( دراسة مقارنة )

الباحث

د. عصام سعيد عبد احمد

المستخلص

نسعى في رسالتنا الموسومة (الرقابة على دستورية القوانين – دراسة مقارنة -) إلى بيان وتحليل الرقابة الدستورية من كافة جوانبها القانونية والسياسية النظرية والعملية لإعطاء صورة واضحة لها في ظل بعض الدساتير الأجنبية والعربية الحديثة والمعاصرة.

وقد بينا موضوع رسالتنا من عدة جوانب ركزنا من جانب إلى بيان نشأته وتطوره في بعض الأنظمة الدستورية المقارنة وذلك ضمن الفصل التمهيدي الذي أوضحنا فيه أن هذه الرقابة لا تعود في جذورها التاريخية كما يتوهم العديد من الكتاب والفقهاء إلى فرنسا والولايات المتحدة الأميركية بل تعود في اصلها التاريخي إلى العصر الإغريقي القديم والإسلام، ففي العصر الإغريقي عرفت المدن اليونانية القديمة كاثينا واسبارطة التمييز بين القوانين الأساسية الجامدة والقواعد التشريعية الأدنى مما أدى إلى ظهور البذرة الأولى للرقابة بنوعيها القضائي والسياسي لغرض تطبيق القوانين الأساسية السامية في مواجهة هذه القواعد الدنيا، كما عرف الإسلام أيضا باعتباره دين ودولة صورا متعددة من الرقابة سواء كانت غير قضائية أم قضائية حيث انصبت هذه الرقابة بصورة رئيسية على وجوب احترام أحكام المشروعية العليا المتمثلة بالقران الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع وعدم انتهاكها من قبل الاجتهادات والقرارات الفردية الصادرة عن الخلفاء أو الحكام، فضلا عن ذلك إن الرقابة الدستورية ظهرت في العصور الوسطى والحديثة في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ، ففي فرنسا فإنها شهدت منذ وقت مبكر يرجع إلى العصر الملكي القديم التمييز بين القوانين الأساسية للمملكة والمراسيم التشريعية مما أدى في الواقع إلى ظهور الرقابة القضائية التي مارستها محاكم النظام الملكي القديم التي كان يطلق عليها (البرلمانات) لتفرض تطبيق القوانين الأساسية العرفية في مواجهة المراسيم التشريعية اٍ لا أن الدور السيئ الذي لعبته هذه المحاكم في الواقع العلمي كان له أثرا فيما بعد على رجال الثورة الفرنسية الذين اضمروا نتيجة لذلك الضغينة على أسلوب الرقابة القضائية الدستورية ووضعوا العديد من الموانع والعراقيل تجاه التسليم بها مما أدى في الوقت ذاته إلى ظهور هيئات سياسية رقابية بدلا عنها كمجلس الشيوخ المحافظ ومجلس الشيوخ الحامي للدستور واللجنة الدستورية إلا أن هذه الهيئات لم تكن تجسد أية حماية فاعلة للقواعد الدستورية مما أدى إلى ظهور المجلس الدستوري في دستور الجمهورية الخامسة لعام 1958 إلا أن هذا المجلس بدا أيضا في مراحله المبكرة بكونه هيئة سياسية هامشية لا تقوم سوى بحماية القواعد الدستورية الشكلية دون الموضوعية وذلك إلى عام 1971 فمنذ هذا التاريخ بدأَ المجلس يُظهر إرادته الصريحة في حماية الحقوق والحريات الأساسية واضطرد على ذلك خاصة بعد الإصلاح الدستوري لعام 1974 الذي وسع حق الطعن لستين نائبا أو ستين شيخا وهذا ما دفع معظم الفقه الدستوري الفرنسي إلى أن يذهبوا إلى وصفه بانه هيئة قضائية، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد لعبت عوامل عديدة في نشأة الرقابة القضائية فيها والتي تتمثل في أربعة عوامل الأول هو سمو وجمود الدستور الأمريكي لعام 1787 والثاني شكل الدولة الاتحادي والثالث بعض الارا والسوابق التاريخية الممهدة لفكرة الرقابة ومن ابرزها رأي اللورد كوك وحكمه في قضية الدكتور بونهام أما العامل الرابع فيتمثل بدور المحكمة الاتحادية العليا في إرساء مبدأَ الرقابة القضائية والذي بدأ بصورة بارزة منذ القضية المشورة (arbury V. Madison) لعام 1803 التي ارسى دعائمها ومبرراتها رئيس القضاة جون مارشال (SHALL JOHN )، وفي مصر فانه قبل صدور قانون المحكمة العليا لعام 1969 فان الرقابة القضائية عن طريق الدفع وان تم إقرارها من قبل الفقه والقضاء إلا إنها لم تجسد حماية فاعلة للحقوق الدستورية إلى أن صدر القانون الآنف الذكر حيث مارست المحكمة العليا بموجبه دورها في رقابة دستورية القوانين من الناحيتين الشكلية والموضوعية إلا أن المشكلة التي تعلقت بهذه المحكمة إنها لم يتم الاعتراف بها من قبل الدستور مما قد تكون عرضة للتلاعب بمقدراتها من جانب المشرع فضلا عن أن طرق تحريك الرقابة أمامها كانت محصورة بالدفع وهذا ما دفع المشرع الدستوري في دستور 1971 إلى إقرار نوع جديد من الرقابة القضائية بواسطة محكمة دستورية عليا خاصة تتنوع طرق اللجوء أمامها إلا أن هذه المحكمة لم تمارس مهامها إلى بعد صدور قانونها في عام 1979 بحيث قامت بدور كبير في النظام القانوني والسياسي المصري، أما في اتحاد جنوب أفريقيا فان الرقابة القضائية الدستورية بواسطة محكمة دستورية خاصة لم تظهر بصورة رئيسية بموجب دستور 1993 المؤقت ودستور 1996 الدائم إلا كرد فعل ضد التمييز العنصري الذي كان سائدا فيها من قبل، أما في العراق فانه وان شهد من الناحية النظرية في بعض الدساتير ظهور هيئات رقابية على دستورية القوانين كالمحكمة العليا في القانون الأساسي لعام 1925 والمحكمة الدستورية العليا في دستور عام 1968 إلا أن الأولى لم تمارس دورها في حماية الدستور إلا مرة واحدة اقتصرت فيها على حماية القواعد الدستورية الشكلية دون الموضوعية، أما المحكمة الثانية فإنها لم تكن سوى حبرا على ورق فضلا عن ذلك انه على الرغم من أن دستور عام 1970 سكت عن تنظيم الرقابة على دستورية القوانين إلا أن هنالك العديد من العراقيل السياسية وقفت حائلا أمام ممارسة الرقابة القضائية بطريق الدفع، كما انه حتى بعد تنظيم قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 ودستور جمهورية العراق لعام 2005 للمحكمة الاتحادية العليا لتمارس دورها في الرقابة على دستورية القوانين إلا أن هذه المحكمة وقفت عاجزة عن ممارسة هذا الدور الرقابي نظرا لعدم استقرار البلاد من الناحيتين السياسية والقانونية في ظل الاحتلال بحيث يمكن القول بانه حتى الصورة الدستورية والقانونية لهذه المحكمة لم تستقر بعد بشكل تام، وركزنا من جانب أخر إلى بيان الأسس النظرية والمنطقية لمفهوم الرقابة على دستورية القوانين وأنواعها ومبرراتها وذلك ضمن الباب الأول الذي تطرقنا فيه إلى فصلين رئيسيين يتعلق الأول بمفهوم الرقابة على دستورية القوانين وأنواعها والذي قسمناه إلى مبحثين رئيسيين اشرنا في الأول إلى مفهوم الرقابة على دستورية القوانين من حيث تعريفها وتحديد مدلول القطبين الرئيسيين للعملية الرقابية وهما الدستور والتمييز بين دستور الدولة والدولة الدستورية وكذلك القانون الخاضع للرقابة، أما المبحث الثاني فقد اشرنا فيه إلى أنواع الرقابة على دستورية القوانين بتقسيمها إلى نوعين رئيسيين الأول يتعلق بالرقابة غير القضائية على دستورية القوانين التي تتمثل أنواعها الأساسية بالرقابة الشعبية التي تمارس عن طريق الرأَي العام والحق في مقاومة الطغيان وكذلك الرقابة بوساطة هيئة سياسية التي تطرقنا إلى تعريفها وصورها وتقديرها من حيث مزاياها وعيوبها أما النوع الثاني فيشمل الرقابة القضائية على دستورية القوانين والذي أوضحنا فيه مفهومها ونماذجها واهم الدول الدستورية التي لم تأخذ بها بحيث اشرنا إلى أن النماذج الأساسية لهذه الرقابة تتجسد في
ثلاثة نماذج النموذج اللامركزي (النموذج الأمريكي) والنموذج المركزي (النموذج الأوربي) والنموذج المختلط (الأمريكي والأوربي) كما اشرنا إلى اهم الدول التي تعد في الحقيقة خاضعة للدستور إلا أنها لم تأخذ باي نموذج من هذه النماذج الثلاثة للرقابة القضائية وهما بريطانيا وهولندا إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفسر للتقليل من الأهمية الكبيرة للرقابة القضائية الدستورية في إرساء دولة الدستور لان هاتين الدولتين لها ظروفها السياسية والقانونية والقضائية الخاصة التي ساعدت على تقدم الوعي الديمقراطي واحترام الحقوق الأساسية فيها من دون وجود قضاء دستوري بالمعنى الدقيق للكلمة ، كما ركزنا فضلا عن ذلك إلى بيان مبررات الرقابة على دستورية القوانين ضمن اطار الفصل الثاني الذى تطرقنا فيه إلى ثلاثة مباحث رئيسية اشرنا في الأول منه إلى تبرير رقابة الدستورية من خلال مبدأ علو الدستور وذلك في مطلبين يتعلق الأول بمفهوم مبدأ علو الدستور الذي وضحنا فيه بصورة رئيسية وجهي العلو الموضوعي والشكلي ويتعلق المطلب الثاني بعلاقة الرقابة الدستورية بمبدأ علو الدستور الذي وضحنا فيه فرعين اشرنا في الأول منه إلى الرقابة القضائية الدستورية كاثر حتمي لمبدأ علو الدستور واشرنا في الثاني منه إلى أن الرقابة الدستورية وسيلة لتحقيق مبدأَ علو الدستور أما المبحث الثاني فقد أوضحنا فيه تبرير رقابة الدستورية من خلال مبدأَ الفصل بين السلطات ضمن مطلبين يتعلق الأول بالرقابة الدستورية والمفهوم التقليدي لمبدأَ الفصل بين السلطات الذي بينا فيه كيف أن المفهوم التقليدي للفصل الجامد أو الشديد بين السلطات وقف عائقا أمام ممارسة الرقابة الدستورية وخاصة القضائية منها ليأتي المطلب الثاني الذي اشرنا فيه إلى المفهوم الحديث لمبدأَ الفصل بين السلطات المعزز بالفحص والموازنة ليسهل تبرير رقابة الدستورية وعلى راسها الرقابة القضائية باعتبارها أثرا من آثار هذا المبدأَ الحديث للفصل ووسيلة مهمة لحمايته في الوقت ذاته، أما المبحث الثالث فقد تطرقنا فيه إلى تبرير رقابة الدستورية من خلال مبدأ احترام الحقوق والحريات الأساسية والمبدأَ الديمقراطي ضمن مطلبين اشرنا في الأول إلى تبرير الرقابة من خلال مبدأ احترام الحقوق والحريات الأساسية الذي أوضحنا فيه بان الرقابة القضائية الدستورية تعد من ابرز الوسائل الفاعلة لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية خاصة وان طريقة تحريكها لا تقتصر على السلطات السياسية كما هو الحال في الرقابة بوساطة هيئة سياسية بل تمتد أيضا إلى السماح للأفراد بتقديم الطعون الدستورية، أما المطلب الثاني فقد تطرقنا فيه إلى تبرير رقابة الدستورية من خلال المبدأ الديمقراطي ضمن مطلبين اشرنا في الأول إلى رقابة الدستورية والمفهوم التقليدي للديمقراطية الذي أوضحنا فيه كيف أن فكرة الديمقراطية الصرفة أو حتى التمثيلية وقفت عائقا أمام تبرير الرقابة القضائية ليأتي المطلب الثاني الذى اشرنا فيه إلى المفهوم الحديث للديمقراطية الدستورية الذي برر الرقابة القضائية الدستورية بسهولة باعتبارها اثر لهذه الديمقراطية ذات الطابع الدستوري البحت ووسيلة لحمايتها في الوقت ذاته.

كما ركزنا على الدراسة المقارنة في البابين الثاني والثالث في بعض الأنظمة الدستورية وهي فرنسا (المجلس الدستوري الفرنسي) ، والولايات المتحدة الأمريكية (المحكمة الاتحادية العليا للولايات المتحدة)، ومصر (المحكمة الدستورية العليا)، واتحاد جنوب أفريقيا (المحكمة الدستورية)، والعراق (المحكمة الاتحادية العليا)، حيث أوضحنا في الباب الثاني تكوين الهيئة المختصة بالرقابة الدستورية وضمانات أعضائها واختصاصها الرقابي وذلك في فصلين رئيسيين يتعلق الفصل الأول بتكوين الهيئة المختصة بالرقابة الدستورية وضمانات أعضائها الذي أوضحنا فيه تكوين الهيئة الرقابية المختصة من حيث عدد أعضائها وكيفية اختيارهم ومدة ولايتهم والضمانات الدستورية والقانونية التي يتمتعون بها وتأثير كل ذلك على مدى ممارسة الهيئة الرقابية لاختصاصها الرقابي باستقلال وتجرد، أما الفصل الثاني فقد اشرنا فيه إلى الاختصاص الرقابي على الدستورية للهيئات الرقابية في الدول محل الدراسة الذى بينا فيه الاختصاص النوعي للرقابة أي محل الرقابة الدستورية
(التشريعات الخاضعة لرقابة الدستورية).

كما ركزنا في الباب الثالث على الطرق والإجراءات المتبعة أمام الهيئة الرقابية والأحكام الصادرة منها وأوجه وقيود الرقابة على دستورية القوانين في الدول محل الدراسة وذلك ضمن ثلاثة فصول رئيسية يتعلق الفصل الأول بالطرق والإجراءات المتبعة أمام الهيئة الرقابية وذلك ضمن مبحثين أوضحنا في الأول طرق تحريك الرقابة الدستورية أمام الهيئة الرقابية وأوضحنا في المبحث الثاني الإجراءات المتبعة أمام الهيئة الرقابية، أما الفصل الثاني فقد تطرقنا فيه إلى الأحكام والقرارات الصادرة عن الهيئة الرقابية المختصة واشرنا فيه إلى مبحثين يتعلق الأول بالأثر المترتب على الحكم الصادر بعدم الدستورية والمدى الزمني لسريانه أَي هل يسرى الحكم بعدم الدستورية باثر مباشر أو مستقبلي أم باثر فوري؟
أما المبحث الثاني فقد اشرنا فيه إلى حجية الحكم أو القرار الصادر من الهيئة المختصة بالرقابة الدستورية ومدى إمكانية الطعن فيه والذي أوضحنا فيه الإجابة على السؤال الذي مفاده هل أن الأحكام والقرارات الصادرة تتمتع بحجية مطلقة في مواجهة الكافة أم تتمتع بحجية نسبية تقتصر على اطراف الدعوى الدستورية فضلا عن مدى إمكانية اطراف الدعوى بالطعن في الأحكام والقرارات الصادرة من الهيئة الرقابية، أما الفصل الثالث فقد تطرقنا فيه إلى أوجه وقيود الرقابة على دستورية القوانين وذلك ضمن مبحثين رئيسيين يتعلق المبحث الأول بأوجه الرقابة على دستورية القوانين الذى أوضحنا فيه عيوب عدم الدستورية التي يستند عليها الطاعن لتسبيب طعنه فضلا عن استناد الهيئة الرقابية عليها للحكم بعدم دستورية القوانين لذا فقد قسمنا هذه الأوجه والعيوب، التي اذا ما أصابت القاعدة التشريعية المطعون فيها تجعلها غير دستورية، إلى مطلبين يتعلق المطلب الأول بأوجه عدم الدستورية الخارجية الذي يشمل عيب عدم الاختصاص وعيب الشكل والإجراءات، أما المطلب الثاني فيتعلق بأوجه عدم الدستورية الداخلية الذي يشمل عيب السبب وعيب المحل وعيب الغرض والانحراف التشريعي، ثم أوضحنا بعد ذلك قيود الرقابة على دستورية القوانين ضمن المبحث الثاني الذى بينا فيه أن الهيئة المختصة بالرقابة الدستورية لا يمكن أن تمارس هذه الرقابة بإفراط أو بدون قيود كما بينا أن هذه القيود لا بد أن يكون لها حدود تقف عندها حتى لا تفقد الرقابة الغرض المرجو منها عند التفريط فيها، وقد قسمنا هذه القيود إلى
خمسة مطالب أوضحنا في المطلب الأول بان الرقابة تيم في اطار القواعد الدستورية ومشكلة ما فوق الدستورية واشرنا في المطلب الثاني إلى أن قرينة الدستورية تكون لمصلحة التشريع وبينا في المطلب الثالث عدم امتداد الرقابة إلى ملاءمة التشريع، وتطرقنا في المطلب الرابع إلى تقييد الهيئة الرقابية باعتبارات الأمن القانوني في المجتمع أما في المطلب الخامس فقد
أوضحنا عدم امتداد الرقابة الدستورية إلى أعمال السيادة.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading