده في التنفيذ الجبري، وإن أمكن الاستنتاج- من بعض النصوص- أنه هو المدين، فالمادة 281 مرافعات تستوجب أن يسبق التنفيذ إعلان السند التنفيذ إلى المدين لشخصه أو في موطنه، مع تكليف المدين بالوفاء، والمادة 304 مرافعات تجيز للمدين طلب قصر الحجز علي بعض الأموال المحجوز عليها من قاضي التنفيذ، كما أن المادة 312 مرافعات توجب اختصام الملتزم في السند التنفيذي في الإشكال حتي يترتب عليه وقف التنفيذ.
فالمدين هو المسئول الشخصي عن الدين الذي يتضمنه السند
التنفيذ([141])، ولا صعوبة في تحديد صفة المدين([142])، إذ يعني السند التنفيذ
بتحديد شخص المدين بالالتزام([143]). فيتعين أن يكون هو الملتزم بالحق موضوع السند([144]).
ويلاحظ أن الصفة الشخصية هي التي تبرر الحجز علي جميع أموال المدين([145])، ويجب أن تتوافر هذه الصفة عند البدء في التنفيذ وأن تستمر أثناء التنفيذ. فإذا انقضي التزام المدين لأي سبب، فإن إجراءات التنفيذ يجب أن تتوقف، ويمكن للمدين أن يقدم منازعة في التنفيذ لبطلان إجراءاته لعدم توافر صفة له في التنفيذ([146])، ويمكن التنفيذ علي المال المملوك للمدين سواء ملكيته مفرزة أو شائعة([147]).
الواقع أنه لا يترتب علي زوال صفة المنفذ ضده عدم انقطاع سير إجراءات التنفيذ، فقد ذهبت محكمة النقض إلى أنه “في اجراءات التنفيذ لا يحدث أي انقطاع للخصومة إذا توفي المنفذ ضده أو زالت صفة نائبه بعد بدء التنفيذ، وانما يجب توجيه الإجراءات علي تحقق هذه الحالة إلى نائبة، أو إلي المنفذ ضده إذا كانت قد اكتملت أهليته حسب الأحوال”([148]).
إذا زالت صفة المنفذ ضده أو زالت صفة من كان يمثله قبل البدأ في
التنفيذ أو قبل إتمامه، فيجب إعادة الإعلان من يمثله([149])، حتي لو سبق إعلان المنفذ ضده([150]).
وإذا بدأت بعد الإجراءات في مواجهة ممثل القاصر ثم بلغ سن الرشد أثناء التنفيذ، فإنه ينبغي إعلانه هو بالسند التنفيذي الذي سبق إعلانه لممثله، وتسير الإجراءات في مواجهته. فإذا لم تعلن له الأوراق بصفته الجديدة لا يعد خصما في الإجراءات([151]).
إذا كان ممثل القاصر أو عديم الأهلية هو الذي يرغب في التنفيذ ضد
القاصر فإنه وجب عليه أما أن يعتزل الوصاية ويطلب من المحكمة تعيين وصي
بدلا منه أو يطلب من المحكمة تعيين وصي لخصومة التنفيذ ليتخذ الإجراءات في مواجهته.
وإذا توقع الحجز بعد موت المدين أو فقده للأهلية أو بعد زوال صفة من
كان يباشر الإجراءات نيابة عنه، دون إعلان السند التنفيذ، كان الحجز باطل
ليس لأن اجراءات التنفيذ ترد عليها الانقطاع، بل لأن كل إجراء لا يعد صحيح
إلا إذا اتخذ في مواجهة ذي الصفة، وبشرط أن تتوافر لديه الاهلية التي يوجبها القانون([152]).
وإذ اتخذت إجراءات التنفيذ ضد شخص ليس له صفة كانت الإجراءات باطلة([153])، ولهذا يجب علي الدائن أن يوجه الإجراءات في مواجهة صاحب الصفة. ونري أن البطلان يتعلق بالنظام العام. فيجوز لأي خصم طلب البطلان، ويمكن للقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه.
ويختلف مركز المنفذ ضده عن مركز المدعي عليه الخصومة العادية، ذلك أن الخصومة تتصل بادعاء معين يراد تحقيقه، ولهذا يجب دعوة المدعي عليه لإبداء دفاعه، أما في التنفيذ فيتعلق الأمر بحق مؤكد يراد اقتضاؤه جبرا عن المدين، ولهذا فلا أهمية لحضور المنفذ ضده، ولكن يجب إعلانه قبل البدء في التنفيذ بالسند التنفيذي وبعزم دائنه علي التنفيذ([154]).
وإذا تعدد المدنيين، ولم يوجد بينهم تضامن فتوجه الاجراءات لكل مدين علي حده([155])، أما إذا تعدد المدنيين وكان بينهم تضامن([156]) ورفعت الدعوي عليهم كلهم أو علي بعضهم واختصم البعض الأخر، فللدائن أن ينفذ علي أي منهم بكل الدين. ولكن لا يجوز التنفيذ ضد احد المدنيين المتضامنين لم يتناوله السند التنفيذي لأن النيابة فيما ينفع لا فيما يضر([157]).
في الواقع التضامن السلبي يؤدي إلى أن يكون للدائن الحق في مطالبة أي المدينين المتضامنين بالدين كله وإجباره علي دفعه كاملا دون أن يكون لهذا المدين أن يدفع مطالبة الدائن له بعرض الوفاء بحصته فقط، كما أن وفاء أحد المدينين يترتب علي تبرئة ذمة الباقين في مواجهة الدائن المشترك ( م 284 مدني مصري، 1200 مدني فرنسي)، وإذا وفي أحد المدينين المتضامنين بالدين فلا يجوز له أن يرجع
علي أي من الباقين إلا بقدر حصته ( م 297 مدني) ما لم يكن أحد المدينين المتضامنين هو وحده صاحب المصلحة في الدين، ففي هذه الحالة يتحمل هذا المدين الدين كله نحو الباقين ( م 799 مدني) كما لو كان أحد المدينين هو المدين الحقيقي والباقي مسئولين أمام الدائن كمدينين متضامنين، وتنطبق أحكام الكفالة في علاقتهم ببعضهم البعض([158]).
أجاز القانون لصاحب الضمان- في حالة اختصامه للضامن- أن يطلب
خروجه من الخصومة إذا لم يكن مطالبا بالتزام شخصي (م121 مرافعات)([159]). فإذا فعل ذلك فإنه يكون قد وافق ضمنا علي ترك الدفاع في الخصومة للضامن، ومع ذلك
يظل طرفا بالنسبة للخصومة ويمكنه التمسك بحجية الحكم الصادر فيها في مواجهة الخصوم الآخرين، كما يمكن لهؤلاء الخصوم التمسك بهذا الحجية في مواجهته([160]).
وأيد البعض هذا الرأي بأن الضامن ممثلا لطالب الضمان بالرغم من خروجه من الخصومة، وبالتالي يحوز الحكم الصادر في الدعوي حجية الشيء المحكوم فيه
بالنسبة له([161])،
ويري جانب من الفقه أن خروج صاحب الضمان من الخصومة يعتبر تركا لها ويفقده صفة الطرف فيه([162]). فبالرغم من أن الضامن يلتزم بتعويض صاحب الضمان إذا حكم ضده لصالح منازعة في الحق المضمون، إلا إنه يعد من الغير([163]) بالنسبة للخصومة بين صاحب الضمان والمحكوم له([164])، ولا يحوز الحكم الصادر فيها حجية الشيء المحكوم فيه في مواجهته، فالبائع لا يعتبر ممثلا بواسطة المشتري في الخصومة الناتجة عن دعوي الاستحقاق التي يرفعها عليه الغير وتتعلق بالعين المباعة([165])، إلى جانب أن الكفيل لا يمثله المدين في الخصومة بينه وبين الدائن([166])، ونفس الشيء بالنسبة للمؤمن فيما يتصل بالخصومة بين المؤمن عليه والمضرور([167]).
ويذهب رأي آخر إلى أن مركز الخصم يتوزع بين الضامن وطالب
الضمان وتنصرف إليهما آثار الخصومة معا، وذلك ليس علي أساس التمثيل
الإجرائي، ولكن علي أساس فكرة الحلول الإجرائي. وذلك لأن فكرة التمثيل الإجرائي تصطدم ببعض العقبات القانونية، حيث إن الضامن يباشر إجراءات الخصومة
باعتباره خصما فيها وليس مجرد طرف في الإجراءات، وينفذ الحكم في مواجهته، كما لا يوجد مصدر للتمثيل لا قانوني ولا اتفاقي([168]). وتعدد أطراف الالتزام غير القابل للانقسام، يستوي في ذلك الدائنون والمدنيون، ولكل دائن أن يطالب المدين بأداء الالتزام كاملا.
ويثار التساؤل هل الحكم الصادر ضد الشركة يصلح للتنفيذ ضد الشريك المتضامن؟ في الواقع قد اختلف الرأي بشأن هذه الإشكالية، حيث يتجه رأي إلى عدم جواز الحجز علي الشريك لدين علي الشركة طالما كان الدين علي الشركة([169])، ويتجه الرأي الغالب إلى إمكان هذا التنفيذ، وليس للشريك أن يدفع في مواجهة دائن الشركة بالتنفيذ علي مال الشركة أول([170])، فهو بمثابة كفيل متضامن تغليبا لمقتضيات العدالة، وهذا خلاف للوضع في التضامن بين المدينين، فهو تضامن إجباري بنص القانون، وهي قاعدة موضوعية لا تقبل الدليل علي عكسها، وهي تتعلق بالنظام العام.
ويجب علينا أن نفرق في مسئولية الشريك بين المسئولية شخصية والتضامنية، فإذا كان مسئولا شخصيا جاز التنفيذ عليه، ويمكن التنفيذ عليه بكافة ديون الشركة، وقصد من ذلك حماية مصلحة دائني الشركة([171]). أما المسئولية التضامنية، فيقصد بها أن أي دائن يمكنه أن يطالب أي شريك متضامن بقيمة الدين كله، ولا يجوز لأي من الشركاء أن يدفع في مواجهة دائن الشركة بالتجريد. أي تجريد الشركة من أموالها أولا، ولا بالتقسيم بين الشركاء المتضامنين. ولا يجوز لدائن الشريك أن يحجز علي أموال الشركة حتي ولو كانت شركه تضامن([172])،ويثار التساؤل عن مركز المسئولين عن التعويض من فعل واحد.
إذا اشترك أكثر من شخص في ارتكاب فعل ضار، جريمة أو شبه جريمة، وترتب علي ذلك حدوث ضرر بشخص آخر، فإن كل من تسبب في هذا الضرر يعتبر مسئولا عن تعويض المضرور، فإذا قام أحدهم بدفع هذا التعويض، فلا يجوز للمضرور أن يطالب الباقين، لأنه ليس له أن يحصل علي التعويض عن الضرر الذي لحق به إلا مرة واحدة فقط، ولكن يظل كل من هؤلاء المشتركين في الفعل الضار من الغير بالنسبة للباقين، ولذلك فإن الحكم الصادر بشأن التعويض في مواجهة أحدهم لا يحوز حجية الشيء المحكوم فيه بالنسبة للباقين، ما لم يكونوا قد تدخلوا او اختصموا في الخصومة([173]).
إذن فصفة الغير ذات طابع إجرائي بحت، ولذلك فهي تستقل عن علاقة الشخص بالنسبة لموضوع النزاع.
وقد نص المشرع المصري علي هذه المسألة في المادة 169 مدني علي أنه” إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار، كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض” وبالتالي يطبق أحكام تضامن المدنيين علي هذا الفرض.
ولا يمكن الرجوع علي الضامن، إذا أثبت الضامن أن الحكم الصادر في الدعوي كان نتيجة لتدليس المضمون أو لخطأ جسيم منه (م440/2 مدني)([174]).
ويثار التساؤل عن حجية السند التنفيذي في مواجهة الأطراف في حالة السند غير قابل للانقسام؟
اختلف الفقه في الاجابة علي هذا التساؤل علي النحول التالي:
الاتجاه الاول: يري البعض أن الدائنين أو المدنيين في التزام لا يقبل التجزئة يمثلون بعضهم بعض فيما ينفع لا فيما يضر، وذلك للتشابه بين الالتزام غير قابل للانقسام والالتزام التضامني([175]).
الرأي الثاني: يري أن السند يحوز الحجية في مواجهة كل الأطراف، سواء صدر السند لصالح أو ضد أحدهم، أي أحد الدائنون أو المدينون في التزام لا يقبل التجزئة يمثلون بعضهم بعضا تمثيلا تاما أمام القضاء([176]). وذلك لان عدم القابلية للتجزئة تنشئ نوعا من وحدة الخصوم.
الرأي الثالث: بينما ذهب رأي آخر إلى أن السند التنفيذي في مواجهة أحد الأطراف لا يكون حجة في مواجهة باقي الأطراف، لأن عدم قابلية الالتزام للتجزئة لا يمكن أن يترتب عليه وحدة الخصوم. كما لا ينشئ بينهما وكالة متبادلة لتمثيل أمام القضاء. لان ترابطهم ليس بسبب رابطة الالتزام المشترك بل بسبب محل الالتزام غير قابل للانقسام([177]).
في الواقع إذا تعدد الدائنون أو المدينون في التزام لا يقبل التجزئة، ترتب علي ذلك ما نصت عليه المادتان 301 و302 من القانون المدني المصري، وهو وجوب الوفاء بالالتزام جملة واحدة.
ثانيا: صفة الكفيل الشخصي
إذا كان الدائن ينفذ بحقه تجاه المدين الأصلي لأنه مسئول مسئولية شخصية
عن الدين، فإن له أن يرجع كذلك بحقه علي الكفيل الشخصي للمدين، شأنه شأن المدين، لأنه مسئول شخصيا عن الدين، كما يمكن له أن ينفذ في مواجهة المدين المتضامن([178]).
فقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن “ليس في القانون ما يمنع من مسئولية مدينين متعددين عن دين واحد تضامن هؤلاء المدينين في الدين… وللدائن التنفيذ به كله قبل أيهما”([179]).
يقصد بالكفيل الشخصي للمنفذ ضده، من يتعهد للدائن بأن يفي بالالتزام إذا لم يوفي به المدين نفسه ( م 772 مدني). فالكفيل يضم ذمته المالية إلى ذمة المدين في ضمان دين الدائن. فأصبح الضمان العام يرد علي المدين وكفيل المدين أيضا. وينشأ عقد الكفالة بين الدائن في الالتزام الأصلي وبين الكفيل، أما المدين في الالتزام الأصلي فليس طرفا في عقد الكفالة. وإلى جانب الضمان العقدي، فإن هناك الضمان التقصيري أو ضمان العدوان، الذي يقوم كلما أرتكب شخص فعلا يمثل إخلالا بواجب قانوني، حيث لا يوجد عقد بين الطرفين أو كان العقد باطلا، كما إذا أصيب أحد ركاب سيارة في حادث تصادم بينها وبين سيارة أخري([180])، وهو دائما التزام بتعويض الضرر، وسواء كان تعويضا نقديا أو تعويضا عيني([181]).
ويتضمن التزام الكفيل أن يفي بالتزام المدين الأصلي إذا لم يف به المدين نفسه. فيلتزم بصفة احتياطية. لذلك فمن العدل إلا يطالبه الدائن بالدفع قبل أن يرجع علي المدين الأصلي بهذا الدين([182]). فإذا حصل الدائن علي حكم يثبت حقه، فإنه يستطيع تنفيذ هذا الحكم سواء ضد المدين أو ضد الكفيل، فكلاهما تثبت له صفة المنفذ ضده. علي أنه يجب علي الدائن أن ينفذ أولا ضد المدين، بأن يجرد المدين من أمواله قبل التنفيذ علي الكفيل، لأن التزامه تابع لالتزام المدين، وهو مدين احتياطي للدائن. ويمكن للكفيل أن يدفع بتجرد إذا نفذ عليه أولا (م 788مدني)، فليس من العدل أن يري الكفيل أمواله تنزع منه، بينما أموال المدين قائمة لا تمس. وللكفيل أن يدفع بالرجوع علي المدين أولا. وهذا دفع إجرائي وهو ليس دفعا بعدم القبول، ولكنه دفع يعيب علي الدائن أنه أخطأ في اتباع إجراءات المطالبة بدينه. وهو من قبيل الدفع ببطلان إجراءات المطالبة بالدين. ويقصد بالدفع الرجوع رفع دعوي يطالب المدين أولا، فلا يكفي أن يعذر الدائن المدين حتي يحق له أن يرجع علي الكفيل بعد ذلك. ويجوز للدائن أن يتخذ إجراءات تحفظية علي أموال الكفيل الشخصي كالتوقيع الحجز التحفظي([183]).
وإذا تعدد الكفلاء لدين واحد، وكانوا قد كفلوا مدينا واحدا، بعقد واحد، ولم يكن فيما بينهم تضامن، فأن الدين يقسم بينهم ولا يجوز للدائن أن يطالب كل كفيل إلا بقدر نصيبه في الكفالة([184]). فلا يجوز للدائن أن يطالب أي من الكفلاء بكل الدين، وإذا لم يذكر تحديد لنصيب كل كفيل في الدين فأن الدين ينقسم علي الكفلاء بحسب عددهم. وإذا اعسر أحدهم فإن الدائن هو الذي يتحمل حصة هذا المعسر، ويقع التقسيم بقوة القانون. ويكون للكفيل الحق في الرجوع علي المدين بما وفاه، ويلتزم الدائن بتسليمه مستندات الدين التي تساعده في هذا الرجوع([185]).
الفرع الثاني
الصفة الموضوعية للمنفذ ضده
الأصل أن التنفيذ لا يجري إلا في مواجهة المدين صاحب الصفة الشخصية، لأنه الملتزم بالأداء الثابت في السند التنفيذي، ولكن قد ينتقل مال المدين لشخص آخر، فهنا يجوز التنفيذ في مواجهة من انتقل إليه المال، إذ تتوافر الصفة الموضوعية في الشخص الذي انتقل إليه المال محملا بحق لدائن يملك سندا تنفيذيا، ويتمثل ذلك في خلف المنفذ ضده، وفي الكفيل العيني.
سنشير إلى أصحاب الصفة الموضوعية في النقاط التالية:
أولا: الصفة الموضوعية النشأة بسبب الخلافة
يقصد بخلف المنفذ ضده، الأشخاص الذين يتلقون مال عن سالفهم محمل بدين، وينقسم خلف المنفذ ضده إلى الخلف العام والخلف الخاص، وذلك علي النحو التالي:
1- الخلف العام للمنفذ ضده:
يقصد بالخلف العام، من تلقي مال من السف، باعتباره وارثا له أو موصي له بجزء من التركة، وتوجيه إجراءات التنفيذ إلى الوارث لا يعني أنه المسئول شخصيا عن الدين، ولكن يرجع ذلك إلى أن أموال التركة في حيازته، حيث إن السند التنفيذي ينفذ في مواجهة التركة، لذا فإن التنفيذ يتم في مواجهة الخلف العام دون حاجة إلى إصدار سند تنفيذي جديد، وذلك لأن الحق في التنفيذ الذي نشأ في مواجهة السلف يبقي كما هو في مواجهة الخلف، حيث يوجه التنفيذ إلي مال السلف، لأن الخلف تلقي مالا من السلف مثقلا بحق يخول الدائن حق تتبع مال السلف والحصول علي حقه من ثمنه. ويستوي أن تكون الخلاف قد تمت قبل بدء التنفيذ أو أثناؤه، مع مراعاة أنه إذا كانت التركة خاضعة للتصفية فيجب أتخاذ إجراءات التنفيذ في مواجهة مصفي التركة([186])، وفقا لنص المادة 875 وما بعدها من القانون المدني.
وقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أنه “إذا كان الحكم المطعون فيه قد قضي ببطلان إجراءات نزع الملكية وبكلان حكم رسو المزاد الذي انتهت به تلك الإجراءات وذلك استنادا إلى أن البنك- الطاعن- لم يتخذ الاجراءات الصحيحه وأنه لم يعلم الورثه جميعا بما يتخذه من إجراءات ودون أن يكون لهم من يمثلهم قانونا أو يملك التحدث عن التركه، فإن النزا في صورته هذا يكون غير قابل للتجزئه ويجب لكي يكون الطعن بالنقض مقبولا شكلا في هذه الحالة ان تتخذ بالنسبة إلى جميع الخصوم فيه إجراءات الطعن التي أوجبها القانون فإذا بطل الطعن بالنسبة لاحدهم واصبح الحكم نهائيا بالنسبة إليه بطل تعبا بالنسبة للجميع”([187]).
وفي حالة تعدد الورثة، فهل يجوز اتخاذ إجراءات التنفيذ في مواجهة بعضهم؟
تنص المادة 284 مرافعات علي أنه إذا توفي المدين قبل البدء في التنفيذ أو قبل إتمامه فلا يجوز التنفيذ قبل ورثته إلا بعد مضي ثمانية أيام من تاريخ إعلانهم بالسند التنفيذي، ويجوز قبل انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ وفاة المدين أن تعلق الأوراق المتعلقة بالتنفيذ إلى ورثته جملة في آخر موطن لمورثهم بغير بيان أسمائهم وصفاتهم. يستفاد من ظاهر النص أنه يجب علي الدائن مباشرة إجراءات التنفيذ في مواجهة كافة الورثة.
نري أن الدائن يملك اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري في مواجهة بعض الوارث في حدود نصيبهم في التركة، فإذا كان هذا النصيب يكفي للوفاء بالدين، فإن الموفي بالدين من الوارثة يملوك الرجوع علي باقي الورثة في حدود نصيب كل واحد منهم. وإذا لم يكن نصيبه يكفي للوفاء بالدين، فإن الدائن يملك توجيه الإجراءات في مواجهة باقي الورثة. وما نصت عليه المادة 284 مرافعات يهدف إلى إعلان الورثة بوجد سند تنفيذي في مواجهة التركة([188]).
والواقع أن الخلف يفترض أنه كان حاضرا في الدعاوي التي كان سلفهم حاضرا فيها، ومن ثم يستفيدون من الأحكام التي صدرت لصالحه([189])، كما يضارون منها، في حدود تركة مورثهم([190]). إعمالا لقاعدة لا تركه إلا بعد سداد الديون. فالسند التنفيذي يكون حجة في مواجهة الخلف في حدود ما تلقاه عن سلفه([191])، وبالتالي فحقوق الخلف الخاصة لا يمكن التنفيذ عليه([192]).
2- الخلف الخاص للمنفذ ضده:
يقصد بالخلف الخالص من انتقل إليه حق مالي من المدين محملا بدين، وهذا الحق ينتقل إلى الخلف الخاص بالحالة التي كان عليها لحظة انتقاله إليه، فيجوز للدائن التنفيذ بحقه تجاه الخلف الخاص مثل المحال عليه الدين([193])، والمشتري([194]) والموصي له بمال معين([195])، لأن الدين أو المال ينتقل إلى الخلف الخاص محملا بعبء الخضوع للتنفيذ([196])، حيث تثبت الصفة الموضوعية للخلف الخاص بانتقال المال اليه.
يشترط للتنفيذ في مواجهة الخلف الخاص أن يكون حق طالب التنفيذ نافذ
في مواجهته، فإذا لم يكن نافذا، فإن الخلف الخاص يعتبر من الغير. ومن أجل بيان
مدي اعتبار الخلف الخاص من الغير أم لا بالنسبة للسند التنفيذ يجب التفرقة بين فرضين:
الفرض الأول: إذا كان هذا السند قد صدر قبل انتقال الحق إلى الخلف أو قبل أن يصير هذا الانتقال نافذا في مواجهة الغير:
هذا الفرض يقتضي إذا صدر السند قبل انتقال الحق إلي الخلف الخاص، أو إذا كان السند قد صدر قبل أن يصبح حق هذا الخلف نافذا في مواجهة الغير لعدم استكمال الشروط القانونية التي يتطلبها القانون في بعض الاحوال لنفاذ الحق في مواجهة الغير([197]).
في هذه الحالة يتلقى الخلف من الحق بكل عناصره الإيجابية والسلبية التي كان بها في يد سلفه، وتنفذ السندات في مواجهته([198])، ولا يجوز له دفع بعدم الاحتجاج بها. ولا يجوز له الاعتراض عليها، إلا إذا أمكنه التجرد من تبعيته للسلف، بأن يستند في اعتراضه إلي حق خاص به لم يتلقه عن السلف بمقتضي الخلافة، وكأن يطلب بالحق استنادا إلى وسائل خاصه به، أو يثبت أن الحكم قد بني علي غش السلف أو تواطئه علي الإضرار بحقوق خلفه الخاص([199]).
في حقيقة الامر، يشترط لامتداد أثر السند إلي الخلف الخاص أن يصدر قبل انتقال الشيء إليه، لا يكفي رفع الدعوي قبل انتقال المال اليه([200]).
الفرض الثاني: إذا كان هذا السند قد صدر في مواجهة السلف بعد أن صار انتقال الحق إلى الخلف نافذ في مواجهة الغير:
ففي هذا الفرض لا يحتج به في مواجهة هذا الخلف، ويمكنه الاعتراض عليه دون حاجة إلى إثبات غش سلفه([201]). وذلك لأن هذا السند لم يكن ينطبق بالنسبة له قواعد الخلافة، كما أن السلف قد فقد صفته في الدعوي بشأن هذا الحق منذ انتقاله إلى الخلف، وأصبح هذا الأخير هو المعني بالدفاع عنه، فإذا لم يختصم أو يتدخل في إجراءات الخصومة، فإنه يظل من الغير بالنسبة للحكم، ولا يكون لهذا الحكم أثر في مواجهته إلا باعتباره دليلا إثبات عكسه عن طريق الاعتراض عليه([202]).
وبالتالي إذا صدر الحكم بعد انتقال الحق للخلف أو بعد نفاذه في مواجهة الغير، فان الخلف يعتبر من الغير بالنسبة لما يصدر في مواجهة سلفه من أحكام متعلقة بهذا الحق([203])، وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأن البائع لا يمثل المشتري فيما يقوم علي العقار المبيع من نزاع بعد تسجيل عقد البيع، ومن ثم فان الحكم الصادر ضد البائع باعتباره غير مالك للعين المبيعه لا يعتبر حجة علي المشتري الذي سجل عقد شرائه قبل صدور هذا الحكم ولم يختصم في الدعوي([204]).
والحكم الذي ينكر علي الواهب ملكية العقار الموهوب لا يحوز الحجية في مواجهة الموهوب له إذا صدر بعد تسجيل عقد الهبة([205]).
ثانيا: الصفة الموضوعية الناشئة عن الكفالة العينية:
تثبت الصفة الموضوعية للكفيل العيني([206])، وهو الذي يكون له صفه المنفذ ضده([207])، ويقصد بالكفيل العيني، كل شخص يقدم عقارا له ضمانا لدين علي شخص آخر، فهو كل شخص رهن عقاره- رهنا رسميا أو حيازيا- ضمانا لدين علي شخص آخر، فهذا الشخص ليس مدينا أو مسئولا شخصيا عن الدين، فهو كفيل عيني وليس شخصيا، لأنه لا يضم ذمته المالية إلى ذمة المدين الأصلي، ولكن له صفه موضوعية في التنفيذ، لأن الكفيل العيني لا يسأل عن الدين المضمون إلا في حدود العقار الذي قام برهنة([208])، دون غيره من الأموال الخاصة به([209]). فيتم الحجز علي العين التي رهنها الكفيل دون أن يكون ملزما بصفة شخصية([210])، وفي هذه الحالة أيضا تتوافر الصفة في مواجهته، فضلا عن توافرها في المنفذ عليه، باعتباره مالكا للعقار المحمل بالتأمين العيني الذي يجري التنفيذ عليه. إذ أن الكفيل هو أيضا ملتزم بمقتضي السند التنفيذي الذي يلتزم المدين المكفول بمقتضاه. فالكفيل لا يعد من الغير ويجوز التنفيذ في مواجهته([211]).
والكفيل العيني لا يعد خلفا للمنفذ ضده([212])، فهو كفيل عيني ولا ينتقل إليه مال من المدين، بالإضافة إلى أن ملكيته للعقار لا تجعله خلفا. كما أن وصف الحائز بالمعني الذي حدده القانون غير منطبق عليه، فهو ذو صفة في التنفيذ بشرط أن يكون السند التنفيذي صادرا ضده هو، وذلك حتي يمكن التنفيذ عليه بالإضافة للمدين إلي المدين المكفول([213]). ويتكون السند التنفيذي في هذه الحالة من السند التنفيذي الذي للدائن ضد المدين بالإضافة إلى عقد الرهن.
يذهب رأي في الفقه إلى أن المدين يعتبر من الغير بالنسبة للأحكام التي تصدر لصالح الكفيل، التي تبرء الكفيل لأسباب خاصة بالكفالة، أما الأحكام التي تتعلق بالدين مثل نكول الدائن عن حلف اليمين فحكم لصالح الكفيل فإنه يستفيد منه([214]).
وقد نصت المادة 1050 مدني علي أنه ” إذا كان الراهن شخصا آخر غير المدين، فلا يجوز التنفيذ علي ماله إلا ما رهن من هذا المال ولا يكون له حق الدفع بتجريد المدين ما لم يوجد اتفاق يقضي بغير ذلك” وتنص المادة 1051 مدني علي أنه ” للدائن بعد التنبيه علي المدين بالوفاء أن ينفذ بحقه علي العقار المرهون ويطلب بيعه في المواعيد وفقا للأوضاع المقررة في قانون المرافعات، وإذا كان الرهن شخصا غير المدين جاز له أن يتفادى أي إجراء موجه إليه إذا هو تخلى عن العقار المرهون وفقا للأوضاع وطبقا للأحكام التي يتبعها الحائز في تخليه العقار”.
في الواقع ليس للكفيل العيني حق التطهير، لأن التطهير سلطة منحها المشرع للحائز، يمارسها وفق إراداته، فهو الذي يحدد وقت التطهير وشروطه. بغرض أن يدفع للدائنين المرتهنين مبلغا مساويا للقيمة الحقيقة للعقار المرهون وليس وفاء كافة ديونهم، كما أنه ليس للكفيل العيني الدفع بالتجريد، بأن يجبر الدائنين علي الرجوع أولا علي مال المدين، المسئول شخصيا عن الدين، وذلك لأن العقار الكفيل مرهون لخدمة الدين([215]).
وحقيقة الأمر، مسئولية الكفيل العيني عن الدائن مسئولية عينية تختلف عن مسئولية الحائز في أن مسئوليته العينية هو الذي أنشأها برضائه([216])، أما مسئولية الحائز فقد نشأت بقوة القانون، كأثر مترتب علي انتقال ملكية العقار المرهون إلى ذمته، كما أن الكفيل العيني ليس أجنبيا عن الدائن المرتهن، فهو طرف في عقد الكفالة الذي يربطهما معا. في الواقع الكفيل والحائز لا يكونون مدينين ولا يضمنان الدين بكل أموالهما. فالحجز ينصب علي العقار الذي في يد الحائز أو الكفيل العيني. ولكن يلاحظ أن الكفيل العيني يقدم العقار بإرادته لضمان حقه قبل غيره، علي عكس الحائز الذي ينتقل إليه العقار محملا بالتأمين دون أن يكون له يد في ترتيبه.
وإذا حدث وأن تصرف الكفيل العيني في العقار قبل التنفيذ عليه، فإنه
يمكن لدائن المدين أن يتتبع العقار تحت يد الحائز الجديد([217])، لأن رهنه يخوله ذلك. ويجب علي الدائن أن يوجه الإجراءات إلى الحائز الجديد، وبذلك يقوم الدائن بالحصول علي حقه من شخص خلاف المدين، بمقتضي سنده التنفيذي الحاصل عليه ضد المدين([218]).
الفرع الثالث
استثناءات علي صفة المنفذ ضده
قد يكون الشخص مدينا شخصيا للدائن، ولا يملك هذا الأخير مباشرة إجراءات التنفيذ الجبري في مواجهته، وذلك يرجع إلى وجود حصانة قضائية تمنع من إجراء التنفيذ الجبري([219])، فلا يجوز التنفيذ ضد الدول الأجنبية ورؤسائه([220]).وممثليها الدبلوماسيين([221])، وذلك لأن لهؤلاء الأشخاص حصانة، وهي تنصب علي الشخص وعلي صفته وتصرفاته، وقد نظمت هذه الحصانة بمعاهدة فيينا التي أبرمت تحت رعاية الامم المتحدة في 18/4/ 1961. وتقوم هذه الحصانة علي أساس المساواة بين الدول.
ولا يجوز الحجز ضد هيئة الأمم المتحدة وفروعها ووكالاتها، وكذلك الأمر بالنسبة للمنظمات الدولية العالمية أو الإقليمية أو المتخصصة وفروعها ووكلائها وممثليها وموظفيها ومندوبي الدول لديها، وذلك احتراما لحصانة التنفيذ التي تقررها قواعد القانون الدولي وأعرافه خصوصا اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وذلك باستثناء المعاملات المدينة والتجارية أو المهنية خارج النطاق الرسمي، والإرث والتركات، أو الديون الشخصية، فتخضع للتنفيذ وكذلك إذا تم التنازل صراحة ومحددا عن الحصانة القضائية التنفيذية الدولية. والتنازل عن الحصانة في مرحلة دعوي الحكم يفيد التنازل عن حصانة التنفيذ لمصلحة الخصم من تنازل لصالحة([222]).
نصت المادة 78 مدني علي أن الأموال العامة المملوكة للدولة والمخصصة للمنفعة العامة لا يجوز التصرف فيها، وبالتالي لا يجوز الحجز عليها. وهذه الأموال حددتها المادة سالفة الذكر، بأنها ما يكون مملوكا للدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة من عقارات أو منقولات تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضي قانون أو قرار من الوزير المختص.
وقد ذهبت محكمة النقض إلي أن “إضفاء الصفة العامة علي الجمعيات والمؤسسات الخاصة التي لها دور بارز في تنمية المجتمع والرعاية الاجتماعية منوط بصدور قرار من رئيس الجمهورية يحدد فيه ما يكون لتلك الجمعيات من اختصاصات السلطة العامة وفيها عدم جواز الحجز علي أموالها، كما ذهبت المحكمة إلي أنه لا يجوز الحجز علي الجمعية التي يثبت لها الصفة العامة سواء بالنسبة لمديونيتها للغير أو لا حد أعضائها، أي عدم جواز الحجز علي أموالها تحت يدها او تحت يد الغير بأي صورة من صور الحجوز التحفظية او التنفيذية”([223]).
فقد نص القانون الفرنسي علي عدم جواز التنفيذ علي أموال الأشخاص العامة، وذلك علي أساس وجوب الثقة بيسار الدولة واستعدادها للوفاء بديونها. وكذلك حماية الأشخاص الخزنة العامة من المفاجآت التي قد تترتب علي تنفيذ الأحكام جبرا عليه([224]).
وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية في حكم لها إلى أنه لا يجوز الحجز علي أموال المملوكة للدولة حتي لو قامت بنشاط اقتصادي أو تجاري يقوم به أشخاص القانون الخاص([225]).
بالنسبة للأموال الخاصة المملوكة للدولة فقد ثار الخلاف حول مدي جواز التنفيذ عليها. فقد اختلف الفقه والقضاء، حول مدي جواز الحجز عليها، حيث ذهب البعض إلي عدم جواز الحجز علي الأموال الخاصة للدولة([226])، علي اعتبار أن الدولة موثوق بيساره([227])، طالما لم تنخرط في عمل تجاري، فقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية إلى عدم جواز الحجز علي أموال أشخاص القانون العام بصرف النظر عن الأنشطة التي يقوم بها الشخص الاعتباري، سواء أنشطة صناعية أم تجارية([228]).
ولكن ذهب رأي آخر إلي جواز الحجز علي هذه الأموال([229]). حيث ذهبت محكمة استئناف فرساي الفرنسية([230]). إلى جواز الحجز علي الأموال الخاصة للشخص الاعتباري، حيث قصرت عدم الحجز علي الأموال العامة التي تبرر تمكن المرفق العام من الاستمرار في العمل. وقد أيدت ذلك محكمة النقض الفرنسية في بعض أحكامها، حيث ذهبت إلى جواز الحجز علي أموال الشخص الاعتباري العام طالما يقوم بنشاط خاص([231]).
ومن جانبا نؤيد هذا الرأي، وذلك للآتي:
1- أن خضوع الدولة للقانون يستوجب خضوعها لأحكام القضاء، وهذا يتطلب تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء تنفيذا جبريا علي أموال الدولة الخاصة.
2- أن صالح الدولة يقتضي قبولها التنفيذ الجبري حتي لا يحجم الأفراد عن التعامل مع الدولة.
ويلاحظ أن الحجز التحفظي لا يكون جائز ضد الدولة، وذلك لأنه لا يتصور أن يخشي الدائن فقده لضمانه العام ومن ثم يطلب الحجز التحفظي علي أموال الدولة. وإنما يمكن الحجز التنفيذي علي العقارات أو المنقولات المملوكة للدولة والمخصصة للمنفعة الخاصة بالدولة، وكذلك يجوز حجز ما للمدين لدي الغير.
في الواقع قبول الدول اللجوء إلى التحكيم يعتبر تنازلا ضمنيا عن الحصانة في التنفيذ علي أموالها، سواء كانت الأعمال عامة أو خاصة([232]).
خلاصة الفصل التمهيدي:
في الواقع هناك مبادئ أو طرق عامة يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان لشخص ما الحق في طلب التنفيذ الجبري لحكم أو لأي سند تنفيذي آخر, ولعل أهم هذه المبادئ ما جاءت به نصوص المواد 181 مرافعات، حيث تسلم الصورة التنفيذية لمن تعود عليه منفعة من التنفيذ، والمادة 279 مرافعات حيث يقدم طلب التنفيذ من ذي الشأن متي سلم السند للمحضر، بالإضافة إلى المادة الثالثة مرافعات حيث تشترط المصلحة الشخصية المباشرة لقبول أي طلب، إذا يدخل تحت هذا المفهوم طلب التنفيذ الجبري([233]). إذن طالب التنفيذ هو الدائن الأصلي وخلفه و دائنوه.
وبالنسبة للمنفذ ضده، فقد يكون ذات صفة شخصية كالمدين الشخصي والكفيل الشخصي والمدين المتضامن، وقد يكون له صفة موضوعية في التنفيذ، بسبب وجود المال تحت يده، مثل الخلف العام والخاص، والكفيل العيني، ولا يحتج السند التنفيذي علي الخلف إذا ثبت أن الحكم صدر نتيجة غش السلف له أو كانت له وسائل خاصة به لم يستمدها من هذا السلف، لأنه في هذه الحالات قد تجرد من رابطة الخلافة، وبالتالي يمكنه تفادي الاحتجاج بالحكم في مواجهته كأي شخص من الغير ذي مركز مستقل عن الخصوم. وقد يكون الشخص مدينا، ومع ذلك لا يجوز التنفيذ عليه، وذلك بسبب وجود حصانة في اتخاذ اجراءات التنفيذ عليه.
الباب الأول
صفة الغير في التنفيذ ودوره
الغير في التنفيذ الجبري هو من ليس طرفا في الحق في التنفيذ([234])، ولكنه قد يكون ملزما بالاشتراك في إجراءات التنفيذ الجبري، وهذا الاشتراك يفرضه القانون نتيجة لصلة الغير بالمال المنفذ عليه، وقد يكون هذا الغير أجنبيا تماما عن إجراءات التنفيذ.
سنعالج صفة الغير في التنفيذ، وذلك في الفصل الأول، ونبحث دور الغير في التنفيذ، وذلك في الفصل الثاني، وذلك علي النحو التالي:
الفصل الأول
صفة الغير في التنفيذ الجبري
سنعالج في هذا الفصل مفهوم صفة الغير في التنفيذ وآثارها، وذلك
في المبحث الأول، ثم نبين اتساع نطاق الغير في التنفيذ الجبري وذلك في المبحث الثاني.
المبحث الأول
مفهوم صفة الغير وآثارها
مصطلح الغير من المصطلحات القانونية ذات المعاني المتعدد والمتغيرة،
إذ ليس له معني واحد في مجال القانون، بل يختلف معناه حسب المجال الذي
يستخدم فيه([235])، فمعني الغير في القانون المدني، يختلف عن معناه في قانون
المرافعات.
سنشير في هذا المبحث إلى تعريف صفة الغير، والاُثر الذي يترتب علي صفة الغير، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
تعريف صفة الغير في التنفيذ الجبري
سنشير إلى تعريف صفة الغير في فقه المرافعات، ثم نسعي إلى التحديد المنضبط لمعني الغير في التنفيذ الجبري، وتمييز صفة الغير عن أطراف التنفيذ، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
تعريف صفة الغير في فقه المرافعات
الواقع أن المشرع المصري والفرنسي لم يورد تعريفا للغير في مجال الإجراءات خاصة في خصومة التنفيذ([236])، وذلك يرجع إلي أن فكرة الغير في مجال القانون من أكثر الموضوعات صعوبة في ضبطها، وتحديد معناها، وذلك لأنه من المصطلحات الوظيفية في علم القانون فهو موجود في كل فروع القانون([237])، لذلك يجب تحديد معني الغير بالنسبة إلى فرع معين للقانون، إذ يصعب إطلاق هذا المعني أو استخدامه بصفة واحدة في جميع الحالات. فاصطلاح الغير في مجال الإجراءات يختلف عن معناه في القانون المدني، خاصة في آثار العقود أو الصورية أو ثبوت التاريخ، فهي ليست ذات مدلول واحد في جميع الحالات، حيث يختلف معني الغير باختلاف فروع القانون، وحتي في داخل الفرع الواحد، فإن هذا المدلول يختلف أيضا باختلاف النظام القانوني المراد استخدامه فيه([238])، وبصفة عامة فإن الغير هو كل من ليس طرفا في العلاقة القانونية أو الإجرائية، فالنسبة للعقد يعتبر غيرا كل من لم يكن متعاقدا أو خلفا عاما او خاصا للمتعاقد، وبالنسبة للدعوي يعتبر غيرا كل من لا يتقدم بطلب يحمل ادعاء أمام القضاء وكل من لا يوجه إليه مثل هذا الطلب([239]).
يلاحظ أن معني الغير يختلف في الفقه الإجرائي ذاته، فالغير في مقام
آثار الحكم غيره في خصومة التنفيذ([240]). حيث يختلف بالنسبة للخصومة العادية([241]).
عنه بالنسبة لخصومة التنفيذ، ففي الخصومة العادية يعرف الغير بأنه ” من ليس
طرفا في هذه الخصومة سواء بنفسه أو عن طريق ممثل له في إجراءاتها”([242])،
أما بالنسبة لخصومة التنفيذ فإن الغير وإن لم يكن طرفا في الحق في التنفيذ
ولا تتعلق له مصلحة شخصية بموضوع الحق المراد اقتضاؤه، إلا أنه قد يكون
من واجبه أن يشترك في إجراءات التنفيذ([243])، بسبب صلته القانونية بالمال المراد التنفيذ عليه([244]). كالمحجوز لديه، أو ما له من صفة وظيفية كالحارس القضائي وكاتب المحكمة المختص بحفظ الودائع، وامين الشهر العقاري الذي يقوم بمحو القيود أو شطب التسجيلات بناء علي حكم قضائي([245]). إذن فالغير في الخصومة العادية ليس طرفا في الخصومة ولا ممثلا فيها، أما الغير في خصومة التنفيذ قد يكون من الأطراف في إجراءات التنفيذ([246])، ولكنه ليس طرفا في علاقة التنفيذ الجبري، وبالتالي فالغير هو
من لا يكون طرفا ايجابيا أو سلبيا في السند التنفيذي، ولا يعترف له بحق ولا يلزمه بأداء م([247]).
ذهب البعض إلى أن الغير هو الذي ليس له مصلحة شخصية بموضوع الحق المراد اقتضاؤه، ولا يعود عليهم نفع ولا ضرر من إجراء التنفيذ([248])، ولكن من واجبه أن يشترك مع المدين في وفاء الحق بسبب ما لهم من صفة أو من وظيفة أو صلة بالخصوم([249])، وذهب البعض بأنه هو من يلزمه القانون بالاشتراك في إجراءات التنفيذ دون أن يكون طرفا فيه([250]).
ورغم أن الغير ليس طرفا من أطراف الحق في التنفيذ ( طالب التنفيذ ومن يحل محله من خلفه أو دائنيه، كطرف إيجابي، والمنفذ ضده ومن يقوم مقامة من مدين متضامن أو كفيل أو حائز، كطرف سلبي) إلا أنه قد يجد نفسه طرفا في خصومة وإجراءات التنفيذ، وذلك لوجود صلة قانونية بين هذا الغير وبين مال المنفذ ضده، وصلته هذه بالمال المراد التنفيذ عليه تقتضي إدخاله في إجراءات التنفيذ، ويعد من هذه الزاوية طرفا في خصومة التنفيذ، ويعتبر المحجوز لديه صورة مثالية للغير في التنفيذ، بجانب الحارس القضائي([251]).
فطبقا لهذا الاتجاه الغير في التنفيذ هو من ليس طرفا في الحق الموضوعي الثابت في السند التنفيذي ( أي ليس طرفا في السند التنفيذي) ولكنه قد يكون ملزما قانونا بالاشتراك في إجراءات التنفيذ دون أن تكون له مصلحة فيه.
وقد يكون الغير شخصا طبيعيا كالحارس أو المحضر وكاتب المحكمة وأمين الشهر العقاري، وقد يكون شخصا اعتباريا عاما متي كان محجوزا لديه (كوزارة أو هيئة عامة أو مؤسسه عامة أو خزانة المحكمة، وقد يكون شخصا اعتباريا خاصا كبنك أو شركة أو جمعية([252]).
وبناء علي ذلك لا يعد من الغير طبقا لهذا الاتجاه، من لم يلزمه القانون بالاشتراك في اجراءات خصومة التنفيذ، كمن يدعي ملكية المنقول أو العقار المحجوز، فهو يعترض – اختياريا ودون ان يوجه إليه أي اجراء – سير اجراءات التنفيذ مدعيا لنفسه حق([253]).
في واقع الامر لا نتفق مع هذا الرأي، لأنه قصر معني الغير علي المشترك في اجراءات التنفيذ بحكم القانون، دون مراعاة أن صفة الغير تطلق علي أي شخص اجنبي عن التنفيذ، ليس له مصلحه شخصية بموضوع الحق ولا يعود عليه نفع ولا ضرر. وهذا يطلق علي الغير الاجنبي عن التنفيذ. لذا سنحاول في الفرع الثاني تحديد معني منضبط للغير.
الفرع الثاني
محاولة عن تحديد منضبط لمعني الغير في التنفيذ الجبري
لتحديد معني الغير في التنفيذ الجبري، سنعالج أساس فكرة في الغير في
التنفيذ، ومعيار الغير في التنفيذ، والتمييز بين الغير وأطراف التنفيذ، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: أساس فكرة الغير في التنفيذ الجبري:
يرجع أساس صفة الغير في التنفيذ إلى أن السند التنفيذي يتضمن الوجهات الآتية:
الوجه الأول: القوة الملزمة للسند التنفيذي:
في الواقع بمجرد صدور السند التنفيذي يحوز قوة ملزمه لأطرافه، وليس تجاه الغير، فمثلا الحكم القضائي الذي يكون مصدرا للحقوق والالتزامات ليس له قوة ملزمة إلا تجاه أطراف النزاع محل الحكم، لانهم كانوا ماثلين أو ممثلين فيها، وقدموا أدلتهم ودفوعهم، وهذا الحكم لا يرتب أثرا تجاه الغير، فلا يمكن أن ينشئ حقوقا أو التزامات لمصالح الغير أو ضده طالما لم يكن ماثلا أو ممثلا فيها ولا خلفا عاما ولا خاصا لأحد أطراف النزاع، وهذا ما يقصد به نسبية أثر الحكم([254]).
وبالتالي لو احتج علي الغير بآثار الحكم فيمكن له أن يدفعها بقاعدة نسبية أثر الحكم أو يطعن في هذا الحكم بالتماس إعادة النظر استنادا إلى المادة 242 مرافعات([255])، أو يعترض علي إجراءات التنفيذ الجبري، وذلك من خلال منازعات التنفيذ.
الوجه الثاني: القوة الثبوتية للسند التنفيذي:
في الواقع يعد السند التنفيذي بالنسبة لأطرافه ورقة رسمية ملزمة لهم، فالحكم القضائي يتمتع في مواجهة أطرافه بقرينة قانونية موضوعية قاطعة لا تقبل إثبات العكس إلا بالطعن فيه بالتزوير، فما ورد في الحكم قرينة علي الحقيقة، وبالتالي لا يجوز قبول دليل ينقض حجية الحكم بالنسبة لأطرافه([256]).
أما بالنسبة للغير- فيكون السند بالنسبة له بمثابة واقعة قانونية يحتج
بها في مواجهته علي أنها قرينة قانونية، ولكنها بسيطة وليست قاطعة، وبالتالي
يمكنه الاعتراض عليها بكافة طرق الاعتراض، أي يمكنه إثبات عكس ما جاء في السند ما لم ينص القانون علي غير ذلك([257]). أما بالنسبة للأطراف فإن الحكم يحوز بقوة القانون صحة مطلقة([258])، فلا يكون الحكم قابلا للمنازعة فيه([259]). متي حاز قوة الأمر المقضي.
وعلي ذلك نصت المادة 101 اثبات بالنسبة للأحكام القضائية علي أن” الأحكام التي حازت قوة الأمر المقضي تكون حجة فيما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية”. إذن الأحكام القضائية تحوز الحجية التي تلزم أطرافها فقط([260]).
الوجه الثالث: القوة التنفيذية للسند التنفيذي:
يقصد بذلك أن السند التنفيذي يمكن صاحبه من التنفيذ الجبري علي أموال المدين رغما عن إرادته بواسطة السلطة العامة في الدولة([261])، وينطبق ذلك علي جميع السندات التنفيذية، سواء كان حكما أو أمرا أو محررا موثقا. وبالتالي لا يستفيد من التنفيذ غير أطرافه، أما الغير فهو خارج نطاق هذه العلاقة المذكورة في السند التنفيذي، فهو شخص أجنبي عن أطراف السند التنفيذي، وبالتالي فهو أجنبي عن إجراءات التنفيذ.
والهدف الأساسي من اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري هو التحفظ علي أموال المدين تمهيدا لبيعها في المزاد العلني واقتضاء الدائنين حقوقهم من هذه الأموال، والعدالة تقتضي أنه لا يجوز بيع ملك الغير لدين علي المدين([262])، فأموال المدين هي الضامنة لحقوقه، ولا يجوز له أن يثري علي حساب شخص آخر، عن طريق تسديد ديونه بواسطة أموال الغير، وهذه القاعدة الأصولية، تعتبر حقا من حقوق الانسان.
وبالتالي يستفيد الغير من مبدأ حجية السند لأطرافه فقط، حيث إن القانون لم يتجاهل حق الغير الذي يلحقه الضرر من التنفيذ علي أمواله لديون ليس مسئولا عنها، وبالتالي للغير الحق في الاعتراض علي الدائن الذي يوقع الحجز علي منقولات مملوكة للغير، ويكون المدين مجرد حائز لها لمجرد كونه مستأجرا أو مستعيرا أو مودع
عنده، وقد تكون المنقولات المحجوزة محمله بحق خاص للغير كأن يكون له حق
انتفاع عليها، وهذا الانتفاع يتعارض مع بقاء هذه الأموال محجوزة وما يقتضيه هذا من بيعها وتسليمها إلى من يشتريها بالمزاد العلني. فللغير رفع دعوي استرداد المنقولات المحجوز أو استحقاق العقار المحجوز عليه، أو الاعتراض علي قائمة شروط البيع.
ثانيا: معيار الغير في التنفيذ:
بصفة عامة يتحدد الغير بطريقة سلبيه، حيث أنه ليس طرفا في الحق في التنفيذ، فمعني ذلك أنه ذو صفة سلبية محايده، فتحديده لا يتم إلا بطريق الاستبعاد، أي من خلال نفي صفة الطرف([263])، وقد بحثنا أطراف السند التنفيذ فيما سبق في الفصل التمهيدي.
يقصد بالغير بالمعني العام هو من ليس طرفا في العمل القانوني الذي أنجز أو في العلاقة القانونية (العقد أو الخصومة أو الحكم) التي نشأت بين آخرين حيث تحكمها النسبية.
تعتمد فكرة الغير علي مدي تمثيله في السند التنفيذي، فكل شخص ليس طرفا في السند التنفيذي يعد من الغير([264])، ولذا اتجه بعض الفقه إلى محاولة مد مجال حجية الشيء المحكوم فيه إلى بعض الأشخاص للتقليص من دائرة الغير في السند التنفيذي([265]).وذلك لأن السند التنفيذي يتميز بالحجية النسبية([266])، ويقصد بذلك أن السند لا يكون حجة إلا علي أطرافه فقط([267]).
إذن يتحدد أطراف التنفيذ الجبري طبقا لمضمون السند التنفيذي، وبالتالي فكل شخص ليس له مصلحة في السند التنفيذي يعتبر اجنبيا بالنسبة للتنفيذ الجبري، سواء كان هذا السند حكما أو أمر أو محضر صلح أو أي سند تنفيذي نص عليه القانون.
سنشير إلى أنواع الغير في التنفيذ، ثم نبين معيار الغير في التنفيذ، وذلك علي النحو التالي:
أ – أنواع الغير في التنفيذ:
في الواقع ينقسم الغير في التنفيذ الجبري إلى نوعين:
1- الغير الأجنبي:
الغير الأجنبي في خصومة التنفيذ هو من لا توجد له أي علاقة بإجراءات التنفيذ ولا بالحق في التنفيذ، وذلك لأنه ليس شخصا في التنفيذ، والأصل أن كل من ليس طرفا في السند التنفيذي يعتبر من الغير الأجنبي عن إجراءات التنفيذ الجبري، إلا أنه من الغير من ينازع في التنفيذ الجبري مدعيا لنفسه حقا يتعلق بمحل التنفيذ، كما لو أدعي ملكية المال المحجوز، وإن كان هذا أيضا ليس طرفا في التنفيذ لأنه غير ملزم بالاشتراك في إجراءات التنفيذ، ولا يساهم في سير اجراءات التنفيذ، ولكنه يثير عارضا في الإجراءات([268])، وبالتالي يعتبر غيراً أجنبيا في التنفيذ الجبري حتي لو عارض إجراءات التنفيذ عن طريق رفع منازعة تتعلق بحقوقه، كدعوي الاسترداد أو الاستحقاق، حيث أنه لم يفرض عليه القانون واجبا محددا اثناء إجراءات التنفيذ الجبري.
استقر الرأي في العصر الحديث عدم جواز الحكم علي شخص دون تمكينه من الدفاع عن حقوقه والرد علي ادعاءات خصمة؛ وعدم الحجز علي أي مال غير مملوك للمدين، فيجب حماية حقوق الغير خاصة بعد صدور السند التنفيذي. لأنه من الظلم أن تضار حقوق الغير دون أن تتاح لهم سبيل الدفاع عنه([269])، حيث أنه لم يتمكن الغير من تقديم أدلة الإثبات الخاصة به في الخصومة، ليضعها أمام المحكمة، وبالتالي لا يجوز أن يضار من إجراءات التنفيذ الجبري.
2- الغير الطرف في إجراءات التنفيذ
قد يكون الشخص من الغير، ولكنه ملتزم طبقا لأحكام القانوني بالمشاركة في إجراءات التنفيذ، ويرجع اشتراكه هذا الغير في الإجراءات إلي صلة بالمال المراد التنفيذ عليه تقتضي إدخاله في إجراءات التنفيذ([270])، أو بحكم وظيفته، كرجال السلطة العامة. فإذا كان الغير بصفه عامة هو من ليس طرفا في الحق في التنفيذ([271])، فان الغير بالنسبة لإجراءات التنفيذ كل شخص وإن لم يكن ملزما بالحق الجاري التنفيذ اقتضاء له إلا أن صلته بالمال المراد التنفيذ عليه تقتضي إدخاله في إجراءات التنفيذ، ويعد طرفا في خصومة التنفيذ([272]).
في الواقع نص المشرع المصري في المادة 325 مرافعات علي معني الغير في التنفيذ وهوي كل من تنشأ بينه وبين المدين علاقة دائنيه يلتزم بموجبها بالوفاء بما في حيازته للأخير، فيعتبر من الغير، الوكيل والحارس والناقل والمودع لديه والمستأجر ورب العمل والبنك بالنسبة للودائع والحساب الجاري، إذ يلتزم هؤلاء بالوفاء لدائنهم بما في حيازتهم، ويخضع الحجز لدي هؤلاء لإجراء حجز ما للمدي لدي الغير.
يلاحظ أن فكر الغير هي فكرة سلبية، ورغم ذلك يجب أن يكون طرفا في خصومة التنفيذ، ولكنه ليس طرفا إيجابيا أو سلبيا في التنفيذ، والقاعدة أنه لا يجوز الاحتجاج في مواجهة الغير بإجراءات التنفيذ، ولكن استثناء يمكن إشراكه في الإجراءات إذا توافرت فيه شروط معينة([273])، كما في حالة حجز ما للمدين لدي الغير.
فيلاحظ أن الغير في هذا الفرض له صفه مركبه، فهو ليس طرفا في السند التنفيذي، وهو طرف في خصومة التنفيذ، حيث يمكن أن توجه إليه إجراءات التنفيذ الجبري، ويقوم طالب التنفيذ باتخاذ إجراءات التنفيذ في مواجهته الذي يصلح في مواجهة المنفذ ضده([274]).
(ب) معيار الغير في التنفيذ:
نري أن معيار الغير في التنفيذ الجبري يعتمد أساسا علي الإطار الآتي:
1- ألا تعود علي الغير فائدة من السند التنفيذي:
يلاحظ أن معيار صفة الغير تعتمد علي مدي المصلحة التي تعود علي الشخص في السند التنفيذي([275])، فالغير هو شخص أجنبي ليس له مصلحة في السند التنفيذي، فهو لا يحتج عليه بأي التزام في السند التنفيذي، وليس له حق فيه، ولكن يمكن أن يلزمه القانون بالاشتراك في إجراءات التنفيذ الجبري، وذلك بسبب ما له من صفه أو من وظيفه أو صلة الخصوم. فيجب ألا تكون للغير مصلحة شخصية في موضوع الحق المراد اقتضاؤه ولا يعود عليه من إجراء التنفيذ نفع ولا ضرر([276]).
إذن تحقق صفة الغير مرتبط بغياب صفة الخصم في خصومة التنفيذ، ويترتب علي ذلك ارتباط هذه الصفة بمعطيات محددة سواء من حيث الوقت- كما في حالة الخلف الخاص الذي نفذ حقه في مواجهة الكافة قبل الدعوي، فيعد من الغير بالنسبة للحكم المتلعق بالوصية- أو نوع التنفيذ -كما في التنفيذ علي عقار، فالحائز للعقار يعد من الغير- أو من حيث الأشخاص، وبالتالي فهذه الصفة ليست مطلقة ولكنها نسبية إذ توجد في وقت معين وبالنسبة لنوع معين من الحجوزات، وفي مواجهة اشخاص معينين، فصفة الغير تتحقق للشخص طالما لم يكن طرفا في السند التنفيذي أو تعود عليه مصلحة منه، وإن كان يمكن أن يقوم بعمل يتعلق بإجراءات التنفيذ، كما في حالة حجز ما للمدين لدي الغير، فالغير هنا ملتزم ببعض الواجبات، مثل التقرير بما في الذمة. ولكنه هنا ليس طرفا في السند التنفيذ.
ويثار التساؤل عن مدي تغير صفة الشخص من خصم إلى الغير في خصومة التنفيذ.
في الواقع قد يتعدد أطراف الحكم وقيام البعض بالطعن والغاء الحكم بالنسبة للبعض في الطعن غير عادي، بحيث كانت خصومة التنفيذ قد بدأت بين جميع الأطراف في السند التنفيذي، فإنه يرتب علي ذلك زوال صفة الخصم في إجراءات التنفيذ، ويصبح بالتالي من الغير، متي ألغي الحكم الخاص به.
بل في داخل الخصومة الواحدة قد توجد عدد من الروابط، وتتحدد صفة الغير بالنسبة لرابطة معينة دون أن يعني ذلك تحقق نفس الصفة لذات الشخص بالنسبة للروابط الأخرى، فمثلا حينما يطلب شخص من الغير التدخل في الخصومة، ويحكم بعدم قبول تدخله فإنه يظل محتفظا بصفته هذه بالنسبة للخصومة الأصلية التي يريد التدخل فيها، فإنه يعتبر طرفا محكوما عليه بالنسبة لطلب التدخل، ويجوز له استئناف الحكم القاضي بعدم قبول تدخله.
كذلك فإن مجرد طلب إدخال ضامن لا يترتب عليه أن يصير الضامن طرفا في الخصومة الأصلية، وذلك لأن هذا الطلب لا ينشئ رابطة إجرائية سوي بين الضامن وطالب الضمان([277])، لا يصير الضامن طرفا في الخصومة الأصلية، وبالتالي يعتبر من الغير بالنسبة للحكم في الدعوي الأصلية.
2- ألا يكون الشخص طرفا في الحق الثابت في السند التنفيذي ([278]) ، ولا مسئولا عنه ([279]):
الغير ليس الطرف الإيجابي ( طالب التنفيذ) أو الطرف السلبي (المنفذ ضده) ولا خلفهما العام أو الخاص ولا كفيل شخصي، ولا كفيل عيني([280])، فهؤلاء أطراف في التنفيذ([281]). فيحب لتوافر صفة الغير في شخص معين بالنسبة للتنفيذ، بالرغم من اشتراكه في الإجراءات، ألا يكون طرفا في الحق في التنفيذ، أي من لم يكن طرفا في السند التنفيذ سواء كان حكما أو غير حكم، فأن كان حكما وجب ألا يكون من بين من يعتبر الحكم القضائي حجة عليهم، وإن كان السند محررا موثقا فيجب ألا يكون الشخص ممن ينتج العقد آثاره في مواجهتهم([282]).
3- قد يكون الغير ملزما بالاشتراك في التنفيذ ([283]):
قد يلزم القانون الغير بالاشتراك في إجراءات التنفيذ، وذلك لوجود علاقة أو صلة قانونية بمال المنفذ ضده بسبب حيازته لهذا المال أو سلطته عليه تقتضي إدخاله في إجراءات التنفيذ كالمحجوز لديه ( كالمستأجر والبنك والمودع لديه) في حجز ما للمدين لدي الغير أو الحارس القضائي علي عقار أو منقول صدر حكم بتسلميه إلى مالكه([284]). وقد يرجع ذلك إلى وظيفته أو صفته. كما في حالة مأمور الشهر العقاري الذي يقوم بمحو القيد أو شطب التسجيل بناء علي حكم قضائي. وأيضا كاتب المحكمة المختص بحفظ الودائع وكذلك الحارس القضائي([285]). وقد يتعدد الغير في الحجز، ويكون كل واحد مستقلا عن الآخر، وله كيان قانوني قائم بذاته([286]).
المحجوز لديه ليس مدينا ولا مسئولا بصفة شخصية عن الدين، ولكنه في الغالب هو مدين المدين، وتباشر الإجراءات ضده([287]). بسبب هذه الصفة.
الفرع الثالث
التمييز بين الغير وأطراف السند التنفيذي
يمكن لنا أن نفرق بين الخصوم في السند التنفيذي وهم طالب التنفيذ والمنفذ ضده، والغير الملتزم بالمشاركة في التنفيذ، مثل المحجوز لديه، والحارس([288]).وكاتب المحكمة وأمين الشهر العقاري([289])، والمصفى وقاضي التنفيذ وعامل التنفيذ والخبراء وغيرهم، فهؤلاء يقومون بعمل يتعلق بالتنفيذ الجبري وليسوا طرفا في السند التنفيذي.
سنشير إلي تمييز الغير عن طالب التنفيذ، وتمييزه عن المنفذ ضده، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: تمييز الغير عن طالب التنفيذ:
- طالب التنفيذ يكون طرفا في السند التنفيذ وحجة عليه، سواء كان هذا السند حكما أو امراً أو محضر صلح أو أي سند آخري، أما الغير فلا يكون طرفا في هذا السند ولا حجة عليه.
- طالب التنفيذ تقع عليه واجبات وله حقوق بمقتضي إجراءات التنفيذ، فيجب عليه مباشرة إجراءات التنفيذ بدون تعسف، وله الحق في عدم نفاذ تصرفات المدين بعد توقيع الحجز علي المال، أما الغير فهو خارج خصومة التنفيذ، فالأصل ليس له حقوق وليست عليه أي التزامات بمقتضي خصومة التنفيذ، ولكن إذا كان ملتزما بالمشاركة في إجراءات التنفيذ مثل حجز ما للمدين لدي الغير، فهو لا يستفيد ولا يضار من إجراءات التنفيذ، ولكنه يعاون فقط.
- إذا أضر طالب التنفيذ من سوء نية الغير وتعسفه، فله الحق في طلب التعويض بوسائل خاصة نص عليها المشرع مثل دعوي الالزام الشخصي ضد المحجوز لديه، أما إذا أضر الغير من إجراءات التنفيذ بأن تم الحجز علي ماله، فله وسائل نص عليها المشرع لدفع هذا الضرر، مثل رفع دعوي استرداد المنقولات المحجوزة أو دعوي استحقاق بالنسبة للعقارات.
ثانيا: التمييز بين الغير والمنفذ ضده:
- من حيث الصفة: المنفذ ضده هو الطرف السلبي في التنفيذ الجبري، فهو المدين في السند التنفيذي، أما الغير، فهو لا يمثل السند التنفيذي أي حجة عليه.
- من حيث الالتزامات والحقوق: المدين تقع عليه التزامات وله حقوق بمقتضي السند التنفيذي، حيث يلتزم بعدم التصرف في ماله بعد وقوع الحجز عليه، كما أن له الحق في الإشكال في التنفيذ ورفع دعوي موضوعيه إذا كان هناك بطلان في إجراءات التنفيذ الجبري، أما الغير، فهو خارج نطاق خصومة التنفيذ، فلا يقع عليه التزامات وليس له أي حقوق، ولكن إذا كان ملتزما بالاشتراك في خصومة التنفيذ، فتكون عليه التزامات، مثل التقرير بما في ذمة في حالة حجز ما للمدين لدي الغير.
- من حيث الأهلية: يجب توافر أهلية الاختصام وأهليه التقاضي في المنفذ ضده، حتي يمكن مباشرة إجراءات التنفيذ الجبري في مواجهته، ولكن بالنسبة للغير إذا اضير من إجراءات التنفيذ الجبري فيمكن أن يرفع دعوي ولا يشترط فيه سوي أهليه الاختصام وأهلية الإدارة، وذلك ببلوغه سن الثمانية عشرة، وبالتالي لا يشترط أهليه التقاضي، وذلك لأنه يطالب بحقوقه.
المطلب الثاني
الآثار المترتبة علي صفة الغير في التنفيذ
يترتب علي الصفة الغير في التنفيذ بعض الأثار التي تتمثل في عدم جواز الحجز علي أمواله، ولكن استثناء من ذلك يجوز الحجز علي أموال الغير في بعض الفروض، وسنشير إلى ذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
عدم جواز الحجز علي أموال الغير
نظرا لأن الغير ليس طرفا في التنفيذ، فلا يجوز الحجز علي أمواله، ويرجع أساس ذلك إلى أنه يشترط لصحة محل الحجز أن يكون المال مملوكا للمدين، لأن المدين يضمن التزاماته بالأموال المملوكة له وليس بأموال الغير([290])، وذلك لأن التنفيذ علي مال الغير يعتبر اعتداء علي حقه،ويترتب بطلان التنفيذ في حالة المساس بحقوق الغير، لأنه لا يجوز بيع ملك الغير([291]).
ويجب أن تثبت ملكية المدين لحظة بدء التنفيذ، فإذا دخل المال في ذمة المدين بعد بدء إجراءات التنفيذ كان الحجز باطلا، فالحجز علي المال غير مملوك للمدين يكون باطلا حتي ولو أصبح مملوكا له أثناء التنفيذ([292])، كما إذا تم الحجز علي عقار اشتراه المدين بعقد غير مسجل([293])، فالحجز يقع باطلا ولا يصحح هذا البطلان تسجيل العقد بعد بدء الإجراءات إذ ليس للتسجيل أثر رجعي، إذ وفقا لقانون الشهر العقاري لا يعتبر العقار مملوكا لهذا المشتري إلا بالتسجيل، وقبل ذلك الوقت تعتبر العقارات علي ملك البائع والمشتري مجرد حائز، فلا يتحقق شرط ملكيته المدين، وهذا من شأنه أن يصيب الدائن بأضرار فادحه خاصة إذا لم يكن لدي المدين المنقولات أو المبالغ الكافية لسداد دينه، فيصبح أمام دائن صاحب حق عاجز عن الحصول علي حقه من مدين موسر، وهذا وضع شاذ ومنتقد، خاصة أنه أصبح من الصعب والمكلف تسجيل العقود شراء العقارات، فالغالب أن يكتفي الأفراد بالعقود الابتدائية تهربا من الرسوم الباهظة والإجراءات المعقدة التي يستلزمها التسجيل.
إذا زالت هذه ملكية المدين للمال بعد الحجز بأثر رجعي([294])، كما في حالة الحجز علي عقار مملوك للمدين ثم زالت عنه ملكيته بسبب فسخ التصرف الذي تملك به المال([295])، يصبح الحجز باطلا لوقوعه علي ملك الغير.
والتنفيذ يرد علي الأموال الحاضرة في ذمة المدين عند بدء التنفيذ، فهو لا يتناول الأموال الموجودة قبل هذا إذا كانت قد زالت عن ذمة المدين قبل بدء التنفيذ، وانتقلت إلى الغير، كما لا يتناول الأموال المستقبلية باستثناء الثمار وملحقات المال الحاضر([296]).
وبالتالي لا يجوز لدائن الشريك الحجز علي مال الذي قدمه الشريك كحصة في الشركة، وذلك لأن المال يدخل في ذمة الشركة، ولو كان الشريك هو الذي قدم المال للشركة كحصة في رأس ماله([297]). وبالتالي تكون من الغير. أيضا لا يجوز لدائن الشركة الحجز علي الأموال الخاصة للشريك الموصي. أما الشريك المتضامن فيجوز لدائن الشركة الحجز علي أمواله الخاصة لأنها ضامنة للوفاء بديون الشركة، وقد ذهب القضاء الفرنسي إلى جواز توقيع الحجز علي حصة الشريك، وذلك بإجراءات حجز ما للمدين لدي الغير([298]).
كذلك لا يجوز الحجز علي أموال مملوكة لأحد الزوجين لاستيفاء دين علي الزوج الآخر، أو علي أبنائه أو العكس، فالصلة الوثيقة التي قد تربط بين شخصين- كالزوجية أو الأبوة- لا تلغي استقلال الذمة المالية لكل منهم([299]).
ولا يجوز لدائن الوصي أن يحجز عليه تحت يد المحكمة الحسبية باعتبار القاضي مدينا لوصية وأن أموالا مودعه خزانة المحكمة، لأن المحاكم الحسبية لا تمثل القاصر وليست أمينة علي أمواله وانما هي رقيبة علي أعمال الأوصياء.
ولا يجوز لدائن المستحق في الوقف أن يحجز عليه تحت يد مديني الوقف مثل مستأجري أعيانه، لأن الوقف شخصية معنوية مستقلة عن شخصية المستحقين فيه، فالمستحق ليس دائنا لمستأجر الأعيان الموقوفة، ولكن يجوز الحجز علي ناظر الوقف بصفته هذه تحت يد مستأجري أعيانه.
كما أنه لا يجوز الحجز علي مال النائب لدين علي الأصيل، حيث يلتزم الأصيل بأداء الديون المترتبة في ذمته بناء علي تصرف النائب عنه، وبالتالي لا يجوز الحجز الا علي مال مملوك للأصيل وليس النائب([300]). ولا يجوز الحجز علي مرتب المستخدم في المحل التجاري تحت يد صراف المحل لأن مدين المدين هو صاحب المحل فيجب أن يوقع الحجز تحت يده هو.
الفرع الثاني
استثناء جواز التنفيذ علي أموال الغير
إذا كانت القاعدة عدم جواز إجراء التنفيذ إلا في مواجهة الملتزم بالسند التنفيذ، إلا أنه استثناء من هذه القاعدة، يمكن إجراء التنفيذ في مواجهة شخص غير ملتزم بالسند التنفيذي([301]).
ويرجع جواز الحجز في مواجهة الغير إلي وجود امتيار للمؤجر، وذلك في حالتين:
الحالة الأولي: الحجز علي المنقولات المملوكة للغير الموجودة بالعين المؤجرة
نصت المادة 1143 من القانون المدني علي حق امتياز المؤجر([302]) علي المنقولات التي يضعها المستأجر في العين المؤجرة، ولو كانت هذه المنقولات مملوكة لغير المدين، كما لو كانت مملوكة لزوجة المستأجر أو للغير.
ويرجع أساس الحجز علي منقولات الغير، أنه لما كان امتياز المؤجر يقوم علي فكرة الرهن الضمني لضمان الأجرة، ومن ثم فلا يشترط في المنقولات الموجودة بالعين أن تكون مملوكة للمستأجر، فيرد لامتياز عليها لو كانت مملوكة للغير، مادام المؤجر كان حسن النية وقت دخولها بالعين المؤجرة أي لا يعلم بأن للغير حقا عليها، وحسن النية مفترض، وعلي من يدعي خلافه إثبات سوء النية المؤجر، أي علمه بملكية الغير للمنقولات وقت دخولها العين([303])، وذلك دون الإخلال بالأحكام المتعلقة بالمنقولات المسروقة أو الضائعة([304]).
وقد ذهبت محكمة النقض إلى أنه يشترط ألا يكون المؤجر عالما بأن ما حجز عليه ليس مملوكا للمستأجر أو المستأجر من الباطن ويجوز استخلاص هذا العلم- من ظروف الدعوي وملابساتها- فإذا استدل الحكم علي علم مالك الأرض بأن الحاصلات المحجوزة ليست مملوكة للمستأجر من الباطن بأن العين المؤجرة جرن لا تنتج محصولا وإنما هيئت لينقل إليها سكان العزبة محصولاتهم لدرسها فيكون قد استخلص ذلك استخلاصا سائغ([305]).
فيجب للحجز علي منقولات الموجود بالعين المؤجرة، توافر عناصر
حق الامتياز المقرر للمؤجر عملا بالمادة 1143 مدني. والتي تتمثل في
الآتي:
1- أن يكون الحاجز مؤجرا للعقار:
يشترط أن يكون الحاجز مؤجرا للعقار وقت الحجز، سواء كان هو
المالك أو صاحب حق انتفاع أو مؤجر من الباطن، وأيا كان الغرض الذي تم من أجله التأجير.
ويجب أن ينصب الإيجار علي العقار، سواء كان أرض بناء او أرض
زراعية، ولكن إذا كان الدائن مؤجرا لمنقول، فلا يملك توقيع الحجز التحفظي،
وبالتالي يقتصر الامتياز علي أجرة المباني والأراضي ولا يمتد إلى أجرة الآلات والمفروشات، حيث يكون مؤجرها دائنا عاديا بالنسبة للمستأجر، ولا يرد علي المنقولات حق امتياز.
إذا تصرف المستأجر في المنقولات الخاضعة لامتياز المؤجر لشخص حسن النية فإن هذا لا يتملكها بالحيازة إلا إذا انقضي شهر علي علم المؤجر بخروجها من العين دون أن يحجزها حجزا استحقاقي عملا المادة 589 مدني.
2- أن يكون المدين المطلوب الحجز عليه مستأجراً:
يشترط أن يكون المحجوز عليه مستأجرا، وذلك بوجود علاقة إيجاريه مع طالب الحجز، كما يستوي أن يكون مستأجرا أصليا أو من الباطن. وطبقا لنص المادة 317 مرافعات فالحجز علي المنقولات لدي المدين المستأجر من الباطن يعد بمثابة حجزين في وقت واحد، أحدهما علي المنقولات الموجودة في العين المؤجرة، والثاني علي ما تحت يده من أجرة.
وللحجز علي المنقولات المملوكة للمستأجر من الباطن، يجب التفرقة بين أمرين:
الأول: إذا كان المؤجر قد اشترط عدم الإيجار من الباطن
ففي هذه الحالة يجوز الحجز علي هذه المنقولات المتواجدة في العين حتي ولو كانت مملوكة للغير، وذلك للوفاء بكافة حقوق المستأجر الأصلي، ولا يحاج في مواجهة المؤجر بالإيجار من الباطن، فيثبت له الامتياز علي المنقولات الموجودة بالعين ولو كانت مملوكة للمستأجر من الباطن، فمنقولات المستأجر من الباطن تضمن الأجرة المستحقة من غير أن تحدد بقيمة الإيجار من الباطن، إلا إذا ثبت علم المؤجر وقت دخول المنقولات العين المؤجرة أنها ليست مملوكة للمستأجر الأصلي.
الثاني: إذا سمح المؤجر بالإيجار من الباطن، فلا يجوز للمؤجر أن يحجز علي هذه المنقولات الموجودة في العين المؤجرة إلا ضمانا لقدر من حقوق المؤجر يعادل ما يكون مستحقا للمستأجر الأصلي في ذمة المستأجر من الباطن([306])، ففي هذه الحالة لا يكون للمؤجر الأصلي امتياز علي منقولات المستأجر من الباطن إلا بقدر ما يكون هذا مدينا به للمستأجر الأصلي وقت إنذاره (مادة 596 مدني)([307]).
3- أن يكون الدين الذي يتم الحجز بمقتضاه من الديون التي يضمنها حق الامتياز:
ويتمثل ذلك في الديون الناشئة عن العلاقة الإيجارية([308]) (أجرة المباني،
الأراضي الزراعية لمدة سنتين أو لمدة الإيجار إن قلت عن ذلك (م1143مدني) والتعويض المستحق للمؤجر لعدم وفاء المستأجر بالالتزامات الناشئة عن
عقد الإيجار)، ويجب أن يكون الحق محقق الوجود وحال الأداء، ومعين المقدار
تعيينا مؤقتا.
كما يرد الامتياز علي المبالغ الأخرى المستحقة بسبب عقد الإيجار كالتعويض المستحق للمؤجر عن تلف العين المؤجرة أو عن استعمال في غير الغرض الذي
أعدت له أو عن فسخ الإيجار أو عن عدم الوفاء بأي التزام آخر كعدم المحافظة علي الأشجار المغروسة بحديقة المسكن. ولا يرد الامتياز علي المجوهرات والحلي ولا علي النقود والسندات، فهي لا تعتبر منقولات جهزت بها العين المؤجرة ( م 588 مدني)، إذن الحجز لا يجري علي أي مال بل يجب أن يكون واردا علي منقولات مملوكة للمدين أو للغير وموجوده بالعين المؤجرة (سواء أكانت منقولات مادية أو ثمرات أو محصولات).
ويثار التساؤل عن مدي وجود امتيار للمؤجر علي منقولات المملوكة للزوجة مع وجود قرينة علي ملكية الزوجة للمنقولات.
الاتجاه الأول: عدم الاعتداد بالقرينة في مواجهة المؤجر:
يري بعض الفقه أن للمؤجر الامتياز علي منقولات الزوجية، سواء علم
بملكيتها لها عند دخولها العين المؤجرة أو لم يعلم([309])، إذ إن العمل الذي يحول
دون هذا الامتياز هو المتعلق بمنقولات الغير ولم يكن يعلم بملكية الغير لها. فقرينة المنقولات الزوجية ملك للزوجة – مسلمة أو غير مسلمة- لا يعتد بها في مواجهة المؤجر.
الاتجاه الثاني: الاحتجاج بالقرينة في مواجهة المؤجر:
ذهب هذا الاتجاه إلي أنه يمكن أن يحاج المؤجر بهذه القرينة إذا قامت الزوجة بإخطاره قبل إدخالها لمنقولاتها العين المؤجرة بملكيتها لها، وبعدم تحملها بامتيازه، ويكون لها إخراجها في أي وقت، ولا الحق للمؤجر الحجز عليها، أما إن لم تقم بهذا الإخطار، أو قامت به بعد دخول المنقولات العين المؤجرة، فقد أقام القانون قرينة علي امتداد امتياز المؤجر إلى هذه المنقولات، وتلك قرينة قانونية قاطعة لا يجوز إثبات ما يخالفها ومن ثم يتعين رفض دعوي الزوجة باسترداد هذه المنقولات ولكن يتعين الفصل في ملكيتها أولا حتي إذا ما ثبت ملكيتها للزوجة احتفظت بحقها بعد ذلك في الرجوع بقيمتها علي زوجها بدعوي الإثراء بلا سبب، أنه أثري بقدر ما برئت ذمته من الدين.
ونري أنه يعتد بقرينة ملكية الزوجة للمنقولات في مواجهة المؤجر،
وعلي المؤجر أن يثبت عدم علمه بهذه القرينة. وبالتالي إذا علم المؤجر بملكية
الزوجة للمنقولات، فلا يجوز له الحجز عليها، حتي لو لم تصرح الزوجة بأنها مالكة له([310]).
ويثار التساؤل عن مدي حق المؤجر في تتبع المنقولات إذا خرجت من العين المؤجرة.
يلاحظ أنه رغبة من المشرع في تقوية ضمان المؤجر في الحصول علي حقه، فإنه لم يكتف بمنحه امتيازا علي المنقولات الموجودة في العين المؤجرة كما منحه الحق في الحجز التحفظي علي هذه الأموال. إلي جانب ذلك للمؤجر حق تتبع هذه المنقولات إذا نقلت دون علمه من العين المؤجرة خلال ثلاثين يوماً من نقلها. فقد نصت المادة 317 مرافعات علي أنه يجوز للمؤجر أن يوقع الحجز التحفظي إذا كانت تلك المنقولات والثمرات والمحصولات قد نقلت بدون رضائه من العين المؤجرة مالم يكن قد مضي علي نقلها ثلاثون يوماً. وقد ذهب القانون الفرنسي إلى أنه يجب إعلان السند التنفيذي للمحجوز لديه خلال 8 ايام من بدء الحجز التحفظي علي المحجوز لديه، ويترتب علي مخالفة ذلك البطلان([311])، كما يمكن للغير أن يدفع بعدم الزامه بدفع قيمة الدين إذا وفي بحقوق المدين المحجوز عليه([312]).
فيمكن للمؤجر حق التتبع للمنقولات في أي يد تكون، ويلاحظ أن المشرع اعتبر الحجز الذي يوقعه المؤجر علي منقولات المستأجر الأصلي أو المستأجر من الباطن بعد نقل هذه المنقولات من العين المؤجرة بما له من حق تتبعها في الميعاد القانوني بمثابة حجز استحقاقي([313]).
ويشترط لممارسة حق التتبع الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن تكون المنقولات موجودة بالعين المؤجرة ذاتها أو
ملحقاته.
الشرط الثاني: أن يتم النقل بغير رضاء المؤجر أي خفية أو تم نقلها عنوة.
الشرط الثالث: أن يتم الحجز في مواجهة المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن خلال 30 يوما من تاريخ نقلها من العين المؤجرة بدون رضاه.
الشرط الرابع: ألا يكون بالعين المؤجرة أموال تكفي لضمان حق الامتياز المقرر له، وإلا له حق توقيع الحجز التحفظي علي المنقولات التي نقلت من العين المؤجرة دون علم منه أو رغم معارضته إذا توافرت الشروط الأخري الواردة في المادة 1143 مدني ( بما له من حق تتبع عليها)، فيما لا يضر بحقوق الغير حسن النية علي هذه الأموال إلا إذا وقع عليها حجزا استحقاقي في الميعاد القانوني، فيبقي الامتياز قائما لمدة ثلاث سنوات من تاريخ نقلها ولو أضر بحق الغير ما لم تكن قد بيعت هذه المنقولات إلى مشتر حسن النية في سوق عام أو في مزاد علني أو لمن يتجر في مثلها، فعلي المؤجر رد الثمن إلى المشتر في هذه الحالة.
الحالة الثانية: المنقولات الموجودة بالفندق:
لصاحب الفندق حق امتياز بالمبالغ المستحقة له في ذمته النزيل علي الأمتعة التي أحضرها النزيل في الفندق ولو كانت مملوكة لغير النزيل. بشرط ألا يكون صاحب الفندق علي علم بملكية الغير لها (1144 مدني).
وفي هذه الحالة يقوم الدائن ببيع الأمتعة او المنقولات واقتضاء حقه في الأجرة من ثمن هذه الأشياء. ويجب للحجز علي منقولات الغير في هذه الحالة، أن يكون الحاجز صاحب فندق، وأن يكون المحجوز عليه نزيلا في الفندق، وأن يكون الحجز لضمان قيمة الأجرة.
ومما يخفف من حدة هذا الاستثناء، إذا أثبت الغير علم صاحب الفندق
بملكية الغير للمنقولات، فلا يجوز الحجز علي هذه المنقولات، كذلك لا يجوز له
التنفيذ إذا ثبت أن المنقولات مسروقة أو ضائعة وهو ما يعني عدم ملكية
المدين له([314]).
من الواضح أن هذه الاستثناءات لا تخل بالقاعدة العامة وهي وجوب ورود الحجز علي مال مملوك للمدين، وذلك حتي يمكن التصرف فيه بالبيع الجبري تصرفا نافذا في حق مالكة.
إذا تم الحجز علي مال مملوكه للغير في غير الحالات الاستثنائية، فان هذا الحجز يكون باطلا، حيث إن مقتضيات العدالة تستوجب أن كل تنفيذ يمس بحقوق الغير يكون باطل([315])، فاذا جري علي مال الغير يستطيع أن يرفع دعوي استرداد المال
إذا كان منقولا، أو استحقاقه إذا كان عقاراً، وذلك لأن أموال المدين فقط تضمن التزاماته.
المبحث الثاني
نطاق الغير في التنفيذ الجبري
يتسع نطاق فكر الغير في التنفيذ الجبري، فتظهر في إجراءات التنفيذ في حالة حجز ما للمدين لدي الغير([316])، وكذلك في حالة الحجز الاستحقاقي، وكذلك الحجز تحت يد الحائز في العقار، وقد يكون غيرا ملتزما بالمشاركة في التنفيذ بحكم وظيفته، وقد يكون هذا الغير شخصا طبيعيا أو اعتباري([317]).
ويمكن لنا تقسيم الغير في اجراءات التنفيذ الجبري إلى: الغير الذي له صله بالمال المحجوز عليه، والغير الذي يشارك في الإجراءات بحكم وظيفته، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
الغير الذي له صله بمال المنفذ ضده
يتمثل هذا الغير الذي له صلة بالمال في المحجوز لديه، والحائز في الحجز الاستحقاقي، والحائز في العقار ومن له حق الاعتراض علي الحجز علي العقار، والغير الفاقد للتمثيل القانوني في السند، والغير المشترط لمصلحته، حيث سنشير إلى ذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
الغير المحجوز لديه
سنشير إلى تعريف الغير المحجوز لديه، والشروط الواجب توافرها فيه، وذلك في النقاط الآتية:
أولاً: تعريف الغير المحجوز لديه:
يقصد بالغير المحجوز لديه، من يكون في ذمته حقوق أو في حيازته منقولات للمنفذ ضده، فهو مدين المدين([318])، حيث أعطي المشرع السلطة للدائن في ممارسة حجز علي حقوق مدينه أو منقولاته التي في ذمة الغير أو في حيازته([319])، بهدف منع الغير من الوفاء للمدين أو تسليمه ما في حيازته من منقولات([320]) وذلك تمهيدا لاقتضاء حق الحاجز من ثمن المال المحجوز عليه بعد بيعه([321]). فهذا الحجز هو الإجراء الذي يستطيع الدائن بموجبه وضع ما يكون لمدينه من نقود أو منقولات في ذمة الغير أو في حوزته تحت يد القضاء([322])، ومنع هذا الغير من الوفاء للمدين أو تسليمه المنقولات، إلي حين اتخاذ الدائن الإجراءات التي تخوله اقتضاء حقه من المال المحجوز أو من الثمن المتحصل بعد بيعه([323])، ويبرر حق طالب التنفيذ في الحجز علي أموال مدينه لدي الغير بما له من حق الضمان العام علي أموال مدينه([324]). ويجب أن يكون المنقول المادي مملوكا للمدين وقت الحجز أو للمدين حق في ذمة الغير حتي ولو كان غير معين المقدار أو حال الأداء([325]).
وقد حددت محكمة النقض الفرنسية الغير بأنه الشخص الذي له علاقة قانونية بالمنفذ ضده، وذلك بقوله
La cour de cassation fancaise a defini du tiers saisi, personne qui “se trouve dans un rapport de droit avec le debiteur et a qui la mesure… pratique impose des obligations”([326]).
ويلاحظ أن أطراف خصومة التنفيذ في هذا الفرض ثلاثة، الحاجز وهو الدائن، والمحجوز عليه وهو المدين ومحجوز لديه وهو مدين المدين، حيث إن هذا النوع من الحجز لا يتضمن فقط العلاقة التقليدية في كل الحجوز، التي تتمثل في طالب التنفيذ والمنفذ ضده، بل ينطوي علي رابطتين قانونيتين، الأولي: تتضمن العلاقة بين الحاجز والمحجوز عليه، وسببها هو الحق الذي يكون للحاجز، والذي يبرر اللجوء إلي توقيع الحجز، والرابطة الثانية: وتجمع بين المحجوز عليه والغير المحجوز لديه، وسببها هو الحق الذي يكون للمحجوز عليه في ذمة المحجوز لديه، وهو الذي ينصب عليه حجز ما للمدين لدي الغير.
والواقع أن الغير يكون هو الخاضع لإجراءات التنفيذ الجبري، مع أنه ليس المدين، وليس مسئولا عن دين الدائن، وإن كان هو- في الغالب- مدين المدين، أي المحجوز لديه في حجز ما للمدين لدي الغير. فالمدين هو المحجوز عليه لا تباشر ضده إجراءات التنفيذ، وإنما تباشر هذه ضد المحجوز لديه، فهو الذي يعلن أولا بأمر قاضي التنفيذ بالحجز، وعليه التزام بعدم الوفاء بما في يده إلى دائنة المحجوز عليه، ويلتزم بالتقرير بما في الذمة (بموجب المادتين328 و339 مرافعات)، ويجب عليه في النهاية دفع المبلغ إلى الحاجز (م 344 مرافعات).
ويثار التساؤل حول ممارسة الدائن لحقه في حجز ما لمدين لدي الغير، هل يعد من قبيل استعمال الدائن لحق مدينة؟ في حقيقة الأمر يري الفقه أن هناك اختلاف من حيث الهدف والشروط والآثار بين حجز ما للمدين لدي الغير واستعمال الدائن لحق مدينة المنصوص عليه في المادة 1166 من القانون المدني، حيث إن المقصود من حجز ما للمدين لدي الغير استيفاء حق الحاجز مباشرة من الحق المحجوز عليه، أما استعمال الدائن لحق مدينه فلا يهدف به إلا مجرد إدخال الحق الذي لم يستعمله مدينه في أموال هذا المدين لكي يكون ضمانا لسائر الدائنين، ويستفيد من قيام الدائن باستعمال حقه مدينه كافة الدائن حتي ولو لم يتدخلوا معه، كما أن حق الدائن في حجز ما للمدين لدي الغير حق مستقل في ذاته عن حق الدائن في استعمال حقوق مدينة.
إلي جانب ذلك لا يشترط قانون المرافعات ما اشترطه القانون المدني لقيام الدائن لحجز ما للمدين لدي الغير، حيث اشترط القانون المدني عدم استعمال المدين لحقه، وأن يسبب عدم الاستعمال في إعساره أو يزيد فيه. كما أن الحجز يمنع علي المدين التصرف في أمواله في ذمة الغير، ويمنع الغير من الوفاء للمدين بأمواله، أما في حالة استعمال الدائن لحقوق مدينة، فلا يمتنع علي المدين التصرف في حقه ولا علي مدين المدين الوفاء له بمطلوبة، بل يجوز للمدين أن يتنازل عن حقه، وفي هذه الحالة لا يملك الدائن إلا مباشرة الدعوي التي تهدف إلي عدم نفاذ تصرف المدين.
ثانيا: الشروط الواجب توافرها في الغير المحجوز لديه
يشترط في الغير في حجز ما للمدين لدي الغير الشروط الآتية:
الشرط الأول: استقلال شخصية الغير عن المدين:
فلا يجوز أن تكون بين الغير والمدين رابطة تبعية، فإذا كان الشخص تابعا للمدين، فلا تتوافر فيه صفة الغير، فالصراف الذي يعمل علي خزينة في محل يملكه المدين لا يعتبر من الغير، ونفس الحكم بالنسبة للبواب والخادم، علي العكس من ذلك فإن الشخص يعتبر من الغير إذا كانت له الشخصية القانونية المستقلة([327]) علي المنقولات أو النقود التي استلمها من المدين.
ولا يمكن إعطاء صفة الغير إلا للشخص الذي يكون الشيء المحجوز بحوزته بموجب أهلية خاصة ومستقلة تجاه المدين المحجوز عليه، فيجب ألا تكون شخصية الطرف الثالث مندمجة مع شخصية المدين([328]).
وبناء علي ذلك لا يعتبر من الغير الشخص الذي يحوز لحساب المدين وليست له حيازة مستقلة، والتي يحق للمدين أن يسترد المال في أية لحظة دون اللجوء إلى القضاء. مثال ذلك العلاقة بين رب العمل وأمين صندوقه، فمن حق رب العمل أن يتناول من الصندوق شخصيا ما يشاء من مال، وعلي عكس ذلك، فإن المصرف المودعة لديه مبالغ باسم شخص معين، إذا امتنعا عن تسليمها إليه فلا يمكنه الحصول عليها إلا بحكم قضائي.
الشرط الثاني: أن يكون للغير سلطات مستقلة علي المنقولات التي يحوزها:
يقصد بذلك أن يكون للغير سلطات خاصة ومستقلة علي المنقولات التي يحوزه([329])، أي أنه يحوز المال حيازة مستقلة عن حيازة المدين، ولذلك الوكيل والمستأجر والمودع لديه وأمين النقل والحارس والموصي له والقيم يعدون من الغير([330]).
يقصد بالسلطات الخاصة والمستقلة تلك التي يكون مصدرها نصا في القانون يخوله إياها تسليم المنقول للغير، أو عقدا بين المدين والغير([331])، حيث إن وجود رابطة بين حائز المنقول والمحجوز عليه تؤدي إلى عدم جواز الحجز عليه بإجراءات حجز المنقول لدي المدين.
ولا يعد من الغير من ليست له حيازة مستقلة عن حيازة المدين، فمن يكون خاضعا للمدين خضوع التابع للمتبوع كالخادم والبواب والصراف والسائق، لا يعد من الغير، فالأموال التي تحت ايديهم تحجز بطريق الحجز علي أموال المدين.
الشرط الثالث: سيطرة الغير علي المال بما يحول دون سيطرة المدين:
يجب أن يكون الغير مسيطراً علي المال سيطرة تحول دون سيطرة المدين علي المال([332])، حيث إن الغير هو من تكون له سيطرة مباشرة علي المال الذي يحوزه، وبالتالي المودع لديه والسنديك بالنسبة لما يحوزه من أموال التفليسة والمحضر بما تحت يده من نقود لأحد الخصوم يعدون من الغير، أما الخادم والبواب فلا يعدون من الغير.
ويلاحظ أن الغير الذي له سلطة علي الشئ تمنع المحجوز عليه من الاتصال به إلا عن طريقه ( كالمستأجر والمودع لديه، أو الحارس أو الوكيل أو الوصي أو القيم أو البنك أو المحضر والمستعير والسنديك، المصفي القضائي([333]). أما إذا كان تابعا للمدين فلا يعتبر من الغير([334]).
الشرط الرابع: أن يكون في ذمة الغير مال جائز الحجز عليه:
والأموال التي يجوز حجزها بطريق حجز ما للمدين لدي الغير هي حقوق المدين، أي أن الحجز يرد علي محل الحقوق التي تكون للمدين لدي الغير، وهذه الحقوق قد تكون نقودا أو منقولات مادية مثل الأثاث والمفروشات والبضائع التي تكون بين يدي هذا الغير والتي يلتزم بتسليمها أو بردها للمدين، وقد ينصب الحجز علي أوراق مالية أو تجارية في حيازة الغير.
طبقا لنص المادة 325 مرافعات يجوز للدائن أن يحجز علي ما يكون لمدينه لدي الغير من المبالغ أو الديون ولو كانت مؤجلة أو معلقه علي شرط، وما يكون من الأعيان المنقولة في يد الغير، وبالتالي فيمكن أن يقع الحجز علي دين في ذمة الغير أو علي منقول مادي، ويجوز الحجز علي الديون (راتب أو أجر الموظف أو العامل) ولو كانت مؤجلة (أجل قانوني أو قضائي أو اتفاقي) أو معقلة علي شرط (م345 مرافعات). فهذا الحجز يتناول كل ما يكون للمحجوز عليه من منقولات في يد المحجوز لديه أو ما ينشأ له من ديون في ذمته([335]) بعد ذلك إلى وقت التقرير بما في ذمته (م325 مرافعات). ولا يشترط في الدين أن يكون محقق الوجود ولا معين المقدار ولا واجب الأداء في الحال([336])، وبالتالي يعد من الغير المستعير والمودع لديه، والمستأجر والوصي والقيم([337]).
أما إذا كان العقار في يد الغير، فيحجز بالإجراءات التي رسمها القانون بالحجز علي العقار ولو كان في حيازة الغير.
في الواقع ثار الجدال في الفقه بالنسبة للأموال التي يضعها شخص في خزانة لدي البنك حول إمكانية اعتبار البنك شخصا من الغير، وبالتالي يجوز توقيع هذا الحجز تحت يده ام لا؟
ذهب بعض الفقه إلى أن العقد المبرم بين البنك والعميل هو عقد أجارة للخزانة لا عقد وديعة، كما أن للعميل حرية الاتصال بخزانته فهو يعد حائزا لمحتوياتها، لأن البنك لا يعلم شيئا عن محتويات الخزانة وبالتالي لا يستطيع إعطاء التصريح بما في ذمته، ولا يعد البنك مدينا بما فيها، وهذا مما أدي ببعض الفقهاء إلي القول بعدم جواز توقيع حجز عليها بطريق حجز ما للمدين لدي الغير، لأن البنك لا يملك تقديم تقرير حول محتويات الخزانة([338]). وإجازة الحجز علي البنك تشبه إجازة الحجز علي منقولات المستأجر تحت يد المؤجر، وهذا لم يقل به أحد([339]). فقد ذهب هذا الرأي إلى عدم جواز الحجز التحفظي علي الأموال الموجودة في خزانة مستأجره من البنك، وإنما يجوز إلقاء الحجز التنفيذي عند المدين نفسه، لأن حائز محتويات الخزانة هو العميل نفسه أي المدين الاصلي. ويأخذ القانون اللبناني بهذا الرأي، في المادة 917، حيث نص علي أن الحجز الواقع علي أموال محفوظة في خزانة المحكمة استأجرها المدين من أحد المصارف أو علي أموال معروضه في معرض عام، فعلي مأمور التنفيذ أن يعين في الحال مدي المصرف أو مدير المعرض حارسا لها، وتنتهي الحراسة عند استلام دائرة التنفيذ الأموال المحجوزة([340]).
بينما ذهب رأي آخر في الفقه إلي أن الطريق الواجب الاتباع في الحجز هو حجز ما للمدين لدي الغير، أي تحت يد البنك، اعتبار البنك شخصا ثلاثا لأنه يحوز الخزانة، وحيازته مستقلة عن حيازة المحجوز عليه، إذا يجب أن يعتد بمن له الحيازة الفعلية للشيء، فالحائز الفعلي هو البنك، وبإعلان البنك يجب عليه منع المدين من الوصول إلي الخزنة، ويتضمن التقرير بما في الذمة أن يشير إلي رقم الخزنة([341]).
الفرع الثاني
الغير في الحجز الاستحقاقى
سنشير إلي تعريف الحجز الاستحقاقي، ومفهوم الغير في هذا الحجز، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: تعريف الحجز الاستحقاقي:
يجيز القانون لمالك المنقولات أو لمن له حق عيني عليه أو حق في الحبس أن يوقع الحجز الاستحقاقي عليه عند حائزه، وذلك بهدف التحفظ عليه تحت يد الحائز، حتي يتمكن من استرداده إذا حكم له بحقه، وهذا الحجز نتيجة لما للمالك في الحق في تتبع المنقول في يد الحائز([342])، فالحجز الاستحقاقي عبارة عن وضع المال تحت يد القضاء لعدم قدرة المدين علي التصرف فيه إضرار بحق الدائن، فهو صوة من صور الحجز التحفظي، ولكنها تختلف عن غيره من أنواع الحجوز التحفظية، حيث يتم الحجز علي المال في يد شخص من الغير.
ويرجع أساس هذا الحجز أن الحاجز له حق عيني (ملكية أو انتفاع أو حق حبسه أو غيره) يخوله تتبع المنقول، لذا فهو الحجز الذي يوقعه مالك المنقول أو صاحب حق عيني آخر عليه يخوله تتبعه أو صاحب الحق في الحبس في يد من يحوزه تمهيدا لتسلمه([343]).
ويثار التساؤل عن مدي اقتصار توقيع هذا الحجز من المالك فقط.
في الواقع اختلفت كلمة الفقه في الإجابة علي هذا التساؤل، وذلك علي النحو التالي:
الاتجاه الأول: يري جانب من الفقه أن هذا الحجز يجوز توقيعه من المالك وذلك عملا بالمادة 318 مرافعات، وكذلك يمكن أن يوقع من لكل شخص له الحق في التتبع، مثل صاحب حق الانتفاع وحق الحبس([344]).
الاتجاه الثاني: يري بعض الفقه أن هذا الحجز لا يوقع إلا في حالة كان الحاجز مالك للمنقول وقت توقيع الحجز، وألا امتنع عليه الحجز، وذلك لأن الغرض من الحجز هو منع الحائز من التصرف في المنقول تصرفا يمنع صاحبه من استردادها إذا حكم له بعد ذلك بملكيته([345]).
في الواقع نري أن مجال هذا الحجز أوسع من اشتراط أن يكون الحاجز مالكا فقط، فيمكن مباشرة الحجز في حالة كون الحاجز صاحب الحق في حبس المنقول أو له حق يتنافى مع انتقال ملكية المنقول للغير. حيث نلاحظ أنه للمؤجر الحق في توقيع الحجز الاستحقاقي علي المنقولات التي كانت موجودة بالعين المؤجرة، ولكنها قد خرجت بدون رضائه من العين، علي أن يوقع هذا الحجز خلال ثلاثين يوما من خروج المنقولات، وإذا نقلت إلى العين مؤجرة أخري قدم امتياز المؤجر الأول بشرط إيقاع الحجز الاستحقاقي خلال المدة سالفة الذكر.
الحجز الاستحقاقي لا يتحول إلي حجز تنفيذي كباقي الحجوز التحفظية، بل يهدف إلي التنفيذ المباشر علي المنقول، وذلك بتسليمه إلي صاحب الحق فيه، ويوقع الحجز الاستحقاقي بنفس إجراءات الحجز التحفظي للمنقول لدي المدين، وبالتالي يجب إعلان المدين المحجوز عليه خلال ثمانية أيام علي الأكثر من تاريخ توقيع الحجز وإلا اعتبر كأن لم يكن.
كما يجب علي الحاجز خلال نفس الميعاد – ثمانية أيام علي الأكثر من تاريخ توقيع الحجز – أن يرفع أمام المحكمة المختصة الدعوي بثبوت الحق وصحة الحجز، وإذا كانت الدعوي بالحق مرفوعة من قبل قدمت دعوي صحة الحجز إلى ذات المحكمة لتنظر فيهما مع([346]).
والحجز الاستحقاقي في حالة الحجز الذي يوقعه المؤجر علي منقولات المستأجر، له وظيفتان، وظيفة الحجز الاستحقاقي، ووظيفة الحجز التنفيذي، حيث يكون ضد كلا من الغير والمستأجر، فيقوم المؤجر بحجزها استحقاقيا في مواجهة الغير الحائز للمنقولات واستردادها من تحت يده بما له من حق التتبيع، وباعتباره حجزا تحفظيا مؤديا لحجز تنفيذي يوجه إلى المستأجر المدين والذي يعتبر مالكا لهذه المنقولات، ولهذا يجب استصدار الإذن بالحجز ضدهما ويجب اختصامهما معا في دعوي صحة الحجز، فإذا استصدر الإذن بالحجز ورفعت دعوي صحة الحجز ضد الغير وحده كنا بصدد حجز استحقاقي لا يصلح للتحول إلى حجز تنفيذي، ووجب للوصل إلى هذه الغاية توقيع حجز آخر علي المنقولات في مواجهة المستأجر، ثم تحويله إلى حجز تنفيذي ضده([347]).
ثانيا: تعريف الغير الحائز في الحجز الاستحقاقي:
خروجا علي القواعد العامة في تحديد المنفذ ضده، فإن التنفيذ قد يجري ضد شخص غير ملتزم شخصيا بالدين، كحائز([348]) المال، ويقصد بالحائز هو كل شخص انتقل إليه المنقول، دون أن يكون التصرف الذي انتقل إليه بمقتضاه نافذاً في مواجهة طالب الحجز، ويجب أن يكون للحاجز حق التتبع علي المنقول تحت أي يد.
وتطبيقا لذلك قضي بأن العقود المترددة بين البيع والإيجار يكون للبائع فيها حق توقيع الحجز الاستحقاقي، ما دام محتفظا بالملكية إلي أن يستوفي الثمن، والأمر عكس ذلك إذا لم يحتفظ بالملكية([349]).
وفي الواقع لممارسة الحجز في مواجهة الحائز يجب توافر الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون للحاجز حق يقتضي التتبع علي المنقول:
يشترط لتوقيع الحجز الاستحقاقي أن يكون للحائز حق علي المنقولات، وهذا الحق قد يكون عينيا (أصليًا: ملكية أو انتفاعًا) أو تبعيًا (امتيازا أو رهنا أو حقًا في الحبس) علي المنقول ذاته، يخوله تتبع المنقول، لذا قضي ببطلان الحجز الاستحقاقي الذي وقعه بائع ماكينة حرث بالتقسيط إذا كان قد سلم بالمليكة للمشتري.
ولصاحب الحق في الحجز الاستحقاقي أن يوقعه ضد أي شخص- حتي ولو لم تكن للحاجز علاقة قانونية به كالغاصب الذي يحوز الشيء([350]).
الشرط الثاني: ألا يكون المنقول قد انتقل إلى حائز حسن النية
الواقع أنه قد يتمسك الغير الحائز بقاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية مما يحول دون القيام بالحجز الاستحقاقي متي كان حسن النية([351]). وبالتالي يمتنع علي المالك تتبع المنقول بسبب ترتيب حق للغير يمكن أن يحتج به في مواجهته، فإذا بيعت هذه المنقولات إلي مشتر حسن النية، فيمكن له التمسك بقاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية. كما لو بيعت المنقولات لمشتري حسن النية في سوق عام أو في مزاد علني أو ممن يتجر في مثلها.
وينطبق هذا الشرط أيضا في حالة توقع الحجز من المؤجر- للعقار- باعتباره صاحب حق امتياز علي المنقولات والثمرات والمحصولات إذا كانت قد نقلت من العين المؤجرة، حيث إن الأصل هو امتياز المؤجر علي المنقولات ينقضي بنقلها إذا كان النقل قد تم برضاه أو بعلمه أو إذا بقيت في العين المؤجرة منقولات تكفي لضمان الوفاء بما يستحق للمؤجر. وفي غير هاتين الحالتين يبقي للمؤجر امتيازه علي المنقولات رغم نقلها، ويجوز له أن يوقع عليها حجزا استحقاقيا خلال 30 يوما من تاريخ علمه بنقلها من العين المؤجرة، وذلك بمقتضي ما له من حق التتبع([352]). كما يجوز للمؤجر في حالة سرقة المنقولات أو ضياعها الحق في استردادها مباشرة أو باسم مستأجر خلال ثلاث سنوات من السرقة أو الضياع (م 235 مدني) ([353]).
الشرط الثالث: أن يكون بيد طالب الحجز سند بحقه
يجب أن يكون بيده سند تنفيذي ولو كان غير واجب النفاذ متي كان الدين الثابت به([354]) معين المقدار، فإذا لم يكن بيده سند تنفيذي، فلا يوقع الحجز إلا بإذن من القاضي المختص، ويمكن أن يحصل طالب الحجز علي إذن قاضي التنفيذ بناء علي عريضة مقدمة من الحاجز في حالة عدم وجود سند تنفيذي بيده أو كان دينه غير معين المقدار أو معه حكم قضائي غير نهائي غير معين المقدار، ويجوز أن يطلب الإذن بالحجز من رئيس الهيئة التي تنظر دعوي الحق أو أمام المحكمة المختصة، ويجب أن يشتمل العريضة علي بيان وافي للمنقولات المطلوب حجزها.
الفرع الثالث
الغير الحائز للعقار ومن له حق يتعارض مع الحجز العقار
سنشير إلي الغير الحائز للعقار، ثم نعالج من له حق الاعتراض علي الحجز علي العقار، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: الغير الحائز للعقار
سنشير إلي تعريف الغير الحائز للعقار، وشروطه وأساس الحجز في مواجهته، وذلك في النقاط الآتية:
1- تعريف الغير الحائز للعقار:
يجيز القانون للدائن المرتهن التنفيذ علي العقار المرهون الذي انتقلت ملكيته إلى الغير قبل تسجيل تنبيه نزع الملكية، حيث أن العقار قد انتقلت ملكيته إلى الحائز محملة بحق الرهن المشهر، والذي يجيز لصاحبه تتبع العقار في أي يد تكون([355]).
يُقصد بحائز العقار هو شخص من الغير ليس مسئولا شخصيا عن الدين، ولكن انتقلت إليه ملكية عقار محمل بحق عيني تبعي نافذ في مواجهة الغير. أي أن الحائز هو من حاز عقارا مرهونا وفقًا للمادة 1060 مدني، أو هو كل من انتقلت إليه بأي سبب من الأسباب ملكية هذا العقار أو أي حق عيني آخر دون أن يكون مسئولا شخصيا عن الدين([356])، المضمون برهن العقار، وبالتالي فالحائز في التنفيذ العقاري هو كل من أكتسب حقا عينيا علي عقار مرهون بموجب سند سابق في تسجيله علي تسجيل تنبيه نزع الملكية دون أن يكون مسئولا عن الدين المضمون.
قضت محكمة النقض بأنه “مفاد نص المادة 2/1060 من القانون المدني و المادة 1/626 من قانون المرافعات السابق، أن الحائز في التنفيذ العقاري هو من اكتسب ملكية عقار مرهون أو حقاً عينياً عليه يجوز رهنه، وذلك بموجب سند مسجل سابق في تسجيله على تسجيل تنبيه نزع الملكية دون أن يكون مسئولا شخصيا عن الدين المضمون، وأن إنذار الحائز و ما يترتب على الإنذار وعدمه لا شأن له- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- إلا بالنسبة للدائن المرتهن أو الدائن صاحب حق الاختصاص الذى حكمه حكم المرتهن، بما له من حق تتبع العقار في أي يد يكون، أما الدائن العادي، ففكرة الحيازة الواجب إنذار صاحبها منتفيه بالنسبة له تماما، ذلك أنه متى كان المدين قد تصرف في العقار تصرفا شهر قبل تسجيل تنبيه نزع الملكية، فإن التصرف ينفذ في حق هذا الدائن العادي، ولا يجوز له وهو لا يملك حقا عينيا على العقار المذكور يحتج به على من تنتقل إليه الملكية، أن يتخذ إجراءات التنفيذ على ذلك العقار الذى خرج من ملكية مدينه”([357]).
وقد ذهب جانب من الفقه إلى القول بأن حائز([358]) العقار، يدعي ملكيته لا يعتبر من الغير، لأنه يتأثر بالحكم الصادر بشأن التنفيذ([359])، كما أنه مسئول عن التنفيذ. وبالتالي إذا نقل المدين الراهن ملكية العقار المرهون إلى شخص آخر كان للدائن المرتهن أن ينفذ علي العقار في مواجهة من انتقلت إليه ملكية([360])، إذن توجه إجراءات التنفيذ في هذه الحالة للغير، فتتوافر الصفة في مواجهة الحائز، فضلا عن توافرها في المنفذ عليه.
في الواقع اننا لا نتفق مع هذا الرأي، حيث نري أن هؤلاء الأشخاص من الغير، لأنهم ليسوا طرفا في السند التنفيذي، وليس لهم مصلحة في التنفيذ علي أي مال من أموال المدين، وحيث تتأثر حقوقهم بشأن التنفيذ علي مال معين بالذات، ويرجع ارتباطهم بالتنفيذ إلي كون المال يقع في حيازتهم، فهم من الغير بالنسبة للعلاقة بين طالب التنفيذ والمنفذ ضده.
2- الشروط الواجب توافرها في حائز العقار:
ينبغي أن يكون الغير قد تلقي حقا عينيا علي العقار المرهون يمكن بيعه بالمزاد العلني، كحق الانتفاع أو الملكية، ويجب أن يكون قد قيد حقه قبل التسجيل بتنبيه نزع الملكية، ويجب أن يكون الغير قد شهر حقه بعد قيد الرهن، فإذا لم يكن قد شهر حقه أصلا فلا يكون حائزا، فالمشتري بعقد غير مسجل لا يكون حائزا، وهذا الحائز غير مسئولا شخصيا عن الدين فهو أجنبي عنه لا تربطه بالدائن أية علاقة شخصية، ولكن المسئول عن الدين هو قيمة العقار المرهون، بالتالي لا تمتد المسئولية إلى سائر أموال الحائز وتنقضي باستنفاذ قيمة هذا العقار([361]).
فهذه الشروط تتمثل في الآتي:
الشرط الأول: أن يكون للدائن حق عيني تبعي علي عقار مملوك لمدينه كالرهن أو الامتياز أو الاختصاص.
الشرط الثاني: أن يكون حق الدائن صاحب الحق العيني مشهورا، بحيث يكون نافذا في حق الغير.
الشرط الثالث: أن يتصرف المدين الراهن في العقار تصرفا من شأنه إما نقل ملكية العقار أو ترتيب حق عيني عليه لصالح الغير من الحقوق التي يجوز حجزها وبيعها علي استقلال، كحق الانتفاع([362]). ولذلك لا يعتبر حائزا من تتوافر فيه شروط الحيازة القانونية أو المادية علي العقار. ولا يعد الدائن المرتهن رهنا حيازيا حائزا للعقار، ولا يعتبر حائزا وارثا المدين، لأن الوارث لا يمتلك التركة إلا بعد سداد الديون.
الشرط الرابع: يجب انتقال الملكية للحائز قبل تسجيل تنبيه نزع الملكية، ولو بعد إعلانه إلي المدين المحجوز عليه، ويرجع ذلك إلي أن التسجيل حق للحائز بعد تسجيل تنبيه نزع الملكية، يترتب عليه عدم نفاذ حق الغير في مواجهة الدائن الحاجز، ويكون له أن يتابع إجراءات الحجز علي العقار ضد المدين، فلا يلتزم بتوجيه أي إجراء للحائز.
يثار التساؤل عن اشترط انتقال الملكية للغير بطريق العقد حتي يمكن التنفيذ في مواجهته.
الواقع أن الفقه اختلفت كلمة في حالة انتقال الملكية للغير لسبب غير العقدالمسجل، وقد أثير التساؤل علي وجه التحديد بشأن انتقال الملكية إلى غير المدين عن طريق التقادم، فذهب رأي إلى أنه لا يعتبر حائزا من تملك العقار بالتقادم، لأن هذه المليكة لم تنتقل اليه بتصرف من المالك([363])، وبينما ذهب رأي آخر إلى أن نص المادة 1060 مدني عرفت الحائز بأنه كل من انتقلت إليه الملكية بأي سبب، وبالتالي فإن الوصف المتقدم يصدق علي انتقال الملكية إليه عن طريق التقادم، فهذا النص لم يشترط انتقال الملكية بتصرف من المالك([364]).
الشرط الخامس: يجب ألا يكون من انتقلت اليه ملكية العقار أو الحق العيني مسئولا شخصيا عن الدين المضمون بالرهن، كما لو كان مدينا متضامنا مع المدين مالك العقار.
3- أساس الحجز في مواجهة الحائز:
يرجع أساس التنفيذ في مواجهة الحائز، إلي أن للدائن المرتهن حق التتبع الذي يتيح له التنفيذ علي العقار المرهون في أي يد يكون([365])، وهذا الحق مرتبط بحق الراهن، خاصة في حالة التصرف في العقار المرهون، ولا يتصور قيام الحقين بدون الآخر وإلا انتقصنا من حق الراهن في الملكية أو من حق المرتهن في الرهن، فللراهن أن يتصرف في ماله وللمرتهن أن يحصل علي حقه من ثمن هذا المال (م106 مدني)، فحق التتبع مظهر من مظاهر نفاذ الرهن في مواجهة الغير، ومترتب علي كون الرهن حقا عينيا، حيث أن سلطة التتبع أكثر وضوحا في الحقوق العينية التبعية عنه في الحقوق العينية الأصلية، ولعل السبب في ذلك أن صاحب الحق العيني التبعي لا يحتفظ بسلطة التصرف في الشيء محل الحق، وهو ما لا يوجد في الحقوق العينية الأصلية.
وإذا كان التتبع من أهم مظاهر الرهن إلا أنه لا يعبر عن جوهره، فجوهر الرهن هو الحق في الأفضلية والتقدم، إذ حق الرهن قد يباشر دون حاجة إلى تتبع العقار المرهون علي الإطلاق.
ويقوم الدائن بالحصل علي حقه من عقار الحائز باتباع إجراءات التنفيذ الجبري، علي أنه لا يحتاج إلى استصدار حكم من القضاء للتنفيذ علي الحائز لأن عقد الرهن الرسمي هو نفس الوقت سند تنفيذي- بصفته محررا موثقا- يمكن بمقتضاه التنفيذ علي العقار مباشرة([366]).
ولأن الحائز قد انتقلت إليه الملكية من المدين تجب- حماية للغير الذي قد يتعامل في العقار- توجيه إجراءات حجز مشهرة في مواجهة كل من المدين والحائز، معني ذلك أن المنفذ ضده لا يكون الحائز مالك العقار وحده بل هو ينضم كطرف سلبي في الخصومة إلى المدين، ويجب علي الدائن إنذار الحائز ليختار بين أمور ثلاثة: إما دفع الدين المحجوز من اجله، أو تخلية العقار، أو تحمل إجراءات التنفيذ في مواجهته (م411 مرافعات).
وللحائز أن يختار تطهير العقار وذلك بعد اتخاذ مقدمات التنفيذ في مواجهة المدين المنفذ ضده. وتطهير العقار المرهون لا يفرض علي الحائز، ولكنه هو الذي يعرضه، فالتطهير يعني أن يعرض الحائز علي الدائنين المرتهنين أن يدفع لهم مبلغا مساويا للقيمة الحقيقة للعقار المرهون فهو لا ينتظر حتي تحل آجال الديون فيعرض وفاءها، أو يطلب الدائنون استيفاءها، ولكنه يستطيع بمجرد اكتسابه صفة الحائز، وقبل أن تحل آجال الديون، أن يعرض تطهير العقار من كل حق مقيد عليه، فالتطهير سلطة تتميز بعنصر المبادأة من جانب الحائز، فهو وحده الذي يحدد وقت التطهير، ويحدد شروطه التي يدعو الدائنون إلى قبوله([367]).
وطالما أن الدائنين لن يحصلوا من العقار علي أكثر من قيمته الحقيقية عند بيعه بالمزاد العلني، فمن مصلحتهم قبول عرض الحائز وتوفير الإجراءات والنفقات. والعرض الذي يقوم به الحائز ليس هو وفاء ديون الدائنين ولكنه القيمة الحقيقية للعقار ولو لم تكن هذه كاملة لوفاء جميع الديون. ويمكن للدائنين المرتهنين الاعتراض علي عرض الحائز وشروطه للتطهير، لذلك ينبغي أن يكون الحائز معقولا في عرضه. علي أن الحائز يرجع بحقه علي المدين– بما دفعه زيادة علي ما يلتزم به أصلا- إما بالدعوي الشخصية وهي دعوي الإثراء بلا سبب أو دعوي الضمان، المقررة في المادة 442 مدني، إذا كان قد اكتسب ملكية العقار بطريق الشراء. وإما بدعوي الحول محل الدائنين، 326 مدني.
ثانيا: صفة الغير المعترض علي إجراءات الحجز علي العقار:
لقد نصت المادة 422 مرافعات علي الأشخاص الذين يجوز لهم الاعتراض علي قائمة شروط البيع، وهم المدين أو الحائز أو الكفيل العيني والدائنون المشار إليهم في المادة 417، وهم الدائنون أصحاب الحقوق المقيدة قبل تسجيل التنبيه والدائنون الذين قاموا بتسجيل تنبيهاتهم. فيمكن لأي من هؤلاء الأشخاص تقديم اعتراض علي القائمة سواء أخطروا بإيداعها او لم يخطروا بذلك([368]). فعدم الإخطار لا يمنع من إثارة المنازعة.
وقد نصت الفقرة الثانية من ذات المادة علي أنه يمكن لكل ذي مصلحة من غير من ورد ذكرهم في الفقرة السابقة إبداء ما لديه من أوجه البطلان أو الملاحظات علي القائمة بطريق الاعتراض عليها أو بطريق التدخل في نظر الاعتراض، من ذلك من يكون دائنا عاديا للمدين او أو من يكون له حق ارتفاق أو حق انتفاع علي العقار او من يكون مستأجراً للعقار([369]) أو من يدعي ملكيته للعقار الذي يجري عليه التنفيذ([370])، فكل هؤلاء يعتبرون من الغير بالنسبة لإجراءات الحجز علي العقار، يمكن لهم الاعتراض علي قائمة شروط البيع، أو طلب بطلان حكم الراسي المزاد.
فنلاحظ أن المشرع لم يطلق العنان للدائن مباشر الإجراءات في تحديد شروط البيع في القائمة، بل قد وضع القانون بعض الوسائل التي تكفل إتاحة الفرصة لذوي الشأن كي يباشروا رقابة لاحقة علي ما قام به الدائن من إجراءات، فهيأ لهم السبل للمنازعة في هذه الإجراءات فوضع لذلك نظاما إجرائيا خاصا لنظر هذه المنازعات بقصد حماية أطراف خصومة التنفيذ ومن تتعلق مصالحهم بهذه الخصومة، وإذا تم الفصل في هذه الاعتراضات بأحكام نهائية أصبح العقار معدا للبيع وتبدأ مرحلة أخري متعلقة ببيع العقار.
وقد يحدث أن يعتبر الشخص طرفا في التنفيذ وغيرا بصفة أخري، وعندئذ يكون له بصفته الثانية أن يعترض بكل من الصفتين علي قائمة شروط البيع، كما لو كان الشخص وارثا للمدين الذي يجري التنفيذ علي تركته، حيث يعد بهذه الصفة طرفا في التنفيذ، ولكنه يدعي ملكيته للعقار محل التنفيذ حيث بهذه الصفة من الغير ويجوز له بمقتضاها رفع دعوي الاستحقاق الفرعية([371]).
الفرع الرابع
الغير الفاقد تمثيله في السند التنفيذي
في الواقع الممثل الإجرائي للخصم يعتبر من الغير بالنسبة للخصومة التي يباشر إجراءاتها، ولا يكون للحكم الصادر فيها حجية الشيء المحكوم فيه في مواجهته شخصيا، وذلك لأن صاحب الصفة هو الأصيل([372]) وليس ممثله الإجرائي([373])، فهذا الأخير مجرد وسيط يباشر الإجراءات باسم الأصيل ولمصلحته.
يلاحظ أن التمثيل الإجرائي أو النيابة في التقاضي قد أثارت جدلا كبير
في الفقه والقضاء بشأن حالات تحققها، فقد حاول الفقه التقليدي افتراضها في
بعض الحالات لتبرير امتداد آثار الأحكام إلى الغير بما يتفق مع المبدأ التقليدي الذي يقرر نسبية أثر الأحكام، أي اقتصار هذه الآثار علي الخصوم فقط دون أن تمتد إلى الغير([374]).
وتوجد بعض الحالات التي تنقطع فيها علاقة التمثيل بين الأصيل ومن يمثله، ويصير نتيجة لذلك الأصيل من الغير بالنسبة للآثار المترتبة علي الإجراءات التي قام بها الممثل. ويتمثل ذلك في حالة غش الممثل أو تواطئه أو تجاوزه حدود التمثيل، أو تعارض مصلحته مع مصلحة الأصيل.
حالات انقطاع علاقة التمثيل الإجرائي تتمثل في الآتي:
الحالة الأول: غش الممثل أو تواطؤه:
تنقطع علاقة التمثيل بين الأصيل ومن يقوم بتمثيله إذا غش الممثل أو تواطأ مع الخصم الآخر علي الإضرار بحقوق موكله، حيث إن من غشك لا يمثلك، ولذلك يصير من الغير لمن قام بتمثيله ولا يحتج في مواجهته بالأحكام الصادرة في مواجهة ممثله نتيجة ارتكابه الغش أو التواطؤ من جانب هذا الممثل([375]).
فقد نصت المادة 241 مرافعات علي أنه يعتبر من الغير الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي لم يكن ممثلا في الدعوي تمثيلا صحيحا. كما نصت المادة 241 /8 علي اعتبار من الغير “لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوي حجة عليه لم يكن قد أدخل أو تدخل فيها بشرط إثبات غش من كان يمثله أو تواطئه أو إهماله الجسيم”. وهؤلاء الأشخاص يفقدوا تمثيلهم في الخصومة نتيجة غش أو تواطؤ أو إهمال جسيم من ممثلهم. ويجب إثبات غش أو تواطؤ الممثل، وتقدير ذلك لا يخضع للسلطة التقديرية لرقابة محكمة النقض([376]).
وتطبيقا لذلك ذهبت محكمة النقض الفرنسية إلى أن الأصيل يعتبر من الغير إذا تعرض للغش من جانب الممثل له([377]).
وهذا الشرط هو الذي يبرر إدراج هذه الحالة في حالات التماس إعادة النظر
من الغير، وليس من الخصوم، فعدم التمثيل الصحيح يترتب عليه أن يصير الطرف الأصلي من الغير بالنسبة للحكم الذي صدر في مواجهة الممثل. ويفترض هذه الحالة أن يكون الشخص ممثلا في الخصومة بنص القانون كالقاصر أو المريض مرضا عقليا، أو بحكم قضائي، كالمحجوز عليه والمفلس، ولكن تمثيله لم يتم بصورة صحيحة طبقا للقانون.
ويكون التمثيل غير صحيح قانونا إذا قام به شخص آخر غير صاحب الصفة في مباشرة إجراءات الخصومة باسم الأصيل، كما لو صدر الحكم في مواجهة شخص آخر غير الولي أو الوصي صاحب السلطة في تمثيل القاصر أو السنديك الذي يمثل المفلس او الشخص الذي حدده القانون لتمثيل الشخص الاعتباري.
الحالة الثانية: تجاوز حدود صفته الإجرائية:
عقد الوكالة يحدد الإجراءات القضائية نيابة عن الخصم الأصيل، فإذا تجاوز الممثل هذا النطاق فإنه يفقد نيابة عن الخصم الأصيل بالنسبة لهذه الإجراءات الزائدة، ويعتبر الأصيل من الغير بالنسبة للأحكام التي تصدر نتيجة ذلك التجاوز([378])، ويمكن للأصيل أن يجيز الأعمال التي تجاوز فيها الوكيل، ويجب أن تكون الإجازة قبل صدور الحكم([379]).
إذن الحكم الصادر في مواجهة الوكيل لا يحوز الحجية في مواجهة الأصيل إذا كان الوكيل قد تجاوز حدود سلطاته المخولة له قانون أو اتفاقا، وتطبيقا لذلك لا يجوز للقيم الاتفاق علي أن التقاضي أمام المحكمة الجزئية بعينها وتفضل فيه نهائيا، ففي هذه الحالة يكون متجاوزا حدود سلطاته بتنازله عن حق محجوز عليه في نظر النزاع أمام المحكمة المختصة بالفصل في النزاع، وكذلك تنازل عن حقه في درجات التقاضي المنصوص عليه في القانون([380]).
كما تشمل هذه الحالة أيضا تجاوز الممثل لحدود تمثيله كما لو تعدي مدير الشركة الحدود التي وضعها القانون أو اللائحة لقيامة بتمثيل الشركة في الخصومات القضائية، وأيضا صدور الحكم في مواجهة الخصم رغم وجوب تمثيلة في الإجراءات، كما لوحكم علي القاصر أو المحجور عليه دون علم الوصي أو الولي، وكذلك الحكم علي الورثة دون قيام مصفي التركة بتمثليهم([381]).
الحالة الثالثة: تعارض مصلحة الخصم مع مصلحة ممثلة:
إذا تعارضت مصلحة الممثل مع مصلحة الأصيل أدي ذلك إلى انقطاع علاقة التمثيل، فالشخص لا يمكن أن يمثل مصالح متعارضة، لأن القول باستمرار التمثيل الإجرائي في هذه الحالة معناه الإضرار بمصلحة الخصم الأصيل، إذ من الممكن أن يضحي بمصلحة من يمثله في سبيل تحقيق مصلحته.
وقد نصت المادة 33 من قانون الولاية علي المال يجوز للمحكمة أن تعين وصيا للخصم القاصر إذا تبين أن مصلحته في الخصومة تتعارض مع مصلحة من يمثله.
ويرجع ذلك إلى أن الوكيل يعمل باسم موكله ولمصلحته، فإنه إذا تعارضت مصلحته مع مصلحة الموكل انتفت الوكالة، وأصبح يعمل في الدعوي لمصلحته وحسابه هو، ومن ثم تقتصر حجية الحكم عليه وحده دون الموكل([382]).
الفرع الخامس
الاشتراط لمصلحة الغير
لقد أجاز القانون المدني في العقود الاشتراط لمصلحة الغير، وبالتالي يكون للعقد آثار بالنسبة للغير، فقد يحدث في عقد من العقود- مثل عقد التأمين أو الهبه أو البيع أو المقاولة- أن يرتب المتعاقدين حقا لأجنبي عن العقد، وذلك بنص خاص فيه، وهو ما يسمي بالاشتراط لمصلحة الغير، وهذا الاشتراط يرتب حقا للمنتفع، حق ينشأ مباشرة من عقد الاشتراط دون أن يمر بذمة المشترط، فيصبح المنتفع دائنا به للمتعهد، وهو الذي يطالب بهذا الحق.
فإذا صدر الحكم لمصلحة المنتفع، وفي حالة الاشتراط لمصلحة الغير، فإن له أن يطالب بتنفيذه، كما تثبت الصفة في تنفيذ حكم المحكمة، كذلك للمشترط، إذا اتضح ذلك من العقد المبرم بينه وبين المتعهد، ويلاحظ أن صفة طالب التنفيذ لا تقتصر علي من صدر لصالحة الحكم، وإنما تثبت لكل شخص خوله الأطراف ذلك([383]).
من المتصور أن يتفق المتنازعون في خصومة التحكيم علي أن حكم التحكيم يكون حجة لهم أو لغيرهم، بحيث أنه يمكن لكل هؤلاء الأشخاص طلب تنفيذ هذا الحكم، إذا صدر لصالحهم. وذلك يرجع إلى أن التحكيم عمل اتفاقي في مصدره- إذ يستمد المحكم سلطاته من إرادة الأطراف، وعمل قضائي في آثاره- إذ يقوم المحكم بذات الوظيفة المنوط بالقاضي القيام بها، وهي الفصل في المنازعات المعروضة عليه بإصدار حكم فيها. وهذه الطبيعة المزدوجة للتحكيم تنعكس علي الصفة في طلب تنفيذ حكم المحكم، فطالما أن مصدر التحكيم إرادة الأطراف، فإنه يكون لهؤلاء الأطراف الاتفاق علي المدي الشخصي للمستفيدين من حكم التحكيم.
ويلاحظ أن صفة طلب التنفيذ في بعض العقود لا تثبت فقط لأطراف العقد، وإنما تثبت لشخص من الغير، فيمكن لهذا الشخص من الغير أن يلجأ إلى التحكيم إذا ورد شرط التحكيم بهذا العقد.
والواقع أنه يحق لمن صدر حكم التحكيم لصالحه أن يطلب تنفيذ حكم التحكيم بعد انقضاء ميعاد ستين يوما المقررة لإقامة دعوي البطلان، ولا يوجد ما يمنع من إعمال المادة 181 من قانون المرافعات- بصدد تسليم الصورة التنفيذية للأحكام القضائية- بحيث تسلم الصورة ط للخصم الذي تعود عليه منفعة من التنفيذ”، فقانون التحكيم لا يمنع من العمل بأحكام قانون المرافعات فيما لم يرد به نص فيه.
وبناء علي ذلك فإن الصفة في طلب تنفيذ حكم المحكم تكون لمن صدر الحكم لصالحه، وكذلك لكل شخص تعود عليه منفعة من تنفيذ هذا الحكم، أيضا يمكن ذلك لأي شخص يخوله الاتفاق علي التحكيم، أو العقد المدرج فيه شرط التحكيم([384]).
كما يجوز للخلف العام أو الخاص لمن اشترط لصالحه أن يطالب بتنفيذ الحكم الصادر لمصلحة سلفه، إذ أن آثار الاتفاق علي التحكيم، لا تنصرف فقط إلى طرفية وإنما تمتد كذلك إلى خلفهم العام والخاص. وأيضا يمكن لدائن المشترط لصالحه طلب التنفيذ. فأي من هؤلاء تعود عليهم منفعة أو فائدة من جراء التنفيذ، وبالتالي تثبت لهم الصفة في التنفيذ.
المطلب الثاني
الغير المشارك في إجراءات التنفيذ الجبري بحكم وظيفته
هناك من الغير ما يقوم بالمشاركة في إجراءات التنفيذ الجبري دون أن يكون له أي مصلحة أو صله بالدائن أو المدين، ولكن يقوم بالعمل المتعلق بالتنفيذ الجبري بمقتضي وظيفته كقاضي التنفيذ أو معاون التنفيذ([385]) و بموجب قرار من قاضي التنفيذ مثل الحارس علي أموال المدين المحجوز عليه([386]).
سنشير إلي صفة الغير لرجال السلطة القضائية، وصفة الغير لمعاوني قاضي التنفيذ، وصفة الحارس في التنفيذ.
الفرع الأول
صفة الغير لقاضي التنفيذ
تنص المادة 274 من قانون المرافعات علي أنه “يجري التنفيذ تحت إشراف إدارة للتنفيذ بمقر كل محكمة ابتدائية، ويجوز بقرار من وزير العدل إنشاء فروع لها بدائرة محكمة جزئية. ويرأس إدارة التنفيذ قاضي بمحكمة الاستئناف، ويعاونه عدد كاف من قضاتها بندبهم وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى،….، ولمدير إدارة التنفيذ أو من يعاونه من قضاتها إصدار القرارات والأوامر المتعلقة بالتنفيذ”.
يري جانب من الفقه أن صفة الغير لا تنطبق علي الأشخاص الذي يمثلون السلطة القضائية([387])، لأن القانون يقضي بضرورة الاستعانة بهم للإشراف علي إجراءات التنفيذ والفصل في منازعاته([388]). فقاضي التنفيذ يعتبر من أشخاص خصومة التنفيذ وليسوا من الغير بالنسبة لتلك الخصومة([389]). وذلك لأنه يقومون بالمشاركة في إجراءات التنفيذ بناء علي وظيفته، حيث إن الغير هو من ليس طرفا إيجابيا أو سلبيا في التنفيذ، وهو من يلزمه القانون بالاشتراك في إجراءات التنفيذ- إذا كانت له صفة بالنسبة للمال محل التنفيذ- دون أن يكون طرفا فيه أو ممثلا للدولة، كما أنه ليس طرفا في الحق مضمون السند أو مسئولا عنه أو مستفيدا منه([390]).
والواقع أننا لا نتفق مع هذا الرأي، فأعضاء السلطة القضائية المشاركين في التنفيذ يعتبرون من الغير المحايد، لأنهم ليسوا أطرافا في السند التنفيذ، ولن تعود عليهم مصلحه من إجراءه، ولكنهم بحكم وظيفتهم يشاركون التنفيذ. فهؤلاء أشخاص محايدين في التنفيذ الجبري([391])، فقاضي التنفيذ ليس طراف في الخصومة، لأنه يباشر الإجراءات القضائية بسبب وظيفته وليس للحصول علي الحماية لحق من حقوقهم([392])، فهو يمثلون السلطة القضائية، ويحتفظون بصفة الغير المحايد بالنسبة للخصومة التي يشارك في إجراءاتها.
حيث يجب التفرقة بين أطراف التنفيذ وهم طالب التنفيذ والمنفذ ضده
وخلفهما، وبين أشخاص التنفيذ، حيث أن أشخاص التنفيذ يتضمنون كل من يشارك في إجراءات التنفيذ الجبري، حتي لو كان من الغير، طالما يشارك في الإجراءات بحكم القانون أو بسبب وقوع المال تحت يده. وقد ذهبت بعض أحكام القضاء الفرنسي إلى اعتبار القاضي من الغير، لأنه ملزم بحكم وظيفته بالاشتراك في إجراءات تنفيذ الحكم([393]).
الفرع الثاني
صفة الغير لمعاوني قاضي التنفيذ
معانو قاضي التنفيذ هم موظفي المحكمة، مثل المحضر أو معاون التنفيذ([394]) وكاتب المحكمة المختص بحفظ الودائع، وقد يكون أمين الشهر العقاري الذي يقوم بمحو القيود أو شطب التسجيلات بناء علي حكم قضائي. اختلف الفقه في مصر حول طبيعة عمل محضر ومعاوني التنفيذ([395])، حيث ذهب البعض إلي اعتباره موظفا عاما خاضعا للسلطة التنفيذية، بينما ذهب البعض الآخر إلي اعتباره وكيلاً عن طالب التنفيذ، وذهب رأي إلي كونه فرعا من السلطة القضائية
يري جانب من الفقه أن صفة الغير لا تنطبق علي الأشخاص الذي يمثلون السلطة التنفيذية في خصومة التنفيذ، مثل المحضرين أو الكتبة أو مأمور الشهر العقاري الذي يقوم بمحو القيد أو شطب التسجيل بناء علي حكم قضائي([396])، لأن القانون يقضي بضرورة الاستعانة بهم حتي يمكن إجراء التنفيذ([397]).
فهؤلاء يعتبرون من أشخاص خصومة التنفيذ وليسوا من الغير بالنسبة لتلك الخصومة([398]). وذلك لأنهم يقومون بالمشاركة في إجراءات التنفيذ بناء علي وظيفتهما، حيث إن الغير هو من ليس طرفا إيجابيا أو سلبيا في التنفيذ أو ممثلا عن سلطة التنفيذ في الدولة، فالغير هو من يلزمه القانون الاشتراك في إجراءات التنفيذ – إذا كانت له صفة بالنسبة للمال محل التنفيذ- دون أن يكون طرفا فيه أو ممثلا للسلطة التنفيذية، كما أنه ليس طرفا في الحق مضمون السند أو مسئولا عنه أو مستفيدا منه([399])
رأي جانب من الفقه إلي القول بأن المعاون يعتبر وكيلا عن طالب التنفيذ([400])، وذلك لأنه يقوم بالتنفيذ بناء علي طلب طالب التنفيذ([401])، بل ذهب هذا الرأي إلي أن قيام المعاون بالإعلان السند التنفيذي وإجراء التنفيذ مفوضا في قبض الدين وإعطاء مخالصة مما يستشف منه أن المقصود من التفويض منح المعاون صفة الوكالة عن طالب التنفيذ؛ وهذه الصفة ثابتة بحكم القانون طبقا للقواعد العامة بدون حاجة إلي نص علي ذلك([402]).
وقد ذهبت بعض أحكام القضاء الفرنسي أن الموظفين العموميين كالموثقين والمحضرين الذي يحوزون بعض أموال المتعاملين، لا يعتبرون من الغير، لأنهم في حكم الوكلاء ليس لهم سلطات مستقلة علي الأموال التي في حوزتهم. كما أن شخصيتهم ليست مستقلة عن شخصية المتعاملين معهم([403]).
وقد انتقد الفقه الفرنسي هذا الاتجاه، حيث اعتبر المركز القانوني لهؤلاء الموظفين العموميين أقرب إلى مركز المودع لديهم من مركز الوكيل([404])، وبالتالي يجب توقيع الحجز تحت أيديهم عن طريق حجز ما للمدين لدي الغير، وقد ايدت بعض المحاكم الفرنسية هذا الاتجاه([405]).
وقد ذهب جانب من الفقه إلي اعتبار المعاون فرعا من السلطة التنفيذية علي أساس أن التنفيذ من وظائفها وليس من مهمة القضاء([406])، حيث يري أنه يعتبر المعاون موظف عام يمثل السلطة العامة في خصومة التنفيذ، ويسند إليه القيام بأعمال وإجراءات تتعلق بخصومة التنفيذ([407]).
وفي الواقع القول بأن المعاون وكيلا عن طالب التنفيذ لا يمكن قبوله، وذلك لأن عندما يقوم المعاون بمباشرة التنفيذ يعمل بمقتضي واجبه الوظيفي كموظف عام ملتزم تجاه الدولة بالقيام بالتنفيذ([408])، وقيام المعاون بالتنفيذ بناء علي طلب طالب التنفيذ ذلك لأن طلب التنفيذ يعد مفترضا لقيام المعاون بالتنفيذ، مثل الطلب القضائي باعتباره مفترضا ليقام القاضي بوظيفته، فلم يقل احد بأن القاضي وكيل عن المدعي. كما أن فكرة الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل بالعمل بناء علي تعليمات الموكل، بينما المعاون يقوم بالتنفيذ متبعا قواعد القانون وأوامر قاضي التنفيذ([409])، ولا يحق لطالب التنفيذ أن يصدر له أوامر. إلي جانب ذلك أن المعاون لا يعمل علي المصلحة الخاصة لطالب التنفيذ وإنما من أجل المصلحة العامة في الحماية التنفيذية([410]).
ونري أن المعاون يقوم بمعاونة القضاء في تنفيذ الأحكام باعتباره موظفا عاما وليس وكيلاً عن طالب التنفيذ، والمعاون لا يقوم بوظيفة قضائية، ولكنه تابع للسلطة التنفيذ ومعاون للسلطة القضائية في القيام بإجراءات التنفيذ الجبري، فهو من الغير المحايد في التنفيذ الجبري.
والواقع أن معاوني التنفيذ يعتبرون من الغير، وذلك لأنه ليس لهم مصلحة شخصية في الحق محل التنفيذ، بالإضافة إلى انهم يباشرون عملهم في التنفيذ بحكم القانون([411])، حيث إن معاوني قاضي التنفيذ من خبراء وكتبة ومحضرين([412])، والمصفى القضائي([413])، كل هؤلاء ليسوا أطرافا في الخصومة لأنهم يباشرون الإجراءات القضائية بسبب وظيفتهم وليس للحصول علي الحماية لحق من حقوقهم، فهم يمثلون السلطة القضائية، ويحتفظون بصفة الغير([414]). المحايد بالنسبة للخصومة التي يشاركون في إجراءاته
حيث يجب التفرقة بين أطراف التنفيذ وهم طالب التنفيذ والمنفذ ضده وخلفهما، وبين أشخاص التنفيذ، حيث إن أشخاص التنفيذ يتضمنون كل من يشارك في إجراءات التنفيذ الجبري، حتي لو كان من الغير، طالما يشارك في الإجراءات بحكم القانون أو بسبب وقوع المال تحت يده.
وقد ذهبت بعض أحكام القضاء الفرنسي إلى اعتبار القاضي وأعوانه من الغير لانهم ملزمون بحكم وظيفتهم أو صفتهم بالاشتراك في إجراءات تنفيذ الحكم([415]).
الفرع الثالث
صفة الحارس في التنفيذ الجبري
يقصد بالحارس في التنفيذ الجبري، الشخص الذي يكلفه معاون التنفيذ أو قاضي التنفيذ بالمحافظة علي المال المحجوز عليه، ويلتزم هذا الحارس بالمحافظة علي المال إلى وقت البيع بالمزاد العلمي.
بعد الحجز علي أموال المدين، قد يلزم لحفظها أو لإدارتها تعيين حارس عليها إلي حين بيعه([416]). فيقوم معاون التنفيذ بتعين حارسا علي الأشياء المحجوزة، حيث يختار هو هذا الحارس إذا لم يأت الحاجز أو المحجوز عليه بشخص مقتدر([417])، ويجب تعيين المحجوز عليه إذا طلب ذلك إلا إذا خيف التبديد، وكان لذلك أسباب معقولة تذكر في المحضر الحجز([418])، وإذا لم يجد المعاون شخص يعينه حارس كلف المدين بالحراسة ولو بغير رضائه إذا كان موجودا في مكان الحجز([419]).
ولا يجوز أن يكون الحارس ممن يعملون في خدمة الحاجز أو المعاون ولا أن يكون زوجا أو قريبا أو صهرا لأحدهم إلى الدرجة الرابعة، فلا يجوز تعيين المحضر([420]) ولا الحاجز حارسا، وحكمة ذلك هي المحافظة علي شعور المدين وتجنبا للمتاعب والمشاكسات التي قد تنجم عن ذلك، وإذا وافق المدين كتابة علي تعيين الحاجز أو أحد أتباعه حارسا، فلا نري ما يمنع من هذا التعيين الذي يصادف هوي لدي المدين صاحب الشأن الذي يثق بخصمه([421])، فهذا الحذر مقرر لمصلحة المدين فله أن يتنازل عنه، بقبول حراسة الحاجز أو أحد أقاربه([422]). ونلاحظ أن القضاء الفرنسي قد قبل أن يعين المحضر أحد كتبته حارس([423])، ويجب أن يكون الحارس كامل الأهلية([424])، وإذا خالف المعاون شروط تعين الحارس جاز للمدين أن يطلب عزل الحارس بدعوي ترفع أمام قاضي التنفيذ بصفته قاضيا للأمور المستعجلة([425]). ويلاحظ أنه يجوز أن يكون الحارس اجنبيا، كما يجوز أن يكون امرأة، ولكن بشرط القدرة وكمال الأهلية([426]).
وإذا عين أحد غير المدين أو الحائز وجب أن يرتب له أجر([427]) عن حراسته، ويكون لهذا الأجر امتياز المصروفات القضائية علي المنقولات المحجوز عليها، ويقدر أجر الحارس بأمر يصدره قاضي التنفيذ بناء علي عريضة تقدم إليه([428])، حيث إنه لا يستطيع المعاون عند تعين الحارس أن يحدد له أجرا أو يقدره له، فإن تجاوز ذلك وقدر أجر للحارس، فلا يعتد به عند توزيع حصيلة التنفيذ، وفي هذه الحالة إذا قدمت عريضة من الحارس لقاضي التنفيذ قبل التوزيع، تعين تقديرا أجره والوفاء به وفقا لمرتبة امتيازه التي تعادل المصروفات القضائية، وهذا الأجر سبقا أي حق آخر ولو كان ممتازا والمبالغ المستحقة للخزينة العامة من ضرائب ورسوم وحقوق أخري وأيضا المبالغ التي صرفت في حفظ المحجوزات.
وتنتهي الحراسة ببيع الأشياء المحجوزة بالمزاد العلني، أو الحكم بنقلها من يد الحارس إلى حارس آخر، الحكم في دعوي الاسترداد برد الأموال إلى المسترد، وفاة الحارس أو عزله أو اعتزاله لأي سبب.
ونري أن الحارس في التنفيذ الجبري متي عينه المعاون أو قاض التنفيذ يعد من الغير متي كان غير المحجوز عليه، سواء كان حارس علي المنقول (م364 إلي 369 مرافعات) أو علي العقار المتنازع علي ملكيته (م 407 مرافعات) ويلزمه التنفيذ المباشر بتسليمه إلى من تثبت له ملكيته([429]). وذلك لأنه ليس له مصلحة ولا صفة في موضوع الحق ولا طرفا في إجراءات التنفيذ.
ويلاحظ أن المنازعات التي تتعلق بالحراسة يختص بها قاضي التنفيذ كاستثناء بالرغم من أنها لا تتعلق بإجراءات التنفيذ، مثال المادة 367 مرافعات التي تنص علي اختصاص قاضي التنفيذ بتقدير أجر الحارس، والمادة 368 التي تنص علي اختصاص قاضي التنفيذ بحرمان الحارس من أجره وإلزامه بالتعويض عن استعماله للمحجوزات، وبمنع الحارس من الإدارة أو الاستغلال أو استبدال غيره به، ونص المادة 369 بإعفاء الحارس من الحراسة.
الفصل الثاني
دور الغير في التنفيذ الجبري
في الواقع المشرعين الفرنسي والمصري قد نظما حقوقا وواجبات الغير في التنفيذ الجبري، ففي النظام الفرنسي، نص المشرع في القانون 9 يوليو 1991، علي الدور الواضح للغير في التنفيذ الجبري، وكذلك حقوقه وواجباته أثناء التنفيذ، مميزا بينه وبين أطراف التنفيذ الجبري، وذلك في المواد 22 و23 و24، فالغير شخص أجنبي عن التنفيذ، ولكنه قد يشارك في إجراءات التنفيذ الجبري([430])، وذلك بسبب العلاقة التي تربطه بالأموال التي يحجز عليها الدائن، أو قد يؤثر الحجز علي حقوقه، فيتدخل في خصومة التنفيذ([431]).
وفي النظام المصري نص المشرع في قانون المرافعات علي دور الغير في التنفيذ الجبري خاصة في المواد 325 إلي 352، وذلك في تنظيمه لحجز ما للمدين لدي الغير.
سنشير إلى الدور السلبي والدور الإيجابي المحايد الذي يقع علي عاتق الغير أثناء التنفيذ الجبري، وذلك في المباحث الآتية:
المبحث الأول
الدور السلبي للغير
يجب علي الغير أن يكون محايدا تجاه طرفي خصومة التنفيذ، وبالتالي لا يجوز له التعرض لسير إجراءات التنفيذ بأي صورة من الصور، فيجب أن يلتزم السلبية والحيادية أثناء التنفيذ.
والتعرض قد يكون في صورة التعرض المادي والتعرض القانوني، ويلاحظ أن المشرع حاول الحد من سوء نية الغير بوضع قواعد إجرائية تحد من التحايل والكيد في الواقع العملي.
وسنشير التزام الغير بعدم التعرض المادي وعدم التعرض القانوني، والجزاء المرتب علي التعرض لإجراءات التنفيذ، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
التزام الغير بعدم التعرض المادي لسير إجراءات التنفيذ الجبري
سنشير إلى مفهوم التعرض المادي، والأساس القانوني لعدم التعرض المادي، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
مفهوم عدم التعرض المادي
يقصد بعدم التعرض المادي، عدم القيام بأي عمل ذي أثر إيجابي أو سلبي يضطلع به الغير، بحيث يتضمن إنكارا لحق طالب التنفيذ في الحصول علي حقه، فلا يجوز للغير القيام بأي عمل من أعمال التي تمنع معاون التنفيذ من الحجز علي أموال المدين([432])، كالمشاركة في تهريب أموال المدين أو إخفائها لديه.
ويمكن لنا تصور التعرض المادي في الصور الآتية:
1- الصورة السلبية للتعرض المادي:
يجب علي الغير أن يلتزم بالوقوف سلبا تجاه طرفي التنفيذ، فمثلا يلتزم المحجوز لديه بالتزام سلبي يتمثل في منعه من الوفاء للمدين بالدين أو منعه من تسليمه ما في حيازته من منقولات.
2- الصور الإيجابية للتعرض المادي:
قد يكون هذا التعرض المادي في صورة الإيجابية، وذلك بقيام الغير بمنع استعمال أو استغلال المال المحجوز عليه، وقد يقع التعرض علي المال المحجوز عليه ذاته أو علي مال مجاور يؤثر علي المال المحجوز عليه، كإقامة حائط يسد المطل أو سور يحرم العقار المحجوز عليه من حق ارتفاق المرور مما يؤثر علي ثمنه، أو قيام المعتدي بهدم مسقي للمدين إذا كان له حق ارتفاق عليها. ولا يشترط في التعرض المادي أن يكون مصحوبا بالعنف أو إكراه، ويعد العمل تعرضا ولو قامت به جهة الإدارة أو أي شخص يستند إلي ترخيص من جهة الإدارة.
ويشترط في هذا التعرض أن يكون فيه تأثير علي المال المحجوز عليه، بحيث ينقص من ثمنه لو بيع بالمزاد العلني، ولكن إذا كان التعرض بناء علي سند تنفيذ كحكم قضائي فلا يعد هذا تعرضاً.
الفرع الثاني
الأساس القانوني لعدم التعرض المادي
ذهب المشرع الفرنسي في قانون المرافعات إلي النص صراحة علي أنه يجب علي الغير عدم وضع العراقيل أمام إجراءات التنفيذ الجبري، ويجب عليه أن يتعاون عندما يكون ذلك واجبا عليه، (م24 من قانون 9 يوليو 1991) وفي حالة امتناعه فيمكن أن يحكم عليه بتعويض الأضرار الناتجة عن تعرضه، وإجباره علي الامتناع عن التعرض المادي([433]).
L’article 24 dispose que « les tiers ne peuvent faire obstacle aux procédure engagées en vue de l’exécution ou de la conservation de la créance ».
بالنسبة للقانون المصري، فإنه لم ينص علي التزام الغير بعدم وضع العراقيل أمام اجراءات التنفيذ، ولكن يستفاد من القواعد العامة، حيث يلتزم الغير بعدم التعرض لسير إجراءات التنفيذ الجبري، وإذا تعرض لإجراءات التنفيذ فيمكن اللجوء إلي القضاء للحكم عليه بعدم التعرض مع التعويض إن كان له وجه.
ولم ينظم المشرع المصري طريق خاصة لمنع التعرض المادي للغير
إلا في بعض المسائل، حيث نص المشرع المصري في المادة 280 مرافعات علي الاستعانة برجال السلطة العامة لإعانة مندوب التنفيذ علي إجراء التنفيذ، ولو
باستعمال القوة، وقد حددت المادة 280 مرافعات هذه الصياغة بأنها ” علي الجهة التي يناط بها التنفيذ أن تبادر إليه متى طلب منها وعلي السلطات المختصة أن تعين علي إجرائه ولو باستعمال القوه متي طلب منها ذلك”. وهي تكتب حرفيا عند تحرير الصورة التنفيذية.
كما يمكن لأطراف الحجز اللجوء إلى قاضي التنفيذ لمنع الغير من التعرض للإجراءات الحجز، وذلك عن طريق رفع دعوي مستعجلة، يطلب فيها طالب التنفيذ أو المنفذ ضده منع الغير من التعرض للمال المحجوز عليه.
المطلب الثاني
الالتزام بعدم التعرض القانوني لإجراءات التنفيذ
سنشير إلي المقصود بعدم التعرض القانوني، والأساس القانوني لعدم تعرض الغير، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
المقصود بعدم التعرض القانوني
يقصد بعدم التعرض القانوني من قبل الغير، عدم الاعتراض علي إجراءات التنفيذ الجبري بشكل قانوني([434])، كقيام الغير بعمل قانوني يتضمن إنكاراً للحق الدائن في الحجز أو لملكية المدين للمال أو لحق له علي المال قابلا للتنفيذ عليه، وذلك بهدف الكيد، كتوجيه إنذار إلي المدين بإخلاء العقار المحجوز عليه أو بدفع الأجرة، أو قيام الغير بإبرام عقد إيجار أو عقد بيع مع شخص أخر علي العقار محل التنفيذ.
وقد يأخذ التعرض القانوني صورة إجراء قضائي مثل رفع دعاوي الحيازة علي المدين أو دعوي ملكية، كرفع دعوي استرداد المنقولات المحجوز أو دعوي استحقاق العقار المحجوز عليه، ففي هذه الحالة يمكن للمدين وللدائن الدفع بعدم تعرض الغير لإجراءات التنفيذ، والزامه بالتعويض.
ويختص قاضي التنفيذ بنظر جميع المنازعات بين الغير وطرفي التنفيذ الجبري، حيث ترفع أمامه دعوي الاسترداد للمنقولات([435])، ودعوي الاستحقاق المتعلقة بالعقار المحجوز عليه([436]).
وقد يظهر التعرض القانوني في شكل رفع استشكال في التنفيذ الجبري، وذلك من أجل وقف تنفيذ السند التنفيذ أو منع الأثر الواقف للاستشكال الثاني المقدم من المحجوز عليه. فقد يستخدم الغير إشكالات التنفيذ الوقتية بهدف تعطيل سير إجراءات التنفيذ الجبري.
ويلاحظ أن هذه اشكالات الوقتية ومنازعات التنفيذ الموضوعية، تعد من أكثر منازعات التنفيذ استخداما في الحياة العملية، سواء من قبل الغير أو من قبل أطراف التنفيذ، لذلك نص المشرع علي قواعد تهدف إلى تحقيق الحماية لطرفي التنفيذ وبما يتمشى مع ما ترمي إليه من التوفيق بين المصالح المتعارضة لطرفي التنفيذ، سواء مصلحة رافع الدعوي والتي تقتضي وقف التنفيذ، ومصلحة الحاجز التي ستضار من وقف التنفيذ الذي سيترتب بقوة القانون بمجرد رفع الأشكال، إذا تبين فيما بعد عدم صحة هذه المنازعات، أو أنه لم تستخدم إلا كوسيلة كيدية لعرقلة سير التنفيذ. لذا نص المشرع علي إجراءات تهدف إلى الحد من الكيد، وهذا ما سنشير اليه في المطلب الثالث.
الفرع الثاني
الأساس القانوني لعدم التعرض القانوني
ذهب المشرع الفرنسي في قانون المرافعات في المادة 24 من القانون 9 يوليو 1991، علي النص صراحة علي الزام الغير بعدم التعرض لإجراءات التنفيذ الجبري، سواء كان تعرض قانونيا أو ماديا.
وبالنسبة لقانون المصري، فلم ينص قانون المرافعات صراحة علي التزام الغير بعدم التعرض القانوني لإجراءات التنفيذ الجبري، ولكن القواعد العامة توجب علي الغير عدم التعرض لحق أي شخص، حيث أن التعرض القانوني يكون غير مقبول إذا لم يكن من ورائه أي فائدة تعود علي الغير، وقد تكون الدعوي التي يرفعها الغير علي أطراف التنفيذ غير مشروعة إذا كانت تهدف إلي النكاية بأحد الخصوم فقط. فطبقا لنص المادة 3 مرافعات، لا تقبل أي دعوى كما لا يقبل أي طلب أو دفع استناداً لأحكام هذا القانون أو أي قانون آخر لا يكون لصحابه فيها مصلحة شخصية ومباشرة وقائمة يقرها القانون، والدعوي باعتبارها حقا، تكون غير قانونية وغير مشروعة إذا توافر فيها ما نصت عليه المادة 5 من القانون المدني. ويتمثل في الآتي:
- إذا لم يقصد بها سوي الإضرار بالغير.
- إذا كانت المصالح التي يرمي إلي تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
- إذا كانت المصالح التي يرمي إلي تحقيقها غير مشروعة.
يجب علي الغير الذي اعترف له المشرع بحق الاعتراض علي التنفيذ إذا ما كان ماسا بحقوقه أو مصالحه أو ضارا به([437])، ألا يتعسف فيه وألا يضر بأحد أطراف التنفيذ أو يعرقل سيره وإلا تعرض للمسئولية، حيث أن تجاوز الحد المعقول أو المألوف في المنازعة في التنفيذ يؤدي إلى اعتبار صاحب الحق متعسفا مسيئا، وبالتالي مسئولا عن استعمال الوسائل المتاحة له للدفاع عن حقوقه أو مصالحه- في غير ما أعدت له أو علي خلاف الغاية التي من أجلها شرعت- لأن الانحراف بالحق عن غايته يقلبه إلى مفسدة أو مخبثة- وكل شئ يزيد عن حده ينقلب إلى ضدة([438]).
المطلب الثالث
الجزاء المترتب علي اعتراض الغير
الواقع أنه اذا تعرض الغير لإجراءات التنفيذ بشكل قانوني أو مادي، فيمكن الحكم عليه بالتعويض، إذا كان متعسفا في ممارسة حقه في التقاضي، كما أن المشرع احتاط لرفع الغير استشكال في التنفيذ فوضع ضوابط تحد من كيد الغير. لهذا وضع المشرع ضمانات خاصة لأطراف التنفيذ في مواجهة الغير، وذلك بهدف الحد من كيد الغير أو تسخيره للإضرار بأحد اطراف الخصومة.
فقد نص المشرع علي الزام الغير بالغرامة والحد من الأثر الواقف لمنازعات التنفيذ المرفوعة من الغير، وسنشير إلى ذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
الحكم علي الغير بالغرامة والتعويض
- لقد نصت المادة 397 مرافعات المعدلة بقانون رقم 76 لسنة 2007 علي أنه إذا خسر الغير المسترد دعوي الاسترداد جاز الحكم عليه بغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تزيد علي ثمانمائة جنيه تمنح كلها أو بعضها للدائن، وذلك مع عدم الإخلال بالتعويضات إذا لها وجه. وقد كان النص قبل التعديل الأخير علي أنه إذا خسر الغير طالب الاسترداد دعواه جاز الحكم عليه بغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد علي أربعمائة جنيه تمنح كلها أو بعضها للدائن، وذلك مع عدم الإخلال بالتعويضات إذا كان لها وجه.
ويهدف المشرع من هذا الجزاء معاقبة المسترد سيئ النية الذي يرفع دعواه بقصد وقف إجراءات التنفيذ، وبالتالي الحد من دعاوي الاسترداد الكيدية.
- تنص المادة 397 مرافعات في تعديلها بالقانون رقم 76 لسنة 2007 علي إذا خسر المستشكل دعواه جاز الحكم عليه بغرامة لا تقل عن مائتي جنية ولا تزيد علي ثمانمائة جنية وذلك مع عدم الإخلال بالتعويضات إن كان لها وجه. وذلك للحد من استخدام إشكالات التنفيذ كوسيلة للكيد والمماطلة. ويختص قاضي التنفيذ بالحكم بهذه التعويضات طالما تم التقدم بها بطلب عارض. أما إذا تم التقدم بها بدعوي مبتدأه فإنها تخضع للقواعد العامة للاختصاص، ولا يختص بها قاضي التنفيذ.
ويلاحظ أن هذه المادة قبل تعديلها كانت تنص علي انه إذا خسر المستشكل دعواه جاز الحكم عليه بغرامة لا تقل عن مائة جنية ولا تزيد علي أربعمائة جنية. ويري الفقه أن قيمة الغرامة من الناحية العملية لا تعتبر زجراً وردعاً يحول دون التعسف في استخدام هذا الطريق كوسيلة للمماطلة والتسويف.
الفرع الثاني
الحد من الأثر الواقف لمنازعات التنفيذ الوقتية
- يلاحظ أنه قد يحدث في الواقع العلمي أن يقوم الملتزم في السند من أجل عرقلة التنفيذ أن يوعز لشخص من الغير برفع إشكال في التنفيذ يوقف التنفيذ، ثم ينتظر حتي صدور الحكم في الأشكال ويرفع إشكاله هو ليوقف التنفيذ لأنه لم يختصم في الإشكال الأول طبقا لنص المادة 312/4 مرافعات، ودفعا لهذا التحايل فقد أضيفت فقرة جديدة إلي المادة 312 استلزمت ضرورة اختصام الطرف الملتزم في السند التنفيذي إذا كان الإشكال مرفوعا من غيره سواء كان الإشكال قد رفع أمام المعاون أو بالطريق العادي، وقد أوجب النص علي القاضي إذا تبين له أن الملتزم في السند لم يختصم أن يكلف المستشكل باختصامه في ميعاد يحدده، فإذا لم ينفذ ما أمر به فإن للقاضي أن يحكم بعدم قبول الإشكال، ومنح هذه السلطة التقديرية للقاضي لكي يتأكد من جدية الغير، والذي قد لا يتمكن من اختصام الملتزم في السند لسبب خارج عن إرادته.
- والواقع أستحدث قانون المرافعات الحالي حكما جديدا وهو أن الأشكال الذي يثيره الملتزم في السند التنفيذي يعتبر إشكالا أول يوقف التنفيذ إذا لم يكون قد اختصم في الأشكال السابق، وذلك علي أساس سد باب التحايل الذي كشف عنه الواقع العملي، حيث كان طالب التنفيذ يوعز إلي شخص من الغير برفع إشكال قبل أن يرفع الملتزم في السند التنفيذي إشكاله، ثم ينتهي الأثر الواقف لهذا الإشكال، ومن ثم يبدأ التنفيذ أو يستمر، فإذا رفع الملتزم في السند إشكالا فإنه لا يوقف التنفيذ بمجرد رفعها لأنه يعد إشكالا ثانياً([439]). ومن أجل ذلك فقد نص المشرع علي أن الإشكال الذي يرفعه الملتزم في السند التنفيذي يوقف التنفيذ علي أساس أن حقيقته هو إشكال أول إذا لم يختصم في الإشكال الأول الذي رفع من قبل.
ويلاحظ أن المشرع قد نص علي هذه الحماية لمصلحة الملتزم في السند التنفيذي، غير أن السند قد يكون الملتزم فيه شخص وينفذ ضد شخص آخر، مثل الحكم الذي يصدر في مواجهة مستأجر وهمي ويجري في الواقع ضد شخص آخر وهو شاغل العين، وقد يكون الحكم الصادر بصحة ونفاذ عقد بيع وتمكين المشتري من إقامة بناء علي الأرض التي اشتراها ويكون هذا الحكم صادر بالتواطؤ بين البائع والمشتري إضرار بحق من له حق ارتفاق علي الأرض المبيعة. ففي هذه الحالة قد يقدم إشكال من ذات الملتزم (وهو خصم وهمي متواطئ مع المحكوم عليه). فإذا استشكل صاحب حق الارتفاق أو شاغل العين، فان إشكاله يعد ثانيا لا يوقف التنفيذ بمجرد رفعه ولا يلزم اختصامه لأنه ليس ملتزما في السند التنفيذي مع أن التنفيذ يجري ضده في الواقع. وقد ذهب الفقه إلي ضرورة تعديل النص بحيث يلغي عبارة الملتزم في السند ويحل محلها عبارة المنفذ ضده دفعا للتواطؤ الذي قد يحدث بين دائن ومدين عن طريق اصطناع خصومة للإضرار بالغير([440]).
قد نصت المادة 312 مرافعات علي أنه لا يترتب علي تقديم أي إشكال آخر وقف التنفيذ ما لم يحكم القاضي بالوقف، وبالتالي فإن أي أشكال آخر علي خلاف الأشكال الأول لا يترتب علي تقديمه وقف التنفيذ، وذلك لأن المشرع افترض في رافعه سوء النية والرغبة في عرقلة التنفيذ، إذا الإشكال الثاني لا يوقف التنفيذ، إلا أن المشرع تدارك الأمر حيث قد لا يكون رافع الاستشكال سيء النية، وله مصلحة مبرره في الوقف، فنص علي أنه ما لم يقض قاضي التنفيذ بوقف التنفيذ، فالوقف في هذه الحالة بحكم القاضي وليس بقوة القانون
- نص المشرع علي جواز شمول الحكم الصادر لمصلحة طالب التنفيذ في منازعات التنفيذ بالنفاذ المعجل القضائي، ويقصد بذلك الأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ الموضوعية، ويفترض في هذه الحالة رفع دعوي متعلقة بتنفيذ الحكم ويترتب عليها وقف التنفيذ، ثم صدر حكم في هذه المنازعة لصالح طالب التنفيذ. فهذا الحكم يجوز شموله بالنفاذ المعجل، ويجوز شمول الحكم بالنفاذ المعجل في جميع الأحول سواء كان الحكم بعدم قبول المنازعة أو بعدم الاختصاص أو بطلان صحيفتها إلخ، وذلك لعموم نص القانون([441]). وحكمة هذا النص محاولة تفادي الآثار المترتبة علي مشاكسة الغير أو المنفذ في إجراءات التنفيذ.
- اقر المشرع قواعد خاصة في حالة شطب الإشكال في التنفيذ، حيث قرر جزاء، وهو زوال الأثر الواقف إذا شطبت الدعوي.
في واقع الأمر اشكالات التنفيذ الوقتية هي دعوي بالمعني الفني، وبالتالي كان من المفروض خضوعها للقواعد العامة المتعلقة بالحضور والغياب المنصوص عليها في المواد من 82-86 مرافعات، وهذه القواعد تنص علي انه إذا تغيب المدعي أو المدعي عليه تحكم المحكمة بشطب الدعوي إذا لم تكن صالحة للحكم فيها، وتظل الخصومة قائمة بالرغم من الشطب، فإذا مضي علي الشطب ستين يوما ولم يطلب أحد من الخصوم السير فيها أو لم يحضر الطرفان بعد السير فيها تعتبر الدعوي كأن لم تكن وهنا تعتبر الخصومة قد سقطت وتزول إجراءاتها وآثاره.
ولو طبقت هذه القواعد علي المنازعة الوقتية يستوجب القول بأن الحكم بشطب الدعوي لا يؤثر علي استمرار وقف التنفيذ الذي ترتب علي رفعها، غير أن المشرع رأي أن ذلك يؤدي إلي المماطلة في تنفيذ الأحكام، لذا نص علي حكما مخالف للقواعد العامة مقتضاه أن شطب الأشكال يزيل الأثر الواقف الذي ترتب عليه.
والواقع أن نص المادة 314 مرافعات المتعلق بزوال الأثر الواقف بالشطب نص استثنائي يتعلق بمنازعات التنفيذ الوقتية، فلا يطبق علي المنازعات الموضوعية التي يترتب عليها وقف التنفيذ، إلا إذا نص المشرع علي ذلك بصفة خاصة كنص المادة 395 مرافعات بالنسبة لدعوي استرداد المنقولات المحجوزة.
وهذا النص يطبق فقط علي الشطب دون عوارض الخصومة الأخرى مثل الحكم بالوقف لأي سبب من الأسباب، فإذا حكم بعدم الاختصاص بنظر الأشكال والإحالة، فإن الحكم لا يكون له أثر علي وقف التنفيذ، لأن صحيفة الإشكال والأثر الواقف يظل قائما بعد الحكم بعدم الاختصاص والإحالة([442]).
إذا تم تعجيل الأشكال المشطوب قبل انقضاء ستين يوماً، فلا يعود إليه الأثر الواقف بقوة القانون، بل يجب أن يحكم القاضي بالوقف([443]).
المبحث الثاني
الدور الإيجابي للغير
للغير دورا إيجابيا يقوم به أثناء التنفيذ الجبري، حيث نص القانون علي بعض الالتزامات الإيجابية التي يقوم بها الغير، مثل الالتزام بتقديم معلومات أو بتسيير الإجراءات والمحافظة علي المال.
سنشير في هذا المبحث إلي التزام الغير بتقديم معلومات بشأن المال المحجوز عليه، والتزامه بالمحافظة علي المال المحجوز عليه، والتزام بتسيير اجراءات التنفيذ، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
التزام الغير بتقديم معلومات بشأن المال المحجوز عليه
الدائن الحاجز قد لا يعرف أموال المدين بالضبط، لذا يستعين بالغير للإخبار عن هذه الأموال، ففي النظام الفرنسي يلتزم الغير بالتعاون مع أطراف التنفيذ الجبري، وهذا التزام عام علي كل شخص من الغير([444])، فيمكن الاستعانة بالغير لمعرفة موطن المحجوز عليه([445])، وإذا لم يستجيب الغير، فيمكن الحكم عليه من قاضي التنفيذ بالغرامة التهديدية بناء علي طلب الحاجز([446]). ويمكن أعفاء الغير من تقديم معلومات بناء علي أسباب معقوله يقدرها قاضي التنفيذ، ولكن الامتناع عن تقديم المعلومات بدون مبرر، يؤدي إلى الحكم عليه بالغرامة([447]). وقد نص المشرع الفرنسي علي أن الموظف المحجوز لديه يجب عليه التقرير طبقا للقانون([448])، فإذا كذب([449])، فيمكن الحكم عليه بالغرامة المدنية وتعويض الضرر([450])، ويمكن إلزامه بالمبلغ المستقطع (م145 من قانون العمل الفرنسي). وكذلك الهيئات التي تعطي معلومات عن حساب المدين للدائن تخضع لقواعد خاصة طبقا للمادة 47 من قانون 1991، والمادة 73 من قانون 31 يوليو 1992.
وفي النظام المصري لا يوجد مثل هذا المبدأ، ولكن ما نص عليه المشرع المصري، هو إلزام المحجوز لديه بتقديم المعلومات عن الدين الذي في ذمته للمحجوز عليه، وإلا كان مسئولا شخصيا عن الدين، وإلزام رجال السلطة التنفيذية بالمعاونة علي التنفيذ، سواء بتقديم معلومات أو باستعمال القوة عند وجود معارضة في التنفيذ.
في الواقع سمح المشرع المصري([451]) والفرنسي([452])، للحاجز أن يحجز علي ما تحت يد الغير من مال أو منقول دون إلزام الحاجز بإثبات ملكية المال للمدين أو حيازة الغير له، ودون تحديد المال الذي يرد عليه الحجز، وذلك بمجرد الادعاء بوجود مال للمدين تحت يد الغير، فيتم توقيع حجز ما للمدين لدي الغير([453]). وقد الزم المشرع المصري والفرنسي الغير المحجوز لديه، بالكشف عن المعلومات التي تتعلق بالمال التي تحت يده للمدين([454]).
سنشير في هذا المطلب إلى التزام الغير بالتقرير بما في الذمة وذلك في الفرع الأول، أما الفرع الثاني فيخصص لبحث اعفاء الغير من التقرير، ويعالج الفرع الثالث، جزاء الإخلال بواجب التقرير، وذلك علي النحو التالي:
الفرع الأول
التزام الغير بالتقرير بما في الذمة
نصت المادة 328 و339 من قانون المرافعات المصري علي التزم المحجوز لديه بالتقرير بما في الذمة في خلال خمسة عشرة يوما من الإعلان الحجز إليه، كما نصت المادة 211/3 من قانون المرافعات الفرنسي الجديد علي نفي الالتزام بالنسبة للمحجوز لديه، ويلاحظ أن القاضي الفرنسي قد تشدد في هذا الالتزام، حيث الزم المحجوز لديه بتقديم التقرير خلال 24 ساعة من إعلانه([455])، ويلتزم كذلك بالامتناع عن الوفاء لدائنه المحجوز عليه بما في ذمته له من حقوق، أو تسليمه بما لديه من منقولات، وإلا كان مسؤولا مسئولية شخصية عن الوفاء بمطلوب الحاجز.
وإذا توفي المحجوز لديه أو فقد أهليته أو زالت صفته أو صفة من يمثله، كان للحاجز أن يعلن ورثة المحجوز لديه، أو من يقوم مقامه بصورة من ورقة الحجز، ويكلفهم بالتقرير بما في الذمة خلال خمسة عشر يوما، حيث نصت المادة 341 مرافعات علي أنه “إذا توفي المحجوز لديه أو فقد أهليته أو زالت صفته أو صفة من يمثله كان للحاجز أن يعلن ورثة المحجوز لديه أو من يقوم مقامه بصورة من ورقة الحجز ويكلفه بالتقرير بما في الذمة خلال خمسة عشر يوما”. ويفترض هذا النص تحقق سبب الانقطاع بعد إعلان الحجز للمحجوز لديه إذ تطلب إعلان “صورة” من ورقة الحجز السابق إعلانها للمحجوز لديه. ولكن لو تحقق سبب الانقطاع قبل إعلان الحجز للمحجوز عليه، فهذا لا يمنع من إعمال النص، إذ يحل الورثة ومن في حكمهم محل المحجوز لديه مما يوجب أن توجه الإجراءات إليهم ومنها إعلان الحجز، فعدم إعلان الورثة يترتب عليه عدم إلزامهم بالتقرير([456]). وإذا حدثت الوفاة بعد انقضاء ميعاد التقرير، فإنه لا يلزم تكليف الورثة ومن في حكمهم بالتقرير بما في الذمة، وإنما يجب لاتخاذ إجراءات التنفيذ في مواجهتهم، والحجز علي التركة لاستفاء الدين([457]).
ومتي أعلن الورثة بالحجز علي نحو ما تقدم وتم تكليفهم بالتقرير بما أصبح في ذمتهم، وجب عليهم القيام بذلك، ولهم تنصيب أحدهم ليقرر عن التركة، ويكفي في هذا التنصيب أن يتوجه أحدهم إلى قلم الكتاب ممثلا للتركة دون حاجة إلى حضور باقي الورثة أو وجود توكيل منهم لمن نصبوه عنهم([458]) فإن لم يتم الإقرار بما في الذمة خلال الميعاد المحدد في التكليف، جاز إلزام الورثة بالدين من تركة مورثهم.
وإذا توقع الحجز تحت يد الوصي أو القيم ثم زالت صفته بالعزل أو التنحي، وقد تزول صفة من يمثله المحجوز لديه، كما لو توقع الحجز تحت يد مدير شركة أدمجت في أخري، وجب إعلان صورة من ورقة الحجز لمن يحل محله، ويتعين إعلان صورة من ورقة الحجز إلى من أصبحت له الصفة في تمثيل الشركة الدامجة.
فإذا تحقق سبب الخلافة، ولم يعلن الورثة أو من في حكمهم، فإن الإجراءات التالية لتحقق بسب تكون باطلة، بما في ذلك الحكم الصادر بالإلزام، والبطلان هنا نسبي، مقرر لمصلحة الورثة ومن في حكمهم، ويجوز لهم الاعتراض علي إجراءات التنفيذ، برفع دعوي تنفيذ مستعجلة أو موضوعية.
سنشير إلى الأساس القانوني لالتزام الغير بالتقرير، ثم نبين مضمون المعلومات محل التقرير، وذلك علي النحو التالي:
أولا: الأساس القانوني لالتزام الغير بالتقرير:
الأصل براءة ذمة الغير من أي دين، وعلي من يدعي عكس ذلك الإثبات، فطبقا للقواعد العامة يقع عبء إثبات علاقة المديونية بين المحجوز عليه والمحجوز لديه علي عاتق الحاجز باعتباره مدعيا أن للمدين مال لدي الغير، ولكن المشرع يسر الأمر بالنسبة للحاجز، ففرض علي المحجوز لديه التزاما قانونيا بالتقرير بما في ذمته. إذن يلتزم الغير في حجز ما للمدين لدي الغير بتقديم معلومات تتعلق بملكية المدين للمال([459])، وذلك عن طريق تقديم تقرير بما في الذمة، حيث إن الحاجز لا يمكن له أن يعلم بما في ذمة الغير من مال للمدين المحجوز عليه([460]).
ونري أن أساس هذا الالتزام يرجع إلى الآتي:
- التسيير علي الحاجز: أن الحاجز لا يملك الوسائل التي تمكنه من التحقق من مديونية المحجوز لديه لمدينه المحجوز عليه، كما أن هذا الاخير لا يملك المال للوفاء للحاجز([461])، لذا نص المشرع علي التزام الغير بتقديم المعلومات من أجل التسيير علي الحاجز ومساعدته في الكشف عن حقوق مدينه. إذ أنه قد أوقع الحاجز الحجز دون تحديد لما يرد عليه، وهو يحتاج إلى هذا التحديد الذي يقدر عليه المحجوز لديه، حتي يقف علي محل الحجز الذي سوف يستوفي منه حقه، إذا يعتبر الحجز واردا علي ما أقر به المحجوز لديه.
- الحاجز يعد من الغير بالنسبة لعلاقة المديونية بين الغير ومدينه: لذا لا يمكن التحقق من المديونية إلا من خلال التقرير الملتزم بتقديمه المحجوز لديه، ويمكن للحاجز أن يناقش التقرير، ويطعن في مدي صحته.
- يلتزم المحجوز لديه بالتقرير حتي لو لم يكن مدينا بأي دين للمحجوز عليه([462])، وذلك حتي يقف الحاجز علي حقيقة الظروف المحيطة باقتضاء حقه من المحجوز عليه، كان يسرع مثلا إلي الحجز علي مال آخر، إذن لا يوجد ارتباط بين التزام المحجوز لديه بالتقرير بما في ذمته وبين مديونيته الفعلية للمدين المحجوز عليه.
- المشرع المصري ألزم المحجوز لديه بالتقرير حتي ولو لم يكن بيد الدائن سند تنفيذي([463])، وحتي لو كان الحجز باطلا، ولكن لم يصدر حكم بذلك. ويرجع ذلك للأسباب الآتية:
- أن الالتزام بالتقرير بما في الذمة مستقل عن علاقة المديونية بين المحجوز لديه والمحجوز عليه، وكذلك العلاقة بين الحاجز والمحجوز عليه، لأن التقرير يهدف إلي تحديد الضمان العام للدائنين، حيث إن جميع أموال المدين ضامنة لديونه([464])، سواء كان المال تحت يد المدين نفسه أو في حيازة الغير.
- رعاية من المشرع لمصلحة الحاجز، حيث إن تقديم التقرير، والمنازعة فيه، قد يؤخران الحاجز في اقتضاء حقه بعد حصوله علي السند التنفيذي، فأجاز له في وقت واحد أن يجمع بين تحقيق مديونية المحجوز عليه، والنظر في مديونية المحجوز لديه، حتي إذا ما ثبت حق في ذمة المحجوز عليه، حصل عليه بغير تأخير أو إبطاء([465]).
ثانيا: مضمون معلومات التقرير بما في الذمة:
إذا قام الحاجز بإعلان المحجوز لديه بتكليفه بالتقرير بما في ذمته خلال خمسة عشر يوما من إعلانه، أنشأ هذا التكليف التزاما علي عاتق المحجوز لديه وجعله طرفا في عملية التنفيذ، ويلتزم المحجوز لديه بتقديم التقرير خلال خمسة عشر يوما من التكليف به سواء تم هذا التكليف في ورقة الحجز أو بموجب ورقة مستقله أعلنت إلى المحجوز عليه فيما بعد.
فيجب علي المحجوز لديه أن يقوم بإيضاح علاقة المديونية التي يدعي الحاجز وجودها بينه- أي المحجوز لديه- وبين المحجوز عليه([466])، فيقوم بإيضاح ما إذا كان مدينا أم غير مدين، وإذا كان مدينا فما هو مقدار الدين أو ما هي المنقولات الموجودة تحت يده؟ وما إذا كان هناك حجوزات أخري موقعة تحت يده، ويجب أن يتضمن التقرير كل الحقوق التي تكون للمدين لدي الغير المحجوز لديه، وهذه الحقوق قد تكون نقود أو منقولات مادية مثل الأثاث والمفروشات أو البضائع والتي يلتزم بتسليمها أو بردها للمدين([467]). فمضمون التقرير بما في الذمة، الكشف عن حقيقة العلاقة بين المحجوز لديه والمحجوز عليه.
يلاحظ أن العقار لا يمكن حجز بطريق حجز ما للمدين لدي الغير، حيث يحجز بالإجراءات التي رسمها القانون بالحجز علي العقار ولو كان في حيازة الغير، كما أنه لا يتصور الحجز علي ما يكون للمدين في ذمة الغير من التزام بعمل أو بالامتناع عن عمل، وانما يجوز الحجز علي مبلغ التعويض الذي يتحول إليه الالتزام بسبب عدم الوفاء به أو التأخير فيه([468]).
التقرير بما في الذمة يأخذ شكل محضر يحرر في قلم كتاب المحكمة الجزئية التابع لها موطن المحجوز لديه([469])، وفي النظام الفرنسي يرسل التقرير إلى قلم الكتاب خلال 15 يوم من اعلان الغير، ويمكن للدائن والمدين أن يطلعوا علي هذا التقرير في قلم الكتاب، ويرسل صورة منه إلى هؤلاء الاشخاص، ويذكر في التقرير البيانات التي تهم الحاجز وأهمها جميع ما في ذمته من ديون للمحجوز عليه، ويجب أن يتضمن التقرير سبب الدين، هو مصدر التزام المدين، وسواء كان عقدا أو عملا غير مشروع أو إثراء بلا سبب أو إرادة منفردة أو نص القانون، أو ما في حيازته من منقولات، أيضا يجب عليه أن يرفق ما لديه من مستندات مؤيده لبياناته أو صورا منها مصدقا عليها، وإذا لم تكن تربطه بالمحجوز عليه أية رابطة مديونية تكفيه أن يذكر ذلك بصفة عامة، أي يكفيه ذكر عبارة أنه ليس ثمة علاقة مديونية بينه وبين المحجوز عليه.
ولا يغني عن هذا الشكل- محضر في قلم الكتاب- أي شكل آخر، كإقرار في ورقة عرفية أو اما محضر الإعلان، والحكمة من ذلك هي سد الطريق علي المحجوز لديه حتي لا ينازع بعد ذلك في تقريره، وذلك لأن هذا الشكل يعتبر إقرارا يتم في ورقة رسمية لا يجوز إثبات عكس ما جاء بها إلا بالطعن بالتزوير([470]).
وإذا كان المحجوز لديه مصلحة حكومية أو غيرها من الأشخاص العامة، ورغبة من المشرع أيضا في التخفيف علي موظفيها لكثرة الحجوز الموقعة تحت يد الحكومة، يورد المشرع استثناء علي قاعدة شكل التقرير ويكتفي بشهادة تقدم من هذه الجهة تتضمن بيانات التقرير وتقوم مقامه، ويلاحظ أن القانون لم يحدد لهذه الجهات ميعادا معينا لتقديم خلال الشهادة([471]).
إذا أقر المحجوز لديه بما في ذمته، أصبح التقرير ملزما له، ولا يملك الرجوع فيه، والتقرير بما في الذمة لا يعد بمثابة إقرار قضائي، لأنه لا يتم في مجلس القضاء، فليس له قوة الإقرار القضائي كدليل لا يقبل إثبات العكس. ويلاحظ أن قوة التصريح الملزمة تقتصر علي المقر فقط ولا يمتد إلى المحجوز عليه، الذي يملك بطبيعة الحال المنازعة فيه([472]).
الفرع الثاني
الإعفاء من الالتزام بالتقرير بما في الذمة
الهدف من التقرير بما في الذمة هو معرفة العلاقة بين الغير المحجوز لديه والمدين المحجوز عليه، بهدف تمكين الدائن من الحصول علي حقه من الأموال التي تكون تحت يد مدين المدين.
ومنطقيا أن الغير لا يلتزم بهذا التقرير إذا انتفت مصلحة الحاجز في معرفة أموال المدين تحت يد الغير، حيث إن هناك حالات تنتفي معها الحاجة إلي التقرير بما في الذمة، وتتمثل في الآتي:
1- إيداع المحجوز لديه ما لديه من مال خزانة المحكمة:
إذا أودع المحجوز لديه – سواء من تلقاء نفسه أو بناء علي طلب المحجوز عليه- ما في ذمته خزينة المحكمة التابع لها المحجوز لديه، وكان المبلغ المودع كافيا للوفاء بديون الحاجز، فلم يعد للحاجز مصلحة في التقرير بما في الذمة، وإذا لم يكن المبلغ المودع كافيا، ألتزم المحجوز لديه بالتقرير بما في الذمة بالرغم من الإيداع.
وإذا تم الإيداع فالحجز سيبقي علي المبلغ وفي نفس الوقت لا يترتب عليه زوال الحجز علي ما للمدين لدي الغير، كل ما هنالك أن الإيداع يعفي من واجب التقرير([473])، وإذا كان محل الحجز منقولات لا يمكن إيداعها جاز تسليمها إلي حارس يعينه القضاء بناء علي طلب يقدم من المحجوز لديه أو المحجوز عليه.
ويجب أن يكون الإيداع مقترنا ببيان موقع من المحجوز لديه بالحجوز التي وقعت، وأسماء الحاجزين والسندات التي وقعت الحجوز بمقتضاها.
وفي هذه الحالة يتم إبلاغ الحاجز والمحجوز عليه بإيداع الأموال خزانة المحكمة أو تسليمها إلي حارس في خلال ثلاثة أيام، ويلاحظ أن هذا الإيداع لا يكون مقترنا بالتخصيص. فإذا وقع حجز جديد علي المبلغ المودع فأصبح غير كاف جاز للحاجز تكليف المحجوز لديه بالتقرير بما في ذمته خلال خمسة عشرة يوما.
2- الإيداع مع التخصيص:
قد يكون للمحجوز عليه أو للغير مصلحة في عدم معرفة الدائن الحاجز لعلاقة المديونية بينهم، لأنها قد تكون من أسرار العمل المهني بين التجار، لذا يكون من مصلحتهم الإيداع مع التخصيص.
إذا حدث إيداع مع التحصيص من قبل المحجوز لديه أو من غيره طبقا للمادتين 302 و303 مرافعات([474])، مساو للدين أو الديون المحجوز من أجلها والمصروفات. ففي هذه الحالة ليس للحاجز مصلحة- وقد اختص بما أراد- في الوقوف علي علاقة المديونية التي تربط المنفذ ضده بالغير، ولذلك فإنه فضلا عن إعفاء المحجوز لديه من واجب التقرير فإنه الحجز نفسه الذي أوقع علي ما في ذمته للمحجوز عليه يعتبر قد زال وانتقل إلى المبلغ المودع مع التخصيص. وذلك لأنه خصص للحاجز أفقده الحاجة إلي التقرير بما في الذمة.
3- عدم قيام الحاجز بإيداع رسم محضر التقرير:
أوجب المشرع علي الحاجز أن يقوم بأداء رسم محضر التقرير بما في الذمة، وذلك حتي يلتزم المحجوز لديه بالقيام بالتقرير. والحكمة من ذلك أن المحجوز لديه ملزم بالقيام بالتقرير بما في الذمة حتي ولو كان غير مدين للمحجوز عليه، وهذا التقرير يقتضي دفع رسم عنه. لهذا أوجب المشرع علي الحاجز أن يقوم بإيداع
مبلغ كاف خزانة محكمة التنفيذ التابع لها موطن المحجوز لديه لأداء رسم محضر التقرير بما في الذمة، ويؤشر بالإيداع علي أصل الإعلان وصورته. وفي حالة عدم القيام بالإيداع فإن الحجز يكون صحيحا ولكن لا يلتزم المحجوز لديه بالتقرير بما في ذمته.
الفرع الثالث
جزاء الإخلال بواجب التقرير بما في الذمة
إذا لم يقدم المحجوز لديه التقرير بما في ذمته علي الوجه الذي بينه القانون، يترتب علي ذلك أضرار بحق الحاجز([475])، مما يكون له الحق في المطالبة بالتعويض([476])، وقد أراد المشرع المصري والفرنسي أن يحمي الحاجز علي نحو أكثر فاعلية، فأعطاه القانون دعوي بإلزام المحجوز لديه شخصيا بدينه، إذا أخل هذا الأخير بواجب التقرير، بصرف النظر عن ثبوت ضرر به([477])، كما يمكن الحكم علي المحجوز لديه بالتعويض مع الزامه بدفع غرامه مدنية والتي لا تتجاوز 3 الاف يورو([478]).
فيثار التساؤل عن ماهية جزاء الاخلال بواجب التقرير بما في الذمة، وشروط تطبيق الجزاء الخاص الذي نص عليه المشرع، وسائل الحاجز في إثبات الإخلال بالتقرير بما في الذمة، والحكم بالجزاء، سنجيب علي ذلك تباعا، وذلك في النقاط الآتية:
- ماهية جزاء الإخلال بالتقرير.
- شروط توقيع الجزاء.
- وسائل الحاجز في إثبات.
- الحكم بالجزاء.
أولا: ماهية جزاء الاخلال بالتقرير:
طبقا لنص المادة 211/3 من قانون المرافعات الفرنسي الجديد، يلتزم المحجوز لديه بالتقرير بما في الذمة([479])، وإذا أخل المحجوز لديه بواجب التقرير، فقد نصت المادة سالفة الذكر في الفقرة الخامسة علي الزامه بدفع الدين المحجوز من أجله كجزاء([480])، بالإضافة إلى التعويض.
وبالنسبة للمشرع المصري، لم يشأ أن يترك جزاء الإخلال بالتقرير للقواعد العامة التي مقتضاها إلزام المحجوز لديه بتعويض الضرر الناشئ من تقصيره أو إهماله أو غشه، وإنما وضع الجزاء المقرر في المادة 343 مرافعات، ومقتضي هذا الجزاء إلزام المحجوز لديه بدين الحاجز.
وبالتالي إذا اخل الغير المحجوز لديه بواجبه القانوني بالتقرير بما في الذمة سواء لم يقم به أصلا أو قام به بعد الميعاد أو خالف الحقيقة، تؤدي إلى جواز إلزامه بالدين المحجوز من أجله كله أو بعضه وبتعويض الحاجز عن الأضرار التي أصابته مع المصاريف([481]).
يلاحظ أن الجزاء الذي يجوز للمحكمة أن تقضي به عند إخلال المحجوز لديه بواجب التقرير، لا يشترط للحكم به حدوث ضرر بالفعل للحاجز، فالضرر مفترض في هذه الأحوال. ويصبح المحجوز لديه مدينا شخصيا للدائن وجاز له اقتضاء حقه جبرا بالتنفيذ علي كافة أمواله، وإذا كان هذا الجزاء مقررا لمصلحة الدائن الحاجز الذي طلب توقيعه، فإن صدور الحكم به لا يمنع حاجزا آخر من طلب توقيعه مرة أخري علي نفس المحجوز لديه، إذا خالف واجب التقرير بما في الذمة بالنسبة له.
يلتزم المحجوز لديه بواجب التصريح ولو لم يكن بيد الحاجز سند تنفيذي، وفرض المشرع عليه جزاء إن هو أهمل وتراخي في اتخاذ هذا الإجراء مع العلم بأن التقرير لا يفيد ولا يجدي إلا إذا حصل الدائن علي سند ينفذ بمقتضاه، ولعل قسوة المشرع علي المحجوز لديه يبررها سوء نيته الذي يستشف من امتناعه عن التقرير.
والواقع أن جزاء الاخلال بالتقرير بما في الذمة هو عقوبة مدنية علي المحجوز لديه، فلا يحكم عليه به إلا في الحدود التي وضعها المشرع، ويلاحظ علي هذا الجزاء الآتي:
- لا يستفيد منه إلا الحاجز الذي رفع الدعوي.
- تعدد المخالفة بتعدد الحاجزين
لما كان حجز يخول الحاجز إلزام المحجوز لديه بالتقرير بما في ذمته، وهذا الأخير ملزم بهذا الواجب في مواجهة كل حاجز علي حدة، فإنه يكون لكل منهم حق ذاتي في طلب توقيع هذا الجزاء، ولا يمنع من توقيع الجزاء سبق الحكم به لحاجز آخر([482]).
- لا محل لاختصام المحجوز عليه ولا محل لتدخله، اللهم إلا إذا تعلق النزاع بحقيقة بيانات التصريح، وما إذا كان المحجوز لديه قد غير الحقيقة.
- تنفيذ الحكم بالجزاء يتم وفقا للقواعد العامة، باعتبار المحجوز لديه مدينا للحاجز.
قد جعل المشرع المحجوز لديه بمثابه مدين شخصي للحاجز بكل المبلغ المحجوز من أجله، وذلك عند تراخيه في أداء ما يتطلبه منه القانون، وهذا التنفيذ يعد وفاء لدين الحاجز علي المحجوز عليه، ولا يعد بمثابة تعويض للحاجز نتيجة غش خصمه أو تدليسه أو تقصيره([483]).
- حلول المحجوز لديه محل الحاجز.
عملا بالمادة 326 مدني، فصدور حكم بالزام المحجوز لديه بالمبلغ، فله الرجوع علي المدين لأن الدائن يستوفي حقه من المحجوز لديه، وتبرء منه ذمة المدين، والرجوع يكون في حدود القدر الزائد علي مقدار الدين الذي في ذمته له([484]).
ثانيًا: شروط تطبيق الجزاء:
يجب أن يتوافر الشروط حتي يحكم القاضي بإلزام المحجوز لديه بالدين:
1- أن تتوافر حالة من حالات الإخلال بواجب التقرير:
حدد المشرع في المادة 343 مرافعات صورا ثلاثة يمكن أن يأخذها الإخلال بواجب التقرير بما في الذمة، وتتمثل في الاتي:
2- عدم القيام بالتقرير بالشكل المبين في القانون:
يتحقق الإخلال بواجب التقرير في الصور الثلاثة الآتية([485]): الأول: ألا يقوم المحجوز لديه بالتقرير إطلاقا، والثاني: ألا يقوم المحجوز لديه بالتقرير في الميعاد في خلال الخمسة عشر يوما التالية للتكليف في القانون المصري وخلال 24 ساعة في القانون الفرنسي، وقد خفف القضاء الفرنسي من هذا الالتزام حيث عذر المحجوز لديه في تقديم التقرير في الميعاد في حالة كان مستلم الاعلان غير مخول بصلاحية تقديم الاقرار بما في الذمة([486])، أو كان التأخير خارج عن إرادته([487])، والثالث: ألا يقوم المحجوز لديه بالتقرير في الشكل الذي حدده القانون أي محضر بقلم الكتاب يحتوي علي البيانات اللازمة. وإذا تقدم المحجوز لديه بالتقرير قبل الحكم بالحكم عليه لا يعاقب.
3- التقرير بغير الحقيقة:
الفرض في هذه الحالة أن المحجوز لديه قام بالتقرير في الميعاد والشكل المطلوبين قانونا، لكنه من حيث المضمون لم يذكر- متعمدا- حقيقة علاقة المديونية التي تربطه بالمحجوز عليه([488])، مثال ذلك أنه يذكر أنه غير مدين أصلا أو أن الدين قد انقضي بالوفاء رغم ثبوت المديونية، أو أن يذكر أنه مدين بمبلغ معين ثبت ذلك أنه أقل من المفروض ذكره.
4- إخفاء الأوراق الواجب إيداعها لتأييد التقرير:
حتى يمكن التحقق من صحة البيانات التي يذكرها المحجوز لديه، يجب عليه أن يودع ما لديه من مستندات مؤيده لأقواله، سواء أصولها أو صورها منها مصدق عليها، فإذا لم يقدم هذه الأوراق ودون تقديم تفسير مقبول لعدم وجودها فإنه يعتبر مخلا بالواجب الذي يفرضه عليه المشرع.
ويلاحظ أن الصور الثلاثة أتت في التشريع علي سبيل الحصر، فلا يجوز إضافة صور أخري ولو علي سبيل القياس، وذلك لخطورة الجزاء الذي أتي به المشرع([489]).
يلاحظ أن المشرع في الصور الثلاثة التي سبق عرضها، يقرر الجزاء ليس فقط علي الامتناع عن التقرير، وإنما أيضا علي التأخير فيه، ولذلك فإنه إذا رفعت الدعوي للحكم علي المحجوز لديه بالجزاء المقرر فقام المحجوز لديه بالتقرير علي الوجه المتفق مع القانون – عدا احترام الميعاد- وقبل صدور الحكم، فإن مسلكه هذا لا يعفيه من الجزاء، فالقانون يكتفي بوقوع إحدى صور المخالفة، ولم يشترط ضرورة إصرار المحجوز لديه علي الامتناع عن التقرير، علي أنه يجب أن يكون الإخلال بواجب التقرير راجعه إلى سوء نية المحجوز لديه أو نتيجة تواطئه مع المحجوز عليه([490]).
وبالتالي إذا كان تغير الحقيقة راجعا إلى حسن نية المحجوز لديه، اعتقادا منه بأنه هذه هي الحقيقة، وكانت هناك أسباب معقوله يقدرها القاضي، فإن المخالفة لا تتحقق في شأنه.
5- ألا يكون واجب التقرير قد انقضي:
يجب ألا يكون المحجوز لديه قد أعفي من التقرير أو ألا يكون الحجز قد زال([491])، فقد يحكم باعتبار الحجز كأن لم يكن( نتيجة عدم إبلاغ المحجوز عليه بالحجز في الميعاد أو عدم رفع دعوي صحة الحجز في الميعاد)، أو حكم ببطلانه لأي سبب كان (نتيجة تخلف بيان جوهري في ورقة الحجز مثلا أو لوقوعه علي مال لا يجوز الحجز عليه) أو بسقوطه ( فالحجز الواقع تحت يد إحدى المصالح الحكومية يجب تجديده في الميعاد وإلا سقط).
إذن صحة الحجز مفترض أساسي لقيام واجب التقرير، ومن ثم لا يكون هناك محل لتوقيع الجزاء، إذا لم يكن الحجز صحيحا، كذلك إذا كان الدين انقضي لاي سبب من الاسباب([492]).
6- أن يتوافر بيد الحاجز سند تنفيذي:
إذا كان المشرع سمح للدائن الحاجز بحجز ما للمدين لدي الغير بدون اشتراط أن يكون بيده سند مكتمل الشروط([493])، إلا أنه نص علي وجوب أن يكون بيدي الحاجز سند للحكم بالجزاء، والحكمة من تطلبه أن الجزاء الذي سيوقع هو إلزام المحجوز لديه بالوفاء للحاجز بالدين المحجوز من أجله، فإذا لم يكن جائزا اقتضاء هذا الدين من المحجوز عليه لعدم وجود سند تنفيذي بعد، فلن يكون منطقيا اقتضاؤه من المحجوز لديه.
7- أن يكون لدي الحاجز مصلحة في توقيع الحجز:
عندما يحصل الحاجز علي حقه من المحجوز عليه أو من أي طريق آخر،
لم تعد له مصلحة في إلزام المحجوز لديه المخل بواجب التقرير بالوفاء له، بالوفاء الدين.
يجب أن يكون للحاجز مصلحة في التقرير، وذلك لأنه يعتمد علي تقرير المحجوز لديه في تحديد الدين أو المال الذي في ذمته المحجوز لديه، للقيام بالحجز علي هذا المال واستفاء حقه.
8- أن يطلب الحاجز من المحكمة توقيع الجزاء:
فالجزاء الذي نص عليه المشرع لا يقع بقوة القانون، وإنما يجب علي من
تقرر لصالحه أن يطلبه في صورة دعوي موضوعية ترفع في مواجهة المحجوز
لديه بالإجراءات المعتادة أمام قاضي التنفيذ، والمحكمة المختصة محليا هي محكمة التنفيذ التي يتبعها موطن المحجوز لديه. وترفع هذه الدعوي دون التقيد بميعاد
معين.
وقد ترفع الدعوي من المحجوز عليه في مواجهة المحجوز لديه، إذ من
مصلحة المحجوز عليه أحيانا إثبات حقيقة المديونية، فعندها ينكر المحجوز لديه
كل الحقيقة أو بعضها، فمن مصلحة المحجوز عليه إثبات الحقيقة حتي ولو أدي ذلك إلى حصول الحاجز علي ما سيثبت من الحقوق، ففي ذلك انقضاء لالتزام المحجوز
عليه أو تخفيف مه علي كل حال. ويجوز للمحجوز عليه رفع الدعوي حتي لو
لم يحل حقه في مواجهة المحجوز لديه بعد، إذ تكفي المصلحة المحتملة في هذه
الحالة.
ثالثًا: طرق الإثبات في دعوي مسئولية الغير المحجوز لديه
ثار الخلاف بين الفقهاء في طرق الإثبات التي يجوز للدائن الحاجز أن يسلكها في الدعوي التي يرفعها ضد المحجوز لديه بالمنازعة في التقرير بما في الذمة، وذلك تبعا لما إذا اعتبرنا الحاجز من طبقة الغير أم أنه يستعمل حق مدينة المحجوز عليه([494])، حيث إن تحديد مركز الحاجز بالنسبة إلى المحجوز لديه، له أثر في تحديد طريق الإثبات. علي حسب طبيعة دعوي المنازعة في التقرير([495])، هل تعتبر دعوي غير مباشرة؟ أم أنها دعوي خاصة بالحاجز؟
ويمكن أيجاز أراء الفقه في اتجاهين:
الاتجاه الأول: الحاجز من الغير فله استعمال كافة طرق الإثبات([496]).
الاتجاه الثاني: الدائن الحاجز يعتبر من الغير
يتجه رأي إلى أن الدائن بمجرد توقيع الحجز يعتبر من الغير([497]) بالنسبة للعلاقة بين المحجوز عليه والمحجوز لديه، فيجوز له أن يثبت دين المحجوز عليه في ذمة المحجوز لديه بكافة طرق الإثبات المقررة قانونا بما في ذلك شهادة الشهود والقرائن حتي لو كان هذا الدين يجاوز نصاب البينة، باعتبار أن الحاجز يستعمل حقا خاصا به، وليس بمدينه المحجوز عليه، ولا يحتج عليه بالأوراق العرفية المنسوب صدورها للمحجوز عليه إلا إذا كانت ثابتة التاريخ قبل الحجز.
وقد رؤي أن العمل بهذه القاعدة يقتضي إلزام جميع المدينين بإثبات تاريخ كل أوراق التخالص التي يحصلون عليها من دائنيهم، احتياطا لمجرد احتمال أن تقع بعد التخالص حجوز تحت يدهم فلا يقبل منهم عندئذ احتجاجهم بالأوراق غير الثابتة التاريخ، وفي هذا ارهاق وعنت ولهذا يجب القول تيسيرا بالمدينين بإعفاء المحجوز لديه من أن تكون أوراق التخالص التي يتمسك بها ثابته التاريخ ومقتضي هذا التبري أن المحجوز لديه لا يعفي من هذا إلا في الأحوال التي لم تجر فيها العادة بإثبات التاريخ مثل المخالصات([498]). إذا يجوز للقاضي أن يعتد بالمخالصات ولو لم تكن ثابتة التاريخ عملا بالمادة 15 من قانون الإثبات، وبالتالي لا يجوز للمحجوز لديه أن يثبت في مواجهة الحاجز براءة ذمته بدليل كتابي غير ثابت التاريخ قبل الحجز عملا بالمادة 395 مدني.
وبالتالي تعد دعوي المنازعة في التقرير المرفوعة من الحاجز دعوي خاصة بالحاجز يرفعها باعتباره حاجزا، ولا يستعمل حقا لمدينة، ويترتب علي هذا التكييف، لن يكون الاختصام للمحجوز عليه الزاميا، وسوف يكون للحاجز إثبات حق المحجوز عليه في مواجهة المحجوز لديه بكافة طرق الاثبات، ولن يكون للمحجوز لديه أن يتمسك في مواجهة الحاجز بالأوراق العرفية إلا إذا كانت ثابته التاريخ باستثناء المخالصات وبشرط عدم التواطؤ([499]).
ويري البعض أنه يجوز للحاجز إقامة الدليل علي مديونية المحجوز لديه بكل طرق الإثبات علي اعتبار أنه يتعذر عليه الحصول علي دليل كتابي([500]).
ويبرر هذا الاتجاه موقفه بأن الدائن بمجرد توقيعه للحجز لا يمكن اعتباره
ممثلا لمدينه، إذا يصبح صاحب حق ذاتي يجعله من الغير بالنسبة لكل تصرفات هذا الدين([501])، فالحاجز لا يستعمل حقه في الدعوي الغير مباشرة، حيث لا تتوافر في هذا لنوع من الحجوز شرائط استخدامها، كما أنه يباشر الحجز باسمه ولحسابه الخاص وليس لصالح مدينه المحجوز عليه([502]). كما أن القول بحلول الدائن محل المدين، يوجب اعتبار الحكم الصادر في المنازعة حجة علي مدين أيضا، فضلا عن قيامه بموالاة الدعوي أصالة عن نفسه وهذا قول لا يسلم به الفقه والقضاء ومن ثم يقسط التبرير المتقدم.
نجد أن السلطة التي خولها القانون للحاجز في توقيع الحجز ما للمدين لدي الغير الذي يعتبر في الأصل من الغير بالنسبة له، ترجع إلي أن القانون قد أقام علاقة مباشر بين الحاجز والغير. فهذا الاخير لا تربطه بالحاجز اية رابطة قانونية. فالحاجز يستند في علاقته بالغير علي القانون. الذي زود الحاجز بسلطة مستمدة من
علاقته بمدينة الأصلي المحجوز عليه. وأجاز بناء علي هذه السلطة إلقاء الحاجز الحجز تحت يد الغير. بناء علي العلاقة القائمة بين هذا الأخير ومدين الحاجز،
وحيث إن للدائن حقا في الارتهان العامة علي ذمة مدينة، فله استعمال سلطاته في توقيع الحجز علي هذه العناصر كما لو كانت قائمة في ذمة المحجوز عليه ذاته. والقانون يقتحم هذه الروابط مقيما رباطا اصطناعيا بين الدائن الأصلي ومدين مدينه- الشخص الثالث- ممكنا الأول من إلقاء الحجز علي ما في ذمة الشخص الثالث لحساب مدينه الأصلي([503]).
الاتجاه الثاني: للحاجز استعمال طرق إثبات المتاحة للمحجوز عليه:
يذهب الرأي الراجح في مصر وفي فرنسا إلى أن الحاجز ليس من الغير([504])، بل يحل محل المحجوز عليه في الإثبات([505])، حيث يري الفقه الحاجزين في دعوي التقرير بما في الذمة أنه لا يعتبر من الغير من حيث الأدلة الجائزة في إثبات الدعوي أو نفيها فلن يستعمل إلا طرق الإثبات التي تكون متاحة للمدين([506]).
إذن الحاجز يحل محل مدينه المحجوز عليه في المطالبة بحقه، فلا يجوز له أن يسلك من طرق الإثبات إلا ما كان جائزا للمحجوز عليه، ومن ثم لا يجوز له أن يثبت دين المحجوز عليه في ذمة المحجوز لديه بالقرائن وشهادة الشهود إذا لم يكن الإثبات بهذين الطريقين جائزا للمحجوز علي نفسه([507])، وذلك لأن الحاجز يستمد حقة في
دعوي المنازعة من مدينه المحجوز عليه، فيسلك فيها من طرق الإثبات ما يجوز للأخير أن يسلكه فيها، فإن كان الدين يتجاوز نصاب البينة، فلا يجوز للدائن الحاجز إثباته إلا بالكتابة أو ما يقوم مقامها، اما إن كان لا يتجاوز هذا النصاب أو كان دينا تجاريا أو توافر المانع الأدبي من الحصول علي دليل كتابي، جاز للحاجز الإثبات بكافة طرق الإثبات ومنها البينة والقرائن، كما يحاج الحاجز بجميع الأوراق المنسوب صدورها للمحجوز عليه ولو لم تكن ثابتة التاريخ، إلا إذا توافر في شأنها التواطؤ والغش بين الأخير والمحجوز لديه، إذ يؤدي ذلك إلى بطلانها باعتبار أن الغش يفسد كل شيء([508]).
ذهبت بعض أحكام القضاء الفرنسي إلى أن الحاجز ليس من الغير في معني المادة 1328 مدني فرنسي([509])، وبالتالي لن يكون للحاجز أن يتمسك في مواجهة المحجوز لديه إلا بأدلة الإثبات التي للمحجوز عليه أن يتمسك بها، كما يكون للمحجوز لديه أن يتمسك في مواجهة الحاجز بما يمكنه التمسك به في مواجهة المحجوز عليه، وبصفة خاصة الاحتجاج عليه بالورقة العرفية، ولو لم تكن ثابته التاريخ.
قد ذهبت بعض الأحكام إلى أنه يجوز للمحجوز لديه أن يحتج علي الحاجز في دعوي المنازعة في التقرير بالأوراق العرفية الصادرة من المحجوز عليه ولو لم يكن تاريخا ثابتا قبل الحجز، والاحتجاج علي الحاجز بالأوراق غير الثابتة التاريخ قبل الحجز مشروط بانتفاء الغش، ومن ثم يجوز له أن ينكر حجية هذه الأوراق متي أثبت بأي طريق من طرق الإثبات أنها مشوبة به.
اختلف الشراح في تبرير اتجاه الرأي المتقدم، فقيل إن الحاجز حين مطالبته بدين مدينه، إنما يحل في علاقته به محل المحجوز عليه تماما ( فتكون له كل حقوقه وبغرض عليه ما يفرض علي الآخر، ولكن لا يمثله فلا يعتبر الحكم الصادر في الدعوي حجة عليه إن لم يختصم فيها)، ومن ثم بما أن المحجوز لديه يمكنه إذا طالبه دائنه أن يحتج عليه بالأوراق الصادرة منه ولو كان تاريخها غير ثابت، يجب ألا يتغير مركزه وألا يضار بسبب طارئ لا شأن له فيه وهو حصول المطالبة من دائن دائنه بدلا من دائنه، ويترتب علي هذا التبرير أن المحجوز لديه يعفي في جميع الأحوال من تقديم أوراق ثابته التاريخ.
ويبرر البعض هذا الاتجاه علي اساس اعتبار هذه دعوي غير مباشرة يحل فيها الحاجز محل مدينه المحجوز عليه، فإنه يستوجب عندئذ إدخال المحجوز عليه خصما فيها، ولن يكون للحاجز أن يتمسك في مواجهة المحجوز لديه إلا بأدلة الإثبات التي للمحجوز عليه أن يتمسك بها، كما يكون للمحجوز لديه أن يتمسك في مواجهة الحاجز بما يمكنه التمسك به في مواجهة المحجوز عليه، وبصفة خاصة الاحتجاج عليه بالورقة العرفية، ولو لم تكن ثابته التاريخ.
ويري أنصار هذه الاتجاه أنه يترتب علي اعتبار الحاجز من الغير إلحاق ضرر بالمحجوز لديه وقد يكون جسيما إذ يسهل علي الحاجز إحضار شاهدين يقرران بمديونية المحجوز لديه، كما أن هذا الرأي لم يستند إلى قاعدة قانونية تقرر اعتبار الدائن العادي من طبقة الغير لمجرد أنه وقع جزاء لم تترتب عليه أية افضلية بالنسبة له ولم يجر له حق تتيع المحجوزات في حالة التصرف فيها لحائز حسن النية.
أما هذا الرأي هو الذي يتفق والقواعد القانونية العامة التي تجعل الدائن العادي ممثلا في شخص مدينه وتتعدي إليه حجية الحكم الذي يصدر ضد الأخير، وأنه يستمد حقه من مدينة ولولا علاقة الدائنيه لامتنع توقيع الحجز.
رأي الباحث:
في الواقع لا يعتبر حجز ما للمدين لدي الغير صورة من استعمال الدائن لحقوق مدينه نيابة قانونية عنه (م236 مدني) عن طريق الدعوي غير المباشرة (م235 مدني)، حيث إن الحجز مستقل عن الدعوي غير المباشرة، لأن الدائن الحاجز يستعمل حقه في مواجهة مدين المدين (م316 مرافعات) وليس حقوق مدينه في مواجهة مدين المدين (م235 مدني)، فالحاجز يهدف من الحجز استيفاء حقه مباشرة من المال الذي تحت يد الغير أو من ثمن بيع هذه المنقولات، وليس مجرد إدخال هذه المنقولات أو تحصيل هذه الديون لإدخالها ضمن أموال المدين أي في الذمة المالية للمدين كنتيجة للحكم في الدعوي غير المباشرة، لتكون معا ضمانا عاما له ولغيره من الدائنين. كما أن حجز ما للمدين لدي الغير يؤدي إلى منع الغير من الوفاء بما في ذمته للمدين أو تسليمه منقولاته ويمتنع علي المدين التصرف فيما له من منقولات أو ديون في ذمة الغير، بعكس استعمال حقوق مدينه لدي الغير بالدعوي غير المباشرة، حيث يملك المدين التصرف فيه([510]).
إذن الدائن الحاجز يستعمل حقا خاصا به، ونظمه المشرع، كجزاء علي الإخلال بالواجب القانوني المفروض علي الغير المحجوز لديه. ونري أن الحاجز في دعوي الالزام الشخصي، يمارس حقا خاصا به، منحه إياه القانون تجاه المحجوز لديه، وهذا الحق مستقل عن المحجوز عليه، فالقانون يعاقب المحجوز لديه علي تقصيره في عمل ألزمه به المشرع، وهو الاخلال بواجب التقرير بما في الذمة، لذا يمكن توقيع الجزاء حتي لو لم يكن المحجوز لديه مدينا فعليا للمحجوز عليه. كما أن الحاجز لا يمارس الدعوي غير المباشرة، وذلك لأن الحكم الصادر لا يكون حجة علي المحجوز عليه. كما أن الهدف من الدعوي غير المباشر والدعوي الإلزامية الشخصية مختلف، فالأولي تهدف إلى الحفاظ علي الضمان العام، أما الثانية فتهدف إلى مجازاة المحجوز لديه، فقد يخسر الحاجز دعواه ومع ذلك يرفع المحجوز عليه دعوي علي المحجوز لديه ويكسب الدعوي.
لذا نري أن الحاجز يعتبر من الغير بالنسبة للعلاقة بين المحجوز عليه والحاجز، وبالتالي يمكن له أن يتمسك بجميع طريق الإثبات الجائز للغير أن يتمسك بها طبقا لأحكام قانون الإثبات سواء بشهادة الشهود أو القرائن.
رابعًا: الحكم بالجزاء:
إذا توافرت الشروط السابقة فالمحكمة ليست ملزمة بتوقيع الجزاء الذي نص عليه المشرع وإنما تتمتع في هذا الصدد بسلطة تقديريه، وإذا حكمت بالجزاء، فلها توقيعه كاملا أو علي نحو جزئي بحسب مدي خطورة مسلك المحجوز لديه وسوء نيته.
وتجدر الاشارة إلى أن القضاء والفقه في فرنسا يميلان إلى القول بعدم
إعمال الجزاء إلا عند ثبوت اصرار المحجوز لديه علي المخالفة، بحيث إذا اتخذ ما أوجبه عليه المشرع قبل صدور حكم حائز لقوة الشيء المحكوم به امتنع توقيع الجزاء([511]).
وفي بعض القوانين مثل القانون اللبناني لا تحكم المحكمة بالجزاء إذا أبدي المحجوز لديه عذر مقبولا تقديره المحكمة، وانما إذا أخفي الحقيقة وثبت ذلك بصدور الحكم في الدعوي، وكان ذلك عن عمد، الزم بالتعويض طبقا لقواعد المسئولية فضلا عن الحكم عليه بدين الحاجز.
وإذا لم يحكم القاضي علي المحجوز لديه بالجزاء الذي نص عليه المشرع، وإنما حكم عليه بمصاريف الدعوي والتضمينات المترتبة علي تقصيره أو تأخيره في تقديم التصريح أو علي إخفائه الحقيقة فما يحكم به للحاجز لا يشاركه فيه غيره من الحاجزين، الحكم الصادر لا يكون حجة إلا علي أطرافه، فعندما يتعدد الحاجزون ولم ترفع الدعوي إلا من أحدهم فإن هذا الأخير لا يعد ممثلا لهم وإنما يعمل لحساب نفسه. وهو يقبل الطعن فيه طبقا للقواعد العامة في استئناف الأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ الموضوعية الصادرة من قاضي التنفيذ.
ولا يجوز للمحجوز لديه الرجوع به علي المحجوز عليه لأن ما يحكم به
بصدد ما تقدم لا يعتبر وفاء للحاجزين، ولا يفيد منه المحجوز عليه في إبراء
ذمته([512]).
وتنص المادة 352 مرافعات علي أنه يعاقب المحجوز لديه بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 341 من قانون العقوبات إذا بدد الأسهم والسندات وغيرها من المنقولات المحجوز عليها تحت يده إضرارا بالحاجز.
المطلب الثاني
التزام الغير بالمحافظة علي المال المحجوز عليه
قد يكون الغير مكلفا بحراسة المال، فيجب عليه المحافظة علي المال المحجوز عليه، ويعاقب مدنيا وجنائيا إذا اخل بواجباته.
سنشير إلى التزامات الحارس، وجزاء مخالفة هذه الواجبات، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
التزامات الحارس
يعتبر الحارس من أعوان القضاء، فهو ليس وكيلا عن الحاجز أو المحجوز عليه، ويؤدي الحارس خدمة عامة، ويأخذ بذلك حكم الحارس القضائي([513]). والواقع أن الحراسة في القانون المصري لا تعد لازمة لتوقيع الحجز أو إجراء متمم أو مكمل له، ولكنها ليست سوي أثر من آثاره وهي ليست أثرا متمم([514]).
بمقتضي تعيين الحارس، فإنه يلتزم بالواجبات الآتية:
1- التوقيع علي محضر الحجز:
يجب علي الحارس طبقا لنص المادة 366 مرافعات أن يوقع علي محضر الحجز وتسلم له صورة منه، فإن امتنع عن التوقيع علي محضر الحجز أو رفض استلام صورته وجب علي المحضر أن يسلم صورة المحضر في اليوم ذاته إلى جهة الإدارة، وأن يخطر الحارس بذلك خلال أربع وعشرين ساعه بكتاب مسجل، وعلي المحضر إثبات ذلك في المحضر.
2- الالتزام بالاستمرار في الحراسة حتي يوم البيع:
تنص المادة 369 مرافعات علي أنه “لا يجوز للحارس أن يطلب إعفاءه من الحراسة قبل اليوم المحدد للبيع إلا لأسباب توجب ذلك”، فالحارس بقبوله القيام بالحراسة يلتزم بالاستمرار فيها إلى يوم البيع([515])، ولكن قد تكون هناك ظروف يقدرها قاضي التنفيذ تعفي الحارس من التزامه بالحارسة، كأن يصاب بمرض أو يسافر إلى الخارج، وإذا لم يجد القاضي عدم معقولية الأسباب التي استند اليها الحارس، فإنه يحكم برفض طلب التنحي من الحراسة، وإذا اصر الحارس عدم القيام بواجبه، فإنه يحكم عليه بالغرامة التهديدية، وإذا لم يستجيب يحكم بعزل الحارس مع الزامه بالتعويض.
ويرفع الطلب الإعفاء من الحراسة بتكليف المحجوز عليه والحاجز الحضور أمام قاضي التنفيذ بميعاد يوم واحد، فيلاحظ أن المشرع أضفى علي طلب الحارس وصف الاستعجال، فقد نص علي رفعه بميعاد حضور يوم واحد، وهو ميعاد حضور سابق علي يوم الجلسة المحددة لنظره أمام قاضي التنفيذ والواجب انقضاؤه بين التكليف بالحضور وبين الجلسة المحددة به.
وتعتبر دعوي الاعفاء من الحراسة مرفوعة بالإعلان المحجوز عليه والحاجز بعريضة التكليف بالحضور، خلافا للإجراءات المعتادة لرفع الدعاوي والتي بموجبها تعتبر الدعوي مرفوعة بمجرد إيداع صحيفتها قلم الكتاب، ويكون المشرع قد حدد طريقا لرفع الدعوي المتعلقة بإعفاء الحارس مغاير للطريق المعتاد([516]).
إذا قضي بإعفاء الحارس، تعين علي قاضي التنفيذ تعيين حارس آخر، وقد نصت المادة 369 مرافعات علي أن هذا الحكم غير قابل للاعتراض عليه بأي طريق من طرق الطعن، ويجرد المعاون الأشياء المحجوزة عند تسليم الحارس الجديد مهمته، ويثبت هذا الجرد في محضر يوقع عليه هذا الحارس ويسلم صورة منه.
3- الالتزام بالمحافظة علي الأموال المحجوز عليها:
الواجب الأساسي علي الحارس باعتباره من أعوان قاضي التنفيذ المحافظة علي الأشياء المحجوزة إلى وقت البيع أو انتهاء الحجز بأي سبب آخر([517])، وتقديمها يوم البيع، ويلتزم في ذلك بكل ما يلتزم به الحارس القضائي([518])، وهو يتقاضى
أجراً عن حراسته، ولهذا فإنه يلتزم بأن يبذل في حفظ الأشياء المحجوزة عناية الرجل المعتاد([519]).
فيتعين علي الحارس القيام بأعمال الحراسة علي نحو يحفظ الأشياء المحجوز عليها حتي تظل بحالتها التي كانت عليها وقت الحجز، وأن يقوم بأعمال الحفظ والصيانة اللازمة كما لو كانت معدات يلزم تشغيلها من وقت لآخر، بحيث إذا قصر في ذلك تعرضت للتلف، فيصبح ملتزما في مواجهة أطراف التنفيذ بكل الأعمال التي تساهم في المحافظة علي الأشياء.
ويلتزم الحارس في حالة حجز ثان علي نفس الأموال المحجوزة، أن يقدم صوره من محضر الحجز السابق ويقدم الأشياء المحجوزة.
يثار التساؤل عن التزام الحارس هل هو التزام ببذل عناية؟ أم أنه التزام بتحقيق نتيجة؟
يري الفقه أن الحارس يلتزم في حراسته عناية الرجل المعتاد، وذلك طبق
لنص المادة 734 مدني([520])، وقد قضي في فرنسا بمسئولية الحارس عن تحطم مركب- بالرغم مما ثبت من أن موج البحر كان عاليا- لأنه لم يتخذ أيه احتياطات ضد هذا الخطر([521]).
4- التزام الحارس بعدم استعمال أو استغلال المال المحجوز عليه:
لا يجوز للحارس أن يستعمل الأشياء المحجوز عليها أو يستغلها أو يعيرها وإلا حرم من أجرة الحراسة فضلا عن التعويض([522]).
ولكن يرد علي ذلك استثناءان:
أ – إذا كان الحارس مالكا لها أو صاحب حق انتفاع عيها فله أن يستعملها فيما حصصت له([523]).
ب- الإذن للحارس بالاستغلال، قد نصت المادة 368 مرافعات علي أنه في حالة الحجز علي ماشية أو عروض أو منقولات أو آلات لازمة لإدارة أو استغلال أرض أو مصنع أو مشغل أو مؤسسه، جاز لقاضي التنفيذ بناء علي طلب ذوي الشأن أن يكلف الحارس الإدارة أو الاستغلال أو يستبدل به حارسا آخر يقوم بذلك.
وبالتالي يمكن للحاجز أو المحجوز عليه إذا كان الحجز علي ماشيه أو آلات أو مصنع أو أي مال يحتاج إلى استغلال رفع دعوي تنفيذ مستعجل بتكليف الحارس بإدارة هذه الأموال، فإذا تبين انتفاء داريته بالاستغلال، أصدر القاضي حكما باستبداله الحارس بغيره ممن تتوافر لديه الدراية في الإدارة والاستغلال. وإذا كان المال المحجوز عليه عقارا فليس هناك ما يمنع الحارس من ادارته واستغلاله بإذن من قاضي التنفيذ([524]).
ويمكن للحارس طبقا لنص المادة 370 مرافعات أن يطلب الإذن من قاضي التنفيذ بجني أو حصاد الناتج عن الاموال المحجوز عليها وذلك بعريضة تقدم إلى القاضي أو من ذوي الشأن.
ويلتزم الحارس بتقديم حساب بما تسلمه وبما أنفقه معززا ذلك بالمستندات، ويلتزم بتقديم هذا الحساب في نهاية مهمته في الحراسة علي الأكثر. ويمكن أن يأمر القاضي الحارس باتخاذ دفاتر حساب منتظمة موقع عليها من قاضي التنفيذ([525]).
الفرع الثاني
جزاء مخالفة واجبات الحارس
يلتزم الحارس بالمسئولية الملقاة علي عاتقه وفي حالة اتلاف أو فقدان أو اختلاس للأشياء المحجوز عليها أو إخفاءها أو امتناع عن تسليمها، يرتب مسئولية قد تكون مدنية وجنائية، ولا يعفي من العقاب لو اعتقد بطلان الحجز لأن القصد الجنائي في الجريمة هو العبث بإجراءات التنفيذ القضائية، لا الاعتداء علي ملكية الأشياء المحجوزة، لأنه لم يكن قد حكم ببطلان الحجز، إذا كان يجب اللجوء إلي القضاء للحكم بالبطلان([526]).
ويجوز رفع دعوي مستعجلة بانتهاء الحراسة من جانب الغير، إذا فرضت الحراسة خطأ علي أعيان مملوكة له لا للخصوم، أو فرضت علي أعيانه بطريق التواطؤ بين الخصوم، وتقتصر المحكمة علي فحص ظاهر المستندات فإذا استبان لها صحة ذلك قضت برفع الحراسة([527]).
والواقع أن الحارس يعفي من المسئولية إذا ثبت أن الأضرار التي لحقت بالأشياء المحجوزة كانت نتيجة لقوة قاهرة([528]).
تنقسم الجزاءات الموقعة علي الحارس المخل بواجبه إلي نوعين:
أولا: الجزاءات المدنية:
نصت المادة 368 علي أنه يترتب علي استعمال الحارس للأشياء المحجوز عليها أو قام بإعارتها للغير حرمانه من الأجر بالإضافة إلى إلزامه بالتعويضات.
ويلاحظ أن هذا الجزاء مقرر لمصلحة طرفي التنفيذ، فيجب أن يطلب به الحاجز أو المحجوز عليه، ولا يحكم به القاضي من تلقاء نفسه، ويختص قاضي التنفيذ بنظر هذه المنازعة وترفع له في شكل دعوي موضوعية.
ثانيا: الجزاءات الجنائية:
إذا بدد الحارس الأشياء المحجوزة عوقب بعقوبة خيانة الأمانة، ولو كان هو المالك “م341 و342 عقوبات” ويلاحظ أن القانون يتطلب قصدا جنائيا خاصا وهو نية عرقلة التنفيذ، لأن الغرض من حماية قانون العقوبات للمال المحجوز ليس حماية الملكية وإنما المحافظة علي المال المحجوز لأغراض التنفيذ([529]).
وقد نصت المادة 373 مرافعات علي أنه يعاقب الحارس بعقوبة التبديد إذا تعمد عدم إبراز صورة محضر الحجز لمعاون التنفيذ، وترتب علي ذلك الإضرار بأي من الحاجزين.
المطلب الثالث
التزام الغير بتسيير إجراءات التنفيذ
توجد مجموعة من الالتزامات التي تقع علي رجال السلطة القضائية
والتنفيذية أثناء التنفيذ الجبري، كما أن مخالفة هذه الالتزامات يترتب عليها بعض الجزاءات.
سنشير إلى الالتزامات التي تقع علي عاتق رجال السلطة التنفيذ
والقضائية، ثم نبين الجزاء المترتب علي مخالفة هذه الالتزامات، وذلك في
الفروع الآتية:
الفرع الأول
الالتزامات التي تقع علي رجال السلطة القضائية والتنفيذية
لقد نص المشرع المصري علي مجموعة من الالتزامات تقع علي رجال السلطة القضائية والتنفيذية أثناء إجراء التنفيذ الجبري، وتتمثل في الآتي:
1- التزام المعاون بمباشرة التنفيذ إذا طلب ذلك
تنص المادة 279 مرافعات علي أنه يجري التنفيذ بواسطة معاوني التنفيذ،
وهم ملتزمون بناء علي طلب ذوي الشأن متى سلم طلب التنفيذ إدارة التنفيذ.
وإذا امتنع المعاون عن القيام بأي إجراء من إجراءات التنفيذ كان لصاحب الشأن
أن يرفع الأمر بعريضة إلى مدير إدارة التنفيذ، وبناء علي ذلك فإن المعاون يستطيع البدء في التنفيذ دون حاده إلى إذن من إدارة التنفيذ. ويتم ذلك بناء علي قيام
طالب التنفيذ بتحريك الجهاز القضائي للقيام بالتنفيذ الجبري عن طريق تقديم السند التنفيذي.
يشغل المعاون وهو موظف عام يحلق بإدارة التنفيذ مركزا هاما في قانون المرافعات، فهو وحده المختص بإجراءات التنفيذ، ويقوم معاون التنفيذ بمعاونة إدارة التنفيذ في عملية التنفيذ، وفي الواقع أن الذي يقوم بأغلب إجراءات التنفيذ هو المعاون، ولكن تحت رقابة وإشراف إدارة التنفيذ، ويباشر المعاون إجراءات التنفيذ أيا كان طريقته، سواء كان تنفيذا مباشرا أو غير مباشر عن طريق الحجز، وقد أورد المشرع عدة نصوص اسند فيها القانون إلي المعاون بعض الواجبات أثناء التنفيذ، ويجب علي المعاون عرض ملف التنفيذ علي إدارة التنفيذ عقب كل إجراء لتأمر بما تراه مناسبا.
ويرتب عن ذلك أن المعاون يلتزم بإجراء التنفيذ وفق الأوضاع والشروط المقررة في القانون متى طلب منه ذلك، فإذا امتنع دون الاستناد إلي حجة قانونية تبرر ذلك، كان مسئولا عن امتناعه وجاز لطالب التنفيذ أن يرفع أمره إلي مدير إدارة التنفيذ لجبره علي القيام بالتنفيذ أو اتخاذ الإجراء، أما اذا كان امتناعا مبنيا علي حجة قانونية كان له عرض الأمر علي ادارة التنفيذ لتفصل في الأمر([530]).
ولكن يلتزم المعاون بعدم التعرض لمدي جدية الإشكال في التنفيذ المرفوع أمامه([531])، وإنما يترك هذا لتقدير قاضي التنفيذ المختص تحقيقا للحكمة التي توخاها القانون من النص علي أن رفع الإشكال الوقتي يكون أمام قاضي التنفيذ باعتباره قاضيا للأمور المستعجلة، ولا يجوز للمعاون الاطلاع علي مستندات المستشكل، ويجب علي المعاون التحري عن سابقة الحجز علي ذات المنقولات المراد حجزها، ولا يلتفت إلى الأوراق غير الرسمية عند الحجز، ويقوم المعاون بإثبات كل ما يقدم إليه من اعتراض أثناء التنفيذ، ويجب علي المعاون تعيين الأمكنة التي يجري فيها التنفيذ بالمحاضر وإفراد محضر لك منها.
2- الالتزام بالإشراف علي أعمال التنفيذ
لقد حدد المشرع المصري اختصاص قاضي التنفيذ قبل تعديل قانون المرافعات بالقانون رقم 76 لسنة 2007، حيث نص في المادة 275 علي أن يختص قاضي التنفيذ، بجميع المسائل التي تتعلق بالتنفيذ الجبري، سواء أشراف علي إجراءات التنفيذ أو كان الاختصاص بالفصل في منازعات التنفيذ. وذلك في المواد 274 إلي 279 مرافعات. إلا ان ما جاء به المشرع من تعديل قصر اختصاص قاضي التنفيذ علي الفصل في منازعات التنفيذ.
ونظرا لكثرة منازعات التنفيذ وعدم تمكن قاضي التنفيذ من الإشراف
الكامل علي إجراءات التنفيذ، عمد بالمشرع إلي تعديل نظام السلطة المختصة بالقيام علي التنفيذ الجبري، فنشأ بمقتضي تعديله بالقانون رقم 76 لسنة 2007
ما يسمي بإدارة التنفيذ للإشراف علي إجراءات التنفيذ الجبري، ولم يعد لقاضي التنفيذ دور إلا فيما يتعلق بالفصل في المنازعات الموضوعية والوقتية المتعلقة بالتنفيذ.
حيث تتولي إدارة التنفيذ الإشراف والرقابة علي إجراءات التنفيذ التي تتم وبواسطة المعاون.
3- الالتزام بالفصل في منازعات التنفيذ
نص قانون المرافعات علي اختصاص قاضي التنفيذ في المادة 275، حيث “يختص قاضى التنفيذ دون غيره بالفصل فى جميع منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية أياً كانت قيمتها. ويفصل قاضى التنفيذ فى منازعات التنفيذ الوقتية بوصفة قاضياً للأمور المستعجلة”.
فقد قضت محكمة النقض بأنه “مفاد نص المادة 215من قانون المرافعات- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أن قاضى التنفيذ يختص دون غيره بإصدار القرارات والأوامر المتعلقة بالتنفيذ وبالفصل فى جميع المنازعات المتعلقة به سواء أكانت منازعة موضوعية أم وقتية سواء أكانت من الخصوم أم من الغير مما مقتضاه أن قاضى التنفيذ اصبح دون غيره المختص نوعيا بجميع منازعات التنفيذ الوقتية والموضوعية أيا كانت قيمتها وذلك فيما عدا ما استثنى بنص خاص”([532]).
يختص قاضي التنفيذ نوعيا بمنازعات التنفيذ، فإذا تحقق صفة التنفيذ في مسألة أو المنازعة المثارة أنعقد الاختصاص بها لقاضي التنفيذ. في الواقع قاضي التنفيذ لا يعد جهة استئنافية بالنسبة للحكم، فلا يختص بالتحقق من عدالة الحكم أو صحة قضائه في موضوع النزاع([533])، بل يختص بالمنازعات التي تثور أثناء تنفيذ الحكم والمتعلقة بإجراءات التنفيذ.
وقد ذهبت محكمة النقض إلي أن شرط تعلق المنازعة بالتنفيذ لانعقاد الاختصاص لقاضي التنفيذ يقصد به أن تكون منصبة علي أجراء من إجراءات التنفيذ او مؤثرة في سير التنفيذ وإجراءاته([534])، وان يكون التنفيذ جبرياً([535]).
4- الالتزام باستخدام القوة إذا وجدت عقبة مادية أمام التنفيذ:
يقتضي إجراءات التنفيذ الجبري تدخل السلطة التنفيذ لمساعدة القضاء علي التنفيذ في حالة وجود عقبة مادية تحول دون التنفيذ الجبري، لذا نصت المادة 280 مرافعات علي أنه “علي الجهات التي يناط بها التنفيذ أن تبادر إليه متي طلب منها وعلي السلطات المختصة أن تعين علي إجرائه ولو باستعمال القوة متي طلب منها ذلك”. والصيغة التنفيذية تتضمن أمر للمعاون بإجراء التنفيذ وأمر إلي رجال السلطة العامة بمعاونتهم، وهي تكتب حرفيا عند تحرير الصورة التنفيذية.
وهذه الصيغة هي عبارة عن ألفاظ حددها قانون المرافعات في مادته 280، وهي توضع علي صورة السند في شكل ختم مستطيل بعبارة تهدف إلي منح الدائن الحق في التنفيذ بواسطة السلطة العامة، وذلك باستخدام القوة الجبرية إذا كان هناك حاجة لذلك. وهذه الصورة تختلف عن أمر التنفيذ الذي يصدر بواسطة قاضي التنفيذ ليسبغ علي بعض الأوراق صفة السند التنفيذي. مثال ذلك أحكام المحكمين والأحكام الأجنبية والتي يراد تنفيذها في مصر، والحصول علي أمر التنفيذ هذا لا يغني عن ضرورة وضع الصيغة التنفيذية علي السند التنفيذي حتي يمكن التنفيذ([536]).
وتنص المادة 279 علي أنه إذا وقعت مقاومة أو تعد علي معاون التنفيذ وجب عليه أن يتخذ جميع الوسائل التحفظية وله في سبيل ذلك- بعد عرض الأمر علي مدير إدارة التنفيذ- أن يطلب معونة رجال السلطة العامة أو السلطة المحلية من أجل استخدام القوة.
الفرع الثاني
جزاء الإخلال بالالتزامات بتسيير إجراءات التنفيذ
سنشير إلي الجزاءات التي تترتب علي اخلال رجال السلطة العامة- القضائية والتنفيذية- بمباشرة إجراءات التنفيذ، ثم نبين بعض أوجه القصور في هذه الجزاءات، وذلك علي النحو التالي:
أولا: الجزاءات علي الإخلال بواجبات رجال السلطة العامة:
1- المسئولية المدنية والتأديبية:
معاون التنفيذ يكون مسئولا عن خطئة قبل أصحاب الشأن إذا لم يراعي ما أوجبه القانون، وتكون الدولة مسئولة عن خطئة قبلهم أيضا، وذلك يكون المعاون مسئولا مسئولية تأديبية التي يخضع لها موظفي الدولة.
وإذا كان معاون التنفيذ يؤدي عمله بناء علي طلب طالب التنفيذ، وإلا أنه موظفا عاما، فإنه يخضع لقواعد المسئولية التأديبية التي تحكم الموظف العام، وقد نظمت المواد 164ـ169 من قانون السلطة القضائية المسئولية التأديبية للمحضر والمعاون. وذلك اذا أرتكب خطأ وظيفيا حتي ولم يسبب هذا الخطأ ضررا لخصم معين([537]). فإذا امتنع المعاون عن القيام بالتنفيذ بالرغم من صدور قرار من قاضي التنفيذ فإنه يكون محل المسئولية التأديبية.
وقد يخضع المحضر للمسئولية المدنية اذا ارتكب خطأ سبب ضرراً للغير. وكذلك تكون الدولة مسئوله عن خطأ المحضر علي أساس مسئولية المتبوع عن أعمال التابع، وللمضرور رفع دعوي تعويض عن الضرر علي الحكومة والمحضر([538]). ويجوز للدولة الرجوع علي المحضر لأنها ليست مسئولة معه.
لقد نص قانون المرافعات علي بعض الأعمال التي تؤدي إلي مسئولية المعاون من ذلك ما نصت عليه المادة 433 مرافعات اذا تسبب المعاون في تأجيل البيع أو إعادة الإعلان تكون مصاريف الإعادة علي حسابه، وإذا قام المعاون بتعيين حارس ثم اتضح أنه غير مقتدر أو غير أمين وكان المحضر سيء النية أي يعلم بهذه الصفات وقت تعيينه، فإن المعاون يكون مسئولا قبل الخصوم بتعويضهم عن الأضرار التي تنتج عن هذا التعيين، كذلك إذا قام بتعيين من منع المشرع تعيينهم مخالفا المادة 364 مرافعات فانه يكون مسئولا قبل الخصوم بتعويضهم عن الأضرار التي قد تنتج من هذا التعيين([539]).
والخلاصة أن المعاون لا يسأل إلا عن خطئه في تأدية عمله، وهو يسأل مدنيا وجنائيا وتأديبيا، ويعفي المعاون من المسئولية، إذا قامت قوة قاهرة تؤدي إلى استحالة قيامه بالتنفيذ الجبري([540]) كحالة حرب، أو فتنه أو كوارث طبيعية أو اعتبارات الملائمة، وتقوم مسئولية الدولة في بعض الأحوال عن امتناع المعاون عن التنفيذ، مثال ذلك رفض الدولة بذل معاونتها للمعاون في تذليل العقبات المادية التي تعترض التنفيذ الجبري، أو رفض الحكومة المعاون قد يرجع إلى أسباب تقدرها كما لو أدركت أن التنفيذ يؤدي إلى الإخلال بالأمن العام، كما لا تنعقد مسئولية المعاون إذا كان المتسبب في عدم التنفيذ هو نفسه طالب التنفيذ.
2- الحكم علي القاضي بجريمة إنكار العدالة:
كذلك لا يجوز للقاضي أن يمتنع عن الفصل في الدعاوي التنفيذ، إلا للأسباب التي حددها القانون. وإلا تعرض لعقوبة إنكار العدالة، ويقصد بإنكار العدالة رفض القاضي صراحة أو ضمناً الفصل في الدعوي أو تأخير الفصل فيها رغم صلاحيتها للفصل فيها أو رفضه أو تأخيره البت في إصدار الأمر المطلوب علي عريضة([541])، ويذهب الفقه إلى أن المهم هو إثبات واقعة الامتناع بصرف النظر عن إرادة القاضي إنكار العدالة([542]).
ومن الثابت أن القاضي لا يجوز له الامتناع عن الفصل في الدعوي بحجة عدم وجود نص قانوني أو غموض النص أو عدم كفايته، إذ يجب عليه تكملة النص الناقص أو تفسير النص الغامض أو البحث عن القاعدة الواجبة التطبيق عند عدم النص.
وهناك بعض الحالات يكون تأخر القاضي في الفصل في الدعوي له ما يبرره قانوناً كما لو كانت الدعوي تثير مشكلة معقدة تتطلب وقتا للتفكير في حلها، أو كانت الدعوي لم ينته التحقيق فيها بعد، أو كان القاضي مريضا.
ويخضع إثبات إنكار القاضي للعدالة لقواعد خاصة، فيجب لكي يعد القاضي منكراً للعدالة أن يعذر القاضي مرتين علي يد محضر يفصل بين الإعذارين ميعاد أربعة وعشرين ساعة بالنسبة للأوامر علي عرائض، وثلاثة أيام في الدعاوي الجزئية والمستعجلة والتجارية، وثمانية أيام في الدعاوي الأخرى، ولا يعتبر القاضي منكراً للعدالة إلا بعد مضي ثمانية أيام علي آخر إعذار (مادة 494 مرافعات). وبالتالي لا يجوز إثبات إنكار العدالة بشهادة الشهود أو بقرائن يستند إليها الخصم.
وإذا رفعت الدعوي وأثناء نظر الخصومة أصدر القاضي الحكم أو الأمر قبل صدور الحكم بقبول دعوي المخاصمة، تكون المصلحة من المخاصمة قد أنتفت ويحكم بعدم قبول دعوي المخاصمة، حيث يجب توافر شرط المصلحة عند رفع الدعوي واستمرار ذلك حتى صدور الحكم فيه([543]).
3- الحكم بعقوبة الحبس والعزل للموظف:
إذا قام أي موظف بأي فعل سواء كان هذا الفعل الإيجابي أو السلبي قد أدي إلى عدم تنفيذ الأحكام أو التراخي في تنفيذها، فإنه يشكل عملا غير مشروع يسأل فاعله عن التعويض كما تسأل الحكومة علي أساس مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه([544]). هذا بالإضافة إلى المسئولية الجنائية.
فحرصا من جانب المشرع علي تحقيق التنفيذ الجبري وتحقيق استقلاله في مواجهة السلطة التنفيذية([545])، فقد نصت المادة 123 من نفس القانون علي أن يعاقب بالحبس والعزل كل موظف استغل سلطة وظيفته في وقف تنفيذ حكم أو أمر صادر من المحكمة، أو امتنع عمدا عن تنفيذ حكم أو أمر بعد مضي ثمانية أيام من إنذاره علي يد محضر، إذا كان تنفيذ الأمر أو الحكم داخلا في اختصاص الموظف. وهذا النص يعزز استقلال القضاء، ويمنع السلطة التنفيذية من التدخل في شئون القضاء عن طريق منع تنفيذ أحكام القضاء.
وقد نصت المادة 361 من قانون العقوبات اللبناني علي أن كل موظف يستعمل سلطته أو نفوذه مباشرة أو غير مباشرة ليعوق أو يؤخر تطبيق القانون أو الأنظمة أو جباية الرسوم أو الضرائب أو تنفيذ قرار قضائي، أي أمر صادر عن السلطة ذات صلاحية، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وإذا لم يكن الشخص الذي استعمل سلطته أو نفوذه موظفا عاما، فلا تتجاوز العقوبة السنة.
ويلاحظ أن عبارة الموظف تشمل المعين أو المنتخب، وسواء أكان دائما أم مؤقتا. والجرم يقوم إذا استعمل الموظف نفوذه ليحول دون تنفيذ الحكم القضائي، وقد يكون ذلك داخلا في صلاحية الموظف واختصاصه وقد لا يكون، كما لو كان الذي أمر بعد التنفيذ رئيسا للموظف المختص بالتنفيذ.
ويجب توافر القصد لدي الموظف، وهو ألا يكون لديه سبب مشروع لعدم تنفيذ الحكم أو تأخير تنفيذه، والسبب المشروع كما لو كان الحكم قد اعتراه الغموض أو شابه الإبهام، وكان من الضروري إزالة هذا الغموض أو الإبهام قبل التنفيذ.
ثانيا: بعض أوجه القصور في الجزاءات
- قد نصت المادة 274 و والمادة 278 مرافعات والمتعلقة بإنشاء ملف للتنفيذ ويعرض علي إدارة التنفيذ، لم ينص علي الجزاء المترتب علي مخالفة هذا الالتزام، فكان من الأولي النص علي أن مخالفة هذا الالتزام معاقبة المعاون أو القاضي المهمل([546]).
- نظام إشراف إدارة التنفيذ يتميز بأنه مراقبه لاحقة للقيام بالإجراء وليست رقابة سابقة علي عمل المعاون، والذي يكون له أثر كبير في تفادي بطلان الإجراءات التي يمكن أن يخطأ فيها المعاون أو إعادة القيام بالإجراء.
- في الواقع لم ينص المشرع علي جزاء علي امتناع السلطة العامة عن معاونة معاون التنفيذ ولو باستخدام القوة الجبرية إذا وجد مقاومة أو عقبة مادية تحتاج استخدام القوة الجبرية. فيثار تساؤل عن مدي مسئولية الدولة في حالة الامتناع عن توفير الحماية اللازمة لتمكين المعاون من إجراء التنفيذ بحجة ما قد يؤدي إليه التنفيذ من تهديد للنظام والأمن العام.
ذهب البعض من الفقه والقضاء إلي إمكانية امتناع جهة الإدارة عن مساعدة المعاون في إجراء التنفيذ إذا ترتب علي التنفيذ تهديد للأمن داخل المجتمع. علي أن يكون للمحكوم له الحق في طلب التعويض عن الأضرار التي لحقته من عدم التنفيذ([547]). والحق في التعويض يكون علي أساس مبدأ المساواة بين الأفراد أمام الأعباء العامة. ولا يؤسس التعويض علي أساس خطأ جهة الإدارة، لأن جهة الإدارة لم ترتكب أي خطأ، لأنها هدفت من الامتناع عن التنفيذ تحقيق المصلحة العامة متمثلة في تحقيق الأمن داخل المجتمع([548]). واذا كانت الحكومة مسئولة عن امتناع موظفيها أو تقصريهم أو تراخيهم في إجراء التنفيذ، ولكن يجوز لها الامتناع بدون مسئولية إذا وجدت قوة قاهرة تجعل التنفيذ مستحيل([549]) .
الباب الثاني
وسائل حماية الغير في التنفيذ الجبري
قد يصدر السند التنفيذي في شكل حكم قضائيا، وقد يمس بحقوق الغير، لذا نظم المشرعين حق للغير في الاعتراض علي السند التنفيذ، وذلك بهدف منع تنفيذ السند التنفيذ في مواجهته، ويسمي هذا الاعتراض في بعض الأنظمة الاعتراض الخارج عن الخصومة، ويسمي في أنظمة أخري التماس إعادة النظر.
في الواقع يجب أن يكون الحجز علي أموال المدين فقط، ولا يجوز المساس بأموال الغير، وإذا تم الحجز علي أموال غير مملوكه للمحجوز عليه، وذلك نظرا لكونها في حيازته، أو في حيازة الغير ولكن اختط علي طالب التنفيذ تحديد أموال المدين، فإن هذا الحجز يكون باطل، ولكنه لكي يتقرر بطلانه لا بد من رفع دعوي أمام قاضي التنفيذ يطلب فيها الغير صاحب المصلحة إخراج هذا المال من قيد الحجز وبطلان الحجز، وتسمي هذه الدعوي في القانون بدعوي استرداد المنقولات المحجوزة أو دعوي استحقاق بالنسبة للعقارات.
تقتضي حماية الغير في التنفيذ الجبري، تمكينه من الاعتراض علي السند التنفيذي، وحق الغير في الاعتراض علي إجراءات التنفيذ الجبري، وسنشير إلي ذلك في الفصلين الآتيين:
الفصل الأول
حق الغير في الاعتراض علي السند التنفيذي
تقتضي قواعد العدالة والانصاف أن حجية السند التنفيذي وقوته التنفيذية تقتصر علي أطراف النزاع دون غيرهم، والقول بغير ذلك يخل بقواعد العدالة([550])، فالحكم لا يعني بالنسبة للغير أكثر من كونه ورقة بيضاء، فإذا مس الحكم حقوق الغير، فإنه يحق له الاعتراض عليه، وذلك بهدف منع تنفيذه في مواجهته ومنع الاحتجاج عليه بهذا الحكم، عن طريق سحبه أو تعديله أثناء الاعتراض عليه.
في الواقع اختلفت الأنظمة القانونية في بيان طرق اعتراض الغير علي الحكم الصادر. فبعض الانظمة قررت للغير طريق طعن خاص، بينما ذهبت أنظمة أخري إلى تنظيم طرق طعن مشتركه بين الغير والخصوم.
سنشير إلى حق الغير في الاعتراض علي الحكم في القانون المصري، وذلك في المبحث الأول، ونعالج حق الغير في الاعتراض في القانون المقارن، وذلك في المبحث الثاني، أما المبحث الثالث، فيخصص لموقف الفقه من اعتراض الغير علي الحكم.
المبحث الأول
اعتراض الغير علي الحكم في القانون المصري
سنشير إلى ماهية اعتراض الغير علي الحكم، وشروط اعتراض الغير علي الحكم، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
ماهية اعتراض الغير علي الحكم في النظام المصري
سنشير إلي المقصود باعتراض الغير علي الحكم، ثم تطور اعتراضه في النظام المصري.
الفرع الأول
المقصود باعتراض الغير علي الحكم
هذا الطريق كان يقصد به في قانون المرافعات السابق، الاعتراض الخارج عن الخصومة وهو الطعن في الحكم من شخص لم يكن طرفا فيه لا بنفسه ولا بالنيابة ولا بالوكالة، إذا كان هذا الحكم يمس حقا من حقوقه فيتعدى أمره إليه ولو أنه لم يظهر في القضية التي صدر الحكم فيها (م417 مختلط). والأشخاص الذين يجوز لهم الطعن بهذه الطريقة في ظل هذه القوانين ينقسمون إلى قسمين، قسم لا يستمد حقه من خصم، ولا يمكن تنفيذ الحكم عليه، وهم غير الدائنين ممن يجوز أن يعود عليهم ضرر من الحكم، وقسم يستمد حقه من خصم فهو ممثل في الحكم ولا يمكنه ايقاف تنفيذه وهم الدائنون إذا صدر الحكم بتواطؤ مدينهم مع الغيرالمحكوم له([551]).
واعتراض الغير علي الحكم في ظل قانون المرافعات الحالي يدخل ضمن حالات التماس إعادة النظر، يمكن تعريف التماس إعادة النظر بأنه، طريق طعن غير عادي في الأحكام النهائية أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه إذا توافرت اسباب الالتماس، وقد يكون الطعن امام نفس القضاة الذين أصدر الحكم الملتمس فيه. إذاً اعتراض الغير في قانون المرافعات الحالي، هو طعن غير عادي يتقدم به شخص أضر الحكم بمصلحته ولا يعد خصما ولا مختصما في الدعوي، وذلك في الأحوال المقرر في القانون.
ويلاحظ أن الالتماس لا يرفع ضد الاحكام الابتدائية، وإنما يرفع ضد
الأحكام الصادرة بصفه انتهائية، سواء صادره من محاكم الاستئناف أو المحاكم الابتدائية أو المحاكم الجزئية، وأسباب الالتماس منصوص عليها علي سبيل الحصر في القانون([552]).
الفرع الثاني
تطور نظام اعتراض الغير في القانون المصري
أولا: اعتراض الغير في النظام المصري السابق
في الواقع لا يعرف قانون المرافعات الأهلي هذا الطريق من الطعن، حيث كان ينظم من طرق الطعن غير العادية التماس إعادة النظر والطعن في الحكم بالنقض فقط، ففي قانون المرافعات الاهلي، لمن يتضرر من الحكم أما أن يرفع دعوي علي من يري له مصلحة في مقاضاته، وإذا لم يكن طرفا في الحكم ولا ممثلا فيه فله الممانعة أو الاستشكال في تنفيذ الحكم إذا كان يضره تنفيذه([553]).
أما بالنسبة لقانون المرافعات المختلط ولائحة ترتيب المحاكم الشرعية (م337و 338) والقانون المرافعات الفرنسي فقد نظموا طريقا ثالثا من طرق الطعن غير العادية، هو طريق معارضة الخصم الثالث أو الطعن في الحكم ممن يتعدى إليه.
وقد رأي المشرع في ظل قانون المرافعات السابق بعض مزايا هذا النظام، فاقتبسه بعض صوره فقط، حيث لم يأخذ بهذا النظام كما في القوانين التي اقتبسه منها، بل عدل في احكامه بحيث يجعله مقصورا علي طائفة معينة من الطاعنين.
والواقع أن القوانين المختلفة قد أفردت تسميات عده لتنظيم حق الغير في الاعتراض علي الحكم، فالقانون المختلط والقانون الفرنسي أفرد تسمية معارضة الخصم الثالث، وقانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني فضل مسمي اعتراض
الغير، وبالنسبة للائحة الشرعية فقد فضلت مسمي الطعن في الحكم ممن يتعدى إليه.
ويلاحظ أن المشرع المصري في قانون المرافعات السابق نبذ هذه التسميات وتخير اسما مناسبا لطبيعة الدلالة علي هذا الطعن، حيث يهدف إلي منع امتداد
أثر الحكم إلي شخص يدعي أنه من الغير بالنسبة للحكم الصادر في الدعوي
علي ممثله الذي كان طرفا في الخصومة، لذا سمي بالاعتراض الخارج عن الخصومة([554]).
ويقصد بالاعتراض الخارج عن الخصومة، طعن الغير علي الحكم، وذلك بهدف سحب الحكم أو تعديله لمصلحة الغير، حيث نصت المادة 582 من قانون المرافعات القديم علي أن ” اعتراض الغير يهدف إلى سحب الحكم أو تعديله لمصلحة الغير الذي طعن فيه”. يلاحظ أن الاعتراض المقدم من الخارج عن الخصومة، طريق يسلكه من يتعدى إليه الحكم باعتباره ممثلا في الخصومة، ويقصد به منع امتداد أثر الحكم إليه والتقرير بأنه ليس له حجية عليه.
بالرغم من أن المشرع المصري أفرد لهذا الطريق من الاعتراض علي الحكم بابا خاصا بعد أن فرغ من تنظيم وسائل الطعن بنوعيه العادي وغير العادي([555])، وذلك علي أساس أن الاعتراض يوجه إلي الحكم ذاته بقصد سحبه أو تعديله بالنسبة للمعترض. إلا أن الفقه يري أن هذا الاعتراض طريق خاص من طرق الطعن في الحكم، ويسري عليه ما يسري علي الطعون من أحكام عامة.
ونري أن الاعتراض الخارج عن الخصومة، طريق طعن غير عادي، يطبق عليه الأحكام العامة لطرق الطعن الغير عادية، وتنظيم المشرع له في بابا خاص وذلك لخصوصية هذا الطريق، وتمييزه ببعض الخصائص، حيث يتقدم بالطعن شخص من الغير، وهذا لا يمنع من كونه طريق طعن غير عادي علي الحكم.
والواقع أن الطعن المرفوع من الغير لا يفيد إلا هذا الشخص، بمعني إذا قبل الطعن فلا يعدل الحكم إلا بقدر ما يوافق مصلحة الطاعن، ولا ينظر لمصلحة من لم يطعن إلا إذا كان الموضوع غير قابل للتجزئة، فحينئذ يفيد الطعن كل من له مصلحة فيه إذ ان التنفيذ لا يتجزأ.
ثانيا: أعتراض الغير في النظام المصري الحالي
لقد الغي المشرع المصري في قانون المرافعات الحالي الاعتراض الخارج
عن الخصومة، حيث قام بتوسيع حالات الطعن بالتماس اعادة النظر، وأدخل
فيها حالات الاعتراض الخارج عن الخصومة، فلم يعد المشرع المصري الحالي
يخص الغير بوسيلة طعن خاصة في الأحكام لحماية حقوقه من آثارها، وإنم
اكتفي في ذلك بقاعدة النسبية في بعض الحالات، وأجاز للغير الطعن بأحد الطرق المقررة للخصوم وهو التماس إعادة النظر في بعض الحالات. وذلك علي عكس بعض القوانين الأخرى التي تفرد للغير طريقا خاصا للاعتراض مثل القانون الفرنسي واللبناني.
لو نظرنا لموقف المشرع المصري سنجد أنه صدي لرأي الفقه التقليدي في فرنسا والذي نادي به الفقيه شوفوchauvean ومقتضاه أن الغير ليس بحاجة إلى تنظيم طريق طعن خاص به لحماية حقوقه من آثر الأحكام. وعلي أساس أن حالات الاعتراض من الغير تعتبر تظلما من حكم صدر علي شخص من الغير، ولكنه اعتبر ممثلا في الخصومة([556]).
إذن جعل المشرع حالات الاعتراض الخارج عن الخصومة سببا لالتماس إعادة النظر، فنصت المادة 241 مرافعات علي أنه “للخصوم أن يلتمسوا إعادة النظر في الأحكام الصادرة بصفة انتهاءيه في الأحوال الآتية… لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوي حجة عليه ولم يكن قد تدخل أو أدخل فيها بشرط إثبات غش من كان يمثله أو إهماله أو تواطئه. كما نص علي أنه من بين أحوال التماس إعادة النظر حالة ” إذا صدر الحكم علي شخص طبيعي أو اعتباري لم يكن ممثلا تمثيلا صحيحا وذلك فيما عدا حالة النيابة الاتفاقية”.
ويمكن القول بأن المشرع المصري في القانون الحالي قد نظم حقا للطعن للغير، إذا قدر أن الحكم الصادر في خصومة معينة بين طرفيها قد أضر به، وأن يدعي ضد هذا الحكم بصيغة اعتراض ليتمكن من رفع الضرر الذي قد يتعرض له نتيجة هذا الحكم الذي لا حجية له عليه، ولا يمتد إليه أثر.
المطلب الثاني
شروط طعن الغير بالتماس إعادة النظر وأثاره في القانون المصري
سنشير إلي شروط الطعن بالتماس اعادة النظر من الغير، و وآثار الطعن بالتماس علي التنفيذ الجبري، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
شروط طعن الغير بالتماس إعادة النظر
طبقا للقواعد العامة يجب لقبول التماس إعادة النظر أن يتوافر للغير مصلحة، ويقصد بذلك أن يعود عليه ضرر من الحكم الصادر، حيث أنه لا يمكن قبول أي طلب أو دفع أو طعن إلا إذا كان لصاحبه فيه مصلحة قائمة ومشروعه وشخصية، وتتمثل مصلحة الغير الملتمس في دفع الضرر الذي سيصيبه من الاحتجاج عليه بالحكم. ويشترط ألا يكون الغير قد سبق وقبل الحكم، حيث يفقد حقه في الالتماس بالقبول لانتفاء مصلحته في الطعن في الحكم.
طبقا لنص المادة 241 مرافعات يشترط لطعن الغير بالتماس إعادة النظر توافر الشروط الآتية:
الشرط الأول: صفة الغير الملتمس في الحكم.
الشرط الثاني: أن يكون الحكام يقبل التماس إعادة النظر.
يمكن تفصيل هذه الشروط علي النحو التالي:
الشرط الأول: أن يكون الطاعن من الغير
طبقا لنص المادة ٢٤١مرافعات يمكن للغير أن يطعن في الحكم بالتماس إعادة النظر إذا فقد الشخص تمثيلة في الدعوي.
يلاحظ أن نص المادة 241 مرافعات قصر اعتراض الغير علي طائفتين من الاشخاص، وهما:
الطائفة الأولي: الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي لم يكن ممثلا في الدعوي تمثيلا صحيحا:
- نصت المادة 241/7 مرافعات علي أنه يمكن التماس إعادة النظر “إذا صدر الحكم علي شخص طبيعي أو اعتباري لم يكن ممثلا تمثيلا صحيحا في الدعوي وذلك فيما عدا حالة النيابة الاتفاقية”.
وهذا الشرط هو الذي يبرر إدراج هذه الحالة في حالات التماس إعادة النظر من الغير، وليس من الخصوم، فعدم التمثيل الصحيح يترتب عليه أن يصير الطرف الأصلي من الغير بالنسبة للحكم الذي صدر في مواجهة الممثل.
ويفترض هذه الحالة أن يكون الشخص ممثلا في الخصومة بنص القانون كالقاصر أو المريض مرضا عقليا، أو بحكم قضائي، كالمحجوز عليه والمفلس، ولكن تمثيله لم يتم بصورة صحيحة طبقا للقانون. كما يجب ألا يكون طرفا شخصيا فيه([557]).
ويكون المثيل غير صحيح قانونا إذا قام به شخص آخر غير صاحب الصفة في مباشرة إجراءات الخصومة باسم الاصيل، كما لو صدر الحكم في مواجهة شخص آخر غير الولي أو الوصي صاحب السلطة في تمثيل القاصر أو السنديك الذي يمثل المفلس أو الشخص الذي حدده القانون لتمثيل الشخص الاعتباري.
كما تشمل هذه الحالة أيضا تجاوز الممثل لحدود تمثيله كما لو تعدي مدير الشركة الحدود التي وضعها القانون أو اللائحة لقيامة بتمثيل الشركة في الخصومات القضائية، وأيضا صدور الحكم في مواجهة الخصم رغم وجوب تمثيلة في الإجراءات، كما لوحكم علي القاصر أو المحجور عليه دون علم الوصي أو الولي، وكذلك الحكم علي الورثة دون قيام مصفي التركة بتمثليهم([558]).
كذلك لا يكون التمثيل صحيحا إلا إذا ارتكب الممثل غشا أو تواطئا للإضرار بحقوق الأصيل، فالغش يفسد كل شيء والقاعدة أن من غشك لا يمثلك، ونتيجة لذلك يصير الطرف الأصيل من الغير بالنسبة للحكم الصادر في مواجهة ممثله.
ومن ثم يخرج عن هذه الطائفة:
- من كان طرفا في الخصومة بشخصه سواء أكان مدعيا أو مدعيا عليه أو متدخلا.
- كذلك يخرج عنها من لم يكن ممثلا في الخصومة من أحد أطرافها، لأن الاعتراض يقصد به دفع أثر الحكم عمن يعتبر حجة عليها، فمن لا يسر عليه الحكم قانونا لا يكون اعتراضه مقبولا، ويكفيه أن يدفع تنفيذ الحكم إذا أضر به نسبية الأحكام. وأنه لم يكن طرفا في الخصومة التي صدر فيها الحكم لا بنفسه ولا بمن يمثله. كما يكون له أن يطلب حقه بدعوي مبتدئه متجاهلاً صدور الحكم في الدعوي التي لم يكن طرفا فيها.
الطائفة الثانية: من يعتبر الحكم حجة عليه ولم يكن قد أدخل أو تدخل فيها
حيث ذكرتها نص المادة 241 /8 مرافعات بقولها” لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوي حجة عليه لم يكن قد أدخل أو تدخل فيها بشرط إثبات غش من كان يمثله أو تواطئه او إهماله الجسيم”. وهؤلاء الأشخاص يعتبرون ممثلين في الخصومة، ولكن هناك غش أو تواطؤ أو إهمال جسيم من ممثلهم.
ويجب توافر الصفة الأتية في الطاعن:
- يجب أن يكون الطاعن من الغير بالنسبة للحكم المطعون فيه، فلا يقبل التماس إعادة النظر طبقا لهذه الحالة إذا كان طالبه طرفا في الخصومة التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، سواء كان طرفا أصليا أم متدخلا أم مدخلا في إجراءاته([559]).
- أن يكون الطاعن ممن يحتج بالحكم المطعون فيه في مواجهتهم، ويكون ذلك في حالة الخلف أو الدائن للمحكوم عليه، حيث يحوزن مركزا تابعا ومستمدا من مركز الخصوم، ولذلك يكون الحكم في مواجهة هذا الخصم نافذا في مواجهتهم. فيما عادة هؤلاء- كالدائنين أو المدينين المتضامنين مع المحكوم عليه أو الشركاء معه في مال غير قابل للقسمة- فلا يجوز لهم التماس إعادة النظر، لأن هؤلاء في مركز مستقل عن المحكوم عليه ولا ينفذ الحكم الصادر ضده في مواجهتهم، وقد رأي المشرع أنه يكفي لحماية حقوقهم من آثار هذا الحكم الاستناد إلى قاعدة النسبية الواردة في المادة 101 من قانون الإثبات.
يلاحظ أن ظاهر نص مادة ٢٤١/٨- أن هذه الحالة تتعلق بحالة التمثيل الإجرائي، أي أن الملتمس يجب أن يكون طرفا ممثلا في الخصومة، فإن الحقيقة غير ذلك، لأن صفة الطرف في الخصومة لا تتفق مع عبارتي التدخل والإدخال الواردتين في النص السابق. لذا يري البعض أن هذه الفقرة تتعلق بالحالات التي يحتج فيها بالحكم في مواجهة غير الخصوم بسبب تبعية الخصوم مراكزهم لمراكز هؤلاء الخصوم كما لو كانوا خلفا لهم أو دائنين.
والواقع نري أن هذه الصياغة تحتاج إلى تعديل، وذلك لأن في بداية الفقرة يشير المشرع إلى أن الملتمس يكون من الغير لأنه غير متدخل أو مدخلا في الخصومة، ثم بعد ذلك يشير إلى أنه من الخصوم، باعتباره ممثلا في الخصومة، ولكنه فقط التمثيل بسبب الغش أو التواطؤ أو الاهمال الجسيم.
ويمكن تفسير هذه الفقرة علي اساس أن المشرع قصر الالتماس علي الخصم الذي فقد تمثيله متي كان هذا الخصم خصما اصليا، وليس خصما متدخل او مدخلا في الخصومة، ولا يكون بالنسبة للخصم الذي يمثل شخصه في الخصومة، كما يمكن أن تنطبق علي خلف الخصم والدائنين له، وذلك باعتباره ممثلا لهم في الخصومة.
ويثار التساؤل لو كان هذا الخصم متدخل أو مدخل في الخصومة له ممثل، وفقد هذا التمثيل لغش الممثل او اهماله الجسيم، فهل يحق له الاعتراض علي الحكم بالتماس إعادة النظر، في الواقع نري أنه يحق له الاعتراض رغم أن ظاهر النص لا يشير إلى ذلك، وذلك لأن المتدخل أو المدخل في الخصومة يصبح طرفا فيها، وله كل ما للخصوم من حقوق وعليه ما يجب عليهم من واجبات، ويحتج بالحكم في مواجهته. لذا يكون من العدالة أن يحق له الاعتراض علي الحكم بالتماس إعادة النظر إذا توافر ت شروطه.
وتتمثل هذه الشروط في الآتي:
- ثبوت الغش أو التواطؤ أو الاهمال الجسيم، لأن ذلك يقطع التبعية بين مركز الطاعن والمحكوم عليه. وتقدير ذلك يخضع لسلطة قاضي الموضوع دون رقابة عليه من محكمة النقض مادام قد بني قراره علي أسباب سائغة تؤدي إليه([560]). ويجب قيام رابطة النسبية بين غش المحكوم عليه أو تواطئه أو إهماله والحكم ضد الخصم الأصيل([561]).
ونري أن المقصود بالغش أو التواطؤ، تصرف الممثل بقصد وسوء نية للأضرار بحقوق من يمثله، أو لتحقيق مصلحة شخصية أو لترجيح كافة الخصم الأخر. ويقصد بالخطأ الجسيم، هو الخطأ الجسيم الذي ما كان ينساق اليه لو اهتم بواجباته الإهمال العادي للأمر، ولا يشترط هنا سوء نية الممثل.
ويجب أن يؤدي الغش إلي منع الخصم من حرية الدفاع وأن يتوجه الغش إلى احد مصادر معلومات القاضي ولم يتح للمحكمة أن تتحرز عن اخذها به بسبب عدم قيام المحكوم عليه بدحضه وتنويرها في حقيقة شانه لجهله به وخفاء امره عليه بحيث يستحيل كشفه. ويجب أن يكون الغش حافيا علي الملتمس طوال نظر الدعوي بحيث لم تتح له الفرصة لتقديم دفاعه فيه وتنوير حقيقته للمحكمة فتأثر به الحكم([562]).
- أن يكون الطاعن قد لحقة ضرر من الحكم المطعون فيه
ويلاحظ أن الضرر لا يعود علي الملتمس بصورة مباشرة، ولكن بطريق غير مباشرة أو بطريق الانعكاس نتيجة الاحتجاج بالحكم في مواجهته بسبب تبعية مركزه لمركز الخصم المحكوم ضده. ولا يشترط أن يكون الضرر حالا، بل كفي أن يكون محتملا.
ويجب أن يكون التقدير الذي اشتمل عليه الحكم قد تحدد استنادا إلى التمثيل المزيف للحقيقة الراجع إلى الغش بحيث أنه بغير هذا الغش ما صدر الحكم بالمضمون الذي صدر به.
ويثور التساؤل عن مدي قبول التماس فرعي قياسا علي الاستئناف الفرعي؟ في الواقع لم ينص القانون علي جواز رفع التماس فرعي كما فعل بالنسبة للنص علي الاستئناف الفرعي، لذا نري أنه لا يجوز رفع هذا الالتماس.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم يقبل التماس إعادة النظر:
تنص المادة 241 مرافعات علي أنه للغير وللخصوم ” أن يلتمسوا إعادة النظر في الأحكام الصادرة بصفة انتهائيه في الأحوال الآتية:…”.
يتضح من النص أن الشرط الوحيد بالنسبة للأحكام التي تقبل التماس إعادة النظر هي أن تكون انتهائيه. ويكون الحكم انتهائي في الأحوال الآتية:
- إذا كان صادرا من محاكم الدرجة الثانية، سواء كان قابلا للطعن بالنقض أم لا.
- الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأول في حدود نصابها الانتهائي.
- الأحكام التي اتفق الخصوم علي عدم الطعن في الحكم.
- الأحكام التي فات الطعن فيها بالاستئناف أو حكم بعدم قبول الاستئناف أو زال الاستئناف بأي طريق.
وبالتالي إذا كان الحكم يقبل الطعن بالاستئناف فانه لا يكون قابلا لالتماس إعادة النظر، وذلك لعدم الحاجة إلى هذا الطريق، إذ يمكن معالجة الخطأ المنسوب إليه في الواقع عن طريق الاستئناف([563])، ويقبل الحكم الالتماس سواء كان صادرا من محكمة عادية أو استثنائية، حكما منشأ أو تقريريا، صادرا بقبول الدعوي أم عدم قبولها، منهيا للخصومة. ويجوز الطعن بالالتماس في الاحكام الغيابية الصادرة في الاحوال الشخصية ما دام غير قابل للطعن فيه بالاستئناف. ويجوز استثناء الطعن في الاحكام الانتهائية ولو كانت قابلة للاستئناف بموجب المادتين 221,222 مرافعات([564]).
ويثور التساؤل إذا كان المشرع نص علي اشتراط أن يكون الحكم نهائيا للطعن عليه بالتماس إعادة النظر، فهل كل الاحكام النهائية تقبل هذا الطعن؟
في الواقع هناك أحكام نهائية لا يجوز فيها الطعن بالالتماس ولو قام بها سبب من أسبابه، ويرجع ذلك المنع أما لإرادة المشرع الذي منع الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن وأما لنص المشرع علي منع الطعن فيها بالالتماس، ويتمثل ذلك في الآتي:
1- الاحكام الصادرة من محكمة النقض:
في الواقع الأحكام الصادرة من محكمة النقض لا يجوز الطعن عليها بأي طريق من طرق الطعن، سواء كان طعن عادي أو غير عادي، وحتي ولو كانت فاصلة في الموضوع .
الاستثناء الوحيد علي القاعدة السابقة هو سحب حكم النقض لعدم صلاحية أحد القضاة الذين أصدروا الحكم، حيث ذهبت محكمة النقض إلى أن “الطعن على الحكم الصادر من محكمة النقض لا يجوز بأي طريق عادى أو غير عادى بما في ذلك التماس إعادة النظر.
الاستثناء الوحيد على القاعدة السابقة هو سحب حكم النقض لعدم صلاحية أحد القضاة الذين أصدروا الحكم نقض محكمة النقض للحكم وتصديها للفصل في موضوعه في الأحوال المقررة لا يجعل الحكم الصادر من محكمة استئناف بل هو حكم محكمة نقض”([565]).
2- الأحكام الصادرة برفض الالتماس والصادرة بعدم قبول الالتماس:
إذا قدم التماس وحكم في الالتماس بالرفض أو بعد القبول ثم ظهرت بعد ذلك اسباب جديدة قوية، فلا يجوز رفع التماس جديد، وذلك عملا بالقاعدة في فقه المرافعات الالتماس لا يجوز بعد الالتماس، ولو كان الطعن الثاني مبنيا علي اسباب جديدة ولو كانت لم تظهر إلا بعد الحكم بقبول الالتماس الاول أو رفضه، مع ملاحظة أن منع الالتماس لا يسري إلا علي الملتمس أمام المدعي عليه في طعن بالالتماس فيجوز له ان يرفع التماسا إذا كان ميعاد الالتماس ممتد.
حيث ذهبت محكمة النقض إلى أن التماس إعادة النظر في حكم صادر في التماس إعادة النظر غير جائز ولو كان مبنيا على أسباب جديدة. الحكم الصادر في الالتماس يقبل الطعن عليه بطريق النقض. م 248 مرافعات، حيث قضت المحكمة بالآتي: ” المادة 247 من قانون المرافعات تنص على أن الحكم الذى يصدر برفض الالتماس وكذلك الذى يصدر في موضوع الدعوى بعد قبول الالتماس لا يجوز الطعن عليهما بطريق التماس إعادة النظر مره ثانية حتى ولو كان الطعن الثاني مبنيا على أسباب جديدة. يفيد أن ما حظره الشارع في هذه الحالة هو الطعن بالالتماس للمرة الثانية أي رفع التماس بعد التماس وفيما عدا ذلك يترك أمر الطعن في الأحكام الصادرة في الالتماس للقواعد العامة. لما كان ذلك وكان التماس إعادة النظر طريق غير عادى للطعن في الحكم النهائي يرفع إلى نفس المحكمة التي أصدرته متى توافر سبب من أسباب الالتماس التي بينها القانون بيان حصر. وكان صدور الحكم الملتمس فيه من محكمة الاستئناف يستلزم رفع الالتماس إليها فإن القضاء فيه يعتبر حكما صادرا منها وبالتالي يقبل الطعن عليه بطريق النقض إعمالا لنص المادة 248 مرافعات التي تجيز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف بما يكون معه الدفع بعدم جواز الطعن غير سديد” ([566]).
3- الأحكام المستعجلة التي تصدر بصفة نهائية:
حيث ذهب الرأي الغالب إلى أن هذه الأحكام لا تقبل الطعن فيها، لأنها ذات حجية وقتية، وليس لها أثر علي الحكم في الموضوع([567]).
وعلي العكس من ذلك ذهب بعض الفقهاء إلى جواز الطعن بالتماس إعادة النظر في الأحكام المستعجلة التي تصدر بصفة انتهاءيه([568])، وقد استند هؤلاء الفقهاء إلى أن نص المادة 241 مرافعات جاء عاما بالنسبة لجميع الأحكام الانتهائية، وليس هناك ما يمنع تطبيقه بالنسبة للأحكام المستعجلة، كما لا يمكن التمسك بالصفة الوقتية لهذه الأحكام، لأن محكمة الطعن تتقيد بنفس سلطات القاضي المستعجل ومنها عدم المساس بالحق وضرورة توافر ركن الاستعجال. كما أن الأحكام المستعجلة يجوز الطعن فهيا بالنقض، فبالتالي لا يكون هناك مانع للطعن فيها بالالتماس.
4- أحكام المحكمين:
هي دائما انتهائية لأنها لا تقبل الطعن بالاستئناف، ولذلك يري البعض أنها تقبل الطعن بالتماس إعادة النظر، ويرفع الالتماس في هذه الحالة إلى المحكمة التي كان من اختصاصها أصلا نظر الدعوي([569]).
والواقع أن هذا الرأي يتناقض مع نص المادة 52 من قانون التحكيم
والتي تنص علي أنه “لا تقبل أحكام التحكيم التي تصدر طبقا لأحكام هذا القانون الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية، وبالتالي فلا يجوز الطعن فيها بطريق التماس إعادة النظر أو النقص أو الاستئناف.
ونرى أنه يمكن الطعن بالتماس إعادة النظر في الحكم الصادر من محكمة الطعن بالبطلان، وذلك في الحالات التي نص عليها المشرع بالنسبة للغير.
الفرع الثاني
آثار الطعن بالتماس إعادة النظر علي التنفيذ
يرفع الالتماس امام المحكمة التي اصدرت الحكم بصحيفة تودع قلم كتابها وفقا للأوضاع المقررة لرفع الدعوى ويجب ان تشتمل صحيفته على بيان الحكم الملتمس فيه وتاريخه واسباب الالتماس والا كانت باطلة ويجب على رافع الالتماس في الحالتين المنصوص عليهما في الفقرتين السابعة والثامنة من المادة 421 ان يودع خزانة المحكمة مبلغ عشرة جنيهات على سبيل الكفالة ولا يقبل قلم الكتاب صحيفة الالتماس اذا لم تصحب بما يثبت الايداع. ويجوز ان تكون المحكمة التي تنظر الالتماس مؤلفة من نفس القضاة الذين اصدروها الحكم
ويرفع الالتماس بصحيفة تودع قلم كتاب المحكمة التي اصدرت الحكم المراد الالتماس فيه ويكون رفع الالتماس طبقا للأوضاع المقررة في المادة 63 من قانون المرافعات لرفع الدعوى.
ينظر التماس إعادة النظر علي مرحلتين أولاهما التحقق من شرائط قبوله الشكلية([570]) وثانيهما الفصل في الطلبات الموضوعية الالتماس. وتفصل المحكمة اولا في جواز قبول التماس اعادة النظر ثم تحدد جلسة للمرافعة في الموضوع دون حاجة الى اعلان جديد على انه يجوز لها ان تحكم في قبول الالتماس وفى الموضوع بحكم واحد اذا كان الخصوم قد قدموا امامها طلباتهم في الموضوع.
سنشير إلى آثار رفع الالتماس علي تنفيذ الحكم، وآثار قبول ورفض الالتماس علي التنفيذ، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: آثار رفع الالتماس علي تنفيذ الحكم:
تنص المادة 244 مرافعات علي أنه” لا يترتب علي رفع الالتماس وقف تنفيذ، ومع ذلك يجوز للمحكمة التي تنظر الالتماس أن تامر بوقف التنفيذ متي طلب ذلك وكان يخشي من التنفيذ وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه”.
ويتضح من ذلك أنه يترتب علي رفع الالتماس ما يلي:
1- القاعدة: عدم الوقف القانوني للتنفيذ
ل يرتب علي رفع الالتماس وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، فلم يرتب القانون علي مجرد رفع الالتماس وقف تنفيذ الحكم، ولذلك فمن الجائز أن يقوم المحكوم له بتنفيذ الحكم رغم الطعن فيه بالالتماس، ولا شك ذلك يتفق مع طبيعة الالتماس باعتباره طريق طعن غير عادي.
ولكن قد يترتب علي الاستمرار في التنفيذ أضرارا بالمحكوم عليه، ويصعب إعادة الحال إلى ما كان عليه إذا الغي الحكم في التماس، لذا أجاز المشرع استثناءً الوقف القضائي.
2- الاستثناء: الوقف القضائي للتنفيذ:
خروجا علي القاعدة السابقة وهي عدم الوقف القانوني للتنفيذ بسبب رفع التماس إعادة النظر، أجاز المشرع لمحكمة الالتماس أن تأمر بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه إذا تحققت الشروط التي نصت عليها المادة 244 من قانون المرافعات، والتي تتثمل في الآتي:
الشرط الأول: أن يطلب وقف التنفيذ من المحكمة:
فلا تقضي به محكمة الالتماس من تلقاء نفسها دون طلب الملتمس، ولا تشترط المادة 244 أن يقدم طلب الوقف أمام محكمة الالتماس في نفس صحيفة الطعن، وبالتالي يجوز تقديم طلب وقف التنفيذ أمام محكمة الالتماس في شكل طلب مستقل عن الطعن قبل قفل باب المرافعة([571]).
ويري البعض جواز تقديم طلب الوقف ثم الطعن بالالتماس، لأن رفع الالتماس ينقذ الطلب ويجعله مقبولاً؛ ولكن جمهور الفقه يري عدم جواز قبول طلب الوقف اذا لم يكن هناك التماس إعادة النظر([572])، ونري وجوب تقديم الالتماس اولا لكي يكون طلب الوقف مقبولاً.
وإجراءات وقف التنفيذ امام محكمة الالتماس هي نفس اجراءات المعتادة في طلب وقف التنفيذ امام محكمة الاستئناف بتحديد جلسة لنظر الطلب واعلان الخصوم والمرافعة ثم حكم المحكمة ووقف التنفيذ هو سلطة تقديرية للمحكمة
في حالة رفض طلب الوقف لعدم توافر شروطه، فهل يمكن إعادة رفع الطلب متي توافرت شروطه؟ لقد اختلف الرأي حول هذه المسألة.
ذهب جانب من الفقه إلي ضرورة التقيد بميعاد الالتماس لأن طلب الوقف في حقيقته طعن علي الحكم من حيث صلاحيته للتنفيذ([573]) وبالتالي لا يمكن تقديم الطلب مره ثانية لفوت الميعاد كما هو الشأن في الطعن بالنقض. وفي حقيقة الأمر هذا الرأي يأتي بتقيد لم يرد بشأنه نص فلم ينص المشرع علي وجوب تقديم الطلب في الميعاد ولو أراد المشرع ذلك لنص صراحة كما فعل بالنسبة لوقف التنفيذ أمام محكمة النقض.
وقد ذهب رأي آخر إلي أن طلب الوقف ليس طريقا للطعن علي الحكم و إنما هو طلب وقتي يتعلق بالقوة التنفيذية للحكم، وبالتالي لا يشترط تقديمه في ميعاد الطعن بالتماس إعادة النظر([574])، فيمكن تجديد الطلب أكثر من مره طالما لم يصدر حكم في الالتماس، وهذا ما نؤيده.
الشرط الثاني: تقديم طلب وقف التنفيذ قبل تمام التنفيذ:
يجب أن يتم تقديم الطلب قبل أن يتم تنفيذ الحكم فعلا، فإذا تم التنفيذ قبل تقديم طلب وقفه فلا يؤمر به([575])، وإذا كان الحكم قد نفذ في جزء منه فلا ينصب طلب وقف التنفيذ والأمر به إلا علي الجزء الذي لم ينفذ([576]).
والحكمة من ذلك أن تمام التنفيذ يجعل الحماية الوقتية غير ممكنة، ويستفاد من نص المادة 251 أن العبرة بتمام التنفيذ أو عدمه هي بوقت تقديم الطلب، فالقاعدة أن المحكمة تنظر طلبات الخصومة من حيث صحتها وقبولها باعتبارها يوم رفعها، وذلك لتفادي ضرر هؤلاء الخصوم من تأخر الفصل في طلباتهم. فما تم من تنفيذ بعض تقديم الطلب، ينسحب أثر الحكم الصادر بالوقف علي إجراءات التنفيذ من وقت تقديم الطلب، وبالتالي يجوز اللجوء إلي قاضي التنفيذ بطلب إعادة الحال إلي ما كان عليه وقت تقديم طلب الوقف وذلك تنفيذا لحكم المحكمة بوقف التنفيذ.
ولهذا إذا كان الملتمس قد طلب وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه سواء قبل بدء هذا التنفيذ أو قبل تمامه، فإنه يجب ألا يضار من تأخير نظر هذا الطلب، فيقضي فيه باعتبار يوم رفعه ويقف التنفيذ ولو تمت إجراءاته بعد تقديم طلبه وقبل النظر فيه. ويمكن لطالب الوقف أن يطلب من قاضي التنفيذ وقف إجراءات التنفيذ إلي حين البت في طلب الوقف أمام محكمة الالتماس.
ويلاحظ أنه لا يجوز لمحكمة الالتماس أن تقض بالوقف وبطلان إجراءات التنفيذ، وذلك لأن طلب الخصم هو الوقف، كما أن اختصاص محكمة الالتماس الوقف وليس بطلان الإجراءات([577]).
الشرط الثالث: أن يخشي من التنفيذ وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه
للحكم بوقف التنفيذ يجب أن يخشي وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه، ويقصد بالضرر هنا هو الضرر غير العادي الذي يقع جراء التنفيذ علي مال ذي قيمة خاصة أو استثنائية، مما قد يؤدي إلي التأثير في حالة المدين المالية أو الأدبية لدرجة كبيرة([578]).
ومتى قدرت المحكمة أن التنفيذ سيترتب عليه ضرر جسيم يتعذر تداركه، قررت وقف التنفيذ، ويستوي أن يكون الضرر أدبياً أو مالياً، ولا يشترط أن يكون الضرر مؤكداً، ولكن يكفي أن يكون محتملا وقوعه بدرجة كبيرة
ويجب أن يكون الضرر متعذراً تداركه، أي يصعب إعادة الحال إلي ما كانت عليه قبل التنفيذ، وفي حقيقة الأمر لم يشترط المشرع أن يكون إعادة الحال مستحيلا، ولكن يكفي أن يكون من الصعب إعادة الحال، فمثلا يتعذر تدارك الضرر عند تنفيذ الحكم بهدم منزل([579]).
والواقع أن وقف التنفيذ هو نوع من أنواع الحماية الوقتية، ولذلك يجب أن يتوفر لها شرط الاستعجال الذي يبرر الأمر بها، ويتوافر هذا الشرط إذا كان يترتب علي تأخيرها- أي تنفيذ الحكم- احتمال حدوث ضرر بالملتمس يكون من المتعذر علاجه.
ويجب علي القاضي للحكم بالوقف أن يبحث العناصر الآتية:
1- احتمال حدوث ضرر بحقوق الملتمس من تنفيذ الحكم:
وهذا العنصر خاص بالحالة التي يقدم فيها الالتماس من الغير الذي يحتج في مواجهته بالحكم (م241 مرافعات) لأن تنفيذ الحكم وإن كان يضر دائما بالمحكوم عليه فإنه ليس كذلك بالنسبة للغير، فمثلا لا يؤدي تنفيذ حكم علي المدين لصالح أحد دائنيه إلى الإضرار بحقوق دائن آخر إذا كانت أموال المدين كافيه للوفاء بجميع ديونه.
ولم يشترط المشرع أن يكون هذا الضرر مؤكدا بل يكفي أن يكون محتملا أن تتولد في نفس القاضي الخشية من وقوعه، فوقف التنفيذ هو نوع من الحماية الوقتية التي يتطلبها تفادي خطر التأخير، ومن ثم يكفي الامر بها أن يستشف القاضي هذا الخطر من ظاهر الأمور ودون تعمق في بحث الموضوع، ولكن يجب أن تكون درجة احتمال وقوع الضرر كبيرة، ولا فرق بين ما إذا كان هذا الضرر المحتمل ماديا أو معنوي.
2- أن يكون الضرر المحتمل جسميا:
فقد وازن المشرع بين مصلحة المحكوم له، فهو يستمد حقه في التنفيذ من حكم انتهائي حائز لقوة الأمر المقضي، ومصلحة الملتمس في وقف التنفيذ، فلم يكتف باحتمال الضرر العادي وإنما تطلب أن يكون هذا الضرر جسيما، بمعني أن يؤدي تنفيذ الحكم إلي التأثير علي حقوق الملتمس المادية أو المعنوية بدرجة تفوق الفائدة التي تعود علي المحكوم له من جراء ذلك([580]).
وجسامة الضرر ليست مسألة موضوعية، بل تختلف من شخص لآخر، فالضرر الذي يحتمل قد يكون بسيطا بالنسبة لشخص وجسميا في الوقت ذاته بالنسبة لشخص آخر، ولذلك يجب النظر في تقدير جسامة الضرر إلي الظروف الخاصة بالشخص الذي قد يعود عليه، وكذلك فإن جسامة الضرر تتأثر بالظروف الاقتصادية في زمن معين ومكان معين([581]). فهذا التقدير لا يخضع لمعيار موضوعي وإنما يخضع لمعيار شخص، فتختلف من شخص لآخر.
3- أن يكون هذا الضرر متعذرا تداركه إذا وقع فعلا:
فلم يشترط المشرع أن يكون تدارك الضرر مستحيلا بل يكفي أن يكون متعذرا بمعني أنه إذا تم سحب الحكم تكون هناك صعوبة كبيرة في إعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل تنفيذه، ولذلك فقد حكم بأن الضرر يعتبر مما يتعذر تداركه إذا كان إعادة الحالة تتطلب وقتا طويلا أو مصاريف باهظة، ويعتبر متعذرا تداركه إذا كان المحكوم عليه معسرا، إذ أن إعادة الحال هنا تكون مستحيلة([582]).
وقد حكمت محكمة النقض المصرية بأنه إذا كان طلب وقف التنفيذ قد بني علي أن المطعون ضدهم معدمون بدليل عجزهم عن دفع باقي الرسوم المستحقة عليهم لقلم الكتاب، ولم يقدم المطعون ضدهم ما يثبت ملاءمتهم، فإن في هذه الظروف ما يبرر وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه([583]).
الشرط الرابع: ترجيح إلغاء الحكم
بالرغم من عدم النص علي هذا الشرط في المادة 251 مرافعات، فقد ذهب البعض إلي أنه لا يشترط توافره لأن المشرع نص عليه في المادة 292 مرافعات الخاص بوقف التنفيذ أمام محكمة النقض، وأغفله في المادة 244 مرافعات، وأن هذه المغايرة تدل علي تعمد المشرع تجاهل هذا الشرط.
ولكن جمهور الفقهاء ذهب إلي ضرورة توافر هذا الشرط علي أساس القواعد العامة في الحماية الوقتية، ورجحان إلغاء الحكم يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة، وهي تستطيع أن تستشف مدي إلغاء الحكم من جدية الأسباب التي بني عليها الطعن بالالتماس.
الشرط الخامس: أن تأمر محكمة الالتماس بوقف التنفيذ:
لم يرتب المشرع علي تقديم طلب وقف التنفيذ وإثبات وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه في حالة تنفيذ الحكم، أن يتم وقف هذا التنفيذ بقوة القانون وإنما استوجب أن يكون ذلك بناء علي أمر من محكمة الالتماس.
ولكن هل يكون للمحكمة سلطة تقديرية في الأمر بوقف التنفيذ إذا توافرت شروطه؟
يلاحظ أن المحكمة ليس لها سلطة تقديرية فيما يتعلق باشتراط قيام الملتمس بطلب وقف تنفيذ الحكم قبل البدء فيه أو قبل إتمامه، فهذا شرط جامد ولا يمكن الاختلاف في تحديد عناصره.
وبالنسبة للشرط الثاني، وهو الخشية من قوع ضرر جسيم يتعذر تداركه نتيجة التنفيذ، فهذا شرط مرن يتيح للمحكمة الحرية في تقديره.
وإذا قدرت المحكمة توافر الشروط، فهل يجوز للمحكمة أن تمتنع عن الأمر بوقف التنفيذ رغم ذلك؟
الواضح من عبارة نص المادة 244 مرافعات هو أن ذلك للمحكمة
سلطة تقديرية، فلم يلزم هذا النص المحكمة بالاستجابة إلى طلب الطاعن بوقف
تنفيذ إذا تحققت شروطه، حيث جعل لها سلطة جوازيه، فيكون لها أن تمتنع عن
الأمر بوقف التنفيذ رغم إقرارها بتحقيق شروط، فالمحكمة بعد أن تتأكد من تحقق
هذه الشروط تقوم بتقدير الموقف تقديرا كاملا، فتراعي مقتضيات العدالة، وتصدر قراراها بما يحقق الموازنة بين مصلحة الملتمس في وقف التنفيذ ومصلحة المحكوم له في استمراره، ولذلك فقد أجاز لها القانون عندما تأمر بوقف التنفيذ أن توجب تقديم كفالة من من الملتمس أو أن تأمر بما تراه كفيلا بصيانة حق المطعون عليه بالالتماس([584]).
ويجب نظر الطلب قبل الفصل في موضوع الطعن. وإلا أصبح لا محل له، كما أن لمحكمة الالتماس السلطة التقديرية عند النظر في وقف التنفيذ، فلها أن تأمر بما تراه كفيلا بحماية حق المطعون ضده. كما لا يجب إبلاغ النيابة العامة بطلب وقف التنفيذ كما هو الحال بالنسبة لطلب الوقف أمام محكمة النقض.
ثانيا: آثار الحكم بقبول الالتماس:
تنص المادة 245 مرافعات علي أنه تفصل المحكمة أولا في جواز قبول الالتماس ثم تحدد جلسة للمرافعة في الموضوع دون حاجة إلى إعلان جديد، وبالتالي قبول الالتماس يستوجب أن تصدر المحكمة حكما أخر وتفصل من جديد في الموضوع.
الالتماس وسيلة تهدف إلى سحب الحكم وليس إحلال حكم جديد محله، ومن ثم فإن قبوله يؤدي إلى إلغاء الحكم المطعون فيه، وجعله كأن لم يكن ثم إعادة النظر في الموضوع من جميع عناصره الواقعية والقانونية بعد ذلك، ويؤدي إلغاء الحكم المطعون فيه إلى زوال جميع الأثار القانونية التي تترتب عليه، بحيث يعود الخصوم إلى نفس مراكزهم التي كانت قبل صدور هذا الحكم.
إذا كان الحكم المطعون فيه قد نفذ فإن قبول الالتماس يؤدي إلى التزام المحكوم له برد جميع الحقوق التي سلمت له نتيجة هذا التنفيذ، وكذلك رد الثمار الناتجة عنها خلال المدة اللاحقة لتنفيذ الحكم دون بحث في حسن نية المحكوم له أو سوئها في تحصيل هذه الثمار([585]).
ثالثا: أثر الحكم برفض الالتماس:
يؤدي الحكم برفض الالتماس إلى انتهاء الخصومة، ويمكن للمحكوم له أن يطلب تنفيذ الحكم الصادر له والذي سبق الحكم بوقف تنفيذه نتيجة للطعن فيه، ولا يجوز للملتمس إعادة رفعه من جديد.
في حالة رفع موضوع الالتماس المقدم من الغير يمكن للمحكمة أن تقضي بمصادرة الكفالة كلها أو بعضها التي سبق له إيداعها عند رفع الالتماس، وذلك تبعا لتقدير مدي سوء نية الملتمس أو حسنها، وبالتالي مدي الجزاء الذي يستحقه([586])، وفى جميع الأحوال يجوز الحكم بالتعويضات إن كان لها وجه.
وفي فرنسا يترتب علي رفض الالتماس المرفوع بشكل تعسفي إلى الحكم بغرامة تتراوح ما بين مائة إلى عشرة ألف فرنك فرنسي. يلاحظ أن كلاً من النظام المصري والفرنسي منح للقاضي سلطة تقديرية في الحكم بالجزاء المالي([587]).
وقد نصت المادة 247 مرافعات علي أنه الحكم الصادر في الالتماس لا يجوز الطعن فيه بالالتماس، ويلاحظ أن المنع هنا قاصر علي الطعن بالتماس اعادة النظر, لذا يجوز الطعن الطرق الأخرى، فيجوز الطعن بالنقص إن كان له وجه.
ويثور التساؤل عن مدي جواز رفع التماس ثاني إذا وجت أسباب جيدة؟
طبقا لنص المادة 247 من قانون المرافعات المصري، لا يجوز تقديم التماس ثان، وذلك في حالة رفض الالتماس أو الحكم في الموضوع. ولكن القانون الفرنسي نص صراحة في المادة 632 من قانون المرافعات الجديد علي أنه يجوز رفع التماس ثان إذا كانت هناك أسباب جديدة.
والواقع إذا كان المشرع المصري لم ينص علي حكم مشابه للقانون الفرنسي، ولكن يجب الأخذ بالنص الفرنسي، وبالتالي لا يجوز رفض الالتماس الثاني، لأنه الحجية تنصب علي الأطراف والموضوع والسبب، وفي حالة الالتماس الجديد تكون الاسباب جديده .
المبحث الثاني
موقف القانون المقارن من اعتراض الغير علي الحكم
سنشير إلى حق الغير في الاعتراض علي الحكم في الأنظمة المقارنة، وآثار اعتراض الغير علي الحكم في القانون الفرنسي، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
حق الغير في الاعتراض علي الحكم في الأنظمة المقارنة
سنعالج وسائل الغير في الاعتراض علي الحكم في القانون المقارن، وشروط اعتراض الغير علي الحكم في القانون الفرنسي، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
وسائل الغير في الاعتراض علي الحكم في القانون المقارن
لقد ذهبت النظم القانونية إلي ضرورة حماية الغير، فقد نظمت بعض القوانين حق الغير في الاعتراض علي الحكم عن طريق طعن خاص بالغير، والبعض نص علي حق الغير في الاعتراض علي الحكم عن طريق تنظيم طرق مراجعة مشتركه بين الغير والخصوم، ولم ينظم للغير طريقا خاصا به.
فمن الانظمة التي قررت للغير حقا خاص به للاعتراض علي الحكم، ما نصت عليه المادة 582 من قانون المرافعات الفرنسي الجديد، والتي منحت للغير الحق في الاعتراض الخارج عن الخصومة، ويقصد به طريق طعن مقرر لمصلحة الغير بهدف تعديل الحكم أو إلغاءه، وبمقتضي هذا الطعن يعاد بحث الحكم من جديد من حيث الواقع والقانون.
ولم تكن هذه الوسيلة معرفة في القانون الفرنسي القديم أو في
القانون الروماني، وإنما نص عليها لأول مرة في اللوائح الصادرة سنة 1667،
ومنها انتقلت إلى القوانين المتعاقبة حتي نص عليها في قانون المرافعات الفرنسي الجديد([588]).
وقد اخذت بعض الانظمة بنفس منهج القانون الفرنسي، وذلك بمنح الغير
الحق في الاعتراض علي الحكم الصادر بطريق خاص به، ومثال ذلك إيطالي
(م404 مرافعات) وبلجيكا (م122 مرافعات) ومن البلاد العربية الكويت (م249)، ولبنان (م 551 من أصول المحاكمات) وقانون المرافعات المصري الملغي (م 450)، ويسمي هذا الطريق في فرنسا والكويت بالاعتراض الخارج عن الخصومة([589]).
ويسمي في ايطاليا ولبنان باعتراض الغير، وفي السويد بالاستئناف غير العادي للغير([590]).
وقد نظمت قوانين اخرى طريقا أخر للغير، حيث ذهبت بعض التشريعات إلى تنظيم طرق للاعتراض علي الحكم من الأشخاص الممثلين في الدعوي، وذلك بإضفاء صفة الغير عليهم إذا بني الحكم علي غش من كان يمثلهم في الدعوي أو تواطئه، فلم تسمح لكل من له مصلحة من الغير أن يعترض علي الحكم، بل قصر ذلك علي طوائف معينة من الغير. فنجد في القانون السويسري ما يسمي بدعوي الرجوع أو دعوي الاسترداد (م339 مرافعات)، والتي تجيز للدائن أن يطلب إعادة النظر في الحكم الضار بحقوقه إذا بني علي غش أو تدليس.
ونلاحظ في بعض القوانين، مثل القانون الألماني، إذا أضر الغير من الحكم، وكان ذلك نتيجة للتواطؤ بين الخصوم، فله أن يتمسك بالدفع بالتدليس، وإذا نجح في ذلك امتنع الاحتجاج عليه بالحكم. وفي بعض القوانين الأخرى، مثل دول أمريكا اللاتينية، نصت قوانينها علي بطلان الأعمال الإجرائية التي بنيت علي الغش أو التدليس([591]).
الفرع الثاني
شروط اعتراض الغير علي الحكم في النظام الفرنسي
نصت المادة 583 من قانون المرافعات الجديد علي وجوب أن يكون للغير مصلحة في الاعتراض علي الحكم. وهذا النص يعتبر تطبيقا للقواعد العامة، والتي تستوجب توافر المصلحة لقبول أي طلب أو دعوي قضائية.
ويلاحظ أن ضابط المصلحة بالنسبة للغير يتمثل في الضرر الذي يعود عليه من الاحتجاج بالحكم في مواجهته([592])، وهذا الضرر قد يكون مادي([593])، كما لو ترتب علي الحكم علي المدين إعساره مما يضر بحقوق الدائنين، وقد يكون هذا الضرر معنوي([594])، فيجوز للورثة في النظام الفرنسي الاعتراض علي الحكم المتعلق بتحديد المسئول عن رعاية الأطفال بعد تطليق الوالدين.
ويكفي أن يكون الضرر الناتج عن الحكم محتملا لتحقيق المصلحة في الاعتراض، وليس ضررا حال([595])، ويظهر ذلك إذا كان حق الغير ليس حال الأداء وقت الحكم ([596]).
ويمكن أن يتحقق الضرر المحتمل وبالتالي المصلحة في الاعتراض إذا كان
هذا الحكم يعد بمثابة رأي مسبق وغير ملائم يمكن الاستناد إليه ضد الغير([597]) ومثال
ذلك مصلحة أحد الموصي لهم في الاعتراض علي الحكم الصادر ضد موصي له آخر ببطلان الوصية المشتركة، أو كان من الممكن الاستناد إليه كأساس لدعوي أخري ضد الغير([598])، كمصلحة المسئول مدنيا في الاعتراض علي الحكم الصادر ضد مرتكب الفعل الضار([599]).
سنعالج الشروط الواجب توافر لاعتراض الغير علي الحكم في القانون الفرنسي، والتي تتمثل في اشتراط صفة الغير، وأن يكون الحكم قابلا للاعتراض عليه من الغير، وذلك في النقاط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون المعترض من الغير:
نصت المادة 583 من قانون المرافعات الفرنسي علي أنه ” يقبل الاعتراض علي الحكم من كل ذي مصلحة لم يكن طرفا أو ممثلا في الحكم الذي يعترض عليه”([600])، وبالتالي يشترط في الشخص الذي يعترض علي الحكم أن يكون من الغير، فيجب ألا يكون الشخص طرفا في الخصومة التي انتهت بصدور الحكم لا بنفسه ولا عن طريق ممثل له في إجراءاته([601])، وذلك لأن أطراف الخصومة لهم الحق في الطعن بالطرق العادية والطرق غير العادية، ولا يجوز للخصم اتباع طريق الاعتراض علي الحكم حتي لو لم يشارك في الخصومة، وصدر حكم غيابي ضده([602]).
ويثور تساؤل عن مدي جواز اعتراض كل من له صفة الغير علي الاحكام الصادرة من القضاء؟ في الواقع توجد حالات لا يمكن للغير الاعتراض فيها علي الحكم الصادر، وحالات اخري حدد المشرع شروط معينة في الغير المعترض علي الحكم، ويتمثل ذلك في الآتي:
1- الحالات التي منع فيها المشرع اعتراض الغير علي الحكم:
ويتمثل ذلك في الدعاوي التي يقصر المشرع رفعها علي اشخاص
معينين بالذات، حيث نجد في بعض الدعاوي يقصر القانون الحق في رفع الدعوي
علي أشخاص معينين بالذات مثل دعاوي الحجر علي الأشخاص والتطليق
والتنصل من النسب…، وفي هذه الحالات فإن الصفة في الاعتراض علي الحكم
تقتصر علي هؤلاء الاشخاص الذين أجاز لهم القانون رفع الدعوي، أما غيرهم
فلا يجوز لهم الاعتراض لأنهم ممنوعون قانونا من مناقشة موضوع النزاع،
وبالتالي لو كان كل الأشخاص الذين يجوز لهم رفع الدعوي قد صاروا أطرافا في الخصومة فإن الحكم الذي صدر يحتج به في مواجهة الكافة. ولا يقبل الاعتراض عليه من أي شخص آخر ممنوع من رفع الدعوي حتي لا يحصل هؤلاء علي حق لا يجوز لهم قانون([603]).
2- الحالات التي حدد المشرع شروط معينة في الغير المعترض علي القرار الصادر من القاضي:
الغير المعترض علي الاعمال الولائية:
نصت المادة 583 من قانون المرافعات الفرنسي علي أنه لا يقبل الاعتراض علي الأعمال الولائية إلا من الغير الذي لم يعلن بها، ولكن أجازت أيضا للغير الذي أعلن بالعمل الولائي أن يعترض عليه إذا كان قرار القاضي بشأنه غير قابل للطعن فيه بالاستئناف، فقد حدد القانون الفرنسي أشخاصا معينين من الغير يمكنهم الاعتراض علي القرار القضائي المتعلق بأحد الأعمال الولائية، ولا يكون هذا الاعتراض مقبولا إذا قدم من غير هؤلاء الأشخاص.
الممثل في الخصومة ليس بشخصه:
يجوز لمن كان ممثلا في الخصومة أن يعترض علي الحكم ضد ممثله إذا أثبت أنه كان نتيجة غش أو تواطئ للإضرار بحقوقه أو أنه تجاوز ممثله حدود التمثيل المخول له([604])، حيث أن الغش والتواطئ يفسد التمثيل، وبالتالي يصبح الممثل في الخصومة كأنه من الغير.
وللدائنين والخلف الخاص الحق في الطعن إذا بني الحكم علي غش أو كانت لديهم وسائل دفاع خاصه بهم. ويرجع ذلك إلى أن المدين أو السلف للخالف الخاص، يعد ممثلا لهم في الخصومة، وهذا التمثيل ينقطع بوجود الغش.
تغيير صفة الخصم في الدعوي:
كذلك يجوز للطرف الاعتراض علي الحكم إذا تغيرت صفته التي كان
ماثلا بها، واعتبر بناء علي الصفة الجديدة من الغير بالنسبة للحكم، وفقد صفته كطرف([605]).
الشرط الثاني: أن يكون الحكم قابلا للاعتراض عليه من الغير
تنص المادة 585 مرافعات علي أن “كل حكم يقبل اعتراض الغير ما لم
ينص القانون علي خلاف ذلك”. فيستفاد من هذه المادة أن جميع الأحكام القضائية
تقبل الطعن فيها بالاعتراض الغير([606])، فلا فرق في ذلك بين الأحكام التي تصدر من محكمة أول درجة وتلك التي تصدر من محكمة الاستئناف، وسواء كانت صادرة من جهة عادية أم استثنائية أو هيئة ذات اختصاص قضائي([607])، فكل هذه الأحكام قابلة للاعتراض عليها من الغير، سواء طعن فيها من الخصوم أم لا، وسواء كانت حضورية أم غيابية([608]).
وبالرغم من النص العام علي جواز الاعتراض علي كافة الأحكام إلا أن الفقه الفرنسي اختلفت كلمته حول بعض الأحكام، ويتمثل ذلك في الآتي:
أولا: الأحكام المستعجلة:
اختلف الفقهاء الفرنسيون في قبول اعتراض الغير علي الأحكام التي يصدرها قاضي الأمور المستعجلة، وذلك علي النحو التالي:
الرأي الأول: عدم جواز اعتراض الغير علي الأحكام المستعجلة:
ذهب جانب من الفقه يؤيده بعض أحكام القضاء إلى عدم جواز الاعتراض علي هذه الأحكام([609])، واستند أنصار هذا الاتجاه الأسانيد الآتية:
1- صعوبة تحقيقه من الناحية العملية وعدم الفائدة من تقريره
وذلك لأن الحكم المستعجل لا يؤدي إلى الإضرار بحقوق الغير، ولا يحوز الحجية، وليس له أي تأثير علي الحكم الموضوعي([610]).
2- لا يمكن من الناحية القانونية قبول اعتراض الغير وذلك لسببين:
السبب الأول: نص قانون المرافعات الفرنسي علي عدم قبول معارضة الخصم الغائب في أحكام قاضي الأمور المستعجلة، واعتراض الغير ما هو إلا نوع من هذه المعارضة فيكون غير مقبول أيضا.
السبب الثاني: قبول الاعتراض يتعارض مع صفة الاستعجال التي تبرر صدور الأحكام علي وجه السرعة لمواجهة خطر التأخير مما يستوجب إلغاء جميع العوارض التي قد تعوق صدورها.
الرأي الثاني: جواز اعتراض الغير علي الأحكام المستعجلة:
ذهب جمهور الفقه الفرنسي إلى قبول اعتراض الغير علي الأحكام المستعجلة([611])، وهذا الرأي ما أخذ به أغلبيه الفقه المصري في ظل قانون المرافعات المختلط وقانون المرافعات السابق.
واستند انصار هذا الاتجاه إلى أن النص علي اعتراض الغير علي الأحكام جاء عاما بالنسبة لجميع الأحكام القضائية، وهو ما ينطبق علي الأحكام المستعجلة([612]).
ثانيا: أحكام محكمة النقض:
لقد اختلف الفقه الفرنسي في مدي جواز اعتراض الغير علي الأحكام الصادرة من محكمة النقض، ويمكن أجمالي هذا الاختلاف إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: جواز اعتراض الغير علي أحكام محكمة النقض:
يذهب الفقه التقليدي، إلى جواز اعتراض الغير علي أحكام محكمة النقض استنادا إلى أن هذه الأحكام قد يترتب عليها ضرر بحقوق الغير، فإذا قضي بنقض الحكم ترتب علي ذلك ضرر بحقوق الغير الذين تربطهم مصالح بهذا الحكم، وبالتالي يكون لهم الحق في الطعن أمام محكمة النقض باعتراض الغير([613]).
الاتجاه الثاني: عدم جواز اعتراض الغير علي أحكام محكمة النقض:
ذهب رأي أخر في الفقه الفرنسي إلي عدم جواز اعتراض الغير علي أحكام محكمة النقض، وذلك لأن أحكام هذه المحكمة ذات طبيعة خاصة، فموضوعها هو الحكم المطعون فيه، أي أنها تقضي في الحكم وليس النزاع، وبالتالي لا يمكن تصور بحث طلب الغير والفصل في اعتراضه دون تعارض مع طبيعة دور محكمة النقض باعتبارها محكمة قانون وليست واقع([614]). كذلك قبول الاعتراض علي هذه الأحكام يتعارض مع الوحدة والثبات اللازمين لهذه الأحكام.
كما أن أحكام محكمة النقض لا يمكن أن تضر بحقوق الغير، وبالتالي لا يوجد مصلحة في الاعتراض([615])، لأن المحكمة أما أن تقرر رفض الطعن أو قبوله والإحالة إلي المحكمة المختصة، ففي الحالة الأولي يكون له الحق في رفع الاعتراض ضد الحكم الأول أي الذي رفضت محكمة النقض الطعن فيه، وفي الحالة الثانية فإن للغير أن ينتظر حتي تصدر هذه المحكمة حكمها ثم يعترض عليه إذا اضر بحقوقه، ولم يكن قد تدخل في الخصومة التي انتهت بصدوره([616]).
المطلب الثاني
آثار اعتراض الغير علي التنفيذ في النظام الفرنسي
تنقسم آثار الاعتراض المقدم من الغير إلى آثار رفعه علي التنفيذ، وأثار الحكم فيه، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
آثار رفع الاعتراض علي التنفيذ الجبري
لا يؤدي رفع الاعتراض إلي وقف التنفيذ بقوة القانون، ولكن يجوز للمحكمة التي تنظر الاعتراض أن تقضي بوقف التنفيذ إذا توافرت شروط معينة، وعدم وقف التنفيذ بقوة القانون يرجع اساسه لنص المادة 579 مرافعات فرنسي، حيث وردت كقاعدة عامة بالنسبة لطرق الطعن غير العادية، والتي يعتبر اعتراض الغير إحداها طبقا للقانون الفرنسي.
ولعل الهدف من عدم وقف تنفيذ الحكم بمجرد اعتراض الغير عليه هو منع استخدامه كوسيلة يلجأ إليها الخصم لعرقلة تنفيذ الحكم عن طريق الإيعاز إلى شخص من الغير بتقديم اعتراض عليه([617])، وحتي لا يساء استخدام طريق الاعتراض الخارج عن الخصوم لوقف التنفيذ، عن طريق تحايل الخصوم الذين استنفدوا طرق الطعن بالإيحاء لأصدقائهم بالطعن في الحكم، لذلك نصت بعض التشريعات علي عدم ترتيب وقف التنفيذ علي رفع الطعن من الغير مثل القانون المصري والفرنسي، وإعطاء سلطة تقديرية للقاضي للحكم بقوة التنفيذ. كذلك نصت بعض الأنظمة علي جزاء علي رفع الطعن بسوء نية، مثال ذلك القانون الكويتي حيث يجاز الطاعن بالغرامة والتضمينات إن كان لها وجه.
ويشترط لوقف التنفيذ بقرار من القاضي المختص بنظر اعتراض الغير طبقا لنص المادة 590 من قانون المرافعات الفرنسي الجديد أن يتقدم الغير بطلب لوقف التنفيذ، أن يترتب علي التنفيذ ضرر جسيم([618])، ويجب ألا يكون التنفيذ قد تم، وأن تحكم محكمة التنفيذ بوقف التنفيذ، ولقد ثار خلاف في الفقه والقضاء الفرنسي حول اختصاص قاضي الأمور المستعجلة في الأمر بوقف التنفيذ، ويري الرأي الراجح في الفقه هو عدم اختصاص قاضي الامور المستعجلة بوقف التنفيذ([619]).
وإذا نجح الطاعن في الاعتراض علي الحكم في وقف التنفيذ، فإنه لا يستفيد منه إلا هو، وبالتالي يصبح الحكم ملزما لأطرافه، ما لم يكن بني علي غش.
الفرع الثاني
أثار الحكم في اعتراض الغير
يؤدي رفع اعتراض الغير علي الحكم إلى إعادة طرح القضية بجميع عناصرها الواقعية والقانونية علي المحكمة لتقضي فيها من جديد، (مادة 482 مرافعات)، ويسمي هذا بالأثر الناقل لاعتراض الغير. ولا يتحقق هذا الأثر إلا بالنسبة للغير المعترض فقط لأنه هو الذي لم يسمع دفاعه، أما طرفا الخصومة التي صدر فيها الحكم المعترض عليه، فرغم أن الاعتراض يوجه إليهما معا، إلا أنه لا يجوز لأي منهما المطالبة بتعديل الحكم فيما يكون قد قضي به عليه، لأن وسيلة ذلك بالنسبة له هي الطعن في الحكم بالطرق العادية وغير العادية وليس اعتراض الغير([620]).
ويصدر الحكم إما بقبول اعتراض الغير، أو رفض الاعتراض.
1- الآثار المترتبة علي قبول اعتراض الغير:
يترب علي قبول الاعتراض أن يصبح الحكم غير محتج به في مواجهة الغير، وقد عبر القانون الفرنسي في المادة 582 و591 من قانون المرافعات الجديد علي هذا الأثر بأنه سحب الحكم المعترض عليه أو تعديله أو إبطاله، وذلك علي حسب المحكمة التي تنظر الاعتراض هل هي المحكمة التي أصدرته أم محكمة أخري، ويلاحظ أن التعبير الأدق هو عدم الاحتجاج بالحكم المعترض عليه، وذلك لأنه هدف المعترض هو عدم الاحتجاج عليه بالحكم، فهو يختلف عن وسائل الطعن الأخرى، فلا يؤدي إلي سحب الحكم أو تعديله عن طريق المحكمة، ولكن يظل الحكم قائما كما هو، ولكن لا يحتج به في مواجهة المعترض([621]).
ولا يكون لعدم الاحتجاج بالحكم المترتب علي قبول الاعتراض سوي نطاق نسبي، سواء من حيث الأشخاص أو من حيث الموضوع. بمعني لا يؤثر القرار الصادر في الاعتراض إلا علي أطراف الاعتراض فقط( م591 مرافعات)
2- آثار الحكم بعدم قبول الاعتراض:
يؤدي الحكم بعدم القبول أن يصير الحكم المعترض حجة علي الغير المعترض، ويمكن تنفيذ الحكم في مواجهته، دون أن يكون له الاعتراض عليه مرة أخري، لأن حجية الحكم السابق بعدم قبول الاعتراض تمنعه من إعادة رفعه مرة أخري.
كذلك يترتب علي رفض الاعتراض، الحكم علي المعترض بغرامة من مائة إلى عشرة آلاف فرنك فرنسي، وذلك دون المساس بما قد يطلب منه من تعويضات (م 581 مرافعات).
ويلاحظ أن توقيع الغرامة لا يترتب تلقائيا بمجرد رفض اعتراض علي الحكم، ولكن إذا تبين أن القصد من الاعتراض المماطلة وتعقيد الإجراءات القضائية أو كان ذات طابع تعسفي([622]). لذا يجب علي المحكمة أن تبحث مدي توافر سوء النية لدي المعترض، فهل يريد منع الاحتجاج بالحكم حماية لحقوقه؟ أم أنه يهدف إلى الكيد لطرف الحكم ؟ فللقاضي سلطة تقديرية في الحكم بالغرامة.
ويلاحظ أن الحكم بالغرامة لا يترتب عليه أي مساس بالتعويض الذي قد يحكم به علي المعترض بسبب الاضرار التي لحقت بالخصوم الاصلين نتيجة هذا الاعتراض، والتي يخضع في تقديرها لسلطة التقديرية للمحكمة.
المبحث الثالث
موقف الفقه من اعتراض الغير علي الحكم
موقف المشرع المصري الحالي يثير تساؤلا حول ما إذا كان من الممكن الاستغناء عن الاعتراض الغير الخارج عن الخصومة والوصول إلي الدور الذي يؤديه بطرق أخري قد يكون استخدامها أكثر سهولة ويسرا.
فنجد أن كلمة الفقه اختلفت بين مؤيد ومعارض لإلغاء الاعتراض اعتراض الغير علي الأحكام، وسنشير تقييم موقف المشرع المصري من اعتراض الغير، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
الاتجاهات الفقيهة بين التأييد والرفض لاعتراض الغير علي الحكم
سنشير إلى الاتجاه المؤيد لإلغاء اعتراض الغير، والاتجاه المعارض لاعتراض الغير، واتجاه بعض الفقه إلى قصر الاعتراض علي بعض الحالات، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
الرأي المؤيد لإلغاء الاعتراض الخارج عن الخصومة
أيد البعض من الفقه موقف المشرع المصري من إلغاء طريق الاعتراض الخارج عن الخصومة، وذلك نظرا لأن الحكم لا يكون حجة إلا علي أطرافه، ويصعب علي الغير إثبات الضرر الذي لحقه من الحكم، لذا يفضل إلغاء هذا الطريق لأنه لا يعدوا أن يكون تزيدا في قانون غير قابل لتطبيق، وإذا افترض وأصيب الغير بضرر بسبب تنفيذ الحكم فإن في إمكانه أن يلجأ إلى وقف تنفيذ الحكم بالطرق القانونية لوقف التنفيذ([623]).
وقد انتقد بعض الفقه موقف المشرع الفرنسي في النص علي اعتراض الغير طريق طعن غير عادي، ووصفه بأنه وسيلة طعن غير قابلة للتطبيق ومن الممكن الاستغناء عنها تمام([624]).
الفرع الثاني
الرأي المعارض لإلغاء اعتراض الغير علي الحكم
ينتقد بعض الفقه موقف المشرع المصري من إلغاء الاعتراض الخارج عن الخصومة، وذلك للأسباب الآتية:
- موقف المشرع المصري ينطوي علي خلط بين الحجية والقوة الثبوتية،
فالحكم يحوز الحجية بين أطرافه، ولكنه كقوة ثبوتيه يمكن أن يحتج به
علي الكافة، فكون الحكم غير ملزم للغير لا يعني أنه ليس دليل إثبات في مواجهته، وبالتالي فالتمسك بالحجية النسبية لا يغني عن اعتراض الخارج عن الخصومة، فكلاهما له وظيفة مستقلة، فالغير يهدف من التمسك بالنسبية إلي تفسير الحكم الذي يحتج به عليه، وذلك بالحصول علي تقرير قضائي بأنه من الغير، بينما يهدف الاعتراض إلي إلغاء الحكم أو تعديله في الحدود التي لا تضر بحقوق المعترض، وعليه فإن الغير لا يمكنه الدفاع عن نفسه أن يتمسك بمبدأ النسبة، وإنما عليه أن يلجأ إلي الطعن في الحكم بالاعتراض الخارج عن الخصومة([625]). - إلى جانب أن الحكم القضائي عمل رسمي يجب علي السلطة القضائية والتنفيذية أن تقوم بتنفيذه، فإذا كان ضارا بالغير، فان السلطة القضائية لا يمكن أن توقف تنفيذه لمجرد أنه يضير بحقوق الغير، لذا يجب تقديم طريق قانوني للغير للاعتراض علي السند الذي يمس بحقوقه أمام القضاء بهدف تقييد تنفيذ الحكم في مواجهته، وهذا هو ما يفي به الاعتراض الخارج عن الخصومة، دون أن يشكل هذا المبدأ أي ازدواجية في الوظيفة مع مبدأ نسبية الأحكام.
- كما أن الالتماس لا يقدم إلا من كان طرفا في الخصومة، متي تعرض لغش أو تدليس من كان يمثله، لذا يشترط في الطاعن أن يكون طرفا في الخصومة([626])، والقول بأن الخصم يصبح من الغير إذا تعرض لغش ممثله، فكيف له الطعن في الحكم، فالطعن لا يكون إلا من الخصوم.
- ويؤكد جانب من الفقه علي تأييد موقف المشرع الفرنسي في الإبقاء علي اعتراض الغير علي الحكم، حيث يكون من السهل الرد علي هذه الحجج التي استند اليها معارضو اعتراض الغير علي الحكم، بل إثبات عكسه([627]).
وقد نص المشرع الفرنسي علي جواز الطعن باعتراض الغير علي حكم التحكيم دون أن يتوقف ذلك علي صدور الأمر بالتنفيذ([628])، بل إنه أجاز اعتراض الغير علي الأعمال الولائية رغم أنها ليست أحكاما بالمعني الدقيق.
ويظهر ذلك مدي قصور إشكالات التنفيذ عن تحقيق حماية حقوق الغير بنفس الدرجة التي يحققها الاعتراض علي الحكم حتي تكون بدلا يمكن به الاستغناء عن الطعن في الحكم بواسطة الغير. فإذا صدر حكم بثبوت نسب طفل إلي أبيه المتوفي، فهذا الحكم يضر بالورثة، ولا يمكن حماية حقوقهم برفع الإشكال في التنفيذ لأن الحكم هنا تقريري، وبالتالي لا يكون أمام الوارث الذي لم يتدخل أو أُختصم في الخصومة إذا ما أراد منع الاحتجاج بهذا الحكم في مواجهته سوي الطعن فيه باعتراض الغير، كذلك الحال أيضا بالنسبة للشخص المصاب في حادث في حالة صدور حكم في مواجهة مصاب آخر في نفس الحادث، بعدم مسئولية الفاعل عن الضرر اللاحق به نتيجة هذه الحادثة، فهذا الحكم يعتبر دليلا يستند إليه المحكوم له في مواجهة هذا المصاب الآخر ولا يجدي هذا الأخير أن يدفع ذلك برفع إشكال في تنفيذ الحكم فذلك غير ممكن.
وقد يرفع الغير الاشكال ومع ذلك يظل ذلك غير كاف لحماية حقوقه من الآثار الناتجة عن الحكم المستشكل فيه، فالإشكال في التنفيذ قد يؤدي إلي وقف تنفيذ الحكم، ومع ذلك يظل هذا الحكم دليلا يمكن التمسك به في مواجهة الكافة، فمثلا إذا صدر حكم بملكية منقول لأحد الأشخاص، فقام المدعي برفع دعوي استرداد لهذا المنقول، رغم ذلك سيظل هذا الحكم حجة لصالح المحكوم له يمكنه الاستناد إليها في الخصومة الناتجة عن دعوي الاسترداد ولا يكون أمام رافع الدعوي في سبيل منع هذا الاحتجاج بالحكم الصادر لمصلحة خصمة في مواجهته سوي الاعتراض عليه بطريق فرعي تبعا للخصومة الأصلية([629]).
الفرع الثالث
الرأي المؤيد لقصر اعتراض الخارج عن الخصومة بحالات محددة
يري بعض الفقه أن اعتراض الغير وسيلة لا غني عنها لحماية حقوق الغير من الآثار الضارة للأحكام. ولكن يثار التساؤل حول قصر هذه الوسيلة علي بعض الحالات دون البعض الآخر، في الواقع اختلف الفقه الفرنسي بشأن تحديد الحالات التي يكون اللجوء فيها إلي اعتراض الغير ضروريا، وانقسم في ذلك إلى عدة اراء أهمهما الآتي([630]):
الرأي الأول: الاعتراض يكون مجديا لضمان حماية الغير من الأضرار الناتجة عن تنفيذ الحكم فيما بين الخصوم:
طبقا لهذا الرأي فإن الاعتراض وإن كان يهدف إلي وقف تنفيذ الحكم،
وذلك لمنع الضرر الواقعي الذي يعود علي الغير نتيجة هذا التنفيذ، إلا أنه ليس هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف في جميع الأحوال، وإنما يجب التفرقة بحسب ما إذا كان تنفيذ الحكم موجها مباشرة إلي الغير أم أن ذلك يتم بين الخصوم دون
تدخله، ففي الحالة الأولي لا يكون الغير مجبرا علي اللجوء إلى الاعتراض علي الحكم لوقف تنفيذه، بل يمكنه حماية حقوقه بالاستناد إلي قاعدة النسبية، فمقتضاها لا يكون للحكم أي اثر في مواجهته، أما في الحالة الثانية فإن قاعدة النسبية غير مجدية لحماية حقوق الغير، ويكون اللجوء إلي الاعتراض علي الحكم ضروريا لتحقيق هذه الحماية([631]).
نقد هذا الرأي:
يري هذا الاتجاه أن اعتراض الغير قد يكون ضروريا في بعض الحالات واختياريا في حالات أخري، وهذا القول لا يمكن التسليم به وذلك للآتي:
- عدم جواز استبدال النسبية باعتراض الغير، يري أنصار هذا الاتجاه أن للغير الخيار بين اللجوء إلي الطعن بالاعتراض علي الحكم أو الدفع بالنسبة إذا بدء التنفيذ في مواجهته.
والقول بأن اللجوء إلي الاعتراض اختياري دائما، لأن الغير يمكن الاستغناء عنها بالدفع بالنسبية، فالاعتراض والنسبية وجهين لعملة واحدة, والواقع أن القول بالخيار أو المفاضلة بين النسبية واعتراض الغير علي الحكم غير صحيح، لأن المفاضلة تكون بين أمور متشابهة في مميزاتها وعيوبها بحيث يجد الشخص نفسه مترددا في تفضيل إحداهما علي الأخرى، الاعتراض نجده يأخذ الغير موقف المدعي وعليه يقع عبء الإثبات، كما انه يتقاضى أمام محكمة غير محكمته الأصلية. وهو مهدد بدفع الغرامة إذا حكم ضده. أما النسبية فليس عليه سوي الوقف موقفا سلبيا معلنا أنه من الغير دون أي أعباء أخري.
وتختلف النسبية عن الاعتراض من حيث طبيعتها والهدف منها، فالاعتراض وسيلة طعن خاصة بالغير تهدف إلي سحب الحكم أو تعديله بالنسبة للمعترض، في حين أن النسبية دفع يهدف إلى عدم امتداد حجية الشيء المحكوم فيه إلي غير الخصوم([632]).
- عدم تبرير ضرورة الاعتراض في حالة التنفيذ بين الخصوم، للدفع بالنسبة بدلا من الاعتراض، فالأمثلة التي قالوا بها غير كافية الدلالة.
- السبب الأساسي للأخطاء التي وفع فيها أنصار هذا الرأي يظهر فيما ذهبوا إليه من النظر إلي الاعتراض علي اعتباره نوعا من إشكالات التنفيذ، فحصروا دوره في وقف التنفيذ فقط. والحقيقة أن دوره لا يتوقف عند هذا الحد، بل يهدف إلي منع الاحتجاج بالحكم في مواجهة المعترض. ووقف التنفيذ نوع من الحماية الوقتية التي قد يحققها الاعتراض بالنسبة لحقوق الغير
الرأي الثاني: الاعتراض يكون ضروري لحماية حقوق الغير في مواجهة الحجية المطلقة للأحكام التي تفصل في منازعات موضوعية:
يري جانب من الفقه([633]) ضرورة الاعتراض تتوقف علي طبيعة الحق
موضوع النزاع الذي فيه الحكم، سواء كان حقا شخصيا أم عينيا، ففي الحالة
الاولي يكون الاعتراض علي الحكم اختياريا أما في الحالة الثانية فيكون الاعتراض ضروريا.
وذلك لأن الحكم الذي يفصل في حق شخص تكون حجية نسبية فلا تمتد آثاره إلي الغير، لذا لا يكون الغير بحاجة إلي الاعتراض ولكن يمكن أن يتمسك بالنسبية، أما الحكم الذي يفصل في حق عيني فإنه يحوز حجية في مواجهة الكافة، ولا يجوز للغير دفع أثارة إلا بالاعتراض.
نقد هذا الرأي:
لقد انتقد الفقه الفرنسي هذا الرأي([634])، ويرجع ذلك إلى الأسباب الآتية:
- التفرقة التي بني عليه هذا الرأي غير صحيحه لأن طبيعة موضوع النزع ليس لها أي تأثير علي نطاق حجية الحكم الذي يفصل فيه، فالحكم وحده واحدة، وله نطاق حجية واحده في جميع الحالات.
- قد بني هذا الرأي موقفه علي أساس أن الحجية قرينة قانونية قاطعة
بالنسبة للخصوم وبسيطة بالنسبة للغير، وهذا الرأي منتقد لأن الحجية ليست قرينة قانونية بل قاعدة موضوعية وليست قاعدة إثبات وهي لا تكون إلا نسبية([635]).
الرأي الثالث: الاعتراض ضروري إذا كان الحكم قد صدر نتيجة غش المحكوم عليه أو تواطئه علي الاضرار بحقوق الغير:
هذا الرأي تبناه الفقيه تيسيه TISSIER، ويري أنه يوجد طائفتين من الأشخاص يمكن لهم الاعتراض علي الحكم:
الطائفة الأولي: وهم الأشخاص الذين يكونون من الغير تماما بالنسبة للخصومة، ولكن يعود عليهم ضرر واقعي نتيجة تنفيذ الحكم، ولذلك فقد حق لهم المشرع طلب سحب الحكم أو تعديله أو إبطاله وهي اعتراض الغير بالمعني
الدقيق. ولكن هذا الضرر يمكن دفعه عن طريق الإستشكال في التنفيذ أو الدفع
بالنسبية.
الطائفة الثانية: وهم الأشخاص الذي كانوا ممثلين في الخصومة سواء بتوكيل منهم أو نتيجة خلافتهم لأحد الخصوم، وصدر الحكم ضدهم نتيجة عش الممثل أو تواطئه علي الأضرار بحقوقهم، فهؤلاء يمكنهم دفع هذا الضرر والتخلص من آثار تمثيلهم عن طريق الطعن في الحكم بالاعتراض الغير. وهو الوسيلة الوحيدة لسحب الحكم الضار بحقوقهم أو تعديله أو إبطاله، فلا يمكن الدفع بالنسبية في هذه الحالة. لأنهم ممثلون في الخصومة
نقد هذا الرأي:
الواقع أن هذا الرأي يساوي بين الاعتراض والنسبية والإشكال، وقد ثبت لنا خطأ هذا التصور حيث تختلف كل وسيلة من حيث طبيعتها ودورها ولا يمكن استبدال إحداهما بالأخر.
المطلب الثاني
تقييم موقف المشرع المصري من الغاء طريق اعتراض الغير
سنشير إلى اعتراض الغير علي الحكم وسيلة لحمايته من آثار تنفيذه، والانتقادات الموجهة لإلغاء طريق اعتراض الغير في القانون المصري، وذلك في الفرع الآتية:
الفرع الاول
اعتراض الغير علي الحكم وسيلة لحمايته من آثار الحكم
الواقع أن عدم تخصيص الغير بوسيلة طعن خاصة به إنما ينطوي علي إنكار لطبيعة آثار الأحكام بالنسبة له، والتي تختلف عن آثارها بالنسبة للخصوم([636])، ونري أن المشرع المصري قد جانبه الصواب عندما ألغى نظام اعتراض الخارج عن الخصومة، وهو طريق الطعن الخاص بالغير، والذي كان منصوصا عليه في القانون السابق، ويقابله اعتراض الغير في القانون الفرنسي.
إذا كان المشرع المصري نص علي إلغاء الاعتراض علي أساس أن السند التنفيذي لا يحوز سوي حجية نسبية بين اطرافه، ولكن يلاحظ أن الغير قد يضار من الحكم بالرغم من أنه ليس طرفا فيه، وذلك يرجع إلى تشابك العلاقات القانونية بحيث يصعب فصل بعضها عن بعض، فالقاضي المختص بالفصل في النزاع بين طرفين لا يمكنه أن يمتنع عن الفصل في الدعوي بحجة أنها تهم شخصا من الغير، ذلك أنه مقيد بحدود الدعوي المطروحة عليه، الأمر الذي يترتب عليه إمكانية تضرره من السند التنفيذي رغم أنه لم يكن طرفا فيه. وبالتالي فيمكن أن يؤثر الحكم علي حقوق الغير، فلا يجوز تجاهل حقوق الغير علي أساس نسبية آثار الحكم([637]).
الاعتراض الخارج عن الخصومة هو طريق اجرائي لإثبات عكس قرينة الحقيقة الناتجة عن الحكم، فيجب قصر حق الغير علي طريق الاعتراض الخارج عن الخصومة، وعدم السماح له برفع دعوي جديدة يطالب فيها بحقه وتجاهل الحكم السابق، لأن استصدار حكم أخر يثبت عكس ما أثبته الحكم الأول، بحيث يصعب تنفيذ الحكمين معا، وهذا يؤدي إلى تناقض الأحكام، لذا يكون من الافضل أن يلجأ الغير فقط إلى طريق الاعتراض لإلغاء الحكم أو تعديله([638]).
ونري أنه يجب أن يترتب علي الاعتراض الخارج عن الخصومة وقف تنفيذ الحكم إلا إذا حكم القاضي بالاستمرار في التنفيذ، وذلك تحقيقا لمصلحة الغير، حيث إن فكرة وقف التنفيذ تقوم بدور وقائي ضد مخاطر الخضوع أو استمرار الخضوع لتنفيذ، معرض للإلغاء، وبالتالي ضد مخاطر استحالة إعادة الحال إلى ما كان عليه، وغير ذلك من النتائج غير المرغوبة التي قد يفرزها هذا التنفيذ. فإذا لاحظنا هذا الدور المستمد من طبيعة الوقف ذاته، فيكون من الأفضل أن ينص عليه المشرع في ترتيب أثره في أسرع وقت ممكن- وهو ما يستمد من طبيعته أيضا- ومن عمومية في التطبيق- وهو أمر منطقي حيث لا يوجد ما يدعو لغير ذلك- ليتبين لنا ما ولقف التنفيذ من وقت رفع الاعتراض من أهمية بالغة وضرورة حتمية في مواجهة ظاهرة حتمية أيضا هي إمكانية التنفيذ رغم قابليته للإلغاء.
الفرع الثاني
انتقاد موقف المشرع المصري من إلغاء اعتراض الغير
في حقيقة الأمر لا نؤيد إلغاء اعتراض الغير من جانب المشرع المصري، وذلك لأن تنظيم المشرع المصري فيما يتعلق بحق الغير في التماس إعادة النظر والمنصوص عليه في المادة 241 مرافعات منتقد سواء من ناحية الصياغة ومن الناحية
القانونية، وكذلك من ناحية القصور في توفير الحماية للغير، وذلك علي النحو
التالي:
- من ناحية الصياغة: يلاحظ أن عبارة الفقرة الثامنة من المادة 241 مرافعات غير متفقة مع بعضها البعض، فقد أوحت في البداية أن يكون الطاعن من الغير، لأنها اشترطت استبعاد حدوث التدخل أو الاختصام في الإجراءات بالنسبة لهذا الشخص، وهما نظامان خاصان بالغير وليس الخصوم، ولكنها اشترطت إثبات غش ممثل هذا الشخص أو تواطئه أو اهمال جسيم، وهذا يدل علي أن الطاعن طرفا ممثلا في الخصومة وليس من الغير، وهذا يناقض الشق الاول من الفقرة.
ويرجع هذا الخطأ إلى تمسك المشرع بالمفهوم التقليدي لمعني النسبية، فلم يلاحظ أن النسبية لا تحول دون تأثر الغير بالحكم بسبب علاقته بأحد الخصوم، لذا استند إلى فكرة التمثيل الضمني في الخصومة، وهي فكرة منتقدة من الفقه([639]).
- ومن الناحية القانونية: الطعن بالتماس إعادة النظر طريق خاص بالخصوم، والحالات التي وردت في الفقرتين السابعة والثامنة من المادة 241 تتعلق بأشخاص من الغير وبالتالي فليس لهم صفة في الطعن بهذا الطريق، وعلي المشرع أن يبحث لهم عن وسيلة أخري لحماية حقوقهم التي تتأثر بالحكم تكون متفقة مع مركزهم بالنسبة للخصومة، وليست هناك وسيلة أجدي من الطعن في الحكم بطريق خاص بهؤلاء الأشخاص وهو اعتراض الغير.
وقد ذهب بعض الفقه أن إمكان فتح طريق الاستئناف كاستثناء لهذه الحالات طبقا لنص المادة 221 مرافعات أو توسيع حالات الطعن بالنقض لكي تشمل هذه الحالات([640]).
- أما من ناحية قصور القانون المصري عن تحقيق الحماية الكافية لحقوق الغير، فنجد أن المشرع المصري قصر حالات الطعن بالتماس إعادة النظر علي حالات معينة، فلم يصل في ذلك إلي المدي الذي نص عليه القانون الفرنسي أو حتي القانون المرافعات السابق من حيث نطاق الحالات التي تشملها الحماية، فطبقا لما ورد في النص الحالي تظل معظم حالات الغير بلا أي وسيلة للحماية، اللهم إلا في حالات الدفع بالنسبية، وهو دفع لا يفيد في بعض الحالات، فمثلا إذا صدر حكم ضد دائن أو مدين أو مدين متضامن، فالنسبة لدائن أو مدين أخر متضامن معه لا يجديه في ذلك أن يدفع بنسبية هذا الحكم، ورغم هذا فإن القانون لم يسمح له بالطعن بالتماس إعادة النظر في هذا الحكم([641]).
كذلك فإن الطعن لا يكون إلا بالنسبة للأحكام الانتهائيه، وهو ما قد لا يكون متحققا في بعض الحالات، مما يحرم الغير من حماية حقوقه.
ونظرا لما قد يصيب الغير من ضرر نتيجة لحكم لم يكن طرفا فيه تبدو ضرورة حمايته من آثار السند التنفيذي([642])، عن طريق تمكينه من الاعتراض الغير علي الحكم بطريق خاص به، لذا نري ضرورة العود إلى طريق لحماية الغير متمثلا في الاعتراض الخارج عن الخصومة. وضرورة بسط الاعتراض لكل من له مصلحة، ولا يجوز قصره علي بعض الغير وترك الأخرين كما كان منصوصا عليه في المادة 450 مرافعات ملغي. وهذا ما قرره المشرع الفرنسي في قانون المرافعات الجديد.
الفصل الثاني
اعتراض الغير علي إجراءات التنفيذ الجبري
بالرغم من أن الغير ليس طرفا في الحق في التنفيذ([643])، إلا أن المشرع المصري والفرنسي أعطي له الحق في المنازعة في إجراءات التنفيذ إذا مست بحقوقه([644])، ويهدف الغير من اللجوء إلى منازعات التنفيذ مجابهة إجراءات التنفيذ المزمع اتخاذها أو إهدار ما تم اتخاذه منها أو الحد من آثار التنفيذ([645])، ويمكن تعرف منازعات التنفيذ بأنها المنازعة التي تدور حول الشروط الواجب توافرها لاتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري فيصدر فيها الحكم بجواز هذا التنفيذ أو بعدم جواز، بصحته أو ببطلانه، بوقفه أو باستمراره، بعدم الاعتداد به أو بالحد من نطاقة أو يصدر فيها حكم بصدد أي عارض يتصل بهذا التنفيذ، ويلاحظ أنه لا يلزم أن تؤثر منازعة التنفيذ في سير إجراءاته أو في جريانها وإنما يكفي أن يكون سبب المنازعة هو تلك الإجراءات([646])، وقد ذهب القضاء المصري إلي تعريف منازعات التنفيذ بأنها المنازعات التي تكون منصبة علي إجراء من إجراءات التنفيذ أو تكون مؤثره في سير التنفيذ وإجراءاته([647]).
والمنازعة في التنفيذ عقبة قانونية تعترض التنفيذ، تنشأ بسببه وتدور حول شروطه وإجراءات، وتكون من شأن التأثير في سريانه([648])، فيمكن للغير الإشكال في التنفيذ أو رفع دعوي استرداد المنقولات المحجوزة، أو استحقاق العقار المحجوز، أو الاعتراض علي قائمة شروط البيع، أو طلب بطلان حكم رسو المزاد.
سنشير إلى حق الغير في رفع منازعة وقتية في التنفيذ، ثم نعالج حق الغير في رفع منازعة موضوعية في التنفيذ، وذلك في المباحث الأتية:
المبحث الأول
حق الغير في رفع منازعة وقتية (إشكال في التنفيذ)
قد يمس التنفيذ الجبري بحقوق الغير، فيكون له الحق في الاعتراض علي التنفيذ، فيجوز للغير طبقا لنص المادة 312 من قانون المرافعات أن يتقدم الغير بإشكال وقتي في التنفيذ([649]) يهدف منه تسكين الإجراءات وتركيز المراكز القانونية في الحال إلى أن يتكشف المستقبل، وذلك بالحكم في دعواه الموضوعية([650])، ويبني أشكاله علي أسباب تتسمم بالجدية كان يدعي أنه يملك العين المراد التنفيذ عليها، أو يحق له تسلمها، أو أنه صاحب الحق في حيازتها حيازة قانونية، أو أنه المستأجر الحقيقي للعين المقضي بإخلائها أو تسليمها، ففي هذه الحالات يختص قاضي التنفيذ بالحكم بإيقاف التنفيذ علي الغير إذا استبان له من ظاهر المستندات المقدمة أنه من الغير، وهو من لم يكن الحكم حجه عليه، وأن له حق ظاهر علي العين أو المال الجاري عليه التنفيذ، ويترتب علي استمرار التنفيذ تعارض مع حقوقه الثابتة بمستندات واضحه الجدية.
والإشكال في التنفيذ هو دعوي قضائية تطرح علي قاضي التنفيذ، وتتضمن قيام خطر داهم يحتاج إلى حكم وقتي للوقاية من هذا الخطر([651])، ويهدف الغير من الاشكال إلى وقف إجراءات التنفيذ وفقا مؤقتا، أو إهدار ما اتخذ منها إهدارا مؤقتا، فالغير يطلب تحقيق حماية وقتية([652]) لا يطلب حسم النزاع ولا تتضمن طلباته المساس بالموضوع([653]). وبالتالي إذا كان هدف الغير من المنازعة هو وقف أو إهدار إجراءات التنفيذ بصفة دائمة، فنكون أمام منازعة موضوعية وليست منازعة وقتية.
سنشير إلى رفع الغير اشكال في التنفيذ، وذلك في المطلب الأول، أما المطلب الثاني، فيخصص لأثار إشكال الغير في التنفيذ، ونعالج تقييم حق الغير في رفع الاشكال في التنفيذ، وذلك في المطلب الثالث.
المطلب الأول
رفع الغير اشكال في التنفيذ
تنص المادة 275 مرافعات علي أن قاضي التنفيذ هو المختص دون غيره بالفصل في جميع منازعات التنفيذ الوقتية بصفة مستعجلة، وذلك ما لم ينص علي خلافه؛ وهذا الاختصاص النوعي يتعلق بالنظام العام الذي لا يجوز الاتفاق علي ما يخالفه. حيث يقوم الغير برفع الاشكال أمام قاضي التنفيذ المختص.
تعد إشكالات التنفيذ من المنازعات المستعجلة، فيجب اتباع الاجراءات الخاصة بهذه الدعوي فضلا عن الاجراءات المقررة للدعاوي العادية، لذا فقد أجاز المشرع رفعها بأحد طريقين: الطريق العادي لرفع الدعوي، والطريق الخاص بالإشكالات الوقتية ([654])، فبجانب الطريق العادي لرفع الاشكال بإيداع الصحيفة قلم كتاب المحكمة يجيز المشرع رفعه بطريق استثنائي من اجل التيسير علي الخصوم وهو ابداؤه شفاهه امام المعاون([655])
سنعالج في هذا المطلب، صفة أطراف الاشكال، وكذلك شروط قبول الاشكال، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
صفة أطراف الإشكال المقدم من الغير
أولا: صفة الغير المدعي في الإشكال:
لقد نصت المادة 312 مرافعات علي أنه يجوز أبداء اشكالات التنفيذ من أطراف التنفيذ([656]) أو من الغير، وينصب لطلبات الغير علي الحكم بوقف التنفيذ([657])، والغير في مثل هذه الحالات ليس هو المنفذ أو المنفذ ضده أو الخلف العام أو الخاص لأحدهما، وإنما هو شخص يدعي تعلق حق له بالتنفيذ المشروع في اتخاذه([658]). وكل ما يطلبه هو إجراء وقتي بوقف التنفيذ مؤقتا إلى أن يحصل علي السند التنفيذي الذي يؤكد أنه هو صاحب الحق المدعي به، فالغير المدعي في الإشكال هو الذي لا يكون طرفا في الحق في التنفيذ ولكنه طرفا في خصومة التنفيذ([659]).
وقد ذهب بعض الفقه إلى بعض الاشخاص من الغير لا يمكن لهم رفع الاشكال الوقتي في التنفيذ، وذلك لان سلطتهم تنحصر أما في حيازة المال الجاري التنفيذ عيه أو في إدارته، وذلك مثل الحارس القضائي والمحجوز لديه([660])، ونري أنه لا يمكن التسليم بهذا الاتجاه، حيث يملك كلا من الغير المحجوز لديه والحارس أن يرفعان اشكالا في التنفيذ إذا كانت لهم مصلحة، حيث لا يوجد نص يمنعهم من رفع الاشكال، فكما أنه يجوز للمحجوز لديه رفع إشكال، خاصة إذا كان الحكم غير واجب النفاذ، أو بسبب بطلان في إجراءاته.
ثانيا: صفة المدعي عليه في الإشكال:
المدعي عليه في الإشكال المقدم من الغير هو الدائن الحاجز أو الدائنين الحاجزين، والمدين المحجوز عليه، حيث استلزم المشرع المصري في قانون المرافعات لقبول الإشكال الوقتي المقدم من الغير أن يختصم المدين المحجوز عليه، فقد نصت المادة 312 مرافعات علي أنه”يجب اختصام الطرف الملتزم في السند في الإشكال إذا كان مرفوعا من غيره” وإذا لم يختصم الغير من يجب اختصامهم في الإشكال وجب علي المحكمة أن تكلف الغير باختصامه في ميعاد تحدده له، فإذا لم ينفذ ما أمرت به جاز الحكم بعدم قبول الإشكال، ويلاحظ علي هذه المادة أنه يجب في حالة رفع الإشكال من الغير أن يختصم الطرف الملتزم في السند التنفيذي في الإشكال،
وأيا كانت طريقة رفعه سواء بإبدائه أمام المعاون أو بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوي([661]).
ويمكن للقاضي أن يدخل المدين الملتزم في السند من تلقاء نفسه، حيث
نصت المادة 118 مرافعات علي أنه للمحكمة ولو من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال
من تري إدخاله لمصلحة العدالة أو لإظهار الحقيقة، وتملك المحكمة أن تحدد الخصم الذي يقوم بإدخاله وتعين ميعاد لا يجاوز ثلاثة اسابيع لحضور من تأمر بإخاله،
ويكون ذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوي، وتنطبق هذه القاعدة سواء كان
الاشكال مرفوعا بإيداع الصحيفة فلم كتاب المحكمة أو كان مرفوعا بإبدائه أمام معاون التنفيذ.
ويهدف المشرع من نص المادة 312/3 إلى تفادي الاشكالات الكيدية نظر لما يرتبه القانون علي الاشكال الوقتي من أثر موقف للتنفيذ إذا كانت اشكالا اول([662])؛ فهذه الإشكالات الكيدية المرفوعة من الغير، والتي لا يقصد منها سوي مجرد عرقلة إجراءات التنفيذ لمصلحة الطرف الملتزم في السند التنفيذي، ولا تطبيق هذا الجزاء علي الإشكالات الجدية التي قد يتعذر فيها علي المستشكل اختصام الطرف الملتزم في السند التنفيذي تنفيذا لما أمرت به المحكمة لسبب خارج عن إرادته، وتحقيق ذلك منوط بالمحكمة علي ضوء ما تستظهره من الأوراق فيكون لها أن تحكم بعدم قبول الإشكال في الحالات التي وضع النص لمواجهتها بما يحقق الفرض منه أو لا تحكم بعدم قبول الإشكال فيما عدا ذلك([663])؛ وكنا نفضل أن يقدم المشرع على مرحلة أبعد من ذلك ويجعل التزام علي المحكمة أن تقضي بعدم قبول الإشكال المقدم من الغير إذا لم يتم هذا الاختصام.
ويقتصر نطاق تطبيق المادة 312 مرافعات الخاص باختصام الطرف الملتزم في السند التنفيذي علي الاشكالات الوقتية في التنفيذ الجبري الذي يجري تحت اشراف قاضي التنفيذ، والتي تتعلق بجميع السندات التنفيذية وبما فيها حكم التحكيم، وتفريعا علي ذلك، لا يجب اختصام الطرف الملتزم في السند التنفيذي في حالات اشكالات التنفيذ غير الجبري كالإشكالات في تنفيذ حكم بالحراسة مثلا، وهذه المنازعة لا يختص بها قاضي التنفيذ، وكذلك لا يختصم الطرف الملتزم في السند في اشكالات التنفيذ في الحجز الاداري.
ويرجع ذلك إلى أن هذه القاعدة المنصوص عليها في المادة 312 ليست من القواعد العامة في قانون المرافعات التي تطبق علي الحجز الاداري([664])، وإنما هي قاعدة خاصة بالإشكالات الوقتية الموقفة للتنفيذ([665])، وهذه المادة لا تسري علي الحجز الاداري([666]).
ويلاحظ أن الجزاء الذي نصت عليه المادة 312 والذي يتمثل بعدم قبول الاشكال لإصرار الغير علي عدم اختصام المدين الملتزم في السند جوازيا للقاضي، ويلاحظ أنه لم ينص المشرع علي اعمال الجزاء المنصوص عليه في المادة 99/2 مرافعات التي تخول المحكمة وقف الدعوي جزاء لمدة شهر الي أن يقوم المدعي بما كلفته به المحكمة، وذلك لأن اعمال هذا النص يفترض وجود دعوي موضوعية، والاشكال الوقتي لا يتحمل الوقف([667]).
وفي رأينا لا يوجد ما يمنع من إعمال الجزاء المنصوص عليه في المادة 99/2 مرافعات حيث ورد في القانون دون تحديد ولا تقييد، وبالتالي يمكن اعماله علي الاشكالات، وإذا انقضت مدة الوقف ولم يختصم المستشكل المدين الملتزم في السند حكمت المحكمة باعتبار الاشكال كأن لم يكن.
ويصدر القاضي حكم بعدم قبول الاشكال إذا لم تتوافر شروطه، ولا يصدر حكما بالرفض، لأنه الرفض هو قضاء في الطلب موضوع الدعوي، ولكن عدم القبول يتعلق بشروط قبول الدعوي؛ كما أنه لا يصدر قرار بعدم الاختصاص بنظر الاشكال، لأن هذه الشروط مناطها مسائل متعلقة بسماع الدعوي أمام المحكمة مثل تمام التنفيذ أو اختصام الغير، ولا تتعلق بالاختصاص([668])، ويترتب علي الحكم بعدم القبول انقضاء الخصومة في الاشكال امام المحكمة وزوال الآثار التي تترتب عليها، والواقع أن هذا الشرط يقتضي وحدة السند والأموال والأطراف، ففي حالة تعدد هذه العناصر، فإننا نكون بصدد عمليات تنفيذ مستقله لكل عملية إشكالاتها. ويتم التمسك بالدفع بعدم القبول وهو دفع يبدي في أي حالة تكون عليها الإجراءات، كما تملك المحكمة أن تحكم من تقاء نفيها بعدم القبول لتعلق ذلك بالنظام العام.
الفرع الثاني
شروط قبول الاشكال المقدم من الغير في التنفيذ
لقبول الإشكال المقدم من الغير أن يقوم علي أسباب تتسم بالجدية، كأن يدعي الغير أنه يملك المال الجاري التنفيذ عليه أو أنه صاحب حق يتعلق بهذا المال، ويتعين علي قاضي التنفيذ أن يتحقق من صفة الغير ومدي أحقية المدعي به علي المال الجاري التنفيذ عليه ومدي جدية الإشكال الصادر منه ومدي تعارض تمام التنفيذ مع حقوق الغير الثابتة بمستندات المقدمة امام القاضي.
ويشترط لقبول الإشكال المقدم من الغير، توافر المصلحة للغير، وأن يرفع الإشكال قبل تمام التنفيذ، وأن يكون المطلوب هو إجراء وقتي، وأن يتم الفصل في الاشكال قبل الفصل في النزاع الموضوعي، وسنشير إلى هذه الشروط علي النحو التالي:
الشرط الأول: أن يكون للغير مصلحة:
الإشكال منازعة وقتية تعرض علي القضاء لاستصدار حكم فيها، وبالتالي يلزم لقبول الاشكال توافر الشروط العامة للازمة لقبول الدعوي([669])، فيجب لقبول الاشكال توافر المصلحة للغير([670])، ويحكم القاضي بعدم قبول الاشكال من تلقاء نفسه إذا لم تتوافر المصلحة باعتبار أن المصلحة في الدعوي متعلقة بالنظام العام([671]) طبقا لنص المادة الثالثة من قانون المرافعات، وذلك لأن الامر يتعلق بالحاجة إلى الحماية القانونية وسلطة المحكمة في منح هذه الحماية لمن يحتاج اليها من الاشخاص([672]).
ويشترط كذلك أن يكون هناك ضرر سيلحق بالغير من الاستمرار في التنفيذ، وهذا ما يطلق عليه شرط الاستعجال([673])، والواقع أن المشرع المصري لم ينص صراحة علي ضرورة توافر شرط الاستعجال لقبول الإشكال، وذلك لأن إشكالات التنفيذ الوقتية تعتبر منازعة مستعجلة بطبيعتها تتوافر فيها الاستعجال, فالاستعجال مفترض من قبل المشرع([674]).
والواقع أنه إذا كان للغير رفع منازعة موضوعية في التنفيذ مثل دعوي الاسترداد أو الاستحقاق، ولكن نظرا لأنها قد تستغرق وقتا طويلا في العادة، مما قد يترتب عليه تمام التنفيذ، فقد نظم المشرع حق الغير في رفع إشكال في التنفيذ، ورتب علي رفعه وقف التنفيذ بقوة القانون إذا كان الإشكال الأول، فمفاد ذلك أن الإشكال يعتبر في الغالب أداه للغير للدفاع بها عن مصالحه، وذلك بهدف الوصل إلى وقف التنفيذ([675]).
الشرط الثاني: أن يطلب الغير إجراء وقتيا:
الإشكال في التنفيذ يعتبر المنازعة وقتية، وبالتالي فيجب أن يكون المطلوب إجراء وقتي([676])، ويقصد بالإجراء الوقتي الإجراء الذي لا ينطوي الحكم به علي مساس بالحقوق المتنازع عليها، ولا يمس السند التنفيذ سواء كان هذا المساس تجريح أو تفسير أو تصحيح أو طعنا عليه([677])، فلا يتضمن الاشكال قضاءً بوجود الحق أو عدمه، لذلك يجب أن يكون المطلوب الحكم بإجراء مؤقت يحمي مصلحة الغير، ويرجع ذلك إلى أن هناك دعوي موضوعية أخري معروضه علي القضاء سيفصل فيها فيما بعد، وبالتالي يهدف المستشكل إلى وقف التنفيذ مؤقتا إلى أن يفصل في هذه الدعوي الموضوعية([678]).
الهدف من الإجراء الوقتي تحديد مركز الخصوم تحديدا مؤقتاً أو توفير حماية مؤقتة إلي أن يحسم الأمر نهائيا من قبل القضاء الموضوعي([679]).
ويلاحظ أن كون المطلوب اتخاذه إجراء وقتيا، فالحكم فيه يحدد مراكز الخصوم مؤقتا، ولكن لا يعني أن نتائجه يجب أن تكون متداركة دائما، فيمكن لقاضي التنفيذ أن يأمر بصفة مستعجلة بالاستمرار في التنفيذ علي المنقولات المحجوزة حتي ولو أدي ذلك إلي توصيل الخصوم إلي مركز يستحيل أو يتعذر تغييره فيما بعد، أي يمكن الوصول إلي بيع المنقول المحجوز عليها، وتكون مملوكة للغير، وهذا أمر لا رجوع فيه فيما لو تبين بطلان الحجز، فلا يمكن أن يعيده الخصوم في الإشكال إلي الحالة التي كانوا عليها فيما قبل البيع، فلا سبيل سوي التعويض في هذه الحالة.
وإذا كان الإجراء المطلوب يجب ألا يمس أصل موضوع النزاع([680])، ولكن يجب أن يكون متعلقا بمنازعة موضوعية في التنفيذ يرمي الإشكال إلي مساعدته([681]). في الواقع كثيرا ما يعجز القاضي عن الفصل في النزاع المعروض عليه دون بحث أو تفسير عرضي يتحسس به ما يحتمل لأول نظرة أن يكون هو وجه الصواب في النزاع المعروض عليه([682]).
الشرط الثالث: رفع الإشكال قبل تمام التنفيذ:
يشترط لقبول الإشكال المقدم من الغير أن يكون رفع الإشكال قبل تمام التنفيذ([683])، ويرجع ذلك إلى أن هدف الاشكال هو دفع خطر المضي في التنفيذ، وذلك عن طريق الحصول علي حكم بوقف التنفيذ، وبالتالي إذا تم التنفيذ فتنتفي المصلحة في رفع الاشكال في الدعوي([684])، حيث أن وقف التنفيذ يرد علي الإجراءات المستقبلية وليس إلغاء الإجراءات التي تمت([685])، فتمام الإجراءات يعطي الحق في رفع دعوي ببطلان الإجراءات عن طريق إثارة منازعة موضوعية في التنفيذ([686]).
والواقع أنه من الصعوبة تحديد اللحظة التي يمكن فيها القول بأن التنفيذ قد تم، وبالذات إذا كان يتم علي عدة مراحل، أو علي عدة أموال أو بعدة سندات تنفيذية، أو يتعدد فيه الحاجزين، والنظر إلي تمام التنفيذ من عدمه يجب أن ينظر إلي كل عمل علي حدة([687])، فإذا كان قد تم عمل فلا يقبل وقف تنفيذه، وإنما يطلب وقف ما يليه من إجراءات، فإذا كان الحجز علي الأموال الذي يتم علي مراحل متتابعة مستقلة منها توقيع الحجز والإعلان عن البيع والبيع، فإذا تم توقيع الحجز فلا يجوز رفع الإشكال الوقتي لوقفه ولكن يجوز رفع الإشكال لوقف البيع قبل إجرائه، وإذا تمت كل إجراءات الحجز بالفعل فلا يمكن طلب وقف التنفيذ، والعبرة هنا بتمام التنفيذ وليس بتمام الحجز، وتمام التنفيذ يكون البيع الجبري([688]).
ويرى جانب من الفقه أن العبر في قبول الإشكال بضرورة تقديمه قبل تمام الحجز وليس قبل تمام التنفيذ لأن التنفيذ يتم تماما بالبيع وتوزيع حصيلة التنفيذ([689])، والواقع لا نتفق مع هذا الرأي حيث أن العبرة هي بتمام التنفيذ وليس بتمام الحجز، وذلك لأن المشرع في المادة 312 استخدم عبارة التنفيذ ولم يستخدم الحجز.
والواقع أنه يترتب علي رفع الإشكال من الغير وكان الاشكال الأول، وقف التنفيذ بقوة القانون، وبالتالي من لحظة تقديم الاشكال يوقف التنفيذ، ولكن إذا كان اشكالا ثانيا، فلا يترتب عليه وقف التنفيذ بقوة القانون، وإنما يتوقف ذلك علي حكم
قاضي التنفيذ، وفي هذا الفرض الاخير، يثور تساؤل عن الوقت الذي ينظر فيه من
حيث تمام التنفيذ من عدمه، هل هو وقت تقديم الإشكال إلي المحكمة أم وقت
صدور الحكم بوقف التنفيذ من القاضي، يلاحظ أن الفقه اختلف في الإجابة علي هذا التساؤل.
يرى جانب من الفقه([690]) أن العبرة هي بلحظة الحكم في الاشكال قبل تمام
التنفيذ، ومرجع ذلك إلى أن شرط المصلحة كقبول للدعوي هو شرط مستمر،
يجب أن يظل قائما إلى وقت الفصل في الدعوي([691])، فيجب أن يظل المستشكل
في حاجة إلى الحماية القانونية إلى وقت صدور الحكم، وبالتالي يجوز لقاضي التنفيذ أن يحكم بعدم قبول الاشكال إذا تم التنفيذ قبل صدور الحكم. والقول بغير ذلك يؤيد إلى أن الحكم بوقف التنفيذ يمتد أثره إلى الماضي وليس من وقت الحكم به. كما أن المقصود من الإشكال الوقتي هو طلب وقف التنفيذ مؤقتا، والتنفيذ قد تم عمل
قبل الجلسة المحددة للحكم في هذا الاشكال، وما تم لا يوقف وإنما يلغي، وبالتالي
لا يجوز الحكم بوقف التنفيذ، ويري البعض من هذا الاتجاه([692]) أنه يمكن للغير أن
يحور طلباته الواردة في الإشكال ويجعله طلبا بعدم الاعتداد بالحجز، وإذا ما حكم له يتم زوال التنفيذ الذي تم.
بينما يري جانب أخري من الفقه أن العبرة هي وقت رفع الاشكال لأن العبرة في قبوله أو عدمه باعتبار يوم رفعه([693])، أي أن تمام التنفيذ بعد رفع المنازعة لا يمنع من الحكم بقبولها، وفي هذه الحالة كان الطلب مقبولا لحظة رفعه، لأن الاخذ بالرأي الأول يؤدي إلى الإضرار بالغير المستشكل ضررا بليغا، حيث أنه رفع الاشكال في الوقت الملائم – قبل تمام التنفيذ- ولكن بسبب خارج عن إرادته ويرجع إلى بطء سير الإجراءات أمام المحكمة تم التنفيذ قبل الفصل في الاشكال، فإذا حكم بعدم القبول فإن الغير يتأذي من ذلك([694]).
ويعترض علي هذا الرأي بأنه يوجد استحالة واقعية، لأنه لو اجيب هذا الطلب وحكم بوقف التنفيذ فإنه يكون من المستحيل تنفيذه لأنه لا يوجد تنفيذ قائم يمكن وقفه، وبالتالي تنتفي المصلحة في الإبقاء علي هذا الطلب.
والواقع نري أن العبرة هي بوقت الحكم من قاضي التنفيذ إذا كان الاشكال لا يترتب علي رفعه وقف التنفيذ، وذلك لأنه وقت الحكم ينظر القاضي مدي توافر المصلحة في الاشكال، كما أنه ليس لحكم القاضي أثر رجعي علي ما تم من اجراءات التنفيذ، بالإضافة إلى أن المشرع لم ينص علي أن قرار القاضي بوقف التنفيذ في الاشكال له أثر رجعي من لحظة تقديم الطلب، ولو رغب المشرع لنص علي ذلك صراحة، فإذا كان التنفيذ قد تم فإن قاضي التنفيذ لا يحكم في هذه الحالة بعدم الاختصاص لأنه مختص، ولكنه يحكم بعدم القبول.
الشرط الرابع: عدم الفصل في النزاع الموضوعي:
في الواقع أن الحماية الوقتية لا يكون لها أهمية إذا كان النزاع الموضوعي قد حسم بحكم، وبالتالي إذا فصل في موضوع الاشكال من الناحية الموضوعية فلا يقبل الاشكال المقدم من الغير، كما لو فصل في دعوي استرداد المنقولات أو استحقاق العقار، حيث لا يكون هناك حاجه إلى إجراء وقتي([695]).
ويرجع ذلك إلى أن الاشكال المقدم من الغير يقصد به تحديد مركز الخصوم تحديدا مؤقتا ريثما يفصل في صحة التنفيذ أو بطلانه، فانه إذا كان قد صدر حكم موضوعي في هذا الشأن عند الفصل في الاشكال الوقتي، لا يحكم القاضي في الإشكال، لأن الحكم الموضوعي يغني عن الحكم في الاشكال بحسب القواعد العامة([696]).
وهنا يثور التساؤل، هل يكفي للحكم بعدم قبول الاشكال أن يكون الحكم الموضوعي حائز لحجية الامر ألمقضي أم لقوة الأمر المقضي؟ يري البعض من الفقه أنه يشترط في هذه الحالة أن يكون الحكم الموضوعي حائزا لقوة الأمر المقضي أي ألا يكون قابلا للطعن بالاستئناف([697]). ومن جانبا لا نتفق مع هذا الاتجاه، ونري أنه يحكم القاضي بعدم قبول الاشكال إذا كان الحكم الموضوعي حاز حجية الامر المقضي، ولا يشترط أن يحوز الحكم قوة الأمر المقضي، حيث أن حكم أول درجة الذي يحسم الموضوع يجب احترامه، وبالتالي لا يجوز اهدار مركز الخصوم في حكم أول درجه عن طريق استخدام طرق الحماية المؤقتة.
الشرط الخامس: أن يكون سبب الاشكال قد جد بعد صدور السند:
يشترط لقبول الاشكال الوقتي أن يكون سببه قد جد بعد صدور الحكم، واساس ذلك أن الإشكال وهو ينصب علي إجراءات التنفيذ الجبري يكون مبناه دائما وقائع لاحقه علي صدور الحكم وليست سابقة عليه والا كان الاشكال بمثابة طعن في الحكم بغير الطريق القانوني. فمن المؤكد أن إشكالات التنفيذ المقدمة من الغير ليست طريقا من طرق الطعن في الحكم الذي يجري التنفيذ بمقتضاه([698])، وإنما هي تظلم من إجراءات التنفيذ مستنده إلي وقائع لاحقة علي صدور الحكم([699])، فلا يمكن لقاضي التنفيذ أن يبحث مسائل متعلقة بصحة الحكم الصادر أو متعلقة بإجراءات الدعوي لما في ذلك من مساس بحجية الأحكام القضائية([700]).
والواقع أنه إذا كان السند التنفيذي في مواجهة الغير منعدما، فلا يكون له حجية، حيث أن الحجية نسبية بين الأطراف فقط، وبالتالي يمكن للغير أن يستند إلى انعدام السند التنفيذي([701])، لأسباب سابقة علي صدوره([702])، فيجب علي القاضي أن يحكم بوقف التنفيذ([703])، بعد أن يفحص ظاهر المستندات التي قدمها الخصوم لكي يستشف صحة المنازعة وجديتها وأن الأسباب التي يبني عليها الإشكال لم يصدر فيها قضاء صريح أو ضمني، كما لو استند إلى غش أو تواطؤ ممثله أو إذا كان الحكم مزورا أو مرفوع دعوي تزوير بشأنه، فيمكن الحكم بوقف التنفيذ، ويلاحظ أنه نظرا لجسامة العيب المنسوب إلى الحكم المنعدم، وبالتالي يجور للمحكمة التنفيذ أن تأمر بوقف التنفيذ، ولا يعد ذلك مخالفة لاختصاص قاضي التنفيذ بالمنازعات الوقتية، حيث أن قاضي التنفيذ يختص بالعيوب اللاحقة للسند إذا كان السند التنفيذ موجودا، ولكن في حالة انعدامه، فإنه ينظر عيوب السند السابقة علي تحريره.
المطلب الثاني
آثار اشكال الغير
يعتبر الإشكال مرفوعا بمجرد تقديمه للمعاون وإثباته بالمحضر أو بمجرد تقديم صحيفة الدعوي قلم كتاب محكمة التنفيذ، ويعتبر منتجاً لآثاره القانونية المترتبة علي رفعه، فإذا قصر المعاون في رفعه إلي قاضي التنفيذ، فإنه يجوز للمستشكل تحريك هذا الإشكال بتكليف خصمه بالحضور أمام قاضي التنفيذ المختص، ولا يعتبر ذلك إشكالا جديداً([704]).
سنشير إلى الآثار التي تترتب علي رفع الإشكال، والآثار التي تترتب علي الحكم في الإشكال، وذلك في الفروع الأتية:
الفرع الأول
الآثار التي تترتب علي رفع الإشكال المقدم من الغير
نص المشرع المصري صراحة علي أن للإشكال آثرا موقفا للتنفيذ بقوة القانون بمجرد رفع الاشكال، ولكن هذا الاثر ليس مطلقا يترتب في جميع الاشكالات الوقتية وانما يترتب فحسب في حالات الاشكال الأول.
سنشير إلى وقف التنفيذ بقوة القانون والوقف القضائي، وزوال الأثر الواقف للإشكال، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: وقف التنفيذ بقوة القانون والوقف القضائي
نصت المادة 312 مرافعات علي أن الإشكال الوقتي في التنفيذ يؤدي مجرد رفعه إلي وقف التنفيذ([705])، ولكن يشترط أن يكون اشكالا أول، وأن يجري تحت اشراف قاضي التنفيذ، ويستوي أن يقدم الإشكال أمام المعاون عند التنفيذ أو يرفع مباشر أمام قاضي التنفيذ، ويكون الأمر كذلك ولو رفع الإشكال أمام محكمة غير مختصة([706])، ويظل هذا الأثر باقيا ما بقيت صحيفة الاشكال قائمة ولا يزول إلا بصدور حكم يترتب عليه زوال صحيفة الإشكال لبطلانها أو بسقوط الخصومة أو باعتبارها كأن لم تكن أو حككم بشطب الإشكال، كما يستوي أن يتعلق الإشكال بحجز تحفظي أو بحجز تنفيذي، وأن يكون مرفوعا من المدين أو الغير، أما إذا كان الاشكال مرفوعا من الدائن بطلب الاستمرار في التنفيذ، فلا تثور بشأنه مسألة وقف التنفيذ.
ويقصد بوقف التنفيذ نتيجة للإشكال الوقتي المقدم من الغير عدم اتخاذ الاجراءات التي تعتبر من اجراءات التنفيذ وهي الاجراءات التي تبدأ في الحجز علي المنقول بتوقيع الحجز وتنتهي بيع المنقولات وتبدأ في التنفيذ علي العقار بتنبيه نزع الملكية وتنتهي بصدور الحكم بإيقاع البيع.
ويجب أن ينصب الاشكال علي التنفيذ الذي يجري بواسطة معاون التنفيذ، لأن المشرع منح سلطات في المادة 312 مرافعات لمعاون التنفيذ في شأن رفع الاشكال والتكليف بالحضور وعرض النزاع علي القاضي وهذه السلطات لا يجوز القول
بمنحها لغير المعاونين طالما لم يرد نص خاص بهذه السلطات، وبالتالي لا يترتب علي الاشكال في الحجز الاداري وقف التنفيذ([707])، لأن التنفيذ لا يجري بواسطة معاون التنفيذ([708]).
فإذا قدم الغير الإشكال أمام المعاون، فهو بالخيار إما أن يوقف التنفيذ أو أن يستمر فيه علي سبيل الاحتياط، ولكن إذا استمر في التنفيذ فلا يجوز له أن يتمه قبل أن يصدر القاضي حكمه في الإشكال، وبالتالي إذا كان العمل المعترض عليه هو نهاية التنفيذ فليس للمعاون أن يقوم به، وذلك لأن قيامه به يعني تمام التنفيذ، لأن المشرع قد نص صراحة علي منع المعاون في جميع الاحوال من اتمام التنفيذ قبل أن يصدر القاضي حكمه في الاشكال. والمقصود بنهاية التنفيذ هو البيع في حالة التنفيذ بنزع الملكية، والواقع أن سلطة المعاون في الاستمرار في التنفيذ لا تعني المضي فيه إلي تمامه بل تعني فقط اتخاذ الإجراءات التحفظية، فيجوز للمعاون الاستمرار في الحجز إذا كان يخشي تهريب المنقولات المحجوزة([709])، وبناء علي ذلك لا يكون للمعاون سلطة تقديرية في الاستمرار في الاجراءات إذا كان التنفيذ يتم في مرحلة واحدة، كما هو الحال في التنفيذ العيني تعين عليه وقف التنفيذ فور تقديم الإشكال من الغير، كما هو الشأن في حالات التنفيذ المباشر بإخلاء عقار. ولا تكون له سلطة إذا ابدي الاشكال عند بيع الاموال المحجوزة، لأنه بإتمام البيع يتم التنفيذ.
واستثناء من قاعدة الأثر الموقف للإشكال الأول فقد نص قانون رقم و1 لسنة 2000، علي تنظيم بعض إجراءات وأوضاع التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، حيث إنه لا يترتب علي الإشكال المقدم من المحكوم عليه في تنفيذ أحكام نفقة الزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الوالدين أو الأقارب وقف إجراءات التنفيذ (م79)، وتنطبق هذه القاعدة سواء كان الاشكال اول أو لم يكن كذلك، وبالتالي فإن الإشكال المقدم من الغير في مسائل الاحوال الشخصية يترتب عليه وقف التنفيذ إذا كان إشكالات أول، وذلك لأن نص المادة 79 استثناء من القاعدة العامة الواردة في المادة 312 مرافعات ولا يجوز التوسع في تفسير الاستثناء ولا القياس عليه([710]).
وخلاصة القول، يترتب علي الاشكال وقف التنفيذ متي كان التنفيذ يجري تحت اشراف قاضي التنفيذ وبواسطة معان التنفيذ، وكان اشكال أول، فإذا وقف المعاون التنفيذ خلافا للقانون يجوز لطالب التنفيذ أن يطلب من المحكمة المختصة الحكم بالاستمرار في التنفيذ.
ويجب ملاحظة أن وقف التنفيذ ينصرف إلى وقف سير الإجراءات التنفيذية، ولا يمس هذا الوقف القوة التنفيذية الكامنة في السند التنفيذي، وبالتالي يظل السند صالحا رغم قيام الوقف، لإجراء تنفيذ جبري جديد، أو إعادة التنفيذ علي ذات الأموال الموقف التنفيذ عليها، لأن الدائن يملك بسند تنفيذي واحد إجراء حجوزات مختلفة، والذي يقف هو سير الإجراءات وليس صلاحية السند التنفيذي([711])، حتي لو كان سبب الوقف يتعلق بالسند التنفيذي، فإنه يمكن تصحيح الإجراءات، وذلك بتجديد التنفيذ علي ذات الأموال([712])، فمثلا لو قضي بوقف التنفيذ لأنه المال مملوك للغير لحظة الحجز، فأنه يمكن تجديد الحجز علي نفس المال إذا تملكه المدين، ويتنازل الحاجز عن الحجز الأول.
يثور التساؤل متي يعتبر الاشكال الوقتي اشكالا اول يترتب عليه وقف التنفيذ؟
سنشير إلى مفهوم الإشكال الأول المقدم من الغير وآثاره، ثم نبحث مفهوم الإشكال الثاني وآثاره، وذلك في النقاط الآتية:
1- مفهوم الإشكال الأول المقدم من الغير وآثاره:
لقد نص قانون المرافعات السابق في المادة 480 علي أن الاشكال الاول هو الذي يترتب عليه وقف التنفيذ بقوة القانون، والاشكال الأول هو الذي لم يسبقه اشكالا أخر، ويثار التساؤل عن الاشكال يكون اشكالا ثانيا إذا رفع بعد رفع الاشكال الأول أم بعد الحكم في الاشكال الأول؟
في الواقع ذهب المشرع المصري في قانون المرافعات السابق في المادة 480 علي أن الاشكال الثاني وهو الذي يرفع بعد صدور حكم في الاشكال الأول([713])، وهو الذي لا يكون له الأثر الموقف للتنفيذ، وبالتالي فالإشكال الذي يرفع قبل صدور الحكم في الاشكال الأول، يكون له آثر في وقف التنفيذ ويعتبر كأنه اشكالا أول، ومن شأنه إبقاء التنفيذ موقوفا رغم صدور الحكم بالاستمرار في التنفيذ في الاشكال الأول. وقد أدي تطبيق المادة 480 مرافعات علي النحو السابق إلى بعض السلبيات فقد شجع الخصوم علي التحايل، فكان الدائن يكلف غيره برفع اشكال وقتي يقف التنفيذ بقوة القانون حتي اذا حكم فيه بالاستمرار في التنفيذ لا يقف التنفيذ مره ثانية نتيجة لاي اشكال آخر يرفع حتي ولو من المدين نفسه، وكان المنفذ ضده يلجأ إلى مد وقف التنفيذ عن طريق رفع عدة اشكالات حتي إذا حكم في احداها بالاستمرار في التنفيذ فان التنفيذ يظل موقوفا نتيجة للإشكالات الأخرى المرفوعة قبل الحكم بالاستمرار في التنفيذ.
وهذا الوضع قد تغير بصدور قانون المرافعات الحالي، فقد نصت المادة 312 علي أن الاشكال الأول وهو الذي يقف التنفيذ، سواء رفع من المدين أو الغير، فإذا رفع اشكال آخر بعده يكون اشكالا ثانيا، الذي لا يوقف التنفيذ بقوة القانون، وتنطبق هذه القاعدة سواء كان الاشكال الأخر قد رفع قبل صدور الحكم في الاشكال الأول أو رفع بعد صدور الحكم بالاستمرار في التنفيذ.
والإشكال الأول هو أول إشكال يقدم في عملية التنفيذ أيا كان الخصم الذي قدمه([714])، وهو الذي يترتب عليه وقف التنفيذ بقوة القانون، وترجع الحكمة من قصر وقف التنفيذ علي الاشكال اول إلى أن المشرع لاحظ استغلال المدينين أو الغير سيء النية ما يترتب علي رفع الإشكال من أثر في وقف التنفيذ، فكان المدين أو الغير يقدم إشكالا أمام المعاون يوقف التنفيذ، فإذا حكم فيه برفضه أو انتهت الخصومة بغير حكم، وشرع المعاون في إتمام التنفيذ، عاد المدين أو الغير إلي تقديم إشكال آخر يوقف التنفيذ ويمنع المعاون من إتمامه، ولعلاج هذا الوضع، فقد فرق المشرع بين أثر الأشكال الأول وأثر الأشكال الثاني، حيث نص علي الاثر الواقف بقوة القانون للإشكال الأول فقط.
والواقع أنه يمكن تصور وقف إجراءات التنفيذ وقفا قانونيا رغم صدور الحكم في الاشكال الأول بالاستمرار في التنفيذ، ويتحقق ذلك في حالة ما كان الاشكال اول مقدم من الغير، ورفع دعوي استرداد المنقولات المحجوزة بعد الحكم بالاستمرار في التنفيذ في الاشكال اول، ففي هذه الحالة يقف التنفيذ ثانية بقوة القانون؛ أو يكون قد رفع دعوي الاسترداد قبل الحكم في الاشكال اول، فاذا صدر الحكم في هذه الاشكال أول، فان التنفيذ يظل موقوفا نتيجة لدعوي الاسترداد المرفوعة امام المحكمة.
ويجب علي المعاون عدم اتمام التنفيذ قبل أن يصدر القاضي حكمه في الاشكال الأول، وقد منح المشرع للمعاون في نص المادة 312 مرافعات سلطة تقديرية في الاستمرار في اجراءات التنفيذ رغم الوقف القانوني الذي ترتب علي الاشكال، غير أن المعاون عندما يقوم بالاستمرار في الاجراءات يكون ذلك علي سبيل الاحتياط، بمعني تكون هذه الاجراءات وقتية يتوقف مصيرها علي الحكم في الاشكال، فاذا رفض الاشكال أو انتهت الخصومة فيه دون حكم تستقر اجراءات التنفيذ التي يكون المعاون قد اتخذها علي سبيل الاحتياط رغم الاشكال، وإذا حكم في الاشكال بوقف التنفيذ فان هذا الحكم يكون ملغيا للإجراءات التي اتخذها المعاون، وتعبر كأن لم تكن دون حاجة إلى استصدار حكم بهذا.
2- مفهوم الإشكال الثاني المقدم من الغير وآثاره:
نصت المادة 312 مرافعات علي أنه لا يترتب علي تقديم أي إشكال آخر وقف التنفيذ ما لم يحكم القاضي بالوقف، وبالتالي فإن أي إشكال آخر علي خلاف الإشكال الأول لا يترتب علي تقديمه وقف التنفيذ بقوة القانون، وذلك لأن المشرع افترض في رافعه سوء النية والرغبة في عرقلة التنفيذ، لذا أخضع وقف التنفيذ لتقدير قاضي التنفيذ.
ويقصد بالإشكال الآخر أو الثاني، الإشكال الذي سبقه إشكال، والأسبقية
هنا تكون في رفع الإشكال سواء صدر الحكم في الإشكال الأول أو لم يصدر، وسواء كان مرفوعا من المستشكل الأول أو من غيره؛ وتحسب الأسبقية بالنظر إلي تاريخ
قيد صحيفة الإشكال بقلم الكتاب([715]) أو بتاريخ إثبات الإشكال في المحضر متي رفع
أمام المعاون([716])، وقد يرفع الاشكال في شكل عارض، فيتحدد من تاريخ تقديم صحيفة الطلب العارض إلى قلم الكتاب أو تقديمه شفاهة إلى المحكمة وإثباته في محضر الجلسة([717]).
كما يشترط لاعتبار الإشكال ثانيا أن ينصب علي ذات التنفيذ محل الإشكال الأول([718])، فإذا حجز علي منقولات لشخص في الحجز واستشكل فيها من الغير، ثم حجز علي منقولات أخري له، واستشكل الغير في الحجز الثاني، فإن إشكاله يعتبر إشكالا أولا يوقف التنفيذ ولو كان الحجزان قد تما بموجب نفس السند التنفيذي([719]).
فقد استحدث قانون المرافعات الحالي حكما جديدا وهو أن الأشكال الذي يثيره الملتزم في السند التنفيذي لأول مره يوقف التنفيذ إذا لم يكون قد اختصم في الأشكال اول المقدم من الغير([720])، وذلك علي أساس سد باب التحايل الذي كشف عنه الواقع العملي([721])، حيث كان طالب التنفيذ يوعز إلي شخص من الغير برفع إشكال قبل أن يرفع الملتزم في السند التنفيذي إشكاله، ثم ينتهي الأثر الواقف لهذا الإشكال، ومن ثم يبدأ التنفيذ أو يستمر، فإذا رفع الملتزم في السند إشكالا فإنه لا يوقف التنفيذ بمجرد رفعها لأنه يعد إشكالا ثانياً([722])، ومن أجل ذلك فقد نص المشرع المصري علي أن الإشكال الذي يرفعه الملتزم في السند التنفيذي يوقف التنفيذ علي أساس أن حقيقته هو أشكال أول إذا لم يختصم في الإشكال الأول الذي رفع من قبل بواسطة الغير([723])، وبالتالي إذا كان التنفيذ موقوفا بناء علي الإشكال الأول المقدم من غير الطرف الملتزم، ثم آتي هذا الاخير وقدم إشكاله الذي يعتبر إشكالا أولا، فإنه هو أيضا يترتب أثرا موقفا للتنفيذ ويضاف هذا الأثر الموقف إلى الأثر الموقف الأول بحيث إذا زال هذا الأخير لأي سبب نشط الثاني لإبقاء التنفيذ موقوفا.
لا شك أن هذه الضمانة تهدف إلي حماية مصلحة الملتزم في السند التنفيذي، غير أن السند قد يكون الملتزم فيه شخص وينفذ ضد شخص آخر، مثل الحكم الذي يصدر في مواجهة مستأجر وهمي ويجري في الواقع ضد شخص آخر وهو شاغل العين، وقد يكون الحكم الصادر بصحة ونفاذ عقد بيع وتمكين المشتري من إقامة بناء علي الأرض التي اشتراها، ويكون هذا الحكم صادر بالتواطؤ بين البائع والمشتري إضرار بحق من له حق ارتفاق علي الأرض المبيوعة، ففي هذه الحالة قد يقدم إشكالا من ذات الملتزم ( وهو خصم وهمي متواطئ مع المحكوم عليه). فإذا استشكل صاحب حق الارتفاق أو شاغل العين فإن إشكاله يعد ثانيا لا يوقف التنفيذ بمجرد رفعه ولا يلزم اختصامه لأنه ليس ملتزما في السند التنفيذي مع أن التنفيذ يجري ضده في الواقع، لذلك يجب تعديل النص بحيث يلغي عبارة الملتزم في السند ويحل محلها عبارة المنفذ ضده دفعا للتواطؤ الذي قد يحدث بين دائن ومدين عن طريق اصطناع خصومة للإضرار بالمنفذ ضده([724])؛ كما لو صدر حكم ضد المستأجر الأصلي ونفذ في مواجهة المستأجر من الباطن، حيث ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار المستأجر من الباطن ليس ملتزما في السند([725])، بينما ذهب رأي أخري إلى الأخذ بالتفسير واسع لفكرة الطرف الملتزم في السند التنفيذي، حيث يمتد حجية الحكم إلى المستأجر من الباطن لأنه الحجية لا تمتد فقد إلى المحكوم عليه بل تمتد إلى من يوجد في مركز قانوني يعتمد علي المركز الذي قرره الحكم([726]).
وقد يحدث في الواقع العلمي أن يقوم الملتزم في السند من أجل عرقلة التنفيذ أن يوعز لشخص من الغير برفع إشكال في التنفيذ يوقف التنفيذ، ثم ينتظر حتي صدور الحكم في الإشكال ويرفع إشكاله هو ليوقف التنفيذ، لأنه لم يختصم في الإشكال الأول طبقا لنص المادة 312/4 مرافعات، ودفعا لهذا التحايل فقد أضيفت فقرة جديدة إلي المادة 312 استلزمت ضرورة اختصام الطرف الملتزم في السند التنفيذي إذا كان الإشكال مرفوعا من غيره سواء كان الإشكال قد رفع أمام المعاون أو بالطريق العادي، وقد أوجب النص علي القاضي إذا تبين له أن الملتزم في السند لم يختصم أن يكلف المستشكل باختصامه في ميعاد يحدده فإذا لم ينفذ ما أمر به فإن لقاضي ان يحكم بعدم قبول الإشكال، ومنح هذه السلطة التقديرية للقاضي لكي يتأكد من جدية الغير والذي قد لا يتمكن من اختصام الملتزم في السند لسبب خارج عن إرادته([727]).
ويثار تساؤل حول مسألة أنه إذا وجد أكثر من سبب أو واقعة يمكن بناء الإشكال الوقتي عليها أو رفع اشكالات بناء علي احد هذه الوقائع، فهل يجوز رفع إشكال ثاني عن واقعة كانت قائمة لحظة رفع الإشكال الأول ولم يتم الاستناد عليها؟
في الواقع اختلف الفقه في الاجابة علي هذا التساؤل، فقد ذهب جانب من الفقه إلى القول بأن الحكم في الإشكال الوقتي يمنع من رفع أي إشكال أخر عن سبب كان قائما وقت رفع الإشكال الأول، وسواء دفع بذلك أو لم يدفع به([728])، وبالتالي يجب أن يكون سبب الاشكال الثاني لاحقا علي صدور الحكم في الإشكال الأول؛ ويري جانب أخر من الفقه أنه يمكن أن يبني الأشكال الثاني علي اسباب كانت قائمة لحظة تقديم الاشكال الأول، وينتقد هذا الرأي الاتجاه الاول، وذلك لأن الحكم في الإشكال الوقتي هو قضاء مؤقت لا يمس أصل الحق، ولا شأن له بصحة الإجراءات أو ببطلانها، ولما كان المشرع لا يوجب إبداء جميع الاسباب التي تبرر وقف التنفيذ في وقت واحد عند رفع الإشكال وإلا سقط الحق في التمسك بما لم يبدي منها، ولما كان الحكم في الإشكال لا يتصور أن يعتبر قضاء في أسباب لم تطرح علي القضاء فلا يتصور التسليم بوجهة الرأي الأول([729]).
ومن جانبا نري أنه يمكن رفع اشكالا جديدا طالما كانت اسباب الأشكال لم تثار من قبل، حيث أن الحجية المؤقتة للحكم الصادر في الاشكال تتعلق بوحدة الخصوم والموضوع والأسباب، فإذا اختلف أحدهم فيمكن رفع اشكالا جديدا.
ثانيا: زوال الأثر الواقف المترتب علي رفع اشكال الغير:
الإشكال يظل موقف للتنفيذ طالما بقيت الخصومة في هذا الاشكال قائمة أمام قاضي التنفيذ، ولكن هذا الوقف يزول إذا حكم برفض الاشكال أو إذا الغي الحكم في الاشكال في الاستئناف أو تم تعديله نتيجة لتغير الظروف التي دعت إلى اصداره أو صدر حكم موضوعي مخالف له، أو حكم بسقوط خصومة الاشكال، او باعتباره كأن لم يكن، أو بطلان صحيفة الدعوي.
قد نص المشرع المصري في المادة 314 مرافعات علي أن غياب الخصوم في الإشكال الوقتي يؤدي إلى شطب الإشكال، وذلك يرجع إلى أن المشرع قدر عدم جدية المستشكل الذي رفع الإشكال([730])، ويلاحظ أن المشرع ولد نتيجة خاصة لشطب هذا الإشكال وهي زوال الآثر الموقف الذي نشأ نتيجة رفع الإشكال([731])؛ ويري جانب من الفقه أن هذا النص يوجه وبصفة عامة مطلقة في حالة غياب الخصوم في أي جلسه يكون([732])؛ ومن جانبا نري أن هذا الشطب لا يكون إلا في حالة الغياب في أول جلسه وكان الاشكال غير صالح للحكم فيه.
والواقع أن إشكالات التنفيذ الوقتية هي دعوي بالمعني الفني، وبالتالي يخضع للقواعد العامة المتعلقة بالحضور والغياب المنصوص عليها في المواد من 82 – 86 مرافعات، حيث نصت هذه القواعد علي أن غياب جميع الخصوم وعدم تقديم مذكرات من أي منهم، وألا تكون الدعوي صالحة للفصل فيها، وألا يكون الإعلان قد سلم لشخص المعلن اليه، يؤدي إلى الشطب، وهذا الشطب هو استبعاد الدعوي من جدول القضايا لفترة معينة، أي تظل الخصومة قائمة بالرغم من الشطب، فإذا مضي علي الشطب ستين يوما، ولم يطلب أحد من الخصوم السير فيها أو لم يحضر الطرفان بعد السير فيها تعتبر الدعوي كأن لم تكن، وهنا تعتبر الخصومة قد سقطت وتزول إجراءاتها وأثارها.
وتطبيق هذه الأحكام علي المنازعة الوقتية يستوجب القول بأن الحكم بشطب الدعوي لا يؤثر علي استمرار وقف التنفيذ الذي ترتب علي رفعها، غير أن المشرع رأي أن ذلك يؤدي إلي المماطلة في تنفيذ الأحكام، فقد نص علي حكم مخالف للقواعد العامة مقتضاه أن شطب الإشكال يزيل الأثر الواقف الذي ترتب عليه.
ويري جانب من الفقه أن نص المادة 314 مرافعات المتعلق بزوال الأثر الواقف بالشطب نص استثنائي يتعلق بمنازعات التنفيذ الوقتية([733])، فلا يطبق علي المنازعات الموضوعية التي يترتب عليها وقف التنفيذ، إلا إذا نص المشرع علي صراحة، كما في نص المادة 395 مرافعات بالنسبة لدعوي استرداد المنقولات المحجوزة، وبالتالي شطب الاشكال يؤدي إلى زوال الآثار التي تكون قد ترتبت عليه دون انتظار لأن تعتبر الدعوي كأن لم تكن بعد ستين يوما من الشطب فتستمر اجراءات التنفيذ من المرحلة التي توقفت عندها، ويري جانب أخر من الفقه أن عبارة شطب الإشكال قد وردت في نص المادة 314 مطلقة من أي قيد وبالتالي لا يجوز تقيدها بغير مقيد، كما أن ذات الحكمة من زوال الآثر الموقف تتواجد في أي إشكال موضوعي ينص القانون علي أن له أثر موقف للتنفيذ بمجرد رفعه([734])، وبالتالي لا يوجد ما يمنع قانونا من تطبيق حكم المادة 314 علي منازعات التنفيذ الموضوعية([735]). ومن جانبا نري أن هذا النص استثناء من القواعد العامة، وبالتالي لا يجوز تطبيقه علي منازعات التنفيذ الموضوعية إلا إذا نص المشرع صراحة علي ذلك.
والواقع أن هذه القاعدة لا تترتب إلا في حالة الاشكال الذي يترتب علي رفعه وقف بقوة القانون لإجراءات التنفيذ، أما إذا كان وقف التنفيذ قد تقرر بحكم من قاضي التنفيذ قبل الحكم في الاشكال ذاته وشطب هذا الاشكال فان هذا الوقف لا يزول بمجرد الشطب، وإنما بعد اعتبار الخصومة كأن لم تكن بنقضاء ستين يوما من تاريخ الشطب عملا بالمادة 82 مرافعات.
وهذا النص يطبق فقط علي الشطب في حالة الإستشكال دون عوارض الخصومة الأخرى مثل الحكم بالوقف لاي سبب من الأسباب، فإذا حكم بعدم الاختصاص بنظر الأشكال والإحالة إلى قاضي تنفيذ اخر، فإن الحكم لا يكون له أثر علي وقف التنفيذ، لأن صحيفة الإشكال والأثر الواقف لها يظل قائما بعد الحكم بعدم الاختصاص والإحالة([736])، ولكن يلاحظ أن حكم بعدم الاختصاص والاحالة إلى المحكمة المختصة به من غير قضاة التنفيذ فإنه يزول الاثر الموقف للإشكال([737]).
وإذا تم تعجيل الإشكال المشطوب قبل انقضاء ستين يوماً فلا يعود إليه الأثر الواقف بقوة القانون، ولكن يمكن للقاضي أن يحكم بالوقف([738])، ولكن إذا تغيب الغير المستشكل وقررت المحكمة شطب الإشكال ثم حضر الغير قبل انتهاء الجلسة وقررت المحكمة اعتبار قرار الشطب كأن لم يكن فإن الأثر المترتب علي شطب الإشكال لا يتحقق ويظل الإشكال موقفا للتنفيذ.
الفرع الثاني
الآثار التي تترتب علي الحكم في الإشكال
يعتبر الإشكال المقدم من الغير منازعة وقتية يقتصر الحكم فيه إما علي
وقف التنفيذ أو الاستمرار فيه، ويؤسس علي ظاهر المستندات، ويجب أن
يفحص القاضي مدي رجحان وجود الحق([739])، وإذا تغيب الخصوم فالقاضي يأمر
بشطب الإشكال([740]) طبقا للقواعد العامة، ولا يجوز للقاضي التعرض لأصل الحق([741])،
ولا يجوز أن يؤسس الاشكال علي وقائع سابقة علي صدور السند التنفيذي([742])،
ولا أن يتضمن طعنا علي الحكم([743])، فلا يجوز للقاضي أن يبني حكمه بوقف التنفيذ
علي عدم جواز التنفيذ، والحكم الصادر لا يقيد المحكمة عند نظرها موضوع النزاع بل يملك تعديله أو تغييره، لأنه لا يؤثر في سلامة أركان التنفيذ سندا، وخصوما وموضوع([744]).
وإذا زال وصف تعلق الاشكال بالتنفيذ أثناء نظر القاضي للمنازعة، فيري جانب من الفقه أن قاضي التنفيذ يحكم بعدم الاختصاص والإحالة إلى المحكمة المختصة، كما لو زالت المصلحة أو الصفة أو زال الخطر الداهم المبرر لاتخذا الإجراء التحفظي([745]). في الواقع نري أنه في هذه الحالة يحكم القاضي بعدم قبول الاشكال، كما لو أقيم استشكال في التنفيذ، وأثناء نظره وقبل الحكم فيه، تنازل الحاجز عن الحجز أو حكم نهائيا ببطلان الحجز.
والحكم في الإشكال الوقتي هو حكم مستعجل يخضع للقواعد العامة الخاصة بهذه الاحكام([746])، فله حجية مؤقته، ويكون نافذا نفاذا معجلا بقوة القانون، ويكون
النفاذ المعجل بدون كفالة إلا إذا تطلبها قاضي التنفيذ في الحكم، وذلك طبقا لنص المادة 288 مرافعات، والحكم في الاشكال يقبل الطعن عليه بالاستئناف أمام المحكمة الابتدائية.
ويثور تساؤل هل يجوز الإستشكال في الحكم الصادر من قاضي التنفيذ في إشكال آخر؟ يري الفقه أنه لا يجوز قانونا أن يرد الإشكال علي حكم صادر في إشكال، لأن هذا الأخير لا يعتبر سندا تنفيذي([747])، وقد ذهب القضاء المصري إلى أن الحكم الذي يصدر من قاضي التنفيذ في الإشكال الوقتي سواء بوقف التنفيذ أو الاستمرار فيه لا يعد سندا تنفيذيا علي غرار الاحكام المعتبرة كذلك، لأنه مرهون بالظروف التي صدر فيها، ومن ثم فلا يترتب علي الإشكال الوقتي في الحكم الصادر في اشكال سابق وجوب وقف التنفيذ طبقا لنص الفقرة الأولي من المادة 312 مرافعات، إذ المقصود بحكمها الوجوبي هو الإشكال الوقتي الأول في السند التنفيذي([748]).
ومن جانبا نؤيد هذا الاتجاه، وذلك لأن السماح بالإشكال في الأحكام الصادرة في إشكالات التنفيذ يؤيد إلى اتساع منازعة التنفيذ وعرقلة العملية التنفيذية، إلى جانب أن الحكم الصادر لصالح الغير بوقف إجراءات التنفيذ هو حكم وقتي لا يتضمن أي التزام بأداء شئ أو القيام بعمل وإنما فقط بعدم الاستمرار في التنفيذ مؤقتا، وطالما أن هذه الاحكام منشأة فهي لا تحمل القوة التنفيذية، ولا يعتبر حائزة لقوة الأمر المقضي، وبالتالي لا يعد هذه الاحكام سندات تنفيذية.
وإذا رفع إشكال من الغير وقضت المحكمة فيه بعدم الاختصاص والإحالة فإنه لا يترتب علي هذا الحكم إنهاء الخصومة في الإشكال وليس من شأنه أن يزيل صحيفته، وتنظر المحكمة المحال اليها الإشكال بالحته من حيث انتهت إجراءاته أمام المحكمة التي أحالته، ويعتبر ما اتخذ من الإجراءات صحيح بما في ذلك وقف إجراءات
التنفيذ([749]).
والواقع أنه يمكن للغير أن يجمع بين الطعن في الحكم بالتماس إعادة النظر وبين رفع الإشكال أمام قاضي التنفيذ، بل يجوز له حتي لو تقدم الغير بطلب وقف النفاذ امام محكمة الطعن، لأنه لا يجد ما يمنع من ذلك قانون([750])، فقد تتأخر محكمة الطعن في نظر طلب وقف النفاذ ويفضل الغير أن يتدارك هذا التأخير برفع إشكال لقاضي التنفيذ يطلب فيه وقف تنفيذ، وإذا اصدر قاضي التنفيذ حكما بالوقف التنفيذ، بينما حكمت محكمة الطعن برفض طلب الوقف، فإن الحكم الوقتي الصادر في هذا الطلب لا يمس الحكم الصادر من قاضي التنفيذ، فيظل التنفيذ موقوفا إعمالا للحكم السابق. ويظل حكم قاضي التنفيذ قائما غير متأثر بحكم محكمة الطعن. لأن الظروف الذي نشأت أمام قاضي التنفيذ لم تتغير([751]). بينما إذا صدر حكم من محكمة الطعن بوقف التنفيذ، فإنه يرد علي تنفيذ موقوف، وبالتالي لا يمكن قاضي التنفيذ بعد ذلك أن يأمر بالاستمرار في التنفيذ إذا تغيرت الظروف، وذلك لوجود حكم من محكمة التماس إعادة النظر.
وقد ذهبت بعض الأحكام إلى أن قيام النزاع أثناء نظر الإشكال في التنفيذ علي الحق المطلوب حمايته لا يحول دون أن يتناول القاضي بحث هذا النزاع بصفة وقتية ليفصل في الإجراء الوقتي الذي يري الأمر به، ويكون تقديرا وقتيا لا يؤثر علي الحق المتنازع عليه، بل يبقي محفوظا سليما يتناضل فيه أطرافه امام القاضي الموضوعي، ولذا لا يحكم القاضي بعدم الاختصاص، وإنما يأمر بما يراه من إجراء وقتي كفيل بحماية ما يظهر من الاوراق وظروف الدعوي وأنه صاحب الحق وأنه جدير بالحماية([752]). والواقع أننا نري أنه إذا كانت طالبات الغير تتعلق بالموضوع فلا يجوز للقاضي أن يحكم بإجراء وقتي، ويجب علي القاضي أن يحكم بعدم قبول الإشكال.
وحكم القاضي في الاشكال، إما برفضه أو قبوله، وذلك علي النحو التالي:
أولا: آثار الحكم برفض الاشكال:
إذا خسر الغير اشكاله، فيمكن له رفع اشكال أخر إذا تغيرت الظروف، حيث لا يوجد في القانون ما يمنعه من ذلك، كما أن القانون لم ينص علي أن الاشكال السابق مجرد تقديمه يؤدي إلى استغراقه لجميع الوقائع التي كانت قائمة لحظة رفعه ولو لم يستند إليها المستشكل([753]).
ورغبة من المشرع في ضمان جدية الاشكال فقد نص المادة 315 مرافعات علي أنه إذا خسر المستشكل دعواه جاز الحكم عليه بغرامة لا تقل عن مائتين جنية ولا تزيد علي ثمنمائة جنية مع الحكم بالتعويض إن كان له وجه([754]).
ويمكن لأي من طرفي التنفيذ طلب التعويض عن التعسف الغير في رفع الاشكال، ويختص قاضي التنفيذ بالحكم بهذه التعويضات طالما تم التقدم بها بطلب عارض([755])، أما إذا تم التقدم بها بدعوي مبتدأه فإنها تخضع للقواعد العامة للاختصاص بعيدا عن قاضي التنفيذ، وإنما لمحكمة الموضوع وفقا للقواعد العامة في الاختصاص القضائي.
وترفع دعوي المسئولية عن الإشكال الكيدي طبقا لنص المادة 188 مرافعات، بطلب عارض يثبت في محضر جلسة الإشكال ويصدر فيها قاضي التنفيذ حكما موضوعيا بعد أن يحكم في الطلب الوقتي برفض الإشكال، وينعقد الاختصاص له أيا كانت قيمة الطلب العارض، ويخضع الحكم الصادر فيه للقواعد العامة المتعلقة بالطعن([756]).
ويري جانب من الفقه أن الحكم بالغرامة لا يجوز إلا في حالة اشكالات التنفيذ التي يترتب علي رفعها وقف التنفيذ بقوة القانون، وذلك علي اعتبار أن الغرامة المقررة قانونا تهدف إلى الحد من المغالاة أو اساءة استعمال الاشكالات الموقفة للتنفيذ، أما الاشكال الذي لا يؤدي إلى وقف التنفيذ فلا يخضع لهذه القاعدة، فلا يجوز الحكم بالغرامة إذا كان اشكالا ثانيا لا يوقف التنفيذ([757])، وذلك علي اساس أن الاخفاق في الالتجاء إلى القضاء ليس خطأ موجبا للمسئولية.
ومن جانب لا نتفق مع هذا الرأي، وذلك لأن النص المادة 315 مرافعات جاء عاما يطبق علي جميع انواع اشكالات التنفيذ الوقتية، كما أن الحكمة من الغرامة هي الحد من اساءة استخدام اشكالات التنفيذ بصرف النظر عن اثارة، بالإضافة أن الاشكال التالي قد يحكم القاضي بوقف تنفيذ بناء عليه، لذا نري أن القاضي يحكم بالغرامة إذا خسر الغير اشكاله سواء كان الاشكال الاول أو التالي.
ثانيا: آثار الحكم بقبول الاشكال:
يمكن لقاضي التنفيذ بعد استناده إلي ظاهر الأوراق دون المساس بالحق([758])، أن يحكم لصالح الغير، وهذا الحكم لا يؤثر علي الحق المتنازع فيه، ومن ثم لا يحوز إلا حجية مؤقتة تكون تبعا لتغير الظروف، فيجوز تعديله أو إلغاؤه إذا تغيرت الظروف؛ ولكن هذه الأحكام لها حجية أمام القضاء المستعجل، وبين الخصوم أنفسهم، فليس للقضاء أن يعدل بقرار ثان إلا إذا تغيرت الظروف في الخصومة أو المركز القانوني للخصم، ففي هذه الحالة يجوز لقاضي التنفيذ الرجوع عما صدر منه وإصدار حكم معدل له([759])، فإذا قضي بقبول الإشكال فلا يقضي بالاستمرار إلا إذا تغيرت الظروف.
والأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون وبدون كفالة ما لم ينص القانون علي غير ذلك، والحكم الصادر في الإشكال لا يؤثر علي عملية التنفيذ، فإجراءات التنفيذ تظل قائمة، ومراكز الخصوم تظل كما هي، والآثار المتولدة من التنفيذ تظل علي حاله([760])، وذلك لأن هدف الغير من الإشكال هو وقف الإجراءات وليس إلغاء التنفيذ.
ونظرا لأن قاضي التنفيذ في مركز القاضي الجزئي، فقد نص قانون المرافعات في المادة 277 علي أنه “تستأنف أحكام قاضي التنفيذ في المنازعات الوقتية والموضوعية أياً كانت قيمتها أمام المحكمة الابتدائية”. وميعاد الاستئناف الذي يجب رفع الدعوي خلاله هو 15 يوما من تاريخ صدور الحكم، مع مراعاة الحالات الاستثنائية التي يحسب فيها الميعاد من إعلان الحكم([761])، وهذه الاحكام لا تقبل الطعن فيها بالنقض لصدوره من المحكمة الابتدائية بهيئة استئنافيه إلا وفقا للمادة 249 مرافعات.
وإذا صدر حكم من القاضي في الإشكال بوقف التنفيذ، فلا يجوز السير في هذا التنفيذ إلا بمقتضي حكم قطعي من محكمة الموضوع، أو حكم وقتي أخر يبني علي غير الاعتبارات التي بني عليها الحكم الأول.
المطلب الثالث
تقييم حق الغير في رفع الاشكال في التنفيذ
في الواقع قد ثار خلافا في الفقه حول حق الغير في اشكال في الحجز الواقع علي أمواله الخاصة، بدلا من رفع دعوي استرداد أو استحقاق المال المحجوز عليه.
سنشير الي موقف الفقه من حق الغير في رفع الاشكال، ثم موقف الباحث، وذلك في الفروع الأتية:
الفرع الاول
موقف الفقه من حق الغير في رفع الاشكال
لقد انقسم الفقه بين مؤيد ومعارض في حق الغير في رفع اشكال امام قاضي التنفيذ في حالة رفع دعوي الاسترداد او الاستحقاق.
ويمكن لنا تقسيم هذا الخلاف إلى ثلاثة اتجاهات([762]).
الاتجاه الأول: عدم جواز رفع إشكال في التنفيذ:
يذهب جانب من الفقه إلى أنه لا يجوز للغير رفع إشكال أمام قاضي التنفيذ بصفته مستعجلة، وذلك لأنه لا تتوافر للغير صفة في رفع الإشكال، لأن القانون رسم له طريقا خاصا وهو دعوى استرداد المنقولات فليس له أن يطرق هذا الطريق ولجأ إلي الإشكال، حيث يقتصر حقه علي رفع دعوي الاسترداد، ويرفعها بصفة نزاع موضوعي، ويترتب علي هذه الدعوي إيقاف بيع الأموال المحجوز عليها، طبقا لنص المادة 393 مرافعات.
وبالتالي إذا وقع الحجز علي المنقولات يدعي الغير ملكيتها له، فلا يجوز للأخير الممانعة في بيعها بإشكال يرفع أمام قاضي التنفيذ، وإنما له الحق في دعوي الاسترداد التي يرفعها أمام قاضي التنفيذ بصفته محكمة الموضوع المختصة، ويترتب علي رفع الدعوي وقف التنفيذ، فلا يكون الغير في حاجة إلى اشكال في التنفيذ.
كما لا يجوز للغير رفع دعوي مستعجلة بأحقيته للمنقولات المحجوز عليها وإلغاء الحجز الموقع عليها لمساس الفصل فيها بالموضوع أو أصل الحق لتعلق الفصل فيها بحق الملكية والحق الذي يترتب للحاجز علي توقيع الحجز([763]).
الاتجاه الثاني: جواز الاشكال إذا كان الغير حاضرا أثناء التنفيذ
ذهب بعض الفقه إلي أن ليس للغير الاشكال في التنفيذ إلا في حال حضوره
أثناء الحجز([764])، حيث يستشكل في السند أمام معاون التنفيذ، مما قد يترتب عليه وقف التنفيذ، أما إذا تم الحجز فلا تتوافر فيه هذه الصفة لرفع الاشكال بطريق العادي أمام المحكمة، إذ إن أمامه دعوى الاسترداد، وهي تكفل له استرداد المنقولات ووقف التنفيذ([765]).
فهذا الرأي يفرق بين حالتين:
الحالة الأولي: أن يكون الغير موجودا عند الشروع في الحجز علي المنقولات، فهنا يقبل منه رفع الإشكال الوقتي بإبدائه أمام المعاون، وذلك لأن رفع الإشكال الوقتي يحقق له مصلحة لا يحققها رفع دعوي الاسترداد، إذ يترتب علي تقديمه الإشكال وقف إجراءات التنفيذ، وهي نتيجة لا يحققها رفع دعوي الاسترداد التي لا يؤثر رفعها في الحجز وإنما في البيع.
الحالة الثانية: إذا لم يكن الغير حاضرا وقت إجراء الحجز، وبالتالي لم يبدي الاشكال أمام المعاون، وتم الحجز، فلا يقبل الاشكال الوقتي برفعه أمام قاضي التنفيذ، لانعدام المصلحة لأن رفع الأشكال في هذه الحالة لن يؤثر علي الحجز، وإنما هو يقف البيع، وهذ الغرض يتحقق برفع دعوي الاسترداد([766]).
والحكمة في هذه التفرقة أنه بعد تمام الحجز لا تتوافر لدي الغير المصلحة التي تبرر المنازعة الوقتية، فالمصلحة في هذه المنازعة هي الحصول علي حكم وقتي لتحقيق حماية عاجلة لا يحققها الالتجاء إلى القضاء بدعوي موضوعية، فإذا كان مجرد رفع الدعوي الموضوعية يحقق وقف التنفيذ، وبالتالي يحقق حماية عاجلة للغير، فلا تكون هناك مصلحة في رفع الدعوي المستعجلة، ويجب علي قاضي التنفيذ كقاضي الأمور المستعجلة أن يحكم بعدم قبول الاشكال.
وبالتالي قاضي التنفيذ يختص بإشكال الغير إذا ما أدلي به وقت الحجز أمام المعاون، أما إذ رفع بعد توقيع الحجز فلا اختصاص له به علي اعتبار أن المشرع قد رسم طريقا خاصا للمطالبة بملكية الأشياء المحجوزة وبطلان إجراءات الحجز، وأن هذا السبيل يوقف إجراءات الحجز اذا بُدت جدية الطلب، ويجب الالتزام بما نص عليه المشرع من أوضاع ومواعيد وإجراءات، فضلا عن أن دعوي الاسترداد تحقق آثار الاشكال وهو وقف التنفيذ([767]).
الاتجاه الثالث: حق الغير في رفع الإشكال:
ذهب الفريق الثالث من الفقه([768]) وهو الغالب، والذي أخذت به المحاكم([769])،
إلي القول بأن للغير رفع الاشكال في أية مرحلة كان عليها التنفيذ، لأن النص 312 مرافعات نص عام لا يفرق بين المدين والغير، فضلا على أن دعوى الاسترداد
دعوى موضوعيه، تتضمن طلب موضوعي بالملكية وبطلان اجراءات التنفيذ، والإشكال منازعه وقتيه، والقاعدة أن الدعوى الموضوعية لا تحول دون اللجوء للإجراء الوقتي.
فالغير مدعي ملكية الأشياء المحجوزة يملك الاعتراض علي الحجز برفع
إشكال وقتي، وهذا الاشكال يوقف أو لا يوقف البيع بحسب القواعد العامة، فيؤدي
إلى وقف التنفيذ إذا كان هو الإشكال الأول، والقاضي له مطلق تقدير الأمر في
رفض الإشكال إذا ساوره شك في ما يدعيه المستشكل طالب الملكية، وذلك لأن المشرع قد نظم له سبيلا خاصا، ومما يستوجب أن يأخذ دعواه بالحذر والحيطة([770]).
ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى الحجج الآتية:
- دعوي الاسترداد هي إشكال موضوعي، أما الإشكال الوقتي فهو مقبول دائما وفي جميع الحالات، ما لم ينص صراحة علي غير ذلك، ومن ثم لا يجب التوحيد أو الخلط بين الاشكال الوقتي والإشكال الموضوعي([771]).
أن النص المادة 312 مرافعات جاء شاملا لكل اعتراض قدم أمام المعاون أو صحيفة مبتدأه، سواء كان ذلك مقدم من المدين أو الدائن أو الغير مدعي الملكية أو أي حق يتعلق به([772]). فللغير أن يرفع إشكالا، وذلك لأن نص المادة 312 مرافعات يسري علي الإشكال المرفوع من الخصوم وعلي الإشكال المرفوع من الغير، إذ لا يوجد مانع في القانون من اختصاص قاضي التنفيذ بإشكال وقتي إلى جانب قيام المنازعة الموضوعية وهي دعوي الاسترداد([773]).
- انعدم السند القانوني للاتجاه الذي يفرق بين الإشكال قبل أو بعد الحجز، ومن ناحية ثانية أنه يقيد اختصاص قاضي التنفيذ بصفة مستعجلة بغير نص.
يمكن للغير مدعي الملكية أو أي حق يتعلق بها، رفع دعوي الاسترداد،
ولا ينفي حقه في رفع إشكال وقتي في التنفيذ، وكذلك جواز الجمع بين الطريقين
في وقت واحد، وذلك لابتنائه علي أسسس قانونية صحيحه ولسلامة حججة
وأدلته([774]).
الفرع الثاني
رأي الباحث في حق الغير في رفع الاشكال في الواقع نري أنه يجب التفرقة بين أمرين:
الأمر الأول: إذا كان الغير قد رفع دعوي الاسترداد أولا، فليس للغير الحق رفع استشكال في التنفيذ، وذلك لانعدام المصلحة، حيث أنه يترتب علي رفع دعوي الاسترداد وقف إجراءات التنفيذ، وهو الهدف من الاشكال، فمن باب الاقتصاد في الاجراءات، فلا يجوز القيام برفع الاشكال بعد رفع دعوي الاسترداد، لأن وقف الإجراءات سيترتب علي الوسيلتين.
الأمر الثاني: إذا لم يكن الغير قد رفع دعوي الاسترداد، فإنه يكون له الحق في رفع الاشكال سواء أمام المعاون أو أمام قاضي التنفيذ، وذلك لأن له مصلحة في وقف الإجراءات إلى أن يقوم برفع دعوي الاسترداد.
- والواقع أن الغير قد يفضل اللجوء إلي الاشكال في التنفيذ حتي يوقف التنفيذ إلي أن يتم الفصل في دعواه الموضوعية، حتي لا يتم التنفيذ ويصبح من الصعب إعادة الحال إلي ما كان عليه بعد الفصل في الدعوي الموضوعية. وبالتالي يكون الاستمرار في التنفيذ يتعارض مع حقوق الغير الثابتة علي الشئ المنفذ عليه، وإذا اتضح لقاضي التنفيذ خلاف ذلك، وأن الإشكال مقصود منه تأخير التنفيذ أو وضع العراقيل في سبيله، فأنه يقضي برفض الأشكال والاستمرار في التنفيذ.
ويشترط أن يكون هدف الغير من الاشكال هو الاعتراض علي التنفيذ، بهدف وقف إجراءات التنفيذ، وذلك لوجود عيب في إجراءات التنفيذ يمس بحقوق الغير([775])، فيجب أن يكون للغير حق ظاهر علي العين أو الشئ الجاري التنفيذ عليه يتعارض مع إجراءات التنفيذ، كما لو كان المال المراد التنفيذ عليه مال مملوكا للغير أو كان له حق عليه سواء كان حق انتفاع أو وضع يد.
ويلاحظ أن المشرع أعطي للمعاون سلطة عند رفع الاشكال من الغير أمامه، وهذه السلطة تنتقص من سلطة قاضي التنفيذ، وهذا الأمر منتقد، حيث أنه يتولد عن إعمال لهذه السلطة العديد من الآثار المتمثلة في وقف الإجراءات، لأن المعاون هو الذي سوف يقدر عند قبوله للإشكال ما إذا كان مقدمه هو طرف ملتزم في السند أم لا، وما إذا كان الإشكال هو أول إشكال يقدم في التنفيذ أم لا، وما إذا كان قدم تم اختصام الملتزم في إشكال سابق أم لا، وفي مثل هذه الحالات قد أعمل المعاون سلطته ولا يملك قاضي التنفيذ إعمال أي جزاء عليه([776]).
المبحث الثاني
حق الغير في رفع منازعة موضوعية في التنفيذ
قد يكون تحديد المنقولات أو العقارات التي تم الحجز عليها أكتنفه شئ من الصعوبة والغموض، وبالذات معرفة من هو مالكها، لأن المدين قد يزعم أمام المعاون أن المنقولات التي في حيازته ليست مملوكه له، والدائن يؤكد علي أن المنقولات ملك للمدين، مثال ذلك أثاث المنزل فهو يكون ملك المؤجر وليس المستأجر في السكن، ويقوم المعاون بالحجز عليه لدين علي المستأجر. وقد يعتري حيازة المال التباس ناتج عن الحيازة المشتركة للمنقول- مثال ذلك منقولات الأشخاص الذين يعيشون معيشة مشتركة كالزوجين، ففي هذه الحالات يجب علي المعاون أن يتصل بقاضي التنفيذ للسؤال عن التعليمات، أو يقوم بتوقيع الحجز، وعلي مدعي الملكية من الغير أن يرفع دعوي باستردادها، إذا كان محل الحجز منقول، أو باستحقاقها إذا كان محل الحجز عقار.
إذن للغير الحق في اللجوء إلى رفع الاسترداد المنقولات المحجوزة،
ودعوي الاستحقاق للعقارات المحجوز عليها، ثم حقه في الاعتراض علي قائمة
شروط البيع، ورفع دعوي بطلان حكم رسو المزاد، وسنشير إلى ذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول
دعوي استرداد المنقولات المحجوزة
دعوي الاسترداد هي دعاوي موضوعية يرفعها مدعى ملكية الأشياء المحجوزة طلبا فيها الحكم له بملكية هذه الأشياء وإلغاء الحجز الموقع عليها. إذ هي ادعاء بتخلف شرط من شروط التنفيذ ألا وهو ملكية المدين للمال المحجوز عليه، لو صح لكان من شأنه ذلك منع التنفيذ، وهذه دعاوي متعلقة بالتنفيذ، وترفع بعد توقيع الحجز وقبل البيع، والفرض الذي أراد المشرع أن يوجهه بهذه الدعوي يتمثل في أن حجزا قد وقع علي مال منقول غير مملوك للمدين المحجوز عليه([777])، ولذلك بات من الضروري حماية المالك الحقيقي لهذا المال.
في الواقع دعوي الاسترداد، هي صورة من صور الحماية القضائية الموضوعية التقريرية، ومن ناحية أخري لا تخلو ملامحها من الحماية الوقتية
بحسبان ما تهدف إليه من وقف البيع المنقولات المحجوزة مؤقتا إلى حين الفصل فيه([778]).
يجب أن تتضمن الدعوي، طلبين، الاول: ملكية المال، والثاني: بطلان الحجز، فإذا اقتصرت الدعوي علي أحد الهدفين، فلا نكون بصدد دعوي استرداد منقولات محجوزة، فقد نكون بصدد دعوي ملكية أو دعوي ببطلان إجراءات الحجز. ولن تكون مقبولة لرفعها من غير ذي صفة وذلك لعدم تأسيسها علي ملكية المنقولات المحجوزة أو أي حق يتعلق بها كحق الانتفاع([779]). فهي إذن دعوي بطلب ملكية الأشياء المحجوز أو بطلب أي حق يتعلق بها ويخول لصاحبه الانتفاع بها واستيفاء حيازتها مما يتعارض مع الحجز عليها وما يقتضيه هذا من بيعها علي المدين وتسليمها إلى من يشتريها بالمزاد.
ولتلافي هذا الوضع ولدفع هذا الضرر الذي حدث أورد المشرع القواعد الخاصة بدعوي الاسترداد في الفصل الأول من الباب الثالث المتعلق بالحجز التنفيذي علي المنقولات (الموادة 393 -397 مرافعات)، وقد حاول المشرع في تنظيمه لهذه الدعاوي أن يوفق بين مصلحتين متعارضتين: المصلحة الاولي: مصلحة من يرفع هذه الدعوي أي المسترد وذلك بوقف التنفيذ إذا رفعت مستوفاة لشروطها حتي لا يتم بيع المنقولات، ويحوزها مشتر حسن النية مما يضر بالمسترد ضررا بليغا إذا كان محقا في الدعوي أي كان المالك فعلا، والمصلحة الثانية: هي مصلحة الحاجز الذي سوف يضار من وقف التنفيذ الذي يترتب علي رفع هذه الدعوي الذي قد يتبين عدم صحتها، ومن ثم فقد أورد المشرع إجراءات خاصة لهذه الدعوي تميزها عن غيرها من المنازعات الموضوعية([780])، حيث اشترط أن يقدم الغير كل ما لدية من مستندات لتأييد دعواه وإلا إلغي استمر في التنفيذ.
وإذا كان الفقه تناول بالشرح والتعليق علي النظام الإجرائي لدعوي الاسترداد، إلا أننا أردنا أن نلقي الضوء علي بعض قواعد هذه الدعاوي ومفرداتها وخصوصيتها، وإظهار المشكلات العملية الكثيرة، والآراء الفقهية المتضاربة المتعلقة بها، والحلول المناسبة.
سنشير إلى شروط رفع دعوي الاسترداد وآثارها، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
شروط رفع دعوي الاسترداد وآثاره
دعوي الاسترداد منازعة موضوعية تتعلق بالتنفيذ علي المنقول، ترفع من الغير الذي يطلب فيها الحكم له بملكية المنقولات المحجوزة أو تقرير حق عيني آخر يتعلق بها، كما يطلب فيها وقف التنفيذ لبطلان الحجز لعدم توافر الشروط اللازمة لمحل الحجز([781])، وعرفت أيضا بأنها الدعوي الموضوعية التي يرفعها من يدعي ملكية الشئ المحجوز قبل بيعه، ويوجهها إلي الحاجز والمحجوز عليه بطلب ملكيته وإلغاء الحجز الموقع عليه([782])، فهي الدعوي التي يرفعها شخص من الغير يدعي ملكية المنقولات المادية المحجوزة أو أي حق يتعلق بها، وذلك علي كل من الحاجز والمحجوز عليه، ويطلب فيها تقرير حقه علي هذه المنقولات وإلغاء الحجز الموقع عليه([783]).
نلاحظ أن المشرع قد ميز دعوي الاسترداد بقواعد خاصة ومميزة عن غيرها من دعاوي التنفيذ، وذلك لما لها من أهمية في الواقع العملي، باعتبارها من أهم الدعاوي التي تحمي حقوق الغير، حيث تخول هذه الدعوي حماية مزدوجة للغير: حماية موضوعية، حيث تهدف موضوعيا إلى تقرير حق للمدعي علي الأشياء المحجوزة، وتقرير بطلان الحجز لوقوعه علي غير محله، وبالتالي تخليص الأشياء المحجوزة من الحجز، وحماية وقتية، حيث ترمي إلى وقف آثار الحجز مؤقتا إلى حين الفصل في الموضوع.
لم يحدد المشرع بصورة صريحة محكمة معينة لنظر دعوي الاسترداد،
ومع ذلك يجمع الفقه علي اختصاص قاضي التنفيذ- دون غيره- بنظرها إعمالا للمادة 275 مرافعات، والتي تعقد له الاختصاص بكافة منازعات التنفيذ وقتية كانت أم موضوعية. ونظرا لأن دعوي الاسترداد من منازعات التنفيذ الموضوعية. فهذ
فضلا عن إشارة المشرع إلى اختصاص قاضي التنفيذ بهذه الدعوي في معرض تحديده للحكم باستمرار التنفيذ رغم رفع الدعوي الأولي أو وقف التنفيذ رغم رفع دعوي استرداد ثانية، واختصاص قاضي التنفيذ بهذه الدعوي يعد اختصاصا نوعيا،
أما الاختصاص المحلي لقاضي التنفيذ بهذه الدعوي فإنه يكون للمحكمة التي يجري التنفيذ تحت إشرافها أي المحكمة التي يقع المنقول محل الحجز في دائرتها (م276 مرافعات).
سنشير إلى شروط دعوي الاسترداد، ثم نعالج آثارها وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الثاني
شروط دعوي الاسترداد
لم يشأ المشرع أن يخضع هذه الدعاوي من ناحية شروطها وآثارها للقواعد العامة، وانما وضع بصددها قواعد خاصة استثنائية لتتماشي وتتسق مع المقصود من هذه الدعاوي، وما تحققه من رعاية للغير مدعي الملكية وحماية الدائن الحاجز، ولا تؤدي إلى رعاية مصلحة أحد الأطراف بدون مبرر، ولا تبخس بحقه، وقلما يسلم المشرع من الإفراط أو التفريط في هذا الصدد.
في الواقع، المشرع الفرنسي قد عالج المسألة بشكل مختلف، حيث قرر بصدد المنازعات المتعلقة بالأموال المحجوزة، في مرسوم 21 يوليو 1992، أن المدين يمكنه أن يطلب بطلان الحجز الواقع علي مال غير مملوك له (م127) وأن الغير الذي يدعي ملكية مال محجوز أن يطلب من قاضي التنفيذ، الأمر له باستبعاد هذا المال من الحجز، La Distaqction، شريطة أن يوضح طلب الاستبعاد العناصر التي يبني عليها الحق المزعوم في الملكية وإلا كان الطلب غير مقبول، وأنه يجب علي الدائن الحاجز أن يختصم الدائنون المشتركون في الحجز، وأن المدين المحجوز عليه يجب اختصامه كذلك أو يستدعي في الدعوي، واوضح المشرع الفرنسي أن دعوي استبعاد الاموال المحجوزة من الحجز تغدو غير مقبولة بعد بيع الأموال المحجوزة، وأنه يمكن فقد عندئذ رفع دعوي باستحقاقها واستدراك المشرع مقررا أنه مع ذلك فإن الغير مالك الأموال السبق بيعها، حتي لحظة توزيع المبالغ المتحصلة من البيع، أن يجنب حقه من الثمن بعد خصم مصروفات الحجز([784]).
وبالنسبة للمشرع المصري فقد نظم دعوي الاسترداد في المواد 393 إلى 397 من قانون المرافعات، وذلك في معرض تنظيمه للتنفيذ بالحجز علي المنقولات لدي المدين، والواقع أن هذه الدعوي من الدعاوي التي تكثر استخدامها في العمل كأداة للمشاكسة وعرقلة السير الطبيعي للتنفيذ الجبري، ولذلك كانت الحاجة إلى ضبط قواعدها سواء من حيث نطاقها وشروطها وآثاراها.
سنشير إلى الشروط المتعلقة بالنطاق الموضوعي للدعوي، والمتعلقة بالنطاق الشخصي، والمتعلقة بالنطاق الزمني، وذلك في المطالب الآتية:
أولا: الشروط المتعلقة بالنطاق الموضوعي
يشترط لاعتبار المنازعة دعوي استرداد أن تتعلق بتنفيذ علي منقول، وأن يجري التنفيذ بطريق الحجز.
يترتب علي ذلك النتائج الآتية:
النتيجة الأولي: يجب استبعاد دعوي الاسترداد من نطاق التنفيذ بالحجز علي العقار، حيث نظم المشرع بالنسبة لهذا الطريق دعوي خاصة هي دعوي الاستحقاق الفرعية.
دعوي الاسترداد تهدف إلي صدور حكم يحسم النزاع حول ملكية المنقولات المحجوز عليها، فيجب أن تتضمن هذه المنازعة هدفين، الأول الفصل في مسألة ملكية المنقول، والثاني في مدي صحة الحجز.
النتيجة الثانية: يجب استبعاد دعوي الاسترداد من نطاق التنفيذ المباشر، وذلك لأن الأطراف السلبيين في دعوي الاسترداد هم الحاجز، والمحجوز عليه، والحاجزون المتداخلون، كما يترتب علي رفعها وقف البيع، وهذا أو ذلك دليل علي أن التنفيذ بطريق الحجز وليس تنفيذاً مباشراً، وهذا ما يستفاد من تنظيم المشرع لدعوي الاسترداد([785]).
علي أن استبعاد دعوي الاسترداد من نطاق التنفيذ المباشر، لا يعني حرمان الغير الذي يدعي ملكية الأموال المطلوب التنفيذ المباشر عليها من أدوات الحماية القضائية، حيث يمكن له رفع دعوي ملكية عادية تجاه أطراف التنفيذ المباشر، كذلك له الحق في أن يرفع إشكالا وقتيا بطلب وقف التنفيذ المباشر لحين الفصل في دعوي الملكية، وذلك طبقا للمادة 312 مرافعات، ويستفيد بالتالي من الأثر الموقف للتنفيذ المترتب علي رفع الإشكال الوقتي([786]).
النتيجة الثالثة: ثمة شك يمكن أن يثور بشأن سريان قواعد دعوي الاسترداد علي الحجوز التحفظية.
يرجع مصدر الشك هنا إلى أن التنظيم المشرع لهذه الدعوي في الفصل الخاص بالحجز التنفيذي علي المنقول، حيث قد يوحي باستبعاد تطبيقه علي ما عداه، خاصة وأنه في الحجز التحفظي لا مصلحة للغير في الاستفادة من الأثر الواقف للبيع في دعوي الاسترداد، لعدم تحديد يوم للبيع أصلا في هذا النوع من الحجوز.
في الواقع اختلفت كلمة الفقه في هذه المسألة، ويمكن أن نجمل هذا الاختلاف في اتجاهين علي النحو التالي:
الاتجاه الأول: قصر تطبيق الدعوي علي الحجوز التنفيذية:
ذهب جانب من الفقه([787]) إلي عدم سريان أحكام الدعوي علي الحجز
التحفظي، حيث أن الدعوي التي يرفعها الغير بالنسبة لهذا الحجز هي دعوي
حق عادية([788])، لا تنطبق عليها قواعد دعوي الاسترداد من حيث شروطه
وآثارها، وذلك لأن دعوي الاسترداد تقتصر علي حالة توقيع حجز تنفيذي علي المنقول.
ويري بعض من أنصار هذا الاتجاه، أن فكرة تحول الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي معيارا في بيان مدي انطباق قواعد دعوي الاسترداد، ولذلك فعند هذا الاتجاه إذا رفعت دعوي الاسترداد في الحجز التحفظي قبل تحول هذا الحجز إلى حجز تنفيذي فإنها لا تخضع لقواعد دعوي الاسترداد، أما إذا رفعت بعد هذا التحول فإنها تعتبر دعوي استرداد بمعني الكلمة([789]).
استند هذا الاتجاه إلى الأسانيد الآتية:
- أن القواعد الخاصة بدعوي الاسترداد، إنما هي قواعد استثنائية ولم يرد ذكرها ضمن نصوص الحجز التحفظي، ونظمها المشرع في باب الحجز التنفيذي علي المنقول لدي المدين (م393 حتى 396 مرافعات).
- أن دعوي الاسترداد هي أداة قانونية لإثبات حق المسترد علي المنقولات المحجوز عليها، و إيقاف البيع، ولا حاجة لها في الحجز التحفظي، حيث لا يرمي الدائن إلى البيع لاستيفاء حقه، حيث إن الحجوز التحفظية لا يتحدد فيها تاريخ البيع([790])، وبالتالي فالبيع موقوف اصلا، ومن ثم فلا فائدة في دعوي الاسترداد من ناحية وقف البيع.
الاتجاه الثاني: انطباق الدعوي علي الحجز التحفظي والتنفيذي وحجز ما للمدين لدي الغير:
يرى الرأي الراجح([791]) أن للغير الحق في رفع دعوي استرداد المنقولات المحجوز عليها، سواء كان الحجز بطريق تنفيذي أو تحفظي، وحجز ما للمدين لدي الغير؛ وذلك لوحدة الغاية من هذه الحجوز وهي إجراء البيع.
ويستند هذا الاتجاه إلى الآتي:
أولا: إذا كانت دعوي الاسترداد ترمي إلى تقرير حق للغير بالنسبة للمال المحجوز وإلى وقف البيع، وإلى بطلان الحجز، فهذه الأغراض تتحقق أيضا في الحجز التحفظي، وحجز ما للمدين لدي الغير، فالحجز التحفظي قد يتحول إلى حجز تنفيذي ينتهي بالبيع، ولذلك توجد مصلحة في وقف هذا البيع، كما أنه ليس صحيحا أنه لا حاجة لوقف البيع في الحجز التحفظي، لأن الحجز التحفظي يرمي في النهاية إلى التنفيذ علي المال بنزع ملكيته، فللغير إذا مصلحة في وقف البيع.
ثانيا: أن وضع النصوص الخاصة بدعوي الاسترداد في الفصل الخاص بالحجز التنفيذي، لا يمنع من انطباقها علي الحجز التحفظي أو حجز ما للمدين لدي الغير، فالقاعدة هي أن يتبع في الحجز التحفظي النصوص الخاصة بالحجز التنفيذي([792]). ولاسيما وأن المادة 320 مرافعات لا تستثني إلا ما تعلق بالحكم الخاص بتحديد يوم البيع، ولا شأن ليوم البيع بدعوي الاسترداد أو بالأثر الواقف في بيع المنقولات المحجوزة.
ثالثا: ليس هناك علاقة بين تحديد يوم البيع وبين الأثر الواقف للبيع في دعوي الاسترداد، فوقف البيع يمكن أن يتم ولو لم يحدد يوم للبيع، وآية ذلك أنه في الحجز التنفيذي قد لا يحدد يوم بيع في محضر الحجز، وهذا لا ينفي صفته كحجز تنفيذي، ولا ينتفي عن دعوي الاسترداد التي ترفع قبل هذا التحديد، صفتها كدعوي استرداد أو أثرها في وقف البيع.
رابعًا: أن الاتجاه الرافض لإعمال قواعد دعوي الاسترداد علي الحجوز التحفظية يخالف أصول التفسير الصحيح إذا أن المادة 393 مرافعات تنص علي أن “رفعت دعوي لاسترداد الأشياء المحجوزة”، وذلك دون تخصيصها لطريق معين من طرق الحجز، فيكون قصر تطبيقها علي الحجز التنفيذي دون التحفظي تحصيص لعموم النص بغير مخصص وتقيد المطلق بغير مقيد([793]).
ونرى أن الرأي الثاني هو الأولي بالترجيح، وذلك لأن ليس من شروط دعوي الاسترداد أن يكون هناك يوم محدد للبيع، ولكن تنطبق في حالة الحجز علي منقول، سواء كان حجزا تنفيذيا أو تحفظيا.
النتيجة الرابعة: هناك ثمة شك يمكن أن يثور أيضا بشأن سريان قواعد دعوي الاسترداد علي الحجز الاستحقاقي، وهو الحجز الذي يوقعه مالك المنقول أو صاحب حق عيني آخر عليه يخوله حق تتبعه، أو صاحب الحق في الحبس في يد من يحوزه، تمهيدا لتسلمه، لأن هذا الحجز بطبيعته لا يؤدي إلى البيع، وإنما إلى التنفيذ المباشر، ولكن دعوي الاسترداد توجه حجزا ينتهي إلى البيع وتستهدف إيقافه([794]).
النتيجة الخامسة: لا ترفع دعوي الاسترداد بصدد التنفيذ الجماعي، فإذا رفع شخص دعوي بملكية محل تجاري اتخذت بشأنه إجراءات قائمة علي الحكم بإشهار إفلاس المدين، فإن هذه الدعوي لا تخضع لقواعد دعوي الاسترداد([795]).
ثانيا: الشروط المتعلقة بالنطاق الشخصي للدعوي:
يتعلق النطاق الشخصي في دعوي الاسترداد بأطراف الدعوي، حيث ترفع هذه الدعوي من اشخاص نص المشرع علي صفتهم، كما ترفع علي أشخاص معنيين. وستشير إلي ذلك في النقاط الآتية:
أولا: المدعي في دعوي الاسترداد: الغير
المدعي في الدعوي دعوي الاسترداد هو من شخص من الغير، وهو من ليس طرفا في السند التنفيذي، وينازع في التنفيذ، استنادا إلي أنه المالك للمنقول المحجوز عليه أو من له حق آخر علي المنقول يتعارض والحجز عليه([796])، فالغير في هذه الدعوي يطلب ملكية المنقول المحجوز عليه، ووقف البيع وبطلانه.
ويري جانب من الفقه([797]) أن المدعي في دعوي استرداد المنقولات المحجوزة ليس من الغير لأنه طرف في دعوي الاسترداد، ولأنه ينازع في ملكية المال المحجوز عليه، والواقع أن هذا الرأي لا يمكن التسليم به، وذلك لأن المدعي في دعوي الاسترداد ليس طرفا في العلاقة التنفيذية، فهو ليس طرفا إيجابيا أو سلبيا، فلا يعترف له بالحق في التنفيذ ولا يلزمه التنفيذ بأداء ما، لذا فالمدعي في دعوي الاسترداد يعد من الغير بالنسبة للعلاقة التنفيذية.
ويلاحظ أن المشرع لم يحدد صفة المدعي في تلك الدعوي ولم يقصرها علي الغير صراحة، في أي من المواد 393 – 397 مرافعات، ولكن يستفاد ذلك من أنه جعل المدعي عليه في هذه الدعوي الدائن الحاجز والمحجوز عليه والحاجزين المتدخلين، بما يعني أن أي من هؤلاء لا يصح أن تثبت له صفة المدعي في دعوي الاسترداد، بالإضافة إلى أن للغير مصلحة في رفع هذه الدعوي.
ويمكن أن يستجمع الشخص لصفتين في آن واحد، الغير وممثلا لاحد
أطراف التنفيذ كالولي أو الوصي أو ناظر الوقف أو مدير الشركة، فقد يكون أيهم
طرفا في التنفيذ بصفته ممثلا لأحد اطراف التنفيذ، ومن الغير بصفه أخري، كما لو حجز علي شخص بصفته مديرا لشركة، ويدعي ملكية الأشياء المحجوزة بصفته الشخصية، ففي هذه الحالة وأمثالها يكون لهذا الشخص بصفته من الغير ويرفع الدعوي الاسترداد.
وينبغي أن يكون حق المقرر لغير يتعارض مع التنفيذ علي المنقولات لدي المدين، بعني أنه لا يمكن التوفيق بين الحق الذي يدعيه الغير علي المنقولات المحجوزة، وبين حجز هذه المنقولات الذي ينتهي ببيعها جبرا إلى الراسي عليه المزاد، فإذا أمكن التوفيق بني حق الغير وبين حق الراسي عليه المزاد فلا يكون هناك من مبرر لرفع دعوي الاسترداد التي ترمي في النهاية إلى منع بيع المنقولات جبر([798])؛ فهذه الدعوي تتعلق بطالب الغير تقرير ملكيته للمنقولات أو أي حق يتعلق بها مع إلغاء أو إبطال الحجز عليها- لأنه ورد علي ملك الغير- وذلك في مواجهة الحاجز أو الحاجزين (لإلغاء الحجز في مواجهتهم) والمحجوز عليه (للاحتجاج بالملكية أو أي حق علي المنقولات في مواجهته).
ولقد اختلف الفقه في مفهوم الغير في دعوي الاسترداد، ويمكن حصر هذا الخلاف في الاتجاهين الآتيين:
الاتجاه الأول:
يذهب أنصار هذا الاتجاه([799]) إلى أن الغير في دعوي الاسترداد هو كل من له
حق يتعارض مع التنفيذ علي المنقولات لدي المدين، كصاحب حق ملكية الأشياء المحجوزة، وقد وجه جانب من الفقه النقد لهذا الرأي بأن هناك أشخاصا لا تتعارض حقوقهم مع التنفيذ، ومع ذلك يستطيعون المنازعة فيه، وليس بالضرورة أن
تأخذ هذه المنازعة صورة دعوي الاسترداد بالمعني الدقيق، فقد لا يكون الغرض من المنازعة هو طلب بطلان التنفيذ، وإنما الاحتفاظ بحق الغير في مواجهة الراسي عليه المزاد([800]).
الاتجاه الثاني:
يذهب إلى أن الغير هو من له حق متعلق بالشئ محل الحجز يفضل حق المشتري بالمزاد كصاحب حق الانتفاع عليها مثل([801]).
ومن جانبا نري أن الغير في دعوي الاسترداد هو كل شخص من الغير يدعى ملكيته لكل أو بعض المنقولات التي أوقع الحجز عليها أو يدعى أن له حقا عليها يتعارض مع حق الدائن في توقيع الحجز أو مع استمراره قائم([802])، ويهدف من الدعوي بطلان الحجز وتقرير حقه، فالغير يجد مصدر حقه في القانون الموضوعي الذي ينظم العلاقة بين هذا الغير، والمال الجاري التنفيذ عليه، كما يجد مصدره أيضا في قانون المرافعات الذي أعطي لهذا الغير مجموعة من الأدوات الفنية منها دعوي الاسترداد لحماية الحقوق التي للغير علي الأموال المتوقع عليها الحجز.
ولا يمكن إثبات صفة الغير للمدين ذاته، حيث لا تقبل منه مثل هذه الدعوي، لأن المال المحجوز إما أنه مملوك له فعلا وعندئذ يكون الحجز صحيحا، وإما أنه غير مملوك له، ومن ثم لا تكون له صفه في إثبات ملكية الغير لهذا المال([803])، إذ أن المال تم الحجز عليه لأنه في حيازته، ويفترض بالتالي أنه مالك له باعتبار أن الحيازة في المنقول سند الملكية، فالمعاون يلتزم بالحجز علي كل المنقولات التي في حيازة المدين بفرض ملكيته لها حتي وإن كان الواقع غير ذلك، حيث إن المعاون لا يلقي بالا إلى اعتراضات المدين لحظة توقيع الحجز، والتي تتضمن القول أن المال المحجوز ليس مملوكا له([804]).
كما أن الغير ليس بطالب تنفيذ أو ممثلا عنه، فلا يتصور أن يكون الدائن طالب التنفيذ مدعيا في دعوي الاسترداد، لتعارض مركزه مع أهداف هذه الدعوي، حيث أن مصلحته تتمثل في متابعة الحجز للحصول علي حقه من ثمن المنقولات المحجوزة، بينما ترمي هذه الدعوي للخلاص من هذا الحجز، وإعادة الأموال المحجوزة إلى صاحبها الحقيقي.
ولا يؤثر علي حق الغير في رفع دعوي الاسترداد أن المشرع يسمح له برفع إشكال وقتي بطلب وقف التنفيذ طبقا للمادة 312 مرافعات، فليس هناك تعارض بين الدعويين لاختلافهما موضوعا وسببا.
ويجب لرفع دعوي الاسترداد، ألا تكون المنقولات في حيازة المسترد، حيث أن دعوي الاسترداد تفترض أن الحجز يقع علي منقولات في حيازة المدين أو في حيازة مشتركه بين المدين والغير، فإذا انتقل المعاون واتضح أن المنقولات ليست في حيازة المدين، فانه يمتنع عن توقيع الحجز، وإذا أوقعه كان باطلا، ولو كانت هذه المنقولات مملوكة فعلا للمدين، وذلك لأن وسيلة الحجز في هذه الحالة تكون بحجز ما للمدين لدي الغير، ويكون لحائز المنقولات أن يرفع دعوي ببطلان الحجز، ويمكن الفصل في ملكية المنقول بطريق المنازعة في التقرير بما في الذمة، ولا يلتزم برفع دعوي استرداد، حيث لا تكون له مصلحة([805])، فلا يتطلب الأمر أن يثبت تملكه للمنقولات ويكفي أن يثبت أن الحجز علي المدين يقع علي مال في حيازته هو، وليس في حيازة المدين، وتثبت الحيازة باعتبارها وقائع مادية بشهادة الشهود والقرائن مهما تكون قيمة النزاع، كما يجوز نفيها بذات الطريق.
ثانيا: المدعي عليه: الدائن الحاجز والحاجزون المتدخلون والمحجوز عليه:
نصت المادة 394 مرافعات علي أن المدعي عليه في هذه الدعوي هو طرفا خصومة التنفيذ، أي المحجوز عليه، والدائن الحاجز، والحاجزين المتدخلين، إذن المدعي ليس حرا في اختيار خصومه في دعوي الاسترداد، فقد ألزامه المشرع برفع الدعوي علي اشخاص معينين. فمن ناحية أولي يجب رفع دعوي الاسترداد علي الدائن الحاجز، وهو الحاجز الأول علي المنقول، وكذلك علي الحاجزين المتدخلين، وهم الدائنون الذين حجزوا علي المنقول بعد الحجز الأول، وعلة اختصام هؤلاء أنهم هم المدعي عليهم في الادعاء ببطلان الحجز الواقع علي مال غير مملوك للمدين، ومن ناحية ثانية يجب رفع دعوي الاسترداد علي المحجوز عليه، فهو المدعي عليه في الادعاء بالملكية والذي يعد الطلب الأصلي في دعوي الاسترداد، إذن في هذه الدعوي تعدد إجباريا في مركز المدعي عليه.
ويري أغلب الفقه أنه يقصد بالحاجزين المتدخلين الحاجزين علي
المنقول بعد الحجز الأول، دون من حجزوا علي الثمن تحت يد المعاون([806]).
ولكن البعض([807]) يري أن عبارة الحاجزين المتدخلين، وردت عامة مطلقة، وبالتالي لا يجوز تخصيصها أو تقييدها بغير مقتض، فإذا كان الحاجز قد تدخلوا في الحجز عن طريق الحجوزات علي الثمن تحت يد المعاون فإنه يجب اختصامه، وذلك لأنه في ذات مركز الحاجز المتدخل بطريق محضر الجرد.
ونري أن الدائنين المتدخلين بطريق الحجز علي الثمن تحت يد المعاون لا ضرورة لاختصامهم في هذه الدعوي، لأن حقهم لا يتعلق بالمنقولات محل الحجز، وإنما بحصيلة التنفيذ([808]).
وإذا كان المشرع قد تطلب اختصام العديد من الأشخاص في مركز المدعي عليه، فإنه لا يترتب علي عدم اختصام أي منهم بطلان أو عدم قبول الدعوي، وإنما رتب جزاء خاصا بهذه الدعوي، وهو وجوب الحكم بناء علي طلب الحاجز بالاستمرار في التنفيذ دون انتظار الفصل في الدعوي، ولا يشترط أن يطلب الاستمرار في التنفيذ من الحاجز الأول، بل يجوز لاحد الحاجزين المتدخلين أو المحجوز عليه أن يبدي هذا الطلب. والحكم الصادر بالتنفيذ غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن([809])، كما أن الحكم الصادر في دعوي الاسترداد لا يكون الحكم حجة علي من لم يختصم منهم. ولا يجوز للمكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بجزاء الاستمرار في التنفيذ([810])، ويمكن أن يحكم القاضي بالتأجيل لإعلان من لم يعلن من الخصوم، كما يجوز للحاجز أن يطلب اختصام المحجوز عليه، اعمالا بالمادة 117 مرافعات. ويجوز للقاضي بموجب المادة 118 أن يأمر باختصامه من تلقاء نفسه.
ولذلك لم يرتب المشرع كافة النتائج المترتبة علي التعدد الاجباري بالمعني الدقيق، فالجزاء الذي يترتب علي عدم اختصام بعض من يجب اختصامهم ليس عدم القبول وإنما يجب الحكم بالاستمرار في التنفيذ بناء علي طلب الحاجز([811]).
علي أن إعمال هذا الجزاء يفترض أن الدعوي قد رفعت علي المدين المحجوز عليه وأحد الحاجزين علي الأقل، أما إذا رفعت الدعوي علي المدين دون أي من الحاجزين، ففي هذه الحالة يستطيع أي حاجز أن يتدخل في الدعوي تدخلا هجوميا، ويطالب بإعمال الجزاء المقرر وهو الاستمرار في التنفيذ، أما إذا رفعت علي الحاجزين دون المدين، فإنها لا تعتبر في صحيح النظر دعوي استرداد، وكذلك من باب أولي إذا رفعت علي أشخاص آخرين غير المدين والحاجزين، وعندئذ تكون الدعوي غير
مقبولة وفقا للقواعد العامة لرفعها علي غير ذي صفة، وبعبارة أخري، لا يتصور عدم اختصام المدين، لأن المطلب الأول في دعوي الاسترداد هو ملكية الأشياء المحجوزة، ولا صفة للحاجز في توجيه هذا الطلب اليه، وإنما الصفة تتوافر للمدين المحجوز عليه([812]).
ولا شك في خطورة الجزاء الذي أورده المشرع عند عدم اختصام أحد الحاجزين خاصة وأنه ليس للغير الوسيلة التي تمكنه أن يتعرف علي كافة الحاجزين، إذ يمكن أن يترتب علي هذا الجزاء أن يستمر التنفيذ، ويتم البيع ثم يتبين بعد ذلك أن المسترد كان علي حق، ولكنه لن يتمكن من استرداد المنقول بعد أن وقع في يد مشتر بالمزاد حسن النية، مما يزيد في خطورة المادة 394 مرافعات النص علي عدم الطعن في الحكم الصادر بالاستمرار في التنفيذ، فضلا عن أنه ليس للقاضي سلطة تقديرية في الحكم بالجزاء أو عدم الحكم به، فالحكم هنا وجوبي.
لذلك يجب البحث عن وسيلة قانونية لتلافي مثل هذا الجزاء، ومن المتصور أن يتجه الذهن في هذه الحالة إلى نص المادة 115 مرافعات، والتي تعطي للقاضي سلطة تأجيل الدعوي لإعلان ذي الصفة إذا تبين له انتفاء صفه المدعي عليه، ولكن هذا الحل لا يمكن إعماله وقد أتت المادة 394 بجزءا خاص([813]).
علي أنه قد يعد من إعمال هذا الجزاء ما جري عليه العمل من اختصام
قلم المعاونين الذي أوقع الحجز، وذلك لبيان حالة جميع الحاجزين علي هذه الأموال، وذلك حتي يمتنع عن إجراء البيع، مع العلم بأنه لا يترتب علي عدم اختصامه أي جزاء([814]).
الطبيعة القانونية لتعدد أطراف المدعي عليهم في دعوي الاسترداد:
في دعوي الاسترداد يكون التعدد إجباريا في مركز المدعي عليه، وقد حدث خلاف في الفقه حول تحديد طبيعية هذا التعدد، هل مصدره رابطة موضوعية بين الخصوم؟ أم مصدره القانون؟
الاتجاه الأول: التعدد الإجباري مبناه وجود رابطة موضوعية بين المدعي والمدعي عليهم([815]).
يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن ثمة رابطة قانونية موضوعية واحدة بين مدعى الاسترداد والمدين المحجوز عليه، والدائنين الحاجزين، وأنه يجب فهم هذه الرابطة علي نحو أوسع، بحيث لا تقتصر علي رابطة المديونية، إنما يجب فهمها لتشمل علاقات أخري، قد تكون مبناها حقا من الحقوق الشخصية أو حقا من الحقوق العينية، فالادعاء بالملكية يقوم علي أساس حق مطلق اتجاه الكافة، ومنهم المدعي عليهم، باعتبار أن الحجز يمثل اعتداء علي حق المسترد، وبالتالي كان للمسترد أن يدافع عن نفسه ضد المعتدين.
الاتجاه الثاني: التعدد الإجباري مبناه إرادة المشرع وحده([816]):
يذهب أنصار هذا الاتجاه التعدد الإجباري في دعوي الاسترداد ليس مبناه
وجود رابطة قانونية موضوعية بين المدعي والمدعي عليهم التي هي مناط التعدد الإجباري كما هو معروف قانونا، وإنما منشأة إرادة المشرع، ويستند في ذلك إلى الآتي:
- أن العلاقة بين المدعي في تلك الدعوي، وبين المدين المحجوز عليه لا يمكن أن تكون علاقة موضوعية بين دائن ومدين، إذ لو كان الأمر كذلك لوجب علي المدعي الحصول علي سند تنفيذي، ومباشرة التنفيذ الجبري في مواجهة المدين وفقا لما تقضي به القواعد العامة، ولذلك وجب اختصام المدين باعتباره صاحب الصفة الأساسية في الادعاء بأن المسترد هو صاحب حق علي المال المحجوز([817]).
- أن الحكمة من اختصام الحاجز والحاجزين المتدخلين تكمن في أنهم أصحاب الصفة في الطلب الخاص ببطلان الحجز([818])، وليس مبناه وجود رابطة قانونية موضوعية تجعل من المدعي مدينا أصليا لهؤلاء الحاجزين([819]).
- ونري أن الرأي الأول لا يستقيم لضعف حججه، حيث لا يمكن التسليم بوجود رابطة موضوعية واحدة هي مناط التعدد الإجباري، كما أن الراي الأول اقتصر علي حق الملكية، ولكن لم يقدم حلولا بالحالة التي يدعي فيها أنه صاحب حق عيني متفرع عن حق الملكية، ويمكن القول أن التعدد الاجباري هنا مصدره القانون، وذلك من أجل الجمع بين الطلبات المرتبطة مع بعضه([820]).
ثالثا: الشروط المتعلقة بالنطاق الزمي لدعوي الاسترداد:
يجب لصحة دعوي استرداد أن ترفع بعد الحجز وقبل البيع، فإذا لم ترفع خلال هذه الفترة كانت دعوي ملكية عادية، لا يسري عليها النظام القانوني الخاص بدعوي الاسترداد([821])، وترجع الحكمة من هذا الشرط الزمني إلى أن رفعت هذه الدعوي بقصد تخليص الأشياء المحجوزة من الحجز الموقع عليها، وبالتالي فلا تعد من دعاوي الاسترداد دعوي الملكية العادية التي ترفع قبل توقيع الحجز([822]) أو الدعوي التي تقام بعد تمام البيع أيا كانت طلبات المدعي فيها.
ويرجع ذلك إلى أن المطلوب في دعوي الاسترداد هو ملكية المدعي للأموال المحجوزة، وبطلان الحجز، ويفيد ذلك اللزوم العقلي أن يكون هناك تنفيذ قد بدأ بالفعل- في صورة حجز- حتي يكون لدعوي الاسترداد محل، فقبل حدوث الحجز ليس هناك مال محجوز حتي يمكن المطالبة بملكيته، وبطلان الحجز الواقع عليه.
ودعوي الاسترداد تعد في جانب منها من دعاوي الإلزام، إذ تستهدف استصدار قرار لا يثبت فقط ملكية المدعي للمال وإنما أيضا إلزام المحكوم عليه بتمكين المدعي من استرداد هذا المال، أو علي الأقل الامتناع عن الاستمرار في التنفيذ عليه. ولن يكون للقرار الصادر قيمة عمليه إذا كان التنفيذ قد تم وانتقلت ملكية المنقول المطلوب استرداده إلى المشتري بالمزاد حسن النية.
وتثور الحاجة إلى تكييف الدعوي التي ترفع قبل البيع ولكن حدث البيع قبل الفصل فيها، في هذه الحالة سوف تحتفظ الدعوي بطبيعتها كدعوي استرداد، ولكن لن يكون للحكم الصادر فيها حجية إلا تجاه أطرافها، أي أنه لن يسري في مواجهة المشتري بالمزاد لأنه لم يكن طرفا فيها، وحتي إذا رفع المحكوم له بالاسترداد دعوي في مواجهة المشتري بالمزاد فإن هذا الأخير يمكنه أن يدفع بقاعدة الحيازة في المنقول بحسن نيه سند الملكية([823]).
ولكن هل معني ذلك أن مدعى الاسترداد ليس له حق في الحصول علي حماية قضائية إذا تم البيع؟
لا شك أن العدالة تتأذي لو أن القانون قد حرم المالك الحقيقي للمال المحجوز من حقه لمجرد حصول بيعه ورغم أنه ليس هو المدين المحجوز عليه؛ إذ ليس من اللازم أن ننسب إليه تقصيرا متمثلا في تأخره في الاعتراض علي الحجز وهو لم يكن طرفا في المعاملة التنفيذية وبالتالي لا يعلم بالحجز وتعاقب الإجراءات اللاحقة عليه.
ولكن ليس مستحبا في نفس الوقت أن نخل بالثقة في عملية البيع الجبري التي تمت ونهدد المشتري بالمزاد بأن الملكية التي آلت إليه يمكن انتزاعها منه إذا ظهر المالك الحقيقي. فتفضيل حق الغير سوف يجعل كثيرا من الراغبين في المزايدة يحجمون عن الاشتراك فيها، وسوف يعود هذا بالتالي بالضرر علي الحاجز والمحجوز عليه، رغم أن المال المحجوز والمعروض للبيع قد يكون مالكا خالصا للمحجوز عليه، ولن ينتزع بعد ذلك من المشتري.
للتوفيق بين الاعتبارين السابقين يمكن أن نجد الحل المناسب وهو جواز إقامة الدعوي ولو بعد البيع ما دام المشتري سئ النية، أي كان عالما بالواقع قبل الشراء، فهذا الحل يسمح للمالك الحقيقي للمال المحجوز والمباع باستعادة حقه، وفي نفس الوقت لن يكون في هذا الاسترداد مفاجأة للمشتري، إذا كان عالما بأنه يشتري مالا ليس مملوكا للمحجوز عليه، ويلاحظ أن حسن نية المشتري مفترض هنا وعلي مدعي الملكية إثبات العكس. كما أنه يجب إثبات سوء نية المشتري لكي تقبل الدعوي بعد البيع حتي ولو كان المشتري لم يتسلم المبيع بعد. وتطبيقا لذلك نصت المادة 947 مدني علي أنه يجوز لمن يدعي ملكية المال المحجوز أن يقيم دعواه ولو بعد البيع بالمزايدة إذا كان المشتري سئ النية([824]). وانما مشتري المنقول في المزايدة، يتملك بوجه بات إذا كان حسن النية ودفع الثمن كاملا (م 935 مدني).
وإذا صدر الحكم لصالح مدعى الاستحقاق فسوف يسترد المنقول من المشتري دون أن يدفع له مقابلا، ويكون للمشتري أن يرجع بعد ذلك علي المحجوز عليه الذي أثري- حيث تم الوفاء بدينه من الثمن الذي دفعه المشتري- بغير سبب ويسترد منه الثمن([825]).
وإذا كان المشتري حسن النية، جاز لمدعي الملكية أن يطالب بثمنها، وأن يختص به، دون الحاجزين، إذا لم يكن قد دفع بعد لهم أو قسم بينهم، فإن كانوا قد استوفوا حقوقهم من الثمن، جاز لمدعي الملكية أن يرجع به علي المدين باعتبار أنه قد أثري بقدر ما سدد من ديونه علي حسابه وكثيرا ما لا يجدي الرجوع علي المدين بسبب إعساره.
ويتجه الرأي الراجح في فرنسا إلى عدم جواز الرجوع علي الدائنين لأنهم قبضوا ديونهم التي لهم الحق في استيفائها، ولم يثروا بدون سبب مشروع ولم يتسلموا ما ليس مستحقا لهم([826])، ولا يتصور ثمة خطأ ينسب لهم؛ ولكن إذا لم يكن الثمن قد وزع علي الحاجزين فإن من حق مدعي الملكية أن يعترض علي التوزيع ويقفه لحين الفصل في دعواه، وإذا ثبتت ملكيته للمنقول فإن من حقه استرداد الثمن ولن يوزع بالتالي علي الحاجزين، وإنما عليهم حينئذ البحث عن أموال أخري للمدين لكي يبدأوا عملية حجز جديدة عليها من أجل استيفاء حقهم([827]).
ونري مع البعض من الفقه أنه يجوز لمدعي الملكية الرجوع علي الدائنين، وإن كان لهم الحق في استيفاء ديونهم إلا أن هذا الوفاء يجب أن يكون من مال مدينهم، فاذا قبضوا ديونهم مما ليس مملوكا للمدين فهم قد اثروا بدون سبب مشروع، وهذا ولو لم يتصور ثمة خطأ ينسب لهم، أي ولو كانوا حسني النية، وعلي اعتقاد عند موالاة إجراءات الحجز أنه يقع علي أموال يملكها فقط مدينهم([828]).
الفرع الثالث
الآثار المترتبة علي دعوي الاسترداد
ترفع دعوي الاسترداد بالإجراءات العادية لرفع الدعوي، وذلك بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة، وأداء الرسم المقرر لها، وقيدها بالجدول، هذه الصحيفة تحتوي علي البيانات العامة بالإضافة إلى بيان خاص بدعوي الاسترداد نصت عليه المادة 394 مرافعات وهو “أن تشتمل علي بيان واف بأدلة الملكية”، ثم تعلن للمدعي عليهم مع التكليف بالحضور([829])، ويترتب علي عدم سلوك هذا الطريق، حق الخصم في الدفع ببطلان إجراءاتها وتقضي المحكمة بذلك من تلقاء نفسها، باعتبار أن إجراءات التقاضي تتعلق بالنظام العام([830])، وبالتالي لا يجوز رفع الدعوي بإبدائها أمام المعاون وقت الحجز، ويحكم القاضي بعدم قبول الدعوي إذا رفعت بطريق رفع اشكال أمام المعاون، وذلك لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون([831]).
سنشير إلى الأثر المترتب علي رفع الدعوي، والآثار التي تترتب علي الحكم فيها، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: الأثر المترتب علي رفع دعوي الاسترداد:
القاعدة المقرر أن رفع الدعاوي الموضوعية لا يرتب أثرا في الحماية المطلوبة، وإنما الحكم الصادر في الدعوي هو الذي ينتج عنه أثر([832])، ولكن يلاحظ أن هذا القاعدة لم يقررها المشرع في دعوي الاسترداد، حيث إنه بالرغم من أن دعوي الاسترداد تعد منازعة موضوعية في التنفيذ، وبالتالي فالأصل لا يترتب علي رفعها أي أثر في وقف التنفيذ، إلا أن المشرع خرج علي القواعد العامة في الدعاوي الموضوعية، ورتب علي رفع دعوي استرداد المنقولات المحجوزة، وقف إجراءات التنفيذ (م393 مرافعات)، فوجه الخصوصية في آثار دعوي الاسترداد، يتمثل في النص علي الأثر الواقف للتنفيذ([833]).
فقد ساوي المشرع بين هذه المنازعة وبين الإشكال الوقتي في الأثر المترتب علي أي منهما، والذي يتمثل في وقف التنفيذ بقوة القانون دون حاجة إلى طلبه
ولا حاجة لصدور حكم به من القاضي، ويترتب الأثر الواقف بمجرد رفع الدعوي حتي ولو لم يتم اختصام باقي الخصوم، ولو رفع من قبل اشكال ثم حكم بالاستمرار في التنفيذ.
ولكن هذا الأثر تختلف قوة ترتيبه بحسب ما إذا كانت دعوي الاسترداد المرفوعة تعد الدعوي الأولي، أم دعوي استرداد ثانية، وذلك علي النحو التالي:
أولا: دعوي الاسترداد الأولي:
يقصد بالدعوي الاسترداد الأولي، بأنها الدعوي التي لم تسبق بدعوي استرداد أخري بخصوص نفس المنقول، فعندما يتم الحجز علي منقول معين، فإن أول دعوي استرداد ترفع بصدد هذا المنقول تعد دعوي استرداد أولى، وتظل دعوي الاسترداد بمثابة دعوي أولي ولو سبقتها دعوي استرداد أخري في نفس العملية التنفيذية، ولكن بخصوص منقول آخر([834])، ولذلك فإن اختلاف المحل يجعل أول دعوي استرداد تخص منقولا معنيا هي دعوي أولي.
تقضي المادة 393 مرافعات علي أنه إذا رفعت دعوي استرداد المنقولات المحجوزة يقف التنفيذ، فهذا الجزاء يترتب بقوة القانون، ويهدف هذا الأثر إلي حماية المدعي من الاستمرار في التنفيذ وبيع المنقول، وانتقال حيازته إلي الغير حسن النية، مما لا يتمكن المدعي من استرداده بعد ذلك لتمسك المشتري حسن النية بالحيازة في المنقول سند الملكية، فالحكمة من هذا الأثر الموقف للتنفيذ تلافي الأضرار الناجمة عن إتمام التنفيذ قبل الفصل في هذه الدعوي، فقد يكون الحكم الفاصل فيها لصالح مدعي الاسترداد، وبالتالي ثبوت حقه في استرداد المنقولات، ولكن سوف يصطدم هذا الاسترداد بعقبة، هي حصول البيع ووقوع المنقول في حيازة مشتر حسن النية بحسب الأصل، لذلك فإن وقف التنفيذ سيحول دون حصول البيع ويتوقى بالتالي أضرار إتمام التنفيذ القابل للإلغاء([835]).
ويلاحظ أن المشرع افترض أن دعوي الاسترداد الأولي دعوي جدية، فقد يكون المسترد علي حق في دعواه فيصيبه الظلم من جراء تمام التنفيذ، فأراد حمايته من خطر بيع المنقول، وانتقال الملكية إلى مشتر حسن النية، وإن كان المشرع لم يغفل من ناحية أخري مصير أطراف الحجز فرتب لهم العديد من الوسائل التي يستطيعون بها التخلص من هذا الأثر الموقف([836]).
ويترتب هذا الأثر ولو سبق وقف التنفيذ ثم استمر بناء علي إشكال وقتي أو
حكم فيه أو حتي لو كان التنفيذ مازال موقوفا علي أثر هذا الإشكال أو الحكم؛ ففائدة الوقف المتولد من الدعوي هنا سوف تظهر في الأحوال التي يزول فيها الوقف
للإشكال لأي سبب كان، حيث سيظل التنفيذ موقوفا بالنظر إلى وجود دعوي الاسترداد الأولي([837]).
ويظل التنفيذ موقوفا إلي حين الفصل في دعوي الاسترداد بحكم جائز
التنفيذ([838])، ولكن يمكن الاستمرار في التنفيذ في حالات نص عليها المشرع تتمثل في الآتي:
الحالة الأول: زوال الأثر الواقف بموجب حكم قضائي:
وتتضمن هذه الحالة فرضين:
الفرض الأول: حالات تكون للمحكمة سلطة تقديرية بالاستمرار في التنفيذ
يجوز تقديم طلب الاستمرار في التنفيذ من الحاجز عند نظر دعوي الاسترداد كطلب عارض، إما بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوي قبل يوم الجلسة أو بطلب يقدم شفاهية في الجلسة ويثبت في محضرها، وهو طلب وقتي، ولا يجوز تقديم هذا الطلب علي هذا النحو إلا أمام محكمة الدرجة الأولى، ويخضع الحكم الصادر في الطلب المستعجل للإجراءات والمواعيد المقررة في شأن الأحكام المستعجلة.
ويجب للحكم بالاستمرار في التنفيذ أن تكون هناك أسباب جدية يستند إليها الحاجز في طلبه، وعلي القاضي باعتبار قاضي للأمور الوقتية فيما يتعلق بهذا الطلب أن يوازن بين مصلحة الحاجز والضرر الذي يصيبه نتيجة وقف البيع، وبين مصلحة المسترد والضرر الذي يلحقه من جراء الاستمرار في البيع، فإذا اكتشف القاضي عدم جدية مستندات الملكية من خلال البحث الظاهري للمستندات أمر بالاستمرار في التنفيذ، والواقع أن المحكمة تتمتع بسلطة تقديرية في الاستجابة للطلب أو رفضه، فلها أن تقدر مدي توافر رجحان حق الطالب، وذلك من خلال بحث سطحي لأدلة دعوي الاسترداد.
وقد تقضي المحكمة بالاستمرار في التنفيذ، وفي ذات الوقت تهدف إلى حماية طالب الاسترداد، ولذلك أعطاها المشرع سلطة الحكم بالاستمرار في التنفيذ بشرط ايداع الثمن المتحصل من البيع خزانة المحكمة لحين انتهاء الخصومة، علي أن تكون مفهوما أن هذا الشرط ليس لازما بالضرورة للحكم الاستمرار في التنفيذ، فللمحكمة سلطة الحكم بالاستمرار بشرط إيداع الثمن أو بدونه؛ والحكم الصادر يكون صادرا في مادة مستعجلة مشملا بالنفاذ المعجل بقوة القانون، وفي نفس الوقت قابلا للاستئناف([839]).
الفرض الثاني: حالات يجب علي المحكمة الحكم بإلغاء وقف التنفيذ:
قد يطلب أحد الحاجزين الاستمرار في اجراءات التنفيذ، ويكون واجبا علي القاضي النطق به، يتصور ذلك إذا رفعت دعوي الاسترداد غير مطابقة للنموذج القانوني المنصوص عليه في المادة 394 مرافعات، وتحديدا إذا لم يختصم فيها من يجب اختصامهم (وهم الحاجز أو الحاجزين والمحجوز عليه)، أو لم تشتمل صحيفتها علي بيان واف بأدلة الملكية، أو لم يودع عند تقديمها ما لدي المسترد من مستندات.
وليس للمحكمة في هذا الفرض سلطة تقديرية، حيث يجب علي محكمة التنفيذ المرفوع أمامها دعوي الاسترداد أن تحكم بناء علي طلب الحاجز بالاستمرار في التنفيذ دون انتظار الفصل في الدعوي؛ حيث إن دور المحكمة في هذه الحالة هو التحقق من وجود المخالفة([840])، وأن القاضي هنا لا يتمتع بأية سلطة تقديرية، إذ يكفي أن تحدث المخالفة المنصوص عليها ويتقدم صاحب المصلحة بطلب، بعدها يجب إصدار الحكم بالاستمرار في التنفيذ.
ويرفع الطلب بالاستمرار في التنفيذ من صاحب المصلحة هو أحد الحاجزين، وإذا كان المشرع خص الحاجز بهذا الطلب، فذلك راجع إلى أنه الوضع الشائع، ولا يحرم منه المدين فيمكن له رفع الطلب([841]).
والحكم الصادر من المحكمة بالاستمرار في التنفيذ لا يقبل الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، أما الحكم الصادر برفض الاستمرار في التنفيذ فإنه يقبل الطعن وفقا للقواعد العامة.
ومن جانبا نري أن المشرع لم يساوي بين أطراف الدعوي حيث كان من الواجب أن يكون الحكم الصادر من قاضي التنفيذ يقبل الطعن في كافة الحالات، سواء كان صادرا برفض وقف التنفيذ أو بقبول الاستمرار في التنفيذ.
الحالة الثانية: زوال الأثر الواقف بقوة القانون مع بقاء الخصومة:
يتحقق هذه الفرض إذا حكم بشطب الدعوي أو وقفها، فأثر الواقف يزول
بقوة القانون، فليس هناك حاجة لصدور حكم بذلك أو طلب من أصاحب المصلحة، ففي هذه الحالة تظل الخصومة قائمة، وإن كانت الدعوي مستبعدة من جدول القضايا المتداولة.
والحكمة من ذلك عدم استفادة المدعي المهمل من الوقف، وحتي يمتثل المدعي لأحكام القانون ولأمر القاضي، فإذا تغيب المدعي شطبت دعواه وفقا لنص المادة 82 مرافعات أو امتنع عن تنفيذ ما أمرت به المحكمة، ويقتصر هذه الحالة علي الشطب، ولا يدخل ضمن حالات الاستمرار في التنفيذ بقوة القانون حالة انقطاع الخصومة، لأنها ليست من الحالات المنصوص عليها في المادة 395 مرافعات، والتي يترتب عليها زوال الأثر الواقف لدعوي الاسترداد.
وقد نصت المادة 396 علي أنه في حالة صدور حكم بعدم الاختصاص يعد سببا لعدم ترتيب دعوي الاسترداد أثرها في وقف التنفيذ، ويري البعض أن مجرد رفعها واعتبرها المشرع دعوي استرداد ثانية، ويتحقق ذلك في حالة عدم الاختصاص الوظيفي أو النوعي، حيث إن لقاضي التنفيذ أن يكيف الدعوي المرفوعة أمامه علي أنها ليست دعوي استرداد اولي، ومن ثم فإنها لا ترتب الأثر الموقف لها، وأن رتبته خطأ، فإنه يزول بقوة القانون لأنه ليس من آثارها؛ أما في حالة الحكم بعد الاختصاص المحلي، فمعني ذلك أن الدعوي المرفوعة وفقا لتكييفها الصحيح دعوي استرداد، إلا أن المحكمة غير مختصة محليا، ومن ثم تقضي بعدم الاختصاص المحلي والإحالة إلى المحكمة المختصة محليا، ففي هذه الحالة اعتبر المشرع الحكم الصادر في الدعوي بمثابة دعوي استرداد ثانية تشديدا علي المسترد، وعلي الرغم من مخالفته للقواعد العامة في الإحالة التي تقتضي نقل الدعوي بحالتها إلي المحكمة الأخرى([842]).
والواقع أنه في حالة الحكم بعدم الاختصاص يصدر بالإحالة إلى المحكمة المختصة، وهو ما يفيد قيام الخصومة أمام القضاء، وبالتالي بقاء الأثر الواقف المترتب علي رفعها، إلا أن المشرع قد رتب علي الحكم بعدم الاختصاص ما رتبه علي الشطب أو الوقف، فقرر هنا زوال الأثر الواقف لدعوي الاسترداد عند الحكم بعدم الاختصاص. ونري أن الحكمة من زوال الأثر الواقف في هذه الحالة، هي أن الدعوي المرفوعة أمام قاضي التنفيذ ليست دعوي استرداد، وبالتالي ليست داخله في اختصاصه النوعي، ومن ثم لا يوجد مبرر لوقف التنفيذ([843])، ولكن إذا كان عدم الاختصاص محليا، ففي هذه الحالة فقد قرر المشرع زوال الأثر الواقف عقابا علي خطأ المدعي في معرفة المحكمة المختصة([844]).
الحالة الثالثة: زوال الأثر الواقف بقوة القانون بزوال الخصومة:
إذا زالت الخصومة في دعوي الاسترداد لأي سبب من الأسباب زال ما يترتب عليها من آثار، فإذا حكم باعتبار الخصومة كأن لم تكن أو حكم برفضها أو بعدم القبول أو ببطلان صحيفتها أو سقوطها أو بتركها.
ويزول الأثر الواقف للدعوي ولو كان الحكم بأحد هذه الأمور السابقة قابلا للطعن عليه بالاستئناف، كما أن زوال الأثر الواقف للدعوي في هذه الحالة لا يتوقف علي الحكم به، حيث يترتب بقوة القانون([845]).
ثانيا: دعوي الاسترداد الثانية([846]):
تعتبر دعوي الاسترداد ثانية إذا رفعت في تاريخ لاحق لرفع الدعوي الأولي إذا اتحدا في محلا، وذلك في حالة كون المنقول المطلوب استرداده في الأولي هو المطلوب استرداده في الأخرى، يستوي بعد ذلك أن تكون الدعوي التالية قد رفعت من ذات المسترد الأول أو من مسترد آخر([847]).
وتعدد دعاوي الاسترداد قد ينطوي علي سوء نية وعرقلة التنفيذ، وانطلاقا من ذلك كان طبيعيا أن يعمد المشرع إلى قصر إعمال الأثر الواقف علي دعوي الاسترداد الأولي فقط، دون الدعاوي التالية لها، وهو ما يتفق – في نفس الوقت- مع الأصل العام، والذي لا يجعل لمجرد تقديم الدعوي آثارا علي مراكز الأطراف، ويؤخر ذلك لحين الفصل فيه([848]).
وقد نصت المادة 396 مرافعات علي أنه “إذا رفعت دعوي استرداد ثانية…
فلا يوقف البيع إلا إذا حكم قاضي التنفيذ بوقفه لأسباب هامة”. فطبقا لنص هذه المادة لا يترتب علي رفع دعوي الاسترداد الثانية وقف التنفيذ بقوة القانون، وإنما يمكن لقاضي التنفيذ بناء علي طلب من المدعي، إذا وجدت أسباب هامة، أن يقضي بوقف التنفيذ، وذلك لأن المشرع أفترض في هذه الحالة سوء نية رافع الدعوي، ورغبته في عرقلة سير التنفيذ، ولذلك نص علي عدم وقف التنفيذ بقوة القانون، وإنما أجاز للمحكمة أن تقضي بهذا الوقف.
إذا كان المشرع قد افترض توافر سوء النية في رفع دعوي الاسترداد التالية، غير أن المشرع وازن بين مصالح الخصوم، فأدرك أن الاخذ بهذه النتيجة علي اطلاقها من شانه الحاق ضرر جسيم ببعض الاشخاص، لذا خول القاضي وقف التنفيذ بصفة مستعجلة بناء علي طلب صاحب المصلحة، وبالتالي إذا استبان لقاض أن طلب المسترد علي قدر من الاهمية، كأن يكون حسن النية وأن طبيعة المنقولات تستوجب التريث في بيعها كما إذا كانت المنقولات نادرة أو ذات قيمة عالية، فإنه يحكم بوقف البيع، ولقاضي التنفيذ أن يأمر بإيداع الثمن خزينة المحكمة، والحكم الصادر مستعجل، فينفذ بصورة مستعجلة، ويقبل الطعن بالاستئناف سواء كان قاضيا بالاستمرار في التنفيذ أو برفضه.
وترجع الحكمة من الوقف القضائي لدعوي الاسترداد الثانية، إلى أنه إذا جري البيع رغم استمرار نظر دعوي الاسترداد، فقد يصدر الحكم بعد ذلك لصالح المسترد، فلن يتمكن من استرداد المنقول بعد وقوعه في يد مشتر حسن النية، ولتلافي هذه النتيجة أعطى المشرع للمحكمة أن تحكم بوقف التنفيذ بناء علي طلب أحد ذوي الشأن، لأسباب هامة( م396 مرافعات) لحين الفصل في دعوي الاسترداد.
ويلاحظ أن دعوي الاسترداد الثانية تظهر في حالتين:
الحالة الأولي: إذا رفعت من شخص غير طالب الاسترداد في الدعوي الأولي:
تعد دعوي الاسترداد ثانية إذا رفعت من غير طالب الاسترداد الأول، فقد يدعي شخص لأول مره باسترداده للمنقول إلا أن المشرع جعل دعواه بمثابة دعوي ثانية لمجرد أن سبقتها دعوي استرداد عن ذات المنقول ورغم أنها مرفوعة من شخص آخر.
والحكمة من هذا التكييف أن المشرع يفترض سوء نية رافع الدعوي الثانية، إذ إن القول بغير ذلك واعتبار الدعوي أولي لمجرد أن رافعها لم يسبق له أن رفع دعوي استرداد عن ذات المنقول في ذات عملية الحجز قد يفتح بابا لتحايل المدين المحجوز عليه، إذ يستطيع الاتفاق مع أشخاص متعددين فيرفع أحدهم دعوي استرداد أيضا بمثابة دعوي أولى وبعد خسارتها يقوم آخر، برفع دعوي استرداد أخري تعد أيضا بمثابة دعوي أولى، وهكذا يبقي الأثر الواقف المترتب علي دعوي الاسترداد الأولي مستمرا، أما اعتبار الدعوي المرفوعة عن ذات المنقول دعوي ثانية لمجرد سبق رفع دعوي أخري عنها ولو مع اختلاف المدعي، وهو الحل الذي يتبناه المشرع، حيث إن تواطؤ المدين مع الغير لن يحقق له الفائدة المرجوة([849]).
الواقع أن الصورة التي قصدها المشرع في الدعوي الاسترداد الثانية، هي التي ترفع بعد زوال الأثر الواقف للبيع الذي ترتب علي رفع دعوي الاسترداد الأولي، وسواء تم ذلك بناء علي حكم نهائي أو حكم نافذ نفاذا معجلا في هذه الدعوي أو علي دعوي تم رفعها بعد رفع دعوي سابقة، ولم ترتب أثرها في وقف البيع.
وقد اختلف الفقه في مدي اعتبار دعوي الاسترداد ثانية إذا رفعت أثناء الأثر الواقف للدعوي الاسترداد الاولي.
يري جانب من الفقه أنه يجب أن تكون هذه الدعوي قد رفعت بعد زوال الأثر الواقف المترتب علي الدعوي الأولي، وإذا رفعت أثناء سريان الأثر الواقف للدعوي السابقة، فإنها تعتبر دعوي استرداد أولي توقف التنفيذ، وذلك لأن افتراض سوء نية رافعها ورغبته في وقف البيع لا محل له في حالة رفع الدعوي في حالة رفعه للدعوي أثناء سريان الأثر الواقف للدعوي السابقة([850]).
ويذهب الرأي الراجح إلي أن الدعوي التي ترفع بعد سبق رفع دعوي أولي تعتبر في جميع الأحوال دعوي ثانية، لا يترتب علي مجرد رفعها وقف التنفيذ سواء رفعت قبل زوال الأثر الواقف للدعوي الأولي أم لا؛ ومن جانبا نتفق مع الراي الثاني، وذلك للأسانيد الأتية.
- الأخذ بالرأي الأول يفتح باب التحايل علي القانون بأن يتواطأ المدعي مع أشخاص آخرين علي رفع دعاوي استرداد متعددة ترفع كل منها فور رفع الأخرى، بحيث يترتب عليها الاستمرار في وقف التنفيذ إلي ما لا نهاية([851]).
- أن نص المادة 396 مرافعات جاء صريحا بنصه علي أن الدعوي الثانية هي التي ترفع من مسترد آخر، ومن ثم فلا يجوز تخصيصها بغير مخصص.
- أن نص القانون يبين أن العامل الزمني هو الذي يحدد عما إذا كانت الدعوي المرفوعة هي دعوي استرداد أولي أم دعوي استرداد ثانية([852]).
الحالة الثانية: رفع الدعوي الثانية من ذات المسترد في الدعوي الأولي:
قد يقوم المسترد في الدعوي الأولي، برفع دعوي ثانية، بعد زوال دعواه الأولي، إذا انقضت خصومتها دون الفصل في الموضوع، وذلك لأنها اعتبرت كأن لم تكن أو بعدم قبولها أو ببطلان صحيفتها أو بسقوط الخصومة فيها أو بقبول تركها؛ فانقضاء خصومة الدعوي الأولي دون الفصل في موضوعها يجعل الدعوي التالية إذا رفعت بعد ذلك من ذات المدعي([853]).
وترجع الحكمة من عدم وقف التنفيذ علي رفع الدعوي الثانية من ذات المدعي أن المشرع يعتبر الدعوي الجديدة هنا مرفوعة بقصد عرقلة التنفيذ، ولذلك لم يعتبرها المشرع دعوي أولي رغم عدم سبق الفصل في موضوع الدعوي الاولي.
يري جانب من الفقه أنه إذا قضي قاضي التنفيذ بوقف التنفيذ بناء علي طلب رافع الدعوي الاسترداد الثانية لوجود أسباب هامة، ثم زالت الخصومة في هذه الدعوي لأي سبب من الأسباب، فإن الأثر الواقف لا يزول بقوة القانون، بل يلزم صدور حكم بالاستمرار في إجراءات التنفيذ من قاضي التنفيذ([854]).
ونري أنه لا يمكن الأخذ بهذا الرأي وذلك لأن الأثر الواقف الذي حكم به القاضي كان نتيجة لدعوي الاسترداد الثانية، فزوالها يؤدي إلي زوال الحكم الذي قضي بوقف التنفيذ دون حاجه إلي حكم جديد بالاستمرار في التنفيذ، لأن زوال الخصومة يتضمن ضمنيا زوال الأثر الواقف للتنفيذ، حيث لم يعد هناك حكمة من استمرار وقف التنفيذ.
ثانيا: الحكم في الدعوي وآثاره:
1- الحكم في موضوع دعوي الاسترداد:
تنظر دعوي الاسترداد ويفصل فيها باعتبارها منازعة موضوعية، والحكم الصادر فيها يحسم النزاع حول أصل الحق، وعلي القاضي عند الفصل في الدعوي أن يسبب حكمه، ويحكم القاضي في الدعوي- سواء كانت دعوي الاسترداد أولي أم تالية- إذا لم يعترض خصومتها عارض يزيلها، ويقضي في طلب الملكية وطلب البطلان، فإذا انتهت المحكمة بعد بحث أدلة الإثبات إلى أحقية المدعي في المال محل الحجز فإنها تحكم له به وأيضا ببطلان الحجز، أما إذا تبين عدم أحقيته في المال فإنها تقضي برفض طلب الملكية ودون حاجة إلى البحث في مدي صحة الحجز.
القاعدة العامة أن الإثبات يقع علي المدعي، وليس المقصود بالمدعي هو رافع الدعوي، وإنما يقصد به كل من ادعى أمرا، علي خلاف الوضع الثابت أصلا أو ظاهر([855])، فهذا هو المدعي الذي يقع عليه عبء الإثبات، ولا فرق في ذلك بين من رفع الدعوي ومن رفعت عليه الدعوي([856]).
لقد أثارت مسألة تحديد من يقع عليه عبء الإثبات في دعوي الاسترداد خلافا كبيرا في الفقه والقضاء، فهل يقع علي المسترد عبء إثبات ملكيته للأموال المحجوزة؟ أم يقع علي الدائن الحاجز عبء الإثبات أن المنقولات المحجوزة تقع في ملكية المدين المحجوز عليه؟
فإذا قيل أنه وفقا للقواعد العامة في الإثبات بأن المسترد الذي يدعي
ملكيته للمنقولات المحجوزة يقع عليه عبء الإثبات، فإن ذلك يؤدي إلى إساءة استعمال الدائن لحقه في التنفيذ، إذ يمكن أن يقوم بتوقيع الحجز علي أي مال سواء كان مملوكا للمدين أو للغير، ويقع علي هذا الأخير بعد ذلك رفع هذا الحجز الذي وقع، ولا شأن له بالدين الذي وقع الحجز من أجله([857]). وما يؤدي إليه من تكبده كثير من الوقت والنفقات، وتظل المنقولات المحجوزة رهينة هذا الحجز، وفي ذلك أبلغ الضرر بمصالح الغير وهو ما لا يتفق مع اعتبارات العدالة، إذا قلنا بانتفال عبء الإثبات إلى الدائن الحاجز، فعليه إثبات ملكية مدينة للمنقولات التي حجز عليها، فلا شك أن هذا الأمر شاق وعسير له، إذ ليس من السهل عليه أن يقدم هذه المستندات، وكيف يحصل عليها وهي ليست تحت يده([858]).
لقد ذهب الفقه إلى وضع حلا للإثبات في دعوي الاسترداد هو الاستناد
علي الحيازة، التي تحدد من يقع عليه عبء الإثبات، وأساس ذلك ما نصت عليه المادة 963 مدني من أن “من كان حائزا للحق اعتبر صاحبه حتي يقوم الدليل علي عكس ذلك”.
لكن الاستناد إلى الحيازة ليس من السهل والبساطة في كل الأحوال بحيث يمكن الاعتماد عليها في تحديد عبء الإثبات، إذ أنه قد يبدو سهلا في حالة ما إذا كان الوضع الظاهر يدل علي أن المنقولات الموجودة في حيازة المدين مملوكة له، إلا أن الامر يدق في حالة ما إذا كان الظاهر يدل علي أن المنقولات الموجودة في حيازة المدين غير مملوكة له، وتثار الصعوبة أيضا في حالة اشتراك أكثر من شخص في حيازة المنقولات، كما في حالة الحيازة المشتركة.
لذا يجب التفرقة بين الفروض الآتية:
الفرض الأول: إذا كان المنقول في حيازة المدين بمفردة وقت الحجز:
في هذا الفرض يوجد المنقول في حيازة المدين بمفرده وقت الحجز، فعلي من يقع عبء الإثبات الملكية في هذه الحالة، في الواقع يجب التفرقة بين الحالات الآتية:
الحالة الأولي: إذا كان الظاهر يدل علي أن المنقولات الموجودة في حيازة المدين مملوكة له، فإن عبء الإثبات يقع علي عاتق المسترد:
إعمالا لنص المادة 964 مدني والتي تنص علي أن من يحوز المنقول حيازة مادية يفترض فيه أنه يحوزه حيازة قانونية، ومن يحوز يفترض فيه أنه مالكه ما لم يقم الدليل علي العكس، فإذا أراد المسترد إثبات خلاف الظاهر انتقل إليه عبء الإثبات، إذن المسترد هو المكلف بإثبات الملكية في هذا الفرض، وهذا ما اخذت به المادة 394 مرافعات، والتي أوجبت أن تشتمل صحيفة الدعوي علي بيان واف لأدلة الملكية([859]).
يمكن للمسترد إثبات الملكية بإثبات التصرف القانوني الذي يعطيه
حق ملكيته([860])، فقا للقواعد العامة، فإذا كان مصدر ملكية المسترد للمنقولات أو
حقه عليها هو واقعة مادية، فيجوز له إثباتها بجميع طرق الإثبات([861])، أما إذا كان
مصدر الملكية تصرفا قانونيا، فلا يجوز له إثباته إلا بالكتابة، إذا كانت قيمة هذا التصرف تتجاوز نصاب الإثبات بشهادة، أو كان غير محدد القيمة، أو كان إثباته يخالف الثابت بالكتاب، وذلك ما لم تتوافر في حقه حالة من حالات جواز الإثبات بالشهادة استثناء.
كما يمكن للمسترد أن التخلص من هذه القرينة بكافة طرق الإثبات، بأن يثبت حيازته هو للمنقولات، فيعتبر هو المالك في هذه الحالة ولا يكلف بتقديم أدلة الملكية، وإنما ينتقل عبء الإثبات إلى غيره، أي إلي المدين أو الحاجز([862]).
وإذا كان الغير قد اكتسب المنقول من المدين وجب أن يكون الدليل ثابت التاريخ قبل الحجز، وتطبيقا لذلك إذا ادعي المسترد أن سبب تملكه للمنقولات المحجوزة هو شراؤها من المدين، فإن عقد البيع يجب أن يكون ثابت التاريخ قبل الحجز([863]).
الحالة الثانية: إذا كان الظاهر يدل علي أن المنقولات الموجودة في حيازة المدين ليست مملوكه له، فإن عبء الإثبات يقع علي عاتق الدائن الحاجز:
في الواقع، إلقاء عبء الإثبات علي عاتق المسترد يفترض أنه يدعي خلاف الظاهر، فإذا كان الظاهر أن المنقولات الموجودة في حيازة المدين ليست مملوكة له، فإنه يكفي أن يثبت المسترد هذا الظاهر وعندئذ يقع علي عاتق الحاجز عبء إثبات ملكية المدين للمنقولات المحجوزة([864]).
حيازة المدين للمنقول ليست دائما قرينة علي الملكية، إذ إن هذه القرينة قرينة بسيطة، ومن ثم فليس هناك ما يمنع أن تنفصل مسألة الملكية عن مسألة الحيازة، ويقع عبء الإثبات علي ملكية المدين للمنقولات التي يحوزها علي عاتق الدائن الحاجز، كما في حالة أن يوقع الحجز علي مدين صاحب محل أو مصنع لإصلاح أجهزة، فالظاهر يدل في هذه الحالات أن المنقولات المحجوز مملوكة للعملاء
ويري بعض الفقه أنه يمكن التمييز بين حالتين: الأولي: إذا كان العقار الموجود به المنقولات المحجوزة ملكا للمدين أو مستأجرا باسمه، فانه يعتبر حائزا لها، بل المشرع يفترض أنه المالك إلى أن يثبت العكس، فالمادة 964 مدني تنص علي أنه من كان حائزا للحق اعتبر صاحبه حتي يقوم الدليل علي العكس، ومن ثم يقع عبء إثبات الملكية علي المسترد في هذه الحالة. الثانية: إذا كان العقار الموجود به المنقولات المحجوزة ملكا للمسترد- لا للمدين أو مستأجرا باسمه، فالمفروض أن الحجز يقع علي مال في حيازة الغير، وللأخير رفع دعوي بطلب بطلان الحجز([865])، وبالتالي يقع عبء الاثبات علي عاتق الحاجز.
الفرض الثاني
إذا كان المدين والمسترد يحوزان المنقول حيازة مشتركه
تثير مسألة الإثبات في دعوي الاسترداد صعوبة بالنسبة لحالات الحيازة المشتركة، فما الحكم مثلا إذا حجز دائن الزوج علي منقولات الزوجية الموجودة في منزل الزوجية، ورفعت الزوجة دعوي استرداد، فهل يمكنه أن تستفيد من الوضع الظاهر، وتلقي بعبء الإثبات العكسي علي الحاجز؟ فإن لم يقدم الدليل علي أن مدينه هو مالك للأشياء أو هو حائزها بنية التملك، خسر الدعوي ولو لم يثبت المسترد من ناحيته أنه مالك.
يلاحظ أن الحيازة في هذه الحالات يشوبها نوع من اللبس والغموض، لأن ضابط الحيازة لا يصلح قرينة علي الملكية، لأن كل منهما يعد حائزا، وبالتالي يستفيد من الوضع الظاهر المستمد من الحيازة.
لقد اختلف الفقه والقضاء في حالة الحيازة المشتركة وينحصر هذا الاختلاف في الآراء الآتية:
الرأي الأول: عبء الإثبات يقع علي الدائن الحاجز:
يذهب جانب من الفقه ويؤيده جانب من القضاء([866]) إلى أنه اذا كان الغير المسترد يشترك مع المدين في معيشة واحدة، فيقع عبء الإثبات علي الدائن الحاجز، باعتبار أنه المدعي، ويرمي إلى اقتضاء حقه، فعليه مولاة إجراءات الحجز، عليه إثبات صحة الإجراءات التي اتخذها في سبيل ذلك، فإن لم يقدم الدليل علي أن مدينة هو مالك المنقولات أو هو حائزها بينة التملك خسر دعواه، ذلك لأن الدائن الحاجز لا يجوز له أن يقلب عبء الإثبات علي الغير، لاسيما وأن الحجز اجراه الحاجز بنفسه، لذلك يخسر دعواه حتي ولو لم يثبت المسترد ملكيته للمال المحجوز عليه([867]).
ويستند هذا الاتجاه علي أنه يوجد وضع ظاهر لمصلحة الزوجة مستفاد من العرف الجاري بأن الزوجة مالكة لأثاث المنزل([868])، فإذا هي رفعت دعوي الاسترداد فإنها تستفيد من هذا الظاهر، ويقع علي الحاجز عبء إثبات العكس، أما إذا ورد الحجز علي منقولات، ما جري العرف علي شراء الزوج لها كالأجهزة الكهربائية والمكتبة مثلا، فإن علي الزوجة أن تثبت ملكيتها لهذه المنقولات([869]).
وينبغي ملاحظة أن القرينة القضائية المستمدة من العرف لا يستفيد منها إلا الزوجات المسلمات، وقد ألحق البعض كذلك القبطيات المصريات علي أساس ما جرت به العادة في مصر منذ وقت بعيد في هذا الشأن([870])، ولا يستطيع أحد غير الزوجة الاستفادة من هذا العرف، فليس لوالديها أن يستفيدا، وليس للمرأة التي تعيش مع المدين في غير علاقة زواج أن تسفيد من هذه القرينة، كذلك لا تستفيد من العرف الزوجة التي لا تقيم مع زوجها في منزل منفصل للزوجة، كما لو كانت تقيم مع والدها أو والد زوجها، وتوقع الحجز علي المنقول بالمنزل([871]).
الرأي الثاني: التزام الغير المسترد بالإثبات:
يذهب أنصار هذا الرأي إلى أن الغير يلتزم بإقامة الدليل علي ملكيته للمنقولات، وله أن يثبت ذلك بكافة طرق الإثبات([872])، إذ إن الحاجز عندما قام بالحجز علي المنقولات الذي يدعي الغير ملكيتها، لم يرتكب ثمة خطأ، لأن هذه المنقولات كانت في حيازة المدين وقت الحجز([873]).
ويرجع أساس هذا الرأي إلي أنه في حالة الحيازة المشتركة يجب ألا يستفيد أحد من الوضع الظاهر المستمد من الحيازة، وإنما يكون عبء الإثبات علي مدعى الاسترداد، إلا إذا وجد وضع ظاهر آخر يقلب عبء الإثبات.
ويري البعض أن هذه قرينة ملكية الزوجة للأثاث، ليست كافية، وأنه يجب إضافة قرائن أخري إليها لإثبات حقها، فالمسترد يقع عبء الإثبات ملكية المنقولات في جميع الحالات الحيازة المشتركة بين المدين والمسترد، حتي المنقولات الزوجية المحجوز عليها بمنزل الزوجية، لأن القرينة القائمة علي أن العرف جري علي دخول الزوجات بجهاز يمتلكه قرينة قضائية وليس قرينة قانونية، لذلك لم يكتف بعض
الفقه والقضاء بهذه القرينة، إنما استوجب أن تعززها قرائن أخرى تستفيد من مركز الزوجة الاجتماعي ويسار والدها بالمقابلة بحال الزوج، وقرب العهد بالزواج بحيث لا يكون الزوج قد قام بتغير أثاث المنزل أو أضاف إليه الكثير، ومبلغ مهرها، وكذلك سكوتها فترة طويلة بعد الحجز قبل أن تفرع دعوي الاسترداد، وبطبيعة الحال يمكن الاستغناء عن كل هذه القرائن وإثبات الملكية عن طريق تقديم فواتير الشراء أو قائمة الجهاز.
ونري أنه في حالة الحيازة المشتركة، فيكفي الغير الاستناد إلى الحيازة المشتركة، لكي ينتقل بعد ذلك عبء إثبات العكس علي عاتق الحاجز أو المحجوز عليه، وعلي المدعي أن يقرن دعواه بأدلة الإثبات الوافية لحيازته للمال، لأن الحاجز يجب عليه أن يحجز علي مال مملوك للمدين وليس علي مال الغير أو في حيازة الغير، أما وسائل الإثبات فتنطبق القواعد العامة في قانون الإثبات، فعبء الإثبات ينتقل إلى الحاجز أو إلى المحجوز عليه أو الحاجزين المشاركين في الأحوال التي تكون حيازة المال فيها مشتركه بين مدين وطالب الاسترداد وأشخاص أخرين، لأن حيازة كل منهم تعتبر حيازة غامضة([874]).
الفرض الثالث: إذا كانت المنقولات في حيازة غير المدين:
وفي حالة كون المنقولات في حيازة غير المدين، فإن طريق الحجز في هذه الحالة هو حجز ما للمدين لدي الغير، ويري البعض أنه يستطيع حائز المنقولات رفع دعوي ببطلان الحجز دون حاجة إلي اللجوء إلي رفع دعوي استرداد، ولا يتطلب الأمر إثبات ملكيته للمنقولات، بل يكفي إثبات أن المنقولات في حيازته، وليست في حيازة المدين([875]).
يثور التساؤل بالنسبة لإقرار المدين بحق الغير([876])، فهل يكون نافذا في مواجهة الحاجز؟، وهل يعد دليلا كافيا علي الملكية؟ يجمع الفقه علي أن الاقرار لا يسري في حق الحاجز لأنه تم بعد الحجز([877])، باعتباره تصرفا في المال المحجوز عليه، فإنه لا ينفذ في مواجهة الحاجز ودون حاجة إلى إثبات غش المدين أو تواطئه أو صورية الإقرار، فهذا هو مصير كل تصرفات المدين بعد الحجز. أما الإقرار الصادر لصالح الغير قبل الحجز فيسري في مواجهة الحاجز وفقا لقواعد القانون المدني، إلا إذا أثبت الدائن الحاجز صوريته([878]).
أما في العلاقة بين المدين والغير فللإقرار حجيته كاملة([879])، وبناء علي ذلك إذا قضي الحكم برفض دعوي الاسترداد رغم الإقرار، فإن المدين لا يستطيع أن يتخلص من نتيجة إقراره بالنسبة لعلاقته بالغير إلا إذا أثبت صوريته([880]).
ويثار التساؤل عن مدي جواز توجيه المسترد اليمين الحاسمة إلى الدائن الحاجز، في الواقع، اليمين الحاسمة ملك لخصم لا ملك القاضي، فمن الواجب علي القاضي أن يجب طلب توجيهها متي توفرت شروطها، إلا إذا ظن أنها كيدية أو أن الخصم متعسف في توجيهها، فله أن يمتنع عن توجيه اليمين.
لا يجوز للمسترد توجيه اليمين الحاسمة للدائن الحاجز أو الدائنين الحاجزين المتدخلين، لأن اليمين الحاسمة ليست حاسمة في هذا الشأن لأن ملكية المحجوزات بتنازعها شخص آخر هو المدين، إلا في فرض واحد وهو إذا كان المدين قد سلم للمدعي- المسترد- بملكيته للمحجوزات([881]).
1- آثار الحكم في الدعوي:
الحكم الصادر في دعوي الاسترداد حكما موضوعيا يحسم النزاع علي أصل الحق، وإذا انتهت المحكمة إلي أحقية المدعي المسترد في المنقولات المحجوزة فإنها تحكم له بالملكية، وببطلان الحجز، وقد يتضمن حكما ضمنيا بإلغاء الحجز، وإذا تبين لها عدم أحقية المدعي في المال المحجوز، فإنها تقضي برفض طلب الملكية، ودون بحث مدي صحة الحجز، ويكون الحكم الصادر في الدعوي حجة علي من اختصم فيها، فإذا لم يختصم بعض الحاجزين لم يكن للحكم حجية في مواجهتهم.
ويقبل الحكم الصادر في دعوي الاسترداد الطعن عليه بالاستئناف، حيث أن المشرع نص في المادة 277 مرافعات علي أنه “تستأنف أحكام قاضى التنفيذ فى المنازعات الوقتية و الموضوعية أيا كانت قيمتها أمام المحكمة الابتدائية”.
سنشير إلى آثار الحكم بقبول الدعوي، وآثار الحكم برفض الدعوي، وذلك في النقاط الآتية:
1- أثر الحكم بقبول دعوي الاسترداد:
إذا حكم بقبول الدعوي، فإن الحجز يزول عن المنقولات المحجوزة، ولكن ما الحكم في حالة قبول دعوي الاسترداد بعد زوال الآثر الواقف للدعوي، و تم بيع المنقول؟
لبيان حكم هذه الفرض يجب التمييز بين الحالات الآتية:
أولا: أثر الحكم بقبول دعوي الاسترداد في العلاقة بين المسترد والمشتري الراسي عليه المزاد:
في هذا الفرض يمكن للمشتري إذا كان حسن النية أن يتمسك بقاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية، وبالتالي لا يستطيع الغير التنفيذ في مواجهته بتسلم المنقول، والمشتري يستند لحقه علي محضر البيع الذي اشتري بمقتضاه تلك الأشياء([882]).
ولكن إذا كان المشتري سئ النية، فللغير الحق في استرداد المنقولات، كما يمكن الاسترداد في حالة السرقة أو كانت ضائعة من مالكها، وذلك خلال ثلاث سنوات.
ثانيا: أثر الحكم بقبول الدعوي في العلاقة بين المسترد والمدين والحاجزين:
سنفرق هنا بين مجموعة من الافتراضات:
الفرض الأول: إذا تم البيع ولم يوزع الثمن:
يجمع الفقه علي استرداد الثمن([883])، ويمكن للمحكمة أن تحكم بإيداع الثمن خزانة المحكمة.
الفرض الثاني: إذا تم البيع وتم التوزيع:
فيمكن التنفيذ بطريق التعويض، لاستحالة التنفيذ العيني، وذلك بالرجوع علي المدين، باعتباره أثراً بقدر ما سدد من ديونه علي حساب الغير، ولكن كثير ما لا يجدي الرجوع علي المدين بسبب إعساره.
فهل يجوز الرجوع علي الحاجزين: علي أساس رد ما دفع بغير سبب؟
اختلف الفقه في هذه الحالة، فذهب رأي من الفقه إلى عدم جواز الرجوع علي الدائنين لأنهم لم يثروا بدون وجه حق فما قبضوه هو استيفاء لحقوقهم الثابتة([884]).
فبينما ذهب رأي آخر إلى جواز الرجوع، وإن كان لهم الحق في استيفاء ديونهم إلا أن هذا الوفاء يجب أن يكون من مال مدينهم، الذي أثراء بلا سبب مشروع، ولو لم يتصور ثمة خطأ في حقهم، لو كانوا حسني النية([885])، حيث يتوافر شروط الإثراء، والتي تتمثل في الإثراء وافتقار وانعدام السبب القانوني، فقد نصت المادة 185 مدني ( من تسلم علي سبيل الوفاء ما ليس مستحقا له وجب عليه رده، وحتي لو كان حسن النية، وكذلك نصت المادة 184 مدني علي أنه ( لا محل لاسترداد غير المستحق إذا حصل الوفاء من غير المدين وترتب عليه أن الدائن، وهو حسن النية، قد تجرد من سند الدين أو مما حصل عليه من التأمينات أو ترك دعواه قبل المدين الحقيقي تسقط بالتقادم، ويلتزم المدين الحقيقي في هذه الحالة بتعويض الغير الذي قام بالوفاء” وبمفهوم المخالفة، مادام الدائن لم يتجرد من سند دينه، أو أي حالة من الحالات الأخرى المنصوص عليها في المادة، فإن عليه رد ما دفع له بغير حق، فإن كان تجرد م سنده، فإن المدين يلتزم بتعويض المحكوم له في دعوي الاسترداد([886]).
2- آثار الحكم برفض الدعوى:
قد يحكم القاضي برفض دعوي الاسترداد وذلك لعدم اطمئنانه للأدلة التي قدمت من المسترد، كما لو قدم صوراً من فتورة الشراء ولم يقدم الأصل، أو عدم اطمئنان القاضي لشهادة الشهود، فإذا رفض دعوي الاسترداد يعتبر حكما صادرا لصالح الحاجز، لذا يمكن للحاجز أن يطلب بالنفاذ المعجل، ويلاحظ أن النفاذ المعجل ليس بقوة القانون ولكن بحكم القاضي، ويجوز شمول الحكم بالنفاذ المعجل في جميع الأحول سواء كان الحكم بعدم قبول المنازعة او بعدم الاختصاص أو بطلان صحيفتها أو غير ذلك من حالات زوال الخصومة، وذلك لعموم نص القانون([887])، وحكمة هذا النص محاولة تفادي الآثار المترتبة علي مشاكسة الغير أو المنفذ ضده.
وفي حالة الحكم برفض دعوي الاسترداد يحكم بالغرامة، فقد نصت المادة 397 مرافعات علي انه إذا خسر المسترد دعواه جاز الحكم عليه بغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد علي أربعمائة جنيه تمنح كلها أو بعضها للدائن، وذلك مع عدم الإخلال بالتعويضات إذا لها وجه([888])، فيمكن للحاجزالرجوع بالتعويضات إن ترتب علي وقف التنفيذ ضرر بالحاجز([889]).
وترجع الحكمة من هذا النص هي الحرص المشرع علي توجيه الخصوم
للحد من الدعاوي الكيدية، وذلك بمعاقبة المسترد سيئ النية الذي يرفع دعواه بقصد وقف إجراءات التنفيذ، ويري بعض الفقه أن الحكم بالغرامة سالفة الذكر لا يكون إلا في حالات دعوي الاسترداد الاولي التي يترتب علي رفعها وقف التنفيذ، أما إذ
كانت إجراءات التنفيذ وقفت نتيجة لصدور حكم من القاضي بهذا الوقف، ثم خسر المسترد دعواه، فلا يجوز الحكم عليه بالغرامة، لأن إخفاق الخصم في دعواه ليس موجبا لمسئوليته والغرامة أعمالا لهذه المسئولية([890]). ونري أن النص جاء عاما، فيطبق الجزاء علي جميع دعاوي الاسترداد سواء كانت الدعوي الاولي أم الدعاوي التالية، كما أن الحكمة من الجزاء متوافره في جميع دعاوي الاسترداد، وهي الحد من رفع الدعاوي الكيدية، والحكم بالغرامة يمكن في كل حالة خسر المسترد الدعوي
حتي دون الفصل في الموضوع، وهو جوازي للقاضي، ويمكن للدائن أن يطلب بالتعويض.
ولقد اختلف الفقه في طبيعة الغرامة، ذهب البعض إلى أنها نوع من الجزاء التأديبي([891])، وذهب البعض إلى أنها ليست سوي جزاء إداري، وذهب البعض إلى أنها تعد عقوبة، وذهب رأي إلي أنها ذات طبيعة جزائية إجرائية تفرض علي الخصوم الذين يرتكبون أحد المخالفات الناشئة عن قواعد القانون الإجرائي([892]).
المطلب الثاني
دعوي استحقاق العقارات المحجوزة
دعوي استحقاق العقار المحجوز هي دعاوي موضوعية يرفعها مدعى ملكية العقارات المحجوزة طلبا فيها الحكم له بملكيتها وإلغاء الحجز الموقع عليها؛ فهي ادعاء بتخلف شرط من شروط التنفيذ ألا وهو ملكية المدين للمال المحجوز عليه، وهذه دعوي متعلقة بالتنفيذ، وترفع بعد توقيع الحجز وقبل البيع. فهذه الدعوي يرفعها الغير أثناء إجراءات التنفيذ علي العقار للمطالبة بتقرير ملكيته للعقار أو الحق العيني عليه([893])، وبطلان إجراءات التنفيذ([894]) لوقوعها علي مال غير مملوك للمدين([895])، وترجع تسمية الدعوي بالاستحقاق الفرعية، إلى أن طلب استحقاق العقار المحجوز متفرع عن التنفيذ، ومقترن بطلب بطلانه([896]).
والفرض الذي أراد المشرع أن يوجهه بهذه الدعوي يتمثل في أن حجزا قد وقع علي عقار غير مملوك للمدين المحجوز عليه([897])، ولذلك بات من الضروري حماية المالك الحقيقي لهذا المال، وهذه الدعوي هي صورة من صور الحماية القضائية الموضوعية التقريرية([898]).
وقد أورد المشرع القواعد الخاصة بدعوي الاستحقاق الفرعية في المواد 454- 457 مرافعات، وقد حاول المشرع في تنظيمه لهذه الدعاوي أن يوفق بين مصلحتين متعارضتين: المصلحة الاولي: مصلحة من يرفع هذه الدعوي وذلك بمنح القاضي سلطة في وقف التنفيذ إذا رفعت مستوفاة لشروطها حتي لا يتم بيع العقارات، والمصلحة الثانية: هي مصلحة الحاجز الذي سوف يضار من وقف التنفيذ الذي يترتب علي رفع هذه الدعوي الذي قد يتبين عدم صحتها، ومن ثم فقد أورد المشرع إجراءات خاصة لهذه الدعوي تميزها عن غيرها من المنازعات الموضوعية([899])، حيث اشترط أن يقدم الغير كل ما لدية من مستندات لتأييد دعواه.
سنشير إلى شروط دعوي الاستحقاق، وآثارها وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
شروط دعوي الاستحقاق الفرعية
قد يبدوا غريبا أن يتم الحجز علي عقار غير مملوك للمدين، وذلك لأنه لا يحجز علي العقارات إلا بعد الاطلاع علي سجلات الشهر العقاري، والتي تمنع الخطأ بالنسبة لما يملكه المدين، إلا أنه قد يحدث خطأ عند النقل من السجل أو قد يحدث تفسير مختلف لما في هذا السجل، لذا حمي المشرع مالك العقار بدعوي الاستحقاق الفرعية.
ويمكن تقسيم شروط دعوي الاستحقاق إلى شروط متعلقة بالنطاق الموضوعي، وشروط متعلقة بالنطاق الشخصي، وشروط متعلقة بالنطاق الزماني، وذلك علي النحو التالي:
أولا: الشروط المتعلقة بالنطاق الموضوعي:
دعوي الاستحقاق الفرعية، هي دعوي موضوعية يرفعها الغير- أثناء التنفيذ- مدعيا ملكية العقار المحجوز عليه طالبا تقرير حقه علي العقار أو جزء منه، وكذلك بطلان إجراءات التنفيذ (لوقوعه علي مال مملوك للغير)، وذلك بعد بدء التنفيذ علي العقار وقبل إتمامه، أي قبل أيقاع البيع([900]). فقد ذهبت محكمة النقض إلى أن دعوى الاستحقاق يكون محلها المطالبة بملكية عقار([901]).
يجب لقبول دعوي الاستحقاق الفرعية أن تتضمن الدعوي طلبين، الاول: ملكية المال، والثاني: بطلان الحجز، فإذا اقتصرت الدعوي علي أحد الهدفين، فلا نكون بصدد دعوي استحقاق، فقد نكون بصدد دعوي ملكية أو دعوي ببطلان إجراءات الحجز، ولن تكون مقبولة لرفعها من غير ذي صفة، وذلك لعدم تأسيسها علي ملكية العقارات المحجوزة أو أي حق يتعلق بها كحق الانتفاع([902]).
فالشروط الموضوعية لدعوي الاستحقاق تتضمن الآتي:
1- أن يطلب الغير ملكية العقار:
الطلب الأساسي في الدعوي، يجب أن تكون الملكية العقار، وبناء علي ذلك ليس للمشتري بموجب عقد بيع غير مسجل أن يرفع دعوي استحقاق إذا شرع دائن البائع في التنفيذ علي العقار المباع باعتباره مملوكا للبائع([903])، وعلي العكس يمكن لواضع اليد الذي اكتسب ملكية العقار بالتقادم قبل تسجيل تنبيه نزع الملكية أن يرفع دعوي الاستحقاق الفرعية، وإذا كان المطلوب هو ملكية، فيستوي بعد ذلك أن ترفع الدعوي بطلب ملكية العقار المحجوز كله أو ملكية جزء منه مفرزا أو شائعا فيه([904]).
يجب أن يدعي المدعي بحق ملكية كامل علي العقار، أما إذا كان المدعي يطلب حقا آخر عينيا أصليا كالانتفاع أو الارتفاق أن تبعيا كالرهن أو الامتياز او الاختصاص أم حقا شخصيا، فإن طريق التمسك بهذا الحق أو ذلك ليس دعوي الاستحقاق الفرعية([905])، ويري البعض أنه يمكن لصاحب حق الانتفاع أو الارتفاق في حالة عدم التمسك بحق بطريق الاعتراض علي القائمة أن يرفع دعوي استحقاق فرعية([906])، وذلك لأنه إذا كان التنفيذ يرد علي حق الانتفاع، فيمكن لمن يكون له حق الانتفاع أن يرفع دعوي استحقاق فرعية يطالب فيها بتقرير حقه علي العقار([907])، ولكن بعض الفقه يري أنه لا يجوز رفع هذه الدعوي حتي ولو انقضي ميعاد أبداء الملاحظات، لأن البيع الجبري لا يطهر العقار منه، ويكون له منازعة المشتري في حقه، بأن يرفع دعوي تقرير عادية في مواجهة.
وقد ذهبت محكمة النقض إلي عدم جواز الحجز إلا علي مال مملوك للأصيل وليس النائب، حيث يلتزم الأصيل بأداء الديون المترتبة في ذمته بناء علي تصرف النائب عنه، وبالتالي لا يجوز الحجز إلا علي مال مملوك للأصيل وليس النائب([908])، واذا أثبتت ملكية الغير للشئ المحجوز عليه كان الحجز باطلاً وتعتبر إجراءات التنفيذ منذ بدايتها باطلة.
2- أن يطلب الغير بطلان إجراءات التنفيذ:
بالنسبة لطلب بطلان إجراءات التنفيذ فهو طلب تبعي في الدعوي، ولكن لابد منه حتي نكون أمام دعوي استحقاق فرعية، ويستند هذا طلب إلى كون العقار غير مملوك للمحجوز عليه، ولا يجوز أن يستند إلى سبب آخر للبطلان، فإذا لم يطلب المدعي بطلان إجراءات التنفيذ، فلا نكون بصدد دعوي استحقاق فرعية، بل دعوي استحقاق أصلية([909])؛ وإذا زالت إجراءات التنفيذ لأي سبب، فإنه لا يصبح هناك محل لبطلانها، وعندئذ تتحول الدعوي إلى دعوي استحقاق أصلية، ويجب علي القاضي أن يحكم بعدم الاختصاص والإحالة، لأن الدعوي في هذه الحالة ليست من منازعات التنفيذ؛
إذن يجب أن يطلب الغير بطلان إجراءات التنفيذ مع طلب الملكية العقار المحجوز عليه أو بعضه ولو بعد انتهاء الميعاد المقرر للاعتراض علي قائمة شروط البيع، وذلك بدعوي ترفع بالأوضاع المعتادة أمام قاضي التنفيذ ويختصم فيها من يباشر الإجراءات والمدين أو الحائز أو الكفيل العيني وأول الدائنين المقيدين([910]).
يلاحظ أن طلب بطلان إجراءات التنفيذ طلب مندمج في الطلب الأول وهو الملكية، لأن مقتضي الحكم بالمليكة للمدعي، بطلان إجراءات التنفيذ، ويجب أن يستند مدعي الاستحقاق إلى طلب الحكم ببطلان إلى تخلف شرط من شروط التنفيذ الموضوعية، وهو ملكية المدين للعقار، ومن ثم لا يجوز له الاستناد في طلب البطلان إلى سبب أخر كعدم إنذار الحائز أو التخلية.
ثانيا: الشروط المتعلقة بالنطاق الشخصي:
تتضمن دعوي الاستحقاق الفرعية، طرفين، المدعي، والمدعي عليه، ويجب أن تكون له صفه في التنفيذ. وذلك علي النحو التالي.
1- المدعي في الدعوى:
دعوي الاستحقاق هي طريق خصصه المشرع لغير أطراف التنفيذ للاعتراض علي التنفيذ العقاري، حيث تثبت الصفة في تقديم هذه المنازعة للغير طبقا للمادة 454 مرافعات، ويمكن أن يكون الشخص رافع الدعوي متمتعا بصفتين في نفس الوقت، فيعتبر غيراً، وطرفاً في إجراءات التنفيذ، كما لو حجز علي شخص بصفته وليا علي ابنه – فهو طرف في الاجراءات- فادعي هذا الشخص ملكية العقار المحجوز بصفته الشخصية، كادعاء مدير الشركة أن العقار مملوكة له شخصيا، وكذلك الوارث الذي يستند إلى حق ذاتي غير مستمد من مورثه. حيث يعتبر في تلك الحالة الأخيرة من الغير، ولا يقال في هذا المجال أنه يبدي كل ماله بجميع صفاته مرة واحدة بطريق الاعتراض ما دام قد أخبر بإجراءات التنفيذ بإحدى هذه الصفات، إذ في ذلك مصادرة لحقه في اتخاذ الوسيلة القانونية المناسبة في الوقت المناسب وفقا لكل صفة من صفاته([911]).
ويلاحظ أن الذي يعتبر طرفا في إجراءات التنفيذ، فوسيلة للتمسك بحق له علي العقار هي الاعتراض علي قائمة شروط البيع، خلال الميعاد المحدد للاعتراض مع مراعاة أنه إذا لم يخطر أحد من أطراف التنفيذ الذين عددتهم المادة 417، فإنه يعتبر من الغير، ويمكنه أن يرفع دعوي الاستحقاق، ولا يكون الحكم الصادر ببيع العقار حجة في مواجهته.
وبناء علي ذلك ترفع الدعوي الاستحقاق من البائع الذي حكم له بفسخ البيع لعدم دفع الثمن، لأنه يعتبر من الغير بالنسبة لإجراءات التنفيذ؛ ومن ثم لا يجوز رفعها من الدائن المرتهن الذي يدعي أنه يملك جزءاً من العقار ملكية خاصة أو واضع اليد الذي ليس له من الحقوق علي العقار سوي وضع اليد([912])، وكذلك لا يجوز رفعها من البائع الذي رفع دعوي الفسخ ولم يحصل علي حكم به.
1- المدعي عليه في الدعوي:
نظرا لأن دعوي الاستحقاق الفرعية تتضمن طلبين، طلب ملكية العقار وبطلان إجراءات الحجز، فقد استوجب المشرع في المادة 454 مرافعات اختصام كلا من:
- المدين أو الحائز أو الكفيل العيني إن وجد باعتباره الخصم الأصلي في دعوي الملكية.
- الدائن مباشر الإجراءات، وأول الدائنين أصحاب الحقوق المقيدة علي العقار، وذلك باعتباره صاحب المصلحة الأولي والأهم من هؤلاء الدائنون، حيث أنه يباشر الإجراءات في حالة إهمال الدائن في تسيير الإجراءات.
وإذا كانت القاعدة هي حرية المدعي في اختيار خصومه، إلا أن المشرع خرج علي هذه القاعدة في دعوي الاستحقاق، وألزم المدعي برفع دعواه قبل اشخاص معينين بالذات، وقد ورد ذكرهم في نص المادة 394 مرافعات؛ حيث إن صفة المدعي عليه في منازعة الاستحقاق الفرعية تثبت لأطراف التنفيذ، وذلك أن الغير ينازع ملكية العقار ويطلب الحكم بإبطال إجراءات التنفيذ عليه. وكان المفترض أن توجه تلك المنازعة إلى جميع هؤلاء الأطراف، ولكن المشرع قرر أنه يختصم فيها من يباشر الإجراءات والمدين أو الحائز أو الكفيل العيني وأول الدائنين المقيدين (مادة 454)،
ولا يغني مخاصمة مباشر الإجراءات عن مخاصمة الدائن المقيد الأول، فإذا كان مباشر الإجراءات هو نفسه الدائن المقيد الأول لم يلزم مخاصمة دائن مقيد آخر، وأم
بالنسبة لباقي الدائنين المقيدين فإن لهم الحق في التدخل في الدعوي للدفاع عن مصالحهم.
ويلاحظ أن المشرع لم يبين جزاء عدم اختصام أحد ممن يجب اختصامهم، خلافا لما فعله في دعوي الاسترداد، ويري الفقه أن الدعوي لا تؤثر في وقف تنفيذ قياسا علي دعوي الاسترداد([913])، فدعوي الاستحقاق الفرعية تعامل علي أنها دعوي استحقاق عادية، لأن المشرع لم ينص علي جزاء لما نص عليه في دعوي الاسترداد، ولا وجه للقياس لاختلاف الدعويين في أمور كثيره([914])، والإجماع منعقد علي أنه لا يترتب علي عدم الاختصام ممن يجب اختصامهم بطلان أو عدم قبول، وإنما الحكم الصادر لن يكون حجة إلا علي من اختصم فيه([915]).
ثالثا: الشروط المتعلقة بالنطاق الزماني للدعوي:
إذا كان المشرع لم يحدد ميعادا ميعنا لرفع دعوي الاستحقاق الفرعية، إلا أن اسمها يفرض وقوعها في النطاق الزمني للعملية التنفيذية، ولما كان التنفيذ علي العقار يبدأ بإعلان التنبيه بنزع الملكية، فإنه يمكن رفعها عقب هذا الإعلان ولو لم يكن التنبيه قد تم تسجيله بعد، وبالنسبة لانتهاء التنفيذ علي العقار فإنه يتحدد بحكم إيقاع البيع، ولذلك فإن الدعوي لا تعد استحقاقا فرعيا إذا رفعت بعد صدور هذا القرار، ولكن إذا رفعت بعد اعتماد القاضي لمن تقدم بأكبر عطاء في جلسة البيع بالمزاد فإنه تعتبر مقبولة طالما أنه لم يكن قد صدر بعد حكم إيقاع البيع([916])، وباعتبار المدعي في دعوي الاستحقاق الفرعية من الغير، فلا يلتزم عند رفع الدعوي بالميعاد المقرر للاعتراض علي قائمة شروط البيع، إذ يجوز له رفعها في أي وقت وإلى ما قبل الحكم بإيقاع
البيع.
وبالتالي إذا رفعت الدعوي قبل التنبيه بنزع الملكية أو بعد إيقاع البيع فإنها تعتبر دعوي ملكية عادية أو دعوي استحقاق أصلية، وذلك لأن هدف هذه الدعوي هو بطلان إجراءات الحجز، فإذا رفعت قبل بدء التنفيذ فلا يكون هناك بطلان لإجراءات التنفيذ، وإذا رفعت بعد تمام التنفيذ بالبيع، فإن قاضي التنفيذ لا يكون مختصا.
ويلاحظ أنه اذا رفعت الدعوي بشأن عقارات وحكم بإيقاع البيع بالنسبة لبعضهم دون الآخرين، فإنها تعتبر دعوي استحقاق أصلية بالنسبة للعقارات التي بيعت، وفرعية بالنسبة للعقارات التي لم تبع بعد.
وبناء علي ذلك إذا رفعت دعوي الاستحقاق الفرعية أثناء إجراءات التنفيذ، ثم زالت هذه الإجراءات لأي سبب من الأسباب، فإنه لا يصبح هناك محل لبطلانها وتتحول الدعوي إلى دعوي استحقاق أصلية.
الفرع الثاني
الآثار المترتبة علي دعوي الاستحقاق الفرعية
سنشير إلي الآثار المترتبة علي رفع دعوي الاستحقاق الفرعية، والآثار المترتبة علي الحكم في الدعوي، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: الآثار المترتبة علي رفع دعوي الاستحقاق الفرعية:
نظرا لأن دعوي الاستحقاق الفرعية دعوي موضوعية في التنفيذ، فالأصل ألا يترتب عليها وقف التنفيذ، ولكن المشرع رأي أنه في بعض الحالات من الضروري وقف التنفيذ كأثر لرفع هذه الدعوي، ولكن هذا الأثر لا يترتب بقوة القانون، ولكن يجب علي المحكمة أن تقضي به، وفي هذا تختلف دعوي الاستحقاق الفرعية عن دعوي استرداد المنقولات المحجوزة؛ والمشرع في ذلك متسق في حكمه مع القاعدة العامة في أثر رفع الدعاوي الموضوعية، وسبب الاختلاف بين دعوي الاسترداد ودعوي الاستحقاق، في طول إجراءات التنفيذ علي العقار وتعقيدها.
وترجع الحكمة من الوقف القضائي، إمكانية تمام التنفيذ بالبيع، وبالتالي يصعب إلغاء الحكم بالبيع إذا حكم لمصلحة المستحق، فرعاية لمصلحة الغير رافع الدعوي أوجب المشرع علي القاضي بأن يحكم في أول جلسة بوقف إجراءات البيع إذا توافرت شروط الوقف.
وقد اشترطت المادة 455 مرافعات لصدور حكم من القاضي بوقف التنفيذ أن تتوافر الشروط الآتية:
1- أن يكون رفع الدعوي متفقا مع نموذجها القانوني:
ترفع دعوي الاستحقاق بالأوضاع العادية لرفع الدعاوي، أي بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة المختصة، ويجب أن تتضمن صحيفتها البيانات العامة لصحف الدعاوي، فضلا علي اشتمالها علي بيان المستندات المؤيدة للدعوي أو علي بيان دقيق لأدلة الملكية أو وقائع الحيازة التي تستند إليها، وذلك للتأكد من جدية الدعوي، وتمكن المدعي عليهم من تحضير دفاعهم، ويتم إعلان صحيفة الدعوي طبقا للقواعد العامة، ويترتب علي تخلف البيانات العامة لصحيفة الدعوي البطلان، ولا يترتب جزاء علي تخلف بيان الأدلة والمستندات.
2- أن يكون المدعي قد أودع المبلع الذي يجب عليه إيداعه خزانة المحكمة
ويتم إيداع فضلا عن مصارف الدعوي، المبلغ الذي يقدره قلم الكتاب للوفاء بمقابل أتعاب المحاماة، فيجب أن يكون المدعي قد أودع خزانة المحكمة هذه المبالغ قبل الجلسة، وكذلك المصاريف اللازمة لإعادة الإجراءات في حالة الحكم برفض الدعوي أو بطلان صحيفتها أو اعتبارها كأن لم تكن أو غير ذلك من الأحكام المنهية للخصومة فيه([917]).
3- أن يكون المدعي قد اختصم الأشخاص الذين يجب اختصامهم في الدعوي
4- تقديم طلب الوقف:
نصت المادة 455 مرافعات علي أنه يحكم القاضي في اول جلسة بوقف البيع إذا اودع الطالب خزانة المحكمة بالإضافة إلى مصاريف الدعوي المبلغ الذي يقدر قلم الكتاب…..”، وهنا يثار تساؤل هل يجب تقديم طلب الوقف، أم أن القاضي يحكم من تلقاء نفسه بوقف التنفيذ؟ لقد ذهب الفقه إلى أنه يستفاد من نص المادة 455 مرافعات أنه إذا توافر الشروط المنصوص عليها في هذه المادة، علي المحكمة أن تحكم بالوقف دون سلطة تقديرية، حيث لم يشترط المشرع تقديم طلب الوقف من الغير([918]). ولكن إذا حل اليوم المعين لبيع العقار قبل أن يقضي القاضي بالوقف فلرافع الدعوي أن يطلب منه وقف البيع، وذلك قبل الجلسة المحددة للبيع بثلاثة أيام علي الأقل؛ ويقتصر دور المحكمة علي بحث مدي توافر شروط الوقف، فإذا تبين لها توافرها تقضي بالوقف دون أن يكون لها سلطة تقديرية في بحث مدي جدية الدعوي([919]).
ويري جانب أخر من الفقه أنه يشترط تقديم طلب بوقف إجراءات البيع، لأن القاضي لا يحكم بشئ لم يطلبه الخصوم ما دام لا يتعلق بالنظام العام([920]). ويذهب هذا الرأي إلى أنه يجب علي القاضي أن يحكم في الوقف إذا توافرت شروطه، فليس له أية سلطة تقديرية بل يبحث فقط توافر شروط الوقف أو عدم توافرها، فإذا ثبت لدية وجودها قضي بالوقف.
ونري أنه يجب تقديم طلب الوقف، وذلك لأن وقف التنفيذ لا يتعلق بالمصلحة العامة التي تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها، فيجب تقديمه من صاحب المصلحة وهو الغير، وذلك لأن المحكمة لا تستطيع أن تقضي بالوقف من تلقاء نفسها، ويقدم الطلب أمام قاضي التنفيذ المختص، ويلاحظ أنه يستفاد من نص المادة أن للقاضي سلطة تقديريه في الوقف في أول جلسه، وذلك لأن القاضي يقارن بين مصالح ذوي الشأن ويبحث مدي جدية المستندات المتعلقة بالملكية أو بحقوق الغير علي العقار، فإذا تبين أن الهدف من رفع الدعوي هو الكيد لأطراف الخصومة، فإنه لا يحكم بالوقف، وذلك لأن طلب الوقف هنا طلب مستعجل يخضع للقواعد العامة
وقد نصت في الفقرة الثانية من هذه المادة 455 مرافعات علي أنه ” إذا حل اليوم المعين للبيع قبل أن يقضي بالإيقاف فلرافع الدعوي أن يطلب منه وقف البيع، وذلك قبل الجلسة المحددة للبيع بثلاثة أيام علي الأقل” ويفترض ذلك أن الجلسة المحددة للبيع حلت قبل أن يحكم القاضي بالوقف، فعلي القاضي أن يأمر بالوقف إذا طلبه المدعي قبل الجلسة المحددة للبيع بثلاثة أيام علي الأقل.
وإذا لم تتناول دعوي الاستحقاق الفرعية إلا جزءا من العقار المحجوزة،
فإن الحكم الذي يصدر فيها يجب أن ينحصر في هذا الجزء وحده، سواء فيما يتعلق بالشق الموضوعي المتعلق ببطلان إجراءات البيع، ومن ثم تستمر الاجراءات بالنسبة للأجزاء الأخرى من العقار، ويمكن للقاضي أن يأمر بإيقاف البيع بالنسبة لباقي العقارات إذا طلب ذلك ذوو الشأن وكانت هناك أسباب قوية، كما لو كان بيع العقارات علي صفقات يؤدي إلي بيعها بأقل من ثمنها، مما يسبب في خسارة بذوي الشأن([921])، وإذا لم يطلب أحد إيقاف البيع بالنسبة إلى كل العقارات مما يوجب الاستمرار في بيع العقارات الأخرى، فإن قاضي التنفيذ يعدل الثمن الأساسي وفقا للفقرة الأولي من المادة 37 مرافعات، وكذلك الحال عند استئناف إجراءات البيع بعد الفصل في دعوي الاستحقاق.
ويستمر الأثر الواقف إلي أن تقضي المحكمة في دعوي الاستحقاق، والحكم بالوقف لا يمنع ذوي الشأن من اتخاذ الإجراءات التحفظية والوقتية، كتعين حارس علي العقار، ويري بعض الفقه أن الأثر الواقف لا يزول بقوة القانون ببطلان صحيفة الدعوي أو بسقوط الخصومة، وإنما يشترط لذلك صدور حكم من القاضي بالاستمرار في التنفيذ([922]).
ومن جانبا لا نتفق مع هذا الرأي علي أساس أن الوقف يكون بسبب دعوي الاستحقاق، وإذا زالت هذه الدعوي لأي سبب، فلم يعد هناك حاجة لوقف التنفيذ، فيزول الأثر الواقف تلقائيا دون حاجة لصدور حكم.
ونلاحظ أن المشرع نص صراحة في المادة 456 مرافعات علي أن الحكم الصادر بالوقف أو المضي في البيع لا يقبل الطعن فيه بأي طريق، فلا يقبل الطعن فيه بالاستقلال، ولكن الحكم صادر برفض طلب الوقف يمكن أن يطعن فيه مع حكم إيقاع البيع الصادر بناء عليه خلال خمسة أيام من صدوره، وذلك لأن الحكم الصادر برفض طلب من طلبات الوقف الوجوبي.
والواقع أنه يمكن استثناء الطعن في الحكم الصادر بالوقف الذي تناول كل الاعيان بالرغم من أن الدعوي تنصب علي جزء منها، ففي حالة طلب وقف بيع كل العقارات محل التنفيذ إذا كانت دعوي الاستحقاق ترد علي جزء منها فقط، فإن الحكم الصادر بالوقف أو برفضه يقبل الطعن فيه وفقا للقواعد العامة، ولا يخضع للمادة 456 مرافعات التي لا تجيز الطعن في حكم قاضي التنفيذ بوقف أو برفض وقف البيع في غير هذه الحالة.
وأساس هذا الاستثناء يرجع إلى ترتيب النصوص، ذلك أن المادة 456
والتي تنص علي منع الطعن في الحكم الصادر بالوقف أو بالرفض قد قصرت المنع علي الأحكام الصادرة وفقا للمادة السابقة، وهو ما يعني أن حكمها لا يسري علي حكم الوقف أو برفضة في تلك الحالة إذ تنص عليها المادة 457 التالية للمادة 456 مرافعات([923]).
ثانيا: آثار الحكم في الدعوي:
دعوي الاستحقاق، هي دعوي ملكية، ومن ثم فإنها ترد علي عناصر الملكية مجتمعة من استعمال واستغلال وتصرف، سواء وردت علي حصة مفرزة أو شائعة، وبالتالي لا ترد علي أحد عناصر الملكية، كعنصر الانتفاع إلا إذا كان هذا العنصر هو محل التنفيذ العقاري، كما أنها تهدف إلى إلغاء جميع إجراءات التنفيذ.
ويكون عبء الإثبات علي عاتق المدعي إلا إذا كان واضع يده علي العقار ظاهرا فيكون علي الدائن مباشر الإجراءات إثبات ملكية المدين للعقار، وتوجد إمكانية الاستناد إلى القرائن، مثل العقود ودفع المكلفة ودفع الأموال والعوايد، ولكن كلها قرائن يجوز دحضها بقرائن أقوي منها وتقدير ذلك متروك لقاضي التنفيذ، فقد يكون دليل الملكية عقد بيع مسجل أو التقادم المكسب القصير أو الطويل أو الميراث؛ ويلاحظ أن القضاء يأخذ القرائن في إثبات الملكية، كسند تملك بصرف النظر عن كونه صادراً من مالك أو غير مالك، ولا يشترط أن يكون مسجلا، وكذلك دفع الأموال والعوائد.
ويتحدد نطاق بحث المحكمة في دعوي الاستحقاق حول سند الملكية، وبالتالي تبطل إجراءات الحجز علي العقار محل الدعوي إذا تم إثبات الملكية للمدعي؛ فإذا رفضت المحكمة دعوي الاستحقاق فلا تتطرق إلي القصور في إجراءات التنفيذ، لأن هذه العيوب لها طرق لبحثها نص عليها المشرع، فلا يجوز مثلا للمحكمة أن تنظر عدم إنذار الحائز بالدفع أو التخلية.
ولا يمكن بعد الحكم بالاستحقاق البدء من جديد في إجراءات جديد للتنفيذ علي ذات العقار من أحد الأشخاص المختصمين في الدعوي، وإذا تعلق الاستحقاق بجزء من العقار، ألغيت الإجراءات بالنسبة لهذا الجزء فقط، دون الجزء الباقي الذي تستمر بالنسبة له الإجراءات علي أن يعدل القاضي الثمن الأساسي لهذا الجزء وفقا للقواعد العامة.
ويمكن للمحكمة أن تقضي بشمول حكمها بالنفاذ العجل، في حالة رفض دعوي الاستحقاق الفرعية، وذلك طبقا لنص المادة 290 مرافعات الخاص بجواز شمول الأحكام الصادرة لمصلحة طالب التنفيذ في المنازعات المتعلقة به باعتبار أن دعوي الاستحقاق الفرعية منازعة متعلقة بالتنفيذ والحكم الصادر فيها بالرفض حكم صادر لمصلحة طالب التنفيذ.
وإذا خسر الغير الدعوي فيمكن الحكم عليه بالتعويض، حيث يجب علي الغير الذي اعترف له المشرع بحق الاعتراض علي التنفيذ إذا ما كان ماسا بحقوقه أو مصالحه أو ضارا به([924])، ألا يتعسف فيه وألا يضر بأحد أطراف التنفيذ أو يعرقل سيره وإلا تعرض للمسئولية. حيث أن تجاوز الحد المعقول أو المألوف في المنازعة في التنفيذ يؤدي إلى اعتبار صاحب الحق متعسفا مسيئا، حيث ذهب بعض الفقه إلى أن “بالتالي مسئولا عن استعمال الوسائل المتاحة له للدفاع عن حقوقه أو مصالحه – في غير ما أعدت له أو علي خلاف الغاية التي من أجلها شرعت- لأن الانحراف بالحق عن غايته يقلبه إلى مفسدة أو مخبثة_ وكل شئ يزيد عن حده ينقلب إلى ضدة”([925]).
والحكم الصادر في دعوي الاستحقاق الفرعية يقبل الطعن عليه بالاستئناف وفقا للقواعد العامة، حيث إن المشرع نص في تعديله الجديد بالقانون رقم 76 لسنة 2007، للمادة 277 مرافعات علي أنه ” تستأنف أحكام قاضى التنفيذ فى المنازعات الوقتية و الموضوعية أيا كانت قيمتها أمام المحكمة الابتدائية”.
المطلب الثالث
اعتراض الغير علي قائمة شروط بيع العقار
لم يطلق المشرع العنان للدائن مباشر الإجراءات في اتخاذ إجراءات الحجز علي العقار، بل قد وضع القانون بعض الوسائل التي تكفل إتاحة الفرصة لذوي الشأن كي يباشروا رقابة لاحقه علي ما قام به الدائن من إجراءات، فهيأ لهم السبل للمنازعة في هذه الإجراءات فوضع لذلك نظاما إجرائيا خاصا لنظر هذه المنازعات بقصد
حماية الغير وأطراف التنفيذ ومن تتعلق مصالحهم بإجراءات التنفيذ، وإذا تم الفصل في هذه الاعتراضات بأحكام نهائية، فإما أن تعدل الإجراءات أو يصبح العقار معد
للبيع وتبدأ إجراءات بيع العقار، هذا النظام يطلق عليه الاعتراض علي قائمة شروط البيع.
سنشير إلي شروط اعتراض الغير علي القائمة، وآثار اعتراض الغير، وذلك في الفروع الأتية:
الفرع الاول
شروط اعتراض الغير علي القائمة
سنشير إلي مصلحة الغير المعترض علي القائمة، وتقديم الاعتراض في الشكل والإجراءات المنصوص عليها، وذلك في النقاط الآتية:
الشرط الأول: مصلحة الغير المعترض علي القائمة:
الاعتراض علي قائمة شروط البيع وهو المنازعة الموضوعية تتعلق بالتنفيذ علي العقار يقدمها ذوو الشأن من الأطراف أو من الغير، وتتعلق بصحة كل من مقدمات التنفيذ وما تم من إجراءات والشروط المدرجة بالقائمة([926])؛ فهو طريق يهدف الغير من خلاله إلى التمسك بتعديل شروط البيع وبطلان إجراءات التنفيذ علي العقار لعيب يتعلق بالشكل أو بالموضوع أو الاعتراض عليها لأي سبب آخر، شريطة أن يكون هذا السبب مؤثرا في طريق التنفيذ أو في سيره أو صحته أو بطلانه أو في جوازه أو عدم جوازه([927])، فيلاحظ أن هذه الاعتراضات لا تنصب علي قائمة شروط البيع وحدها، ولكن يمكن أن يتناول الأمور المتعلقة بصحة التنفيذ ذاته، حيث قد ينصب علي عدم توافر الشروط الموضوعية والشكلية للسند التنفيذي، كما لو كان المال محل التنفيذ لا يجوز الحجز عليه أو أن إجراءات التنفيذ باطله.
وقد نصت المادة 422 مرافعات علي الأشخاص الذين يجوز لهم الاعتراض علي قائمة شروط البيع، وهم المدين أو الحائز أو الكفيل العيني والدائنون المشار إليهم في المادة 417 وهم الدائنون أصحاب الحقوق المقيدة قبل تسجيل التنبيه والدائنون الذين قاموا بتسجيل تنبيهاتهم، فيمكن لأي من هؤلاء الأشخاص تقديم اعتراض علي القائمة، سواء أخطروا بإيداعها أو لم يخطروا بذلك([928])، فعدم الإخطار لا يمنع من إثارة المنازعة.
وقد نصت الفقرة الثانية من ذات المادة علي أنه يمكن لكل ذي مصلحة من غير من ورد ذكرهم في الفقرة السابقة إبداء ما لديه من أوجه البطلان أو الملاحظات علي القائمة بطريق الاعتراض عليها أو بطريق التدخل في نظر الاعتراض، وطبقا للقواعد العامة، يجب أن يكون للغير مصلحة في الاعتراض علي قائمة شروط البيع، من أمثله الغير من يكون دائنا عاديا للمدين أو من يكون قد قيد حقه بعد تسجيل تنبيه نزع الملكية، أو من يكون له حق ارتفاق أو حق انتفاع علي العقار أو من يكون مستأجراً للعقار([929]) أو من يدعي ملكيته للعقار الذي يجري عليه التنفيذ، فله أن يعترض علي قائمة شروط بيع العقار.
الشرط الثاني: تقديم الاعتراض في الشكل والميعاد المنصوص عليه قانونا:
يعد الاعتراض علي قائمة شروط البيع خصومة ذات شكل خاص، حيث ترفع في ميعاد معين وفي شكل معين، فيقدم الاعتراض علي قائمة شروط البيع عن طريق تقرير في قلم كتاب محكمة التنفيذ، ولذلك لا يجوز تقديمه بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوي، ويترتب علي عدم مراعاة الشكل سقوط الجلسة المحددة لنظر الاعتراضات، وإذا تم التقرير فلا يلزم إعلانه لذوي الشأن ولا تكليفهم بالحضور، لأنه سبق إعلانه بتاريخ الجلسة المحددة لنظر الاعتراض علي القائمة، ويمكن أن يقدم الاعتراض عن طريق التدخل في اعتراض آخر مقدم من معترض آخر حتي ولو كان موضوع الاعتراض الجديد مختلفا عن موضوع الاعتراض الأول، لأنه لا يتدخل منضما إلي من قدم الاعتراض.
ويتخذ اعتراضات الغير علي قائمة شروط البيع العديد من الأشكال، منها ما قد يكون أوجه بطلان، والبعض يكون في صورة ملاحظات، وقد يكون طلبا بوقف البيع أو تأجيل الإجراءات، وقد يكون القصد من الاعتراض يتعلق بتقرير حق معين.
أولاً: أوجه البطلان:
نصت المادة 422 مرافعات علي أن الاعتراضات التي توجه إلي قائمة شروط البيع، تتمثل في أوجه البطلان في الإجراءات السابقة علي الجلسة المحددة لنظر الاعتراضات، ويقصد بأوجه البطلان، كل المنازعات المتعلقة بصحة التنفيذ سواء ما يتعلق منها بالشكل أو بالموضوع.
وتنقسم أوجه البطلان إلي بطلان شكلي وبطلان موضوعي، حيث قد يبني علي سبب يتعلق بالشكل، كما لو رجع ذلك إلي عدم اتباع القواعد الإجرائية المتعلقة بإنذار الحائز؛ وقد يتعلق موضوع الاعتراض بأوجه البطلان الموضوعية، كما لو تعلق بمحل التنفيذ، من ذلك أن يكون محل التنفيذ لا يجوز الحجز عليه لأنه عقار موقفا أو مشروطا عدم التصرف فيه، كذلك إذ كان العقار المنفذ عليه غير مملوك للمدين المنفذ ضده لخروجه من ملكه فى تاريخ سابق على تاريخ تنبيه نزع الملكية، فإن المنازعة بهذه المثابة تعتبر من أوجه البطلان التى يجوز إبداؤها بطريق الاعتراض على قائمة شروط البيع، و تؤدى إلى إلغاء إجراءات التنفيذ على العقار([930]).
وقد ذهبت محكمة النقض إلي أن “المنازعة فى تخلف شرط من الشروط الموضوعية لصحة التنفيذ، هي كون جزء من العقار المنفذ عليه مملوكا للمدين المنفذ ضده- الجزء الباقي مملوك للغير- تعتبر بهذه المثابة من أوجه البطلان التى يجوز إبداؤها بطريق الاعتراض على قائمه شروط البيع، ومن حق المدين أن يتمسك بها و تؤدى إن صحت إلى إلغاء إجراءات التنفيذ بالنسبة لهذا الجزء من العقار الذى خرج من ملكية المدين واستمراره بالنسبة للجزء الباقي”([931]).
لقد سوي قانون المرافعات بين أوجه البطلان المتعلقة بالشكل و أوجهه المتعلقة بالموضوع وأوجب المشرع إبداءها جميعا بطريق الاعتراض على قائمة شروط البيع و إلا سقط الحق فيها؛ كما نصت المادة 646 على أن تقدم الاعتراضات على قائمة شروط البيع بالتقرير بها فى قلم كتاب محكمة التنفيذ، ولم تشترط أي من المادتين المذكورتين ترتيباً معيناً لأوجه البطلان أو تقديم ما يتعلق منها بالشكل على ما تعلق منها بالموضوع الأمر الذى يترتب عليه أن إبداء أوجه البطلان المتعلقة بالشكل في
تقرير الاعتراض تالية لأوجه البطلان المتعلقة بالموضوع لا يسقط الحق في الأوجه الأولى([932]).
وتطبيقا لذلك قد حكمت محكمة النقض بأن “مفاد نصوص المواد 414، 415، 420، 1/424 مرافعات أن الملاحظات على شروط البيع و أوجه البطلان فى الإجراءات و فى صحة التنفيذ يجب إبداؤها بطريق الإعتراض على قائمة شروط البيع و إلا سقط الحق فى التمسك بها”([933]).
ثانيا: أوجه الملاحظات:
يملك الغير توجيه بعض الملاحظات، وذلك بهدف حذف بعض الشروط أو إضافة شروط جديدة او تعديل القائمة، أو يوجه نقد إلي شروط البيع بقصد تعديلها أو تغييرها أو الإضافة إليها أو حذف بعضها، فالملاحظات التي يقدمها الغير هي كل ما يطلب من شروط تتضمن الإشارة إلي حق للغير، كأن يطلب صاحب حق الارتفاق أو الانتفاع أو المستأجر الإشارة إلي حقوقهم في القائمة حتى يتفادى كل نزاع بينه وبين المشتري في المزاد، ولو من قبيل التأكيد لأن هذه الحقوق نافذة في مواجهة المشتري.
ثالثا: تقديم الاعتراض في الميعاد المنصوص عليه قانونا
نصت المادة 422 مرافعات علي أنه يجب أن تقدم الاعتراضات قبل الجلسة المحددة للنظر في الاعتراض علي قائمة شروط البيع بثلاثة أيام علي الأقل وإلا سقط الحق في الاعتراض، وهذه الجلسة تحدد في محضر إيداع قائمة شروط البيع، ونص المشرع علي إلزام قلم الكتاب أن يحدد لنظر الاعتراضات أول جلسة تحل بعد ثلاثين يوما من انتهاء ميعاد الإخبار بالإيداع. ويلاحظ أن هذا الميعاد ملزم للمدين وللحائز والكفيل العيني والدائنين المشار اليهم في المادة 417، أما بالنسبة للغير فيمكن له تقديم الاعتراض في هذا الميعاد أو بطريق التدخل عند نظر الاعتراضات المقدمة من اطراف التنفيذ.
ولا يضاف إلي ميعاد الاعتراض علي قائمة شروط البيع ميعاد مسافة، إذ يتعلق الأمر بميعاد يجب اتخاذ الإجراء قبله وهو ميعاد مرتد، ويترتب علي فوات الميعاد سقوط الجلسة المحددة لنظر الاعتراضات وتستقر الجلسة المحددة لنظر البيع.
يختص قاضي التنفيذ بالفصل في الاعتراضات علي قائمة شروط البيع، وذلك لأنها من منازعات التنفيذ الموضوعية التي يختص بها قاضي التنفيذ، وقاضي التنفيذ المختص محليا هو القاضي الذي يقع العقار في نطاق اختصاصه.
الفرع الثاني
آثار اعتراض الغير علي قائمة شروط البيع
هناك أثاران يترتبان علي حق الغير في الاعتراض علي قائمة شروط البيع، الأول: الأثر الذي يترتب علي رفع الاعتراض، والثاني: الأثر المترتب علي الحكم في الاعتراض.
أولا: الأثر المترتب علي رفع الاعتراض من الغير
يترتب علي تقديم الاعتراض علي قائمة شروط البيع الآثار الآتية:
1- سقوط الجلسة المحددة للبيع:
يترتب علي تقديم الاعتراض من الغير سقوط الجلسة المحدد للبيع، ولا يتم تحديد جلسة البيع إلا بعد أن يفصل قاضي التنفيذ في الاعتراضات التي قدمت بأحكام واجبة التنفيذ.
2- وقف التنفيذ بقوة القانون:
حيث يترتب علي تقديم الاعتراض بالشكل المنصوص عليه في القانون وقف التنفيذ، ويجب أن يتخذ الاعتراض شكل بطلان أو ملاحظة علي النحو السابق بيانه، ويمكن لقاضي التنفيذ أن يأمر بالاستمرار في الإجراءات، ولكن يجب في هذه الحالة أن يفصل في الاعتراض قبل صدور حكم بإيقاع البيع([934]).
ثانيا: آثار الحكم في الاعتراض علي قائمة شروط البيع:
1- الفصل في الاعتراض:
قد يصدر قاضي التنفيذ حكم بقبول الاعتراض، أو برفضه، ويمكن له طبقا لنص المادة 290 مرافعات أن يشمل هذا الحكم بالتنفيذ المعجل، ففي هذه الحالة يستمر الحاجز في التنفيذ علي العقار.
وإذا أصدر القاضي حكما في الاعتراض- كليا أو جزئيا- فإنه يعدل قائمة شروط البيع وفقا لما حكم به، والحكم الصادر في الاعتراض ينصرف أثره إلي أطراف النزاع طبقا للقواعد العامة للمنازعات.
وقد حكمت محكمة النقض بأن “الحكم الصادر في الاعتراض على قائمة شروط البيع- المؤسس على أوجه بطلان موضوعية- بالرفض و أياً كان وجه الرأي في تمثيل المعترض للورثة لا يتعدى إليهم و إنما أمره- وهو قضاء فى الموضوع قاطع- أن يحوز قبل المعترض وحده قوة الأمر المقضى فلا يملك أن يعود إلى الملكية التى فصل فيها فيؤسس عليها الدعوى المنظورة و هى دعوى الاستحقاق، وإذ اعتد الحكم المطعون فيه بحجية حكم الاعتراض لا على المعترض وحده بل على غيره من الطاعنين أيضاً فإنه يكون قد خالف القانون”([935]).
2- الطعن في الحكم الصادر في الاعتراض:
في الواقع نصت المادة 277 مرافعات المعدلة بقانون رقم 76 لسنة 2007، علي أن تستأنف أحكام قاضي التنفيذ في المنازعات الوقتية والموضوعية أيا كانت قيمتها أمام المحكمة الابتدائية”.
لقد كان الوضع قبل التعديل الأخير، إمكانية الطعن في الحكم علي أساس قيمة العقار، حيث ذهب جانب من الفقه إلى التمييز بين الطعن في الحكم الصادر في الملاحظة و الحكم الصادر في أوجه البطلان، فالنسبة للأحكام الصادرة في الملاحظات، فإنها تقبل الطعن في جميع الأحوال دون التقيد بالاختصاص القيمي، لأن الملاحظة لا تهدف إلي تقرير صحة عقد أو إبطاله أو فسخه([936]). بينما يري جانب آخر إلي أن الملاحظة تقدر بقيمة العقار باعتبارها منازعة موضوعية في التنفيذ([937]) وذلك لأن نص المادة 37/2 مرافعات عام في أن جميع المنازعات الموضوعية المتعلقة بالتنفيذ علي العقار تقدر قيمتها بقيمة العقار([938]).
ويري البعض أنه إذا كان الحكم صادراً في اعتراض مبني علي وجه بطلان، فيمكن الطعن في الحكم علي أساس قيمة العقار. وبالتالي يكون الحكم الصادر في الاعتراض انتهائيا لا يقبل الاستئناف إذا كانت قيمة العقار المحجوز عليه لا تزيد عن خمسة آلاف جنيه، ويكون قابلا للاستئناف أمام المحكمة الابتدائية إذا زادت قيمة العقار علي خمسة آلاف جنية ولم تتجاوز أربعين ألف جنيه، وإلي محكمة الاستئناف العالي إذا زادت علي ذلك.
وقد ذهبت محكمة النقض إلي أن الاعتراض على قائمة شروط بيع العقار الذى تعذر قسمته عينا بالمزاد لا يعدو أن يكون من المنازعات المتفرعة عن دعوى القسمة التى تختص بالفصل فيها المحكمة الجزئية ويكون استئناف الحكم الصادر فى شأنها أمام محكمة الابتدائية بهيئة استئنافية أيا كانت قيمة الدعوى، وذلك طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة 47 من قانون المرافعات”([939]).
المطلب الرابع
رفع دعوي بطلان حكم رسو المزاد
في الواقع حكم رسوم المزاد لا ينشئ ملكية جديدة مبتدأة للراسي عليه المزاد، وإنما يكون من شأنه أن ينقل إليه ملكية العقار المبيع من المدين أو الحائز، ويمكن أن ترفع علي الراسي عليه المزاد دعوي الإبطال أو الإلغاء لعيب يشوب إجراءات التنفيذ أو مليكة المدين أو الحائز([940]).
يمكن للغير أن يرفع دعوي أصلية ببطلان حكم إيقاع البيع، وتعتبر هذه الدعوي من منازعات التنفيذ الموضوعية التي يطالب فيها المدعي الحكم له ببطلان حكم إيقاع البيع([941])، وترجع الحكمة من وجود هذه الدعوي إلي أن حكم إيقاع البيع ليس حكما بالمعني الفني، حيث إن الحكم صادر بإيقاع البيع، ولم يتضمن فصل في الخصومة.
ويختص قاضي التنفيذ بنظر هذه الدعوي باعتبارها من منازعات الموضوعية المتعلقة بالتنفيذ([942])، وترفع هذه المنازعة بالإجراءات العادية لرفع الدعوي، ويتم إعلان الدعوي بالإجراءات العادية للإعلان، ويمكن رفع هذه الدعوي استنادا إلي أي سبب يتعلق بالإجراءات السابقة علي صدور الحكم بالبيع، أو أي سبب يتعلق بالحكم ذاته، أو يتعلق بالحق الموضوعي أو الحق في التنفيذ أو محل التنفيذ أو بأي إجراء من الإجراءات([943]).
سنشير إلى شروط رفع هذه الدعوي، والآثار التي تترتب عليها، وذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول
شروط دعوي البطلان
سنشير إلى اشتراط المصلحة في الدعوي وعدم سقوط الحق في رفع الدعوي، وذلك في النقاط الآتية:
الشرط الأول: توافر المصلحة للغير:
يجوز لكل ذي مصلحة رفع دعوي بطلان حكم ايقاع البيع بشرط إثبات صفته، وترفع هذه الدعوي من جانب الغير الذي لم يكن طرفا في إجراءات التنفيذ، وبالتالي لا يمك إلزامه بمراعاة المواعيد التي اوجبها القانون المنازعة في التنفيذ خلاله([944])، ويصدق ذلك علي كل شخص من الغير لم يكن يعلم بإجراءات التنفيذ، وذلك لأن الفرصة أمامه لم تتهيأ لإبداء أوجه البطلان في المراحل المختلفة لمراحل التنفيذ العقاري، كما أنه لا يملك الاستئناف في الحكم، وبالتالي يكون له الحق في تدارك الأخطاء أثناء الإجراءات التي لم يمثل فيها عن طريق دعوي البطلان([945]).
وتطبيقا لذلك يمكن لمالك العقار الذي لم يكن طرفا في إجراءات التنفيذ، والذي ليست له صفة الحائز أو الكفيل العيني، يستطيع أن يرفع دعوي استحقاق أصلية يطلب فيها الحكم ببطلان حكم إيقاع البيع([946]).
ويلاحظ أن أطراف التنفيذ لا يجوز لهم- من حيث الأصل- رفع دعوي أصلية ببطلان حكم إيقاع البيع، لأن المشرع نظم طرق التمسك ببطلان إجراءات التنفيذ علي نحو يؤدي إلى الانتهاء من هذه المنازعات أولا بأول([947])، فللأطراف الحق في الاعتراض علي قائمة شروط البيع قبل المزايدة، ولهم الحق في الاستئناف للحكم، ولكن استثناء من ذلك يجوز رفع الدعوي من أطراف التنفيذ حيث اعتبرهم المشرع من فئة الغير، ويظهر ذلك في الحالات الآتية:
1- إذا لم يتمكن أطراف خصومة التنفيذ من العلم بالإجراءات:
في الواقع يمكن رفع دعوي أصلية ببطلان حكم إيقاع البيع من جانب الدائنين أصحاب الحقوق المقيدة قبل التسجيل تنبيه نزع الملكية و الذين لم يعلنوا بإيداع القائمة أو بجلسة البيع، أو من جانب المدين نفسه إذا لم يكن قد أعلن بالإجراءات إعلانا صحيحاً([948])، كما يجوز للحائز الذي لم ينذر بالدفع او التخلية ولم يخبر بإيداع قائمة شروط البيع رفع هذه الدعوي رفع هذه الدعوي، كما يمكن الطعن علي الحكم بدعوي البطلان إذا كان المنفذ ضده لم يعلن بإجراءات التنفيذ إعلانا قانونيا، فيمكن له في هذه الحالة ان يرفع دعوي بطلان ولا يجوز له رفع الاستئناف علي الحكم.
وقد قضت محكمة النقض بأن ” على المدين إبداء أوجه البطلان فى الإجراءات السابقة على الجلسة المحددة لنظر الاعتراضات على قائمة شروط البيع بطريق الاعتراض على القائمة و إلا سقط الحق فى التمسك بها، إلا أن شرط ذلك أن يكون المدين طرفاً فى إجراءات التنفيذ، فإذا لم يكن طرفاً فيها بأن لم يعلن بها فإنه يعتبر من الغير بالنسبة لتلك الإجراءات و يكون فى هذه الحالة أن يتمسك بالعيب فى الإجراءات بما فيها حكم مرسى المزاد بطريق الدعوى الأصلية([949]).
2- إذا كان حكم إيقاع البيع صادرًا بناءً على غش أو كانت الإجراءات التنفيذ صورية([950]).
ويجب للتمسك بهذه الدعوي أن تكون المخالفة التي رفع بشأنها الدعوي مقرره لمصلحة المدعي أو كانت متعلقة بالنظام العام([951]).
المدعي عليه في هذه الدعوي هو الدائن الذي يباشر الإجراءات والراسي عليه المزاد، كما يجب اختصام جميع أصحاب المصلحة في هذه الدعوي أي ممن تتأثر بحقوقهم بالحكم الذي يصدر فيها، وهم باقي أطراف الإجراءات غير المدعي في هذه الدعوي حتي تحسم جميع المنازعات بحكم واحد يصدر في مواجهتهم جميعا.
وقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن ” قاعدة الغش يبطل التصرفات هي قاعدة قانونية سليمه ولو لم يجري بها نص خاص في القانون وتقوم علي اعتبارات خلقية واجتماعيه في محاربة الغش والخديعة والاحتيال وعدم الانحراف عن جادة حسن النية الواجب توافره في المعاقدات التصرفات والاجراءات عموما صيانه لمصلحة الأفراد والجامعات، فإذا كان الحكم قد اعتمد علي هذه القاعدة في قضائه ببطلان رسو المزاد فإنه لا يكون قد خالف القانون”([952]).
3- إلغاء السند التنفيذي أو إبطاله:
يتعلق مصير التنفيذ علي السند ذاته، فإن الغي السند او ابطل، امتنع المضي في التنفيذ وسقط ما يكون قد تم من إجراءاته، ووجب إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل مباشرته، ولا يمنه من ذلك سقوط حق المدين في التمسك ببطلان ما تم من إجراءات بطريق الإعتراض علي قائمة شروط البيع البيع في الميعاد المحدد له، لأنه بع إلغاء السند التنفيذي أو إبطاله يصبح التنفيذ غير مستند إلى حق فتسقط إجراءاته نتيجة حتيمه لزوال سنده، ويكون للمدين بعد فوات الميعاد المقرر قانونا للإعتراض علي إجراءات التنفيذ العقاري أن يطلب بدعوي أصلية إبطال هذه الإجراءات بما في ذلك حكم رسو المزاد، إلا إذا تعلق بها حق للغير بأن يكون العقار قد رسا مزاده علي غير طالب التنفيذ أو يكون هناك دائنون آخرون أعلنوا المدين بتنبيه نزع الملكية أو دائنون من أرباب الديون المسجلة كانوا طرفا في الإجراءات([953]).
فقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن “قضاء هذه المحكمة قد دري بأن للمدين المنزوعة ملكيته- بعد فوات مواعيد الطعن في إجراءات التنفيذ العقاري وبعد رسو المزاد- أن يطلب بدعوي أصليه إبطال هذه الإجراءات بما فيها حكم رسو المزاد لانقضاء دين طالب التنفيذ أو لبطلان سنده إلا إذا تعلق بالعين المبيعه وبإجراءات التنفيذ حق للغير، كان تكون العين قد رسا مزادها علي غير الدائن طالب التنفيذ أو يكون هناك دائنون آخرون أعلنوا بتنبيه مزع الملكية أو دائنون من أرباب الديون المسجله كانون طرفا في الإجراءات”([954]).
الشرط الثاني: عدم سقوط الحق في رفع الدعوى:
يجب لقبول دعوي البطلان ألا يكون حق المدعي قد انقضي بأي سبب من الأسباب، مثال ذلك أن يقوم برفع دعوي الاستحقاق أو الاسترداد، وقضي برفضها، أو ألا يتمسك المدعي بطريق الاعتراض علي قائمة شروط البيع قبل الجلسة المحددة للبيع بثلاثة أيام علي الأقل رغم عدم إعلانه بالإيداع وإخبارهم بتاريخ جلسة البيع ومكانه؛ كذلك لو كان العيب يتعلق بإجراءات المزايدة، فان من له مصلحة يتعين عليه التمسك بالعيب بطريق استئناف حكم إيقاع البيع، فاذا لم يطعن خلال الميعاد، فلا يجوز له رفع دعوي أصلية ببطلان إيقاع البيع([955]).
أما إذا كان المال المحجوز عليه ملك الغير، فانه يجوز له التمسك ببطلان الحكم في أي وقت دون التقيد بميعاد الاعتراض أو الاستئناف. كذلك في حالة عدم استطاعة الشخص أن يتمسك بالعيب في الوقت المناسب وبالطريق الذي رسمه القانون، فان حقه في التمسك بهذا العيب بطريق دعوي البطلان الأصلية.
ويبقي الحق في رفع دعوي البطلان حتي ينقضي بانقضاء مدة التقادم العادية([956]). ويرد علي مدة التقادم الانقطاع والوقف وفقا للقواعد العامة([957]).
الفرع الثاني
آثار الحكم في دعوي البطلان
وإذا تحققت المحكمة من وجود عيب أصاب إجراءات التنفيذ أو الحكم الصادر بالبيع، فيمكن لها أن تقضي ببطلان الحكم، وإذا لم تستند الدعوي إلي سبب جدي لبطلان الحكم رفضت المحكمة الدعوي.
يترتب علي الحكم ببطلان البيع إلغاء الآثار التي تترتب عليه، وإعادة الحال إلي ما كان عليه قبل صدوره، ويكون هذا الزوال من وقت إيقاعه شأنه في ذلك شأن البيع الاختياري الذي ينعطف أثر الحكم ببطلانه الي وقفت انعقاده([958])، فيصبح المشتري كأن لم يمتلك العقار، وتعود الملكية إلي من انتزعت منه دون حاجة إلي تسجيل حكم ببطلان البيع([959]).
حيث ذهبت محكمة النقض إلى أن “الحكم ببطلان حكم رسو المزاد إو إلغاءه يقرر انحلال البيع وزواله من قت ايقاعه، شأنه في ذلك شأن البيع الاختياري الذي نعطف أثر الحكم ببطلانه أو بفسخه إلى وقت انعقاده”([960]).
ويثار التساؤل عن مسئولية المشتري بالمزاد في مواجهة الغير، ومسئولية أطراف التنفيذ في مواجهة الغير؟ في الواقع يجب التفرقة في نطاق المسئولية بين الراسي عليه المزاد وبين أطراف التنفيذ، وذلك علي النحو التالي:
أولا: مسئولية المشتري بالمزاد في مواجهة الغير:
في الواقع ليس من شأن الحكم الصادر برسو المزاد أن ينقل إلى المشتري من الحقوق أكثر مما كان للمدين المنزعة ملكيته، حيث ذهبت محكمة النقض المصرية إلي أنه متى كانت ارض المنزل موضوع النزاع جارية في وقف معين ومقررا عليها حكم للغير فان حكم رسو المزاد لا يلغي حق الوقف أما القول بأن الاستبدال يجب أن يكون لمالك المباني وحده فلا سند له من القانون([961]).
ونظرا لأن آثار الحكم بالبطلان تضر بمصلحة المشتري حسن النية، ولهذا ذهبت أحكام القضاء إلي التفرقة بين عدة فروض، أولها إذا كان المشتري حسن النية ومن الغير, وثانيا: وإذا كان المشتري الحاجز.
الفرض الأول: إذا كان المشتري من الغير:
في هذه الحالة يجب التفرقة بين حالتين:
الحالة الأولي: إذا كان المشتري حسن النية:
في هذه الحالة لا تتأثر الملكية التي انتقلت بحكم إيقاع البيع وتسجيله، ويقصد بالمشتري حسن النية أن المشتري لا يعلم بسبب المنازعة، ويجب أن يكون المشتري من الغير أي غير الدائنين الحاجزين. فإذا تحققت هذه الحالة، فإن مصلحة المشتري تغلب علي مصلحة الغير، وبالتالي لا يلغي حكم إيقاع البيع، ولكن يكون للغير الحق في الرجوع علي مباشرة الإجراءات الاسترداد القيمة، أو الرجوع علي المدين علي أساس الإثراء بلا سبب، وبالتعويض أن له سبب([962]).
الحالة الثانية: إذا كان المشتري سئ النية
إذا اثبت المدعي سوء نية الغير يترتب علي ذلك الحكم ببطلان حكم إيقاع البيع وزوال ملكية المشتري بالرغم من أنه من الغير طالما أنه سئ النية.
وتذهب بعض الأحكام إلي أنه يمكن للمدعي أن يرفع الدعوي ببطلان الحكم أيا كان السبب الذي يستند إليه، فإذا حكم لصالحه ببطلان حكم إيقاع البيع فإنه يستطيع التمسك بحقه في مواجهة المشتري، ولو كان من الغير بصرف النظر عن حسن نيته أو سوئه([963]).
في الواقع لا نتفق مع هذا الحكم، لأنه سيؤثر علي الثقة الواجب توافرها في نظام البيع بالمزاد العلني، حيث سيحجم الافراد عن الشراء بطريق المزاد العلني، حشيه من رفع دعوي بطلان في مواجهتهم مع حسن نيتهم.
الفرض الثاني: إذا كان المشتري هو الدائن الحاجز
إذا كان حكم البيع قد أوقع البيع علي الحاجز، فيمكن طلب إلغاء الحكم إيقاع البيع، وإذا قضت المحكمة بإلغاء الحكم زالت الملكية وعاد الحق إلي المدعي، وذلك بصرف النظر عن حسن أو سوء نية الدائن المشتري([964]).
ويمكن الطعن في الحكم الصادر في الدعوي طبقا للقواعد العامة للطعن في الأحكام الصادرة من قاضي التنفيذ في منازعات التنفيذ الموضوعية، والتي تشير إلي إمكانية الطعن في الحكم أمام المحكمة الابتدائية أيا كانت قيمة النزاع.
ثانيًا: المسئولية المدنية لأطراف التنفيذ في مواجهة الغير:
وضع القانون ضمانات إجرائية لصالح الدائن([965]) ولصالح المدين([966])،
وللغير([967])، بمعني إذا كان متاحا للدائن الحجز علي أي مال من أموال المدين([968])، فإن هذا لا يمنع من مساءلة الدائن إذا تعسف أو أساء في استعمال حقه في التنفيذ الجبري، لأن ممارسة هذا الحق مقيدة بأن تكون في الإطار المرسوم له قانونا، وعدم تجاوز المألوف، فلا يجوز له القيام بالحجز علي أموال مملوكة للغير.
سنشير إلي تقرير مسئولية الحاجز في مواجهة الغير، وتقرير مسئولية المنفذ ضده، ومسئولية الغير، وذلك في النقاط الآتية:
1- تقرير مسئولية الحاجز في مواجهة الغير:
إن التنفيذ علي أموال مملوكة للغير هو تنفيذ قلق غير مستقر يتعلق مصيره بمصير إثبات الغير ملكيته للمال، فإذا أثبت الغير تضرره من التنفيذ، وذلك بإثبات أن محل التنفيذ مملوك للغير، وجب إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل حصول التنفيذ بقدر ما يكون هذا ممكنا.
وهنا يثار التساؤل هل يلزم طالب التنفيذ فضلا عما تقدم بتعويض الضرر
الذي يكون لحق الغير من جراء هذا التنفيذ الذي تم علي أموال غير مملوكه
للمدين؟
في الواقع إذا كان طالب التنفيذ سئ النية فإنه يلتزم بالتعويض، وهذه القاعدة مسلم بها فقها وقضاء، وإنما إذا كان حسن النية فقد اختلف الفقه في تقرير مسئوليته، وذلك علي النحو التالي:
الاتجاه الأول: التزام الحاجز بتعويض الضرر
ذهب بعض أنه الحاجز يلتزم بتعويض الضرر الذي لحق الغير، لأنه ذلك يضمن حسن سير إجراءات التنفيذ الجبري، كما أنه يسأل لأن التنفيذ الذي يقوم به الحاجز، لا يخول من عدم التبصر الموجب لمسئولية الحاجز، لعلمه أن هذا الحكم، قد طعن فيه
من الغير أو اعترض علي إجراءاته، وقد يلغي من محكمة المختصة، وكان من الممكن أن يكتفي بتوقيع حجز تحفظي أو يوقف البيع لحين الفصل في حق الغير المتعلق بالتنفيذ.
كما أن أقدام الدائن علي تنفيذ حكم مشمولا بالنفاذ المعجل وهو يعلم بأنه حكم قلق يؤدي إلى مسئوليته عما يجريه من أعمال التنفيذ أو التزامه علي الأقل برد الحالة إلى ما كانت عليه قبل التنفيذ إذا ما ألغي هذا الحكم أو إجراءات تنفيذه نتيجة الاعتراض عليه([969])، فإذا ابطل الغير إجراءات التنفيذ، يلغي ما تم من إجراءات التنفيذ ويرد ما قبض من أصل وملحقات وفوائد بالإضافة إلى التعويضيات، والمصروفات التي
أنفقها الغير في اللجوء إلى القضاء، وقد ذهبت محكمة النقض إلى تقرير مسئولية الدائن المنفذ عن التنفيذ الذي يتم بمقتضي حكم مشمول بالنفاذ المعجل إذا ما ألغي الحكم،
حيث ذهبت المحكمة إلى أن “تنفيذ الأحكام والقرارات الجائز تنفيذها مؤقتا يكون- علي ما جري به قضاء هذه المحكمة- علي مسئولية طالب التنفيذ وحده، إذ يعد إجراءات التنفيذ مجرد رخصة للمحكوم له إن شاء انتفع بها وإن شاء تربص حتي يحوز الحكم قوة الشئ المحكوم فيه، إذا لم يتريث المحكوم له وأقدم علي تنفيذ الحكم وهو يعلم أنه معرض للإلغاء عند الطعن فيه يكون قد قام بالتنفيذ علي مسئوليته بغير تبصر فيتحمل مخارطه إذا ما ألغي الحكم، ويصبح التنفيذ بغير سند من القانون بما يلزم طالب التنفيذ بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه وتعويض الضرر الذي قد ينشأ عن التنفيذ، ولا يغير من ذلك أن يكون الحكم الذي جري التنفيذ بمقتضاه صادرا من القضاء المستعجل، إذ يقطع علي عاتق من بادر بتنفيذه مسئولية هذا التنفيذ إذا ما ألغي هذا الحكم في الاستئناف شأنه في ذلك شأن الأحكام الصادرة في الموضوع والمشمولة بالنفاذ المعجل. فطالب تنفيذ أحكام القضاء المستعجل- كما يسأل في هذه الحالة- يسأل عند الحصول علي قضاء في الموضوع بأن الحق لم يكن في جانبه”([970]).
وقد ذهبت بعض الاحكام إلى أن تنفيذ الأحكام والقرارات الجائز تنفيذها مؤقتا يجري علي مسئولية طالب التنفيذ لأنه إباحة تنفيذها قبل أن تصبح نهائية هو مجرد رخصة للمحكوم له إن شاء انتفع بها وإن شاء تربص، وأقدم علي تنفيذه وهو يعلم أنه معرض للإلغاء إذا ما طعن فيه فإنه يتحمل مخاطر هذا التنفيذ([971]). ولا يرجع أساس مسئولية المحكوم له في التنفيذ المعجل علي الخطأ، لأنه يستعمل حقا قانونية مشروعا له ولكن علي أساس تحمل تبعة المخاطر([972]).
الاتجاه الثاني: عدم التزام الحاجز بالتعويض
يرى بعض الفقه أن الحاجز لا يكون مسئولا عن التعويض إذا جري التنفيذ مستوفيا شروطه، ولا مسئولية حيث لا يتوافر الخط([973])، وعلي اعتبار أن فشل الشخص في التجائه إلى القضاء لا يعتبر في ذاته دليلا علي خطئه موجبا لمسئوليته وانما هو يسأل إذا كان سئ النية.
فالحجز جائز بلا مسئولية، لأن إجراءات التنفيذ الجبري من الحقوق المقررة لحماية الحق، فيستطيع الدائن أن يقوم بإجرائه مهما كانت قيمة الحق الثابت بالسند التنفيذي، ولو كان الباقي له في ذمة المدين جزءا ضئيلا بالنظر إلى هذا الحق، ولا يلتزم طالب التنفيذ بالتعويض المنفذ ضده أو الغير إذا ألغي الحكم (السند التنفيذي) عند الطعن فيه بالنقض أو التماس إعادة النظر، أو الغيت إجراءات التنفيذ، فإذا كان الحكم الذي أوقع به الحجز قد تأييد إستئنافة أي نهائيا، ولكن الغي في التماس إعادة النظر المقدم من الغير لا يقوم حجة علي خطأ الدائن المنفذ، حيث إن المسألة في هذه الحالة من الدقة وصعوبة التقدير من الوجهة القانونية بحيث يعد الدائن معذورا إذا عمد إلى ما له من حق قانوني في توقيعه الحجز للمحافظة علي حقوقه، يستوي في ذلك حجز المنقول لدي المدين أو حجز ما للمدين لدي الغير([974]).
إذا كان لكل شخص مطلق الحرية في الالتجاء إلى القضاء ليعرض عليه مزاعمه وإذا كان القانون لا يعتبر فشله دليلا علي خطئه موجبا لمسئوليته إلا إذا كان سئ النية، فمن باب أولى ذلك الذي يلجأ إلى القضاء أو يقوم بإجراء معين معتمدا علي حق ظاهر منحه نتيجة إياه حكم لم يستقر بعد لا يكون مسئولا إذا فشل في الدعوي في النهاية لأنه أولى بالرعاية من الأول الذي لم يستند إلى حق ظاهر أو إلى حكم غير مستقر([975])، وبالتالي فطالب التنفيذ هو صاحب حق ظاهر يحميه المشرع ويمنحه رعاية خاصة فيبيح له اقتضاءه، وإذن يجب أن يكون شأنه شأن أي صاحب حق ظاهر يحمية القانون فلا يسأل إذا باشر هذا الحق، طالما كان حسن النية.
وتطبيقا لذلك ذهبت محكمة النقض إلى أن “ولئن كان اتخاذ الدائن إجراءات التنفيذ القهري علي أموال مدينة، هو حق مقرر له لا يستوجب مسئوليته، إلا أن عليه أن يراعي الإجراءات التي فرضها القانون في التنفيذ علي أموال المدين ذاتها، بحيث لا يسند إليه الخطأ العمد أو الجسيم، فإن هو قارف ذلك ثبت في حقه ركن الخطأ الموجب للمسئولية عن هذه الاجراءات فيما لو ترتب عليها إلصاق الضرر بالغير”([976]). وبالتالي لو كان حسن النية ولم يرتكب أي خطأ فلا مسئوليه عليه، فقد ذهبت محكمة النقض إلى أن “المساءلة بالتعويض قوامها خطأ المسئول وإن كان مما أورده الحكم المطعون فيه لا يؤدي إلى توافر هذا العنصر من عناصر المسئولية، لأن استمرار الطاعن في اجراءات التنفيذ بقبض جزءا من الدين الذي يدعيه لا يعد خطأ منه يستوجب المسئولية بالتعويض لأن المشرع لم يرتب علي رفع دعوي عدم الاعتداد بالحجز أثرا موقفا للاجراءات كالأثر المترتب علي رفع الإشكال في التنفيذ سواء من المدين أو الغير، خصوصا، وقد تمسك الطاعن بأن المحجوزات لديها سارعت إلى الوفاء بما هو مستحق في ذمتها للمحجوز عليه عقب الحجز بوقف قصير وقبل صدور الحكم الانتهائي بعد الاعتداد باجرااءت التنفيذ بما يرفع عنه مظنة الخطأ بعدم احترام حجية الأحكام فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون”([977]).
ويري البعض أنه وإن كان طالب التنفيذ لا يعتبر مخطئا بمجرد الحجز، إلا أنه يسال بفوائد المبالغ التي قبضها من تاريخ مطالبته بها قضائيا، فإذا قام بتنفيذ السند، وطعن الغير في الحكم وطالب بفوائد المبالغ التي قبضها خصمه تنفيذ للحكم المطعون فيه فإن الاخير يكون ملزما بهذه الفوائد من تاريخ المطالبة بها، وهذه القاعدة يعمل بها سواء نفذ الحكم تنفيذ مؤقتا أم نفذ عاديا لأنه حاز قوة الشئ المحكوم به إذ الفوائد التأخيرية تسري كقاعدة عامة وعلي الأقل من وقت المطالبة القضائية بها عملا بالقواعد العامة، وكما يلزم المحكوم له (الذي فشل في دعواه في النهاية) بالفوائد التأخيرية يلزم أيضا برد ثمار العين التي كان قد تسلمها من يوم قبضها إلى يوم رده([978]).
وقد ذهبت محكمة النقض إلى “أن توقيع الدائن حجزا علي ما للمدين لدي الغير هو حق لا يستوجب مسئوليته إلا إذا كان قد أساء استعماله بارتكاب خطأ لا يصح التسامح فيه، فإذا كانت المحكمة قد رفضت دعوي التعويض المرفوعة من المدين علي الدائن الحاجز بعد أن محصتها من جهة تأسيسها علي الخطأ المسند إلى الدائن في توقيعه الحجز تحت يده ويد غيره علي مبالغ مستحقة للمدين، وخلصت إلى الاقتناع بأن الحاجز كان لديه من المسوغات ما يبرر توقيعه الحجز بدليل تثبيته والحكم له ابتدائيا واستئنافيا علي المدين بالتعويض، وأنه إذا كانت محكمة النقض قد رأت بعد ذلك عدم استحقاق الدائن للتعويض فلا تأثير لهذا لأن الأمر كان من الدقة وصعوبة التقدير من الوجهة القانونية، بحث أن الدائن يعد معذورا إذا هو في سبيل المحافظة علي حقوقه قد عمد إلى ما له من حق قانوني في توقيع الحجز علي ما لمدينة لدي الغير فإن قضاءها بذلك يكون قد جاء علي أساس سليم من الوقائع ومن القانون”([979]).
موقف الباحث:
من وجهة نظرنا، إذا تجاوز الحاجز الحد المعقول أو المألوف في إجراءات التنفيذ أو المنازعة فيه يؤدي إلى اعتباره متعسفا ومسيئا، وبالتالي مسئولا عن استعمال الوسائل المتاحة له للدفاع عن حقوقه أو مصالحه في غير ما أعدت له أو علي خلاف الغاية التي من أجلها شرعت، لأن الانحراف بالحق عن غايته يقلبه إلى مفسدة أو مخبثة، وكل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده.
إذن لئن كان اتخاذ الدائن إجراءات التنفيذ القهري علي أموال مدينه هو حق مقرر له لا يستوجب مسئوليته، إلا أن عليه أن يراعي الإجراءات التي فرضها القانون في التنفيذ علي أموال المدين ذاتها، بحيث لا يستند إليه الخطأ العمدي أو الجسيم، فإن هو قارف ذلك ثبت في حقه ركن الخطأ الموجب للمسئولية عن هذه الإجراءات فيما لو ترتب عليها إلحاق الضرر بالغير([980]).
وقضت محكمة النقض بأن “مفاد نص المادة السابعة من قانون المرافعات السابق والمادة 14 من القانون رقم 11 لسنة 1940 الخاص ببيع المال التجارية ورهنها، مرتبطين أن المحضر الذي يباشر التنفيذ أو غيره ممن أجاز القانون أن يجري التنفيذ الجبري بواسطته، إنما يقومون بذلك التنفيذ بناء علي توجيه من الخصوم لهذه الإجراءات، فإذا ما عين الخصوم إجراءات التنفيذ التي يطلبون اتخاذها اعتبر المحضر أو من يباشر إجراءات التنفيذ ممن أجاز لهم القانون ذلك، وكلاء عن طالب التنفيذ الذي يسأل مسئولية مباشرة عن توجيه هذه الإجراءات فيما لو ترتب علي ذلك الإضرار بالغير([981]).
ويكون الحاجز مسئولا كذلك في حالة الحجز علي ما للمدين لدي الغير إذا ما تبين أن الدائن قد أوقع الحجز وفاء لدين متنازع فيه أو وفاء لمبلغ يزيد عن القدر الثابت له أو تحيل به ابتغاء مضارة خصمه أو الغير أو لجأ إلي الحجز بهدف الأذى، لأن التحايل بالحق بقصد الإضرار، خطأ يستوجب المؤاخذة دون جدال([982]).
في الواقع استعمل الحق في الحجز ما للدين لدي الغير دون مبرر جدي مع وجود ضمانات قوية للوفاء بالدين أو أن حالة المدين وقدرته علي الوفاء ليست محل شك([983])، وتطبيقا لذلك ذهب القضاء الفرنسي إلى أنه يساء استعمال الإجراءات التحفظية إذا كان إجراؤها مصحوبا بسوء نية أو بقصد الإضرار أو نتيجة خطأ جسيم مواز للتدليس([984]).
وبالتالي إذا شرع الدائن فأوقع الحجز التحفظي علي أموال مدينة قبل حلول مواعيد الدفع أو في وقت كان المدين قد أودع في الخزينة ما لدائنه كان الحجز حاصلا بقصد المشاغبة والنكاية، ومتي ثبت أنه سبب للغير أضرارا مادية وأدبيه مثل التشويش علي سمعته بإظهاره في مظهر العاجز عن الدفع أو إضاعة وقته وتحمله متاعب التقاضي وجب تعويضه عما لحقه من الضرر.
ولقد جري القضاء الفرنسي علي اعتبار الدائن متعسفا في استعمال حقه في الحجز علي مدينة وذلك عند انعدام التناسب بين مدي الحجز وموجباته، أو عند انعدام التناسب بين أجزاء الحجز وضآلة الدين، أو عند وقوع حجز ما للمدين لدي الغير علي قدر كبير من أموال مدينه وتمكن بذلك من تجميد هذه الأموال فترة كبيرة- نتيجة للحبس الكلى للأموال المحجوز عليها- وهو الأثر المرتب علي حجز ما للمدين لدي الغير- متي اتضح أن كان ضئيلا أو تافها أو لا وجود له في الحقيقة لانقضائه بأي سبب من أسباب الانقضاء، أو لإبطال سند المديونية أو لغير ذلك من الأسباب المؤدية إلى تقرير زوال الدين- أو عدم وجوه- بأثر رجعي نتيجة الحكم بالفسخ أو البطلان أو تزوير سند الدين أو غير ذلك من الأسباب) أو في حالة عدم وجود مبرر قوي لذلك التجميد الطويل المدي”([985]).
كما يعتبر من وسائل الغش التي تستوجب مسئولية الدائن أن يتبع في التنفيذ أسلوبا لا يتفق مع صحيح القانون كأن يتم التنفيذ علي غير المدين وهو عالما بذلك، فينفذ حكم علي شخص لم يكن طرفا فيه، ويستولي علي عقار من تحت يده مما يؤدي إلى سلب حيازته بأسلوب لا يتفق مع الأوضاع السليمة مما يعطي الحق للشخص في أن يلجأ إلى القضاء طالبا رد حيازته المسلوبة، كأن يسخر شخص كي ترفع الدعوي ضده بزعم أنه مستأجر من الباطن فيقضي فيها للمدعي بالتسليم، ويقوم بتنفيذ الحكم ويستلم الأرض من مستأجرها السابق (الحقيقي)([986]).
كذلك يعتبر تعسفا يستوجب التعويض أن يجري الدائن التنفيذ علي أموال ليست مملوكة لمدينه([987])، وقد نص القانون الفرنسي في 9 يوليه 1991 علي أن الدائن له حرية اختيار إجراءات التنفيذ، ولكن تنفيذ هذه الإجراءات لا يمكن أن يتجاوز ما يظهر ضروريا من أجل الحصول علي الوفاء بالالتزام (م22/1 مرافعات)، وقاضي التنفيذ يملك سلطة الأمر برفع أو بشطب كل إجراء غير مفيد أو تعسفي ويحكم علي الدائن بالتعويض في حالة التعسف في الحجز (م22/1)([988]).
ونري وجوب أن يكون هناك خطأ وقع من الحاجز رتب ضرراً للغير، حيث ذهبت محكمة النقض إلى أنه “إذا كان الثابت بالحكم المطعون فيه أن الحجز الذي أوقعه بنك التسليف زراعة قطعن هو حجز باطل لتوقيعة علي غير الزارع، وأن المحكمة حملت البنك المسئولية عن ذلك. ثم عن تبديد القطن المحجوز عليه علي أساس أنه لولا وقوع الحجز لما وقع التبديد، فإن هذا الحكم يكون باطلا لقصور أسبابه عن بيان السند الذي رتبت عليه المسئولية عن فعل التبديد، إذ إن تأسيس هذه المسئولية علي مجرد توقيع الحجز فيه غموض بين، لأن فعل التبديد مستقل عن الحجز، وقد تكون الصلة معدومة بين المبدد ومن أوقع الحجز، فرابطة السببية إذن غير مبينة بيانا كافيا”([989]).
ثانيا: تقرير مسئولية المدين المحجوز عليه تجاه الغير
سنشير إلي تقرير مسئولية المحجوز عليه، وطرق الرجوع علي المحجوز عليه، وذلك في النقاط الآتية:
1- تقرير مسئولية المدين المحجوز عليه:
يلاحظ أن المدين قد يرتكب غشا متمثلا في عدم إفصاحه أمام معاون التنفيذ عن ملكية الغير للمال، ومدعيا أنه ماله الخاص، مما يدفع الغير إلى رفع دعوي الاسترداد أو الاستحقاق، حيث يقصد من ذلك الإضرار بالدائن والكيد للغير أو عرقلة التنفيذ ووقفه أكبر فترة ممكنة، مما يوجب الحكم عليه بالتعويض للغير أو للدائن عما أصابه ضرر نتيجة لذلك.
خول المشرع المدين الحق في الاعتراض علي إجراءات التنفيذ سواء أكان اعتراضه مبنيا علي أسباب موضوعية (منازعة موضوعية) أو مبنيا علي أسس وقتية (منازعة وقتية أو إشكال في التنفيذ) فإن المنازعة باعتبارها حقا إجرائيا يجب أن تكون ممارستها مقيدة بالغاية التي شرعت من أجلها وبالتالي عدم التعسف أو الاساءة في استعماله([990])، بما يؤدي إلى عدم الإضرار بالغير، وإلا وجبت مساءلة المدين عن ذلك([991]).
والواقع أنه إذا ما خرج صاحب الحق في المنازعة في التنفيذ عن الحدود المعقولة أو المألوفة في ممارسته قاصدا الاضرار بأحد أطراف التنفيذ، أو بالغير أو مستخدما هذا الحق كوسيلة لأطال اجراءات أطول مدة ممكنة دون مبرر، فيكون الحكم بالتعويض، وذلك لتعسفه في حقه في اللجوء إلى القضاء.
2- طرق الرجوع علي المحجوز عليه.
يمكن للغير التنفيذ بطريق التعويض علي المدين، لاستحالة التنفيذ العيني، وذلك بالرجوع علي المدين، باعتباره أثراً بقدر ما سدد من ديونه علي حساب الغير. ولكن كثير ما لا يجدي الرجوع علي المدين بسبب إعساره.
في الحالة التنفيذ علي عقار تحت يد الحائز، فيمكن له الرجوع علي من تلقي منه الملكية بدعوي ضمان التعرض والاستحقاق بمجرد تسلمه الإنذار بالدفع أو التخلية، ويكون للمحكمة الحق في وقف دعوي الضمان حتي الفصل في دعوي نزع الملكية، وموضوع الضمان هو تعويض الحائز عن كل ما لحقه من ضرر، وليس فقط استرداد الثمن الذي رسا به المزاد، إذ غالبا ما يكون هذا الثمن أقل من قيمة العقار الحقيقية، ويشترط لقبول دعوي الضمان أن يكون انتقال الملكية قد تم بمقابل، وليس عن طريق الهبة أو الوصية ما لم يوجد اتفاق علي عدم الضمان أو ما لم يحصل الاستحقاق بفعل الواهب، ويسقط حق الحائز في الرجوع إذا حصل الاستحقاق بتقصيره كما إذا أهمل في التمسك ببطلان الرهن أو انقضاء الدين.
وللحائز أيضا الرجوع علي المدين بالمبالغ التي دفعها عنه سواء للدائنين مباشرة أو بسبب اتخاذ إجراءات التطهير أو إذا دفع الثمن في حالة رسو المزاد عليه، وذلك بما زاد عما هو مستحق في ذمته بمقتضي سند ملكيته، ويحل الحائز محل الدائنين الذين وفاهم حقوقهم، ويكون الرجوع بموجب دعوي الإثراء بلا سبب([992]).
وإذا تعدد الحائزون لعدة عقارات مرهونة لدين واحد وقام أحدهم بدفع الدين للدائن حل محله، وبموجب قاعدة عدم تجزئة الرهن، يكون للحائز الدي دفع الدين الرجوع علي أي من الحائزين، وإن تم الرجوع عليه، فله أن يرجع بدوره علي غيره من الحائزين وهكذا، وهذه الطريقة مجحفة ومن ثم فللحائز أن يدخل باقي الحائزين في دعوي نزع الملكية، فإن لم يدخلهم ودفع الدين أو نزعت الملكية فيرجع علي كل حائز بنسبة قيمة العقار الحائز له بعد خصم الجزء الذي يخص عقاره.
ثالثًا: مسئولية الغير تجاه أطراف التنفيذ:
من أجل المحافظة علي حقوق الغير، فإن المشرع اعترف للغير بحق الاعتراض علي التنفيذ إذا ما كان ماسا بحقوقه أو بمصالحة أو ضارا بها، فيجب عليه أيضا حينما يمارس هذا الحق ألا يتعسف فيه، وألا يضر بأحد أطراف التنفيذ، أو يعرقل سير إجراءات التنفيذ، وإلا تعرض للمسئولية([993]).
ويختص قاضي التنفيذ بالتعويض عن تعسف الغير في عرقلة سير إجراءات التنفيذ، وذلك إذا رفع الطلب أثناء نظره لمنازعات التنفيذ، وممكن طلب التعويض بدعوي مستقلة ترفع بالإجراءات العادية لرفع الدعوي.
خلاصة الباب الثاني
لقد نص المشرع المصري علي العديد من الضمانات التي تهدف إلى حماية الغير أثناء التنفيذ الجبري، وتتمثل في الآتي:
الضمانة الأولي: حق الغير في الطعن بالتماس إعادة النظر وطلب وقف تنفيذ الحكم، فنلاحظ أن المشرع الفرنسي قد أخذ اتجاها ثابتا في هذا الشأن، فمنذ وقت طويل وحتي الأن مازال يخص الغير بوسيلة طعن في الأحكام وهي اعتراض الغير، أما المشرع المصري، فإن موقفة متردد وليس مستقرا، فتارة يقرر للغير وسيلة خاصة للطعن في الأحكام علي النحو الوارد في القانون الفرنسي، وتارة يلغي هذه الوسيلة ويسمح للغير بالطعن بالتماس إعادة النظر مثله في ذلك مثل الخصوم.
الضمانة الثانية: حق الغير في الإشكال في التنفيذ؛ نص المشرع المصري علي حق الغير في الإشكال في التنفيذ، كما حماه المشرع بوقف التنفيذ أثناء نظر الاشكال سواء كان الوقف بقوة القانون إذا كان اشكالا أولا، أو كان الوقف بحكم القاضي إذا كان اشكالا ثانيا.
الضمانة الثالثة: حق الغير في رفع دعوي الاسترداد والاستحقاق الفرعية، إذا حجزت علي أموال الغير سواء كانت عقارات أو منقولات فله الحق في رفع دعوي استحقاق فرعية أو استرداد للمنقولات المحجوزة، ويرتب علي رفع هذه الدعوي الأخير وقف تنفيذ إلي حين صدور حكم فيها، أم دعوي الاستحقاق الفرعية فلا يقف التنفيذ إلا بحكم من القاضي.
الضمانة الرابعة: حق الغير في الاعتراض علي قائمة شروط البيع، نص المشرع علي أن للغير المنازعة في كل ما يتعلق بإجراءات التنفيذ التي مست حقوقه، الاعتراض علي القائمة طريق يهدف الغير من خلاله إلى التمسك بتعديل شروط البيع وبطلان إجراءات التنفيذ علي العقار لعيب يتعلق بالشكل أو بالموضوع أو الاعتراض عليها لأي سبب آخر، شريطة أن يكون هذا السبب مؤثرا في طريق التنفيذ أو في سيره أو صحته أو بطلانه أو في جوازه أو عدم جوازه.
الضمانة الخامسة: حق الغير في دعوي بطلان حكم إيقاع البيع، للغير أن يطالب في هذه الدعوي الحكم له ببطلان حكم إيقاع البيع([994])، كما لهه الحق في استرداد المال الذي سلب منه إذا كان المشتري سئ النيه، أو الرجوع علي اطراف التنفيذ إذا كان حسن النية.
الضامنة السادسة: حق الغير في التعويض عما صابه من أضرار في مواجهة اطراف التنفيذ.
نتائج البحث
نظرا لأن قيمة أي عمل تقدر بما يترتب عليه من نتائج، فإن ذلك يقتضي أن نختم هذا البحث بتلخيص أهم النتائج التي أمكن التوصل اليها من خلاله، فيمكن الخروج بالعديد من الملاحظات علي دور الغير في التنفيذ الجبري وحمايته، كما يمكننا إبداء التوصيات التي تعالج بعض القصور في نظام الغير في التنفيذ، وذلك علي النحو التالي:
أولاً: ملاحظات علي نظام الغير في التنفيذ الجبري:
- لاحظنا من خلال هذا البحث أن المشرع المصري والمشرع الفرنسي لم يحدد معني الغير في مجال التنفيذ الجبري، وقد حاولنا تحديد معني الغير في التنفيذ ليشمل الآتي:
أ – كل من يلزمه القانون- بسبب صفته أو وظيفته أو علاقته بالخصوم- بالاشتراك في اجراءات خصومة التنفيذ دون أن يكون من طرفي الحق في التنفيذ، فليس له مصلحة شخصية بموضوع الحق المراد اقتضاءه، ولا يعود عليه نفع أو ضرر من التنفيذ.
ب- كذلك يتضمن معني الغير أي شخص اجنبي عن التنفيذ، وقد تدخل في اجراءات التنفيذ بإرادته الخاصة، وذلك دفاعا عن حقوقه، مثل الغير في دعوي الاسترداد ودعوي الاستحقاق.
- ويلاحظ أن المشرع المصري لم يورد نصا عاما لتحديد صاحب الصفة في السند التنفيذي، في مختلف السندات، وإنما شرع نص خاص بالأحكام باعتبارها أهم صور تلك السندات، ويمكن حمله إلى سائر تلك الصور من السندات، حيث نص المشرع بطريقة عامة وغير مباشرة عن الخصم الذي له صفة في طلب تنفيذ الحكم، فقد نصت المادة 181 مرافعات علي أن الصورة التنفيذية للحكم لا تسلم إلا للخصم الذي تعود عليه منفعة من تنفيذ الحكم، وقد اختلف الفقه في تحديد معني المنفعة التي تعود علي الخصم من التنفيذ، فهل يقصد بها المصلحة أو يقصد معني أدق من المصلحة، أما المشرع الفرنسي فقد نص في المادة 465 مرافعات علي أنه ” يمكن لأي من الخصوم استلام نسخة من الحكم مزودة بالصيغة التنفيذية”. كما نصت المادة 1166 مدني فرنسي علي حق الدائن في ممارسة كل الإجراءات التي تمكنه من الحصول علي حقه في مواجه المدين ماعدا ما يمس شخصه..
وتثبت الصفة للمدين في السند التنفيذي، وهو ما يطلق عليه صاحب الصفة السلبية في التنفيذ، وهو الشخص الواجب التنفيذ في مواجهته، كما لاحظنا أن أطراف التنفيذ يندرج فيهم من حل قانونا أو اتفاقا محل أطراف السند التنفيذي، كالخلف والكفيل.
- لقد توصلنا من خلال هذا البحث إلي أن الغير يقوم بدور في اجراءات التنفيذ الجبري، ويتمثل ذلك في الادلاء بمعلومات كما في حالة التقرير بما في الذمة في حجز ما للمدين لدي الغير، وكذلك القيام بدور في المحافظة علي المال، وكذلك المساهمة في تسيير اجراءات التنفيذ الجبري.
- ونلاحظ في هذا البحث أن المشرع المصري والفرنسي شرعوا في حماية للغير أثناء التنفيذ الجبري، ويتمثل ذلك في الآتي:
أ – الحماية الغير في مواجهة السند التنفيذ:
نظم المشرع المصري والمشرع الفرنسي اجراءات طعن الغير علي الحكم القضائي، وذلك كوسيلة ضرورية لحماية حقوق الغير من الاثار الضارة التي تلحق به نتيجة الاحتجاج بالحكم في مواجهته، وذلك بمنع إنتاج الاحكام آثارها في مواجهة الغير. وإذا كان المشرعين المصري والفرنسي قد اهتما بحق الغير في الطعن في الأحكام، إلا أنهما اختلفا في وسيلة هذا الاعتراض، فقد أجاز المشرع الفرنسي للغير الاعتراض علي الحكم بطريق خاص للغير، يسمي هذا الطعن la tiers opposition”، وهذا الطريق جائز لكل شخص توافرت له مصلحة
( م583 مرافعات). أما المشرع المصري فقد مكن الغير من الطعن بالتماس اعادة النظر.
ب – حماية الغير في مواجهة إجراءات التنفيذ:
نظم المشرعين المصري والفرنسي قواعد تهدف الي حماية الغير اثناء اجراءات التنفيذ الجبري، وتتمثل في حق الغير في الاشكال في التنفيذ الجبري، وحقه في رفع دعوي الاسترداد إذا تم الحجز علي منقولات ملك الغير، وحقه في رفع دعوي الاستحقاق إذا حجز علي عقار خاص بالغير، وحقه في الاعتراض علي قائمة شروط البيع، إذا أثر التنفيذ علي العقار بحقوقه، وحق الغير في رفع دعوي بطلان ضد حكم ايقاع البيع.
وإذا كان يجب علي الغير أن يبني منازعته في التنفيذ علي أسباب لاحقه لوجود السند التنفيذي، إلا أنه استثناء من ذلك يجوز للغير أن يستند في منازعته إلى أسباب سابقة علي صدور السند متى كان السند التنفيذي منعدما بالنسبة له. كما يمكن للغير أن يجمع بين الطعن في الحكم بالتماس إعادة النظر وبين رفع الإشكال أمام قاضي التنفيذ، لأنه لا يجد ما يمنع من ذلك قانونا.
كما يمكن للغير مدعي ملكية المنقول المحجوز عليه أو أي حق يتعلق بها، رفع دعوي الاسترداد، ولا ينفي ذلك حقه في رفع إشكال وقتي في التنفيذ، وكذلك جواز الجمع بين الطريقين في وقت واحد، خاصة إذا لم يكن قد رفع دعوي الاسترداد أولا، فيحق له رفع الاشكال ثم رفع دعوي الاسترداد، أو كانت الدعوي قد فقدت آثارها الواقف للتنفيذ.
ونلاحظ في هذا البحث أنه إذا كان القانون اعترف للغير بحماية حقوقه أثناء التنفيذ إلا أنه حمي أطراف التنفيذ أيضًا في مواجهة الغير، ويتمثل ذلك في الآتي:
أ – جواز التنفيذ علي مال مملوك للغير، وذلك في حالتين:
الحالة الأولي: الحجز علي المنقولات المملوكة للغير الموجودة بالعين المؤجرة من أجل دين الاجرة، بشرط عدم علم المؤجر وقت دخول المنقولات العين المؤجرة بملكية الغير لها.
الحالة الثانية: الحجز علي المنقولات المملوكة للغير الموجودة بالفندق، بشرط ألا يكون صاحب الفندق علي علم بملكية الغير لها.
ب – مسئولية الغير في مواجهة اطراف التنفيذ:
إذا قام الغير أثناء التنفيذ بعمل يضر أطراف التنفيذ كان لهم الحق في التعويض في مواجهته، فإذا اخل الغير المحجوز لديه عن الإدلاء بحقيقة التقرير بما في الذمة، فأنه يلتزم بحق الدائن في أمواله الخاصة، وذلك برفع عليه دعوي الإلزام الشخصي، ويلتزم المحجوز لديه بمصاريف الدعوي والتعويض المترتبة علي تقصيره أو تأخيره. كما يجوز لأطراف التنفيذ أن يرفعوا دعوي مسئولية عن الإشكال الكيدي، وذلك طبقا لنص المادة 188 مرافعات، يجوز للقاضي في حالة الإشكال الكيدي أن يحكم بتغريم المستشكل.
ثانيا: الاقتراحات المتعلقة بالبحث:
- في الواقع لم ينص المشرع المصري علي معيار محدد للغير في التنفيذ الجبري، وقد قصر الفقه معني الغير علي من يلزمه القانون بالاشتراك في إجراءات التنفيذ دون أن يكون من طرفي التنفيذ، والواقع أن هذا الرأي قاصر، حيث إن معني الغير يشمل أيضا أي شخص أجنبي عن التنفيذ، وقد تدخل في إجراءات التنفيذ بإرادته الخاصة، وذلك دفاعا عن حقوقه، لذا نقترح أن يكون معيار الغير في التنفيذ الجبري، وبصفة عامة يتحدد الغير بطريقة سلبيه، حيث أنه ليس طرفا في الحق في التنفيذ، ولا تعود عليه فائدة من السند التنفيذي، ولا مسئولا عن الحق الثابت في السند، وقد يكون الغير ملزما بالاشتراك في التنفيذ، وبناء علي ذلك ينقسم الغير في التنفيذ الجبري إلى نوعين: الغير الأجنبي عن التنفيذ، والغير الطرف في الإجراءات.
- يلاحظ أن المشرع المصري لم يورد نصا عاما لتحديد صاحب الصفة في السند التنفيذي، في مختلف السندات، وإنما يوجد نص خاص بالأحكام باعتبارها أهم صور تلك السندات ويمكن حمله إلى سائر تلك الصور الاخرى من السندات.
- ونظرا لما قد يصيب الغير من ضرر نتيجة لحكم لم يكن طرفا فيه تبدو ضرورة حمايته من آثار السند التنفيذي، عن طريق تمكينه من الاعتراض الغير علي الحكم بطريق خاص به، لذا نري ضرورة العود إلى طريق لحماية الغير متمثلا في الاعتراض الخارج عن الخصومة. وضرورة بسط الاعتراض لكل من له مصلحة، ولا يجوز قصره علي بعض الغير وترك الأخرين كما كان منصوصا عليه في المادة 450 مرافعات ملغي. وهذا ما قرره المشرع الفرنسي في قانون المرافعات الجديد، خاصة وأن نص المادة 241 مرافعات يتضمن عيوب
من ناحية الصياغة وعجزها عن الحماية الكاملة للغير، خاصة وأن الطعن بالالتماس لا يكون إلا بالنسبة للأحكام الانتهائية، وهو ما قد لا يكون متحقق
في بعض الحالات، مما يحرم الغير من حماية حقوقه. ونرى أنه من الأفضل أن يقوم المشرع بتحديد أسباب لاعتراض الغير علي السند التنفيذي أكثر
اتساعا. - لم ينص المشرع علي أحكام المسئولية المدنية للحاجز في حالة التنفيذ علي أموال مملوكه للغير، والتالي تطبق القواعد العامة في المسئولية، ونري أنه من الافضل النص علي قواعد خاصة تحكم مسئولية اطراف التنفيذ في حالة الحجز علي مال مملوكه للغير، وجعل الاختصاص بنظر هذه المسئولية لقاضي التنفيذ، ويجب تشديد العقاب علي الدائن خاصة إذا كان سئ النية.
- نظرا لأن طعن الغير في الحكم القضائي لا يوقف التنفيذ إلا إذا طلبه وحكم القاضي بالوقف، ونقترح أن يترتب علي اعتراض الغير علي الحكم، وقف تنفيذ إلا إذا حكم القاضي بالاستمرار في التنفيذ، وذلك تحقيقا لمصلحة الغير، حيث أن فكرة وقف التنفيذ تقوم بدور وقائي ضد مخاطر الخضوع أو استمرار الخضوع لتنفيذ، معرض للإلغاء، وبالتالي ضد مخاطر استحالة إعادة الحال إلى ما كان عليه، فالحل الذي يجب تنظيمه في القانون- وإن لم يوجد فيجب إيجاده وتقنيه- هو حل يجب أن يتضمن خصيتين: أولهما: تمكين الغير من الاعتراض علي التنفيذ، وطلب الغاءه سواء كان التنفيذ علي عقار أو منقول أو تنفيذ عيني أو بطريق الحجز. وثانيهما أن يكون حلا وقائيا يستهدف بصفة أصلية منع التنفيذ القابل للإلغاء من أن يبدأ أو أن يستمر، وبصفة احتياطية منع إتمامه، إذ لا يظهر مخاطر الخضوع لتنفيذ معرض للإلغاء علي نحو حاد إلا عند إتمام هذا التنفيذ عادة، خاصة علي أموال غير مملوكه للمدين، حيث أنه في كثير
من الاحوال يصعب اعادة الحال إلى ما كان عليه، ويكون ذلك عن طريق ترتيب الاثر الواقف للتنفيذ بقوة القانون إذا اعترض الغير علي الحكم القضائي
بطريق التماس إعادة النظر. وهذا أمر منطقي حيث لا يوجد ما يدعو لغير ذلك- ليتبين لنا ما ولقف التنفيذ من وقت رفع الاعتراض من أهمية بالغة وضرورة حتمية في مواجهة ظاهرة حتمية ايضا هي إمكانية التنفيذ رغم قابليته
للإلغاء. - في الواقع نلاحظ أن الحلول التي نص المشرع عليها لحماية الغير بالإضافة إلى كونها جزئية، فإنه ما يعيبها أيضا أنها حلول علاجية أكثر منها وقائية، فدعوي الاستحقاق لا يترتب عليها وقف التنفيذ بقوة القانون. ووقف التنفيذ المترتب علي رفع دعوي الاسترداد، لا تحول مطلقا دون التنفيذ وإتمامه، حيث يمكن الغاء هذا الاثر، فإذا ما تم إلغاءه بعد ذلك وحكم للغير بالملكية، يصعب اصلاح الضرر الذي يصيب الغير، خاصة عندما يترتب علي التنفيذ استحالة إعادة الحال إلى ما كان عليه عينا.
والذي يهمنا إبرازه هو باختصار مدي صلاحية فكرة وقف التنفيذ في ذاتها للوقاية من أضرار الخضوع لتنفيذ بالنسبة للغير، ومدي ملاءمتها للعمل مع طرق التنفيذ المختلفة واسباب الإلغاء المتعددة. إذ يراودنا الأمل في أن نجد في هذه الفكرة الحل المثالي المنشود وهو الذي يجمع بين الشمولية والوقائية, حيث نقترح أن يترتب علي منازعة الغير في التنفيذ، وقف التنفيذ الجبري بقوة القانون بصرف النظر عن طريق التنفيذ، ومع منح القاضي سلطة تقديريه في الحكم بالاستمرار في التنفيذ الجبري إذا كانت مزاعم الغير كايديه، ومع الزامه بالتعويض إن كان له وجه.، وذلك مراعاة لأطراف التنفيذ الجبري.
- والواقع يلاحظ أن الجزاء الذي نصت عليه المادة 312 والذي يتمثل بعدم قبول الاشكال لإصرار الغير علي عدم اختصام المدين الملتزم في السند جوازيا للقاضي، ولم يرتب المشرع كافة النتائج المترتبة علي التعدد الاجباري بالمعني الدقيق، فنري أن ينص المشرع علي أن الجزاء الذي يترتب علي عدم اختصام بعض من يجب اختصامهم ليس عدم القبول، وإنما يجب الحكم بالاستمرار في التنفيذ بناء علي طلب الحاجز.
ولا شك في خطورة الجزاء الذي أورده المشرع عند عدم اختصام أحد الحاجزين خاصة وأنه ليس للغير الوسيلة التي تمكنه أن يتعرف علي كافة الحاجزين، إذ يمكن أن يترتب علي هذا الجزاء أن يستمر التنفيذ، ويتم البيع ثم يتبين بعد ذلك أن المسترد كان علي حق، ولكنه لن يتمكن من استرداد المنقول بعد أن وقع في يد مشتر بالمزاد حسن النية. ( مما يزيد في خطورة المادة 394 مرافعات النص علي عدم الطعن في الحكم الصادر بالاستمرار في التنفيذ، فضلا عن أنه ليس للقاضي سلطة تقديرية في الحكم بالجزاء أو عدم الحكم به، فالحكم هنا وجوبي).
لذلك يجب البحث عن وسيلة قانونية لتلافي مثل هذا الجزاء، ومن المتصور أن يتجه الذهن في هذه الحالة إلى نص المادة 115 مرافعات والتي تعطي للقاضي سلطة تأجيل الدعوي لإعلان ذي الصفة إذا تبين له انتفاء صفه المدعي عليه، ولكن هذا الحل لا يمكن إعماله وقد أتت المادة 394 بجزءا خاص.
- ونلاحظ أن التشريعات الحديثة تتجه إلى مساعدة الدائن في البحث عن أموال المدين، تحت يد أي شخص، وذلك بإجراءات مختصره تحافظ علي حقوق الغير والدائن معا، وتمكين المدين والغير من التظلم من هذه الإجراءات، فنقترح أن ينشئ المشرع نيابة مدنية لمساعد الدائن في تحديد اموال مدينه وتدير إجراءات التنفيذ الجبري وحتي لا يحجز علي أموال مملوكه للغير.
- يلاحظ أن نص المادة 320 مرافعات نصت علي أنه للمعاون سلطة تقدير
في مدي قبول الاشكال لأنه يملك تقدير شروط قبول الاشكال المقدم اليه،
ونري أنه يجب ضبط صياغة هذه المادة بحيث لا تتضمن أي سلطة التقديرية للمعاون. فيجب علي المعاون قبول الاشكال عند الدفع به أمامه أثناء الحجز،
ولا يكون له سلطة تقديريه في ذلك، وذلك لأن هذا من اختصاص قاضي
التنفيذ. - نص قانون المرافعات علي أن الأشكال الذي يثيره الملتزم في السند التنفيذي لأول مره يوقف التنفيذ إذا لم يكون قد اختصم في الأشكال اول المقدم من الغير، وذلك علي أساس سد باب التحايل الذي كشف عنه الواقع العملي، وهذه الضمانة تهدف إلي حماية مصلحة الملتزم في السند التنفيذي، غير أن السند قد يكون الملتزم فيه شخص وينفذ ضد شخص آخر، لذلك يجب تعديل النص بحيث يلغي عبارة الملتزم في السند ويحل محلها عبارة المنفذ ضده دفعا للتواطؤ الذي قد يحدث بين دائن وشخص أخر عن طريق اصطناع خصومة للإضرار بالمنفذ ضده.
يلاحظ أن الحكم الصادر من المحكمة التنفيذ بالاستمرار في التنفيذ في حالة تقديم طلب بالاستمرار في التنفيذ من صاحب المصلحة في حالة رفع دعوي استرداد لا يقبل الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، أما الحكم الصادر برفض الاستمرار في التنفيذ فإنه يقبل الطعن وفقا للقواعد العامة. و نري أن المشرع لم يساوي بين أطراف الدعوي حيث كان من الواجب أن يكون الحكم الصادر من قاضي التنفيذ يقبل الطعن في كافة الحالات، سواء كان صادرا برفض وقف التنفيذ أو بقبول الاستمرار في
التنفيذ.
قائمة المراجع
أولا: المراجعة باللغة العربية:
أ- المؤلفات العامة:
- د/ إبراهيم نجيب سعد، القانون القضائي الخاص، ج1، منشأة المعارف،1973.
- د/ أحمد أبو الوفا:
- إجراءات التنفيذ بمقتضي قانون أصول المحاكمات اللبناني الجديد، ط3، مكتبة المعارف الحديثة، 1986.
- إجراءات التنفيذ، منشأة المعارف، ط8، 1982.
- المرافعات المدنية والتجارية، منشأة المعارف، ط14، 1986.
- د/ أحمد السيد صاوي، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، 2000.
- د/ احمد السيد صاوي، د/ اسامة أحمد شوقي المليجي، الإجراءات المدنية للتنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، 2001.
- د/ أحمد خليل، التنفيذ الجبري، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002.
- د/ أحمد ماهر زغلول، أصول التنفيذ الجبري، 2002، دار النهضة
العربية. - د/ أحمد مليجي:
- التنفيذ، دار النهضة العربية، دار النهضة العربية، 1994، ص 162.
- الموسوعة الشاملة في التنفيذ، ط5، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2008
- الموسوعة الشاملة في التعليق علي قانون المرافعات، طبعة نادي القضاة، 2002
- د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، دار المطبوعات الجامعية، 1999.
- د/ أمينة النمر:
- أحكام التنفيذ الجبري وطرقه، منشأة المعارف، ط2، 1971.
- قوانين المرافعات، الكتاب الثالث، منشأة المعارف، بدون سنة نشر.
- أنور طلبة، موسوعة المرافعات المدنية والتجارية، دار الكتب القانونية، ج6، 1999.
- د/ رمزي سيف:
- الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، ط9، دار النهضة العربية، 1970.
- قواعد تنفيذ الاحكام والعقود الرسمية في قانون المرافعات الجديد، ط9، مطبعة دار نشر الثقافة، 1990
- د/ سليمان مرقس، شرح القانون المدني، ج1، الالتزامات، 1964
- د/ سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، دار الفكر والقانون، 2004.
- د/ سيد أحمد محمود، ود/ يوسف يوسف أبو زيد، التقاضي بقضية وبدون قضية في المواد المدنية والتجارية، 2009، بدون دار نشر.
- د/ طلعت محمد دويدار، طرق التنفيذ القضائي، منشأة المعارف، 1994.
- د/ عاشور مبروك:
- الوسيط في التنفيذ، دار النهضة العربية، 2004.
- الوسيط في قانون القضاء المصري، مكتبة الجلاء بالمنصورة، ط2، 2000.
- د/عبد الباسط جميعي، د/ امال الفزايري، التنفيذ في المواد المدنية والتجارية، منشأة المعارف، 1991.
- د/ عبد الحميد أبو هيف، المرافعات المدنية والتجارية والنظام القضائي في مصر، المجموعة الثانية، ط2، مطبعة الاعتماد، القاهرة، 1921.
- د/ عبد العزيز خليل بديوي، الوجيز في قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري والتحفظي في قانون المرافعات، ط1، 1973.
- د/ عبد الرازق السنهوري:
- الوسيط في شرح القانون المدني، 1، مصادر الالتزام، 1964
- الوجيز في شرح القانون المدني، ج1، 1966.
- الوسيط في شرح القانون المدني، ج2، الإثبات، ط 1982.
- د/ عبد المنعم البدراوي:
- النظرية العامة للالتزامات، ج2، 1968.
- الوجيز في المرافعات المدنية والتجارية، مكتبة النهضة المصرية، 1954، ص 465.
- د/ عبد حميد أبو هيف، طرق التنفيذ، ط 1923.
- عز الدين الدناصوري، حامد عكاز، التعليق علي قانون المرافعات، ط11، بدون دار نشر، بدون سنة نشر.
- د/ عزمي عبد الفتاح:
- قانون القضاء المدني المصري، دار النهضة العربية، ط5، 1995.
- قواعد التنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، 2001
- د/ عيد محمد القصاص، أصول التنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، 1999.
- د/ فتحي والي:
- التنفيذ الجبري، مطبعة جامعة القاهرة، 1993
- الوسيط في قانون القضاء المدني، مطبعة جامعة القاهرة، 1999.
- د/ محمد حامد فهمي، المرافعات المدنية والتجارية، مطبعة فتح الله إلياس وأولاده، 1940.
- د/ محمد عبد الخالق عمر، مبادئ التنفيذ، دار النهضة العربية، ط4، 1978.
- د/ محمد محمود فهمي، تنفيذ الأحكام والسندات التنفيذية والحجوزات التحفظية، ط3، دار النشر للجامعات المصرية.
- د/ محمد علي راتب، محمد نصر الدين، محمد فاروق راتب، قضاء الأمور المستعجلة، ط4، عالم الكتاب، 1976.
- د/ محمود هاشم، قواعد التنفيذ الجبري، 1991. بدون دار نشر.
- د/ نبيل إسماعيل عمر، التنفيذ الجبري، دار الجامعة الجديدة، 2004.
- د/ وجدي راغب:
- النظرية العامة للتنفيذ القضائي، ط2، 1973، بدون دار نشر.
- مبادئ القضاء المدني، دار النهضة العربية، 2001.
ب- المراجع المتخصصة والرسائل:
- د/ إبراهيم أمين النفياوي، مسئولية الخصم عن الإجراءات، رسالة، جامعة عين شمس، 1987، ص 282.
- د/ أحمد أبو الوفا، نظرية الأحكام فى قانون المرافعات، ط4، منشأة المعارف، 1980
- د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، دار النهضة العربية، بدون سنة نشر.
- د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، دار الجامعة الجديدة، 2000.
- د/ أحمد ماهر زغلول، دعوي الضمان الفرعية، ط2، 1986.
- د/ بشندي عبدالعظيم أحمد، حماية الغير في قانون مرافعات، رسالة، القاهرة، 1990.
- د/ عبد الباسط جميعي، طرق وإشكالات التنفيذ، دار الفكر العربي، 1974.
- د/ عبد الحميد الشواربي، حجية الأحكام المدنية والجنائية، منشأة المعارف، 1986، ص 148.
- د/ عبد الحكم أحمد شرف، نطاق دعوي استرداد المنقولات المحجوزة وآثارها، ط1، 1987، ص 40 وما بعدها.
- د/عبد المنعم حسني، منازعات التنفيذ، 1969، بدون دار نشر.
- د/ عزمي عبد الفتاح حسن، قاضي التنفيذ، رسالة دكتوراه عين شمس، 1979.
- د/ عبد الباسط جميعي، الإساءة في التقاضي وفي التنفيذ، خلاصة محاضرات ألقاها في مصر علي طلبة دبلوم القانون الخاص، دبلوم القانون المقارن، كلية الحقوق جامعة عين شمس، 1978، 1979، من ص26.
- عز الدين الدناصوري وحامد عكاز، القضاء المستعجل وقضاء التنفيذ في ضوء الفقه والقضاء، ط5، 1997.
- عبد العاطي الطحاوي، حقوق المواطن في مواجهة الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء، مقال بجريدة الأهرام اليومية الصادر في 10/3/1995
- د/ عبد المنعم الشرقاوي، اعتراض الخارج عن الخصومة علي الحكم الصادر فيها، مجلة القانون والاقتصاد، س 19، العددان الأول والثاني، مارس و يونيه 1949، بند 26، ص 192.
- م/ محمود محمود الطناحي، دعوي استرداد المنقولات المحجوز عليها، دار الفكر والقانون، 2008.
- محمود مصطفي عثمان يونس، النظام القانوني للحجز التحفظي، دارسة تأصيلية مقارنة، رسالة جامعة القاهرة، 1992، ص 705.
- مصطفي مجدي هرجه، منازعات التنفيذ الوقتية، دار الثقافة، ط2، 1983، ص 731
- د/ نبيل إسماعيل عمر:
- الطعن بالاستئناف وإجراءاته، منشأة المعارف، 2008.
- الوسيط في الطعن بالتماس إعادة النظر، دار الجامعة الجديدة، 2000.
- إشكالات التنفيذ الجبري، دار الجامعة الجديد، 2000.
- دعوي الاسترداد، منشاة المعارف، 1983.
ثانيا: المراجع باللغة الفرنسية:
أ- المؤلفات العامة:
- Aubry et Rau, Cours de droit civil français, T, XII, 5 ed, Paris, 1922.
- Beudant Ch., le droit civile français, T 10, 5 ed.
- Bonnier, traite théorique et pratique des preuves en droit civile et criminel, t2, 3e éd., paris, 1862.
- Bonnecase J. et M. Larborde, lacost, précis élémentaire de procédure civile et voies d’exécution, siry, 1932.
- Boitard, leçons de procédure civile, paris, 1890.
- Carre G. et Chauveau A, Lois procédure civile et commercial, t3, et 4, 5ed, 1880.
- Debbasch Charels , Procedure administrative contentieuse et procedure civile, 1962, n° 144.
- Garsonnet E et Cezar-Bru CH, traite théorique et pratique de procédure civile et commerciale, 9 col, 3 ed, siry, 1912, t. 6, n° 545 p. 907.
- GARSONNET E et DESS ERTEUX M., traite de procedure civile et commercial, dijon, 1926, T 3.
- Glasson E, tissier A, et morel R, traite théorique et pratique de l’organisation judiciaire, de compétence et de procédure civile, 3ed, sirey, 1925-1036, t3.
- GUINCHARD S. et MOUSSA T., droit et pratique des voies d’exécution, D. 2004.
- Laurent, principes de droit civile français, T, XX, 3 ed., Paris, 1878.
- Perrot R., Cours de droit judiciaire prive, fasc. 2, paris, p. 733.
- Perrot R. et thery, saisie attribution, la situation du tiers saisi, D. 2001, chron, 714.
- Tiddeier, note au Rev. Trim. Civ. 1906, p. 644.
- Vincent J., voies d’exécution et procédures de distribution, D., 19 éd, 1999.
- Vincent J.et j. PREVAULT, voies d’exécution et procédures de distribution, 17 éd., D., 1993.
- Vincent J. et s. Guinchard, procédure civile, D., 26 éd., 2001.
ب- المراجع المتخصصة والرسائل:
- Chevet M, de la représentation en justice (droit romain) des personnes qui peuvent intervenir ou former tierce opposition, thèse paris, 1892.
- CUNNY G., des tiers, thèse Nancy, 1889, p. 20,
- Constantin Melinesco, Etude sur l’autorité de la chose jugée en matière civile, these, Paris, 1913, p. 106.
- Costes M, de la protection des droit de tiers spécialement devant le juge de referee, RTD, civ, 1924.
- Coutant R., des créanciers chirographaires considères comme tiers, thèse Paris, 1906.
- Dedessus-le-Moustier, l obligation de renseignement du tiers saisi dans la saisie attribution, JCP, 1998.
- FRICERO N., “tierce opposition”, ency. D. Rep. proc. Civ., 2e ed. T. 3.
- Foyer J., De l’autorité de la chose juge en matière civile essai de l’une définition, thèse, 1954.
- Griolet, L’autorité de la chose jugée en matière civile et en matière criminelle, Paris.
- Lacoste paul, De la chose jugee en matrière civile, criminelle et administrative, 3e ed., sirey, 1914.
- Madec P.D., L’autorité de la juge jugée et l’assureur en matière civile, thèse Rennes 1976.
- M. AUSSEL J., essai sur la notion de tiers en droit civile français, thèse Montpellier, 1951.
- MOTULSKY H., Le droit naturel dans la pratique jurisprudentielle, le respect des droits de la défense, mélanges ROUBIER, 1961, T2.
- Perrot Roger, “Autorité de la chose jugée au civile sur le civil”, Juris classeur de procedure civile, fasc. A.C. proc.
- ROLIN, chose jugée et tierce opposition, these., 2011.
- Rrolond H., «chose jugée et tiers opposition», thèse Lyon, LGDJ, 1958.
- Tissier A., théorie et pratique de la tierce opposition, thèse paris, 1889.
- Tostivint R, «de la tiers opposition aux décision émanant des tribunaux ordinaires», thèse, Rennes, 1905.
- VIDAL J., essai d’une théorie générale de la fraude en droit français, D., 1957, préface G. marty.
- Zarzycki J., De la demande en justice, Thèse, Caen, 1937.
[1] نصت المادة 118 مرافعات مصري والمادة 332 مرافعات فرنسي، علي أن للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من تري إدخاله لمصلحة العدالة أو لإظهار الحقيقة.
[2] S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, D. 2004, n° 100, 31, Cass. 2 civ. 21 janvier 1996, Bull. civ., 11, n° 24, p. 15.
[3] د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، دار المطبوعات الجامعية، 1999، ص238.
[4] د/ عزمي عبد الفتاح، قواعد التنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، 2001، ص 152.
[5] Lacoste paul, De la chose jugee en matrière civile, criminelle et administrative, 3e ed., sirey, 1914, n° 471, Bonnier, traite théorique et pratique des preuves en droit civile et criminel, t2, 3e éd., paris, 1862, n° 877, Constantin Melinesco, Etude sur l’autorité de la chose jugée en matière civile, thèse, Paris, 1913, p. 106, Roger Perrot, “Autorité de la chose jugée au civile sur le civil”, Juris classeur de procédure civile, fasc. A.C. proc. Civ., art. 116-148, t 3, Paris, 1955, n° 128.
[6] د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، دار النهضة العربية، بدون سنة نشر، ص 11.
[7] الإشارة السابقة، ص 131.
[8] Charels Debbasch, Procedure administrative contentieuse et procedure civile, 1962, n° 144.
[9] المواد من 393 الي 397 مرافعات مصري (دعوي الاسترداد) والمواد من 454 الي 457 مرافعات مصري ( دعوي الاستحقاق) .
[10] د/ بشندي عبدالعظيم أحمد، حماية الغير في قانون ال بشندي مرافعات، رسالة، القاهرة، 1990، ص8.
[11] د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، ص122.
[12] د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، ص15.
[13] د/ أحمد خليل، التنفيذ الجبري، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002، ص217.
[14] د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، دار الجامعة الجديدة، 2000، ص23.
[15] S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 100,31, Cass. 2e civ. 21 janvier 1996, op cit., 11, n° 24, p. 15.
[16] Id. 141.
[17] حدد المشرع المصري انواع السندات التنفيذ علي سبيل الحصر في المادة 280 مرافعات، والسند التنفيذي يصدر من سلطه مخوله قانونا بإصداره، وهذه السلطة قد تكون القضاء او احد أعضاء السلطة التنفيذية كالموثق. والسندات التنفيذية هي الأحكام والاوامر والمحررات الموثقة ومحاضر الصلح التي تصدق عليها المحاكم أو مجالس الصلح والأوراق الأخري التي يعطيها القانون هذه الصفة.
[18] S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 100.31.
[19] د/ عبد العزيز خليل بديوي، الوجيز في قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري والتحفظي في قانون المرافعات، ط1، 1973، ص40.
S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 111, 31.
[20] د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، المرجع السابق، ص32.
[21] د/ فتحي والي، التنفيذ الجبري، مطبعة جامعة القاهرة، 1993، ص706 رقم 314، د/ وجدي راغب، النظرية العامة للتنفيذ القضائي، ط2، 1973، ص351، د/ أحمد هندي، الإشارة السابقة، ص30.
[22] د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، بند 100.
[23] د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، المرجع السابق، ص29.
[24] S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n°. 111, 21.
[25] تنص المادة 3 مرافعات علي أنه “لا تقبل أي دعوى كما لا يقبل أي طلب أو دفع استناداً لأحكام هذا القانون أو أي قانون أخر، لا يكون لصاحبة فيها مصلحة شخصية ومباشرة وقائمة يقرها القانون. ومع ذلك تكفي المصلحة المحتلة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه”.
[26] د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، بند 94.
[27] نص المشرع في المادة 115 مرافعات علي أنه لا تقبل الدعوي إذا انتفت صفة المدعي عليه، وإن كانت المحكمة في هذه الحالة تؤجل الدعوي لإعلان ذي الصفة. وكذلك توجب المادة 63 مرافعات علي ذكر بيانات المدعي في صحيفة الدعوي ومنها صفته. كما يجب أن يشتمل الحكم طبقا للمادة 178 مرافعات علي صفات الخصوم وإلا كان باطلا. كذلك رتب المشرع علي زوال صفة أحد الخصوم انقطاع الخصومة ( م 130 مرافعات) ، كذلك رتب علي زوال الصفة وقف ميعاد الطعن ( م 216 مرافعات) .
[28] د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، المرجع السابق، ص20، نقض مدني، 25/1/1978، طعن رقم 36، س 47ق، المكتب الفني،ح1، س 29، ص338-343.
[29] د/ أحمد مليجي، التنفيذ، دار النهضة العربية، 1994، ص162.
[30] Cass. Civ. 25 septembre 1940, D. 1943, p. 133. Note Carbonnier.
[31] د/ سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، دار الفكر والقانون، 2004، ص117.
[32] د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، المرجع السابق، ص33.
[33] الإشارة السابقة، ص35.
[34] د/ أحمد خليل، التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص217.
[35] د/ سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص110.
[36] د/ أحمد خليل، التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص216.
[37] يقصد بقاعدة الأثر النسبي للحجز، أنه لا يستفيد من إجراءات وأثار الحجز إلا من كان طرفا فيها.
[38] عز الدين الدناصوري وحامد عكاز، القضاء المستعجل وقضاء التنفيذ في ضور الفقه والقضاء، ط5، 1997، ص907.
S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 100, 31, Cass. 2 civ. 21 janvier 1996, op cit., 11, n° 24, p. 15.
[39] د/ سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص112.
[40] د/ عزمي عبد الفتاح، قواعد التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص142.
[41] د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، دار المطبوعات الجامعية، 1999، ص229.
[42] د/ أحمد خليل، التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص216.
[43] د/ أحمد مليجي، التنفيذ، دار النهضة العربية، 1994، ص162.
[44] د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، ص16.
[45] Roger Perrot, “Autorité de la chose jugée au civile sur le civil”, op. cit., no 138. S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 141, 19.
[46] نقض مدني، 20 مارس 1961، مج النقض، 12-300-43، نقض مدني، 6 مايو 1964، مج نقض، 15-437-1.
Cass. Civ., 11 decembre 1928, DH, 29,1,51, Cass., 5 juin, 1931, S. 31,1, 333.
[47] J. Zarzycki, De la demande en justice, Thèse, Caen, 1937, p. 51, Griolet, L’autorité de la chose jugée en matière civile et en matière criminelle, Paris, p. 157.
علي أنه إذا انتقل هذا الحق الموضوعي لغير صاحب الصفة الأصلية، انتقل معه الحق في التنفيذ، أي أن طالب التنفيذ قد يكون هو الدائن صاحب الحق في السند، وقد تمتد هذه الصفة إلى غير الدائن، حيث يمكن أن تمتد إلى خلفه، أو دائنة.
[48] نقض مدني، 22 مارس 1945، مجموعة عمر، ج 4، ص593.
[49] د/ عبد العزيز خليل بديوي، الوجيز في قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري والتحفظي في قانون المرافعات، المرجع السابق، ص40.
[50] د/ أحمد ابو الوفا، إجراءات التنفيذ بمقتضي قانون أصول المحاكمات اللبناني الجديد، ط3،،مكتبة المعارف الحديثة، 1986، ص143.
[51] د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، المرجع السابق، 229.
[52] د/ وجدي راغب، النظرية العامة للتنفيذ القضائي، المرجع السابق، ص262.
[53] د/ عبد الباسط جميعي، د/ امال الفزايري، التنفيذ في المواد المدنية والتجارية، منشأة المعارف، 1991، ص47، د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص229.
[54] د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص229.
[55] S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 100,31, Cass. 2 civ. 21 janvier 1996, op cit., 11, n° 24, p. 15.
[56] د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، المرجع السابق، 229.
[57] سواء كان شخصا اعتباريا عاما أم خاصا وطنيا أم أجنبيا، ولكن ممثل الشخص الاعتباري د/ سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص118. هو من يقوم باتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري. فليس بلازم أن يطلب هذا الدائن التنفيذ باسمه، وإنما يمكن أن يطلب التنفيذ نائبا عنه S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 141, 19.، فله صفة في التقاضي، وبالتالي فطلب التنفيذ قد يصدر عن الدائن شخصيا باسمه، وقد يصدر عن نائبه باسم الدائن ولمصلحته، أي أن الصفة في التنفيذ تثبت لنائب الدائن J. Vincent, voies d’exécution et procédures de distribution, D., 19 éd, 1999, p. 61, no 81. ولو لم يكن محاميا د/ أحمد هندي، ود/ أحمد خليل، قانون التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص230.، سواء كان نائبا قضائيا(الوصي والقيم) أو نائبا قانونيا (الولي) أو نائبا اتفاقيا (الوكيل) .د/ أحمد هندي، الصفة في التنفيذ، المرجع السابق، ص45.
[58] S. GUINCHARD et T. MOUSSA, droit et pratique des voies d’exécution, op. cit., n° 111,21.
[59] د/ سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، المرجع السابق، ص118. فالمادة 87 مرافعات تقرر أن للنيابة العامة رفع الدعاوي في الحالات التي ينص عليها القانون، ويكون لها في هذه الحالات ما للخصوم من حقوق، وبالتالي فاذا رفعت النيابة الدعوي في الحالة من تلك الحالات وصدر لمصلحتها الحكم فإن لها أن تطلب تنفيذه، ومن أمثال تلك الحالات دعوي الحسبة، التي ترفعها النيابة العامة في مسائل الأحوال الشخصية.
[60] يثار التساؤل عن مدي حجية الحكم الصادر ضد أحد الدائنين في مواجهة باقي الدائنين. ذهب الفقه المصري إلى أن التضامن بين الدائنين فيما ينفع لا فيما يضر (انظر في ذلك د/ أحمد السيد صاوي، أثر الأحكام بالنسبة للغير، المرجع السابق، ص66) ، فإذا صدر حكم لصالح أحدهم فالجميع يستفيد منه، أما الحكم الذي يضر الدائن، فلا يحوز حجية في مواجهة باقي الدائنين
(د/ عبد الرازق السنهوري، الوجيز في شرح القان


