بين الأحادية والازدواجية

دكتور/ أبو جعفر عمر المنصوري

عميد كلية القانون  جامعة الفاتح

مقدمة

القضاء سلطة من السلطات العامة التي ينص عليها الدستور وينظم وجودها واختصاصاتها وأصول المحاكمة لديها بموجب القوانين.

وتنشأ المحاكم والمجالس والهيئات واللجان والأجهزة القضائية لتطبيق القواعد النافذة والمعمول بها والتي تتميز بصفة أساسية وجوهرية بالعمومية والمساواة.

فالدولة القائمة على الشرعية الدستورية تجعل من التشريع مصدراً واحداً موحداً لتحديد وإعلان حقوق المواطنين وواجباتهم بصورة عامة، دون أي تفرقة أو تمييز.

والقضاء هو السلطة المولجة تطبيق القانون باستقلال تجاه السلطات الأخرى إلا بحدود ما يقيده الدستور بوجه صريح.

والقضاء وظيفة من وظائف الدولة ومظهراً من مظاهر سيادتها فإليها يرجع أمر حل الخلافات التي تنشأ بين الأفراد، وهي المسؤولة عن حماية حقوقهم ضماناً للأمن وسلامة الناس في أبدانهم وأموالهم ولهذه الغاية أنشئت المحاكم وعهد إليها بتولي الفصل في المنازعات.

فإذا كان إنشاء المحاكم أمر ضروري فإنه لا بد من تحديد أنواع هذه المحاكم واختصاصاتها وكيفية تصريف القضايا بها وعدد كل واحدة منها مع تحديد اختصاصاتها الترابية.

كما يتعين توضيح كيفية اللجوء إلى هذه المحاكم وكذا القواعد التي يجب إتباعها وكيفية تسيير الدعوى وتحديد اختصاصات كل العاملين بهذه المحاكم.

فأمر تحديد ذلك ورسم سلطات واختصاصات كل ذلك هو ما يعرف بالتنظيم القضائي.

وتكمن أهمية موضوع التنظيم القضائي في ضرورة الإلمام بحاصل التطورات الراهنة التي مست العديد من القوانين ذات العلاقة بقواعد التنظيم القضائي، وذلك بالنظر إلى مختلف المحطات التي مر بها، ومن ثمة إعطاء صورة شاملة لمختلف أجهزة ومؤسسات المنظومة القضائية كذا وعن طرق دراسة استشرافية محاولة التطلع إلى آفاق وتوجهات التنظيم القضائي في دول اتحاد المغرب العربي على ضوء هذه المستجدات.

لا بد لكل تنظيم قضائي يراد به تحقيق العدالة أن يرتكز على قواعد معينة تعتبر حد أدنى لضمان فعالية وضمان إحقاق الحق وإشعار الناس بمساواتهم أمام القانون وبثقتهم بمصداقية، بالإضافة إلى وجوب تسهيل اللجوء إليه مع تبسيط القواعد والإجراءات ومن هذه المبادئ استقلال القضاء، مجانية القضاء، تعدد درجات التقاضي، علانية الجلسات، ثم تعدد القضاة([1]).

ويشتمل النظام القضائي في إطار الرقابة القضائية على الأعمال والتصرفات الناجمة عن الأفراد والإدارة على نموذجين من الأنظمة هما القضاء الموحد والقضاء المزدوج، ويختلف الهيكل التنظيمي لكل نوع عن غيره.

ويمكن تقسيم هذه الدراسة كالتالي:

المبحث الأول: مبادئ تنظيم القضاء.

المبحث الثاني: التنظيم القضائي بين الأحادية والازدواجية.

المبحث الثالث: التطبيقات التشريعية لنظامي القضاء الموحد والقضاء المزدوج في دول اتحاد المغرب العربي.

 

المبحث الأول

مبادئ تنظيم القضاء

  1. مبدأ استقلال القضاء:

استقلال القضاء هدف خالد يسعى لتحقيق العدالة في المجتمع، نادت به المجتمعات والشعوب الحرة، التي وقفت بوجه الاستبداد والطغيان، لتشيد بدلاً من الأنظمة الشمولية مؤسسات القانون، فأصبحت العدالة صِنوَ القضاء المستقل الذي اقترن بها، وعند التأمل في النظام الدستوري والقانوني لأي دولة في العالم المتحضر، نجدها تجتمع وتلتئم على مبدأ “استقلال القضاء”، وتتباهى به، وأضحى مبدأ دستورياً وحقاً أصيلاً يرتبط بحماية حقوق الإنسان، حتى الدول ذات الأنظمة الشمولية، أصبحت تنادي به دفعاً للاستذكار الدولي.

ويشمل هذا المبدأ جانبين أولهما توفير الاستقلال للقضاة كأشخاص وعدم وضعهم تحت رهبة أي سلطة من السلطات الحاكمة وأن يكون خضوعهم لسلطان القانون فقط، وثانيهما: استقلال سلطة القضاء كسلطة وكيان عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعدم السماح لأي جهة بإعطاء أوامر أو تعليمات أو اقتراحات للسلطة

القضائية تتعلق بتنظيم السلطة([2])، كما يعني عدم المساس بالاختصاص الأصلي للقضاء، وهو الفصل في المنازعات بتحويل الاختصاص في الفصل لجهات أخرى كالمحاكم الاستثنائية، أو المجالس التشريعية أو إعطاء صلاحيات القضاء إلى الإدارات التنفيذية، كذلك باعتبار القضاء سلطة وليس وظيفة.

وهناك ارتباط وثيق بين استقلال القضاء وسيادة القانون، لأن عدم خضوع القضاة فيما يصدرونه من أحكام لأي سلطة أخرى، وحصانتهم في مواجهة أي نوع من الضغوط، وتقيدهم بما تمليه عليهم ضمائرهم في تطبيق المقتضيات القانونية، هو الضمانة الأساسية لترجمة مبدأ سيادة القانون على أرض الواقع([3]).

وبعبارة أخرى فإن إعمال مبدأ سيادة القانون يبقى رهيناً بخضوع العمل القضائي لأحكام القانون وحدها، في جميع القضايا التي تعرض عليه للبت فيها([4]).

يتطلب تعزيز مبدأ استقلال القضاء عدد من الضمانات والحصانات التي تهدف لتحقيق الاستقلال بمفهوميه الشخصي والعضوي، على الرغم من الفروق الواضحة بين أغلب الدساتير في انتهاجها لنظام الحكم والأبواب الأخرى، إلا أننا نجد أنها نادراً ما تختلف اختلافاً جوهرياً في تنظيمها لضمانات وكفالة احترام السلطة القضائية([5]).

وللقول بوجود استقلال حقيقي للقضاء يجمع الفقه والقضاء على توافر ثلاثة أمور تمثل في مجموعها الحد الأدنى للقول بوجود استقلال كامل للقضاء في أي دولة، وأولها مبدأ الفصل بين السلطات، وثاني الأركان مبدأ عدم عزل القضاة، وآخرها الاستقلال الفني والمالي والإداري.

وقد نصت المادة الأولى من اتفاقية التنظيم القضائي الموحد بين دول اتحاد المغرب العربي على أن “القضاء مستقل، ولا سلطان على القضاة في قضائهم لغير الضمير والقانون”.

  1. مبدأ تعدد درجات التقاضي:

يعد هذا المبدأ أحد أهم الضمانات الدستورية لتحقيق العدالة، ويقصد به إتاحة الفرصة للمتقاضين بعرض دعاواهم بوقائعها أمام محكمة أولى هي المحكمة الابتدائية ثم على محكمة ثانية أعلى درجة وهي محكمة الاستئناف بعد صدور حكم الأولى.

ويحق لهذه المحكمة ذات الدرجة الثانية إصدار الحكم الذي تراه صحيحاً أو تصويب الحكم السابق أو تعديله أو تصحيحه أو تأييده([6]).

وتشكل عادة محاكم الدرجة الثانية من هيئات قضائية تشكل كل منها من ثلاث قضاة يجلسون على منصة الحكم للفصل في المسائل المطعون بها أمامهم.

وتكمن أهمية هذا المبدأ في تمكينه المتقاضين من ضمانات أفضل لتمكينهم من حقوقهم من جهة، وذلك عن طريق تصحيح ما قد يقع فيه القاضي من أخطاء، ويمكنهم من تدارك ما فاتهم من دفاع، ومن جهة أخرى يشكل دافعاً لقاضي المحكمة الابتدائية ليحقق العدالة في القضايا المعروضة عليه ما دام يعلم بوجود درجة أعلى منه تراقب الأحكام التي يصدرها.

وقد استقر قضاء محكمة النقض ومجلس الدولة في فرنسا على أن قاعدة ازدواج درجة التقاضي تتعلق بالنظام العام ولا يجوز الخروج عنها إلا بنص تشريعي، وهكذا قضى مجلس الدولة الفرنسي بأنه لا يجوز لمرسوم أن يسلب حق الاستئناف اعتماداً على أن ازدواج درجة التقاضي يعد مبدأ عاماً في الإجراءات وأن التشريع وحده يملك المساس بهذا الحق([7]).

غير أن المجلس الدستوري كان له رأي آخر حيث قرر بشأن مرسوم متعلق بالرسوم والضرائب نص على عدم جواز استئناف الأحكام الصادرة في هذا الشأن بأن قاعدة ازدواج التقاضي لا تعد ضماناً أساسياً في مجال المنازعات الضريبية، وعليه يمكن للمرسوم إلغاء الحق في الاستئناف.

بل إن مجلس الدولة الفرنسي في قرار له بتاريخ 19 نوفمبر 1975 قرر بأن تأخر المحكمة الإدارية في الفصل في الدعوى في خلال مدة الشهرين التي حددتها اللائحة يخرج الدعوى من حوزة هذه المحكمة لتدخل في اختصاص مجلس الدولة ليفصل فيها ابتدائياً([8]).

ومن المعلوم أن أحد أهم الاستثناءات التي أخذت بها التشريعات المختلفة على قاعدة تعدد درجات التقاضي هو عدم قابلية أحكام محاكم الجنايات للاستئناف، لذلك فمن الضروري أن نذكر في هذا الشأن أن المشرع الفرنسي، وابتداء من العام 2000 أصبح يجيز الطعن في أحكام محكمة الجنايات وهو ما يعد نظرة جديدة تعطي لقاعدة ازدواج درجة التقاضي مكانة كبيرة في سلم ضمانات التقاضي.

أما في مصر فإن المحكمة الدستورية العليا لها قرارات مهمة في هذا الشأن حيث قضت بتاريخ السابع من ديسمبر 1991 أن ما ينص عليه المشرع من عدم جواز الطعن في بعض الأحكام لا مخالفة فيه لنصوص الدستور التي لا تحول دون قصر التقاضي على درجة واحدة في المسائل التي فصل الحكم فيها، وفي قرار بتاريخ 4 فبراير 1995 قضت الدستورية العليا بأن “الأصل في الأحكام هو جواز استئنافها، إذ يعد النزاع على درجتين ضمانة أساسية للتقاضي (…) بما مؤداه أن الخروج عنها لا يفترض، وذلك سواء نظر إلى الطعن استئنافياً (…) باعتباره طريقاً محتوماً لمراقبة سلامتها وتقويم اعوجاجها، أو نظر إليه كوسيلة لنقل النزاع برمته (…) إلى المحكمة الاستئنافية لتجيل بصرها فيه من جديد([9]).

  1. مبدأ مجانية القضاء:

تكفل الدولة نفقات التقاضي بين المتقاضيين ويقع على عاتقها تزويد الجهاز القضائي بكافة المتطلبات التي تلبي حاجته للقضاء([10])، كما تتحمل وحدها أجور القضاة وأعوانهم وتجهيز المحاكم وإعدادها وذلك حتى يتمتع أفراد هذا المجتمع بقضاء مجاني يمكن لأي منهم اللجوء إليه متى شاءوا. أما تلك الرسوم التي تتقاضاها في الدعاوي المدنية فهي لا ترقى لتحمل مصاريف ونفقات الجهاز القضائي، خاصة في ظل النص على تحميل كافة هذه الرسوم والمصاريف والنفقات التي يتكبدها أحد الخصوم للطرف الخاسر بالنتيجة([11]).

وتعد المجانية من أهم المبادئ في ظل النظم القضائية الحديثة وذلك باعتبارها خدمة عامة.

  1. مبدأ علانية الجلسات:

يعد مبدأ العلانية من المبادئ الأساسية التي تقم عليها التنظيمات القضائية الحديثة، وذلك لأن العلانية تضمن حسن أداء القاضي لعمله.

يقصد بهذا المبدأ، فتح أبواب القضاء أو المحاكم أمام جمهور الناس وإتاحة الفرصة لهم بحضور جلسات المحاكمة، والاستماع لمرافعة الخصوم والنيابة العامة والقاضي مباشرة لكل ما يجري في قاعة المحكمة أثناء نظر القضايا أو الفصل في الخصومات([12]).

وتعتبر علانية الجلسات من الضمانات الهامة والأساسية في التقاضي، لأنها تخلق نوعاً من الرقابة الشعبية العامة على أعمال الهيئة القضائية، كما تخلق نوعاً من الاطمئنان لدى الناس ولدى الخصوم بعدالة ونزاهة القضاة، وهذا يدفع بهؤلاء إلى المزيد من التحري والدقة والأناة لحسن أداء العدالة.

وبمعنى آخر الأصل في سير الجلسات أن تتم في شكل علني لإضفاء الثقة و الطمأنينة ووقوف الكافة على إجراءات التقاضي التي يتساوى بالنسبة لها جميع المتقاضين، فالعلانية هي إحدى الضمانات لعدم التحيز، والمراد بالعلانية تمكين المواطنين من حضور الجلسة ومتابعة مجرياتها ويعود للقاضي في كل الأحوال ضبط سير الجلسة([13]).

ولا تتطلب العلانية عقد الجلسة في إحدى القاعات المخصصة لذلك إنما يكفي لتتحقق انعقادها في مكتب على أن يظل الباب مفتوحاً مادام بإمكان الغير مراقبة ما يدور بالداخل فإن أغلقت الأبواب أصبحت الجلسة سرية ولحق البطلان كافة الإجراءات التي اتخذت بها وما بني عليها بما فيها الحكم الذي تصدره المحكمة ويقع على من يدعي ذلك عبء إثباته لأن الأصل مراعاة الإجراءات.

وقد نصت المادة الرابعة من اتفاقية القضاء الموحد على أن “جلسات المحاكم علنية، ما لم ينص القانون، أو ترى المحكمة خلاف ذلك، مراعاة للآداب، أو محافظة على النظام العام.

ويكون النطق بالحكم، في جميع الأحوال، في جلسة علنية.

5-مبدأ المساواة أمام القضاء:

يقصد بالمساواة أمام القضاء أن يكون لكل مواطن الحق في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي دون تمييز بين المتقاضين([14]).

والواقع أن مبدأ المساواة أمام القضاء من أهم أسس النظام القضائي، كما أن مقتضيات المساواة أمام القضاء تقتضي أن يطبق على جميع المتقاضين نفس الإجراءات ونفس الضمانات([15]).

ويلاحظ أنه لا يتعارض مع مبدأ المساواة وجود محاكم مختلفة باختلاف أنواع المنازعات، فالمقصود من المبدأ أن تكون الإجراءات موحدة بالنسبة لنوع القضاء سواء أمام القضاء الإداري أو المدني أو الجنائي.

  1. مبدأ تعدد القضاة:

ويقصد به اشتراك مجموعة من القضاة في دراسة القضايا، ويتسم هذا المبدأ بالمميزات الآتية:

  • صدور الحكم من عدة قضاة يجعل من الصعب تحيزهم جميعاً أو تحيز أحدهم.
  • صدور الحكم من عدة قضاة يعني أن الحكم صدر بعد تداول بين القضاة فيكون الحكم أكثر عدالة.
  • صدور الحكم منسوباً لهيئة المحكمة كلها مما يجعل القضاة أكثر جرأة في الحكم دون اعتبار لمؤثرات خارجية.
  • صدور الحكم من عدة قضاة يؤدي إلى اتسام الحكم بالهيبة وتحقيق ثقة المتقاضين.

 

المبحث الثاني

التنظيم القضائي بين الأحادية والازدواجية

يسود العالم اليوم نظامان قضائيان هما نظام القضاء الموحد، ونظام القضاء المزدوج، وهناك قواعد ومبادئ تميز كل نظام عن الآخر.

ونعرض لكل نظام في مطلب مستقل.

 

المطلب الأول

نظام القضاء الموحد

يقصد بتعبير نظام القضاء الموحد، وجود قضاء واحد في الدولة يشمل اختصاصه كافة المنازعات، سواء قامت بين الأفراد أو بين الإدارة والأفراد، وسواء تعلقت بأمور إدارية أو مدنية أو تجارية([16]).

وبمعنى آخر نجد أن القضاء الموحد فيه نظام قانوني واحد ألا وهو القانون المشترك ويظهر هذا النظام في الدول التي لا يوجد فيها الازدواجية القانونية ويقوم على أساس اختصاص السلطة القضائية ممثلة في جميع المستويات لمختلف أنواعها بالفصل في جميع أنواع النزاعات مهما كانت طبيعتها ويعرف على وجود هيكل واحد على جميع المستويات ووفق قانون واحد وإجراءات واحدة والقضاء هنا هو المختص في جميع النزاعات ونجد هذا النظام في الدول الأنجلوسكسونية([17]).

وهناك العديد من المزايا التي يسوقها أنصار هذا النظام في الدفاع عن وجهة نظرهم والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

  1. أهم ما يمتاز به هذا النظام أنه يحقق مبدأ سيادة القانون على أكمل وجه، لأن الحكام والمحكومين يخضعون لقواعد قانونية واحدة، وأن المحاكم العادية تنظر في المنازعات المدنية والإدارية على حد سواء، مما يعد تطبيقاً لمبدأ المشروعية.
  2. أنه خير وسيلة لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم ضد اعتداء الإدارة، إذ لا يجوز أن تتمتع الإدارة بامتيازات في مواجهة الأفراد، فتنشأ لها محاكم خاصة هي المحاكم الإدارية، بل يتوجب أن تخضع الإدارة شأنها في ذلك شأن الأفراد للمحاكم العادية، حيث إن هذه المحاكم هي وحدها القادرة على حماية الحقوق والحريات الفردية.
  3. كما يمتاز هذا النظام بالبساطة وعدم التعقيد، حيث إن وجود هيئة قضائية واحدة في الدولة تفصل في مختلف الدعاوى يزيل الإشكالات المتعلقة بتنازع الاختصاص وتعارض الأحكام، كما هو عليه الحال في النظام القضائي المزدوج([18]).

وقد تعرض هذا النظام للنقد وتمثلت أوجه النقد فيما يلي:

  1. يتجاهل نظام القضاء الموحد دور الإدارة العامة في تحقيق المصالح العامة، التي توسعت مهامها، مما يستدعي الاعتراف للإدارة بوضع قانوني خاص يمكنها من أداء دورها على أحسن صورة.
  2. لم يتمكن هذا النظام من تحقيق الحماية الكافية للأفراد، بسبب لجوء الإدارة إلي وسائل متعددة للتخلص من المسؤولية، والتهرب من رقابة القضاء، بأن تضمن مشروعات القوانين التي تعرضها على البرلمان نصوص اللوائح والقرارات الإدارية التي تريد إصدارها تنفيذاً لتلك القوانين لتضفي عليها حصانة، شأنها في ذلك شأن القوانين لتكون مثل القوانين غير خاضعة لرقابة المحاكم.

كما تلجأ الإدارة إلى النص الصريح في القانون على أن اللوائح والأوامر التي يصدرها الوزير تنفيذاً لهذا القانون تكون نهائية، ولا تقبل الطعن أمام أية محكمة قضائية.

  1. لقد عجز هذا النظام عن حماية الأفراد ضد تعسف الإدارة بشكل واضح، وذلك في موقف المشرع الانجليزي من ذلك النظام عندما لجأ من خلال قوانينه إلى تضييق نطاق اختصاص المحاكم العادية في نظر المنازعات الإدارية، ومنح الإدارة نفسها سلطة الفصل في هذه المنازعات، أو عن طريق لجان تشكلها لهذه الغاية([19]).
  2. لقد خلط هذا النظام بين العمل الإداري والعمل القضائي، عندما منح القضاء اختصاصات إدارية، ومنح بعض الموظفين وبعض اللجان الإدارية اختصاصات قضائية أو شبه قضائية، ومن شأن هذا الخلط المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم.

كما أن هذا النظام يمكن القاضي من إصدار الأوامر والنواهي للإدارة والحلول محلها مما يؤدي إلى المساس باستقلالها، ويخالف مبدأ فصل السلطات.

  1. أن هذا النظام الذي مؤداه تضييق مسؤولية الدولة وإلقاء المسؤولية على الموظفين، يحلق الضرر بالوظيفة العامة، لأنه يؤدي إلى تقليل روح المبادرة والابتكار عند الموظفين خوفاً من تحمل المسؤولية.

كل هذه الأمور كشفت عن عجز نظام القضاء الموحد من تأمين أهدافه الأساسية المتمثلة في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم مما دعا الفقه والقضاء إلى المطالبة بإنشاء قضاء إداري مستقل إلى جانب القضاء العادي، وهذا بدوره يساعد الإدارة على القيام بأعمالها خدمة للصالح العام، وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم على الوجه الأكمل.

 

المطلب الثاني

نظام القضاء المزدوج

ويقصد به وجود جهتان قضائيتان، أحدهما جهة القضاء العادي، وتختص بالمنازعات التي تحصل بين الأفراد أو بين الأفراد والإدارة “السلطة التنفيذية” بوصفها شخصاً عادياً، ويطبق القضاء على هذا النزاع أحكام القانون الخاص، وثانيهما، جهة القضاء الإدارة والتي تختص بنظر المنازعات التي تحصل بين الأفراد والإدارة باعتبارها سلطة عامة وكذلك المنازعات التي أعطى القانون صلاحية النظر فيها إلى جهة القضاء الإداري.

وجهة القضاء الإداري تختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة عندما تظهر الأخيرة بصفتها صاحبة السلطة وتتمتع بامتيازات لا يتمتع بها الأفراد ويطبق القضاء الإداري على المنازعة قواعد القانون العام، ووفقاً لهذا النظام تخضع جميع القرارات الإدارية لرقابة القضاء الإداري إلغاءً وتعويضاً، إلا في استثناءات معينة تتعلق بأعمال السيادة والقرارات التي حصنها المشرع من رقابة القضاء.

مميزاته:

  • وجود ازدواجية قانونية أي وجود قانون خاص وقانون عام.
  • إجراءات عادية تسري على الدعوى العادية وإجراءات إدارية تسري على الدعاوى الإدارية.
  • قواعد الاختصاص القضائي تختلف عن النظام العام في القضاء الخاص.
  • دور القاضي الإداري اجتهادي إنشائي لأنه لا يوجد عنده تقنين إداري عكس القاضي العادي الذي يكتفي بتطبيق القانون.

وخصوصية المنازعة الإدارية في النظام القضائي هي كونها مرتبطة بقواعد وشروط تنظيمية وإجراءات يجب أن تتخذ من أجل الفصل في نزاع إداري قسمها الفقه على أساس التشريعات إلى مسائل مرتبطة بقبول الدعوى الإدارية ومسائل مرتبطة بموضوعها.

  1. المسائل المتعلقة بقبول الدعوى الإدارية:-

هل كل القواعد والشروط الشكلية المتعلقة بقبول الدعوى.

وهي التي حددتها نصوص قانونية نسيمها بالنصوص القانونية الإجرائية أي كل ما تعلق بالنصوص التي يحدد إجراءات رفع الدعوى القضائية ذات الطبيعة الإدارية أو بالأخرى الشروط التي تسمح للقاضي الإداري قبول الفصل في الدعوى وخاصة ما حددته تلك النصوص التي تعد من النظام العام.

  1. المسائل المتعلقة بموضوع الدعوى الإدارية:

وهي كل الشروط والقواعد التي تحكمها نصوص قانونية موضوعية وهي المرحلة الثانية التي يفصل فيها القاضي في النزاع بتطبيق القانون الموضوعي.

المسائل المتعلقة بموضوع الدعوى الإدارية هي شروط موضوعية في موضوع الدعوى الإدارية وليس شكلياً وهذه المسائل سواءاً كانت متعلقة بقبول الدعوى الإدارية أو موضوعية هي التي تجعل الدعوى الإدارية تختلف عن أي دعوى قضائية أخرى وميعاد الاختصاص القضائي، والقرار الإدارية السابق وانتفاء الدعوى الموازية.

القواعد التي تحكم توزيع الاختصاص في النظام القضائي المزدوج:

لمعرفة نطاق اختصاص القضاء الإداري في مواجهة القضاء العادي تم طرح عدة معايير في توزيع الاختصاص والطرق المتبعة في حسم إشكالات الاختصاص تمثلت فيما يلي:

  1. أسلوب التعداد أو المعيار المحدد:

يقصد بالمعيار المحدد أن يقوم المشرع بموجب نص قانوني تعيين القضايا التي تدخل في أجد جهتي القضاء، فلا يجوز لها أن تتجاوزه إلا بنص جديد، ويكون بالتالي اختصاص الجهة القضائية الأخرى شاملاً لكافة المسائل التي ينص القانون على اختصاص الجهة الأولى بها.

فقد ينص المشرع على القضايا التي يختص بها القضاء الإداري على سبيل الحصر، وبذلك يصبح القضاء العادي صاحب الولاية العامة عدا ما أسند الاختصاص في شأنه إلى القضاء الإداري.

  1. المعيار العام في توزيع الاختصاص القضائي:

يستند هذا المعيار بشكل أساسي إلى طبيعة المنازعة، فتختص المحاكم الإدارية بالقضايا ذات الطبيعة الإدارية، بينما تفصل المحاكم العادية في الخصومات ذات الطبيعة المدنية.

وقد يحدد المشرع معياراً عاماً في تحديد طبيعة المنازعات كأن ينص على أن تعد منازعات إدارية بطبيعتها المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها أو تلك التي تتصل بمرفق عام أو بفكرة النفع العام.

 

المبحث الثالث

التطبيقات التشريعية لنظامي القضاء الموحد والقضاء المزدوج في دول اتحاد المغرب العربي

تباينت الاتجاهات التشريعية لدول اتحاد المغربي حول تطبيق أي من نظامي القضاء الموحد أو القضاء المزدوج، وهناك دول أخذت بالنظامين معاً خلال المراحل التاريخية التي مرت بها، والتطورات التي لحقت تشريعاتها.

ونعرض فيما يلي لهذه التطبيقات، كل في مطلب مستقل.

 

المطلب الأول

النظام القضائي الليبي

يقوم النظام القضائي الليبي على مبدأ وحدة القضاء، ويترك حيزاً ظاهراً للقضاء التخصصي، ولا يوجد في ليبيا إلا تدرج قضائي واحد مكون من محاكم جزئية، ومحاكم ابتدائية، ومحاكم استئناف، وعلى رأس هذه المحاكم جميعها محكمة عليا واحدة.

كما يتركز التنظيم القضائي الليبي على مبدأ تعدد المحاكم استجابة لاعتبارين أساسيين:-

أولهماً: الامتداد الجغرافي للإقليم الليبي.

وثانيهم: الحرص على تحقيق عدالة أفضل من خلال تقريب الخدمة للمتقاضين، وسعياً لسرعة البت في القضايا المعروضة، والمحاكم في ليبيا موزعة على درجتين من درجات التقاضي، وتعتبر المحكمة العليا هي الهيئة القضائية الأسمى لمراقبة عمل المحاكم من خلال اختصاص حق نظر الطعن بالنقض أمامها.

ولا يوجد في ليبيا مجلس دستوري، أو مجلس دولة، أو محكمة دستورية عليا. وإنما تختص المحكمة العليا بالنظر في الطعون الدستورية. ويوجد بداخل بعض محاكم هذا النظام “نظام وحدة القضاء” نوع من القضاء التخصصي، فضلاً عن إجراءات عملية تنبئ عن تنامي التوجه إلى الاختصاص، وذلك من خلال اعتماد دوائر متخصصة للنظر في بعض القضايا، ونخص بالذكر منها:

  • دائرة القضاء الدستوري في المحكمة العليا، وهي دائرة تختص وحدها بالنظر في الرقابة على دستورية القوانين.
  • ودوائر القضاء الإداري القائمة على مستوى محاكم الاستئناف المسند إليها وحدها اختصاص الفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية غير الشرعية.

وقد اتفق شراح القانون الإداري([20]) على أن التنظيم القضائي يتميز فيما يتعلق بتنظيم الرقابة القضائية على أعمال الإدارية بما يلي:-

أولاً:- أن نظام وحدة القضاء هو السمة الرئيسية للتنظيم القضائي الليبي، فلا يوجد في الجماهيرية العربية الليبية إلا تدرج قضائي واحد يتكون من محاكم جزئية ومحاكم ابتدائية ومحاكم استئناف، وعلى رأسهم كلهم المحكمة العليا وهي محكمة وحيدة بالبلاد.

ثانياً:- توجد دوائر في النظام القضائي متخصصة في القضاء الإداري. وهي تختص وحدها بنظر بعض المنازعات الإدارية المحددة على سبيل الحصر، وهي تعتبر جزء لا يتجزء من محاكم القضاء المدني، ولا تعد محاكم إدارية مستقلة.

ثالثاً:- تطبق دوائر القضاء الإداري على المنازعات الإدارية التي تختص بها قواعد قانونية مستقلة ومتميزة عن القواعد القانونية التي تطبقها المحاكم المدنية العادية.

ويحكم التنظيم القضائي الحالي في ليبيا عدة تشريعات نشير إلى أهمها:-     

  1. قانون المرافعات المدنية والتجارية.
  2. قانون الإجراءات الجنائية.
  3. قانون القضاء الإداري رقم (88) لسنة 1971.
  4. قانون نظام القضاء رقم (6) لسنة 2006.
  5. قانون المحكمة العليا لسنة 1953، والمعدل بالقانون رقم (6) لسنة 1982.

ووفقاً لنص المادة 11 من قانون نظام القضاء يتكون النظام القضائي الحالي من:-

  • المحكمة العليا.
  • محاكم الاستئناف.
  • المحاكم الابتدائية.
  • المحاكم الجزئية.
  • أما القضاء الاستثنائي (محكمة الشعب) فلم يعد له وجود.

ودون الدخول في التفاصيل لاختصاص وعمل المحاكم، فإننا نكتفي بالإشارة إلى أهم اختصاصاتها، وخاصة فيما يتعلق بضمانات حق التقاضي، وذلك على البيان التالي:-

  1. المحاكم الجزئية:- والمحاكم الجزئية هي محاكم الدرجة الأولى، وتتشكل من قاضي فرد، وتختص بالفصل في المسائل المدنية، والتجارية، والأحوال الشخصية المبينة على سبيل الحصر، كما تختص بالنظر في الجنح والمخالفات. وتستأنف الأحكام الصادرة عنها أمام المحكمة الابتدائية الواقعة في دائرتها.

وتتواجد المحاكم الجزئية في أغلب المدن والقرى، وبالتالي … فهي تمثل مظهراً للامركزية القضائية، وتعكس مبدأ تقريب القضاء للمتقاضين (وإن كانت البُنى التحتية من مباني، وتجهيزات مكتبية، ومكتبات، تعتبر ضعيفة، فضلاً عن ضعف الكوادر الإدارية المساعدة).

  1. المحاكم الابتدائية:- وتضطلع المحاكم الابتدائية (في النظام القضائي الليبي) بدورين أساسيين:- فهي (حيناً) تنعقد كمحكمة استئنافية، أي محكمة ثاني درجة للنظر في الأحكام الصادر عن المحاكم الجزئية الواقعة في نطاقها تنعقد (وأحياناً) كمحكمة أول درجة للنظر في المسائل التي لم ينص على اختصاص المحاكم الجزئية، أو أي محكمة أخرى، للفصل فيها، وفي جميع الأحوال فإن هذه المحاكم تتشكل من ثلاثة قضاة.

لذلك، فإنها بهذه الصفة تعتبر من محاكم القانون العام، بمعنى المحاكم التي تتولى الفصل في جميع المنازعات، والجرائم إلا ما يكون قد استثنى بنص خاص (المادة 14 من قانون النظام القضائي الليبي).

والأصل أن المحكمة الابتدائية تعمل على أساس ثلاثة قضاة، وعندما تنعقد كهيئة استئنافية للنظر في الأحكام الصادرة عن المحاكم الجزئية التابعة لها، فإنها تتشكل من ثلاثة قضاة أيضاً.

والأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية (منعقدة كمحكمة أول درجة) قابلة للطعن عليها بالاستئناف أمام محكمة الاستئناف التي تقع في دائرة اختصاصها المحكمة الصادر عنها الحكم (م 307 مرافعات ليبي)، أما الأحكام الصادرة عنها (منعقدة كهيئة استئنافية) فهي قابلة للطعن فيها بالنقض أمام المحكمة العليا).

  1. محاكم الاستئناف:- ومحاكم الاستئناف، هي محاكم الدرجة الثانية بالنسبة للطعون التي ترفع ضد أحكام المحاكم الابتدائية الصادرة عنها كمحكمة أول درجة (م 307 مرافعات ليبي).

ويوجد حالياً عدد ستة محاكم استئناف على مستوى الإقليم الليبي، نذكر منها طرابلس، وبنغازي، ومصراته، والجبل الأخضر، وسبها، والزاوية، وهي تعمل وفق نظام الدوائر المتخصصة، والتي تتشكل كل منها من ثلاثة مستشارين على الأقل. أما الأحكام الصادرة عنها فهي قابلة للطعن فيها بالنقض أمام المحكمة العليا([21])، (م 336 مرافعات ليبي).

وإلى جانب اختصاصها كمحكمة ثاني درجة للفصل في طعون الاستئناف المرفوعة ضد الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية الواقعة في نطاقها، فإن محكمة الاستئناف تختص ابتداء، وكمحكمة أول درجة في مسائل الجنايات، وكذلك في المنازعات الإدارية، وعلى وجه الخصوص المنازعات المتعلقة بإلغاء القرارات الإدارية. إذ إن الدعاوى المتعقلة بمثل هذه المسائل (الجنايات – الإدارية) ترفع أمامها ابتداء، ولا يكون حكمها فيها قابلاً للطعن إلا بطريق النقض أمام المحكمة العليا.

  1. المحكمة العلي:- تحتل المحكمة العليا قمة التنظيم القضائي “الإداري” الليبي، إذ أنها تعد أعلى محكمة، وتتولى (أساساً) وظيفة السهر على التطبيق السليم من قبل المحاكم الأدنى في مختلف المسائل المدنية، والتجارية، والأحوال الشخصية، والجنائية، والإدارية. 

وبالنظر إلى هذه المكانة التي تحتلها المحكمة العليا في التنظيم القضائي الليبي، فقد أضفى المشرع على المبادئ التي ترسيها في أحكامها قوة قانونية توازي قوة القواعد الدستورية العادية، حيث جاء النص على أن: “تكون المبادئ القانونية التي تقررها المحكمة العليا في أحكامها ملزمة لجميع المحاكم، وكافة الجهات الأخرى في الجماهيرية ..” وكل الجهات تعني كل مؤسسات الدولة، بما فيها اللجنة الشعبية العامة، وأمانة مؤتمر الشعب العام.

وتتألف المحكمة العليا من رئيس وعدد كافٍ من المستشارين يتم اختيارهم من قبل مؤتمر الشعب العام (الوظيفة التشريعية).

ويقوم التنظيم الحالي للمحكمة العليا على أساس نظام الدوائر المتخصصة بالإضافة إلى نظام الجمعية العمومية، وتتشكل كل دائرة قضائية بالمحكمة من ثلاثة مستشارين على الأقل، باستثناء الدائرة الدستورية، والتي كان النص يشير إلى أنها تتكون من كافة أعضاء الدوائر، إلا أن تعديلاً قد جرى على اللائحة الداخلية لعمل المحكمة قضى بأن الدائرة الدستورية تنعقد باجتماع رؤساء الدوائر. وهذا التعديل من شأنه أن يفعل النظر في الدعاوى الدستورية والتي تراكمت أمام المحكمة العليا.

والأصل أن المحكمة العليا هي مجرد محكمة قانون تتم أمامها مخاصمة الأحكام النهائية التي صدرت في الخصومات المحسومة من محاكم الموضوع، وبالتالي فهي لا تنظر الوقائع، وإنما تعيد الخصوم إلى المحكمة التي صدر عنها الحكم لتحكم فيها مجدداً من هيئة جديدة (م 357 مرافعات ليبي) (قضية الممرضات البلغاريات مثلاً).

ومع ذلك، فقد عهد المشرع للمحكمة العليا النظر في بعض المسائل ابتداء، باعتبارها محكمة موضوع، حيث نص على اختصاصها دون غيرها بالنظر في الطعون التي يرفعها كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفاً للدستور، وكذلك في أي مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور، أو بتفسيره، تثار في قضية منظورة أمام أي محكمة، وأخيراً في مسائل تنازع الاختصاص بين المحاكم، وأي جهة قضاء استثنائي، وعلى الأخص القضاء العسكري. وفي هذا السياق، فإن التنظيم القضائي في الجماهيرية كان يضم قضاءً استثنائياً، إذ أن المؤتمرات الشعبية الأساسية (المشرع) أصدرت في سنة 1988 القانون رقم (5) بإنشاء محكمة متخصصة أطلق عليها محكمة الشعب عهد إليها بجملة من الاختصاصات المتعلقة بالفصل في الجرائم الماسة بالأمن السياسي والاقتصادي للجماهيرية. ولكن يجب التنويه إلى أن هذه المحكمة كانت توصف بأنها محكمة استثنائية إلى أن تم إلغاؤها، ولقد اعتبرت نيلاً بمبدأ وحدة القضاء، واعتداءً صارخاً على حقوق الإنسان.

  • الضمانات القضائية:- يعتبر القضاء في ليبيا بدون شك من أهم آليات الحماية الوطنية لحقوق الإنسان، وأكثرها فاعلية لضمانات الحريات الأساسية، وذلك بالنظر لما يفترض أن يحظى به من نزاهة، وتخصص، وحياد، وموضوعية، والقدرة على إنفاذ الأحكام الصادرة (أو يفترض). وقبل أن نستعرض الصعوبات التي يواجهها القضاء الليبي، فإننا نود الإشارة إلى أهم المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها الوظيفة القضائية في ليبيا، وهي مبادئ لا تختلف عن القواعد التي تحكم عمل أي سلطة قضائية في أي دولة من دول العالم.   
  • المبادئ الأساسية التي تحكم الوظيفة القضائية في ليبيا:

وتتمثل على وجه الخصوص في الآتي:-

  1. مبدأ استقلال القضاء:- تواترت كل التشريعات الليبية على أن القضاة مستقلون. ومن أهم تلك النصوص ما جاء في المادة الثانية والخمسون (52) من قانون نظام القضاء، والمادة التاسعة (9) من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان (1988)، والمادة الحادية والثلاثون (31) من قانون تعزيز الحرية، وهذا المبدأ أكدته المحكمة العليا في أحد أحكامها حيث قررت أنه ليس من حق أي سلطة أن تصدر قانوناً تهدر فيه استقلال القضاء، أو حصانات رجاله أو تنتقص منها.

وقضاة المحاكم يتم تعيينهم من بين حاملي المؤهلات العلمية الجامعية في القانون من قبل المجلس الأعلى للهيئات القضائية، الذي يتكون من أمين العدل (الوظيفة التنفيذية)، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام، والكاتب العام، وأقدم رؤساء محاكم الاستئناف، ورؤساء الهيئات القضائية (رئيس إدارة القانون، ورئيس إدارة التفتيش القضائي، ورئيس إدارة المحاماة الشعبية)، للبحث في كل ما يتعلق برجال القضاء والنيابة العامة، والمحاماة الشعبية من حيث تعيينهم، وترقيتهم، إعارتهم، وتأديبهم، إلا أن نوعية الخريجين، وإجراءات التعيين تحتاج إلى إعادة نظر.

  1. مبدأ المساواة أمام القانون:-

وهو من المبادئ الأساسية، ومن الحقوق الطبيعية اللصيقة بالإنسان وأكدته كافة التشريعات بالمرجعيات المختلفة (الدينية، والفلسفية، والأخلاقية). ولا يقصد بالمساواة المساواة الرياضية. فالبشر يتفاوتون في الفروقات الفردية في العقل، وفي الجنس، وفي الثروة، وفي اللون، إلا أن المقصود بالمساواة في التشريع الليبي هو عدم اعتبار هذه الفروقات الطبيعية (المرأة، والرجل)، أو القانونية (المواطن، الأجنبي)، أو العقيدة (المسلم، غير المسلم)، (أو المكتسبة) أساساً للتميز في مجال احترام حقوق الإنسان. ويظهر هذا الحرص في كافة التشريعات الوضعية الوطنية، وعلى الأخص الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير، وقانون تعزيز الحرية، كما كرسته المحكمة العليا في العديد من أحكامها، واعتبرته مبدأ لصيقاً بآدمية الإنسان لا يحتاج إلى نص وضعي يقرره، فضلاً على أنه لا يجوز إهداره.

  • وأكدت عليه الوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان في المادة التاسعة (9) حيث تنص على أن : “المجتمع الجماهيري يضمن حق التقاضي واستقلال القضاء ولكل متهم الحق في محاكمة عادلة ونزيهة”، وكذلك المادة الثلاثون (30) من قانون تعزيز الحرية التي تقرر أن : “لكل شخص الحق في الالتجاء إلى القضاء ..”.

وقد سبق للمحكمة العليا أن كرست هذا المبدأ في العديد من أحكامها حيث تقول: “أن أي أمر مخالف لجميع الدساتير في العالم المكتوبة منها وغير المكتوبة، في نصها وفي روحها. على أنه إذا خلال أي دستور من حق الإنسان في اللجؤ إلى القضاء طلباً للإنصاف، فإن هذا الحق مكفول بأوامر الله العلي القدير ومن الحقوق الطبيعية للإنسان منذ أن خلق”. ومعنى كل شخص، يعني عدم اشتراط المواطنية أو الجنسية، كما تقتضي عدم التمييز القائم على أي تصنيف يقوم على الجنس، أو الدين، أو اللسان، أو الثروة، أو الانتماء الاجتماعي.

  1. مبدأ علانية التقاضي: – تعتبر علانية التقاضي من المقتضيات الجوهرية لضمان حسن سير العدالة، إذ بقدر ما يكون النشاط القضائي علنياً بقدر ما يطمئن المتقاضون إلى نزاهة القضاء وحياده. وتتحقق علانية القضاء بعدة وسائل: وهي مسائل أوجب قانون المرافعات المدنية، والإجراءات الجنائية ضرورة أتباعها، ورتب على عدم الالتزام بها بطلان الأحكام (مواد 80، 81، 273، 276 مرافعات ليبي).
  2. مبدأ التقاضي على درجتين:-

إن القاعدة العامة في القانون الوضعي الليبي، كما هو الشأن في العديد من الأنظمة القانونية المعاصرة، أن التقاضي يقوم على درجتين، إذ أن الأحكام الصادرة من الدرجة الأولى جميعها يجوز الطعن فيها بالاستئناف أمام محاكم الدرجة الثانية، وأن أحكام هذه الأخيرة قابلة للطعن بالنقص أمام المحكمة العليا.

ولعل الأساس في إقرار حق الطعن في الأحكام القضائية إنما يقوم على أن القضاة بشر، وبالتالي فالعدالة بشرية، ولما كان الإنسان مجبول على النقصان، فإن العدالة القضائية قد يعتورها نقص، أو إهمال، أو ربما إفساد، وضغوطات، وقصور، وخطأ، روعي هذا البعد في إقرار مبدأ حق الطعن في الأحكام القضائية.

وأخيراً نرى مع اتجاه فقهي([22]) بأن النظام القضائي الذي أخذ به المشرع الليبي بخصوص الرقابة القضائية على أعمال الإدارة هو نظام يمكن تسميته بنظام وحدة القضاء وازدواج القانون. وهذا النظام الهجين بجمع بين عناصر نظام وحدة القضاء والقانون المطبق في البلدان الآنجلوسكسونية، وعناصر نظام ازدواج القضاء والقانون المطبق في فرنس، بحيث يلتقي مع النظام الأنجلوسكسوني في مبدأ وحدة القضاء لعدم وجود محاكم إدارية مستقلة عن المحاكم المدنية، كما يلتقي مع النظام الفرنسي في مبدأ ازدواج القانون، حيث إن دوائر القضاء الإداري تطبق على المنازعات الإدارية الداخلة في اختصاصاها قواعد قانونية متميزة إلى حد كبير عن قواعد القانون المدني والتجاري.

 

المطلب الثاني

التنظيم القضائي في تونس

أجرى المشرع التونسي جملة من التغييرات الجذرية على التنظيم القضائي ومراجعة هيكليته وتعزيزه بعدد من المحاكم والتركيز على تخصص القضاة وإعادة توزيع الاختصاص كاستحداث المحكمة التجارية، وبالإضافة إلى ذلك وبجانب القضاء العادي، ظهر قضاء مختص اهتم بالنزاعات التي لها طبيعة خاصة وتستدعى اختصاصاً معيناً ويتوجه إلى فئات معينة.

أولاً: القضاء العادي:

إن محاكم القضاء العادي لها ولاية عامة للنظر في جميع الدعاوى إلاما خرج منها بنص خاص ورجع نظره لهيئات قضائية أخرى.

ويشمل القضاء العادي محاكم ذات اختصاص عام، ومحاكم متخصصة لا تنظر إلا في نوعية النزاعات.

  1. المحاكم ذات الاختصاص العام:

وعهد لهذه المحاكم للنظر بحسب اختصاصها الحكمي والترابي في النزاعات التي يمكن أن تحدث بين الناس، مع العلم أن المشرع اختار مبدأ التقاضي على درجتين، ويعني ذلك أن الأحكام الصادرة عن محاكم أول درجة يمكن الطعن عليها بالاستئناف لدى محاكم الدرجة الثانية([23]).

ومن ثم تتنوع هذه المحاكم إلى الآتي:

  1. محاكم الدرجة الأولى:

ويتم تصنيف هذه المحاكم إلى صنفين من المحاكم وهما محكمة الناحية والمحكمة الابتدائية.       

  • محكمة الناحية:

وتختص بالنظر في الدعاوى التي لا تفوق قيمتها سبعة آلاف دينار وقضايا أخرى بسيطة نوعاً ما، ومنها دعاوى النفقة، والدعاوى الحوزية، ومادة التبني، وسادة فواجع الشغل، والأوامر بالدفع والأذون على العرائض([24]).

  • المحكمة الابتدائية على ذات اختصاص شامل:

وهي محكمة من الدرجة الأولى منحها المشرع ولاية حكمية وشاملة ومطلقة عملاً بأحكام الفصل 40 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية الذي نص على أن “المحكمة الابتدائية تختص بالنظر في جميع الدعاوى عدا الذي خرج عنها بنص خاص”.

أما بخصوص الاختصاص الاستئنافي فلقد خصصه كذلك الفصل 40 الذي نص على أن المحكمة الابتدائية تختص بالنظر استئنافياً في الأحكام الصادرة عن محاكم النواحي، وعن مجالس العرف التابعة لدائرتها، والأحكام الصادرة عن قاضي الضمان الاجتماعي، وهذا الاختصاص مقرر للمحكمة الابتدائية بتونس فقط دون بقية المحاكم الابتدائية([25]).

في حين تختص المحاكم الابتدائية الأخرى بالنظر في الإشكالات التي تحصل أثناء تنفيذ الأحكام سواء كان الحكم صادراً عن المحكمة الابتدائية أو الإستئنافية أو محكمة التعقيب في الحالات التي تنظر فيها أصل النزاع. بالإضافة إلى اختصاصاتها الأخرى.

  1. محاكم الدرجة الثانية:

حيث تواجدت عدة محاكم من الدرجة الثانية، وتنظر هذه المحاكم في الأحكام الابتدائية الصادرة عن المحاكم الابتدائية.

وتتكون المحكمة الاستئنافية من عدة دوائر؛ فمنها المدنية والتجارية والإستحقاقية والجناحية والجنائية ودائرة اتهام.

وتختص المحكمة بالنظر في الأتي:

  • استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية التابعة لدائرتها.
  • استئناف الأحكام الإستعجالية، والأوامر بالدفع الصادرة عن رئيس المحكمة الابتدائية.
  • استئناف الأحكام المتعلقة بمرجع النظر.
  • الطعن على القرارات التأديبية وغيرها من القرارات الصادرة عن هيئات المهن الحرة مثل الهيئة الوطنية للمحامين، وهيئة الصيادلة، وهيئة الأطباء، والمهندسين المعماريين([26]).

محكمة القانون:

إن محكمة التعقيب هي محكمة القانون باعتبارها تراقب حسن تطبيق القانون، وتعمل على تحسين فهمه، وليست درجة ثالثة من درجات التقاضي.

ظهرت محكمة التعقيب لأول مرة في دستور عهد الأمان لسنة 1861، كما تم تنظيمها في مجلة الإجراءات المدنية لسنة 1910 في الفصول 103 وما بعده. كلن بقى دور هذه المحكمة محدوداً، لضيق صلاحياتها في عهد الحماية. ما بدأت محكمة التعقيب تلعب دورها الحقيقي في توحيد فقه القضاء، ومراقبة حسن تطبيق القانون؛ إلا بتوحيد العدالة بالبلاد التونسية وصدور مجلة المرافعات المدنية والتجارية يوم 5 أكتوبر 1959، التي دخلت حيز التطبيق، يوم 1 جانفي 1960. خصصت م.م.م.ت بابا كاملاً لمحكمة التعقيب، وهو الباب الرابع، ما يؤكد قيمة هذه المحكمة في الهيكلة القضائية. تتدعم أيضاً هذه القيمة من خلال تركيبة محكمة التعقيب، التي تتكون من قضاة من أعلى درجة في سلك القضاء، يشكلون عدة دوائر مدنية، وجزائية. تتكون كل دائرة من مستشارين، ورئيس، وممثل للنيابة العمومية، يترأس محكمة التعقيب رئيس أول.

وحدانية محكمة التعقيب، تركيبتها المتميزة، درجة قضاتها؛ كل هذه العوامل تجعل من محكمة التعقيب، محكمة خارقة للعادة، هي فعلاً كذلك، لما هو منوط بعهدتها، من مراقبة حسن تطبيق القانون، وتوحيد فقه القضاء، وحتى تبقى محكمة التعقيب حارس القانون محكمة المحاكم، وجب أن تترفع عن الوقائع، وماديات القضايا، أي لا تكون محكمة أصل من درجة ثالثة.

محكمة التعقيب حارس القانون: تختلف شروط الطعن بالتعقيب، عن شروط تعهد محاكم الأصل؛ هذا ما يجد تفسيره في الدور الخاص الذي تلعبه محكمة التعقيب بوصفها حارساً للقانون([27]).

شروط الطعن بالتعقيب: لئن تعددت شروط الطعن بالتعقيب، غير أنها تتمحور حول فكرة رئيسية؛ الشهر على حسن تطبيق القانون. يمكن تصنيف هذه الشروط إلى صنفين؛ شروط شخصية، وشروط موضوعية.

تتعلق الشروط الشخصية بالأطراف في التعقيب؛ وهم على معنى الفصل 179 م.م.م.ت: الأطراف في الحكم المطعون فيه أو خلفاءهم. كما مكن الفصل 180 وكيل الدولة العام من إثارة مطاعن لفائدة القانون. من ناحية أخرى يجب أن تكون المطاعن المتمسك بها من طرف الخصوم في التعقيب، متعقلة بالقانون. كما أنه يمكن إثارة المطاعن المتصلة بالنظام العام، لأول مرة في التعقيب.

تخص الشروط الموضوعية القرار المطعون فيه، وتفيد جميعها ضرورة حسن تطبيق القانون. يجب أن يكون الحكم المخدوش فيه نهائي الدرجة، وأن يكون مشوب بخرق القانون، أو بالخطأ في تطبيقه، أو أن تكون المحكمة التي أصدرت الحكم غير مختصة، أو أن تكون أفرطت في السلطة، أو لم تحترم الشكليات، أو يكون هنالك تناقض في نصوص الأحكام … ألخ.

آثار الطعن بالتعقيب: حسب الفصل 176 م.م.م.ت، تكون آثار التعقيب إما الرفض، وإما النقض.

يكون الرفض شكلاً، عند عدم احترام إجراءات الطعن لدى التعقيب (الآجال، تبليغ المستندات، … الخ). كما يكون الرفض أصلاً عندما لا يوجد في مستندات التعقيب ما من شأنه أن يوهم الحكم المخدوش فيه.

لكن يحدث أيضاً أن تصدر محكمة التعقيب قرار نقض، عندما تعتبر أن الطعون المرفوعة إليها في طريقها. يترتب عن قرار النقض إبادة الحكم المطعون فيه، إما كلياً وهو المبدأ، وإما جزئياً، وإرجاع الأطراف إلى الحالة السابقة للحكم المنقوض (الفصل 191 م.م.م.ت). لكن لا يمكن لمحكمة التعقيب أن تتجاوز هذا الدور وتتعهد بالقضية من حيث الأصل لأنها ليست محكمة أصل من درجة ثالثة([28]).

محكمة التعقيب ليست محكمة أصل من درجة ثالثة: تبت محكمة التعقيب في الأحكام ولا في النوازل. عندما تقرر محكمة القانون رفض التعقيب، فهي تبقى على الحكم المخدوش فيه. لكن عندما تقرر نقض الحكم المطعون فيه، فهي تزيله، ولا يمكن ترك أطراف النزاع دون حل لقضيتهم. لذلك غالباً ما تنقض محكمة التعقيب مع الإحالة، غير أنه يمكن أن تنقض محكمة التعقيب دون إحالة.

النقض مع الإحالة: ترجع محكمة التعقيب الأطراف بموجب الإحالة، أمام نفس المحكم التي أصدرت الحكم، لكن بهيئة أخرى، أو أمام محكمة أخرى من نفس الدرجة. تبقى محكمة الإحالة حرة في مسايرة محكمة التعقيب في رأيها من عدمه. عندما لا تتبع محكمة الإحالة رأي محكمة التعقيب، ويتم الطعن من جديد، لنفس الأسباب، في حكمها؛ تلتئم محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعية (الفصل 191، الفقرة 2). تصدر الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب حكمها، إما بالرفض، وينتهي عندها النزاع؛ وإما بالنقض والإجابة من جديد، عندها تكون محكمة الإحالة مقيدة برأي محكمة التعقيب.

النقض بدون إحالة: يمكن لمحكمة التعقيب أن تنتقض دون إحالة، في صورة النقض الجزئي الذي لا يؤثر على بقية نص الحكم، أو عندما لا يترك النقض الكلي موجباً للإحالة (عدم اختصاص المحكمة المتعهدة، عدم احترام قوة ما اتصل به القضاء). يمكن أيضاً عملاً بالفصل 180 م.م.م.ت، لوكيل الدولة العام، بعد انقضاء أجل التعقيب بالنسبة للأطراف، أن يطعن بالتعقيب لفائدة القانون، في حكم أساء تطبيق قاعدة ما. في صورة النقض في هذه الحالة، يكون النقض بدون إحالة، حتى لا يتضرر أطراف النزاع من هذا النقض.

النزاع صادف ذلك أن اللجوء إلى التحكيم وغيره من وسائل الوساطة الخاصة لا يخلو طريقه من مخاطر تتعلق بالحيدة والاستقلالية والكفاية والدقة من جانب المحايد وصعوبات التنفيذ.

ولذلك برزت الحاجة الملحة لسوق المعاملات إلى جهاز قضائي لديه ذات الآليات
واستغلال وسائل التقنية الحدية التي يتعامل بها السوق في تسيير شؤنه وإجراء معاملاته لسد
الفجوة بين أسلوب عمله وأسلوب عمل وإجراءات المحاكم([29]).

  1. ولهذه الأسباب قررت المحكمة العليا للولاية في 1 يناير عام 1993 تخصيص أربعة من القضاة من ذوي الكفاءة والتميز في المجال التجاري في نطاق المقاطعة وأطلقت على قاعات جلساتهم الأقسام التجارية Commercial parts لنظر المنازعات المعقدة في مسائل تجارية محددة([30]).

هذه التجربة الهامة كانت محل عناية وتعاون من جانب كل من المحكمة ونقابة المحامين في الولاية حيث قررت تشكيل لجنة تتولى دراسة التجربة وفي عام 1995 أعدت اللجنة تقريراً عن أعمالها أورت فيه أن التجربة حققت نجاحاً منقطع النظير، وأوصت بتقنين هذه التجربة وتنظيمها بصيغة مؤسسية كشعبة قضائية منفصلة على مستوى الولاية be institutionalized Statewide وقد ساندت هذه النتيجة ببيان عدة مبررات تعلقت بالدور الاقتصادي المتميز لولاية نيويورك كمركز للتجارة، وأن تخصص الشعبة في نطاق المنازعات التجارية المعقدة التي تقتضي معالجة خاصة بكفاءة عالية وبخبرة متميزة كان من شأنه إزالة حالة القلق من ابتعاد الكيانات الاقتصادية في تسوية منازعاتها عن القضاء الداخلي للولاية والالتجاء إلى المحاكم الاتحادية أو الطرق البديلة الخاصة بحل المنازعات سواء مكاتب التحكيم أم الوساطة.

واستجابة لهذا التقرير، أصدرت المحكمة قراراً بتشكيل فريق عمل لتأسيس الشعبة الاقتصادية في بعض مقاطعات الولاية في عام 1995، ثم توسعت الشعبة لتشمل سائر مقاطعات الولاية([31]).

والمحكمة العقارية تنظمها الأحكام الواردة بمجلة الحقوق العينية، ووفقاً لمجلة الحقوق ينحصر اختصاص المحكمة في الآتي:

  • البت في مطالب التسجيل.
  • البت في الطعون في قرارات إدارة الملكية العقارية ولجان تحيين الرسوم المجمدة.
  • البت في مطالب المراجعة.
  1. المحكمة الإدارية:

تطبيقاً لمبدأ التفريق بين السلطات الثلاثة المكونة للدولة في مفهومها الحديث، ينظر القضاء الإداري في النزاعات التي تكون فيها الإدارة طرفاً؛ وذلك تجنباً لتدخل السلطة القضائية في شؤون السلطة التنفيذية.

تخضع هيكلة المحاكم الإدارية بصفة عامة إلى المبادئ العامة لتنظيم هيكلة القضاء؛ إذ توجد محاكم إدارية ابتدائية بتونس العاصمة، وبعض الجهات.

تخضع أيضاً الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية الابتدائية إلى مبدأ التقاضي على درجتين، أي أنها قابلة للاستئناف أمام المحكمة الإدارية نفسها. كما تكون هذه القرارات الاستئنافية هي الأخرى قابلة للتعقيب أمام الجلسة العامة للمحكمة الإدارية التي تسهر على حسن تطبيق القانون وتوحيد فقه قضاء المحاكم الإدارية([32]).

  1. المحكمة العسكرية:

وهي المحكمة التي تختص بالنظر في الجرائم التي تهم فئة معينة من المواطنين وهم الجنود على اختلاف رتبهم، أو التي يكون موضوعها جرائم عسكرية.

ويختلف تشكيل هذه المحكمة في زمن السلم عن تشكيلها في زمن الحرب، حيث يعد الإطار العسكري هو الغالب في فترة الحرب.

نستخلص مما سبق أنه بمقتضى القوانين أرقام 38-40 لسنة 1996 المتعقلة بإعادة تنظيم القضاء الإداري، أقر المشرع التونسي نظام الازدواجية القضائية المتمثل في إرساء هيكلين قضائيين مستقليين مدني وإداري، وفي نطاق تأكيد هذا الاختيار صدرت القوانين المؤكدة لاستقلال القضاء الإداري عن القضاء العادي.

 

المطلب الثالث

التنظيم القضائي في المغرب

كان المغرب حتى عهد قريب لا يعرف إلا جهة قضاء واحدة هي جهة القضاء العادي، لكن بصدور القانون رقم 90-41 في 3 نوفمبر 1993 أصبح التنظيم القضائي يشمل جهتين قضائيتين هما:

أولاً: القضاء العادي:

ويتكون من المحاكم الآتية:

  • محاكم الجماعات والمقاطعات:

تتكون محاكم الجماعات والمقاطعات من حاكم، يساعده عون كتابة الضبط أو كاتب. ويعين حكام المقاطعات وحكام الجماعات من بين القضاة، طبقاً لمقتضيات القانون الأساسي للقضاة، أو من بين المواطنين العاديين. وفي هذه الحالة يساعده نائبان.

تقتصر اختصاصات محاكم الجماعات والمقاطعات على شؤون القاصرين في القضايا المدنية والجنائية.

ويتحدد اختصاص حكام الجماعات والمقاطعات في:

  • الدعاوي الشخصية والمنقولة المثارة ضد الأشخاص الذين يقطنون بدائرة نفوذهم إذا لم تتجاوز قيمتها ألف درهم.
  • طلبات الوفاء بالكراء وطلبات فسخ عقود الكراء غير التجارية، المبنية على عدم دفع وجيبة الكراء طبقاً للشروط والنسب المحددة أعلاه([33]).
  • النزاعات التي لا تتجاوز قيمتها 2000 درهم، باتفاق صريح، يبرمه الأطراف فيما بينهم أمام الحاكم.
  • بعض المخالفات الجنائية البسيطة المحددة في الفصول 29، 30، 31 من ظهير 15 يوليوز 1974 والتي ترتكب داخل الدائرة التي يزاول فيها الحكام عملهم أو عندما يكون الفاعل مقيماً بهذه الدائرة([34]).
  • المحاكم الابتدائية:

تختص المحاكم الابتدائية بالنظر في جميع القضايا ما لم ينص القانون صراحة على إسناد الاختصاص لمحكمة أخرى.

ويعتبر هذا الاختصاص اختصاصاً عاماً يمتد ليشمل كل القضايا المدنية والعقارية والجنائية والاجتماعية. وتدخل كل المسائل المرتبطة بالأحوال الشخصية والعائلية والإرث أيضاً في اختصاص المحاكم الابتدائية سواء تعلق الأمر بالمواطنين المسلمين أو الإسرائيليين أو الأجانب.

وتختص المحاكم الابتدائية في القضايا إما ابتدائياً أو انتهائياً أو ابتدائياً مع حق الاستئناف طبقاً للشروط المحددة في قانوني المسطرة المدنية والجنائية أو النصوص الخاصة عند الاقتضاء.

في القضايا المدنية تختص المحاكم الابتدائية ابتدائيا وانتهائياً بالنظر إلى غاية ثلاثة آلاف درهم مع حفظ حق الاستئناف في الطلبات التي تتجاوز هذا المبلغ. على أنه يمكن لحكمها أن يكون موضوع نقض أمام المجلس الأعلى، وتبت المحكمة فقط ابتدائياً إذا كان القدر المتنازع عليه يفوق هذا القدر([35]).

  • محاكم الاستئناف:

تتكون محاكم الاستئناف من عدة غرف متخصصة، من بينها غرفة الأحوال الشخصية والميراث والغرفة الجنائية.

تقوم المحاكم الاستئنافية بصفتها محكمة من درجة ثانية للتقاضي بدراسة القضايا التي تم البت فيها ابتدائياً من قبل المحاكم الابتدائية للمرة الثانية. وبذلك تنظر استئنافيا في الأحكام التي تصدر عن هذه المحاكم أو عن رؤسائها.

  • المجلس الأعلى:

يشتمل المجلس الأعلى على ست غرف: غرفة مدنية (تسمى الغرفة الأولى)، وغرفة للأحوال الشخصية والميراث، وغرفة تجارية، وغرفة إدارية، وغرفة اجتماعية، وغرفة جنائية. يرأس كل غرفة رئيس غرفة.

ينظر المجلس الأعلى في القضايا التالية:

  • الطعون بالنقض ضد الأحكام الانتهائية التي تصدرها جميع محاكم المملكة.
  • الطعون المقدمة ضد القرارات التي يتجاوز بواسطتها القضاة سلطاتهم.
  • البت في تنازع الاختصاص بين محاكم لا توجد محكمة أعلى درجة مشتركة بينها غير المجلس الأعلى.
  • مخاصمة القضاة والمحاكم غير المجلس الأعلى.
  • الإحالة من أجل التشكك المشروع.
  • الإحالة من أجل الأمن العمومي أو لصالح حسن سير العدالة.
  • الاستئناف ضد قرارات المحاكم الإدارية باعتبار المجلس محكمة من درجة ثانية.
  • اللجوء ابتدائياً وانتهائياً إلى طلب الإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة ضد المقررات التنظيمية أو الفردية للوزير الأول، والطعن في قرارات السلطات الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة اختصاص المحكمة الإدارية.

ومن جهة أخرى يبت المجلس الأعلى بصفته محكمة موضوع في:

  • القضايا الجنائية: مسطرة المراجعة تسمح له بإصلاح خطأ قضائي ارتكب على حق شخص وقعت إدانته ظلماً من أجل جريمة أو جنحة([36]).

ثانياً: المحاكم الإدارية

أحدثت المحاكم الإدارية بقانون رقم 9، 41 بتاريخ 22 ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المصادق عليه بالظهير الشريف.. 225-91-1.

تتوزع المحاكم الإدارية التي يبلغ عددها 7 محاكم لتشمل الجهات الرئيسية للمملكة.

ويطبق على قضاة هذه المحاكم النظام الأساسي للقضاة، لكنهم يخضعون لتعيين وتكوين يتلاءم مع وظيفتهم. وتحدد كيفية العمل داخل هذه المحاكم بواسطة جمعياتهم العامة.

تخضع المحاكم الإدارية لمبدأ القضاء الجماعي حيث تعقد الجلسات وتصدر الأحكام بواسطة ثلاثة قضاة، ويمكن للمحكمة أن تقسم إلى أقسام متخصصة حسب ما يتطلبه حجم ونوع القضايا بداخلها.

تختص المحاكم الإدارية للنظر ابتدائياً في:  

  • الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة في مواجهة مقررات السلطة الإدارية.
  • النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية.
  • الأعمال المرتبطة بإصلاح الضرر الناتج عن أعمال وأنشطة أشخاص القانون العام.
  • النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمعاشات ومنح المتوفين من رجال الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وموظفي إدارة مجلس النواب ومجلس المستشارين.
  • المنازعات الضريبية.
  • نزع الملكية الخاصة لأجل المنفعة العامة.
  • فحص شرعية القرارات الإدارية.

خلافاً لقواعد الاختصاص الترابي تنظر المحكمة الإدارية بالرباط في نوعين من النزاعات:

  • المنازعات المرتبطة بالوضعية الفردية لكبار المسؤولين الإداريين المعينين بظهير شريف أو مرسوم.
  • المنازعات التي تحدث في الخارج أو أعالي البحر، وبصفة عامة في جميع الأماكن التي تنشأ فيها النزاعات خارج دوائر اختصاص جميع هذه المحاكم.
  • تستأنف الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية أمام الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى.

وأخيراً عرف التنظيم القضائي المغربي تطوراً مهماً بإحداث محاكم تجارية متخصصة، فيما كان في ظل النظام السابق يرجع الاختصاص للبت في القضايا التجارية للمحاكم الابتدائية، وهذه المحاكم نظم عملها وفق القانون رقم 95-15/1996، وتختص هذه المحاكم بالنظر في القضايا في صنف معين تتعلق بالمسائل التجارية تمشياً مع مبدأ تخصص القضاة من أجل الحصول على عدالة نزيهة.

المطلب الرابع

النظام القضائي الجزائري

مر التنظيم القضائي في الجزائر بعدة محطات أساسية، أهمها مرحلة الإصلاح القضائي لسنة 1965 والذي كرس نظام وحدة القضاء الذي استمر مدة معتبرة إلى غاية صدور دستور 1996، وقد تبنى هذا الأخير نظام الازدواجية القضائية لتتميز الفترة الأخيرة للبلاد بمتطلبات اجتماعية واقتصادية وسياسية أملت ضرورة إعادة النظر في الكثير من المفاهيم التي تحكم التنظيم القضائي الجزائري([37])، مما أدى إلى ظهور توجهات جديدة تم تفعيلها بإحداث اللجنة الوطنية لإصلاح العدالة سنة 1999، وقد بدأت ثمار الإصلاحات تظهر من خلال مراجعة العديد من النصوص التي لها علاقة بالتنظيم القضائي كالقانون الأساسي للقضاء والقانون العضوي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء وكذا إلغاء الأمر رقم 65-278 بصدور القانون العضوي رقم 05/11 المتعلق بالتنظيم القضائي([38]).

هناك عدة أسباب أدت بالمشرع الجزائري إلى تبني نظام الازدواجية القضائية منها:

أولاً: تزايد حجم المنازعات الإدارية:

حيث إن الواقع العملي وتزايد النزاعات الإدارية وتعقيدها نتيجة التطور السريع للمجتمع، كل هذا أدى إلى ضرورة إعادة النظر في النظام القضائي السائد([39]).

ثانياً: فكرة التخصص:

لقد اتجهت إرادة المشرع الجزائري وهو يفصل بين القضاء الإداري والقضاء العادي إلى تكريس فكرة التخصص عن طريق تفرغ قضاة إداريين لهم جانب كبير من الدراية والخبرة بطبيعة النزاع الإداري، خاصة وأن القاضي الإداري تقع على عاتقه مهمة الاجتهاد القضائي.

ثالث: توفر الجانب البشري:

إذا كان الدافع الأساسي لتبني نظام وحدة القضاء بعد الاستقلال هو هجرة القضاة الفرنسيين وعدم وجود العدد الكافي من القضاة الجزائريين لشغل هياكل القضاء الإداري، فإن هذا العائق لم يعد موجوداً لتوفر عدد معتبر من القضاة الأكفاء مما يجعل الجانب البشري المتوفر يساعد على القيام بهذا الإصلاح القضائي.

رابعاً: تغيير المجتمع الجزائري:

عرف المجتمع الجزائري إبتداءاً من دستور 1989 تغيرات جذرية على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، مما تطلب بالضرورة إجراء إصلاحات على مستوى الجانب التشريعي، وكذا على مستوى مؤسسات الدولة، كما تطلب الأمر بالضرورة تغيير هيكلة النظام القضائي.

وفي الأخير يمكن القول أن القضاء الجزائري قد عرف نظامي القضاء الموحد في بداية مراحل تطور القضاء الجزائري ثم عرف الازدواجية إبان الاستعمار الفرنسي ليعود إلى الأحادية بعد الاستقلال ثم إلى الازدواجية بعد التعديل الدستوري سنة 1996.

خاتمة

تختلف الدول في الطريقة التي تنظم بها الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، فمنها ما يأخذ بنظام القضاء الموحد، حيث لا يوجد بها قضاء إداري مستقل عن القضاء العادي، فالقضاء العادي يختص في النظر في جميع النزاعات سواء كانت بين الأفراد أو بين الأفراد والإدارة، وسواء أكانت هذه النزاعات مدنية أو تجارية أو إدارية.

ومن هذه الدول ما يأخذ بالنظام القضائي المزدوج، حيث توجد جهتان قضائيتان، أحداهما تختص بنظر النزاعات الإدارية ممثلة بالمحاكم الإدارية، والثانية تختص بالنزاعات بين الأفراد، وهي المحاكم العادية.

ومن الدول التي تأخذ بالنظام القضائي الموحد بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وليبيا، وبناء على ذلك يسمى النظام القضائي الموحد بالنظام الأنجلوسكسوني.

ومن الدول التي تأخذ بالنظام المزدوج، فرنسا والتي تعتبر مهد هذا النظام، وقد سارت على نهجها دول أخرى، منها الجزائر، والمغرب وتونس ومنها مصر منذ صدور قانون مجلس الدولة المصري سنة 1946، وسوريا ولبنان.    


[1] أنظر د. آمال الفزايري، ضمانات التقاضي، دراسة تحليلية مقارنة بين النظام القضائي الإسلامي- السعودي- المصري- الفرنسي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1990، ص17 وما بعدها.

[2] انظر د. نبيل إسماعيل عمر، قانون المرافعات المدنية والتجارية، نظرية الدعوى، الاختصاص، الخصومة، الحكم، طرق الطعن، دار الجامعة الجديدة، 1994، ص26.

[3] راجع د. صلاح الدين عبد اللطيف، مبادئ التنظيم القضائي والتقاضي والمرافعات في المملكة الأردنية الهاشمية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1996، ص38.

[4] انظر كريستيان ري سوجور، وضع القاضي في التنظيم القضائي الفرنسي (الاستقلالية والمسؤولية)، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2005، ص2.

[5] انظر د. أحمد السيد صاوي، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، 1994، ص52.

، د. أحمد مسلم، أصول المرافعات، التنظيم القضائي، والإجراءات والأحكام في المواد المدنية والتجارية والشخصية، دار الفكر العربي، 1978، ص40.

[6] أنظر د. أحمد أبو الوفا، أصول المحاكمات المدنية، الدار الجامعية، 1989، ص101.

[7] راجع د. أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، دار الشروق، القاهرة، 2002، ص543.

[8] أنظر د. أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص545.

[9] أنظر: د. أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص546.

[10] راجع د. نبيل إسماعيل عمر، المرجع السابق، ص27.

[11] أنظر أ. بلغيث عمارة، الوجيز في الإجراءات المدنية، دار العلوم، عنابة، 2005، ص98.

[12] أنظر: د. أحمد مسلم، المرجع السابق، ص43.

[13] راجع د. الطيب الفصايلي، التنظيم القضائي في المغرب وفق ظهير 10 سبتمبر 1993، مكتبة وراقة البديع، 1997، ص60.

[14] أنظر د. أحمد السيد صاوى، المرجع السابق، ص35 وما بعدها.

[15] راجع د. الطيب الفصايلي، المرجع السابق، ص53.

[16] انظر د. الكوني على أعبودة، قانون علم القضاء، النظام القضائي الليبي، المركز القومي للبحوث والدراسات العلمية، 2003، ص53.

[17] أنظر د. مازن ليلو راضي، دور القضاء الإداري في حماية حقوق الإنسان، مقال منشور بشبكة المعلومات، آخر إطلاع 6/2/2010.

[18] راجع د. محمد الحراري، النظام الليبي للرقابة القضائية من خلال وحدة القضاء، رسالة دكتوراه بالفرنسية، أكاديمية العلوم الاجتماعية بجرنوبل، 1985، ص75.

[19] انظر د. محمد الحراري، المرجع السابق، ص80 وما بعدها.

[20] انظر د. محمد الحراري، الرقابة على أعمال الإدارية، مذكرات مكتوبة لطلبة كلية القانون بجامعة قار يونس، 1983، ص16 وما بعدها.

[21] أشار مشروع القانون الجديد بشأن التنظيم القضائي الذي سيرى النور قريباً على أن محاكم الجنايات ومحاكم دوائر القضاء الإداري سوف تكون دوائر ضمن المحاكم الابتدائية، واعتبار محاكم درجة أولى، ويتم الطعن فيها أمام محكمة الاستئناف.

[22] أنظر د. محمد الحراري، رقابة دوائر القضاء الإداري، 1990، ص40 وما بعدها.

[23] أنظر المستشار أحمد الجندوبي، المستشار حسين بن سليمة، أصول المرافعات المدنية والتجارية، تونس 2005، ص35.

[24] راجع القاضي محمد صالح بن حسين، محكمة الناحية، محاضرة غير منشورة ألقيت بالمعهد الأعلى للقضاء خلال عام 1997.

[25] انظر أ. نور الدين الغزاوني، دروس في قانون المرافعات المدنية والتجارية، كلية الحقوق بتونس، 1992، ص103.

[26] أنظر القاضي الطيب اللومي، محكمة الاستئناف، محاضرة ألقيت بالمعهد الأعلى للقضاء خلال عام 1997.

[27] أنظر المستشار أحمد الجندوبي، المستشار حسين بن سليمة، المرجع السابق، ص44 وما بعدها.

[28] راجع الفصل 191 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية في تونس.

[29])( By Lee Applebaum, The “New” Business Courts, Responding to Modern Business and Commercial Disputes Business Law Today, Volume17, number 4 March/ April 2008.

[30]) (History of the Commercial Division http://www.nycourts.gov/courts/comdiv

[31])( REPORT OF THE OFFICE OF COURT DMINISTRATION http://www.nycourts. Gov/courts to the CHIEF JUDGE on the COMMERCIAL DIVISION FOCUS GROUPS JULY 2006, THE COMMERCIAL DIVISION of the SUPREME COURT of the STATE of NEW YORK.

[32] راجع غازي الغرايري، القانون عدد 39 المؤرخ في 3 جوان 1996 مبرراته وإضافاته، محاضرة ألقيت بالملتقى الخاص بإصلاح القضاء الإداري.

[33] راجع د. الطيب الفصايلي، المرجع السابق، ص83.

[34] انظر كتيب محاكم الجماعات والمقاطعات الصادر عن جمعية الحقوقيين المغاربة، العدد الثاني. ص25.

[35] راجع د. الطيب الفصايلي، المرجع السابق، ص144 وما بعدها.

[36] راجع د. محمد الكشبور، نظام التصدي ووظيفية المجلس الأعلىن مجلة القضاء والقانون، س26، ع139، ص51 وما بعدها.

[37] انظر د. عمار بوضياف، النظام القضائي الجزائري، دار ريحانة، ط2003، ص238 وما بعدها.

[38] انظر د. رشيد خلوفي، قانون المنازعات الإدارية، تنظيم واختصاص القضاء الإداري، ديوان، المطبوعات الجامعية، ط2005 ص1 وما بعدها. 

[39] انظر بودريوه عبد الكريم- القضاء الإداري في الجزائر- الواقع والأفاق- مقال منشور بمجلة مجلس الدولة- ع6- 2005.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading