تدابير وآفاق

 المصطفى قريشي

ما مدى تمكن هذه القوانين والتشريعات من التجسيد الفعلي والعملي لاستقلالية السلطة القضائية؟ وماهي الضمانات التي كرستها تلك القوانين لاستقلالية السلطة القضائية؟ وماهي أهم النقائص والعيوب التي شابت تلك القوانين، والتي تمس جوهر استقلال السلطة القضائية؟ وماهي مقومات ومرتكزات وآفاق استقلال السلطة القضائية؟

     إن إرساء دولة الحق والقانون وإرساء دعائم دولة المؤسسات يقوم على أساس مجموعة من المبادئ، وعلى رأسها مبدأ فصل السلط. هذا المبدأ الذي ظل مفهوما مركزيا يغذي النقاشات السياسية والدستورية والحقوقية، منذ نشر مؤلف المفكر الفرنسي مونتسكيو (روح القوانين) سنة 1748، والذي يقوم على أساس حد السلطة من قبل السلطة، وفق التقسيم الكلاسيكي الثلاثي للسلط (تنفيذية، تشريعية وقضائية).

     لذلك، فإن موضوع استقلال القضاء يشكل حجر الزاوية في بناء دولة الحق والقانون، ولا يمكن تحقيق تطور فعلي في مجال احترام حقوق الإنسان، دون توفر الضمانات الكافية لاستقلال السلطة القضائية، وباعتبار أن استقلال القضاء وسيادة القانون، من بين المقومات الأساسية لبناء مجتمع ديمقراطي. ويذهب كثير من الفقهاء والباحثين إلى أن إصلاح القضاء يرتكز على مجموعة من المقومات والمبادئ الأساسية، وأهم هذه المبادئ وأبرزها هو مبدأ استقلال السلطة القضائية الذي يقصد به أن يمارس القاضي مهامه القضائية بمنأى عن كل تأثير مادي أو معنوي من طرف أي جهة[1]، وذلك بشكل يضمن فعالية وجودة الحكم القضائي[2]. وبطبيعة الحال، فهذا لن يتأتى إلا بتكريس مجموعة من الدعائم القانونية والمؤسساتية التي من شأنها أن تؤسس للاستقلال الفعلي للقضاء. وعليه، يمكن القول بأن مبدأ استقلال السلطة القضائية من المبادئ العالمية والدستورية المسلم بها في النظم السياسية الديمقراطية المعاصرة.

     ويحتل القضاء الصدارة في خضم الأوراش الكبرى والإصلاحات التي تعرفها المملكة المغربية، ومن الأمور التي ما فتئت كل الفعاليات الحقوقية والسياسية تنادي بها، باعتباره الضمانة الفعلية والحقيقية لتدعيم أسس دولة الحق والقانون، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وتحقيق الأمن القضائي والسلم الاجتماعي  والاستقرار السياسي للبلاد. وفي هذا الإطار، كان الخطاب الملكي ل 20 غشت 2009 قاعدة صلبة لتحقيق هذا الإصلاح المنشود، وذلك إثر تجسيده وتطرقه لمجموعة من المبادئ والأهداف المتعلقة بإصلاح القضاء، والتي شكلت خارطة طريق لإصلاح  منظومة العدالة، خاصة في ما يتعلق بدعم استقلالية القضاء وتحديث المنظومة القانونية وتأهيل الهياكل القضائية والإدارية والبشرية  وترسيخ التخليق، وقد شكل أيضا الخطابين الملكيين لكل من 8 اكتوبر 2010 والخطاب التاريخي ل 9 مارس 2011، إضافة متقدمة  في مسار إصلاح منظومة العدالة ببلادنا، وذلك من خلال التأسيس لمفهوم جديد للإصلاح؛ ألا وهو (القضاء في خدمة المواطن)، وكذا الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة بجانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وحماية الحقوق والحرص على احترام القوانين، ونتيجة لهذا المسار التصاعدي الذي عرفته منظومة العدالة بالمغرب، من خلال تلك الخطب الملكية،  وكذا الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد، توج ذلك بصدور دستور 2011[3].

     ففي خضم الاصلاحات التي يعيشها المغرب في العشرية الأخيرة، احتل ورش اصلاح القضاء مكانة جد مهمة، لوضع خارطة طريق نحو إصلاح هيكلي ومؤسساتي وتشريعي للنظام القضائي، وبعد مرور أزيد من أربع سنوات على سن مجموعة من المقتضيات الدستورية في دستور2011، والمرتبطة أساسا بتعزيز وتكريس وضمان استقلالية السلطة القضائية، وبعد صدور العديد من – مشاريع – القوانين التنظيمية الخاصة بتنظيم وهيكلة عدد من المؤسسات القضائية؛ كالمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، وما رافق ذلك من جدال ونقاش وسجالات سياسية وحقوقية، ارتبطت أساسا بمدى ضمان هذه التدابير والإجراءات لاستقلالية السلطة القضائية؛ وهو الأمر الذي سنقف عنده في مقالتنا هذه، من خلال دراسة وتحليل ومناقشة مختلف التدابير والإجراءات والقوانين التي تم سنها، والخاصة بتنزيل المقتضيات الدستورية، وذلك بالإجابة على عدد من الإشكاليات المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة.

  1. مسار إصلاح السلطة القضائية بالمغرب

     إن ورش إصلاح العدالة هو ورش قديم، بدأ مع الظهير 26/01/1965 المتعلق بتوحيد ومغربة وتعريب القضاء، ثم إصلاح 1974[4] الذي لم يؤد إلا إلى تأزيم وتفاقم الأوضاع، حيث صدرت خمسة ظهائر؛ تتعلق بالتنظيم القضائي، وإحداث محاكم الجماعات والمقاطعات، والإجراءات الانتقالية للمسطرة الجنائية، وقانون المسطرة المدنية، والنظام الأساسي لرجال القضاء، ثم مشروع الإصلاح لسنة 1999-2003 الذي اهتم بإصلاح وتحديث قطاع العدل، بعد إقرار وزارة العدل بوجود العديد من الاختلالات والإخفاقات ومواطن العجز. ثم لتصدر بعدها مجموعة من القوانين وتعديلات أخرى، شملت مجموعة القانون الجنائي، وقانون المسطرة الجنائية، ومدونة الأسرة، وتوسيع مجال القضاء الفردي، وغيرها من النصوص.

     لكن كل هذه الإصلاحات بقيت محدودة وغير قادرة على الوصول إلى المقاصد، لكون الوثيقة الدستورية حينها لم تكن تمكن الحكومة والبرلمان من ممارسة مجموعة من الصلاحيات التي أصبحت تتمتع بها اليوم، كما أن هناك مجموعة من المقتضيات لم يكن من الممكن المساس بها لكون الأمر كان يقتضي تعديلا دستوريا بخصوصها[5].

   وارتباطا بما سبق، فقد شكل موضوع استقلال السلطة القضائية موضوعا محوريا يشغل بال كل الفاعلين السياسيين والحقوقين والاقتصاديين والاجتماعيين، منذ حصول المغرب على استقلاله. وأصبح الاهتمام باستقلال السلطة القضائية وتحقيق العدالة في المغرب مسألة لا رجعة فيها من خلال العديد من الإشارات الواضحة والصريحة من طرف أعلى مستويات السلطة بالبلاد، وهذا ما يؤكده المسار التاريخي للمغرب بمؤسساته وتشريعاته، لكن تحقيق هذا المسار لا يمكن اكتماله دون وجود قواعد صلبة وحقيقية للسلطة القضائية، بعيدة عن كل تأثير أو ضغط كيفما كان نوعه[6].

وقد بدأ بصيص الأمل يلوح مع نهاية تسعينات القرن العشرين مع انبثاق إرادة طي صفحة الماضي وبداية التناوب التوافقي الذي عمل على تحقيق العديد من المكتسبات في مجال الحقوق والحريات، وذلك من خلال إصدار وتعديل العديد من المدونات والنصوص القانونية، بما فيها إصلاح وتطوير وتحديث المنظومة القضائية وتحقيق استقلاليتها عن باقي السلط، حيث عملت على إصدار مجموعة من القوانين التي ترتبط أو تبتغي تقوية الجهاز القضائي وضمان استقلاليته، بداء بالتعديلات الجوهرية التي مست قوانين ذات صلة بالحقوق والحريات؛ كقانون المسطرة الجنائية وقانون الصحافة والحريات العامة، مرورا بخلق المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ووزارة حقوق الإنسان، وصولا إلى تجربة مؤسسة هيئة الإنصاف والمصالحة، الأمر الذي أبان عن إرادة قوية للمغرب في المضي نحو قضاء أفضل ينطلق من تكريس حقيقي للسلطة القضائية وترك شؤون القضاء للقضاة أنفسهم، بعيدا عن التدخل أو التأثير التسلسلي. 

كما أن من ضمن الإصلاحات القانونية والسياسية التي باشرها المغرب في العقدين الأخيرين، والتي حققت مجموعة من المكتسبات الهامة على طريق إصلاح القضاء، إحداث المحاكم الإدارية[7]، التي تختص بالنظر في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية، بسبب تجاوز السلطة وغيرها من القضايا الأخري. كما لا يخفي الدور الذي أسهمت به المحاكم التجارية[8] التي أنشئت سنة 1997 في دعم الاستثمار وتشجيعه، كما تم استبدال الغرفة الدستورية في المجلس الأعلي، بالمجلس الدستوري الذي يسهر على مراقبة دستورية القوانين، وتم إلغاء محكمة العدل الخاصة، وإصدار العديد من النصوص والتشريعات القانونية؛ كمدونة الأسرة ومدونة الشغل، ومراجعة قوانين أخرى.

غير أن مجمل الإصلاحات التي طالت حقل القضاء، لم تكن بالنجاعة والفعالية التي تضمن استقلاليته؛ ففي ظل دستور 1996[9]، ورغم التنصيص على مبدأ استقلالية القضاء (الفصل الثاني والثمانون من الباب السابع)، ووجود مجموعة من النصوص القانونية الأخرى، والتي حاول المشرع من خلالها ترسيخ هذا المبدأ) نذكر في هذا السياق، الظهير الخاص بالنظام الأساسي لرجال القضاء الذي أكد على استقلالية القضاة وعدم جواز عزلهم، ونص على مختلف الضمانات الكفيلة بتوفير الشروط اللازمة لتحصينهم وتأمين حمايتهم، وحريتهم في اتخاذ الأحكام والقرارات، وحاول المحافظة على حياد القضاة من خلال منعهم من ممارسة أي نشاط سياسي أو اتخاذ أي موقف ذي طابع سياسي( فإن هذه الاستقلالية ظلت موضع مساءلة، بالنظر إلى مجموعة من الاعتبارات، في جانبها القانوني أو المرتبط بالممارسة؛ فعلى الصعيد القانوني، كان المجلس الأعلى للقضاة يعرف تمثيلية وازنة لأعضاء، يحسبون على السلطة التنفيذية، كوزير العدل، كما أن المشرع الدستوري الذي حرص على وصف المجال التشريعي والتنفيذي بـ”السلطة”، استعمل مصطلح القضاء فقط دون اعتباره سلطة، عند تناول المجال القضائي، وهو ما أثار تساؤلات عديدة بصدد استقلالية القضاء ومدى اعتباره سلطة بالفعل أو مجرد وظيفة.

وعلى مستوى الممارسة الميدانية، تنامت الانتقادات الموجّهة إلى القضاء المغربي في السنوات الأخيرة، نتيجة لبعض الممارسات التي تسيئ لاستقلاليته ونزاهته، من قبيل عدم اعتماد الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية، بما يجعل عددا كبيرا منها حبرا على ورق[10]، والتأثيرات التي تباشرها السلطة التنفيذية على مسار القضاء، خاصة فيما يتعلق ببعض المحاكمات ذات الصبغة السياسية أو المرتبطة بحرية الرأي والصحافة، بالإضافة إلى مظاهر انتشار المحسوبية والرشوة وسيادة منطق التعليمات؛ وهي كلها عوامل تحول دون ترسيخ سيادة القانون وتكرس الاستهتار بالقوانين والإفلات من العقاب. 

أمام هذه الوضعية، تزايدت في السنوات الأخيرة المطالب الداعية إلى إصلاح وتقوية القضاء بالمغرب، سواء من قبل فعاليات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية، ليكون في مستوى التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المغرب، بل إن العديد من المنتمين إلى هذا القطاع الحيوي أنفسهم (قضاة، محامون، موظفون) تحدثوا غير ما مرة عن مختلف المشاكل والاختلالات التي يعرفها القضاء، وعبروا عن استيائهم من الظروف الصعبة التي يشتغلون في إطارها.

وقد اتضح هذا التوجه الإصلاحي أكثر في مجموعة من الخطب الملكية بدء من خطاب الملك في افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بالرباط بفاتح مارس 2002[11]، حيث عبر فيه عن إرادته في إصلاح القضاء بقوله ” التعبئة الكاملة والقوية للقضاة ولكل الفاعلين في مجال العدالة للمضي قدما بإصلاح القضاء نحو وجهته الصحيحة وانتهاء زمن العرقلة والتخاذل والتردد والانتظارية”، كما أن هيئة الإنصاف والمصالحة أصدرت مجموعة من التوصيات[12] في تقريرها الختامي سنة 2005، تطالب من خلالها بتقوية استقلال القضاء، والتي تتطلب فضلا عن التوصيات ذات الطابع الدستوري، مراجعة النظام الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بواسطة قانون تنظيمي، تراجع تشكيلته ووظيفته، بما يضمن تمثيلية وازنة للمجتمع المدني به، مع الإقرار باستقلاله الذاتي، بشريا وماليا، وتمكينه من سلطات واسعة في مجال تنظيم المهنة ووضع ضوابطها وأخلاقياتها وتقييم عمل القضاة وتأديبهم، وتخويله إعداد تقرير سنوي عن سير العدالة، وإعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين، وتقوية الضمانات القانونية والمسطرية ضد انتهاكات حقوق الإنسان.

وبمناسبة عيد العرش لسنة 2008، سيؤكد الملك على منهجية إصلاح القضاء بقوله ” ولهذه الغاية، ندعو حكومتنا للانكباب على بلورة مخطط مضبوط للإصلاح العميق للقضاء، ينبثق من حوار بناء وانفتاح واسع على جميع الفعاليات المؤهلة المعنية، مؤكدين بصفتنا ضامنا لاستقلال القضاء حرصنا على التفعيل الأمثل لهذا المخطط، من أجل بلوغ ما نتوخاه للقضاء من تحديث ونجاعة في إطار من النزاهة والتجرد والمسؤولية”، وكذا خطاب الملك ل 20 غشت سنة 2009[13]، والذى شكل خارطة طريق للقائمين بهذا الإصلاح المؤسساتي والقانوني، وهو ما تم تأكيده أيضا عند افتتاح الدورة الأولى للبرلمان بتاريخ 8 أكتوبر 2010، والذي تميز بتأسيسه للمفهوم الجديد لإصلاح العدالة، انطلاقا من قاعدة ” القضاء في خدمة المواطن”. إن تواتر هذا التوجه في عديد من الخطب الملكية، تأكيد على العزم في تحقيق قضاء أفضل.

      وفي نفس السياق، تبلور اهتمام وتفاعل فعاليات المجتمع المدني من جمعيات وهيئات مهنية وحقوقية[14]، بالإضافة إلى الأحزاب السياسية المغربية، حول ضرورة وملحاحية إصلاح نظام العدالة، في تقديم العديد من المساهمات والاقتراحات والمطالب والحلول، من خلال إعداد مذكرات، تروم تشخيص بعض ملامح حالة القضاء وإثارة الأسئلة حولها وطرح بعض الحلول؛ وهي مساهمة في إيجاد الآليات القانونية والدستورية الحكامتية التي يمكن أن تنتشل القضاء من وضعيته وضمان استقلاليته وتطوير أدائه وتجويده؛ وباتت مختلف تلك الفعاليات في المجتمع مقتنعة بأن الإصلاح الهيكلي للقضاء أضحى واجبا دستوريا وسياسيا وأخلاقيا، وبدونه لا يمكن أن تستقيم سبل التنمية والعدالة والاستقرار السياسي، ويؤكدون على نحو متزايد على ضرورة معالجة مثالب القضاء وسلبياته، باعتبارها من قضايا التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمدخل الرئيسي لإعمال العدالة والمساواة واستئصال الفساد، ووضع حد للإفلات من العقاب.

      وفي نفس الإطار، يمكن اعتبار دستور2011 حدثا مهما في المسيرة الإصلاحية للقضاء، قد يكسب السلطة القضائية استقلالها المؤسساتي والدستوري، وذلك من خلال  تنصيصه على مجموعة من المكتسبات لهذا الجهاز، على رأسها الاعتراف الدستوري بصفة السلطة القضائية المستقلة، وذلك على غرار باقي السلط بموجب الفصل 107، بالإضافة إلى مقتضيات أخرى تفصح عن رغبة السلطة في تعزيز ورش إصلاح القضاء، بما يتماشى مع متطلبات العصر والتزامات الدولة المغربية الدولية. وعليه، فإن ضمان استقلال السلطة القضائية لا يمكن أن يتأتى إلا بالتفعيل السليم للمقتضيات الدستورية من خلال تنزيلها في القوانين التنظيمية، واعتماد المعايير الدولية المتعلقة بالمحاكمة العادلة واستقلال القضاء.

2- ماهية استقلال السلطة القضائية في ظل دستور 2011

يعتبر البحث في موضوع السلطة القضائية مسألة جوهرية لضمان بروز سلطة ثالثة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية[15]، باعتبار اللحظة الدستوري التي يعيشها المغرب، والتي تجعل من القضاء الحصن المنيع لحقوق الفرد وحرياته وضمانة موثوقة وفعلية وفعالة، تعطي لكل ذي حق حقه بالإجبار؛ وهي ضمانة ينص عليها القانون وينظم استخدامها ويخضعها لمواعيد محددة، يتعين اللجوء إليها وإلا سقط الحق فيها، حيث أعطى الدستور المغربي الجديد اهتماما بالغا للقضاء وأسبغ عليه صفة السلطة، وارتقى ببعض المقتضيات إلى مبادئ دستورية، كاستقلالية القضاء وحياده، ومبدأ المساواة بين المتقاضين، ومجانية القضاء والحق في المحاكمة العادلة، كما حمل الدولة مسؤولية التعويض عن أخطاء القضاء، وغيرها من المبادئ والأسس الكفيلة بالنهوض بالقضاء وتدليل الصعاب أمام المتقاضين[16]. لذلك، جاءت مقتضيات السلطة القضائية في الدستور الجديد في ثلاثة محاور– استقلال القضاء، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة- مؤطرة في22 فصلا ‏من الفصل 107 إلى الفصل 128.

     لقد شكل دستور 2011 نقلة نوعية في مجال إرساء دولة الحق والقانون بالمغرب؛ ذلك الدستور الذي جاء في سياق العديد من المتغيرات، سواء على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي، واستجابة لمطالب العديد من الفعاليات الحقوقية والسياسية ومنظمات المجتمع المدني، وبالخصوص استجابة للإرادة السياسية التي عبرت عنها المؤسسة الملكية في عدد من الخطابات الملكية التي سبقت الإشارة إليها في مقدمة هذا المقال، وبعد تراكم وتعقد الاختلالات التي أصبحت تعاني منها العدالة بالمغرب.

       ولقد تجسدت تلك الرغبة والإرادة الملكية في إصلاح منظومة العدالة، من خلال المقتضيات التي أتت بها الوثيقة الدستورية لسنة2011، حيث تم الارتقاء والرفع من سقف استقلالية السلطة القضائية، بتخصيص الباب السابع من الدستور وتمت عنونته بالسلطة القضائية واستقلال القضاء، حاملا في طياته مجموعة من التغييرات الجوهرية؛ أبرزها الوصف الدستوري للقضاء بالسلطة بموجب الفصل 107، بحيث خصص لمقومات هذا المبدأ الفصول من 107 إلى 112 من الدستور، وكذا تغيير المجلس الأعلى للقضاء بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية بموجب الفصول من 113 إلى 116؛ وهذا المقتضى يعتبر مقوما أساسيا لتحقيق الاستقلال المؤسساتي للقضاء عن وزارة العدل، خصوصا مع رفع يد وزير العدل عن هذا المجلس بموجب الفصل 115 من الدستور، بحيث أصبح الرئيس الأول لمحكمة النقض رئيسا منتدبا لذات المجلس بدل وزير العدل. كما خصص لحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة الفصول من 117 إلى 128؛ وأهم مستجد في هذا الباب هو ما نص عليه الفصل 122 من الدستور من أنه يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة.

      وبدخول دستور2011 حيز التنفيذ، تم الإعلان عن قضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية من خلال فصول حاولت الحسم في المحسوبية والتدخل في شؤون القضاة أو القضايا المعروضة، حيث نص الفصل107 على أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”.

     ومنح دستور 2011 ضمانات قوية للقضاة من أجل إصدار أحكام عادلة، بعيدا عن أي أوامر أو تعليمات وفي منأى عن أي ضغط، و”لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون، ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. كما ألزم الدستور قضاة النيابة العامة بتطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها. وقد خصص دستور2011 بابا مستقلا بحيز أكبر، مقارنة مع دستور 1996، معنونا ب “السلطة القضائية” عوض “القضاء”، على اعتبار أن هذا المطلب كان مثار إجماع كل الفرقاء السياسيين والحقوقيين والمدنيين، بل استجاب بشكل كبير لمقترحات هؤلاء. واختار الدستور الجديد كعنوان فرعي لهذا الباب ب”استقلال القضاء”، وضمن لهذا الباب ستة نصوص (من الفصل 107، إلى الفصل 112)، في حين كان قد يخص استقلال القضاء بنص واحد؛ هو الفصل 82 الذي جاء فيه “القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية” .

    وبارتقاء دستور2011 بالقضاء إلى سلطة مستقلة، أصبح المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يترأسه الملك، يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولاسيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم. أما الفصل 87 من دستور 1996، فقد كان ينص فقط على أن المجلس الأعلى للقضاء يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم. ونصت بنود في دستور2011 على أنه بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، يصدر “المجلس الأعلى للسلطة القضائية” آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بسير القضاء، مع مراعاة مبدإ فصل السلط، كما نص على أن المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية، الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي – سيعقد بدورتين في السنة على الأقل – قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة، أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة. وبقانون تنظيمي، يحدد انتخاب وتنظيم وسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة، ومسطرة التأديب.
أما ما يتعلق بالمحكمة الدستورية، فقد ارتقى دستور2011 بالمجلس الدستوري إلى محكمة دستورية، تتألف من إثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وستة أعضاء؛ يُنتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس، وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس. وستختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور.

        كما تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور. ويمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور. ولا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية.

      إضافة إلى ما سبق، فإن من خلال القراءة المتأنية والمتفحصة لمقتضيات دستور 2011، والمتعلقة بالسلطة القضائية، يمكن أن نستنتج مجموعة من الملاحظات الأولية، والتي تتمثل أولا في السعي إلى تكريس مبدأ استقلال القضاء على مستوى الفاعلين الأساسيين في منظومة العدالة؛ ونعني بذلك القضاة، حيث ينص الفصل 109 من الدستور الجديد على أنه “يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط”، وفي الفقرة الثانية من نفس الفصل، أوجب على القاضي أنه كلما أحس بأن استقلاله مهدد أن يحيل الأمر على المجلس الأعلى للسلطة القضائية.  كما اعتبر هذا الدستور، أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد، يعد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، كما تم التنصيص في نفس الفصل على أنه: “يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة”.

     وإذا كان لوزير العدل كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء في الدستور السابق سلطات واسعة فيما يخص المسار المهني للقاضي، حيث كان يعهد إليه بكل ما يتعلق بنقلهم وترقيتهم وتأديبهم، بما في ذلك من تأثير سلبي على هؤلاء، فإنه وبمقتضى الدستور الجديد، تم إلحاق جميع الصلاحيات المتعلقة بالحياة المهنية للقضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي أصبح يهتم بتطبيق الضمانات الممنوحة لهم، ولاسيما فيما يتعلق بتعيينهم ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم، كما نص على ذلك الفصل 113 من الدستور، بل أضاف الفصل 114 ضمانة أخرى؛ وهي أن المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية  قابلة للطعن، بسبب الشطط في استعمال السلطة، أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة. إضافة إلى الفصل 108 الذي أضاف ضمانة أخرى تتعلق بإحاطة عقوبة عزل القضاة وسلطة تنقيلهم بالقانون: “لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون”.

     ومن المستجدات التي جاء بها دستور2011، والتي تصب أيضا في مجال تعزيز استقلالية السلطة القضائية ما ينص عليه الفصل 111 من حق القضاة  في التعبير، وذلك في حدود واجبات التحفظ والأخلاقيات القضائية، وكذا تنصيصه على حقهم في الانتماء إلى الجمعيات وإنشاء جمعيات مهنية، كل ذلك ضمن حدود احترام واجب التجرد والاستقلال ولتعزيز مبدأ الاستقلالية والتجرد في إصدار الأحكام، تم منعهم من الانتماء إلى الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية. 

      إن مبدأ استقلال القضاء نتيجة حتمية لتبني مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه ضمانة أكيدة للحقوق والحريات وسيادة القانون وتحقيق العدالة، لكنه يبقى أمراً نظريا ما لم يحصن بمجموعة من الضمانات التي من شأنها تطبيق المبدأ على أرض الواقع وتعمل على ديمومته واستقراره في التطبيق العملي[17]؛ فالخشية تبقى قائمة من تدخل السلطة التشريعية تارة أو من خلال تدخل السلطة التنفيذية تارة أخرى، باعمال القضاء وشؤونه واختصاصاته أو باستقلال القاضي والتأثير في قراراته لحسم الدعاوى باتجاه معين خارج الاتجاه الذي تتحقق فيه العدالة ويفض المنازعات أو يتمتع المتخاصمين بعدالة القضاء. لذلك، تسعى الدساتير عادة إلى تحصين مبدأ استقلال القضاء بأشكال مختلفة من الضمانات.

      وارتباطا بما سبق، فإن ضمان استقلال السلطة القضائية لا يمكن أن يتأتى إلا بالتفعيل السليم للمقتضيات الدستورية من خلال تنزيلها في القوانين التنظيمية، واعتماد المعايير الدولية المتعلقة بالمحاكمة العادلة واستقلال القضاء؛ فما هي ضمانات ومقومات أو مرتكزات إصلاح منظومة العدالة وضمان استقلال السلطة القضائية؟

3- مقومات ومرتكزات إصلاح منظومة العدالة

ارتباطا بما سبق، فإن من المسلم به بديهيا أن المضامين الدستورية، لا تتحقق لوحدها، دون تنزيل حقيقي على أرض الواقع، ومن أجل جعل تلك المقتضيات الدستورية مفعلة بتدابير فعلية يلمسها القضاة والمتقاضون، ارتأى الملك محمد السادس إحداث هيئة عليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، عهد إليها بمناسبة تنصيبها بتاريخ 8 ماي 2012، بمهمة الإشراف على هذا الحوار الوطني، وذلك بغاية “بلورة ميثاق وطني واضح في أهدافه، ومحدد في أسبقياته وبرامجه ووسائل تمويله، ومضبوط في أليات تفعيله وتقويمه”. والجدير بالذكر، أن السياق الذي يندرج فيه هذا الميثاق ينسجم والتوجهات الملكية الإصلاحية في هذا الجانب، علاوة على المبادئ الدستورية التي أصبحت تحتاج لآليات فعالة لتنفيذها، بالإضافة إلى التزامات المغرب الدولية وانفتاحه على المنتظم الدولي، وكذلك النقائص والاختلالات التي طالت جهاز العدالة منذ الاستقلال؛ فكل هذه الظروف والعوامل وغيرها ساهت في تبني إصلاح شامل وعام لمنظومة العدالة، بحيث تم التأسيس لهذا الإصلاح بتنصيب الهيئة العليا التي ضمت مختلف مكونات المجتمع المدني والسلطة القضائية وجميع المتدخلين في مجال العدالة.

      وقد تمكنت تلك الهيئة من صياغة ميثاق لإصلاح منظومة العدالة[18]؛ ومن أهم المضامين التي أتى بها ذلك الميثاق، والتي تعد بحق مرتكزات أساسية لإصلاح منظومة العدالة وضمانات حقيقة لاستقلالية السلطة القضائية، والتي تمت صياغته وبلورتها في ستة أهداف استراتيجية، وضعت لها عدة تدابير إجرائية لتنزيلها على أرض الواقع؛ وتتمثل في:

     -1 توطيد استقلالية السلطة القضائية من خلال:

– ضمان استقلالية المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

– ضمان تمثيلية شاملة وفعالة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

– التدبير الأمثل للمسار المهني للقضاة.

– تعزيز التفتيش القضائي.

– اعتماد آليات التعاون بين المجلس والسلطات الأخرى.

– تواصل المجلس الأعلى للسلطة القضائية مع محيطه.

– استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية.

-2 تخليق منظومة العدالة، وذلك بـ:

– تعزيز آليات الجزاء لضمان الشفافية ونزاهة منظومة العدالة. 

– تعزيز مبادئ الشفافية والمراقبة والمسؤولية في المهن القضائية.

– ترسيخ القيم والمبادئ الأخلاقية لمنظومة العدالة.

– تعزيز دور القضاء في تعزيز الحياة العامة.

   -3   تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات من خلال:

– نهج سياسة جنائية جديدة.

– تطوير سياسة التجريم.

– إرساء سياسة عقابية ناجعة.

– تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

– ضمان نجاعة آليات العدالة الجنائية.

– تحديث أليات العدالة الجنائية.

-4 الارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء.

  -5 إنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة.

     6 تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها.

     وانطلاق مما سبق، ومن خلال قراءة متأنية لمختلف تلك التدابير والأهداف والإجراءات، يمكن التأكيد على أن أي إصلاح لمنظومة العدالة يجب أن ينطلق من عدة مقومات أولية، والتي تتأسس عليها منظومة العدالة، والتي تبتغي تكريس استقلال فعلي للسلطة القضائية من خلال:

أولا  استقلال القاضي عن السلطة التنفيذية

     منع الفصل 109 من الدستور كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، بحيث لا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، وأن لا يخضع القضاة وهو يزاولون مهامهم إلا لضمائرهم ولسلطان القانون[19]. وإذا ما اعتبر بأن استقلاله مهدد، فإنه ملزم بإحالة الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية. هذا المجلس الذي لم يعد يضم بمقتضى الفصل 115 من الدستور عضوية وزير العدل، حيث أصبح الرئيس الأول لمحكمة النقض هو رئيسه المنتدب، تحت رئاسة الملك. ومن ثم، لم يعد هناك مبرر لخضوع النيابة العامة للسلطة الرئاسية لوزير العدل، خصوصا أن الفصل 110 من الدستور خاطبهم بإسم قضاة النيابة العامة، وأوجب عليهم تطبيق القانون والالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.

     كما أن الدستور عندما أراد أن ينظم العلاقة بين السلط، أفرد لها بابا خاصا؛ وهو الباب السادس، ولم يشر لا من بعيد ولا من قريب إلى العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضائية، إلا ما كان من طلب رأي مفصل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية حول كل مسألة تتعلق بسير القضاء، مع مراعاة مبدأ فصل السلط في الفصل 113 من الدستور، والذي لا ينتمي للباب السادس.

     كما أن من بين المشاكل المطروحة؛ ازدواجية الصفة لدى ضباط الشرطة القضائية؛ فهي تكمن مهمتها في التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها، كما تقوم بتنفيذ أوامر وإنابات قضاء التحقيق وأوامر النيابة العامة. وفي هذا السياق، نص الفصل 128 من الدستور الجديد: ” تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية بخصوص الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة”، كما أن ضباطها يعتبرون تابعين إداريا للإدارة العامة للأمن الوطني، ويقومون بمهام أخرى لفائدة هذه الإدارة، مما يؤدي إلى عرقلة عملهم في كثير من الأحيان بسبب تعدد المهام وثنائية سلطة الإشراف.

ثانيا – الاستقلال الإداري والمالي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية

      إن من ضمن مشاريع القوانين التي وضعت لتفعيل المبادئ الدستورية، نجد مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي وضع استجابة لمقتضيات الفصل 116 من الدستور في فقرته الرابعة، من أجل ضمان حصول استقلالية السلطة القضائية عن التنفيذية[20]، والذي هو شرط العدالة والمساواة ولجم الشطط والتسلط. هذا المجلس الذي يعد هيأة عليا، تسهر على استقلال القضاء[21] وتطبيق الضمانات الممنوحة للسادة القضاة، ومن المعول عليه أن يحقق مجموعة من الأهداف؛ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

– تسيير الشأن القضائي والإشراف على الإدارة القضائية ومراقبة مدى تخليقها للعمل القضائي بالمحاكم.

– تمتعه باستقلال مالي وإداري يضمن عدم تبعيته لأي جهة.

– إحاطته بكل ما يتعلق بالمسار المهني للسادة القضاة.

-ضمانه لمبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز والمناصفة في تدبير وضعيتهم الفردية.

     وحسب نفس الفصل 113 من الدستور، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعتبر مؤسسة دستورية تسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، خصوصا في ما يتعلق باستقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم؛ وهو يتألف حسب الفصل 115 من الدستور من: الملك رئيسا، ومن الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام بها وكذا رئيس غرفتها الأولى وأربعة قضاة منتخبين يمثلون محاكم الاستئناف وستة لقضاة محاكم الدرجة الأولى، مع مراعاة التمثيلية النسائية بما يتناسب مع تواجدهم بالسلك القضائي، والوسيط، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وخمس شخصيات يعينها الملك مشهود لهم بالكفاءة والتجرد والنزاهة والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون، من بينهم عضو مقترح من قبل الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى. وإن كانت هذه التركيبة يمكن أن يسجل عليها الكثير من الملاحظات، إلا أنها اليوم أصبحت واقعا قانونيا.

     غير أنه ، ومن أجل السير قدما نحو تحقيق الاستقلال، يجب أن يتمتع المجلس الأعلى للسلطة القضائية باستقلال إداري ومالي تام عن وزارة العدل والحريات، كما يجب أن توفر له كافة الإمكانيات الضرورية، بما يجعله في منأى عن كل تأثير من أي نوع كان[22]؛ فالهيئة الإدارية التابع لها يجب أن تكون هي الأخرى مستقلة في تعيينها وتبعيتها الوظيفية عن أي وزارة أخرى. كما أن الميزانية المتعلقة بالمجلس يجب أن تكون مستقلة كل الاستقلال عن ميزانية وزارة العدل، كما أن جهاز التفتيش يجب أن يكون تابعا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، سواء فيما يتعلق بتعيين أعضائه أو إعفائهم، على اعتبار أنهم ينجزون أبحاثهم وتقاريرهم لفائدة المجلس وليس لفائدة وزارة العدل والحريات، ولتجنيبهم كل توجيه أو تدخل أو ضغط من الوزارة، مع وجوب تجريم كل تدخل في مهامهم بهدف التأثير على المهام المنوطة بهم .وتجدر الإشارة إلى أن الفصل 116 قد أقر فيه الدستور بصفة الشخصية المعنوية للمجلس الأعلى لسلطة القضاء، وذلك بمنحه الاستقلال الإداري والمالي، بهدف جعله أكثر قدرة على التسيير والتدبير الذاتيين لقضايا القضاء والقضاة؛ “يتوفر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الاستقلال الإداري والمالي”.

ثالثا – ضمان حقوق المتقاضي دستوريا

      إن من حق المتقاضي أن يتكفل القضاء بتزويد حقوقه وحرياته بما يلزم من حماية قضائية، سندها القانون، وحقه في التقاضي[23]؛ أي اللجوء إلى المحاكم الوطنية دون أي عائق وتمكينه عند استيفاء الشروط المطلوبة والتقيد بالقواعد المحددة قانونا، من رفع الدعاوى والتقدم بالدفوع التي يتعين عليها النظر فيها وإصدار أحكام بشأنها، وأن يمارس الطعون أمامها وأمام الهيئات المختصة، لاسيما وأنها تعد إحدى الضمانات الأساسية لعدالة جيدة[24]، لأن الحكمة من سنها تكمن في بسط رقابة على الأوامر والأحكام والقرارات القضائية، من حيث سلامتها ومطابقتها للواقع والقانون، وبعث الطمأنينة في نفس المتظلم منها.

     أما عن حق المتقاضين في تعويض تتحمله الدولة عن الضرر الذي يصيبهم من جراء خطإ قضائي[25]، فإنه يعد بحق مستجدا متطورا، بحيث سينتقل بالوضع الذي كان سائدا في بلادنا تشريعا وقضاء، والذي كان يتمثل في عدم تقرير مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاة كقاعدة عامة، إلا في حالات استثنائية ضيقة وضمن نطاق معين – كما في مخاصمة القضاة المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، ومراجعة الأحكام الواردة في قانون المسطرة الجنائية – إلى دسترة تقرير مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاة؛ وهو من هذا المنطلق نهج يتماشى والمبادئ السامية للعدالة وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن، ما دامت صياغة النص الذي احتواه جاءت عامة، فإن فضولنا العلمي يدفعنا مع ذلك إلى التساؤل عن مدى وجود شروط، ولو على قلتها، تحكم هذا النوع من مسؤولية الدولة؟

رابعا – تخليق منظومة العدالة

      ومن جانب آخر، وفيما يخص تخليق منظومة العدالة؛ فهو يعتبر مدخلا حقيقيا للإصلاح، ودون تخليق لا يمكن ترسيخ ثقة المواطن في سيادة القانون والأمن القضائي. وقد جاء ميثاق إصلاح منظومة العدالة بمقتضيات هامة في هذه النقطة؛ منها تعزيز آليات الجزاء لضمان نزاهة وشفافية منظومة العدالة، وذلك عن طريق التصريح بالممتلكات وإحداث هيئة مستقلة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات، مع سن مقتضيات تشريعية بشأن المخالفات، ووضع إطار للتوصيف القانوني للمخالفات، وتعزيز مبادئ الشفافية والمسؤولية في المهن القضائية، وحضور الوكيل العام للملك في المجلس التأديبي للمحامين دون مشاركته في اتخاذ القرار، وإحداث هيئة قضائية مختلطة للبت في  القرارات التأديبية، بالإضافة إلى ترسيخ القيم والمبادئ الأخلاقية لمنظومة العدالة ووضع مدونة سلوك المهن القانونية.

خامسا– التدبير الحكامتي لمرفق القضاء

     ارتباطا بما سبق، فإن مسألة تكوين القضاة تكوينا متخصصا، وأن يكونوا مؤهلين تأهيلا علميا وخلقيا، ويتوافق والمهمة القضائية المنوطة بهم، تعد من أهم مداخل إصلاح منظومة العدالة، ويقتضي ذلك بالضرورة الأخذ بعين الاعتبار في النظام الأساسي للقضاة معايير علمية وموضوعية واضحة لانتقاء القضاة وكذا تحديث وتطوير المنظومة التعليمية في الجامعة، بما يتوافق والمهمة القضائية، إضافة إلى تطوير برامج التأهيل والتكوين القانوني في معهد تكوين القضاة وتدعيم آلية التكوين المستمر.

     بالإضافة إلى الموارد البشرية التي لاشك في مدى فعاليتها في إنجاح مشروع التأسيس لقضاء يواكب العصر الحديث في متطلباته وإكراهاته، إذا ما توفر لها من الأسباب ما يمكنها من تحقيق ذلك – كتأهيلها تكوينا وأداء وتقويما وتحسين أوضاعها المادية والاجتماعية- يبرز من زاوية أخرى الإطار المؤسساتي كمكون لا غنى عنه، اعتبارا للدور الذي يضطلع به على مستوى المردودية القضائية التي تتوقف جودتها على تحديث الهياكل القضائية والإدارية، بنهج حكامة تعتمد على اللاتمركز والتخليق، وتحديث المنظومة القانونية من خلال مراجعة القوانين على نحو يجعلها توافق تطورات العصر، والرفع من النجاعة القضائية بالسعي الحثيث إلى التصدي للعوامل المساهمة في تعقد وبطء العدالة.

     فهذه المردودية إذن رهينة بتحديث وتخليق مرفق القضاء وتدبيره وتسييره حسب القواعد التي تقتضيها الحكامة الجيدة. وفي هذا الاتجاه، ينص الدستور الحالي، على أن مناط تنظيم المرافق العمومية – والقضاء من ضمنها – هو توزيعها على التراب الوطني، وفق خريطة يراعى في تقطيعها الهندسي ضمان مبدإ تقريب المواطنات والمواطنين منها والمساواة بين هؤلاء في الولوج إليها والاستمرارية في أداء خدماتها أو مداومة عملها وخضوعها لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة، وكذا للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور في تسييرها؛ ناهيك عن أنه يفترض فيها أيضا أن تفتح أبوابها لتلقي ملاحظاتهم واقتراحاتهم وتظلماتهم على أن تؤمن تتبعها، وأن تمكنهم من حقهم في الحصول على المعلومات الموجودة بحوزتها، وعلانية الجلسات وتعليل أو تسبيب الأحكام؛ بمعنى بيان الأدلة الواقعية والحجج القانونية التي أسس عليها القاضي حكمه وصدورها وتنفيذها باسم الملك طبقا للقانون.

      وخلاصة القول، يجب التأكيد على ضرورة ضرورة تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات والارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء وإنماء القدرات المؤسساتية لمنظومة العدالة من خلال تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها؛ تلكم إذا هي أهم الأهداف المحددة والمرفوعة اليوم أمام القضاء، والتي تعتبر في رأينا مسألة إيجابية لم تكن من قبل، ينبغي تحقيقها بتعاون كافة الجهات والمؤسسات الوطنية من أجل جهاز قضائي أفضل، لا محيد عنه في تفعيل دولة الحق والقانون واحترام المؤسسات؛ وهي أهداف تنطلق من عمق الرغبة الأكيدة في تحصيل مؤسسة حقيقية مستقلة ومتمتعة بكل صلاحيات السلطة القضائية، والتي تعتبر أحد الأعمدة الأساسية لضمان الحقوق والحريات، ومقومات الدولة الحديثة ومرتكز أساسي في بناء الديمقراطي ودولة الحق والقانون.

4- ضمانات وآفاق استقلال السلطة القضائية

     يعتبر ورش إصلاح منظومة العدالة من أهم الأوراش الإصلاحية الكبرى التي خاضها المغرب. والتوجه نحو إقرار ميثاق للإصلاح الشامل لمنظومة العدالة[26] يعد في حد ذاته لبنة أساسية في سبيل تحديث المنظومة القضائية وعقلنة تدبير الشأن القضائي[27]؛ فميثاق إصلاح منظومة العدالة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك جاء بمقتضيات مهمة من شأن الالتزام بها والعمل على تحقيقها إحداث إصلاحات مهمة في سبيل تقوية السلطة القضائية، وتخليق منظومة العدالة وتعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات، والارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء، وإنماء القدرات المؤسسية للقضاء، وتحديث الإدارة القضائية وتطويرها، إلا أن نجاح أهداف هذا الميثاق رهين بعنصرين اثنين؛ أولهما مدى التزام القوانين التنظيمية بمقتضيات الميثاق وتوجهاته الإصلاحية الكبرى، وثانيهما ضرورة التشبع بروح الإصلاح والرغبة القوية في النهوض بقطاع العدالة؛ فكل هذه المعطيات مرتبطة بالأساس بمدى التزام الدولة وجميع الفاعلين القانونين والقضائيين والسياسيين والاقتصاديين والمواطنين بهذه الأهداف، لما لذلك من أثر كبير على مستقبل البلد.

     وتجب الإشارة كذلك إلى أن العنصر الحاسم الذي يظهر الرغبة الحقيقية في الإصلاح هو التدابير العملية والفعلية عن طريق الممارسة والعمل في سبيل استقلالية القضاء، كما أن نجاح ما يسمى بالمرحلة الانتقالية رهين بحسن تطبيق وتفعيل وتنزيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالموضوع وأنه كما قال الملك محمد السادس “مهما تكن أهمية الإصلاح ومهما عبأنا له من نصوص تنظيمية وآليات فعالة، فسيظل الضمير المسؤول للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته”.

     إنه من خلال استعراض مجمل المقتضيات الدستورية المنظمة والمتعلقة باستقلالية السلطة القضائية، يتضح أنها ليست سوى نصوص شكلية، نظرا لاختلال ميزان القوى، بين السلطة القضائية والتنفيذية لصالح هذه الأخيرة، كما يمكن اعتبار هذه الاستقلالية، استقلالية بمعنى حضور العلاقات بين السلط وخاصة السلطة التنفيذية على مستوى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي تخضع هيكلته بفعل آلية الانتخاب والتعيين لمنطق تحكم السلطة العليا في البلاد عن طريق تعيين خمسة من الأعضاء وكذا رئيس المجلس، وما لهم من وزن على مستوى اتخاذ القرارات ومنطق التوافقات الحزبية في اختيار باقي الأعضاء. كما سبق القول، كلها عوامل ساعدت وستساعد على استثمار القضاء أو الزج به في الصراعات المصلحية، وتحد من سمو القضاء ومن بلوغ الغاية السامية في تحقيق العدل والمساواة والتنمية المنشودة، وذلك بالرغم من أن الدستور الذي ينص على استقلاليته؛ وهو الوضع الذي جعل فكرة استقلال القضاء المغربي محط تساؤلات عدة من طرف المتتبعين على الصعيدين الوطني والدولي؛ وبطبيعة الحال، فالتساؤلات والشكوك تلك هي واقع انعكس وينعكس أساسا على الاقتصاد والسياسة العمومية، حيث عدم اطمئنان المستثمرين المحليين والأجانب وما لذلك من آثار على العلاقات الاجتماعية.

     لهذا، فإنه وبغض النظر عن بعض الإيجابيات التي تتضمنها التفاصيل الجزئية لمختلف الإصلاحات المطروحة الآن للنقاش مع الفاعلين، فإن هذه المشاريع الإصلاحية في توجهاتها الكلية ورؤيتها المنهجية اختزلت السلطة القضائية بشكل كبير، وحجمت الأدوار المنوطة بها وتركت منافذ قد تمس باستقلالها.

     لذا، فالإصلاحات في موضوع استقلال القضاء يجب أن لا تنحصر في إدخال تعديلات دستورية لتأكيد مبدأ الاستقلال، والذي يعتبر خدمة لاستقلال المواطن ولاحترام تعدديته واختلافه، بل الأمر أبعد من ذلك من خلال إدخال تغييرات حقيقة وملموسة على القوانين المنظمة للسلطة القضائية وعلاقاتها مع باقي السلط[28]، وتوفير كل الشروط والضمانات والآليات اللازمة لترجمة الاستقلال الذاتي إلى واقع يضمن الحرية والعدالة.

     وهكذا، إذا استحضرنا مختلف المؤسسات القضائية، من حيث الهيكلة والتنظيم والإدارة والإشراف وتعيين الأعضاء، نجد أنها سلطة بعيدة عن الاستقلالية، رغم المظاهر الدستورية التي توحي بذلك. بل إن الممارسات القضائية وآليات ضمان سيرها لا تساير المقاييس العقلانية والدولية ضامنة الاستقلال؛ وهذا معناه أنها توجد في مرتبة أدنى من السلطة التنفيذية والتشريعية وبالتالي، وباللزوم، الافتقار إلى ممارسة سلطاتها؛ وهذا يفرز لنا اقتناع القضاة أنفسهم بتبعيتهم كموظفين لذا السلطة التنفيذية وبالتالي ولاءهم لها؛ هذا دون نسيان أن ميزانية السلطة القضائية، إذا كانت تحدد شكليا من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإنها تحدد فعليا بناء على تقديرات السلطة التنفيذية.

     ولضمان الاستقلال التام للقضاء، وتحصينه في مواجهة الضغوط والمغريات، وضمان نزاهته وفعاليته، لابد من اعتباره سلطة قائمة بذاتها[29]، وتوفير الشروط المادية والمعنوية الضرورية لحسن سير العمل القضائي، وتوفير الضمانات الكافية لتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية في مواجهة كل الجهات التي يُحكم ضدها على قدم المساواة، وإسناد كل ما يتعلق بتسيير الجهاز القضائي، إلى هيئة عليا، تتكون من القضاة أنفسهم، ولا تتدخل في شؤونها أي سلطة أخرى، ولا أي جهة من خارج القضاء؛ وتتولى هذه الهيئة البت في الوضعيات الإدارية والمادية للقضاة بجميع مستوياتهم، واتخاذ القرارات المتعلقة بترقياتهم، أو بتغيير أماكن عملهم، أو بتأديبهم عندما يثبت لها ما يدع إلى ذلك، دون أن يكون لأي سلطة أخرى حق التدخل أو التأثير أو التوجيه، لا في تسيير الجهاز القضائي، ولا فيما يزاوله القضاة من عمل، وما يصدرونه من أحكام. كما يجب أن تسهر نفس الهيئة على أن توفر للقضاة الظروف الملائمة، والوسائل المادية والمعنوية التي تصون كرامتهم، وتحصنهم في مواجهة أي إغراء أو تأثير يمكن أن يمارس عليهم من لدن ذوي النفوذ أو المال أو الجاه.

     وتجدر الإشارة إلى أن السلطة القضائية المغربية تمر بمرحلة جد حساسة، تتميز بالنقاش المجتمعي الذي يركز أساسا على مشروعي القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية[30] والنظام الأساسي للقضاة[31]، بحيث عبرت مجموعة من الهيئات الممثلة للقضاة عن ارتياحها ودعمها للتقدم الحاصل، خاصة فيما يخص الضمانات الممنوحة للقضاة، حيث سيكون بإمكانهم الاستعانة بالدفاع أمام المجلس، كما سيصبح بإمكانهم الطعن في مقررات المجلس أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض؛ وهذا أمر لا يتاح لهم حاليا أمام المجلس الأعلى للقضاء؛ كما أنهم عبروا عن مجموعة من التحفظات والتخوفات من التنزيل الغير السليم لمقتضيات الدستور وقدموا في ذلك مذكرات يبينوا من خلالها ومختلف النقائص والعيوب والاختلالات التي شابت مشاريع القوانين التنظيمية وتتجلى أساسا في: 

      – التضييق على حرية الرأي والتعبير؛ فحسب المادة 89 من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، تم توسيع مجال الحظر على حرية التعبير المضمونة دستوريا في الفصل111، ليشمل ليس فقط الموقف السياسي، وإنما أيضا التصريح المعتبر سياسيا؛ أي الذي يكتسي صبغة سياسية، والمعد خطأ جسيما يترتب عنه توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه، والذي قد يترتب عنه عزله من سلك القضاء، مما سيعصف بشكل واضح بحرية التعبير بالنسبة للقضاة، لأن كل تصريح أو موقف، إذا لم يكن سياسيا، سيعتبر كذلك من باب الاشتباه[32].

      – غياب الاستقلال الإداري والمالي للمحاكم وتبعيتها لوزارة العدل؛ فحسب المادة 52 من مشروع القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ” تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الإشراف الإداري والمالي على المحاكم، بما لا يتنافى ومبدأ استقلال السلطة القضائية، وتعين مسيرا إداريا، يتولى مهام التدبيروالتسييرالإداري بالمحكمة تحت إشراف المسؤول القضاني”.

     كما تنص كذلك المادة 53 من نفس المشروع على أن ” تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تدبير الوضعية المالية للقضاة، ولاسيما تنفيذ مقررات المجلس المتعلقة بالمسارالمهني للقضاة بتنسيق مع المصالح المختصة للمجلس”.

      – عدم إحداث مجلس الدولة يعتبر خرقا للفصل114 من الدستور، ومما لا شك فيه فإن التفكير الحقوقي الجمعي أضحى متجها نحو المطالبة الملحة بإحداث مجلس للدولة، بقصد استكمال الهياكل المؤسساتية لقضاء إداري فعال، وذلك في اتجاه بلورة تصور شامل لمؤسسة قضائية عليا قادرة على تشكيل لبنة أخرى في مسار بناء دولة الحق، القائمة على احترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون ورفع الشطط بحق المواطنين على نحو يصون الحقوق ويحمي الحريات. ذلك أن إحداث مؤسسة مجلس الدولة من شأنه أن يسهم لا محالة في استكمال مسلسل إرساء قواعد الشرعية القانونية التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحداثية من خلال ما ستكرسه من قواعد قضائية في قراراتها كدرجة نقض.

      – التقييدات على الأنشطة العلمية للقضاة؛ فحسب المادة 39 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة، لا يجوز للقضاة أن يذكروا صفاتهم في مصنفاتهم العلمية أو الأدبية أو الفنية إلا بإذن من الرئيس المنتدب للمجلس، كما أن التدريس أو البحث العلمي يتوقف على قرار من الرئيس المنتدب أيضا، ويمكن للقضاة المشاركة في الأنشطة والندوات العلمية شريطة أن لا يؤثر ذلك على أدائهم المهني. من خلال هذا المقتضى، يبرز التعاطي التحجيري مع حق القضاة في التعليم والتكوين والتدريس والبحث العلمي كحقوق مضمونة دستوريا؛ فالصفة القضائية لا يمنحها الرئيس المنتدب وإنما ظهير التعيين، فضلا عن أن هذه القيود الغرض منها التضييق على القضاة في نشاطهم الجمعوي والمهني وحراكهم الحقوقي والقضائي بمبررات غير مقبولة؛ فالأنشطة العلمية تفيد القضاة ولا تؤثر على أدائهم المهني إلا إيجابيا وليس سلبا، لأن العلم وسيلة لترقية الفكر والأداء القضائي.

       فأملنا أن يتم تدارك المقتضيات غير الدستورية في القوانين التنظيمية المرتقبة، لترقى لمستوى تطلعات القضاة وكافة المهتمين، خاصة وأن تكريس سلطة قضائية ضعيفة من شأنه إفراز نتائج كارثية، مما يستوجب تغليب منطق الحكمة ومصلحة الوطن، والتخلي عن بسط السلطة التنفيذية لنفوذها على القضاء. وإذا كانت هذه هي الخطوط العريضة للإصلاح والتطوير، فإن الوقوف عند نقائص وعثرات بعض مضامين مواد مشاريع  “السلطة القضائية” من شأنه أن يقوي ويعزز الاستقلالية للقاضي والقضاء عموما، ويدعم دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية كهيئة ناظمة للقطاع القضائي بكل تجلياته وأبعاده، في اتجاه صيانة استقلال السلطة القضائية وحماية القاضي والسهر على حسن سير العدالة، وحماية حقوق المتقاضين، وتعزيز الثقة في القضاء وصون الأمن القانوني والقضائي. 

     لا شك أن الدستور المغربي الجديد لسنة2011، وانطلاقا من مرجعياته، قد نص على استقلالية القضاء والقضاة خدمة لحرية الإنسان وحقوقه؛ أي ضمانا للمحاكمة العادلة. وتبعا لذلك، فاستقلالية القضاء تقتضي لزوما التنصيص على استقلالية القاضي، لا كشخص بل كفاعل نبيل ترك له المشرع الدستوري، كلما تم المس باستقلاليته، حق إحالة ذلك على المجلس الأعلى للسلطة القضائية. هذا علما بأن كل إخلال بالاستقلالية اعتبره النص الدستوري خطأ مهنيا جسيما أو غشا، ونص كذلك على عقاب الجهة المؤثرة.

     إن القاضي ملزم بتطبيق القانون الذي هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والذي يعتبر المعبر عن طموحاتها وخيارات نمط عيشها. ينص الفصل 110 )الفقرة الأولى (على:” لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون”. وفي كل هذا، منح النص الدستوري القضاة حق ومسؤولية إصدار الأحكام القضائية، مع لزوم استحضار الحياد والابتعاد عن الشبهات.

     إن ضمان حصول استقلالية السلطة القضائية عن التنفيذية، والذي هو شرط العدالة والمساواة، ولجم الشطط والتسلط، تجسد في المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ وهي هيئة عليا ضامنة لاستقلالية سلطة القضاء، وكذا تشخيصه، للوقوف على مكامن الخلل، وصياغتها في شكل توصيات وتقارير، من أجل العمل على تجاوزها، بحثا عن الحفاظ على أمن وسعادة المواطن المغربي وصونا لحقوقه؛ هذا دون نسيان تحملها مسؤولية إصدار آراء مفصلة، بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان حول سير القضاء.

     لكن، يبقى أن المحرك والضامن لاستقلالية السلطة القضائية؛ هم الفاعلون الأساسيون داخل منظومة العدالة من خلال استشعارههم للمسؤوليات الكبرى الملقاة على عاتقهم؛ وهو ما عبر عنه الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى 14 لعيد العرش 30 يوليوز 2013، حين قال: ” ما فتئنا نضع إصلاح القضاء، وتخليقه وعصرنته، وترسيخ استقلاله، في صلب اهتماماتنا، ليس فقط لإحقاق الحقوق ورفع المظالم، وإنما أيضا لتوفير مناخ الثقة، كمحفز على التنمية والاستثمار. وفي هذا الصدد، نسجل بارتياح التوصل إلى ميثاق لإصلاح المنظومة القضائية، حيث توافرت له كل الظروف الملائمة. ومن ثم، فإنه يجب أن نتجند جميعا، من أجل إيصال هذا الإصلاح الهام، إلى محطته النهائية. ومهما تكن أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية، وآليات فعالة، فسيظل “الضمير المسؤول” للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته”.

     نخلص في الختام  أن المغرب  في حاجة إلى ولوج عهد جديد، وطي مرحلة الانتقال الديمقراطي التي امتدت طويلا، والدخول في عهد ميزته إقامة ديمقراطية حقيقية بقواعدها الجوهرية، لا تنحصر في ترديد  مجموعة من الشعارات وكتابة بعض المبادئ في دستور، أو دسترة مؤسسات صورية، وإنما ديمقراطية  تتبلور من خلال سيادة الشعب ودولة المؤسسات، والتي تكون فيها السلطة القضائية بعيدة عن أي تأثير، لتضطلع بدورها، كضمانة أساسية لاحترام حقوق الإنسان وحماية الحريات الفردية والجماعية  وإقامة العدل في المجتمع، في ضل المساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة وسيادة القانون وسموه على الجميع؛ حكاما ومحكومين، وفصل فعلي وحقيقي للسلط. وبذلك، سيتمكن المغرب من تدارك ما ضاع من الزمن، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وربح رهان التنمية الشاملة والمستدامة.

هوامش


[1] – محمادي المعشكاوي “الوجيز في الأحكام القضائية وطرق الطعن فيها”، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص 11- 12.

[2] – أحمد السكسيوي ” التحفيظ العقاري بين العمل القضائي وسلطة المحافظ”، مقال منشور في سلسلة فقه القضاء العقاري حول موضوع مستجدات قانون التحفيظ العقاري بين النص القانوني والعمل القضائي العدد الأول 2014، المطبعة الأمنية الرباط، ص 182.

[3] – دستور فاتح يوليو 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91، الصادر في 27 من شعبان 1432، الموافق ل 29 يوليو 2011، الصادر ج ر عدد 5964 مكرر، الصادرة في 28 شعبان 1432 الموافق ل 30 يوليو 2011، ص 3600.

[4]– ظهيرشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 (15 يوليوز 1974) يتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة؛ الجريدة الرسمية عدد 3220 بتاريخ 26 جمادى الثانية 1394 (17 يوليوز 1974)، ص 2027.

[5] – إدريس لكريني “التحول الديمقراطي واستقلالية القضاء”، جريدة العرب، قطر، بتاريخ 23- 10- 2009.

[6]– مداخلة النقيب عبد الرحمن بن عمرو، حول “استقلال القضاء بين التشريع والواقع”، منشورة بالحوار المتمدن  www.ahewar.org

[7]– أشركي أفقير عبدالله “التنظيم القضائي المغربي”، مطبعة كريم رانت 2005 طنجة، ص 20-21.

[8] – أحدثت هذه المحاكم (ثمانية محاكم) التي توزعت علي المدن المغربية الكبري (الرباط، الدار البيضاء، فاس، طنجة، مراكش، أكادير، مكناس، وجدة) بالإضافة إلي ثلاث محاكم تجارية أخري للاستئناف بكل من مدن الدار البيضاء وفاس ومراكش، بمقتضي القانون رقم 53095 بتاريخ 6 يناير 1997 المصادق عليه بالظهير الشريف رقم 1097065 بتاريخ 2 فبراير 1997 وباشرت مهامها سنة 1998.

[9] – الظهير الشريف لتنفيذ دستور 1996 رقم 1.96.157 صادر في 23 من جمادى الأولى 1417،موافق 1996، الجريدة الرسمية عدد 4420 بتاريخ 10 أكتوبر 1996. 

[10]– بالرغم من أن الأحكام والقرارات القضائية بالمغرب تصدر باسم الملك الذي يمثل أسمى سلطة في البلاد، ويفترض أن تحمل في طياتها قوة النفاذ، وهو ما يتطلب عدم التعرض لها بأي إجراء أو تدبير يستهدف التأثير فيها أو تعطيل تنفيذها.

[11]– خطاب الملك بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بالرباط الجمعة 16 ذو الحجة 1422 هجرية الموافق فاتح مارس 2002 ميلادية. 

[12]– إدريس لكريني “المغرب وتجربة الإنصاف والمصالحة”، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، مصر، العدد 24 أكتوبر 2006.

[13]– خطاب الملك بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لثورة الملك والشعب، 20 غشت 2009.

[14]– تقرير حول العدالة بالمغرب، إعداد جمعية عدالة، يونيو 2011. ww.justicemaroc.org

مذكرة الودادية الحسنية للقضاة بشأن مراجعة الدستور المرتبطة بإصلاح القضاء، الرباط في: 12 أبريل 2011.

[15]– تقرير حول العدالة بالمغرب، إعداد جمعية عدالة، يونيو 2011. ww.justicemaroc.org

مذكرة الودادية الحسنية للقضاة بشأن مراجعة الدستور المرتبطة بإصلاح القضاء، الرباط في: 12 أبريل 2011.

[16]– تقرير حول العدالة بالمغرب، إعداد جمعية عدالة، يونيو 2011. ww.justicemaroc.org

مذكرة الودادية الحسنية للقضاة بشأن مراجعة الدستور المرتبطة بإصلاح القضاء، الرباط في: 12 أبريل 2011.

[17] – رشيد الإدريسي ” مبدأ استقلالية القضاء في الدستور المغربي الجديد لسنة 2011″، مجلة المنازعات الإدارية، العدد3 ، 2013، ص 73.

[18]– ميثاق إصلاح منظومة العدالة، الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، يوليوز 2013 . http://www.justice.gov.ma/App_Themes/ar/img/Files/Charte_Reforme_justiceAR.pdf

[19] – بلال العشيري ” المجلس الأعلى للقضاء وتجسيد مبدأ استقلال القضاء”، المجلة المغربية للمحامي الباحث، العدد 1،2012، ص 86.

[20]– محبوبي محمد “الإصلاح القضائي في ضوء الدستور الجديد”، مجلة القضاء الإداري، العدد الأول- السنة الأولى- صيف/خريف 2012 .

[21]– محبوبي محمد “الإصلاح القضائي في ضوء الدستور الجديد”، مجلة القضاء الإداري، العدد الأول- السنة الأولى- صيف/خريف 2012.

[22]– عبد الواحد القريشي “استقلالية القضاء ورهان الانتقال الديمقراطي”، مجلة القبس المغربية للدراسات القانونية والقضائية، العدد2 ‏، 2012، ص 63.

[23]– محمد الأزهر “الدعوى المدنية”، مطبعة دار النشر المغربية، طبعة الأولى 2010، ص11.

[24]– عبد المجيد غميجة “مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي”، مجلة الحقوق المغربية، العدد 7، 2009، ص 49.

[25]– عبد الحكيم الحكماوي ” قراءة في ملاكح المحاكمة العادلة في ضوء أحكام الاتفاقيات الدولية والدستور المغربي لسنة 2011″، مجلة القضاء والقانون، العدد 161، 2012، ص 80.

[26]– ميثاق إصلاح منظومة العدالة، إصدار الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، يوليو 2013، المصدر الموقع الالكتروني لوزارة العدل.

[27]– تقرير من إعداد وزارة العدل، تحت عنوان منجزات وزارة العدل 2010-2011، نونبر 2011، ص 18.

[28]– محمد محبوبي “استقلال القضاء أهم المعوقات وطرق معالجتها”، مجلة الفقه والقانون، العدد 25، نونبر 2014، ص 10.

[29]– العمراني نور الدين “دور الحصانة الذاتية للقاضي في ترسيخ مقومات استقلاليته ونزاهته”، مجلة القبس المغربية للدراسات القانونية والقضائية، العدد الثاني، سنة 2012.

[30]– مشروع مسودة قانون تنظيمي يتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وزارة العدل والحريات، صيغة 25 ديسمبر 2013.

[31]– مشروع قانون تنظيمي رقم 106.13 يتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، الأمانة العامة للحكومة، المنطبعة الرسمية، الرباط، 2015.

[32]– محمد الهيني “الأخطاء الدستورية الكبرى لمشروعي “السلطة القضائية” المعروضين على مجلس المستشارين”، مقال منشور بموقع العلوم القانونية.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading