د. محمد الوكاري
أستاذ التعليم العالـي
بالمعهد الوطني للتهيئة والتعمير
يمر مشروع البناء اليوم بمجموعة من العمليات، حيث يتطلب القيام بعدد من الأنشطة ينجزها عدد من المتدخلين. فبعد أن كانت مهمة إنجاز وتشييد بناء تنحصر في الماضي في شخص واحد يتولى القيام بالإنجاز والإشراف معا، مما كان يسهل تحديد المسؤولية التي قد تنتج عن تقصير هذا الشخص في أداء واجبه المهني أو عن عيوب البناء، أضحت عملية البناء الواحدة تنجز من قبل متدخلين مختلفين يسهرون على إنجازها والإشراف عليها ومراقبتها، وأصبحنا نتيجة لذلك أمام مسؤولين متعددين عن عملية البناء، مما يستوجب تحديد المتسبب أو المتسببين في حدوث الضرر ([1]).
ومن بين هؤلاء المتدخلين، من هو الشخص الذي يبادر للقيام بعملية البناء ؟ أو من هو رب العمل في هذه العملية ؟ يمكن أن نجيب هو الزبون الذي يبادر إلى طلب إنجاز وتشييد البناء، والذي قد يكون هو الشخص الذي يريد تملك عقار لأجل السكن، أو لمزاولة مهنة به أو للاستثمار فيه. لكن إن كان ذلك صحيحا حتى اليوم بالنسبة لمشروع بناء فردي، فإنه لم يعد قائما بالنسبة لمشاريع البناء الجماعية أو لمشاريع الاستثمار العقاري الموجه للسكن أو للاستعمال الصناعي أو التجاري أو المهني أو السياحي. ذلك أن تعقد الأنشطة المرتبطة بعملية البناء وتداخلها، وضرورة البحث عن الأرض القابلة للبناء، والقيام بالإجراءات الإدارية المختلفة، وجمع ورصد التمويل الضروري لعملية البناء ومراقبة تشييد البناء وتسلمه عند إنجازه، جعل من هذه العملية مهمة جماعية تتطلب تدخل ذوي الاختصاص.
وإذا انطلقنا من ميدان تشييد العقارات الموجهة للسكن، نجد بأن تطور السكن الجماعي بالاتجاه نحو الملكية المشتركة للطبقات والشقق فيما بين الحربين (وتقنينها في فرنسا منذ قانون 28 يونيو 1938 وفي المغرب انطلاقا من ظهير 16 فبراير 1946) كان له دور هام في تكريس الحاجة لتدخل مختصين من نوع جديد. وهكذا ظهر مفهوم الإنعاش العقاري، وبرزت مهنة جديدة : (( المنعش العقاري Le promoteur immobilier)) في بداية الخمسينات من القرن الماضي في فرنسا)[2](، نتيجة لتعقد عملية البناء العصري وأهمية وضخامة برامج السكن الجماعي المعتمدة من قبل السلطات العمومية.
ونجد بالنسبة للمغرب بعد الاستقلال أن مهمة الإنعاش العقاري كانت تشكل نشاطا تقوم به السلطات العمومية بالأساس، حيث كانت الدولة والمؤسسات التابعة لها تعد المجزئ والمنعش العقاري الأساسي، ليظهر بعد ذلك ويتطور الإنعاش العقاري الخاص الذي يقوم به منعشون عقاريون كأشخاص طبيعيين أو معنويين. وقد برز هذا التطور ليس فقط بالنسبة للعقار الموجه للسكن، بل أيضا في غيره من الاستثمارات العقارية المتعلقة بالمحلات المهنية والصناعية والتجارية والسياحية. غير أن حداثة مهنة المنعش العقاري تطرح إلى غاية اليوم إشكالين اثنين :
- غموض مفهوم المنعش العقاري، وتداخل في مجال أنشطته.
- غياب تقنين لتنظيم مهنة المنعش العقاري.
- غموض مفهوم المنعش العقاري، وتداخل في مجال أنشطته
تتطلب عملية البناء من المنعش العقاري القيام بأنشطة مختلفة تشكل مهمته الأساسية. لكن طرق تدخله تختلف بحسب نوع هذا التدخل، الذي قد يكون هو تنظيم عملية البناء أو قد يتعلق بتشييد هذا البناء أو بأن يعهد بهذا التشييد إلى الغير. فنوع التدخل الأول أي تنظيم العملية من الناحية القانونية والإدارية والمالية والإشراف على إنجاز البناء ومتابعته يعد المهمة الخاصة والاختصاص الذي يعود أصلا للمنعش العقاري. بينما نجد بالنسبة لنوع التدخل الثاني أي القيام بتشييد البناء، أن المنعش العقاري يقوم مبدئيا بتكليف ذوي الاختصاص (مقاولة البناء، المهندسون المعماريون، المهندسون المختصون ومكاتب الدراسات والمراقبة التقنية…) إلا إذا كان يجمع بين صفتي المنعش العقاري ومقاول البناء. وفي هذه المرحلة، يتعلق دور المنعش العقاري بإبرام عقود مع هؤلاء المختصين لإنجاز البناء (وفي غالب الأحيان بالتنسيق بينهم) وفي جميع الأحوال بمراقبة طريقة إنجاز تشييد البناء.
غير أن هذه الأدوار في واقعنا ليست بهذا الوضوح، حيث نجد تداخلا في أنشطة المتدخلين في عملية البناء، وخلطا في مفهوم الإنعاش العقاري وعدم تمييزه عن باقي الأنشطة. ويأتي جانب من هذا الخلط من غموض المفهوم ذاته، ومن قيام أشخاص من الأنشطة المجاورة له (( مقاول البناء، والوكيل العقاري …))، أو من مهن من المفروض أن تمتنع عن القيام بالإنعاش العقاري كالمهندس المعماري، والمهندس المساح الطبوغرافي، والموظف العمومي ..، أو من الغير بالمفهوم الواسع كالصيدلي والمحامي، والموثق، والطبيب (…) بأنشطة تدخل في اختصاص المنعش العقاري.
فمن هو المنعش العقاري ؟ وما هي الأنشطة التي تدخل في نطاق اختصاصه؟
- محاولة تحديد مفهوم المنعش العقاري
إذا كان المشرع لم يضع تقنينا لتنظيم مهنة المنعش العقاري، فإنه أعطى تعريفا لهذه المهنة في إطار المدونة العامة للضرائب ([3]). فالفصلان 3 و89 من هذه المدونة يعرفان المنعش العقاري ويميزانه عن عدد من المهن المجاورة لمهنته.
وهكذا، نجد المشرع وهو بصدد تحديد الدخول المهنية الخاضعة للضريبة على الدخل يعرف في المادة 30 كلا من المنعش العقاري « promoteur immobilier »، ومجزئ الأراضي « lotisseur » وما يسميه تاجر الأملاك « marchand de biens » حيث نص على ما يلي: ((… يراد في هذه المدونة :
- بالمنعشين العقاريين : الأشخاص الذين يصممون([4]) ويشيدون بناء أو أبنية لبيعها كلا أو بعضا؛
- بالمجزئين : الأشخاص الذين يقومون بتهيئة الأراضي وتجهيزها للبناء من أجل بيعها جملة واحدة أو جزءا جزءا، مهما كانت طريقة تملكهم للأراضي المذكورة؛
- بتجار الأملاك: الأشخاص الذين يبيعون عقارات مبنية أو غير مبنية تملكوها بعوض أو على وجه الهبة …)).
كذلك، نجد المشرع يكرر تعريف المنعشين العقاريين([5]) والمجزئين ويضيف إليه تعريفا للمقاولين في المادة 89 من نفس المدونة، حيث نص وهو بصدد تحديد العمليات المفروضة عليها الضريبة على القيمة المضافة وجوبا، على ما يلي:
((… II- يراد في مدلول هذه المادة :
(…) 3- بالمقاولين في الأشغال العقارية، الأشخاص الذين يشيدون منشآت عقارية لفائدة الغير؛
4- بالمجزئين، الأشخاص الذين يقومون بأشغال تهيئة أو تجهيز الأراضي المراد بناؤها؛
5- بالمنعشين العقاريين، الأشخاص الذين يشيدون أو يعملون على تشييد واحد أو أكثر من العقارات المعدة للبيع أو الإيجار من غير أن تكون لهم صفة مقاولين في الأشغال العقارية … )).
والملاحظ من خلال هذه التعريفات –وإن كانت وردت بخصوص التشريع الضريبي- أنها ميزت مهنة المنعش العقاري عن بعض المهن المجاورة.
فالمنعش العقاري ليس هو المجزئ، الذي يقوم بتهيئة الأراضي وتجهيزها للبناء من أجل بيعها جملة واحدة أو جزءا جزءا، مهما كانت طريقة تملكه للأراضي المذكورة. مع ملاحظة أن تعريف المجزئ أعلاه نفسه يعتريه بعض النقص الذي يجب تكملته من خلال تحديد مفهوم التجزئة العقارية الوارد في القانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات. ذلك أن التجزئة تعني تقسيم عقار عن طريق البيع أو الإيجار أو القسمة أيضا، لكن الذي يهمنا في هذا التعريف للمجزئ هو أنه يمكننا من استبعاد نشاطه عن مهام واختصاصات المنعش العقاري.
ثم إن المنعش العقاري ليس هو تاجر الأملاك، الذي يبيع عقارات بعد تملكها سواء كانت مبنية أو غير مبنية. بينما يقوم المنعش العقاري بتشييد البناء على العقارات أي أنه يعمل على القيام بتشييد تلك الأبنية قبل بيعها.
والمنعش العقاري أيضا ليس هو المقاول في الأشغال العقارية، الذي يشيد منشآت عقارية لفائدة الغير. ذلك أن المنعش العقاري يمكن أن ينجز بنفسه عقارا أو أكثر دون أن تكون له صفة مقاول، أو قد يعمل على تكليف ذوي الاختصاص ومن بينهم مقاول الأشغال لتشييد البناء، حيث أنه يقوم قبل البناء بإعداد المشروع العقاري من النواحي التقنية والقانونية والإدارية والمالية، وبعد انتهاء البناء وتسلمه، يعمل على تسويق المنتوج العقاري.
غير أنه بالرجوع للتعريفين المتعلقين بالمنعش العقاري في المادة 3 والمادة 89 أعلاه، نلاحظ بعض الاختلافات بين التعريفين، مما يدل على نوع من التردد وعدم الوضوح وكأن المشرع يقصد نوعين من المنعشين العقاريين، ففي التعريف الأول (المادة 3) – ومع تأكيدنا على الانتقاد الذي سبق أن وجهناه للنص العربي منه- نجد بأن المشرع يكتفي بعملية البيع التي يقوم بها المنعش العقاري بعد إنجاز البناء، بينما نسجل بأنه أضاف في التعريف الثاني (المادة 89) الإيجار، بمعنى أن المنعش العقاري قد يقوم ببيع العقارات المنجزة أو إيجارها. هذا الاختلاف يمكن أن يكون مقصودا من المشرع خاصة بسبب اختلاف تحديد الوعاء الضريبي بين الضريبة العامة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة.
كل ما يهمنا من هذين التعريفين هو تحديد مفهوم المنعش العقاري الذي نجده حسب هذا التعريف التشريعي يشمل مفهوما واسعا يشمل إنجاز عقارات وتشييدها لبيعها أو إيجارها، وذلك بشرط ألا تكون للمنعش العقاري – وفق المادة 89 أعلاه- صفة مقاول في الأشغال العقارية.
نخلص من هذا التحليل لموقف المشرع في المدونة العامة للضرائب بأن المنعش العقاري، على عكس تاجر الأملاك، يقوم بإنجاز عقار، لكنه مبدئيا -وعلى عكس المقاول- لا يشيده بنفسه أو حتى إذا شيده فلا تكون له صفة مقاول في الأشغال العقارية.
لكن يظل السؤال مطروحا، بالرغم من أن المشرع في المادة 89 أعلاه أضاف عملية الإيجار إلى البيع بعد تشييد العقارات، بخصوص الشخص الذي يشيد عقارا من أجل إيجاره هل يعتبر منعشا عقاريا ؟
الاتجاه الحالي في المغرب يسير نحو اعتباره منعشا عقاريا، كما هو وارد في التعريف أعلاه، وأيضا من خلال تحفيز السلطات الحكومية للمنعشين العقاريين الخواص للاستثمار في العقار الموجه للكراء. لكن مفهوم المنعش العقاري له بالأساس وظيفة اقتصادية أكثر من محتواه القانوني. وانطلاقا من ذلك، فإن الذي يمتلك رأسمالا لا تلائمه تسمية منعش عقاري إلا إذا كان ينتج عقارات على سبيل البضاعة. وهو واقع حال الشخص الذي يقوم بتشييد عقار من أجل تسويق منتوجه فور إتمام البناء وذلك ببيعه، حيث أنه يسترجع الأموال التي استثمرها في عمليته العقارية. ويوفر له طور الإنتاج القصير والدورة الاقتصادية السريعة لرأس المال مردودية عالية. بالمقابل، فإن صاحب رأس المال الذي يبني عقارا موجها للكراء يتعين عليه أن ينتظر سنوات عديدة قبل استرجاع الأموال المستثمرة. وبدل أن يقوم بإنتاج بضاعة، يحول رأسماله النقدي إلى رأس مال عيني، والعملية تظهر كمسألة توظيف أموال، وليست عملية ذات مردودية على المدى القصير أو المتوسط([6])، وهذا ما يفسر إحجام المنعشين العقاريين حاليا عن التوجه نحو الاستثمار في العقار الموجه للكراء، وإن كان البعض يعلل ذلك فقط بكون قوانين الكراء تعطي حماية أكثر للمكترين.
يتبين لنا من تحليلنا أعلاه، أن هناك مجموعة من الخصائص المميزة للمنعش العقاري، إذا جمعناها يمكن أن تساعدنا في تحديد مفهومه :
- المنعش العقاري يمكن أن يكون شخصا ذاتيا أو شخصا معنويا. كما يمكن أن يكون شخصا من أشخاص القانون العام أو الخاص.
- المنعش العقاري يشيد عقارا أو أكثر أو يعمل على “تشييده من غير أن تكون له صفة مقاول في الأشغال العقارية، ويقوم بتسويق منتوجه العقاري.
وبالإضافة إلى هذه المميزات، سنحاول استجلاء الغموض الذي يكتنف مفهوم المنعش العقاري من خلال بحث أنشطته.
ب- أنشطة المنعش العقاري
انطلقت أنشطة الإنعاش العقاري في بداية الأمر من نشاط بناء العقارات في إطار السكن الجماعي (ملكية الشقق والطبقات)، لتتوسع بعد ذلك، وتهتم بمجالات أخرى لا تهم السكن فقط، حيث انصب نشاطها إلى جانب السكن بأنواعه (الفاخر والمتوسط، والاجتماعي) على إنجاز عقارات مخصصة للاستعمال التجاري وللمكاتب وللمركبات السياحية. وفي الواقع، ليس هناك أي سبب أو داع وجيه لتحديد نشاط الإنعاش العقاري بحسب تخصيص العقار لغرض من الأغراض المذكورة أعلاه. لهذا، إذا أردنا البحث عن توضيح مجال عمل المنعش العقاري، نعتقد بأنه يتعين علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الأعمال التي يقوم بها خلال مزاولته لمهنته.
ومن خلال تحليلنا لتعريف المنعش العقاري، توصلنا إلى أنه هو الشخص الذي يشيد أو يعمل على تشييد عقار ويعمل على تسويقه. فهو إذن الشخص الذي يأخذ المبادرة ويعطي حركية ودينامية للعملية العقارية، ويتتبع مراحل إنجازها إلى نهايتها، فما هي العمليات المكونة للإنعاش العقاري ؟
يبين الواقع العملي أنها ثلاثة: تقنية، ومالية وقانونية. فالمنعش العقاري هو الذي يسهر على تنظيم العملية العقارية من هذه النواحي الثلاث: ويتعلق التنظيم التقني بالبحث عن الأرض المناسبة، واتخاذ الإجراءات التقنية لإعداد الوثائق اللازمة للبناء، واختيار المهندس المعماري والمهندسين المختصين ومكتب الدراسات والمراقبة عند الاقتضاء (…)، بينما يخص الجانب المالي البحث عن مصادر التمويل، حيث أنه في غالب الأحيان لا يمول المنعش العقاري عمليته العقارية، برمتها من رأسماله الخاص، بل يعمد إلى الحصول على قروض، أو يبحث عن مستثمرين يشركهم في مشروعه أو يشرك مقتني العقار في مراحل إنجاز مشروعه من خلال التسبيقات والدفعات التي يؤديها هذا الأخير.
ويخص الجانب القانوني مختلف العقود التي يبرمها مع المهندسين والتقنيين ومقاولة البناء (…) وغيرها. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ذلك أن طريقة تمويل المشروع يتوقف على التنظيم القانوني المعتمد في المشروع العقاري. حيث نجد اختلافا في التركيبة القانونية للعملية العقارية، ويعود ذلك للتقنيات المختلفة واقعيا في أنشطة الإنعاش العقاري، وبهذا الخصوص قد نجد المنعش العقاري يتدخل في عملية ما كوكيل بعمولة لفائدة مستثمرين أو مؤسسات مالية، وقد يتدخل أحيانا أخرى عن طريق خلق شركة مخصصة لمشروع معين، أو كبائع لعقارات سبق له أن قام بتشييدها من قبل. وقد تتداخل هذه التركيبات فيما بينها، مما يجعل تحديد الصفة القانونية التي تدخل بها أمرا صعبا ويصعب أيضا مسألة تحديد المسؤولية في حالة وقوع أضرار. (هل الصفة مثلا التي تدخل بها هي صفة الوكيل أم صفة البائع، خاصة فيما يخص التركيبة القانونية المعقدة التي تخلط بين هذه الصفات).
ويمكننا من خلال الممارسة، مع استبعاد القطاع غير المهيكل المتعلق بالسكن العشوائي، ومع تسليمنا بعدد واختلاف أشكال الإنعاش العقاري، أن نميز تجاوزا بين ثلاثة أشكال من المنعشين العقاريين :
- المنعش العقاري الذي يتوفر على تمويل واستثمارات ضخمة، ويعتمد في تنظيمه القانوني الشخصية المعنوية في شكل شركة مساهمة. ويقوم بضخ أموال واستثمارات هامة في المشاريع التي يقوم بها، وقد يكون فرعا لمجموعة مالية مستثمرة.
- المنعش العقاري المتوسط، ويتميز- بالمقارنة مع الأول- بمحدودية وحجم المشاريع العقارية التي ينجزها.
- وإذا كانت الفئتان الأولى والثانية تمارسان الإنعاش العقاري كمهنة قد تجمعان فيها أيضا صفة مقاول الأشغال، فإن الفئة الثالثة تتعلق بالمنعش العقاري الذي يتوفر على مقاولة صغيرة أو شركة عائلية، ويقوم بإنجاز مشاريع صغرى بين الفينة والأخرى، والذي قد يكون مقاولا في البناء أو وكيلا عقاريا أو غيره.
هذا الاختلاف في التركيبة المالية والقانونية وفي تداخل التركيبات القانونية فيما بينها وفي خلط نشاط المنعش العقاري مع أنشطة مهن أخرى مجاورة، كلها أمور ساهمت في الغموض وعدم الوضوح الذي يعتري مهنة المنعش العقاري، مما يستوجب تبسيط القواعد المعتمدة في نشاطه، وتنظيم هذه المهنة.
وقبل بحث هذا التنظيم يمكننا من خلال استعراضنا لهذه الحالات وللعمليات التي يقوم بها المنعش العقاري أن نتفق مع بعض الفقه الذي يعرفه بأنه ([7]) : ((الشخص، الذاتي أو المعنوي، الذي يبادر إلى القيام بعملية بناء عقار أو عقارات، وتنظيمها من النواحي التقنية والقانونية والمالية، ومتابعة إنجازها إلى أن يضع العقارات كليا أو جزئيا بيد مستعمليها)) .
- ضرورة وضع أسس وقواعد قانونية لتنظيم مهنة المنعش العقاري
لم تعرف مهنة المنعش العقاري تنظيما قانونيا، وظل الولوج إلى هذه المهنة ومزاولته مجالا حرا كعدد من المهن الأخرى. غير أن هذه الحرية، أدت إلى خلط نشاط الإنعاش العقاري بأنشطة أخرى مجاورة، وإلى فتح باب مزاولة المهنة لأي كان دون اشتراط قواعد وضوابط لهذه الممارسة، وظهرت بذلك العديد من التجاوزات والممارسات غير السليمة بدون أي ردع، مما يستوجب وضع أسس وقواعد قانونية لتنظيم هذه المهنة. فما هو موقف المشرع والسلطات العامة ؟ وكيف تعامل المهنيون مع هذه الوضعية ؟
- الحاجة لوضع تقنين لتنظيم مزاولة مهنة المنعش العقاري
إذا تتبعنا الخطوات التشريعية التي مست مهنة الإنعاش العقاري نلاحظ بأن المشرع اهتم بهذه المهنة كقطاع من خلال إما تشجيع الاستثمارات أو كقطاع يدر مداخيل هامة يتعين إخضاعها للضريبة. وبالتالي، نجد بأن النص التشريعي الوحيد الذي تناول محاولة تحديد مفهوم هذه المهنة بصفة مباشرة تمثل، -كما بينا أعلاه- في المدونة العامة للضرائب، والتي انصب اهتمامها، ليس لتنظيم هذه المهنة ما دام ذلك ليس دورها، وإنما لمحاولة تحديد معالم هذه المهنة قصد تعيين الوعاء الضريبي، فالهدف كان بالأساس جبائيا، بينما ظلت المهنة تفتقر لتنظيم تشريعي.
غير أنه إذا وسعنا من بحثنا وقراءتنا لإتجاه المشرع، يمكن أن نلاحظ بأنه سار نحو إدخال نوع من التنظيم لمزاولة هذه المهنة بصفة غير مباشرة من خلال تنظيم المعاملات التي يقوم بها المهنيون. واتجه بالخصوص إلى عملية بيع العقارات التي يقومون بتسويقها بعد الانتهاء من عملية التشييد أو قبل الانتهاء منها.
ويمكن أن نستشف ذلك من ناحيتين :
الأولى، وتخص مهنة الإنعاش العقاري بصفة غير مباشرة، وتتعلق بعمليات مراقبة المعاملات العقارية من قبل إدارة التسجيل، وذلك من خلال استيفاء حقوق التسجيل عن التفويتات العقارية. هذه المراقبة التي قد تنتج عنها مراجعة قيمة هذه الحقوق إذا تبين بأن القيمة المعلن عنها في العقود أقل من واقع التفويتات التي يعرفها السوق العقاري، أو قد يترتب عنها في هذه الحالة ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة بالثمن المعلن عنه في العقد، هذا الحق الذي نظمه قانون المالية الصادر بمقتضى ظهير 8 يناير 1973، والذي دفعنا إلى إثارة هذه المراقبة على المعاملات العقارية، وخاصة حق الشفعة أعلاه، بالرغم من أنهما يتعلقان بجميع التفويتات سواء قام بها المنعش العقاري أو أي بائع للعقارات، وربطها بمهنة الإنعاش العقاري، هي إرادة السلطات العمومية مؤخرا اتخاذ إجراءات لمحاربة تفشي ظاهرة المبالغ المدفوعة تحت الطاولة « Noir » وغير المصرح بها في العقد، ومن بين هذه الإجراءات تفعيل حق الشفعة أعلاه. وإن كنا نعتقد بأن هذا الحق سيظل عديم الفعالية إذا لم يرفق بأدوات مصاحبة له، كإحداث صندوق لتمويل عملية ممارسة هذا الحق، وتحديد الجهة الموكول لها بتطبيقه وإدماجه في إطار سياسة عقارية تهدف من ورائها الدولة التحكم في السوق العقاري.
أما الثانية، فتتعلق بصفة مباشرة بالإنعاش العقاري، وقد كان هدف المشرع منها أيضا محاربة ظاهرة أخرى، هي عملية البيع على التصميم « vente sur plan »، والتي لا تخول الضمانات الكافية للطرف الضعيف في هذه المعاملة، أي المشتري. وقد أراد المشرع تحويل اتجاه المنعشين نحو تقنية تؤدي نفس الغرض، أي إشراك مقتني العقار في تمويل تشييده على مراحل، ولكن تحاول إيجاد نوع من التوازن بين البائع والمشتري وتعطي حماية أكثر لهذا الأخير. وهذه التقنية القانونية هي: بيع العقارات في طور الإنجاز « Vente en l’état futur d’achèvement ». وإن كان المشرع لم يستعمل في النص المنظم لها([8]) تسمية المنعش العقاري حيث كان دوما ينص على البائع، فإنها تقع في صميم عمل هذه المهنة. غير أنه بالرغم من دخول هذا القانون حيز التنفيذ ورغم طابعه الآمر لم يتم تطبيق أحكامه إلا في حالات نادرة، ولا زلنا نشهد بيوعات على التصميم تحت غطاء آخر (كتوصيل حجز العقار الذي يلجأ إليه بعض المنعشين العقاريين). بالإضافة لذلك، تقوم السلطة الحكومية المختصة (وزارة الإسكان والتعمير والتنمية المجالية) حاليا، تحت ضغط مهنيي العقار بتهييء مشروع لتعديل مقتضيات هذا القانون.
ونعتقد بأن اتجاه المشرع والسلطات العمومية هذا، بمحاولة تنظيم المهنة عن طريق تنظيم المعاملات العقارية التي يقوم بها المهنيون، إن كان يشكل في حد ذاته عملا ضروريا، فإنه لن يغني عن ضرورة وضع تقنين يهدف تنظيم المهنة. ونرى بأن هذا التقنين يتعين أن ينبني على عدد من الأسس من بينها :
- تمييز مهنة الإنعاش العقاري عن مقاولة البناء، والفصل بينهما بصفة واضحة، تفاديا للخلط بين المهن وتوخيا لتحديد أسس وحدود مسؤولية كل مهنة.
- تحديد حالات منع مزاولة المهنة وحالة تنافيها مع مهن أخرى.
- تبسيط التنظيم القانوني لعملية الإنعاش العقاري وتحديد طرق هذا التنظيم. ونسوق هنا على سبيل المثال، أن المشرع الفرنسي حدد هذا التنظيم في طريقتين([9]):
- المنعش العقاري البائع « Le promoteur revendeur »، والذي يقوم بإعداد مشروعه العقاري ويبادر إلى البيع سواء في مرحلة طور الإنجاز أو بعد الانتهاء من مشروعه، أي أنه يدخل عمليته في إطار عقد البيع.
- المنعش العقاري-مقدم خدمات «Le promoteur-prestataire de service»، أو المنعش العقاري- الوكيل « Promoteur-mandataire »، والذي لا يستثمر أمواله الشخصية، بل يلتزم بتشييد عقار لفائدة الغير. فهو هنا يمثل هذا الغير الذي يكون هو صاحب العمل « Maitre d’ouvrage »، ويقدم له خدماته في إطار عقد الإنعاش العقاري « Contrat de promotion immobilière ».
أما بالنسبة لشروط ولوج مهنة المنعش العقاري، فإننا نعتقد بأن تحديد هذه الشروط يعد أمرا صعب التحقيق بالنظر لطبيعة المهنة، واختلاف أنشطتها بين التقني والقانوني والمالي.
- التنظيم في إطار هيئات وجمعيات مهنية
شعر المهنيون أنفسهم بضرورة التكتل في جمعيات للدفاع عن مصالحهم ومصالح المهنة، وبذلك ظهرت جمعيات في مختلف مناطق البلاد، كجمعيات المجزئين والمنعشين العقاريين (في طنجة وفاس ومراكش والدار البيضاء وغيرها …). غير أن الخلط بين المهن الذي أشرنا إليه أعلاه نجده أيضا في إطار هذه الجمعيات التي تجمع بين المجزئ والمقاول والمنعش العقاري. وقد تم تأسيس الفيدرالية الوطنية للعقار في مرحلة موالية، في محاولة لجمع شتات هذه الجمعيات، وهو الأمر الذي لم تتوصل إليه، لتحل محلها مؤخرا الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، التي تحاول تنظيم المهنيين والدفاع عن مصالحهم، وتعد حاليا المحاور الأساسي للسلطات العمومية بخصوص ما يهم العمليات العقارية. وقد خطت خطوة هامة من أجل العمل على تلميع صورة المنعش العقاري من خلال إعداد وتوقيع ميثاق آداب وأخلاقيات المهنة، وتم التوقيع عليه بتاريخ 26 نوفمبر 2008 بحضور الوزير الممثل للقطاع الوصي والكونفدرالية العامة للمقاولات المغربية، والتزم أعضاؤها بمجموعة من المبادئ والقيم والقواعد اللازم اتباعها (كاحترام المهنة وقواعدها الأخلاقية، واحترام مصالح الزبناء والمقتنين، والالتزام بالشفافية، ومحاربة الوسائل غير المشروعة (…).
وقد التزمت الفيدرالية بالسهر على تطبيق مقتضيات هذا الميثاق، حيث سيسهر مجلس لليقضة والتنبه « Comité de veille et de vigilance » على ضمان تطبيق القيم المعتمدة فيه، وسيتألف هذا المجلس من ممثلين عن الإدارة والمؤسسات المالية والمجتمع المدني، والجمعيات المهنية والجمعيات غير الحكومية العاملة في مجال احترام قواعد الآداب والأخلاقيات في الممارسات المهنية.
غير أننا نعتقد، بالرغم من أهمية هذه الخطوات المتخذة من قبل هيئات المهنيين، فإن ذلك سيظل ناقصا حيث أن العديد من المهنيين ليسوا منخرطين في هذه الفيدرالية. وحتى بالنسبة لأعضائها ستطل هذه المبادئ تعتبر من باب الأخلاقيات أو النوايا الحسنة إذا لم تتبعها وسائل المراقبة والزجر في حالة مخالفتها. ونرى بأنه يتعين على السلطات العمومية دعم الهيئات المهنية بالمساهمة في تيسير تنظيمها وإيجاد الوسائل القانونية التي تمكنها من وضع أسس لمراقبة أعضائها ووضع قواعد تأديبية تتخذ في حق المخالفين لقواعد أخلاقيات المهنة. وجعل الانخراط في الهيئة المهنية علامة للجودة والاستقامة، مع العمل على الحفاظ على هذه العلامة التي تشكل أداة لطمأنة المتعاملين مع أعضائها.
[1] عبد القادر العرعاري، المسؤولية العقدية للمقاول والمهندس المعماري بالمغرب، الطبعة الأولى، دار الأمان، الرباط 2009، ص 12.
[2] Roger SAINT-ALARY, « Droit de la construction », PUF, 1977, pp.289 et 290.
[3] المدونة العامة للضرائب « Code général des impôts »، المحدثة بمقتضى المادة الخامسة من قانون المالية رقم 06-34 للسنة المالية 2007 الصادر بتنفيذه الظهير رقم 232-06-1 بتاريخ 10 ذي الحجة 1427 (31 ديسمبر 2006) كما وقع تعديله وتتميمه.
[4] ورد خطأ في النص العربي بالمقارنة مع النص الفرنسي للمدونة. حيث جاء في النص العربي (( يصممون ))، بينما ورد في النص الفرنسي مفردة ((procède))، وترجمتها ((يقومون)) أو ((ينجزون)). وهذا المعنى في النص الفرنسي هو الصحيح، ذلك أن المنعشين العقاريين لا يصممون، أي لا يضعون تصميما حيث أن ذلك من اختصاص المهندسين المعماريين والمهندسين المختصين، وإذا فهمنا المعنى المقصود من ((يصممون)) أي يعقدون العزم على القيام بشيء، فإن عقد العزم يبقى في إطار النوايا ولا يدخل في الأعمال المنجزة. لذلك، فالعبارة الصحيحة التي يتعين وضعها بالنص هي الأشخاص الذين ينجزون (أو يقومون بإنجاز …).
[5] مع بعض الاختلاف كما سنبين فيما بعد.
[6] Philippe Malinvaud, Philippe Jestaz, Patrice Jourdin et Olivier Tournafond « droit de la promotion immobilière » DALLOZ, 7ème édition, 2004, p.6.
[7] Roger Saint-Alary, « droit de la construction », op. cit., p.303.
[8] صادر بمقتضى القانون رقم 00-44 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 309-02-1 بتاريخ 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) والذي تم إدماج مواده في قانون الالتزامات والعقود (الفصول من 1-618 إلى 20-618 المكونة للفرع الرابع من هذا القانون).
[9] La règle du jeu, L’immobilier d’entreprise en France, DTZ en collaboration avec Lefebre Pelletier et associés, Avocats, Edition 2007, p.12.


