The tax binding guarantees during the correction procedure in light of the registration tax
الباحث: ادريس برحو?
Researcher: Idris Barhou
باحث بصف الدكتوراهكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية وجدة
PhD researcher at the Faculty of Legal, Economic and Social Sciences, Oujda
ملخص:
ان الجانب المسطري خلال مسطرة التصحيح الضريبي يكتسي أهمية كبرى، بالنظر إلى دوره في تنظيم مختلف مراحل المواجهة بين الإدارة الضريبية والملزم على مستوى الإجراءات والآجال، ولكونه، العنوان الأبرز لحجم الضمانات الممنوحة للملزم خلال هذه المواجهة، وبه تقاس بساطة ومرونة وعدالة النظام الجبائي لأي دولة.
ومن جهة ثانية، فالدول الديمقراطية تقاس بمقدار الحماية القانونية لملزميها في مواجهة الإدارة الضريبية، وقدرتهم على المشاركة في الفرض الضريبي، والوصول إلى المعلومة الضريبية بكل حرية، وأيضا بما يتاح لهم من إمكانات لمنازعتها في مختلف الإجراءات والقرارات التي يرون أن فيها مسا بحق من حقوقهم.
حاولت معالجة موضوع ضمانات الملزم الضريبي خلال مسطرة التصحيح في ضل ضريبة التسجيل من خلال معرفة كيفية ممارسة الإدارة الجبائية لمسطرة تحديد الوعاء الضريبي في ضريبة التسجيل وكذا إجراءات المراقبة وحقوق وواجبات أطراف العلاقة الضريبية من ملزم وإدارة ضريبية خلال هذه المرحلة وكذا ما يميز هذه المرحلة عن مسطرة الفرض التلقائي.
Summary:.
The ruled aspect during the tax correction procedure is of great importance, given its role in organizing the various stages of confrontation between the tax administration and the obligator at the level of procedures and deadlines, and because it is the most prominent title of the amount of guarantees granted to the obligor during this confrontation, and by which the simplicity, flexibility and fairness of the tax system of any country are measured.
On the other hand, democratic countries are measured by the amount of legal protection for their obligors in the face of tax administration, their ability to participate in tax imposition, and free access to tax information, as well as by the possibilities they have to dispute it in various procedures and decisions that they see as infringing on their rights.
I tried to address the issue of tax binding guarantees during the correction procedure in light of the registration tax by knowing how the tax administration exercises the rule for determining the tax base in the registration tax, as well as the control procedures and the rights and duties of the parties to the tax relationship from binding and tax administration during this stage, as well as what distinguishes this stage from the imposition procedure automatic.
مقدمة:
تنشأ الضريبة في صلب العلاقة بين الدولة والمواطن عموما، وبين الإدارة والملزم خصوصا، كظاهرة اجتماعية واقتصادية وسياسية وإدارية، وتدخل في كل مناحي الحياة وأوجهها، إذ أن شكل ومضمون هذه العلاقة وطبيعة تنظيمها، هو الوجه الأبرز والمؤشر على مدى احترام الدولة لمواطنيها. ومن جهة ثانية، فالدول الديمقراطية تقاس بمقدار الحماية القانونية لملزميها في مواجهة الإدارة الضريبية، وقدرتهم على المشاركة في الفرض الضريبي، والوصول إلى المعلومة الضريبية بكل حرية، وأيضا بما يتاح لهم من إمكانات لمنازعتها في مختلف الإجراءات والقرارات التي يرون أن فيها مسا بحق من حقوقهم.
ويبقى أبرز عنوان لهذه الحماية التي تختلف من دولة إلى أخرى، هو الجانب المسطري الذي يكتسي أهمية أكبر في الجانب الضريبي، بالنظر إلى دوره في تنظيم مختلف مراحل المواجهة بين الإدارة الضريبية والملزم على مستوى الإجراءات والآجال، ولكونه من جهة أخرى، العنوان الأبرز لحجم الضمانات الممنوحة للملزم خلال هذه المواجهة، وبه تقاس بساطة ومرونة وعدالة النظام الجبائي لأي دولة، كما هو الحال بالنسبة لنظامنا الضريبي المغربي، الذي اختار السير في هذا المسار، عبر إقراره لمجموعة من الضمانات المسطرية لصالح الملزمين في اتجاه تحقيق تلك المعادلة التاريخية الصعبة بين حقوق وواجبات الدولة في علاقتها بحقوق وواجبات ملزميها، خصوصا في المجال الضريبي.
إن تناول موضوع ضمانات الملزم الضريبي خلال مسطرة التصحيح في ضل ضريبة التسجيل يتطلب منا معرفة كيفية ممارسة الإدارة الجبائية لمسطرة تحديد الوعاء والمراقبة في ضريبة التسجيل (المبحث الأول)، وكذا ما يميزها عن مسطرة الفرض التلقائي (المبحث الثاني).
المبحث الأول: مسطرةتحديد الوعاء في ضريبة التسجيل
يتعين على أطراف العقد بيان الأثمان والقيم وغيرهما من المبالغ التي يتم الالتزام بها في العقد بدقة، حتى يتسنى لمفتش الضرائب المكلف بالتسجيل احتساب الضريبة المستحقة للخزينة، وفي حالة إغفالها أو عدم بيان العناصر الضريبية لتحديد هذا الوعاء، يمكن للأطراف تقديم تصريحات مفصلة وتقديرية بها من دون الإخلال بحق الإدارة في التأكد من صدق تلك التصريحات.
فمقابل حرية الأطراف المتعاقدة في تحديد بنود اتفاقاتهم ونطاقها، تتمتع الإدارة الجبائية بصلاحيات واسعة في بسط رقابتها على العناصر ذات الصلة بتقدير الوعاء الضريبي. ومؤدى ذلك أن ارتكاز النظام الجبائي المغربي على ثنائية التصريح والمراقبة تقتضي من المشرع تمكين الإدارة الجبائية من سلطات قانونية لفرض احترام الالتزامات الجبائية، مما يحتم الإقرار بحقها في إجراء المراقبة قصد تصحيح جميع الوضعيات المخالفة للقانون، وهو ما من شأنه ترتيب آثار مختلفة سواء بالنسبة للأطراف أو بالنسبة لتحديد نطاق الإلزام الضريبي.
إن الإلمام بكيفية ممارسة الإدارة الجبائية لهذه الصلاحيات، يستدعي بحث حق المراقبة المخولة لها في ضريبة التسجيل (المطلب الأول)، وكذا مختلف الآثار المترتبة عن سلوك مسطرة تصحيح الأثمان والقيم (المطلب الثاني).
المطلب الأول: حق المراقبة
تخول المادة 210 م.ع.ض حقا عاما لإجراء المراقبة على الإقرارات والعقود المستعملة لفرض الضرائب والواجبات والرسوم، ويلتزم لهذه الغاية جميع الخاضعين للضريبة أشخاصا ذاتيين كانوا أو معنويين بالإدلاء بجميع الإثباتات الضرورية وتقديم جميع الوثائق المحاسبية إلى المأمورين المحلفين التابعين لإدارة الضرائب المتوفرين على الأقل على رتبة مفتش مساعد والمعتمدين للقيام بمراقبة الضرائب.
ويمارس هذا الحق في نطاق ضريبة التسجيل في حالتين، الأولى تتعلق بمراقبة الأثمان والقيم المصرح بها في العقود للمطالبة بالضريبة التكميلية الناتجة عن مسطرة التصحيح، أما الثانية فهي تنصرف إلى غياب العقد تلقائيا من مصلحة التسجيل لإجراء تسجيله والدفع التلقائي للضريبة المستحقة.
سنتطرق لهذا المطلب من خلال طبيعة إجراءات مسطرة مراقبة وتصحيح الأثمان (الفقرة الأولى) والصعوبات المترتبة عنها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مسطرة تصحيح الأثمان
إن تقديم العقد الخاضع للتسجيل لدى الإدارة هو بمثابة إقرار من طرف الخاضع للضريبة[1] ويصلح كأساس لربط الضريبة استنادا للعناصر التي يتضمنها والتي تسمح بفرض وتحصيل رسوم التسجيل.
لذلك، فالأصل أن يتم تحديد واستخلاص واجبات التسجيل حسب الأثمنة والقيم المتفق عليها والمصرح بها في العقود من طرف المتعاقدين. فإذا تبين أن المبالغ النقدية المصرح بها والتي تمت المعاملات على أساسها لا تطابق القيم الحقيقية للأموال التي تم تداولها، جاز للإدارة استعمال صلاحيتها في إجراء حق المراقبة بشكل يضمن استيفاء الواجبات المستحقة للخزينة كاملة غير منقوصة.
غير أن حسن توظيف هذا الحق يتوقف على حجم وطبيعة المعلومات التي قامت الإدارة بجمعها والتي من شأنها تسهيل الاهتداء إلى القيمة الحقيقية للأموال موضوع التفويت، لان خصوصيات المادة الخاضعة للضريبة في إطار ضريبة التسجيل، تفرض على الإدارة استعمال حقها في الإطلاع والتحري (اولا) ونطاق تطبيقه (ثانيا).
طبقا للمادة 214 م.ع.ض يجوز للإدارة الجبائية الحصول على جميع المعلومات التي من شأنها أن تفيد في ربط ومراقبة الضرائب والواجبات والرسوم المستحقة على الغير[2].
يظهر إذن، أن المقصود بحق الإطلاع[3] هو تلك الإمكانية المتاحة لأعوان الإدارة الجبائية، والتي بمقتضاها يتم الحصول من لدن الغير على معلومات تفيد في ربط ومراقبة الضريبة الخاصة بملزم معين[4].
إن نطاق ممارسة الإدارة الجبائية لحقها في الاطلاع محصور سواء من حيث الأشخاص المعنيين به، أو من حيث الوثائق والمستندات التي يمكن أن ينصب عليها.
تلجأ الإدارة الجبائية إلى استخدام حقها في الإطلاع إزاء جميع الجهات التي يمكن أن تفيدها في شأن تأسيس الضريبة، يستوي أن تكون هذه الجهات أشخاصا ذاتيين أو معنويين، كما لا يهم انتماؤها إلى القطاع العام أو الخاص.
وتبعا لذلك، فإن البنوك وشركات التأمين والإدارات العامة والمؤسسات العمومية والموثقين والعدول وقضاة التوثيق والسماسرة والوسطاء وجميع الملزمين بمسك المحاسبة طبقا لمقتضيات مدونة التجارة هم مخاطبون بأحكام المادة 214 م.ع.ض المنظمة لحق الإطلاع، غير أنه لا شيء يمنع الإدارة الجبائية في إطار صلاحياتها الواسعة في التحري عن المعلومات من تمديد هذا الحق ليشمل الغير ممن هم غير مشمولين بأحكامه قانونا، مع حفظ أحقية هؤلاء في الامتناع عن الرد والجواب طالما أنهم غير ملزمين أصلا به، فيبقى لهم حق الاختيار بين تلبية طلب الإدارة أو الإحجام عن الرد، ويتعين لهذا الغرض التنصيص بشكل واضح على هذا الاختيار في صلب الطلب الصادر عن الإدارة الجبائية[5].
ومن المفيد بيانه، أن حق الإطلاع يتميز عن حق الفحص والتدقيق من حيث أنه لا يحتاج إلى شكليات معينة لممارسته، إذ يكفي أن يرد كتابة، كما لا يستدعي الاستعانة بخدمات المحامي أو المستشار القانوني من لدن الشخص أو الجهة التي يمارس ضدها، فضلا عن إمكانية اللجوء إليه من طرف الإدارة لأكثر من مرة وفي أي وقت تشاء[6].
إن كل وثيقة يمكن أن تفيد في ربط وتأسيس ضريبة التسجيل هي مشملة بأحكام حق الإطلاع، بحيث يدخل في هذا الإطار جميع الوثائق والمستندات التي تفرض مدونة التجارة والقانون المحاسبي مسكها من طرف أشخاص القانون الخاص أو أشخاص القانون العام غير الدولة وهيئاتها والذين يزاولون أنشطة مهنية أو تجارية[7]، ومن ذلك الدفاتر التجارية والفاتورات وبطاقات الأداء وغيرها من الوثائق اتي تقتضيها طبيعة النشاط المهني أو تفرضها القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، يستوي أن تكون تلك الوثائق والمستندات مثبتة على حامل ورقي أو حامل إلكتروني.
ويمتد حق الإطلاع ليشمل كذلك الوثائق التي يتولى حفظها الأشخاص الذين يزاولون المهن القضائية كالموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء، فضلا عن السجلات والملفات التي تمسكها الإدارات والمؤسسات العمومية في نطاق اختصاصاتها، ومن ذلك سجلات المحافظة العقارية وسجل الرخص بالجماعات الحضرية والقروية وملفات الصفقات العمومية، وبصفة عامة جميع المستندات التي من شأنها تنوير الإدارة بشأن حقيقة رقم أعمال الملزم بالضريبة أو حقيقة العقد أو المعاملة التي يكون قد أجراها مع الغير[8].
وبالنسبة لضريبة التسجيل، فإنه كثيرا ما يصعب تحديد طبيعة أو حقيقة العقد المبرم بين أطرافه، مما يحول عمليا دون المطالبة بالضريبة المستحقة من دون إجراء تحريات دقيقة خارجة عن ما هو مسطر ببنود العقد.
ذلك، أن الكشف عن ظروف وحيثيات إجراء المعاملة والتحري عنها لدى الجهات المعنية هي الوحيدة التي تسمح بترتيب الضريبة الواجبة قانونا على أساس حقيقة العقد، في هذا الإطار قضت محكمة النقض الفرنسية بصحة إعادة تكييف عقد تأمين مدى الحياة على أنه عقد هبة غير مباشرة[9]، وإن إبرام العقد تحت الوصف الذي أطلقه المتعاقدان ليس إلا مطية للتهرب من أداء الواجبات المستحقة برسم التسجيل على أساس الوصف الحقيقي للعقد، فيجوز للإدارة إعادة تكييفه استنادا إلى المعلومات التي تحوزها والتحريات التي باشرتها.
الفقرة الثانية: الصعوبات المترتبة عن تطبيق حق المراقبة
تتجلى الغاية الرئيسية من ممارسة حق المراقبة في توفير وسائل الإثبات الضرورية للاستناد إليها في ربط وتأسيس الضريبة.
لذلك، فإن وضع اليد على هذا الإثبات ليس دائما بالأمر اليسير، بالنظر إلى الصعوبات الناجمة عن ذلك والتي ترجع إما لخصوصيات بعض المهن التي قد ينصب عليها أو إلى كيفية إجرائه.
اولا- الصعوبات الناجمة عن خصوصيات بعض الأنشطة المهنية:
إذا كانت الوثائق التي تمسك وتحفظ من طرف أشخاص القانون العام كالإدارات والمؤسسات العمومية لا تطرح إشكالا كبيرا في الإطلاع عليها من طرف مفتشي الإدارة الجبائية، فإنه على العكس من ذلك يكاد ممارسة هذا الحق يتعثر بالنسبة لبعض الأنشطة المهنية التي يزاولها الخواص.
غير أنه لما كان حق الإطلاع ينصرف إلى الوثائق ذات الطابع التجاري والمحاسبي باعتبارها هي التي بإمكانها الكشف عن مقدار الأتعاب المؤداة والمبالغ التي تم تحصيلها ومجموع المصاريف التي تم إنفاقها وطرق تحصيلها، فإن باقي المعلومات والبيانات ذات الصلة بالمهنة والمتعلقة بالزبائن وأسرارهم تبقى محدودة الأهمية بالنسبة لحق الإطلاع، الشيء الذي يجعل التذرع بمبدأ السر المهني المتمسك به في نطاق هذه المهن مجرد وسيلة لعرقلة سلوك هذا الإجراء والغاية المتوخاة منه[10].
أكثر من ذلك، فإن الفقرة الخامسة من المادة 214 م.ع.ض تنص على ان حق الإطلاع لا يمكن أن يشمل مجموع الملف فيما يتعلق بالمهن الحرة التي تستلزم مزاولتها تقديم خدمات ذات طابع قانوني أو ضريبي أو محاسبي.
وتزداد حدة الإشكال أكثر بالنسبة للقطاع البنكي، وهو ما دفع بعض الفقه إلى التساؤل عن نطاق ممارسة حق الإطلاع في المهنة البنكية، هل هو محصور في الدفاتر والوثائق التي يفرض القانون التجاري أو المحاسبي مسكها[11] تحت طائلة انعقاد مسؤولية الموظف المدنية والجنائية عن خرق السر البنكي[12]، أم انه يتعدى ذلك ليشمل سائر المستندات ذات الصلة بنشاط البنوك ومؤسسات الائتمان؟
بالاستئناس بالفقه[13] والقضاء المقارنين، يتضح أن الحاجة إلى محاربة الغش الضريبي والحق في الوصول إلى المعلومات تمنع على الأبناك التمسك بالسر المهني مما يوجب عليها ضمان الولوج إلى جميع البيانات والمعلومات المرتبطة بمزاولة النشاط البنكي[14].
حرص المشرع الجبائي على تقييد سلوك حق الإطلاع بمجموعة من الشروط تعزيزا لدوره في الإثبات وصونا لقوة الدليل التي يمكن أن ينتج عنه، فأوجب لهذه الغاية تقديم طلب كتابي بشأنه إلى الجهة المعنية به مع منحها الأجل الكافي للوفاء بالمطلوب تفاديا للإزعاج الذي يمكن أن تشكله هذه المسطرة بالنسبة لبعض الأشخاص والهيئات وبصفة خاصة الشركات.
فالمشرع نص على أن يمارس حق الإطلاع بالمكان الذي يوجد به المقر الرئيسي للأشخاص الطبيعيين والمعنويين المعنيين أو مؤسستهم الرئيسية، ماعدا إذا قدم المعنيون بالأمر المعلومات كتابة أو سلموا الوثائق مقابل إيصال لمأموري إدارة الضرائب المحلفين الذين لهم على الأقل رتبة مفتش مساعد.
ولاشك، أن استعمال الوسيلة الكتابية في تقديم هذه الوثائق لمن شأنه التخفيف من حدة الآثار الناتجة عن ممارسة حق الإطلاع، مما يتعين معه الاحتياط في طريقة سلوكها بحيث لا ينبغي لإكراهات تدبير الضريبة أن تكون عائقا أمام ممارسة الحريات المخولة للأفراد والجماعات.
غير أنه مع ذلك، ينبغي الإقرار بأن المسطرة الكتابية لا تنسجم دائما مع طبيعة حق الإطلاع الذي تفرض بعض الحالات ممارسته بدون أية شكلية محددة، كما هو الحال في القانون الجبائي الفرنسي[15] والقانون الجبائي التونسي اللذين حصرا تقديم الطلب في الحالة التي يكون فيها الخاضع الملزم معرضا لمراجعة معمقة[16].
ارتباطا بضريبة التسجيل، فإن مجرد الإطلاع بعين المكان على العقود والدفاتر ووثائق الملفات التي يمسكها أو يحفظها الأشخاص الذين يتولون مهام تحرير العقود كالموثقين والعدول والمحامين الذين يعهد إليهم بتحرير البيوع العقارية وخبراء المحاسبة فيما يخص بعض عقود الشركات، جد كاف للتوصل إلى المعلومات المفيدة في ربط الضريبة المستحقة برسم إحدى العمليات الخاضعة لضريبة التسجيل[17].
ذلك أن كيفية إجراء هذه المسطرة في نطاق ضريبة التسجيل، تختلف كلية عن باقي الضرائب الأخرى كالضريبة على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، التي قد يحتاج ممارسة حق الإطلاع فيها الحصول على كم هائل من المعلومات بالنسبة لملزم واحد ويتعين عرضها عليها لاحقا عند إجراء المراقبة في إطار المسطرة التواجهية، في حين أن المسالة لا تتعدى في ضريبة التسجيل في الغالب الأعم عملية فريدة قد تغني فيها أحيانا أسلوب القرائن عن جدوى الحصول على نسخة العقد للاحتجاج به على الملزم عند الاقتضاء ما لم يتعلق الأمر بتفويتات مستترة للأسهم وباقي القيم المنقولة.
بناء على ذلك، فإن الإدارة الجبائية غير ملزمة بإخبار الملزم عن مصدر المعلومات التي اعتمدتها في فرض الضريبة إذا كان الأمر مثلا لا يتعلق سوى بمعلومات وبيانات مضمنة في عقد سبق تقديمه لغرض التسجيل مما يسمح للإدارة بالاحتجاج به على الغير[18].
إلا أنها مع ذلك، مقيدة باحترام المشروعية في طريقة الحصول على تلك الوثائق، فلا يحتج على الملزم أثناء إجراء المراقبة والتصحيح إلا بالوثائق والتحريات التي تم الحصول عليها بطرق مشروعة، في حين تستبعد تلك التي تم التوصل إليها عن طريق الاحتيال والخداع[19].
المطلب الثاني: مسطرة تصحيح الأثمان والقيم
تنص المادة 217 م.ع.ض على مايلي:
“يمكن أن تكون الأثمان أو التصريحات التقديرية، المعبر عنها في العقود والاتفاقات موضوع تصحيح من طرف مفتش الضرائب المكلف بالتسجيل إذا تبين أنها لا تطابق القيمة التجارية للأملاك المتعلقة بها في تاريخ إبرام العقد أو الاتفاق.
يباشر التصحيح المذكور وفقا للمسطرة المنصوص عليها في المادة 220 أدناه”.
يتضح من قراءة المادة أعلاه، أنها تؤسس لقاعدة أساسية في نطاق ضريبة التسجيل مفادها وجوب مراعاة التناسب والمعادلة بين الأثمان والقيم المعبر عنها في العقود والاتفاقات مع قيمتها التجارية تحت طائلة تصحيحها عن طريق مسطرة المراقبة التي يجريها المفتش المكلف بالتسجيل.
وعلى هذا المستوى بالذات، يثار التساؤل عن ماهية القيمة التجارية وما المقصود منها (الفقرة الاولى)، ثم ما هي القواعد المؤطرة لتحديد القيمة التجارية للأموال المفوتة (الفقرة ثانية).
الفقرة الاولى: مفهوم القيمة التجارية
لم يعرف المشرع الجبائي القيمة التجارية للملك[20]، كما لم يبين ما المقصود منها، فهي ليست مفهوما خاصا بالقانون الجبائي، إلا أنه مع ذلك تزخر المدونة العامة للضرائب بتطبيقات مختلفة منها باعتبارها أحد تجليات المقاربة الاقتصادية التي يوظفها المشرع الجبائي في إخضاعه للضريبة مجموع الوقائع والتصرفات القانونية الناقلة للملكية.
لذلك، فقد تصدى بعض الفقه لتعريفها بأنها الثمن العادي الحقيقي الذي يمكن أن يحصل عليه المالك في سوق معينة، خلال فترة محددة مقابل خروج مال معين من ذمته في ضوء قانون العرض والطلب. أو إنها ذلك الثمن الممكن الحصول عليه على إثر تخلي البائع عن بعض أمواله أو كلها من خلال سوق تستجيب للمنافسة وتوفر أجلا معقولا للتفاوض من خلال ضمان حق الجمهور في المشاركة فيه نتيجة إشهار واسع لذلك البيع[21].
فهي إذن غير القيمة الذاتية للشيء المبيع، كما أنها تختلف عن القيمة القانونية أو القيمة المالية والاقتصادية التي تأخذ بعين الاعتبار عناصر التكلفة في تحديد قيمة ذلك الشيء، وبعبارة أخرى فإن القيمة التجارية يراد بها ذلك الثمن الممكن تحديده استنادا إلى الأثمنة التي تمت بها معاملات أخرى متعلقة بأموال مماثلة للشيء أو المال المبيع سواء من حيث الجودة أو المقدار[22].
كما يرتب النقصان في الثمن عن وجود فارق بين الثمن المصرح به في العقد المقدم للتسجيل وبين القيمة الحقيقية للشيء المبيع عقارا كان أو أصلا تجاريا.
فإذا كان النقصان متعمدا بين أطراف العقد بأن قصدا استعمال الطرق الاحتيالية التي من شأنها التدليس على الإدارة الجبائية لغرض تضليلها والتقليص من مبلغ الواجبات المستحقة لها، جاز لهذه الأخيرة المطالبة بزجر الفعل الجرمي المذكور باعتبار هذا الإخفاء بمثابة تقديم بيانات غير صحيحة في العقد، وتتعارض كلية مع ما هو مضمن في العقد الخفي الذي تحوزه الإدارة أو مع الاعترافات الصريحة الصادرة عن أحد أطراف العقد أو مع الوقائع الثابتة في حكم قضائي والتي تؤكد هذا الإخفاء[23]، وهو ما يبرر تشديد الجزاءات في هذه الحالات برفع الغرامة المستحقة ومضاعفتها.
وعلى العكس من ذلك، فان النقصان الذي لا يتم عن سوء نية أطراف العقد بحيث أن سوء التقدير فقط من جانب المتعاقدين هي التي أفضت إلى إرساء قيمة للتفويت تبعد كثيرا عن القيمة الحقيقية للشيء المبيع، لا يبرر إطلاقا تشديد الجزاءات في هذه الحالة عند قيام المفتش المختص بتصحيح هذه القيمة استنادا إلى ما توفر لديه من معلومات قام بجمعها سواء من خلال عمله اليومي المعتاد في تسجيل العقود مما يوفر له دراية كبيرة بالأثمان الجارية في السوق العقاري، أو من خلال تحرياته الخاصة عن طريق مسطرة الإطلاع التي سبق توضيح كيفية ونطاق إجرائها.
فقد يحدث أن تكون الظروف التي يتواجد فيها البائع هي الدافعة له للتخلي عن بعض أمواله تحت عامل الاستعجال بثمن لا يطابق قيمتها التجارية، مما ينتج للمشتري تحقيق صفقة مربحة بحيث حصل على هذا المال بالمواصفات التي يرغب فيها وبثمن لا يعكس حقيقة الأثمان الجارية في السوق[24]؟
ففي مثل هذه الحالات وغيرها كثير، لا يمكن القول إن النقصان في الثمن هو ناتج عن وجود واقعة إخفاء ناتجة عن الغش والتدليس، بل كل ما في الأمر أن البائع تنازل عن حقه في التحري بشأن حقيقة الأثمان الجارية وقت التفويت، فيكون من غير المنطقي أن يحول قبوله بالثمن المقترح عليه من أول مشتر دون استعمال الإدارة لصلاحيتها في مطالبة هذا الأخير بضريبة التسجيل على أساس الثمن الحقيقي المطابق للقيمة التجارية للأموال المفوتة.
فالمعاملة التي قام بها المشتري إذا كانت تجد سندها في نظرية الصفقة المربحة (Théorie de la bonne affaire) بما تعنيه من حسن استغلال الفرص والمهارة في التفاوض، فيجب ألا تمس بحقوق الخزينة مما ستوجب استبعاد الثمن الناتج عن هذه النظرية وإعادة المطالبة بضريبة التسجيل على أساس الثمن الذي يطابق القيمة التجارية الحقيقية للشيء المفوت بحسب الأسعار الجارية في السوق وقت التفويت، وهو في الأخير لا يعدو أن يكون سوى ثمنا جديا وحقيقيا لا تافها أو صوريا بالمفهوم المدني للثمن[25].
خلاصة القول، أن كلا من النقصان في الثمن والإخفاء منه يستويان في النتيجة، حيث أنهما يؤديان معا إلى تقليص مبلغ الواجبات المستحقة برسم ضريبة التسجيل، إلا أنهما يختلفان من حيث أن الأول قد يكون تلقائيا ناتجا عن ظروف التعاقد، أما الثاني فهو مدبر بهدف الإضرار بحقوق الخزينة وينم عن سوء نية واضحة من جانب الملزم، الشيء الدي يفرض معاملته بنقيض قصده بمطالبته بالضريبة كاملة مع الرفع من نسبة الغرامة المطبقة في حقه بعد إعادة تحديد القيمة التجارية الحقيقية للمال المفوت.
الفقرة الثانية– طريق تحديد القيمة التجارية للأموال المفوتة:
توجد طرق عدة لتحديد القيمة التجارية للاموال المفوتة، يستوي أن تكون عقارات فضاء او بنايات أو أراضي فلاحية أو أصولا تجارية، حيث تدخل عناصر مختلفة في تحديد هذه القيمة إما بالزيادة فيها او بتخفيضها بحسب درجة تأثير هذه العناصر، فالموقع ومستوى التجهيز مثلا يعتبر أمران حاسمين بالنسبة للمحلات والأصول التجارية في حين يستأثر المحيط الجغرافي والبيئي والقرب من الخدمات المختلفة بأهمية كبيرة بالنسبة للأراضي القابلة للبناء، إضافة إلى طبيعتها ومشتملاتها استنادا إلى تصاميم التهيئة. فيما يحظى جودة البناء ومدى قدمه، ودرجة الصيانة والرفاه التي توفرها، بالأولوية في العقارات المبنية. أما العقارات الفلاحية فالعبرة فيها بدرجة خصوبة الأراضي وتقدم الوسائل التقنية المستعملة في الاستغلال والمعالجة[26].
فهذه العناصر وأخرى مماثلة، يتعين على أهل الخبرة رصدها لكونها تؤثر لا محالة في تحديد القيمة التجارية سواء وقع تقديرها عن طريق المقارنة (اولا)، أو عن طريق الدخل(ثانيا)، أو بتطبيق معامل إعادة التقويم (ثالثا).
اولا- التقدير عن طريق المقارنة المباشرة:
ترتكز هذه الطريقة في تحديد قيمة مال معين بالاستناد على أثمنة أموال أخرى مماثلة له من حيث الخصائص والمميزات. وتفترض لزوما سوقا نشيطة لأصول متجانسة، بحيث يمكن الاطمئنان إليها كمرجع في تقدير قيمة بقع أرضية صالحة للبناء في تجزئة معينة، أو قيمة مستودعات في مواقف للسيارات، أو قيمة عقارات معدة للسكن في الأحياء السكنية.
فالسوق المتجانسة بهذا المعنى تسمح بحرية واسعة في الاختيار، لكن مع احترام شرط التماثل[27]، فلا يقارب بين القيم الجارية في مراكز تجارية وتلك المطبقة بالنسبة للأحياء السكنية[28].
ثم إن التقليل من هامش الخطأ في تطبيق هذه الطريقة، تستدعي لزوما استبعاد عقود التفويت التي تتم لاعتبارات شخصية أو للمحاباة، كوجود علاقة الصداقة أو القرابة بين المتعاقدين، من دائرة عقود المقارنة لأنها تؤدي إلى تخفيض ثمن التفويت.
ولنفس العلة يتعين استبعاد التفويتات التي تتم بأثمان باهضة حدا لاعتبارات تخص المتعاقدين، كالاحتياط من ممارسة الشفعة مثلا، أو لرغبة المشتري في الحصول على قرض بنكي لاستعمالات أخرى خارجة عن تمويل المال المراد شراؤه، فيعمد مثلا إذا كان الأمر يتعلق بشراء عقار سكني إلى الاتفاق مع البائع على الرفع من ثمن البيع.
إن مثل هذه التفويتات تعتبر استثنائية ولا تعكس مستوى السوق، فيتعين استبعادها من دائرة المقارنة لعدم إمكان القياس عليها. ذلك أن عدم استجابة عقود المقارنة لهذه الشروط يجعل الثمن المصرح به محصنا وغير قابل للمنازعة فيه من طرف الإدارة[29]، ما لم تثبت أن الثمن المصرح به لا يطابق القيمة التجارية للعقار بتاريخ التفويت، وأنه يقل عن قيمة التفويتات التي جرت في نفس المنطقة بالاستناد إلى عناصر مقارنة وجيهة وموضوعية وخالية من كل العيوب التي تحد من اعتمادها كأساس في الإثبات[30].
ثانيا- التقدير عن طريق المقارنة غير المباشرة:
تقوم هذه الطريقة على تحديد قيمة مال معين عن طريق إخضاعه لوحدة قياس تتمثل في الأثمنة السائدة في السوق والمطبقة للأموال المماثلة، وتفترض هذه الطريقة عموما اعتماد مستويات من الأسعار يتم اختيار أدناها وأعلاها بحسب العوامل المرتبطة إما بفائض القيمة أو ناقص القيمة الناتجين عن المال موضوع التقويم[31].
ويحد من تطبيق هذه الطريقة العديد من الإكراهات المرتبطة إما بركود السوق وبالتالي قلة عقود المقارنة، أو عن الصعوبات الناجمة عن قياس مال معين إلى آخر، دون إغفال إمكانية دخول عوامل قانونية أخرى غير معروفة عند إجراء المقارنة، وما قد يترتب عنها من نتائج خاطئة في التقدير تفرض لزوما القيام بتصحيحات أو تقويمات للحد من نتائج العوامل غير المتوقعة.
إجمالا، فإن هذه الطريقة كثيرا ما تؤدي إلى خلاصات معقولة في التقويم، لكونها تستند على الملاحظة ولو في غياب التجانس بين الأموال المتخذة كمرجع والأموال المراد تقويمها.
ثالثا– التقدير على أساس الدخل:
تفترض هذه الطريقة كذلك كطريقة غير مباشرة لتحديد القيمة التجارية لعقار مؤجر الاستناد إلى الدخل الناتج عن الكراء مع تطبيق نسبة قانونية عليه تسمى معامل الرسملة. ومؤدى هذه الطريقة هو تحويل المبالغ الكرائية الناتجة عن العقار المكترى إلى رأسمال عن طريق رسملة مقابل الكراء بحيث ينتج معامل الرسملة عن العلاقة بين داخل العقار الناتج عن الكراء وقيمة العقار المراد تحديدها[32].
والملاحظ أن هذه الطريقة لا تقتصر على العين المكتراة فعليا فقط، بل تطبق كذلك حتى للعقارات المرصودة للكراء أو المعدة له.
إلا أن تفعيل هذه الطريقة كثيرا ما يصطدم بإشكالية اختيار نسبة الرسملة الواجبة التطبيق، وهو ما يفرض وجوب دراسة واقع الكراء من حيث شروطه وتكاليفه وكذا أهمية أثمنة الكراء المطبقة في السوق الكرائية في علاقتها بتحسن مستوى الدخل[33].
وتتشابه هذه الطريقة مع تلك التي تعتمد على إعادة التقويم بواسطة تطبيق معامل خاص على آخر قيمة أو ثمن ثم اعتمادهما برسم التفويت لمال معين[34]، من حيث أنهما يعتمدان معا على تطبيق نسب خاصة لتحيين ثمن التفويت حتى يكون مطابقا لقيمته التجارية، الشيء الذي يوضح أن تطبيق المعامل المذكور المستمد من واقع السوق ليس إلا وسيلة لتحيين الثمن وتقدير القيمة التجارية للمال المفوت.
والواقع أن التقدير السليم والصحيح لقيمة مال معين يفرض الجمع بين جميع هذه الطرق طالما أن لكل طريقة خصوصياتها وإكراهاتها، وهو ما يحتم على مفتش الضرائب عند اعتماده لأحد هذه المعايير تبليغ التصحيحات التي يتوصل إليها إلى الملزم حتى يمارس حقوقه في الدفاع.
المبحث الثاني: مسطرة الفرض التلقائي
تحيل فكرة الفرض التلقائي لضريبة التسجيل على غياب تقيد الخاضع للضريبة بالتزاماته التصريحية المتمثلة في وجوب إيداع العقد أو الاتفاق الذي أبرمه داخل الأجل المحدد قانونا.
فالفرض التلقائي إذن جزاء قانوني يرتبه المشرع الجبائي عن كل إخلال بنظام التصريح من طرف الملزم أو عند تقاعس هذا الأخير عن السير بالمسطرة التواجهية إلى آخرها.
وبالنظر إلى النتائج الوخيمة المرتبطة بتطبيق الفرض التلقائي للضريبة، فقد الزم المشرع الجبائي مفتش الضرائب باحترام مجموعة من الإجراءات المسطرية قبل إصدار الضريبة تلقائيا. لذا، فإن البحث في مسطرة الفرض التلقائي لضريبة التسجيل يستدعي تحديد نطاق تطبيقها (المطلب الأولى) والإجراءات المرتبطة بتنفيذها (المطلب الثاني).
المطلب الأولى: نطاق تطبيق مسطرة الفرض التلقائي
وضعت المادة 228 م ع ض الإطار العام لتطبيق مسطرة الفرض التلقائي للضريبة، وهي مسطرة موحدة بالنسبة لجميع الضرائب التي ترتكز على نظام الإقرار، كالضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة، وأخيرا ضريبة التسجيل التي اصبحت هي الأخرى تخضع لهذه المسطرة.
وبالاستناد إلى مقتضيات المادة المشار إليها أعلاه، يتضح انها تحصر نطاق تطبيق مسطرة الفرض التلقائي فيما يخص ضريبة التسجيل في حالتين تتصل بعدم تقديم العقود الخاضعة للتسجيل (الفقرة الاولى)، فيما تنشأ الثانية عن غياب العناصر الأساسية لتصفية الواجبات المستحقة (الفقرة الثانية).
الفقرة الاولى: عدم تقديم العقود للتسجيل
يشكل تقديم العقد المنطلق في ربط ضريبة التسجيل، فهو بمثابة تصريح من طرف الملزم ويفترض في البيانات المضمنة فيه انها صحيحة إلى أن يثبت عكسها، كما أن وجود هذا التصريح يحد من تدخل مفتش الضرائب في تحريك مسطرة الفرض التلقائي، بحيث يبقى دوره مقتصرا على مراقبة العقد وتحليل مضمونه لتوجيهه توجيها صحيحا.
يستتبع ذلك، أن تخلف الاطراف عن تقديم عقودهم الخاضعة إلزاميا للتسجيل طبقا للمادة 127 م.ع.ض هو الذي من شأنه أن يؤدي إلى فرض الضريبة تلقائيا لتقاعسهم عن الوفاء بالتزاماتهم التصريحية.
كما لا يحول دون تطبيق هذا الجزاء على عدم إنجاز الاتفاقات والعقود كتابة طالما أن المشرع الجبائي قد اجاز للأطراف في حالة عدم وجود محررات الإدلاء في شأنها بتصريحات مفصلة وتقديرية تودع لدى مفتش الضرائب المكلف بالتسجيل داخل أجل ثلاثين يوما الموالية لتاريخ حيازة الأموال موضوع التفويت.
بناء على ذلك، فإن الفرض التلقائي يكون له محل عند عدم تقديم العقد داخل الأجل المنصوص عليه قانونا، وهو محدد في الثلاثين يوما الموالية إما لتاريخ إنشاء المحررات والاتفاقات الناقلة للملكية المشار إليها في المادة 127 م.ع.ض، أو لتلقي الإشهاد فيما يخص المحررات التي ينجزها العدول.
وهو نفس الأجل المطبق بالنسبة لتسجيل محاضر البيع بالمزاد العلني للعقارات أو الأصول التجارية أو المنقولات الأخرى وكذا محاضر بيع المنتوجات الغابوية التي ينجزها مأمورو أملاك الدولة أو الجمارك، لكن قد يحدث أن يكون الملزم في ظروف تمنعه من تقديم العقد داخل الأجل المذكور بحيث يتأخر في هذا التقديم، فهل يجابه بمسطرة الفرض التلقائي لضريبة التسجيل؟
يذهب بعض الفقه[35] وعن حق إلى أن نطاق الفرض التلقائي يشمل إلى جانب عدم تقديم التصريح حالة التأخير في تقديمه، فيكون من غير المقبول تطبيق الفرض التلقائي بالنسبة لحالة التأخير والحال ان هذه المسطرة ترمي إلى إشعار الملزم ودعوته إلى وضع إقراره بعد تخلفه عن ذلك داخل الأجل القانوني.
ويفهم من ذلك، أن العقد ولو تم تقديمه خارج الأجل فهو يلزم مفتش الضرائب المكلف بالتسجيل إذا لم يقم بعد بإصدار الأمر باستخلاص الضريبة المستحقة على هذا العقد، بحيث يتعين عليه اعتماد العقد المقدم تلقائيا ولو خارج الأجل لتصفية الواجبات الأصلية والزيادات والغرامة وإصدار الأمر بتحصيلها.
ولاشك، ان الرغبة في تفادي هذه الجزاءات المترتبة على مسطرة الفرض التلقائي هي التي أملت على المشرع الجبائي تذكير جميع الأطراف المعنيين والمتدخلين في إجراء التسجيل بالتزاماتهم التي تتكامل فيما بينها، بحيث ألزم الموثقين بتقديم سجلات التحصيل إلى المفتش المكلف قصد التأشير عليها واستيفاء إجراء تسجيل العقود وأداء الواجبات في الأجل المحدد، فيما أوجب على العدول عند تلقيهم لإشهاد خاضع إجباريا لأداء واجبات التسجيل إخبار الأطراف المتعاقدة بإجبارية التسجيل مع حملهم على أداء الواجبات المستحقة داخل الأجل القانوني بمكتب التسجيل المختص.
إن هاجس المشرع من التنصيص على هذه الأحكام هو تأمين أداء مستحقات الخزينة من جهة، ثم تفادي اللجوء إلى مسطرة الفرض التلقائي مع ما يرتب عنها من منازعات كثيرة. إلا أنه مع ذلك، يطرح الإشكال بخصوص مدى جواز إثقال كاهل الملزمين بالجزاءات الناتجة عن الفرض التلقائي والمترتبة عن عدم تقيد كتاب الضبط بالمحاكم بالتزاماتهم بخصوص إحالة وتوجيه نسخ من الأحكام والقرارات والأوامر وأحكام المحكمين المثبتة لإحدى الاتفاقات الخاضعة إلزاما للتسجيل قبل انقضاء أجل ثلاثة أشهر من تاريخ صدورها؟
من الناحية العملية، يعتد بتاريخ صدور هذه الأحكام والقرارات في فرض الضريبة المستحقة، فإذا حصل التأخير في إحالتها فإن تصفية الواجبات تتضمن لزوما الجزاءات الضريبية المقررة قانونا بغض النظر عن التأخير الحاصل في إحالتها على مكاتب التسجيل المختصة.
وهو موقف لا نرى له أساسا في القانون لعدم جواز تحميل الملزم في هذه الحالة خطأ الغير في غياب أي إلزام قانوني يفرض على المستفيد من الحكم أو القرار السعي إلى تقديمه بنفسه لمفتش الضرائب المكلف بالتسجيل.
أما بالنسبة للمشرع الفرنسي، فقد نص في المادة 66 من كتاب المساطر الجبائية[36] على عدم جواز تطبيق مسطرة الفرض التلقائي على الملزمين الذين لم يقوموا بإيداع إقراراتهم أو أحد العقود الخاضعة للتسجيل داخل الأجل المحدد قانونا إلا بعد إشعارهم أولا قصد تسوية وضعيتهم داخل أجل ثلاثين يوما من التوصل طبقا للمادة 67 من نفس الكتاب[37].
الفقرة الثانية: خلو العقد من العناصر الأساسية لتصفية الضريبة
قد يبادر أحد الأطراف إلى تقديم العقد لغرض تسجيله، إلا أن هذا العقد لا يتضمن جميع العناصر الضرورية لتصفية ضريبة التسجيل المستحقة، الشيء الذي يخول لمفتش الضرائب تطبيق مسطرة الفرض التلقائي قصد دعوة الأطراف إلى تكملة هذا النقص.
والأمثلة التي تعطي لهذه المسطرة محلا في التطبيق لا تعد تحت الحصر، فقد يحدث أن يبرم الأطراف عقد تفويت مع إغفالهم لذكر الثمن، أو إجراء عقد هبة أو قسمة من دون أي تقدير من طرفهم لقيمة الأموال الموهوبة أو التي كانت موضوعا للقسمة.
وقد كان لكثرة هذه الحالات أن أجاز المشرع الجبائي للمفتش المكلف بالتسجيل حق تقدير المبالغ أو القيم أو العناصر التي تم إغفالها، وذلك بموجب المادة 11 من مدونة التسجيل الملغاة إذا لم يقم الأطراف بتقديم تصريحات كتابية بها.
إلا أنه نظرا للتعسف الذي تنطوي عليه هذه الإمكانية وما تشكله من هدر لضمانات وحقوق الملزمين في تدارك النقص الذي قد يعتري عقودهم بأنفسهم، كان لابد من تمديد مسطرة الفرض التلقائي إلى هذه الحالات عن طريق إخضاعها لمسطرة الإشعار بدعوة الملزمين أنفسهم للقيام بذلك بعد أن كانت محصورة في الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الدخل[38].
تبعا لذلك، فإن هذه المسطرة تعتبر هي القاعدة والواجبة التطبيق في كل حالة تخلف فيها الملزم إما عن إيداع الإقرار أو العقد، أو كان هذا الأخير خاليا من العناصر الأساسية التي يمكن اعتمادها في فرض الضريبة المستحقة. فإذا كانت هذه العناصر التي تم إغفالها ليست على درجة كبيرة من التأثير على وعاء ضريبة التسجيل المستحقة، انتفت أية إمكانية لتحريك مسطرة الفرض التلقائي.
لذلك، فارتكاز ضريبة التسجيل على الأثمان والقيم المصرح بها في العقود يبرر للفرض التلقائي للضريبة بعد إشعار الملزم لتصحيح الوضعية في حالة إغفال الثمن في عقد البيع مثلا وعلى العكس من ذلك فإن عدم الإشارة إلى طريقة الأداء في العقد هل تم نقدا أو عن طريق الشيك يبقى عديم الأثر على الوعاء الضريبي الذي يمكن الاهتداء إليه بيسر وسهولة، ومن ثمة فهو لا يعد من العناصر الأساسية في العقد شأنه في ذك شأن مدى حيازة الثمن من عدمه.
والقاعدة أن تحديد ماهية العناصر الأساسية في العقد تفرض الرجوع إلى المقتضيات المنظمة له للوقوف على طبيعته المدنية أو التجارية أو الإدارية، إلا أنه في منظور القانون الجبائي فالعبرة في تحديد أهمية البيانات التي تم إغفالها والموجبة لسلوك مسطرة الإشعار قبل الفرض التلقائي هو بمدى تأثير تلك البيانات إما على تحديد الوعاء الضريبي الناشئ عن العقد أو على تحصيل المبلغ الناتج عن إجراء تسجيله[39]. وعلى العكس من ذلك لا تعتبر البيانات التي تم إغفالها أساسية إذا كانت لا تعيق تحديد الوعاء أو استيفاء المستحقات ولو كانت المقتضيات القانونية التي نشأ العقد في ظلها تعتبرها كذلك.
ومن جهة أخرى، يتعين عدم الخلط بين خلو العقد من بعض العناصر الأساسية لفرض الضريبة الموجبة لتطبيق مسطرة الفرض التلقائي وبين مراجعة قيمة العناصر المصرح بها. فإذا افترضنا أن شخصا معنويا قام بنقل جزء من أصوله لفائدة شخص معنوي آخر كمساهمة في رأس مال هذا الأخير، وتم إخضاع العقد المذكور لضريبة التسجيل الأولية على أساس قيمة الحصص المصرح بها، فإن ملاحظة المفتش المختص وجود بعض عناصر هذه الأصول لم يتم بيان قيمتها في العقد لا يعطي للمفتش المختص سوى إمكانية تداركها بالتصحيح إذا التزم اطراف التعاقد الصمت إزاءها بحيث لم يقوموا مثلا بتقويم عنصر الزبناء أو لم يوضحوا تفاصيل الخصوم الملتزم بها مقابل ذلك التقديم وتخصيصه بالنسبة لكل عنصر على حدة التي تتشكل منها عناصر الأصول المفوتة.
ذلك، أنه إذا حدث أن تم استيفاء الضريبة الأولية ثم تبين لاحقا أن ثمة واجبات قابلة للاستدراك شريطة إدلاء الأطراف بتصريحات مفصلة بتلك العناصر، فإن إمكانية تطبيق مسطرة الفرض التلقائي تنتفي لتحل محلها مسطرة المراجعة والتصحيح.
إن ما يدعو إلى تطبيق هذه المسطرة في نظرنا يعود لسببين اثنين:
* السبب الأول:يكمن في أن مسطرة التصحيح تكفل حقوق وضمانات المصرح كما أنها ترتب حتما نفس النتائج من حيث قدرتها على إظهار قيمة العناصر التي تم إغفالها من دون المساس بحقوق الملزم في الإدلاء بدفوعاته وأجوبته من حيث قيمة ومدى وجود تلك العناصر فعليا.
* السبب الثاني:يتصل بالطبيعة الاستثنائية لمسطرة الفرض التلقائي نفسها والتي ترمي إلى التصدي لحالات عرقلة تصفية الضريبة من خلال عدم التصريح مطلقا، فلا يجب بالتالي تمديد هذا الجزاء إلى الحالة التي يتم فيها الإدلاء فعليا بالعقد لغرض تسجيله.
المطلب الثاني: إجراء مسطرة الفرض التلقائي
إن الإحاطة بمختلف الأحكام المنظمة لمسطرة الفرض التلقائي يستدعي بحث كيفية تطبيقها (الفقرة الاولى) ثم الجزاء المترتب عن عدم سلوكها (الفقرة الثانية).
الفقرة الاولى: كيفية تطبيق مسطرة الفرض التلقائي
إن تخلف الملزم عن إيداع العقد لغرض تسجيله داخل الأجل أو إيداعه خاليا من البيانات أو العناصر الأساسية يبرر اللجوء إلى مسطرة الفرض التلقائي كما سبق أن وضحنا.
ويقتضي تطبيق هذه المسطرة أن يقوم المفتش المكلف بالتسجيل بتوجيه رسالة أولى وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 219 م.ع.ض يشعر فيها الخاضع للضريبة بوجوب إيداع العقد أو الاتفاق الخاضع للتسجيل أو تتميم العناصر التي تم إغفالها فيه داخل أجل ثلاثين يوما من التوصل، وفي حالة عدم امتثال الخاضع للضريبة بإيداع العقد أو تتميمه داخل الأجل المحدد أشعر من جديد في رسالة ثانية بالأسس التي قدرها المفتش المختص والتي على أساسها ستفرض ضريبة التسجيل المستحقة إذا لم يقم المعني بالأمر بالقيام بالمطلوب منه داخل أجل ثان مدته ثلاثون يوما من تاريخ التوصل بالإشعار الثاني[40].
فمسطرة الفرض التلقائي إذن، إنما تهدف إلى حمل الملزم على الوفاء بالتزاماته التصريحية وحثه على تصحيح وضعيته اتجاه الإدارة الجبائية على مستوى إيداع الإقرار أو العقد، ولا يغير من هذه القاعدة تبليغ الملزم في الرسالة الثانية بالأسس التي ستعتمدها الإدارة بالنظر إلى أن المسألة لا يمكن تفسيرها إلا بتنازل الملزم عن حقه في تحديد تلك الأسس بنفسه عن طريق إيداع الإقرار أو العقد المتضمن لها لفائدة الإدارة التي لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام تقاعس هذا الأخير فتبادر إلى تحديد أسس الضريبة من جانب واحد، ارتباطا بذلك، فإن كلا من الرسالة الأولى أو الثانية الراميتين إلى إيداع العقد أو تميم بياناته لا تقبلان الفصل عن مساطر فرض الضريبة، وبالتالي لا يجوز الطعن فيهما باعتبارهما قرارات إدارية إلا بعد إصدار الأمر باستخلاص الواجبات الضريبية المفروضة تلقائيا[41].
وبهذا التحليل، فإن سلوك هذه المسطرة لا يمكن أن يتخذ طابعا تواجهيا ولا يؤدي إلى فتح أي حوار بين الإدارة والخاضع للضريبة، الشيء الذي يميزها عن مسطرة التصحيح كآلية تسمح للملزم بإبداء ملاحظاته ودفوعاته في مقاربة تشاركية لتحديد الأساس الضريبي.
الفقرة الثانية: جزاء عدم سلوك مسطرة الفرض التلقائي
لم تشر المادة 228 م.ع.ض لا من قريب ولا من بعيد للجزاء المترتب عن عدم سلوك مسطرة الفرض التلقائي مكتفية ببيان كيفية إجرائها دون تخصيصها بأية نتائج قانونية في حالة عدم التقيد بها وفقا للقانون، وهو ما يجعلنا نتساءل حول ما إذا كان البطلان هو النتيجة الحتمية للإخلال بهذه المسطرة.
جوابا على هذا التساؤل، يذهب جانب من الفقه إلى أن المشرع المغربي لم ينص على جزاء البطلان في جميع مقتضيات المدونة العامة للضرائب إلا في حالتين اثنتين وقع التنصيص عليهما صراحة في الفقرة الثامنة من المادة 220 م ع ض التي جاء فيها بأن مسطرة التصحيح تكون لاغية في حالة عدم توجيه الإشعار بالتحقيق أو ميثاق الخاضع للضريبة او هما معا إلى المعنيين بالأمر في حالة إجراء فحص محاسباتي على الأقل قبل خمسة عشر يوما من بداية التدقيق، ثم في حالة عدم تبليغ الإدارة إلى الخاضع للضريبة الرسالة الثانية المقررة في مسطرة التصحيح داخل أجل ستين يوما من تاريخ توصل الإدارة بجواب الملزم على الرسالة الأولى، وهو ما يوضح بصفة جلية رغبة المشرع في عدم التوسع في البطلان بالنظر إلى الآثار الوخيمة المترتبة عليه بالنسبة لديون الخزينة[42].
ونعتقد مع وجاهة هذا الرأي، أن تطبيق مسطرة الفرض التلقائي والأسباب المبررة لسلوكها لا تنسجم بتاتا مع نظام البطلان كجزاء، فالفرض التلقائي وضع أساسا كقاعدة للتعامل مع الملزمين المتقاعسين عن التقيد بالالتزامات التصريحية، فهو إذن في أصله جزاء الملزم لتواجده في وضعية غير نظامية اتجاه الإدارة الجبائية، فلا ينبغي والحالة هذه إعمال البطلان كجزاء آخر مقابل يلغي الأول.
يستنتج من ذلك، أن المسطرة في هذا الإطار ليست مطلوبة لذاتها، بل العبرة بالغاية منها وهو وضع الإقرار أو التصريح، الشيء الذي يبرر عدم التوسع في إعمال جزاء البطلان لما ينطوي عليه من تغليب للشكل على حساب الموضوع.
ولعل هذه الخصوصيات هي التي تفسر الصرامة في تعامل القضاء الفرنسي مع الحالات التي تخص الفرض التلقائي والنابعة من إعماله لمبدأ أسبقية الخطأ l’antériorité de faute الثابت في حق الملزم، وكذا مبدأ الاختصاص المقيد للإدارة في تطبيق هذه المسطرة[43]le principe de compétence liée
فمبدأ أسبقية الخطأ يحيل على عدم احترام الملزم لالتزاماته التصريحية، إذ أن عدم إيداع العقد أو التصريح يعني ثبوت الخطأ من جانبه في عدم القيام بالتزام قانوني محدد، وأن أي خطأ من جانب الإدارة يتصل بتقدير تلك الأسس إلا ويكون مقرونا بخطأ سابق من جانب الملزم.
غير أن التقدير التلقائي للأساس الضريبي الذي يتولاه المفتش يتعين أن يكون معززا بمعطيات تبرره، فلا ينبغي المغالاة في تقديره ولا تحديده بدون الاستناد إلى معلومات أو تحريات من شأنها المساعدة في تحديد القيمة الحقيقية للأموال المفوتة، خاصة إذا علمنا أن موقع المفتش المكلف بالتسجيل يؤهله أكثر للقيام بالتحديد الواقعي للأساس الضريبي بحكم تلقيه كل يوم عددا لا يستهان به من العقود تسمح له بمعرفة الأثمان والقيم الجارية في كل منطقة على حدة.
وإذا كان المفتش المكلف بالتسجيل ملزما بتبليغ الإشعار الأول فالثاني إلى الخاضع للضريبة شخصيا أو إلى من يمثله، فإنه مع ذلك تنبغي الإشارة إلى أنه قد توجد حالات يكون فيها سلوك هذه المسطرة عديم الجدوى وبدون أية فائدة.
ارتباطا بذلك، فقد اعتبر القضاء الفرنسي بانه في جميع الحالات التي يكون فيها عدم التوصل بطي التبليغ أو التأخير في التوصل به ناتجا عن ظروف يرجع السبب فيها للخاضع للضريبة وحده، فإن هذا الأخير لا يمكنه التمسك بهذه العوامل في إثارة التقادم، وقضى نتيجة لذلك بأنه إذا رحل الخاضع للضريبة او قام بتغيير مفاجئ لمكان إقامته أو محل نشاطه المهني أو نقل موطنه الجبائي دون أن يقوم بالإجراءات الضرورية أمام إدارة البريد من أجل إعادة إرسال رسالته أو تسليمها لمن ينوب عنه[44]، فإن التقادم قد تم قطعه بأول إشعار موجه إلى آخر عنوان ضمنه في عقوده أو إقراراته أو مراسلاته مع الإدارة.
لكن إذا كانت هذه القواعد جائزة التطبيق بالنسبة لمسطرة الفرض التلقائي في الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة التي يتوفر في شأنها كل ملزم على ملف جبائي خاص به، فإنه من الصعب تطبيقها بالنسبة لضريبة التسجيل بالنظر إلى عرضية عملية التفويت التي قد يقوم بها الملزم عادة باستثناء الحالة التي تتعلق بتكملة البيانات الناقصة في العقد، والتي يمكن اللجوء فيها إلى العنوان المدلى بها في العقد نفسه لاعتماده في تبليغ الإشعار، أو في الحالة التي تهم الملزمين الذين يتعاطون الإنعاش العقاري والذي بحكم تعدد العمليات التي يقومون بها يفترض أن تكون بياناتهم ممسوكة من طرف المفتش المختص.
أما بالنسبة لموقف القضاء المغربي، فيظهر من خلال تتبع الأحكام والقرارات الصادرة في الموضوع أنه مستقر على التطبيق الآلي لجزاء البطلان على كل إخلال بالقواعد المسطرية المرتبطة بفرض الضريبة بصورة تلقائية لعلة حماية حق الدفاع[45]، الذي لا نرى له مجالا في نطاق هذه المسطرة بدليل أن الإشعار الرامي إلى وضع الإقرار لا يمكن أن يتلقى إلا جوابا واحدا في صورة عمل إيجابي بإيداع الإقرار فعليا أو رفض هذا الإيداع كموقف سلبي، فهي لا تحتمل المناقشة أو إبداء الدفوع أو شيئا من هذا القبيل لأن المسطرة هي للفرض التلقائي وليس للتصحيح.
وقد كان من نتائج هذا الموقف ان قضي بأن بطلان مسطرة الفرض التلقائي لعيب في الإجراءات أو في التبليغ من شأنه قطع التقادم[46]، مستبعدا بذلك من التطبيق حتى مقتضيات الفصل 381 ق.ل.ع التي تنص في فقرتها الأولى على أن “التقادم ينقطع بكل مطالبة قضائية أو غير قضائية يكون لها تاريخ ثابت ومن شأنها أن تجعل المدين في حالة مطل لتنفيذ التزامه ولو رفعت أمام قاض غير مختص أو قضي ببطلانها لعيب في الشكل[47].
والواقع أن القراءة المتكاملة للنص الضريبي تقتضي أحيانا تفسيره على ضوء مقتضيات القانون الخاص في إطار وحدة القانون وتكامله، لذا فإن الانسجام مع روح أحكام القانون المدني المغربي تفرض ألا يؤثر البطلان على قطع التقادم، فسلوك الإدارة للتبليغات القانونية في إطار مسطرة الفرض التلقائي ليس إلا تعبيرا منها على عزمها المطالبة بحقوقها وعدم تفويت هذه الإمكانية المخولة لها قانونا[48].
وفي جميع الحالات، فإن إصدار الأوامر بالاستخلاص الناتجة عن مراقبة الضريبة أو عن مسطرة تصحيحها يؤدي إلى ترتيب آثار قانونية مهمة.
خاتمة:
فبالرغم من الإصلاحات التي شهدها النظام الجبائي، من إصدار المدونة العامة للضرائب، ومدونة التحصيل، وما أتت به القوانين المالية المتتالية من مستجدات تستهدف العلاقة بين الإدارة الجبائية والملزم، عن طريق التخفيض من اسعار الضرائب، والتوسيع من الوعاء الضريبي، وتبسيط تدبير النظام الجبائي ومساطره للتحفيز على الاستثمار وتحقيق التنمية الشاملة، إلا أنه ينطوي على نواقص وثغرات أبرزها ما يدخل في إطار العلاقة بين الملزمين والإدارة الضريبية، فالمجال الضريبي مجال متشعب ومتداخل العوامل والعناصر، فيه يتداخل ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي، بل أكثر من ذلك تداخل كل هذه العناصر، بما هو نفسي، وبالتالي فإن رهان تحقيق التكامل بين هذه العناصر ينطوي على صعوبة يقتضي منطق تخطيها، المزيد من تضافر الجهود نحو إصلاح جبائي من منظور شمولي يأخذ جميع أبعاد السياسة الجبائية عامة، والعلاقة الجبائية خاصة بعين الاعتبار، لتحقيق نظام جبائي حديث.
المراجع والمصادر
*الكتب:
1 سفيان أدريوش ورشيدة الصابري، تصحيح الأساس الضريبي، دراسة مقارنة، مطبعة دار القلم، الرباط، الطبعة الأولى 2002، ص. 17.
2 عبد الغني خالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، مطبعة دار النشر المغربية الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2002، ص. 121.
3 عبد الحق صافي، عقد البيع، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1998، ص. 151.
4 عبد الرحمن بلعكيد، وثيقة البيع بين النظر والتطبيق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 2001، ص. 208.
5 رشيدة الصابري، مجال البطلان في الميدان الضريبي والأثر النسبي المترتب عليه، مقال منشور بفاتر المجلس الأعلى، عدد 8- 2005، ص. 104.
6 عبد الرحيم برحلي، تعذر احترام مسطرة التبليغ ومدى تأثيره على سلامة إجراءات الفرض الضريبي، منشور دفاتر المجلس الأعلى، عدد 8/2005، ص. 77.
7 حسن العفوي، المنازعة الضريبية أمام القضاء بين التأسيس والتحصيل، م م إ م ت، عدد 70، شتنبر أكتوبر 2006، ص. 19.
* الأطروحات و الرسائل الجامعية :
1 بيصة محمد، المنازعة في قانونية قرارات الإدارة المكلفة بربط الضريبة بين دعوى الإلغاء وطعون القضاء الشامل، أطروحة الدكتوراه في الحقوق – جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، لسنة 2003 – 2004
2 أحمد حليبة، التهرب الضريبي و انعكاساته على التنمية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، أكدال – الرباط، السنة الجامعية 2007 – 2008.
3 أحمد شيخنا محمد فال، اجراءات الرقابة الجبائية و حقوق المكلف، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية – طنجة، السنة الجامعية 2011 – 2012.
4 حرحور زينب، دور الرقابة الجبائية في تكريس الوعي الجبائي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام المعمق، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية – طنجة، السنة الجامعية 2008 – 2009.
5 سعاد الخضيري، المنازعات الضريبية بالمغرب نحو تحقيق التوازن بين سلطات الإدارة الضريبية و حقوق الملزم، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية – طنجة، السنة الجامعية 2012 – 2013.
* النصوص القانونية :
1 المدونة العامة للضرائب .2020
2 مدونة تحصيل الديون العمومية 97-15
3 القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها
4 القانون رقم 24.86، المتعلق بالضريبة على الشركات، الجريدة الرسمية، عدد 3873، بتاريخ 21/01/1987.
5 القانون رقم 30.85، المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، الجريدة الرسمية، عدد 3818، بتاريخ 01/011986/
6 قانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4418 بتاريخ 10 نونبر 1989.
7 الدليل العام لمعايير المحاسبة المحدثة بموجب المرسوم رقم 2.89.61 المؤرخ في 10 نونبر 1989 .
8 قانون رقم 9.88 المتعلق بالمحاسبة للتجار، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4183 مكرر بتاريخ 5 رجب 1413 موافق 30-12-1992
* المقالات :
1أحمد الورفلي، دراسات في القانون الجبائي، سلسلة الخبير، تونس 2003، ص. 210.
2 محمد بيصة، حجية الصلح في مواجهة الغير، تأملات في مفهوم التفويت في ضوء البند I من المادة 65 من مشروع المدونة العامة للضرائب، منشور بمجلة المحاكم المغربي عدد 106، يناير فبراير 2007، ص. 77.
3 محمد عياد، الإدارة الجبائية بين التحديث وإكراهات الضبط الداخلي، المجلة المغربية للغدارة المحلية والتنمية، العدد 72 – 73، يناير – أبريل 2007.
4 كريم لحرش، المنازعات الضريبية في القانون المغربي، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2013، ص : 14.
5 محمد قصري، مسطرة فرض الضريبة، أية ضمانات مجلة المعيار، العدد 33 لسنة 2012.
* المواقع الالكترونية :
www. fdsf.rnu.tn
http://www.chambredesrepresentants.ma/
http://www.sgg.gov.ma/arabe/Legislations/BulletinsOfficielsAns.aspx
depf.finances.gov.ma
http://www.courdescomptes.ma/ar
*المراجع الفرنسية :
1 Michel Fourriques, l’administration fiscale peut- elle enquête sur un contribuable à son insu ? R.F.C n° 416 DECEMBRE 2008 ? P. 12.
2 Jean Pierre casimir, le code annoté des procédures fiscales, édition groupe revue fiduciaire, 5eme édition, 1996, p. 214.
3 Cass, 21 décembre 2007 n° 06- 12- 769 note Florence de Boissy, RDF n 11, du 13 Mars 2008, p. 35.
4 Jack Vézian, la responsabilité du banquier en droit privé français, Litec, 3eme édition 1983, n° 360, p. 246.
5 Maurice Cozian, le secret professionnel et le fisc, travaux et recherches de l’institut de droit comparé de paris, édition 1970, p. 368.
6 Carole Maudet : la course à l’information : un nouveau défi par l’administration fiscale Française, RGFP n° 1- Janvier 2007, p. 37.
7 C AA, Paris 2 octobre 2008, n° 07 PA01332, Note Jean Luc Pierre, RDF, n° 18 du 30 avril 2009, p. 41.
8 Patrick Philip, les droits de la défense face au contrôle fiscal, Economica, 2éme éd 2005 n° 112, p. 146.
9 Les nouvelles fiscales, supplément au n° 1025 du 1 juin 2009, p. 12.
10 Note circulaire n° 709 relative aux dispositions fiscales de la loi de finances pour l’année 2001, p. 30.
11 Jacques Grosclaude et Philippe Marchesou , Procédures fiscales, Dalloz, 1998, n° 174, p. 162
12 Mohamed NTEGHE ; » le contrôle fiscal entre les pouvoirs de l’administration et les droits des contribuables«, Centre Marocain des Etudes Juridiques CMEJ, 2006.
13 – Les garanties du contribuable dans le cadre du contrôle fiscal en droit marocain Khalil HALOUI THÈSE Pour obtenir le grade de DOCTEUR DE L’UNIVERSITÉ DE GRENOBLE Spécialité : Droit Privé Arrêté ministériel : 7 août 2006.
[1]سفيان أدريوش ورشيدة الصابري، تصحيح الأساس الضريبي، دراسة مقارنة، مطبعة دار القلم، الرباط، الطبعة الأولى 2002، ص. 17.
[2]وردت المادة 214 م.ع.ض ضمن الفرع الأول من الباب الول من الكتاب الثاني الخاص بالمساطر الجبائية تحت عنوان أحكام عامة، مما يبين أن هذا الحق لا يقتصر على ضريبة دون أخرى، بل هو شامل لسائر الضرائب المنصوص عليها ضمن المدونة العامة للضرائب.
[3]تمارس الإدارة الجبائية الفرنسة هذا الحق بمقتضى المادة لـ 81 التي تنص على مايلي:
« Le droit de communication permet aux agents de l’administration pour l’établissement de l’assiette et le contrôle des impôts, d’avoir connaissance des documents et des renseignements mentionnés aux articles du présent chapitre dans les conditions qui y sont précisées.
Le droit prévu à l’alinéa précédent s’exerce quel que soit le suppôt utilisé pour la conservation des documents y compris lorsqu’il est magnétique.
Le droit de communication est étendu en ce qui concerne les documents mentionnés aux articles L 83 à L 95, au profit des agents des administrations chargés du recouvrement des impôts, droits et taxes prévues par le code général des impôts ».
[4]Jean Pierre looten, op.cit, p. 55.
[5]Michel Fourriques, l’administration fiscale peut- elle enquête sur un contribuable à son insu ? R.F.C n° 416 DECEMBRE 2008 ? P. 12.
[6]Jean Pierre casimir, le code annoté des procédures fiscales, édition groupe revue fiduciaire, 5eme édition, 1996, p. 214.
[7]عبد الغني خالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، مطبعة دار النشر المغربية الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2002، ص. 121.
[8]حددت المادة 129 من مدونة تحصيل الديون العمومية نطاق حق الإطلاع لأغراض التحصيل بقولها:
“بالإضافة إلى المدين يمارس حق الإطلاع المشار إليه في المادة السابقة اتجاه:
– إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية وكل هيئة أخرى خاضعة لمراقبة السلطة العمومية دون إمكانية إثارة السر المهني.
– الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذي تسمح لهم مهنتهم بالتدخل في المعاملات وتقديم الخدمات ذات الصبغة المالية أو القانونية أو المحاسبية، أو بحيازة ممتلكات أو أموال لحساب أغيار مدينين.
إلا أنه فيما يخص المهن الحرة لا ينصب حق الإطلاع على الإدلاء الكلي بملفات زبنائهم المدينين بالضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى”.
[9]تتلخص وقائع القضية في قيام شخص بإبرام عقدين للتأمين على الحياة في كل من 1994 و1995 مع دفع أقساط للتأمين تساوي 16500 فرنك فرنسي، وهو يعلم بأنه مصاب بالسرطان ليعمد في 27 غشت 1996 أي قبل ثلاثة أيام من وفاته على تعيين سيدة على أنها المستفيدة الوحيدة بصفتها الوارثة له في جميع أملاكه، وبناء على التحريات التي باشرتها الإدارة لدى شركات التامين، واستنادا إلى الحيثيات التي تحكمت في إجراء عقود التأمين مع اشتراط الرأسمال الناتج عنها لفائدة الغير، خلصت إلى أن عقد التامين على الحياة المبرم يخفي هبة غير مباشرة لمجموع أملاك الهالك، مما حدا بها إلى سلوك مسطرة التصحيح على اعتبار أن الدفعات التي تم تسديدها على أساس عقود التأمين تشكل في الحقيقة عقد هبة غير مباشرة خاضعة لواجبات التفويت بدون عوض طبقا للمادة 784 م.ع.ض.ف.
– Cass, 21 décembre 2007 n° 06- 12- 769 note Florence de Boissy, RDF n 11, du 13 Mars 2008, p. 35.
[10]jacques Grosclaude et philippe Marchessou, procédures fiscales, op.cit, n° 119, p. 106 et suiv
[11] تنص المادة 79 من القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها على مايلي :”يلزم بكتمان السر المهني جميع الأشخاص الذين يشاركون بأي وجه من الوجوه في إدارة مؤسسة ائتمان أو تسييرها أو تدبيرها او يكونان مستخدمين لديها وأعضاء المجلس للائتمان والادخار ولجنة مؤسسات الائتمان واللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان ولجنة التنسيق بين أجهزة الرقابة بالقطاع المالي المشار إليها في المادة 81 أدناه والأشخاص المكلفون ولو بصفة استثنائية بأعمال تتعلق بمراقبة المؤسسات الخاضعة لرقابة بنك المغرب عملا بهذا القانون، وبوجه عام كل شخص يدعي بوجه من الوجوه للإطلاع على المعلومات المتعلقة بالمؤسسات المذكورة ولاستغلالها، وذلك فيما يتعلق بالقضايا التي ينظرون فيها بأية صفة كانت تحت طائلة العقوبات المنصوص علي


