د/ قمر الدولة محمد المدني
ملخص الدراسة:
هدفت الدراسة إلى معرفة العوامل الذاتية والموضوعية التي أدت إلى انتشار الطريقة المكاشفية في منطقة وسط السودان، استخدم الباحث منهج دراسة الحالة والمنهج الوصفي التحليلي بالإضافة إلى المنهج التاريخي، واستعان بالملاحظة والمقابلة في جمع البيانات في مجتمع الدراسة الذي تمثله قرية الشكينيبة مركز الطريقة المكاشفية والقرى المجاورة.
وقد توصلت الدراسة إلى أن عوامل انتشار الطريقة المكاشفية في وسط السودان تتمثل في كاريزما المؤسس، ووقوع مركز الطريقة في وسط السودان في منطقة سهلية، وتبني الطريقة لأيدولوجيا مرنة مكنتها من التكيف وإعادة صياغة الأهداف والوسائل، وقدرة الطريقة كتنظيم اجتماعي في الإسهام في تحقيق احتياجات أتباعه في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية يتعرض لها مجتمع الدراسة، هذا بالإضافة إلى تعدد زوجات شيوخ الطريقة والزواج الخارجي، والتنشئة الاجتماعية، وتوافق التعبير الأيديولوجي للطريقة المكاشفية مع نظم المعتقدات السائد في مجتمع الدراسة.
تمهيد:
في بلد كالسودان تتباين فيه الثقافات لابد أن يتوقع المرء أن تتعدد فيه أيضا نظم المعتقدات وما يتصل بها من مفاهيم وممارسات، فبجانب الديانات العالمية -الإسلام والمسيحية واليهودية -هناك الاعتقاد في الفكي وصناع المطر والمطببين، وغيرهم. ويضاف إلى هذا كله الاعتقاد في العين الشريرة والجن وبعض الكائنات التي تنسب إليها بعض الأعمال غير المألوفة، ولعل بجانب ذلك كله هناك الاعتقاد في الأولياء الصالحين وشيوخ الطرق الصوفية وما ينتج عنه من مفاهيم وممارسات والذي يشكل المحور الأساسي في هذه الدراسة.
مشكلة الدراسة:
انتشرت الطريقة القادرية المكاشفية انتشارا واسعا داخل السودان عامة وخاصة في وسطه في مـنطقنني الجزيرة وكردفان، وينعكس ذلك في تعدد الزوايا وحجم المريدين، ومعرفة وإلمام العامة بها، وفيما يختص بحجم المريدين، فإن ذلك يبدو واضحا في أعدادهم الكبيرة وهم يحضرون لزيارة مركز الطريقة، وفي هذا الصدد فإن أعدادا تقدر بمائة ألف تحضر لأحياء ذكرى الإسراء والمعراج والتبرك ([2]). وإذا وضعنا في الاعتبار أن أعداد الزوار في المناسبات الدينية مثل عيد الأضحى وعيد الفطر وذكرى الأسراء والمعراج لا تمثل إلا جزءا من حجم المريدين فيمكنك أن تدرك إلى أي مدى انتشرت الطريقة المكاشفية، وعن صيت الطريقة فإنه قد عم أرجاء واسعة من السودان ويتجلى ذلك في معرفة الناس عامة بالطريقة المكاشفية ومركزها، ومؤسسها خاصة في منطقتي الجزيرة وكردفان إذا ما هي عوامل انتشار الطريقة المكاشفية في وسط السودان؟ وحول هذا السؤال تدور مشكلة البحث.
إن المتتبع للدارسات المتعلقة بالحركات والتنظيمات الدينية المختلفة يلاحظ تعدد الآراء حول نشأة وتطور هذه الحركات وانتشارها أو اضمحلالها، فهناك التفسيرات التي ترى أن انتشار مثل هذه الحركات يعود لخصائص وتفرد مؤسسيها ومقدراتهم الخارقة، وترى بعض الجهات في بساطة تنظيم الطرق الصوفية على وجه الخصوص عاملا مهما من العوامل المساعدة في انتشارها وجذبها لا عداد كبيرة من المريدين، ومن جهة أخرى هناك تفسيرات ترى في العوامل المادية “الاقتصادية والسياسية” سببا مهما ورئيسيا في انتشار الحركات والتنظيمات الاجتماعية، وبالنسبة لهؤلاء فإن الانتشار والصيرورة ظاهرتان ترتبطان بالمتغيرات الاقتصادية الاجتماعية . وعليه فإن هذا البحث يسعى إلى تحديد العوامل المختلفة في انتشار الطريقة المكاشفية.
ومن ثم فإن أهم الأسئلة التي يطرحها هذا البحث هي:
- كيف نشأت الطريقة المكاشفية؟
- ما هي العوامل التي أدت إلى انتشار الطريقة المكاشفية واستمراريتها؟
- إلى أي مدى ساعدت السياقات الاقتصادية الاجتماعية على انتشار الطريقة المكاشفية؟
- هل للاعتقاد في القوى الغيبية أثر في انتشار الطريقة المكاشفية؟
وعليه فإن الأهداف البحثية لهذه الدراسة تشتمل على:
- تقديم صورة وصفية للحقائق المتعلقة بنشأة هذه الطريقة وتنظيمها وعضويتها وأيديولوجيتها وتحديد العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى انتشار الطريقة في وسط السودان. وتزداد أهمية هذا الهدف إذا أخذنا في الاعتبار؛ أنه على الرغم من وجود دراسات عن الطرق الصوفية في السودان إلا أننا نحتاج إلى المزيد من هذه الدراسات الوصفية لغرض التوثيق والتدوين قبل فوات الأوان.
- محاولة ربط هذه الصورة الوصفية بالمفاهيم والرؤى المختلفة لتفسير انتشار الطرق الصوفية، سواء في الأدبيات العامة في مجال الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع العام، أم الدراسات السابقة في السودان، وتزداد أهمية هذا الهدف إذا أخذنا في الاعتبار أن تحليل المادة الوصفية يساعد في تعميق الفهم للظاهرة قيد الدراسة.
- توفير مادة علمية-وصفية تحليلية يمكن الاستفادة منها عند التعامل مع الطريقة المكاشفية-على مستوى الأفراد أو الجماعات أو التنظيمات.
منهجية الدراسة:
جاءت الدراسة وصفية تحليلية وفقا “للمدخل الوظيفي، ووفقا لهذا المدخل فاق الباحث قد قام بدراسة واقع الطريقة المكاشفية لتقديم صورة وصفية تحليلية وإظهار علاقة هذه الصورة بتاريخ الطريقة “صيرورتها” منذ نشأتها. وفي تقديمها استعان الباحث بمنهج دراسة الحالة، والمنهج التاريخي ومن ثم تفسير تلك الصورة باكتشاف عواملها الموضوعية والذاتية التي تتحكم فيها.
لمعرفة عوامل ظاهرة انتشار التصوف في وسط السودان كان لابد من تكوين خلفية عن ظاهرة الطرق الصوفية في السودان، خاصة الطريقة القادرية التي تعتبر الطريقة المكاشفية أحد فروعها منذ مطلع القرن العشرين الميلادي، وتكتمل الدراسة عند الباحث بالربط بين الماضي والحاضر وذلك بتحليل مسببات الظاهرة ووظيفتها في مجتمع الدراسة.
وفي استطلاع مجتمع الدراسة استفاد الباحث من معرفته بمجتمع الدارسة مسبقا، ودراسة “عبد الله محمد عثمان” فقد أعد مسحا إثنوغرافيا عن الطريقة المكاشفية في عام 1978 م ([3]) كان بمثابة مرجعية مهمة عن الطريقة المكاشفية، وفرت للباحث بيانات مهمة عن ماضي الطريقة.
وفيما عدا دراسة “عبد الله” لم تتوفر عن الطريقة المكاشفية أي دراسات ولم يتحصل الباحث على أي مصادر مكتوبة فيما عدا مخطوطة واحدة تناولت جانبا من سيرة مؤسس الطريقة وبعض إنجازاته الروحية. والاستفادة منها تكمن في أن مادتها هي التعبير الأيديولوجي الذي تبنته الطريقة في مرحلة من مراحلها، ويختلف بعض الشيء عن التعبير الأيديولوجي للطريقة الأن، وبالتالي يمكن الاستفادة من هذه المخطوطة في معرفة التغيير الذي طرأ على التعبير الأيديولوجي للطريقة.
وثمة وثيقة أخرى تحمل اسم (الشكينيبة الشرافة والتاريخ) أعدها الشيخ النيل بن الشيخ الطريفي، أحد أحفاد مؤسس الطريقة، الباحث استفاد منه كمادة أولية، ومن ثم استقصاء الحقائق الواردة فيها، ومثل هذه الكتابات مفيدة في أنها تلفت انتباه الباحث لأشياء يمكن التيقن منها، وفيما عدا هذين المصدرين فلم يتحصل الباحث على أي عمل مكتوب يمكن الاستفادة منه في إنجاز الدراسة.
أقام الباحث في مجتمع الدراسة وتعرف على مكونات البيئة والنظم الاجتماعية المكونة للبناء الاجتماعي، القائمة فيه الظاهرة موضوع الدراسة (الطريقة المكاشفية)، ومن ثم استطاع الباحث جمع البيانات المطلوبة في إنجاز البحث.
المجال البشري للدراسة:
قرية “الشكينيبة وما حولها ولذلك فإن المجال المكاني يضيق ويتسع حسب الموضوع المراد معرفته.
المجال الزماني:
بداية الدراسة الميدانية في يوم 9/8/2002 م قام الباحث بجمع البيانات.
وسائل جمع البيانات:
الملاحظة، المقابلة، والوثائق.
الإطار النظري:
من المشكلات الحتمية التي تواجه التنظيم الديني التوفيق بين مبادئ العقيدة والخلاص وإشباع الاحتياجات الإنسانية، وحاجته لأفراد ذوي تأثير كبير على مجتمعاتهم، من أجل توسيع قاعدة التنظيم وزيادة قوة تأثيره على المجتمع، والإشكالية هنا تبرز نتيجة للصراع بين قيم الماضي التي أوجدتها سياقات اقتصادية اجتماعية قد تغيرت، وبين سياقات قائمة تقتضي التكيف معها من جديد،، فإذا حاولت الجماعة الدينية أو التنظيم الديني الاحتكام إلى أيدولوجيا جامدة، فإن التنظيم في هذه الحالة سينحسر انحسارا كبيرا على مستوى أعضاء التنظيم وقوة تأثيره. ومن جانب آخر فأن التنظيم الديني يمكنه أن يتبنى أيدولوجيا مرنة حتى تمكنه من التوسع والتأثير على المجتمع ([4]).
ويما أن التنظيم الاجتماعي الديني نظام إنساني، فهو عرضة للنقص والتغير، ولم يسجل التاريخ أي تنظيم ديني لم يطرأ عليه التغير والتبدل بالرغم من تميزه بالاستقرار النسبي، وأن التغير الذي يطرأ على التنظيم الديني لا يعني أن التنظيم ناقص أو غير دائم، لكن سبب التغير هو أن التنظيم الديني لا يعمل بمفرده في المجتمع بل يتفاعل مع بقية التنظيمات والنظم الاجتماعية ([5]).
واجهت الطرق الصوفية كتنظيمات دينية المشاكل المذكورة بمقدرتها على التكيف. ففي عام 1577م بداية دخول الطريقة القادرية السودان، بالتحديد وسط السودان، كان العامل الموضوعي مثاليا وبعد التحولات الاقتصادية الإقليمية خاصة في مصر نتيجة للتطور الاقتصادي في أوربا، فقد أثر ذلك على السودان، وبدأت علاقات إنتاج رأسمالية في الاقتصادي السوداني بعد الحكم التركي المصري عام ([6]) وأول وظيفة فقدتها هي الوساطة بين السلطان وعامة الشعب في ظل النظام السياسي الجديد، إلا أن وظائف المسيد الأخرى ظلت كما هي عليه حتى عام 1885 م، بعدها حدث تدمير شامل للبناء الاجتماعي نتيجة لمحاولة الدولة المهدية لبناء إمبراطورية لم تتوفر لها عوامل النجاح ([7]) بعدها شهد السودان نمط إنتاج رأسمالي متطور خاصة في وسط السودان، بدأت الطرق الصوفية تفقد عوامل بقائها التقليدية رويدا رويدا مع كل خطوة نحو اندماج السودان في اقتصاد السوق الرأسمالية العالمية، حتى أضحت الطرق القادرية التي كانت هي
الأكثر انتشارا من الطرق الصغيرة في السودان إذا ما قورنت بالطريقة الختمية ذات النشأة المتأخرة عنها، وطائفة الأنصار ومع أي تحول اجتماعي كانت الطرق الصوفية تعدل من أيدلوجيتها، فترة الحكم المايوية – 1969) 1985م) التي بعثت
الطرق الصوفية في وسط السودان من جديد بعد عام 1971 م ([8])، فأصبح التحالف السياسي أحد العوامل في بقاء الطرق الصوفية وانتشارها.
وقد أوضح “بيومي” أن دائرة اتساع التنظيم نفسه وانتشاره يشكل خطرا على التنظيم، لان اتساع التنظيم يقود إلى ازدياد درجة الاختلاف بين أعضائه، حول أهداف التنظيم تبعا لاختلاف الحاجات، وضعف التفاعل بين أعضاء التنظيم، كما أن اتساعه يقود إلى اختلاف في الفهم والانتماء وربما دفع هذا الخطر الجماعات الدينية للتضحية باتساع التنظيم مقابل الاحتفاظ بتماسكه وحجمه الصغير ([9]).
لكن الباحث يرى أن هذه المشكلة نسبية مع السلطة الدينية “القيادة الروحية” وطبيعة ودرجة العلاقة بين القادة والأعضاء وبين الحقوق والواجبات لكل عضو، وفوق كل ذلك أهداف التنظيم وتفاعل أجزائه البنائية. واتساع التنظيم يؤدي إلى نتائج عكسية إن كانت الزيادة في الاتساع لا تقابلها زيادة في نفوذ القادة، ولم يتم تفعيل أجزاء التنظيم البنائية وإكسابه مرونة كافية لاختزال أي خلاف أيدلوجي، أو تنظيمي يؤدي إلى ضعف الانتماء.
وفي السودان تذخر كثير من الأدبيات بالدراسات التي تعالج ظاهرة الطرق الصوفية في جوانب “مختلفة مثل النشأة والتطور والانتشار فثمة رؤية ساقها “يوسف فضل ” ([10]) مفادها أن الطرق الصوفية انتشرت في السودان نتيجة لتفضيل أهل السودان للدين الإسلامي على الطابع الصوفي بدلا عن الطابع الفقهي، خاصة بعد التوفيق بين الإسلام السني والممارسات الصوفية التي اصطحبت معها الموروث الشعبي في السودان آنذاك. فقد نشر المتصوفة مبادئ العقيدة الإسلامية على نحو بسيط ولم يلزموا اتباعهم بمنهج محدد، ويرى “فضل” أن درجة نجاح الشيخ كانت تعتمد على إمكانياته الذاتية، واعتقاد العامة في قدرته الروحية. ويتفق “فضل” مع بدري -كما سنرى -في أن الشيوخ مصدر خير للضعفاء، وساعدهم على ذلك حظوتهم عند سلاطين الفونج. وثمة عامل آخر ساعد في انتشار الطرق الصوفية في السودان هو قوة التيار الصوفي خارج بلاد السودان -آنذاك -في أجزاء واسعة من أسيا وأفريقيا.
“تاج الأنبياء على الضوي” ([11]) وصف الطريقة باعتبارها تنظيما اجتماعيا دينيا له أهدافه وهيكله الإداري، ويورد في طرحه أن انشقاق الطريقة الإسماعيلية عن الطريقة الأم “الختمية” كان امتثالا لتكليف مقدس أمر به الشيخ إسماعيل الولي، وما كان من الشيخ إسماعيل الولي إلا تنفيذ الواجب المقدس.
وفي عام 1823م، بدأ الشيخ إسماعيل الولي في إنشاء طريقة خاصة به والتي اعتبرها في أول الأمر فرعا من الطريقة الختمية الأم، وفيما بعد اعتبرها مستقلة، بل حاوية على كل أسرار الطرق الصوفية آنذاك.
ويرى أن انتشار الطريقة الإسماعيلية في الأبيض يرجع إلى الأعمال الجليلة التي قام بها المؤسس، مثل تأليف الكتب الدينية وكسبه لأتباع مخلصين أسهموا في التبشير بالطريقة، وإنجازات الشيخ إسماعيل الولي الروحية وبساطة تنظيم الطريقة وتخطي الطريقة لقيود القبيلة والجغرافيا والمهنة.
وثمة دراسات ونظريات رأت في الطرق الصوفية وسيلة اتخذها الشيوخ لتوصلهم للسلطة السياسية ومنهم “يوسف بابكر بدري” ([12]) الذي استعرض تاريخ الطرق الصوفية في السودان ليبين تطورها وأهدافها ووسائلها فقد رأى “بدري” أن العرب الوافدين إلى السودان لم يرضوا بأن يكونوا وزراء في سلطنة الفونج بينما الخلاصيون من العرب والأفارقة هم ملوك الدولة “مملكة الفونج”. ومن أجل السلطة كان التنافس على كسب ولاء الشعب الذي هو مصدر السلطة الحقيقي. بدأ شيوخ الطرق الصوفية صراعهم بأفضلية الاتصال التي تربطهم بعامة الشعب، متخذين من الفكر الصوفي أيدلوجيا تناسب احتياجات المجتمع، ثم بدأ شيوخ الطرق الصوفية في حيازة الأرض وأقاموا عليها الإقطاعيات، حتى تمكنوا من الحصول على إنتاج استطاعوا أن ينفقوه على الأتباع، فعمر المسيد وأصبح مأوى للجياع والهاربين من ظلم الحكام، وراغبي العلم في الخلوة. وقد ازداد نفوذ الفكي باتساع رقعة الأرض التي حازها والتي وهبها له السلطان الأزرق تنافسا
مع غيره من السلاطين على كسب رضاء الفكي. والفكي “شيخ الطريقة” يفعل كل ذلك تحت غطاء رجل الدين الصوفي المناسب للزمان والمكان المحددين.
وهكذا قويت شوكة الفكي وأصبح منافسا خطيرا لسلاطين الفونج على السلطة “الزمنية لدرجة أنهم أحيانا كانوا تابعين له، على حد تعبير” بدري”.
بينما يتفق الباحث مع “بدري” في أن إيفاء رجال الطرق الصوفية باحتياجات أتباعهم هو السبب فيما وجدوه من قبول وسط العامة، ويرى أن تقرب ملوك الفونج من شيوخ الطرق الصوفية مرده خلل النظام السياسي في دولة الفونج واعتقادهم في قوى الشيوخ الروحية بالإضافة إلى ضعف الكيانات القبلية.
وما لم يتفق فيه الباحث مع “بدري”، تصوير الأخير للطرق الصوفية على أنها حركات دينية ذات أهداف سياسية، سعت إليها ونجحت فيها.
أما “عوض السيد الكرسني” ([13]) فقد تناول في دراسته للطريقة المجذوبية، فكر الطريقة وتنظيمها ونظامها السياسي، منذ نشأتها وحتى أعتاب القرن العشرين، مبينا أصول المجاذيب منذ القرن الثامن الميلادي، وحتى نهايات القرن التاسع عشر الميلادي وما قاموا به في إطار الطريقة المجذوبية، وما أحاط بها من ظروف سياسية.
وصف “كرسني” النظام الاقتصادي لدولة الفونج وطرق التجارة، والمراكز وعزى ازدهار الطريقة المجذوبية إلى تصدع وانهيار نظام التجارة نتيجة لانقسامات وصراعات سياسية في دولة الفونج، وأن انهيار النظام التجاري فيها كان نتيجة لانهيار السلطة المركزية وعدم مقدرتها على توفير الحماية للنشاط التجاري مما دعا التجار إلى تكوين اتحادات تجارية ترعى مصالحهم، وهنا برزت قوة محلية تمثلت في رجال القبائل ورجال الدين الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية مرموقة نتيجة لاعتقاد الناس فيما يسمونه ب “البركة ” وقدرة الشيخ على إلحاق الأذى بأعدائه. وعليه أصبحت الدامر مركزا تجاريا نتيجة لضعف دولة الفونج والنشاط الديني للمجاذيب، فقد أدت المعجزات (الإنجازات الروحية) التي كانت على يد المجاذيب -إلى خوف لصوص المكابراب من مهاجمة القوافل التي تحت رعاية المجاذيب، ولذلك استطاعت أسرة المجاذيب حماية القوافل بين بربر وقوز رجب وشندي، كما حازت الأسرة على احترام القبائل المجاورة لها.
ولما قويت المجذوبية في الدامر وازداد نفوذ المجاذيب الديني والاقتصادي، تخلى حمد المجذوب عن الطريقة القادرية والتحق بالطريقة الشاذلية لأنها الأقرب إلى احتياجات المجتمع الحضري القائم في ذلك الزمان في منطقة الدامر وما جاورها.
وعليه فإن كرسني يرى أن المكانة الدينية والاجتماعية للمجاذيب قائمة على عوامل عقدية وممارسات شعبية، واستغلال المجاذيب لمكانتهم الاجتماعية في الظروف السياسية حولهم لتكريس المكانة نفسها عن طريق جمع الثروة مستغلين اعتقاد العامة فيهم وولاءهم لهم.
ويرى كرسني أن المجاذيب اعتمدوا على العامل السياسي في نفوذهم الديني والاجتماعي، ولما كانت الغلبة لخصومهم، فقدوا مكانتهم الدينية والاجتماعية … فقد أرجع كرسني نجاح المجاذيب الديني الاجتماعي لأسباب عقدية في ظروف سياسية مواتية اعتبرها العامل الرئيسي، وبالتالي يكون قد وضع العامل السياسي في درجة أعلى من العوامل الأخرى، كما أنه لم يفرق بين الأيدلوجيا والعوامل الحقيقية وراء نشأة وتطور وانتشار واضمحلال الطريقة المجذوبية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، والصواب أن تكون السياسة وأيدلوجيا الطريقة متغيرين تابعين لسياقات اقتصادية اجتماعية.
وفي دراسته للطريقة المكاشفية عام 1978م تناول “عبد الله محمد عثمان” ([14]) الهيكل التنظيمي للطريقة المكاشفية، ومكانة الشيخ الاجتماعية والدينية وشعائر الطريقة، كما تناول جانب الثروة وعلاقتها بالزعامة.
أعطى “عثمان” مقدمة لدخول الطريقة القادرية في السودان واصفا الطريقة القادرية بعدم التمركز وتعدد مراكزها المستقلة بذاتها، ويقول عثمان: “إن انتشار الطريقة القادرية يكمن في إمكانيات الشيخ الروحية، وما يأتي به من كرامات، وإن الطرق الصوفية من عوامل نجاحها اتصالها بالأسر الدينية، إلا أنه بالرغم من ذلك فقد يظهر فرع لا علاقة لشيخه بأي أسرة دينية، وإن حدث هذا فلابد لشيخ ذلك الفرع أن يكون قد تجاوز قانون الفصل من الطريقة الأم المنشق
عنها، ويرجع عثمان انشقاق الطريقة إلى اختلاف أمهات شيوخ الطريقة الواحدة أبناء المؤسس وذلك نتيجة للتنافس على كسب الأتباع، ويرجع “عثمان” سبب تفضيل التابع لشيخ على الأخر- إلى الصفات الجاذبة في الشيخ، ويرى أن العلاقة بين الشيخ والمريد هي في المقام الأول علاقة دينية وأخلاقية وتكون علاقات المصلحة المادية نتيجة لتلك العلاقة المبررة أخلاقيا ودينيا.
واعتبر “عثمان” التعبير الأيدلوجي سببا في انتشار الطريقة وتجاهل الأسباب المادية باعتبارها علاقات ثانوية تأتي على هامش التواصل الروحي والوجداني، بالرغم من أهمية الاحتياجات الإنسانية المادية التي جاءت في مقولات الشيخ “العبيد ود بدر” مؤسس الطريقة البدرية القادرية ومنها قوله في تعريف الشيخ:
“… البملا الكرش، ويفرش البرش، ويدي القرش … كل شيخ” العبارة بالعامية السودانية ومعناها: إن الذي يعطي الطعام للجياع، ويهيئ المطارح للضيوف والغرباء، وينفق المال على الضعفاء، هو الشيخ. وكذلك قوله: … كان ما عجيني مين بجيني” ([15]) أي لولا هذا العجين الذي نصنع منها الكسرة وتقدم كطعام، لما أتاه أحد ممن حوله.
وأشار عثمان إلى أن انتساب الفرد للطريقة المكاشفية قد يكون عن طريق التنشئة الاجتماعية، وأورد أن من عوامل انتشار الطريقة المكاشفية قسوة الطبيعة وظواهرها الغامضة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية وتعدد زوجات المؤسس وأبنائه وتفضيلهم للزواج الخارجي، كذلك أورد أن من عوامل انتشار الطريقة المكاشفية الاعتقاد في توارث البركة، وحق التسليك الذي يتمتع به أبناء المؤسس وهو حق روحي يتيح لهم تكوين شعب أو فروع داخل الطريقة مما يؤدي إلى توسيع الطريقة عن طريق التنافس بين الإخوان وأبناء العمومة في الأسرة المكاشفية بالإضافة إلى كاريزما المؤسس.
ثمة عامل مهم في انتشار الطرق الصوفية هو القدرة التنظيمية العالية لتلك الطرق. وبالرغم من وصف “عثمان” للهيكل الإداري للطريقة المكاشفية إلا أنه لم يعده ضمن عوامل انتشار الطريقة المكاشفية ولو أنه ذكر صراحة أن شيوخ الأقاليم من مهامهم إدخال أفراد جدد في الطريقة. كما لم يورد أو يعط أي أهمية لخلل النظم السياسية في انتشار الطريقة خاصة في المرحلة التي أعد فيها “عثمان” الرسالة -1978م -وهي الفترة التي شهدت استجداء الحكومة للطرق الصوفية.
أما “القدال” ([16]) فقد نفى أن تكون عوامل انتشار الطرق الصوفية كامنة في جاذبية الدين الإسلامي. ويرى أن يكون انتشار الإسلام في السودان منذ بداياته يعود لتركيبة اقتصادية اجتماعية. وفي رأيه أن التحول من المسيحية إلى الإسلام
ما هو إلا تعبير أيدلوجي للبناء الاقتصادي الذي تغير، وفي رأيه أن انتشار الإسلام هو انتشار الطرق الصوفية التي انتشرت انتشارا واسعا منذ القرن السادس عشر الميلادي. وفي رأيه أن العلاقة بين النهج الصوفي وواقع المجتمع الذي تقبل الفكر الصوفي علاقة مفقودة وينفي أن تكون ريادة الشيوخ الأوائل وإخلاصهم هما السبب في انتشار الطرق الصوفية. ويرى أن الريادة والقوة والإخلاص ما هي إلا أسباب ذاتية مساعدة.
إن العلاقة المفقودة عند القدال وكل التساؤلات التي طرحها حاول الإجابة عليها “إدريس حسن سالم”([17]) يقول سالم” إن منطقة الجزيرة في بداية القرن السادس عشر الميلادي كانت تسكنها قبائل تمارس الرعي والزراعة في مناخ السافنا، فكانت تزرع الذرة في الأودية ومجاري السيول اعتمادا على مياه الأمطار وكانت ترعى الإبل والبقر والأغنام. أما الأرض نفسها فإن ملكيتها جماعية ويحكم توزيعها عرف قبلي، ولم يكن بالإمكان إعادة استثمار فائض الإنتاج من دون بقية أفراد القبيلة، خاصة أن الأرض تمثل معاشهم. والسبب الثاني هو بدائية وسائل النقل التي لا تسمح بنقل فائض الإنتاج مثل الذرة على الدواب لمسافات بعيدة.
وفي ظل هذه السياق الاقتصادي الاجتماعي نجد أن السلطة السياسية لدولة الفونج في منطقة الجزيرة -قاصرة على فرض الضرائب السنوية مع الاعتراف بشرعية السلطة السياسية في سنار ويرى “سالم” أن الألية الوحيدة لتنفيذ تلك العلاقة هي مقدرة السلطة المركزية في سنار على القيام بحملات تأديبية على القبائل المارقة عن الطوع، أما القبائل نفسها فلا يوجد لها نظام سياسي داخلي يدير شؤونها، ويمثل الزعماء القبليون ما يعرف اليوم بقادة الرأي العام، ويرى
“سالم” أن قلة الفائض وضعف البنية السياسية أديا إلى عدم وجود تمايز طبقي اجتماعي.
ومن الناحية الفكرية يقول سالم إن الوعي السائد هو الفكر الإسلامي وانفتاح السودان لمزيد من التيارات الإسلامية وخاصة التيار الصوفي الذي يناسب المجتمع البدوي، خاصة في منطقة الجزيرة، ذات الظروف الإنتاجية والسياسية التي تناسب الطرق الصوفية.
ووفقا لهذه الخلفية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية فإن “سالم” يرى أن سبب انتشار الطرق الصوفية في عدة عوامل، منها الموضوعي، ومنها الذاتي. فالموضوعية تتمثل في وجود فائض من الإنتاج يتراكم جزء منه عند شيوخ الطرق الصوفية الذين يقومون بإعادة توزيعه على أفراد المجتمع. وبما أن المجتمع البدوي-كما ورد في السياق – يفتقر لوجود تنظيم سياسي تنفيذي وقضائي داخلي، فإن شيوخ الطرق الصوفية يقومون بدور الوسطاء بين الناس وبالتالي ملء الفراغ التنظيمي ومساعدة المجتمع على الاستمرار، هذا بالإضافة إلى الاعتقاد في قوى الشيوخ الروحية التي يرى فيها البدوي الخلاص من جبروت وقسوة الطبيعة، ويرى فيها قوى رادعة لمن تمرد على الشيخ، ويمثل الذاتي “الصفات الكارزمية للشيخ ” الصفات الجاذبة مثل التقوى والورع والزهد والحكمة والقدرة على حل النزاعات.
في محاولته النظرية تلك استطاع “سالم” أن يفرق بين المتغير الاقتصادي الاجتماعي وبين عوامل انتشار الطرق الصوفية الذاتية والموضوعية، والتي سماها. “الأسباب المحركة” إلا أنه اعتبر كل العوامل على درجة واحدة من الأهمية، لأن التعبير الديني عند البدو والذي تمثله الصوفية في نظر “سالم” ليس مجرد بناء فوقي يمكن تجاهله، لكن أهمية الأيدلوجيا الصوفية تكمن في أنها متوافقة تماما مع احتياجات المجتمع، ومع المعتقدات والممارسات الشعبية السائدة، ومن هنا يأتي سر نجاحها. بينما العوامل الأخرى هي عوامل ثانوية مساعدة، بدليل أن الأيدلوجيا الصوفية قد تغيرت كثيرا. وعموما فإن العوامل التي ساقها سالم، في رأي الباحث، هي العوامل الحقيقية في نشأة وانتشار الطرق الصوفية لكن ثمة عوامل أخرى لم يذكرها “سالم” منها تعدد الزوجات والزواج الخارجي ومقدرة الطرق الصوفية على التكيف، والتنشئة الاجتماعية، ونجاح التنظيم.
من الطرح السابق يتضح أن عوامل انتشار الطرق الصوفية في تقديرهم لا تخرج عن كونها مادية أو روحية، وبمكن تقسيمها إلى عوامل داخلية وخارجية فقد رأى البعض أن الطرق الصوفية ما هي إلا تنظيمات اجتماعية هدفها العبادة وبالتالي انتشارها يعتمد على مدى تقوى القائد الديني وتلاميذه شيخ الطريقة واتباعه”. ورأي أخر مناقض تماما لهذا الاتجاه، فهو يرى أن الطرق الصوفية ما هي إلا تنظيمات اجتماعية استخدمتها الأسر الدينية في تحقيق مصالح خاصة بينما الاتجاه الأخر يرى أن الطرق الصوفية تنظيمات تسعى إلى تحقيق احتياجات أتباعها وأفراد المجتمع وبالتالي انتشارها يعتمد على مدى إشباعها لحاجات أفراد المجتمع، وبين ما هو مادي وما هو روحي تتداخل العوامل وتتشابك أحيانا عند، بعض الكتاب الذين ناقشنا أراءهم.
مجتمع الدراسة:
قرية الشكينيبة هي مركز الطريقة المكاشفية تقع في وسط السودان في ولاية الجزيرة. على بعد 8 كيلومترات من مدينة المناقل في ناحية الجنوب، وعلى بعد حوالي 90 كيلو مترا من مدينة ود مدني حاضرة ولاية الجزيرة. القرية تقع في مساحة مقدارها واحد ونصف كيلو متر مريع تقريبا ولا يتجاوز عدد سكانها 1500 نسمة، معظمهم من قبيلة الكواهلة وبعض الملازمين في القرية لشيوخ الطريقة المكاشفية، ومعظم هؤلاء من أبناء كردفان، أو من أهالي المنطقة المحيطة بالشكينيبة، وثمة أفراد من قبائل مختلفة، ومن أنحاء مختلفة. أيضا تسكن القرية مجموعة من أبناء جنوب السودان من قبلية الشلك ولهم حي خاص بهم يسمى حي “شلك” بعضهم أسلم وبعضهم الأخر ظل على دينه، هذا بالإضافة إلى أسرة المكاشفية.
وفيها يوجد مسيد الطريقة (مسيد المكاشفي) وهو مسيد ذو خصوصية لدى أتباع الطريقة وشيوخها، وفي حي المسيد تقع قبة الشيخ ” عبد الباقي المكاشفي” وخلفائه، الشيخ “عمر”، الشيخ “عبد الله”، الشيخ “الطيب”، والشيخ ” الجيلي”.
أما حفير المكاشفي فهي حفير مقدسة عند أتباع الطريقة، تقع شرق المسيد، وشمال حي شلك، وجنوب حي الحسنات، في مساحة تبلغ “جدعة” وهي وحدة مساحية تساوي خمسة أفدنة، وحول هذه الحفير تدور كثير من الحكايات، كما تعلقت بالحفير الكثير من التعبيرات الأيدلوجية، ويرجع تقديس المريدين للحفير لأسباب تنظيمية، أما السبب الأخر فيرجع لعوامل أيكولوجية، حيث أن الحفير يوفر الماء للإنسان والحيوان في بيئة تفتقر لمياه الشرب ويطول فيها فصل الجفاف إلى ثمانية أو تسعة أشهر فالمنطقة التي تقع فيها القرية تعرف عند الأهالي ب “حدب المناقل ” وهي منطقة مشهورة بندرة المياه، ولهذا السبب كان أهل المنطقة يرحلون بحثا عن الماء، ولم يستقروا إلا بعد حفر الحفير في سنة 1927-1928 م، وتكاد تكون مصدر المياه الوحيد في القرية سابقا، لكن بعد حفر بئرين ارتوازيتين بالقرية قلت أهمية الحفير كمورد رئيسي للمياه، وأصبحت للتبرك وللاحتياط.
مظاهر الفقر بادية على أهالي القرية في صورة منازلهم المبنية من الطين، وفي مستوى المعيشة المتدني، وفي أثاثاتهم المنزلية، وعلى الرغم من أن الكهرباء قد دخلت القرية منذ عام 1988م إلا أن معظم أهل القرية لم يستفيدوا من هذه الخدمة، لقلة دخلهم وهذا مؤشر آخر للفقر.
والحي الوحيد الذي انزاحت عنه ملامح الفقر هو حي المسيد (حي المكاشفية) ومباني هذا الحي من الطوب الأحمر وبعض المواد المحلية الأخرى، والمستوردة، والحي يبدو في هيئة جميلة إذا ما قورن ببقية أحياء القرية، فهو مضاء بالكهرباء، ومنازله واسعة، وأهل هذا الحي أكثر انفتاحا على العالم من حولهم، ويرجع ذلك لعلاقات أبناء المؤسس وأحفاده الواسعة بالأخرين خارج القرية من مريدين وأتباع في مختلف أنحاء السودان وبمختلف مكاناتهم الاجتماعية وأدوارهم، وهذا الانفتاح هو السبب لما هم فيه من وضع اقتصادي.
توجد بالقرية مدرسة أساس ومدرسة ثانوية مزدوجة. للبنات داخلية للسكن، أما الأولاد فيسكنون خارج المدرسة عند أهل القرية،
كذلك يوجد بالقرية سوق محلي يعقد كل يوم جمعة من كل أسبوع وفيه تباع المنتجات المحلية، وبعض السلع الرخيصة المستوردة، السوق منظم بشكل دقيق بحيث لكل سلعة أو سلع متجانسة موقع خاص، ويمكنك المرور بسهولة والانتقال من موقع إلى أخر داخل السوق، وتأتي إليه كل القرى المجاورة، ويبدأ من أول الصباح وحتى بعد الظهيرة.
تم وضع خطة لتخطيط القرية ورسمت الشوارع ووزعت الأماكن، إلا أن تنفيذ هذه الخريطة يحتاج لميزانية لا تتوفر الأن لأهل القرية، لكنها ستنفذ تدريجيا مع مرور الوقت والأهم الذي تحقق الأن هو موافقة أهل القرية على الخريطة الجديدة ([18]).
آيكولوجيا المكان:
تقع القرية في منطقة الجزيرة في وسط السودان في إقليم السافنا الفقيرة والمنطقة تقع بين خطي عرض ﹾ10، ﹾ 17 شمال وخطي طوله ﹾ 27 -ﹾ 35 شرق تقريبا ([19])، وهي المنطقة التي تحظى بانتشار واسع للطريقة من حيث عدد الزوايا والمريدين والأتباع. وفي هذه المنطقة تتراوح فترة هطول الأمطار ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر.
إلا أن المنطقة المحددة هي المنطقة الواقعة في السهول الطينية، ومناطق القوز والسهول الوسطى وإمكانية الزارعة متوفرة لحد ما وقد ساعد على ذلك خصوبة التربة التي تحتوي على قدر عال من الطين، كما يمكن زراعة بعض المحصولات التي تقاوم الجفاف مثل الذرة والدخن والسمسم في مساحات واسعة، كما يمكن زراعة القطن وبعض البقوليات، هذا بالإضافة إلى إمكانية رعي الماشية والماعز والضأن.
أما منطقة القوز فيمكن أن تمارس فيها الزراعة الموسمية. وبالإضافة إلى المحاصيل المذكورة يمكن زراعة الفول السوداني والبطيخ، كما يمكن تربية الماعز والإبل، إلا أن تدني نسبة الرطوبة في التربة وتدني نسبة المواد العضوية في هذه التربة من الأسباب العائقة للتطور الزراعي، وأفضل النشاط الزراعي الذي يمكن ممارسته بشكل طبيعي هو الزراعة المتنقلة ([20]) ثم أن المنطقة المحددة بخطوط تخلو فيها الموانع الطبيعية كالصحاري والمرتفعات، بل أن طبيعة المنطقة سهلية، يسهل فيها التنقل بكل الوسائل المتاحة، وهذا ما سهل التواصل بين أجزائها المختلفة.
ظلت هذه المنطقة على ظروفها الأيكولوجية المذكورة حتى مطلع القرن العشرين الميلادي حين حاول المستعمر الإنجليزي دمج السودان في السوق الرأسمالية العالمية مما أدى إلى تغيير في المحاصيل والغطاء النباتي في بعض الأجزاء من منطقة نفوذ الطريقة.
وباعتبار موقع قرية الشكينيبة في وسط المنطقة فإن الوصول إليها سهل، مما ساعد على انتشار الطريقة.
ساعدت العوامل الأيكولوجية المتشابهة في المنطقة في إيجاد ثقافة متشابهة، وهذا بدوره أدى إلى تكوين أهداف متشابهة يمكن تحقيقها بواسطة تنظيم اجتماعي هو الطريقة المكاشفية كواحدة من الطرق الصوفية المتمركزة في وسط السودان.
النشاط الاقتصادي:
النشاط الاقتصادي السائد في المنطقة الزراعة التقليدية -ماعدا مشروع الجزيرة وبعض المناطق على النيل الأبيض – والرعي، على حسب الظروف التي أوضحناها فيما يختص بالإيكولوجيا ففي منطقة السهول الطينية تزرع الذرة والدخن والسمسم زراعة مطرية، وعلى حسب كمية الأمطار تكون الإنتاجية، وغالبا ما تكون إنتاجية ضعيفة بسبب شح الأمطار وبدائية وسائل الإنتاج الأخرى وفيما يختص بالرعي فإن الحيوان الغالب في هذه المنطقة هو الضأن والماعز والأبقار، وتربية الحيوان هنا أيضا تقليدية وتعتمد على المراعي الطبيعية في مساحات واسعة، وترتبط بظروف الأمطار أيضا، لأن غنى المراعي تحدده كمية الأمطار الساقية في الموسم.
وكذلك الحال في منطقة القوز الواقعة في كردفان فإن المحاصيل المزروعة فيها هي الذرة، والدخن والسمسم، بالإضافة إلى الفول السوداني والبطيخ، أيضا زراعة تقليدية موسمية متنقلة تعتمد على معدلات الأمطار الساقطة. والجانب الأخر من النشاط هو النشاط الرعوي وفي هذه المنطقة تسود تربية الماعز والأبقار على الطريقة التقليدية نفسها.
ثمة نشاط زراعي أكثر تطورا في مشروع الجزيرة ومشاريع الإعاشة على النيل الأبيض، ففي الأول الري انسيابي والزراعة تعتمد على الآلة أكثر من الأنسان وتزج عدة محاصيل منها القطن والفول السوداني، والذرة، والقمح، ونفس المحاصيل تزرع في النيل الأبيض وتروى بواسطة الطلمبات، والإنتاجية في مشروع الجزيرة والنيل الأبيض أكثر بسبب إدخال بعض الحزم التقنية والتحكم في مياه الري واستخدام المخصبات والمبيدات. وفيما عدا مشروع الجزيرة ومشاريع الإعاشة على النيل الأبيض فإن الإنتاج الزراعي إنتاج بغرض الاكتفاء الذاتي.
وفي قرية الشكينيبة الواقعة خارج مشروع الجزيرة، يعمل السكان كغيرهم من سكان المنطقة في الزراعة المطرية ورعي الماعز والضأن والأبقار على الطريقة التقليدية، ولما كانت الأمطار قليلة تتراوح فترة هطولها ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر تمتد من شهر يونيو وحتى سبتمبر، وهي أمطار السافنا الفقيرة، فإن الزراعة التقليدية محصورة فقط في زراعة الذرة الرفيعة والدخن، والإنتاج هنا متغير في كمية المطر الساقط كعامل رئيسي، فازدياد الأمطار أو هطولها مبكرا بكمية كافية للزراعة ينعكس إيجابا على الإنتاج لكن الأمطار متأرجحة بين الندرة والقلة والغزارة، مما يسبب تأرجحا مماثلا في الإنتاج، وبالتالي لا يكون هناك عائد لمقابلة احتياجات الحياة العصرية.
الأرض المزروعة عندهم -مجتمع الدراسة -تعرف بــ “البلدات ” وهي أراض حكومية أو ملك للأفراد أو الأسرة على الشيوع أو الأفراد لكنها تحت حيازة الأفراد أو الأسر ولا تمارس هنا الزراعة المتنقلة لضيق الأرض الزراعية ولذلك فإن ” البلاد” تزرع سنويا وهذا بالطبع يقلل من الإنتاجية في ظل غياب الحزم التقنية الحديثة. والإنتاج هنا فردي بحيث لكل رب أسرة أو شخص قادر على الزراعة منفردا -بلاد يزرعها، وربما وجد مساعدة من أبنائه وزوجته، وهنا غاب نمط الملكية الجماعية للأرض والإنتاج الجماعي، كما أن هذه الطريقة من النشاط الاقتصادي تتفق مع علاقات الإنتاج الرأسمالية لولا قلة الإنتاج وبالتالي انعدام الفائض أو قلته في أفضل الأحوال.
أما الرعي فإنه يعتمد أيضا على كمية الأمطار الساقطة خلال الموسم فتكاثر الحيوانات هنا مشروط بتوفر المرعى وما به من أعشاب نابتة ولذلك فإن هطول الأمطار دون المستوي المطلوب لغنى المراعي يترتب عليه انحسار الزيادة في معدل نمو الحيوانات وألبانها وتدني أثمانها في الأسواق والعكس صحيح. كما لا توجد محاجر صحية في المنطقة ولا عيادات بيطرية، وعموما فإن الوعي بأهمية العناية البيطرية يكاد لا يجود مما ينعكس سلبا على مقدرات الثروة الحيوانية في المنطقة محل الدراسة، وبهذه الطريقة فإن تربية الحيوان في مجتمع الدراسة كحرفة غير مفيدة بالمستوى المطلوب وتدخل في إطار الإنتاج المعيشي أيضا. أما ملكية المرعى فهي حيازة عامة في الأرض غير المزروعة. أما الأرض المزروعة فإن المزارع له حق التصرف في مزرعته منذ بداية زراعته إلى نهاية الحصاد، أما القطيع نفسه فهو ملكية فردية. يبدو أن المرعى مازال سلعة غير اقتصادية لفقره أولا وثانيا توزيعه على الأفراد يضيق كثيرا من الحيازة الشخصية، أي يصبح المرعى تحت حيازة الفرد ضيق بدرجة تنعدم فيها فائدته كمرعى في إقليم السافنا الفقيرة، وبالتالي لم تعد الملكية الجماعية للمرعى تشير إلى شكل من أشكال علاقات الإنتاج قبل الرأسمالية. والنشاط الاقتصادي الرعوي بهذه الكيفية يتفق مع علاقات الإنتاج الرأسمالية لولا تقليدية الممارسة وفقر المراعي.
ونتيجة هذا الأسلوب من ممارسة الزراعة والرعي فإن الأسر قد كيفت حياتها بما يوافق نشاطها الاقتصادي المتخلف بسبب العامل الأيكولوجي، وتوجيه الموارد المتاحة نفسها، فمن المناظر المألوفة أن تجد أسرة تمتلك قطيعا كبيرا من الحيوانات، وهذا بالطبع مؤشر غنى، لكن تجد هذه الأسرة تسكن في كوخ مشيد من الطين والحطب لا يناسب الحياة العصرية، والناظر إلى القطعان يحكم على هذه الأسرة بالغنى، بينما الناظر إلى المنزل يحكم عليها بالفقر المدقع، لكن ليس
كل الأسر على هذا النحو من الثراء، فالفقر حقيقة ماثلة وغالبة، وفقر الموارد حقيقة ماثلة أيضا حتي الآن.
إن دخل الفرد وفقا للطريقتين المذكورتين لا يعتمد على مدخلات إنتاج أو عوامل إنتاج يمكن للإنسان السيطرة عليها، وهذا يقوي من إيمانهم بالله، ويعمق مفهوم القدرية ولذلك فإنهم يلجأون إلى التفسيرات الغيبية لأي واقعة خارج إطار إمكانيات وسائلهم المحدودة في تفسير الظواهر وهذا شيء يدفعهم إلى الاستفادة من القوى الروحية للأولياء الصالحين، كما أن عامل الفقر لا يمكن أفراد المجتمع من تحقيق احتياجاتهم حتى الضرورية منها، وبالتالي جاءت حاجة أفراد المجتمع لتنظيم اجتماعي يسهم في إشباع حاجاتهم الإنسانية، فكانت الطريقة المكاشفية كتنظيم اجتماعي يمكن للفرد المشاركة فيه والاستفادة منه.
ثمة نشاطات اقتصادية أخرى تمثلت في العمل خارج السودان في الخليج العربي بالذات، بالإضافة إلى الهجرة الداخلية حيث يعمل عدد مقدر من شباب القرية في مدن السودان المختلفة، كما جذبت مدينة المناقل أعدادا أخرى من
الأيدي العاملة. لكن سواء كانت الهجرة داخلية أم خارجية لم تغير من الوضع الاقتصادي والاجتماعي في القرية تغييرا يذكر فأصبح المجتمع على حاله في حاجة للطريقة المكاشفية.
نظام الزواج:
ويعد انتقال مجتمع الشكينيبة من مجتمع بدوي إلى ريفي الاقتصادي والإنتاج نجد أن العلاقات القبلية قد ضعفت في مجتمع الدراسة، وأصبحت العشيرة تمثل أكبر وحدة اجتماعية متماسكة، وما عاد للقبيلة أثر واضح في حياة الأفراد الشخصية، وانعكس ذلك على نظام الزواج في مجتمع البحث فما عادت هناك قيود تذكر على اختيار الرجل لزوجته، وما عاد الزواج الداخلي سائدا، وأصبحت كل الاحتمالات واردة في أن يتزوج الرجل من أسرته أو من عشيرته أو من قريته أو خارجها، كذلك ما عادت الفتيات ملزمات بالزواج من شخص محدد.
وفي ظل الحياة الريفية البسيطة المتمثلة في قلة تكاليف المعيشة، كان تعدد الزوجات في مجتمع الدراسة موجودا بكثرة. أما الأن فإن نسبة تعدد الزوجات قلت كثيرا عما كانت عليه سابقا، ويرجع السبب إلى تفكك الروابط العشائرية وتعقد الحياة، وما صاحبها من متطلبات تحتاج لمزيد من الأنفاق على التربية والرعاية، وباختصار فإن حالة التضامن العضوي السائدة في المجتمع قد صعبت كثيرا من مهمة تكوين أكثر من أسرة “زوجة وأبناء منفصلين لرجل فقير، وهذا ما جعل الزواج الأحادي هو السائد الأن، باستثناء أسرة المكاشفية.
نظام الأسرة والقرابة:
بعد الزواج تتكون الأسرة النووية الجديدة من الزوج والزوجة في مجتمع الدراسة، إلا أن فصل سكن خاص للأسرة الجديدة يظل رهين بعض الظروف مثل غياب واستقرار الزوج، ففي حالة غياب الزوج عن القرية، وما لم تكن الزوجة قد أنجبت أبناء -غالبا ما تسكن مع أهلها، خاصة إذا كانت الغيبة في هجرة خارج السودان، وفي حالات قليلة تكون الزوجة مع أسرة زوجها.
لكن بعد إنجاب الأبناء غالبا ما تنفصل الأسرة وتصبح أسرة نووية مستقلة لكن تبقى العلاقات الأسرية حميمة في الظروف الطبيعية، في إطار الأسرة الممتدة وهذه الظاهرة تحتمها علاقات القرابة وتبادل المنافع ولو في إطار ضيق لا يتعدى المجاملات وقليلا من المساعدات. وهكذا تسود الأسرة النووية في مجتمع الدراسة مع وجود نوع من التعاون والمساندة بين الأسر النووية في إطار العشيرة.
ويظهر التعاون والتساند بين الأسر النووية المكونة للعشيرة في حالات الوفاة والمأتم، ففي المأتم تتجمع كل الأسر النووية لإقامة المأتم في منزل المتوفى وبعد نهاية المأتم يتكفل الرجال بدفع نفقات المأتم بالتساوي بين أفراد العشيرة والأصدقاء وتظهر صورة التكافل بين أفراد العشيرة في حالة الغرامات الواقعة على الفرد من قبل السلطات الرسمية والشعبية فهم يتحملون معه جزءا منها، وفي حالة المرض فهم ملزمون بزيارة مريضهم وتقديم العون له، والدفاع عن موروث العشيرة ومحاولة تمجيدها بمدح الأجداد والإباء ووصفهم بصفات النبل والكرم والشجاعة، والصبر، وغالبا ما يكون لكل أسرة كبيرها الذي يمثل ضمير الأسرة ورأيها.
وجد شيوخ الطريقة المكاشفية في تعدد الزوجات فرصة مواتية لإنشاء علاقات اجتماعية مع الأخرين سواء في قرية الشكينيبة أو خارجها، الشيء الذي ترتب عليه موالاة تلك الأسر أو أفراد منها للطريقة المكاشفية، فبالرغم من أن نسق القرابة في مجتمع البحث أبوي إلا أن العلاقة بين الأقارب سواء من جهة الأب أو من جهة الأم تكاد تكون متساوية فيما عدا نظام الميراث، وتعد المصاهرة علاقة قرابية من الدرجة الأولى.
نسق المعتقدات والتنشئة الاجتماعية:
لآل البيت مكانة خاصة في نفوس أفراد مجتمع البحث عامة، والمتصوفة خاصة، تلك المكانة التي أوجدتها العقيدة الإسلامية، وعمقتها العوامل التاريخية والسياسية والثقافية.
لدى آل البيت مكانة خاصة بين عامة المسلمين وهذه المكانة حددتها العقيدة الإسلامية، وبالتالي أصبحت مقدسة إلا أنها أشد وأعمق عند أهل التصوف، ففي اعتقاد المتصوفة فإن أل البيت عامة وخاصة الإمام علي بن أبي طالب -هم ورثة الأنبياء أي ورثوا علم الأنبياء الهابط عليهم من السماء، وأن آل البيت خصهم الله بصفات لم يخص بها غيرهم، وعلمهم الله علم الساعة وما أخفى وهو علم لدني أي علم الحقيقة ([21]) الكاملة وذلك ابتداء من فاطمة الزهراء التي أنزل عليها من العلم اللدني ما يكفي لمعرفة الماضي والحاضر والمستقبل، وأن هذا العلم قد ورثه من بين آل البيت الإمام علي بن أبي طالب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج فاطمة الزهراء وإن الحسين بن علي قد ورثه عن أمه وأبيه ([22]).
ووفقا لذلك العلم اللدني أو علم الحقيقة ما يزال يورث، وعليه فمن المحتمل أن يكون أي شخص من نسل فاطمة الزهراء قد ورث العلم كله أو بعضه.
وفي مصر قامت الدولة الفاطمية بحجة أحقية آل البيت وبالأخص نسل فاطمة الزهراء في الخلافة الإسلامية، وبانهيار الدولة الفاطمية في مصر دخلت إلى السودان هجرات، عربية جماعية تحمل معها حبا وتقديرا لإل البيت وتمثل الجذور العرقية لأفراد مجتمع الدراسة.
وليس هذا فحسب بل أن القرآن الكريم والسنة كمصدرين للتشريع الإسلامي قد نصا على مكانة خاصة لإل البيت بالتفصيل، فالحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة-، وفاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ([23])، وحمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى، الله عليه وسلم سيد الشهداء، وعندما شبه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بمدينة العلم شبه الأمام على (كرم الله وجهه) ببابها الذي تؤتى منه، فمن أراد المدينة فعليه بالباب، وسمى جعفر بن أبي طالب بجعفر الطيار بعد استشهاده إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه يراه يطير في الجنة.
إن دخول الجنة — وهي غاية المسلم يعد فوزا عظيما -والسيادة على أهلها يعنيان مكانا رفيعا ومقدسا لإل البيت.
كذلك نصت السنة المحمدية على ذكر آل البيت في الجلوس عند كل صلاة، وبالتالي فإن المسلم يصلي على آل البيت ويدعو الله أن يباركهم في اليوم 17 مرة على الأقل.
أما في القرآن الكريم فجاءت الآية ” إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا” ([24])، ويذهب عنهم الرجس ([25]) وأن هذه الآية تؤكد طهارة آل البيت وبالتالي قدسيتهم عند المسلمين.
ولو أن هذه الأحداث والآيات وما صاحبها من أحداث كانت في الماضي قبل 1400 سنة، إلا أن الماضي لا ينفصل عن الحاضر كلية خاصة أن هذه الأحداث أصبحت جزءا من العقيدة الإسلامية لا يستطيع المسلم أن يتجاوزها وهو مسلم، بل يحاول تحديد سلوكه وفقا لها أو باتخاذها أو جزءا منها تعبيرا أيديولوجيا يبرر سلوكه خاصة التنظيمات الدينية الإسلامي، ومنها الطريقة المكاشفية.
ويعتقد البعض أن الإمام علي (كرم الله وجهه) لم يدفن في الأرض بل محمول على ناقته المقدسة يجوب بها بقاع الأرض، وهذه الأسطورة تحمل في طياتها قدسية الإمام.
وفي مجتمع الدراسة غالبا ما يسمى التوأم بالحسن والحسين تيمنا بأبناء الأمام علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء، أو كأن يسمى التوأم بحمزة والعباس تيمنا بعمي النبي صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب (سيد الشهداء) والعباس بن عبد المطلب. وإن كان التوأم من جنسين مختلفين سمى الذكر محمد وسميت الأنثى فاطمة تيمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبنته فاطمة الزهراء، وعلى الرغم من أن للنبي صلى الله عليه وسلم بنات أخريات غير فاطمة لكن فضلت فاطمة باعتبارها زوجة الإمام علي بن أبي طالب ولكونها هي الوحيدة التي خلفت وعاشت بعد أبيها، ولكون مكانتها المنصوص عليها في الإسلام إذ حدد الإسلام أنها سيدة النساء، وإذا كان التوأم أنثيين سميتا أم الحسن وأم الحسين، و “أم الحسن وأم الحسين ” هي فاطمة الزهراء نفسها.
وهناك صورة أخرى للتفاؤل بآل البيت تظهر في ترديد الأهالي لعبارة “فال الحسن والحسين” في الأفراح خاصة في حفلات الزفاف، وفي حفلات الختان، وذلك لما للحسن والحسين من مكانة خاصة عند النبي محمد -صلى الله عليه وسلم فكأنما الأهالي يتقربون بهما لله تعالى ويتمنون شيئا من حظهما عند الله للعريس أو المختون.
إن الأحداث في فجر التاريخ الإسلامي ما زالت تستبطن عقول كثير من المسلمين، ويتجلى ذلك بوصفهم لمن وقع عليه ظلم فادح بأنه مظلوم “ظلم الحسن والحسين” في إشارة إلى إبعاد الحسن بن الإمام علي من الخلافة الإسلامية، ومقتل الأمويين للحسين.
وعند المتصوفة يعني الانتساب لإل البيت عامة ولعلي وفاطمة خاصة – وراثة المنتسب لشيء من العلم اللدني (علم الحقيقة)، خاصة أن العلم اللدني والقدرات الروحية تورث، ويعبرون عن ذلك بقولهم “إن البركة لا تدفن” هذا بالإضافة للمكانة الدينية والاجتماعية لإل البيت.
يعتقد أفراده في خطر الأرواح الشريرة الذي يهدد مصالحهم ويسبب لهم الكثير من الأمراض المعروفة عندهم بــ “المس” الشيطاني، ويعتقدون أن أمراضا كثيرة سببها عبث الأرواح الشريرة، مثل مرض الصرع، والشلل الذي يحدث فجأة، والجنون، والبكم، وغيرها من الأمراض التي يجهلون سببها الحقيقي، وفي هذه الحالة يهبون إلى أحد أبناء أو أحفاد المؤسس بغية العلاج بوسائل روحية ولحمايتهم من خطر الأرواح الشريرة، وهناك الكثير من الأمراض المستعصية والمعروفة لديهم، إلا أنها أمراض حسب إمكانياتهم القاصرة، أو ما يقدم لهم من خدمات طبية -مثل مرض السرطان، وفي هذه الحالة يحضرون المريض، أو يحضر المريض من تلقاء نفسه لطلب مساعدة الشيخ الروحية بناء على اعتقادهم في قوته، وليس هذا فحسب فأحيانا يتخوف المريض من نتيجة العمليات الجراحية أو خوفه من الأذى فيلجأ للشيخ لعلاجه روحيا.
يعتقد أفراد المجتمع في السحر ويقوي هذا الاعتقاد جهل الكثيرين من أفراد المجتمع بحقيقة كثير من الظواهر الاجتماعية والطبيعية وعليه فإن حدوث أي ضرر للشخص دونما سبب مباشر أو غير معروف، يعتقد البعض أنها ترجع إلى أعمال شيطانية أو سحرية أحيكت من قبل أعداء. ولهذا يحضرون مرضاهم إلى زيارة قرية الشكينيبة، إلى أي من الشيوخ هناك، بغرض إبطال السحر ولكثرتهم بمركز الطريقة فقد ارتبط اسم القرية بهذه الأمراض، فعندما يقولون هذا شخص “مشكنب” أي أنه أرسل إلى الشكينيبة لعلاجه من الجنون، وعندما يقولون لك “أنت زول مشنكب” فإنهم يصفونك بالمجنون.
وما يتم بواسطة السحر في اعتقادهم يمكن أن يتم بواسطة العين الشريرة، أو ما يعرف بالحسد. ولو أن السحر بالعين الحارة في اعتقادهم يمكن أن يقع في أي وقت من اليوم، إلا أن وقت السحر والمغيب هما وقتان مناسبان لوقوعه. ولذلك تجدهم يتحاشون الزيارة في هذين الوقتين. ويرجع تحديدهم لوقتي السحر والمغيب بأنهما أكثر وقتين يحتمل فيهما وقوع السحر-لطبيعة النشاط الرعوي والزراعي التقليديين، ففي الوقتين المذكورين يبدأ الراعي يومه وينهيه.
في السحر والصبح يبدأ اليوم بحلب ألبان الحيوانات، وفصل صغارها عنها بغرض إرسالها للمرعى، وفي المغيب تستقبل الحيوانات وتوضع في الحظائر وتحلب ألبانها وتطلق لها صغارها. إذا هما وقتان للعمل ومن غير المفيد الزيارة فيهما، وبالتالي جاء تصنيفهما من أنسب الأوقات لوقوع السحر بالعين الشريرة كتعبير أيدلوجي لتحريم الزيارة في هذين الوقتين، فهما بالإضافة إلى ذلك تظهر فيهما كل ثروة الشخص وأفراد عائلته وما لهم من مميزات خاصة، ولذلك لا يحب أحد الزيارة في هذين الوقتين حتى لا يطلع أحد على ثروته ومقدراته، لعامل التنافس.
ومع أن في اعتقادهم أن الشيوخ يعالجون كل داء مهما كان سببه إلا أن لديهم ممارسات يفعلونها بأنفسهم وفي اعتقادهم أنها تمنع وقوع السحر فتجدهم ينصبون العظام البارزة في أماكن على أطراف مزارعهم، أو يضعون الكمون الأسود في صرة ويربطونه “حول أعناق أطفالهم، أو يسمون أطفالهم بأسماء-في تقديرهم -قبيحة، كأن يسموا أطفالهم بأسماء كانوا يسمون بها الرقيق سابقا. إلا أن السحر عندهم لا يشكل نسقا اجتماعيا مستقلا في البناء الاجتماعي. وكغيرهم من المجتمعات التقليدية فإن مجتمع الدراسة يحاول بالسحر أن يجد أفراده تفسيرا لما يدور حولهم.
أما وضعهم لعظم الحيوان في مكان بارز في طرف المزرعة ففيه اعتقاد بان أول ما تقع عليه عين الحاسد يصيبه الضرر ولذلك وضع العظم بلونه الأبيض الواضح في مدخل المساحة الخضراء ليلفت نظر الحاسد عن الزرع وتقع على العظم، وإن أصابه الضرر فلا بأس.
ومن أبرز معتقدات مجتمع الدراسة فيما يعرف بـــ “أم الصبيان” ويقول المعالجون إن “أم الصبيان” هي جن تمرد على النبي سليمان (عليه السلام) ويعتقد أفراد مجتمع الدراسة أن أم الصبيان تسبب 24 نوعا من الأمراض، ويعتقد الأهالي أن أم الصبيان متلبسة بطائر البوم، ولذلك فإنهم يتشاءمون منه، ويعتقدون أنه نذير شؤم ينذر بخراب، الديار والسبب وراء هذا الاعتقاد في مجتمع البحث هو أن طائر البوم مؤشر لوجود الأطلال، فهو لا يسكن إلا في الأماكن الهادئة، وأهدأ الأماكن بالطبع هي الأماكن المهجورة أو الديار المهجورة، وعليه ارتبط طائر البوم عند الأهالي بالخراب والدمار ولذلك جاء اعتقادهم في أن طائر البوم هو السبب لأنهم يجهلون طبيعة الطائر المحب للهدوء.
وهناك بعض أنواع الأشجار يحذرها الكبار ويحذرون منها الصغار وهي أشجار-متوفرة في البيئة – الهجليج، السدر والسنط، ويعتقدون أنها مسكونة بالأرواح الشريرة، ولذلك يحذرون الاقتراب منها ليلا، أو قطع جزء منها، وأي محاولة للعبث بتلك الأنواع من الأشجار-خاصة في أوقات الظلام – تعرض العابث لخطر الأرواح الشريرة الساكنة فيها، فإذا ما قطع أحدهم شجرة من تلك الأشجار عليه أن يتحمل نتيجة فعلته، فربما شلت يده، أو أصابه العمى، وفي ذلك يقصون الكثير من القصص، أو تلك التي أوجدتها الصدفة. وإذا حدث وأن اقترب أحدهم من تلك الأشجار أو قطع جزءا منها فعليه أن يردد كلمات الزجر المناسبة ولا ينسى أن يستنجد بروح مؤسس الطريقة المكاشفية الشيخ عبد الباقي المكاشفي.
إن طبيعة البيئة الفقيرة وما ترتب عليها من فقر المراعي والمزارع وتقليدية النشاط الاقتصادي وبدائيته، وما صحب ذلك من علاقات إنتاج، كل ذلك جعل الأهالي يكيفون أنفسهم مع إيكولوجيا المكان، ويحاولون بقدر الإمكان المحافظة
على البيئة. والأشجار المذكورة مع قلتها مفيدة، والعبث بها بلا شك يسبب كارثة بيئية يتضرر منها المجتمع بأسره، ولذلك كان حفاظهم على الأشجار وكعادتهم اتخذوا من الأرواح الشريرة وخطرها على البشر تعبيرا أيدلوجيا يبرر السلوك، ويشجع على استمراره. وفي الواقع فإن أشجارا كثيرة قد قطعت كليا أو جزئيا، ولم يصب أحد بسوء ولكنهم بالفعل يتحاشون قطع الأشجار في وضح النهار لإن أفراد المجتمع يستطيعون مراقبته. أما الليل فينشط فيه بعض لصوص الأشجار ويقطعونها.
إن عملية غرس الأيمان بالغيبيات والأرواح الشريرة من جن وشياطين وغيرها… والخوف منها باعتبارها تسبب الضرر للبشر يدعمها ضعف مقدرات المجتمع على تفسير كثير من الظواهر الطبيعية، وعدم تمكنهم من السيطرة عليها ومحاولتهم حماية البيئة حفاظا على مصالحهم، ويقوي من الأيدلوجيا السائدة إقرار الإسلام بالأرواح الخفية. وبشكل خاص فإن كثيرا من الكرامات المنسوبة لمؤسس الطريقة أو أبنائه تحكى في مجالس السمر وفي المناسبات على مسمع من الأطفال ولذلك يؤمنون بها كما يؤمن بها الكبار كذلك يذكر الكبار كل محاسن مؤسس الطريقة المكاشفية كولي صالح، زاهد، متقشف، تقي، منقطع للعبادة: مغيثا لمن استنجد به، كريما فائض الكرم. كل هذه الصفات المذكورة والمسموعة لدى الطفل تغرس في نفسه حب وتقدير مؤسس الطريقة وأبنائه والإيمان بقدراته الروحية الخارقة، ومثل هؤلاء الأطفال يصيرون في المستقبل أتباعا في الطريقة إذا ما توفرت الأهداف التنظيمية.
وجد الباحث أن كل الأطفال في مجتمع الدراسة يحفظون قصصا عن أفعال ارتكبتها أرواح شريرة بحق البشر سواء في ذات الأنسان أو في أشياء تخصه وأن كل أطفال الدراسة قد مارسوا أو دفعوا لممارسة أفعال محددة بهدف درء خطر الأرواح الشريرة، وحسد الحاسدين من بني البشر ذوي العيون الحارة “شريرة” على حد اعتقاد الكبار، كما أن معظمهم قد أخذ إلى العلاج بوسائل روحية. وثمة أماكن محددة يتحاشاها الكبار ويحذرون منها الصغار كأن يحذر الطفل من العبث بأي قط أو كلب ليلا، خاصة أن كان ذا لون أسود أو داكن، لأن في اعتقاد الكبار أن القط الأسود أو الكلب الأسود يكون متلبسا بالجن.
إن اتهام أفراد مجتمع البحث بأن الكلاب والقطط السوداء أو الرمادية، بأنها متلبسة بالجن، يأتي كتعبير لتبرير حرصهم على السلامة والابتعاد عن الحيوانات الخطرة عديهم بحجة أنها متلبسة، وتحديدهم اللون الأسود لا يعني
فقط الأسود، فهو يعني بالإضافة إلى الأسود أي لون خلاف الأبيض، وخاصة أن كل الألوان عدا الأبيض تبدو سوداء أو داكنة بفعل قتامة الرؤية ليلا في البراري، وأن مثل هذه القصص الهدف منها التحذير بضرب الأمثلة العملية. وفي الواقع أن أفراد مجتمع الدراسة يربون الكلاب والقطط بمختلف ألوانها ويستخدمونها في الحراسة والصيد. وكما يستخدمون الكلاب يستخدمون القطط المنزلية لمحاربة الفئران والثعابين، وبالتالي يمكن اعتبار التحذير مقصورا على الكلاب والقطط الضالة.
كذلك يعتقد أفراد مجتمع الدراسة في أن الثعابين يمكن أن تتلبس بالجن فإذا ما اعترض طريقك ثعبان فهذا يعني أن روحا شريرا يقف بينك وبين هدفك المقصود الذي خرجت إليه، فإذا كان الوقت ليلا ردد الشخص عبارات الزجر مثل البسملة، وبعض آيات القرآن الكريم، أو الاستنجاد بمؤسس الطريقة المكاشفية الشيخ عبد الباقي المكاشفي أو أحد أبنائه، أما إذا كان الوقت نهارا فإن الشخص يعمد إلى قتل الثعبان، ويتعامل معه كأي زاحف يشكل خطرا على حياته وحتى قتل الثعبان له تبرير أيدلوجي، فيبررون لقتل الثعبان بأنه : ثأر لأبي بكر الصديق – الخليفة الأول للمسلمين- الذي لدغه الثعبان في الغار في رحلة الهجرة مع النبي-صلى الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة . ويما أن الثعبان عطل الرحلة أو حاول تعطيلها لبعض الوقت فقد اعتبره الأهالي عارضا يحول بين المر وأمانيه. لاحظ أن أفراد مجتمع البحث استخدموا تعبيرين لكائن حي واحد، التعبير الأول على كونه روحا شريرة يجب زجرها والابتعاد عنها لاتقاء شرها، وهذا التعبير يعكس خوفهم من خطر الهوام في الظلام لأن الظلام في صالحها إن هو هاجمها أو اقترب منها، أما التعبير الثاني فيمثل الثعبان كعدو تأريخي يجب قتله ثأرا لفعل عدائي ارتكبه في حق شخص مقدس هو الخليفة أبوبكر الصديق. وهذا التعبير جاء مبررا لقتل الثعبان لأن البدوي لا يعبث بمكونات البيئة إلا بمبرر أخلاقي، وفي هذا يأتي قولهم عندما يشرعون في قتل ثعبان – “ثأر بابكر الصديق”.
ويسود الاعتقاد في أن الرماد وغيره من الأماكن القذرة مسكونة بالجن والشياطين، والغرض منه تبرير ابتعاد الأطفال عن تلك الأماكن ابتغاء لسلامتهم.
وثمة أماكن أخرى يتحاشاها الكبار ويحذرون منها الصغار مثل الأمكنة المهجورة، سواء أكانت، منازل رحل عنها ساكنوها أم مدارس مغلقة، أم مخازن متروكة وأهملت، باعتبار أن الجن والشياطين قد اتخذتها مسكنا لها، وما من طفل إلا وتجده يبتعد عن هذه الأماكن. كالعادة لا يكتفي الكبار بالتحذير فقط، بل يقصون القصص بهدف توضيح المقصود والتخويف عمليا بضرب الأمثلة والحكايات.
إن مثل هذه الحكايات والتحذيرات لا تنقطع، وتجد في مجتمع البحث أن الأطفال يستمتعون بسماع تلك القصص، ويعتقدون كما الكبار في خطر الأرواح الشريرة، ودائما يلقن الكبار الصغار العبارات الزاجرة للأرواح الشريرة، كأن يطلبوا منهم ترديد عبارة “بسم الله … بسم الله” أو “يا مكاشفي” أو يا أبو عمر أو غيرها من ألقاب المؤسس أو أبنائه، وذلك في حالة ارتكاب محظور وعليه تجد الأطفال في مجتمع الدراسة يتحاشون ويخافون تلك الأمكنة المحذر منها وإن اضطر أحدهم وارتكب محظورا فإنه يردد ما قيل له من كلمات الزجر وهذا يغرس في نفوس الأطفال الاعتقاد في الأرواح الشريرة وأماكن تواجدها وخطرها ومقدرة المكاشفي على زجرها وحمايتهم منها.
الأطفال يحملون إلى الشيخ بقصد العلاج الروحي من مرض ألم بهم، أو أخذهم إلى الأضرحة، من أجل حماية هؤلاء الأطفال من خطر الأرواح الشريرة وحسد الحاسدين وطلب النجاح، وفك النحس / وتحسين الحظ.
المكاشفية:
السند والنشأة :
سند الطريقة:
أسس الطريقة القادرية المكاشفية الشيخ عبد الباقي المكاشفي بن الشيخ عمر بن الشيخ أحمد بن السيد محمد الهارب الذي يتصل نسبه بالأمام علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء بنت النبي -صلى الله عليه وسلم -ولو أن اسم المكاشفي يعود لأول جد لآل المكاشفي -مولود بالسودان -هو أحمد بن السيد محمد الهارب، إلا أن مجرد ذكر المكاشفي فإن الذهن ينصرف إلى مؤسس الطريقة الشيخ عبد الباقي المكاشفي. توفي الشيخ عبد الباقي المكاشفي في يوم 3/6/1960 م بقرية الشكينيبة، بعد أن ترك إنجازات روحية عظيمة.
نشأة الطريقة:
كانت المجتمعات السودانية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين الميلادي قد تعرضت لهزات عنيفة خلخلت بنياتها الاجتماعية، ففي العام 1881م كانت بداية الثورة المهدية والتي ترتبت عليها حروبات دامت لمدة خمس سنوات، بعدها كانت الصراعات الأهلية وما ترتب عليها من أعمال سلب ونهب إبان الدولة المهدية، بعدها واصل المستعمر الإنجليزي في قهر كل من حاول معارضة الاستعمار.
أدت تلك الأحداث إلى خلخلة البنيات الاجتماعية القائمة آنذاك وبعد الاستقرار كان بالطبع أن يعيد المجتمع توازنه وتجديد بنياته، وهنا استطاع الشيخ عبد الباقي المكاشفي أن ينشئ طريقته ويمكن القول إن خلخلة البنيات الاجتماعية وحاجة المجتمع لتنظيم اجتماعي يلبي احتياجاته، الشيء الذي يعد العامل الرئيسي في بروز الطريقة المكاشفية في مجتمع الدراسة، كانت البداية الفعلية للطريقة المكاشفية في مطلع القرن الماضي في قرية “الصنقور” بالقرب من مدينة سنار الحالية، وقد تجمع حول المؤسس الأتباع، وصادف ذلك قيام حركات دينية عديدة في السودان، مناهضة للحكم الإنجليزي باعتباره الوجه السياسي المنافي للإسلام كأيدلوجيا، ويرى البريطانيون أن المهدية لم تنته بالرغم من معركة كرري الفاصلة، وبذلك اعتبروا كل الحركات الدينية المناوئة لهم محاولة لإعادة دولة المهدية ([26])
في هذا الظرف لفت انتباه المستعمر الإنجليزي نشاط الشيخ عبد الباقي المكاشفي في قرية “الصنقور”، خاصة أن الأسرة المكاشفية كانت مساندة للثورة المهدية ([27])، فقام الحاكم العام باستدعاء الشيخ عبد الباقي المكاشفي إلى الخرطوم، فقد كان الشيخ عامر المكاشفي، وشقيقه أحمد المكاشفي قائدين ميدانيين في الثورة المهدية، وأبليا في المعارك التي خاضاها ضد الأتراك، فقد استشهد أحمد المكاشفي في شرق السودان وهو الشقيق الأكبر للشيخ عبد الباقي المكاشفي والذي تولى تربيته منذ صغره. وعليه ربط الحكام الإنجليز بين تاريخ أسرة المكاشفية ونشاط الشيخ عبد الباقي المكاشفي، وظنوها حركة دينية ذات توجهات سياسية ولما تبينوا أن لنشاطه اجتماعي فقط، أخلوا سبيله، إلا أنهم أمروه بالرحيل من قرية “الصنقور” البعيدة عن ود مدني، وطلبوا منه الإقامة بالقرب من ود مدني عاصمة المديرية آنذاك، حتى تسهل مراقبته، فوقع اختيار الشيخ عبد الباقي المكاشفي على قرية الشكينيبة الحالية وكان ذلك في عام. 1910 م
وجاء اختياره لقرية الشكينيبة لأنها أقرب لود مدني -على بعد حوالي 90 كيلومتر نحو الغرب -ولا يستطع الاقتراب أكثر من ذلك من مدينة ود مدني، أو من النيل الأزرق عامة لأنها مناطق تسيطر عليها ثلاث قبائل هي: قبيلة
العركيين، والمسلمية، والحلاويين، الأولى ولاؤها للطريقة العركية، والثانية ولاؤها للطريقة البدرية، أما الحلاويين فهم معارضون للفكر الصوفي والطرق الصوفية تبعا لتوجهاتهم المهدوية آنذاك، بل أن ابتعاده أكثر من “الشكينيبة” يعني فقده لاتباعه من قبيلة الكواهلة التي ينتمي إليها انتماء فعليا، وبالتالي كانت قرية الشكينيبة هي الأنسب، فهي تكاد تكون واقعة على الحدود بين قبيلتي الكواهلة والعركيين، ولأن بها منخفضا يمكن أن يكون حفيرا ضخما يحل مشكلة المياه في تلك المنطقة الواقعة في الوسط بين النيلين الأبيض والأزرق، ولذلك كان اختياره لقرية الشكينيبة موفقا.
صحب انتقال الشيخ عبد الباقي المكاشفي إلى قرية الشكينيبة تعبيرا يبرر قناعة الحاكم العام للسودان في أن المكاشفي فعلا ذو بصيرة نافذة، وولي صالح من أولياء الله الصالحين. وفى الحقيقة فأن صفات “المكاشفى” أهلته إلى القيادة الروحية والزمانية فهو ذو بصيرة نافذة وقدرة فائقة في إدراك المعطيات واستنتاج الروابط بينها مما مكنه من اختيار الحل أو القرار الأنسب من بين الحلول أو القرارات المتاحة أو ابتكار حلول جديدة، هذا بالإضافة إلى قدرته العظيمة على فهم الواقع والتنبؤ وبناء إسقاطات محتملة للمستقبل ولذلك لقب بــ “المكاشفي”.
استطاع المكاشفي أن يقدم تفسيرا للزهد يتناسب مع حالة الفقر والأزمات التي كان يمر بها مجتمعه فقد اختار التقشف معنى للزهد مارسه عمليا في رفضه القاطع لأي شكل من أشكال الادخار والاكتناز فقد كان يوزع على أتباعه وغيرهم كل الهبات التي تصل إليه، واختار لنفسه أبسط أنواع المأكل والمشرب والملبس والمسكن.
كان متعلما، وعارفا بثقافة مجتمعه ومدركا لمشكلاته ولاحتياجاته، ومن ميزاته الفذة انه كان ذا عزيمة وصبر وجلد وشجاعة، كان متواضعا بالرغم من مظهره المهيب، سخر كل إمكانياته الذاتية المذكورة في بناء تنظيم فعال اسمه الطريقة المكاشفية ([28]).
في قرية الشكينيبة وجد الشيخ عبد الباقي المكاشفي معارضة شديدة من سكانها من قبيلة الحسينات، أدرك أن هذا الاعتراض لا يزول إلا بتطوير علاقات إيجابية فيما بينهم وأسهل الوسائل في هذا الشأن هي المصاهرة، إذ أن المصاهرة
تعني المشاركة في الحقوق والواجبات على الأقل بين عشيرتين، وقد فعل الشيخ عبد الباقي المكاشفي وتزوج زوجتين من أهل القرية، أدتا إلى دمج الأسرة المكاشفية جزئيا في المجتمع المحلي، وانتهت المعارضة إلى حين، بعدها تفرغ الشيخ لبناء طريقته الجديدة.
قلنا إن الطريقة المكاشفية نشأت حين كانت كل المجتمعات السودانية في وسط السودان في حالة إعادة بنياتها، ثم أن طبيعة الإنتاج في مجتمع الدراسة كانت مثالية لنشوء تنظيم اجتماعي يفي باحتياجات أفراد المجتمع، وكان أنسب تنظيم هو الطريقة الصوفية. كان الإنتاج الزراعي تقليديا يقوم على الزراعة المطرية، وهـذا النمط من الإنتاج كما أسلفنا كان نمطا معيشيا وكذلك الرعي، وثمة فائض كان المجتمع في حاجة لجمعه وتوزيعه لسد الفجوات الغذائية، إذ أن مجتمع الدراسة كثيرا ما تعرض لمجاعات أشهرها التي حدثت في فترة الدولة المهدية في عام 1306هـ، وأودت بحياة الكثيرين من أفراد المجتمع.
ظهرت في مجتمع -الدراسة آنذاك شخصيات عملت على تحقيق أهداف المجتمع العليا، منهم على سبيل المثال “بشير ود كريف ” في ذلك الوقت كان” ود كريف” يقدم الزاد لعدد كبير من الفقراء والضيوف العابرين ومصدر دخله كان ما ينتجه من محصول الأرض التي يفلحها عبيده أو ما تجود به قطعانه ([29]).
فقد كانت عملية توزيع الفائض من الإنتاج إحدى وسائل المجتمع في تحقيق الأمن الغذائي. والتعبير الأيدلوجي الذي تبناه ود كريف هو أصالة الكرم العربي، وضع المجتمع الشخص الكريم في أعلى الدرجات الاجتماعية لأنه يعبر عن مصلحة المجتمع العليا في درء خطر المجاعات.
انتهت مجهودات “ود كريف ” لأنه لم ينشئ تنظيما اجتماعيا قائما على الأخذ والعطاء في دائرة مكتملة، في مثل هذه الظروف بدأ الشيخ عبد الباقي المكاشفي في تأسيس الطريقة المكاشفية المستقلة، وكانت كل العوامل متوفرة، وظهرت قرية الشكينيبة كمركز لإعادة توزيع الفائض لكن ليس على طريقة “ود كريف” ومنذ يومها أصبحت نواة الطريقة الجديدة. والفائض المتراكم هنا يختلف في وسيلة تراكمه عن حالته الأولى، ففي الأولى كان المجهود فرديا، أو في إطار الأسرة الصغيرة وحتما تنتهي إعادة التوزيع بعجز الفرد أو أسرته في تكوين فائض جديد يتم توزيعه. بينما في حالة الطريقة المكاشفية فإن التراكم يتم عن طريق التبرعات والهبات والنذور وحق البركة، أي أن الفائض يتم جمعه من أفراد المجتمع. ومن ثم تبدأ إعادة توزيعه على أفراد المجتمع نفسه. وطريقة التراكم هذه لا ترتبط بأفراد وإنما ترتبط بمجتمع وبالتالي بقاؤها مرهون بحاجة المجتمع لها، وأن وظائف الطريقة لم تنحصر في إعادة التوزيع فقط، فقد شمل نشاط الطريقة التعليم والعلاج الروحي والبدني ومحاولة السيطرة على الطبيعة بوسائل غير ملموسة، ولعب الشيخ المكاشفي وتلاميذه دور الوسطاء بين أتباعهم وأفراد المجتمع في حل النزاعات.
وجد المجتمع في الطريقة المكاشفية التنظيم الأمثل الذي من خلاله يستطيع تحقيق ما أمكن من احتياجاته، وفي المقابل استطاع ” المكاشفي” وضع الأسس الموضوعية لبناء تنظيم دائم له خصائصه وأهدافه، فبعد حوالي 15 عاما من إقامته في قرية الشكينيبة، أمر اتباعه بحفر الحفير وكان ذلك في عام 1927 -1928م ([30]). وتعتبر الحفير من أهم ركائز الطريقة المكاشفية آنذاك لفضلها كان استقرار كثير من العرب الرحل في قرية الشكينيبة بالإضافة إلى استقرار شيوخ الطريقة.
كانت نشأة الطريقة المكاشفية متزامنة مع التحولات الاقتصادية التي حدثت في السودان، فخطوط السكة حديد ربطت أطراف السودان مرورا بالوسط، وهذه من شأنها خلق علاقات إنتاج رأسمالية بتسهيل نقل البضائع، فالحيوانات التي كانت من غير المجدي الاتجار بها، أصبحت في ظل وجود السكة حديد سلعة اقتصادية يمكن نقلها لمسافات بعيدة حتى خارج السودان، ومحاصيل مثل الذرة والدخن أصبح من الممكن بيع الفائض منها في الأسواق الداخلية، وبالإضافة للسكة حديد فقد أدخل الإنجليز عربات النقل (اللواري) فسهلت كثيرا من حركة نقل البضائع والبشر وتدريجيا بدأ تنظيم الطريقة المكاشفية، يفقد بعض أهميته في توزيع الإنتاج الفائض. وفي العام 1956م نال السودان استقلاله وقلت القيود المفروضة على التجار السودانيين، وتوفرت أمامهم فرص أكبر في الاستثمار وتوسعت البنية التحتية وازداد النشاط الرأسمالي وعلاقاته الإنتاجية أصبحت أكثر تأثيرا ([31])، وبعد أقل من عقد من الزمان تم توسيع مشروع الجزيرة بإضافة امتداد المناقل ([32])، ليضعف علاقات الإنتاج قبل الرأسمالية وهذه الفترة كانت أصعب الفترات على تنظيم الطريقة المكاشفية، ففي عام. 1960م ([33]) توفى الشيخ عبد الباقي المكاشفى مؤسس الطريقة ذو الكارزيما الأسطورية في وسط السودان، مع إرهاصات امتداد المناقل، فبدأ خلفاء السجادة في ظرف عصيب، وكان على أبنائه الحفاظ على الطريقة متماسكة وقد نجحوا في ذلك.
في العام 1971 م وما بعده، كان نظام مايو في حاجة لمصدر سند جماهيري فوجد في الطريقة المكاشفية أحد أهم مصادر السند الجماهيري، وفي المقابل فإن الطريقة المكاشفية وجدت في النظام المايوي وسيلة لتحقيق احتياجات أتباعها، مما انعكس إيجابا على انتشار الطريقة.
بعد نظام مايو ظلت العلاقة بين الطريقة المكاشفية والأنظمة الحاكمة كما هي عليه، خاصة في نظام “الإنقاذ الوطني” الذي تبنى أيدلوجيا من نفس مصدر أيدلوجيا الطرق الصوفية.
أن السياقات الاقتصادية الاجتماعية لم تقض على كل وظائف الطريقة المكاشفية كتنظيم اجتماعي، فالفقر وما صحبه من أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية مع اعتبار نسق المعتقدات التي ذكرناه -أبقت على وظائف الطريقة مثل علاج الأمراض النفسية والعصبية والأمراض العضوية المستعصية بالإضافة إلى قدرة الطريقة على تجديد الأهداف والوسائل معا.
المناقشة والنتائج
نشأت الطريقة المكاشفية نتيجة لحاجة المجتمع لتنظيم اجتماعي يفي باحتياجات أتباعه خاصة، وأفراد المجتمع عامة، في ظل علاقات الإنتاج قبل الرأسمالية، وفي هذه المرحلة كانت حاجة المجتمع الماسة للأمن الغذائي الذي يمكن توفيره بإعادة توزيع الإنتاج الفائض. وقبل توزيعه كان لابد من جهة يتجمع عندها. ومن “هنا جاءت حاجة المجتمع للتنظيم باعتباره الجهة القادرة على تجميع وإعادة توزيع الفائض، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “سالم” في أن الطرق الصوفية نشأت في وسط السودان لحاجة المجتمع لإعادة توزيع الفائض والذي من الصعب إعادة استثماره في ظل علاقات الإنتاج المعيشية.
وقد ساعد الطريقة على الاستقلال بذاتها فترة انهيار البنيات الاجتماعية إبان الدولة المهدية، الشيء الذي ترتب عليه بعد زوال الدولة المهدية محاولة تلك المجتمعات لإعادة بنياتها الاجتماعية، وهذا يعني أن التنظيمات الاجتماعية كانت في حالة مشابهة، وفي هذه الظروف استطاع الشيخ عبد الباقي المكاشفي تكوين طريقة خاصة به وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “عثمان” في أن محاولة أي شيخ فرعي الاستقلال تؤدي إلى فصله من الطريقة، ما لم يكن ذلك الشيخ قد تعدى مرحلة الفصل. أي أصبح بمقدوره تكوين تنظيم خاص به بالرغم من رفض الطريقة الأم، إما لضعفها أو لقوة الشيخ المنشق.
ومن جانب آخر فإن كارزمية مؤسس الطريقة المكاشفية كانت قادرة على الأبداع وجذب الأتباع في ظروف مواتية، وهذا أيضا يتفق مع ما ذهب إليه “الضوي” في أهمية مقدرات الشيخ الفردية، وما ذهب إليه “عثمان” في أن صفات الشيخ الجاذبة هي أحد عوامل انتشار الطرق الصوفية.
استطاعت الطريقة المكاشفية أن تعبر عن احتياجات مجتمعاتها في مختلف الظروف، فلم تعد الطريقة المكاشفية تنظيما دينيا بهدف التعبد فقط ففي بداية تأسيسها كانت تأوي “الجوعى والمرضى وطالبي العلم وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “بدري” في أن الطرق الصوفية في مجتمعاتها التقليدية توفر لاتباعها احتياجاتهم الإنسانية.
وقد ساعد الطريقة المكاشفية في الانتشار بقاء مركز الطريقة والمجتمع القائمة فيه فترة من الزمن تزيد قليلا عن الخمسين عاما خارج إطار مشروع
الجزيرة وتأثيراته المباشرة، وهذا يعتبر عامل أفضلية للطريقة على الطرق الأخرى في الوسط، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “سالم ” في أن طبيعة الإنتاج هي العامل الرئيسي في نشأة الطرق الصوفية.
وقد لعبت علاقات المصاهرة دورا كبيرا في انتشار الطريقة المكاشفية، فقد تزوج شيوخ الطريقة المكاشفية (المؤسس وأبناؤه) 52 زيجة منها 50 حالة خارجية، وبالطبع فإن الزواج الخارجي في مجتمع تقليدي له تأثير فعال في خلق علاقات إيجابية بين الأسرتين المتصاهرتين، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “عثمان” في أن الطريقة المكاشفية قد انتشرت نتيجة لحالات الزواج الخارجي وتعدد الزوجات.
كما يعد التوافق بين أيدلوجيا المجتمع وأيدلوجيا الطريقة المكاشفية أحد أهم عوامل انتشار الطريقة، فقد كانت أيدلوجيا الطريقة تناسب تماما احتياجات المجتمع وتعطي تفسيرا لما يدور حول أفراد المجتمع من ظواهر اجتماعية وطبيعية. فقد استوعبت الطريقة المكاشفية الممارسات الشعبية والمعتقدات المحلية واستصحبت ذلك في أيدلوجيتها، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “فضل” في أن التصالح والتسامح مع الموروث الشعبي يعد أحد أهم عوامل انتشار الطرق الصوفية في السودان.
ولم يتمترس شيوخ الطريقة المكاشفية خلف أيدلوجيا جامدة بل سعوا إلى التوافق مع الحراك الاجتماعي وما ينتج عنه من تغيير في البنى الفوقية لثقافة المجتمع، فقد استطاعت الطريقة المكاشفية تعديل بعض تعبيراتها السابقة تلك التي تتعلق بأمور في رأي المسلم هي من الأقدار المكتوبة، مثل الحياة والموت، فلم تعد تنسب مثل هذه الإنجازات الروحية لأي من شيوخ الطريقة أو مؤسسها كما كان سابقا وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “بيومي” في أن التنظيم الديني الناجح هو الذي يستطيع أن يعدل من أيدلوجيته ليواكب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
وبعد التطورات الاقتصادية الاجتماعية وتحسن مستوى المعيشة، فقد أصبح للزهد معنى أوسع من التقشف، فقد أضحى حي المسيد أبهى وأغنى حي في الشكينيبة واقتنى أبناء المؤسس التقنيات الحديثة ومارسوا التجارة، وهذا يتفق
مع ما ذهب إليه “إدريس سالم” في أن قيم التقشف عبارة عن مبررات لحالة الفقر.
وبالرغم من تخطي الطريقة المكاشفية لقيود القبلية بسبب أن ليس للأسرة قبيلة سودانية تنتمي لها بالنسب الأبوي، وأن أيدلوجيا الطريقة لم تحصر العضوية في إطار الأسرة والقرابة، إلا أنها استطاعت أن تتمركز حول قبيلة الكواهلة ذات الانتشار الواسع في المنطقة، وبذلك أصبح هناك ثقل قبلي يدعم الطريقة مثلما للطريقة العركية، والبدرية، وعليه أصبحت الطريقة في ندية تامة على الأقل مع الطرق حولها فيما يختص بالاستقطاب القبلي، وهذا ما ذهب إليه الباحث في تحليله لاختيار الشيخ “تاج الدين البهاري ” لخمس شخصيات من قبائل مختلفة، لأن طبيعة البناء القبلي والعشائري لا تسمح باختيار قائد واحد لأكثر من قبيلة، فقد أشار “الضوي” إلى أن الطريقة الإسماعيلية في الأبيض يتمركز حولها أفراد “البديرية ” لأن مؤسس الطريقة من نفس القبيلة. وأصبحت الأن الأسرة المكاشفية تنتمي عمليا لقبيلة الكواهلة -إلا أن نسبها الفعلي إلى آل البيت -نتيجة لعلاقات المصاهرة التي تحولت إلى علاقات “دم” منذ الجدة الأولى “مريم بنت جلوك” الكاهلية.
وفيما يختص بالجانب التنظيمي للطريقة فإن التنظيم الهرمي وتكريس السلطة في يد أسرة المكاشفية أدى إلى سيطرة الأسرة على التنظيم مع قيادة روحية بالوراثة، استطاعت أن تجنب التنظيم مخاطر الانشقاق والترهل، فقد كانت طريقة الخلافة المتبعة حتى الأن في خط الأبناء وسيلة ناجحة جنبت أبناء وأحفاد المؤسس الصراع على الخلافة، كما أن الطريقة باستخدامها لحق التسليك -وهو حق روحي -والاختبارات الروحية استطاعت أن تختار أفرادا ليكونوا شيوخا فرعيين مخلصين للطريقة ومؤثرين اجتماعيا وبالتالي تفادت الطريقة خطر انشقاق الشيوخ الإقليميين “الفرعيين”. وهذا ما ذهب إليه “بيومي” في أن لاتساع التنظيم مخاطر تؤدي إلى إضعاف التنظيم، وبالطبع هذا يؤدي إلى استقلال بعض قادة التنظيم بأنفسهم. ومما ساعد الطريقة على الانتشار حق التسليك المكتسب لأي من أبناء المؤسس، هذا الحق التي جعل كل واحد منهم مستقلا بذاته لحد ما، وهذا ما يجعله يجمع حوله أكبر عدد من الأتباع مما يقتضي بذل جهد فردي دون انتظار مجهودات خليفة الطريقة، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “عثمان” في أن حق التسليك كان أحد عوامل انتشار الطريقة.
وبالرغم من انتشار الطريقة الواسع في وسط السودان إلا أن الطريقة حتى الأن لم تشهد بوادر انفصال نتيجة لنظام الإدارة الهرمي وتبعية أي زاوية في الأقاليم لشيخ مركزي مباشرة وتفعيل دور الزاوية في الربط بين الأتباع في الأقاليم وشيوخ الطريقة في المركز وتدرج المناصب الروحية من تابع إلى فقير إلى مقدم إلى شيخ إقليمي إلى شيخ مركزي، كل ذلك أدى إلى تفاعل أجزاء التنظيم البنائية بدرجة جعلت التنظيم متماسكا منذ نشأته وحتى الأن وهذا ما ذهب إليه “بيومي” في أهمية تفاعل أجزاء التنظيم البنائية في تماسك.
كل ذلك أدى إلى نجاح الطريقة كتنظيم اجتماعي في تحقيق أهدافها، خاصة تلك المتمثلة في العلاقة بين الشيخ والمريد، أو بين الشيوخ أنفسهم أو بين المريدين في بعضهم البعض.
كما أدت التداعيات الأيكولوجية المتمثلة في فقر الموارد في مجتمع الدراسة، وقسوة الطبيعة إلى تكوين نسق معتقدات مبني على الأيمان بقوة غيبية تؤثر على البيئة من حولهم وعلى نشاطاتهم، واعتقدوا في الأرواح الشريرة، جعلوا منها مصدر خطر يهدد وجودهم ومصالحهم. وبما أنهم قد تصوروا وجود قوة خفية تهدد مصالحهم فقد وضعوا لها قوة مضادة بغرض إبطال مفعول قوى الشر والقوة الثانية كانت اعتقادهم في القوة الروحية للأولياء والصالحين وعبارات الزجر المناسبة وكانت محاولتهم للاستفادة من القوة الروحية في تسخير الطبيعة وفك النحس وتحسين الحظ، والشفاء من الأمراض المستعصية وغيرها من صعاب الحياة. وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “الضوي” في أن الإنجازات الروحية للشيخ إسماعيل الولي كانت أحد عوامل انتشار الطريقة الإسماعيلية في الأبيض، ويتفق مع هـا ذهب إليه “فضل” في أن الكرامات كانت أحد أهم عوامل جذب الأتباع حول شيوخ الطرق الصوفية وليس بالضرورة أن تكون القوة الروحية مسخرة فقط لخدمـة المجتمع فقد تكون مستخدمة في تأديب العصاة على التنظيم، وبالتالي تكون قوة ضبط وردع، وهذا ما ذهب إليه “كرسني” في أن أهل الدامر يخشون شيوخ المجاذيب في أن يوقفوا عنهم المطر.
انتساب المكاشفية لإل البيت أحد العوامل المساعدة على انتشار الطريقة المكاشفية، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه “سالم” في أن المتصوفة يعتقدون أن العلم اللدني متوارث وأن الأمام علي بن أبي طالب هو عمدة المتصوفة، ويتفق مع ما ذهب إليه “البار” في أن الأمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء قد ورثا العلم اللدني وأورثاه لابنهما الحسين بن علي.
كما ساعد الطريقة المكاشفية على الانتشار والصيرورة عملية التنشئة الاجتماعية القائمة على أساس غرس القيم الاجتماعية السائدة بما في ذلك نسق المعتقدات، وهذا يتفق مع ما أشار إليه “الضوي” في عوامل انضمام الأفراد للطريقة الإسماعيلية في الأبيض وأكد عليه “عثمان”، في أن لعملية التنشئة الاجتماعية دورا كبير في أن يصبح الفرد عضوا في الطريقة.
أضف إلى ذلك موقع مركز الطريقة في وسط السودان في منطقة سهلية خالية من موانع التنقل بكل الوسائل المتوفرة والممكنة.
خاتمة:
في مطلع القرن العشرين الميلادي توفرت للطريقة المكاشفية فرصة مواتية للنشأة، فقد نشأت الطريقة في موقع وسطي خال من الموانع الطبيعية توفرت فيه عوامل الاستقرار وسهولة الوصول إليه، في ظروف مثالية أشبه بتلك الظروف التي نشأت فيها الطريقة القادرية نفسها في أواخر القرن السادس عشر الميلادي.
وكان لشخصية المؤسس أثر بالغ على نشأة الطريقة تمثل في الدفعة القوية للطريقة، فقد بنى تنظيما اجتماعيا ناجحا استطاع أن يسهم في إشباع احتياجات أفراد المجتمع المادية والروحية، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية، تنظيم توفرت له الأيولوجيا المرنة التي مكنته من التكيف والصيرورة في سياقات مختلفة، أيدولوجيا استوعبت نظم المعتقدات السائدة، فيما استطاع خلفاء المؤسس المحافظة على تماسك التنظيم (الطريقة) بقدرتهم الفائقة على تفعيل مكوناته البنائية، أضف إلى ذلك تمكن المؤسس وأبناؤه وأحفاده من مد علاقات اجتماعية واسعة مع الأخرين مستفيدين من علاقات الزواج الخارجي وتعدد الزوجات والتنشئة الاجتماعية.
المراجع:
- إدريس سالم الحسن -مقالات في المعرفة والثقافة والمجتمع –مركز الدراسات الاستراتيجية -الخرطوم -2001م.
- إدريس سالم الحسن -الدين في المجتمع السوداني -نميري والطرق الصوفية -ترجمة: مركز الدراسات الاستراتيجية-الخرطوم -2001 م.
- تاج الأنبياء على الضوي-الطريقة الإسماعيلية في الأبيض-(مقال) -مجلة المجتمع-العدد (1) -جامعة الخرطوم -كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية -1969 م.
- عبد الله محمد عثمان -المكاشفية: إحدى الطرق الصوفية في السودان – رسالة ماجستير-جامعة الخرطوم -1978م. ترجمة: أسماء محجوب.
- عوض إبراهيم عبد الرحمن الحفيان -أسس التنمية الريفية ودور الزراعة في السودان -الطبعة الأولى -1995م.
- عوض السيد الكرسني -الطريقة المجذوبية: فكرها وتنظيمها ونظامها السياسي – رسالة ماجستير -جامعة الخرطوم-1975 م -ترجمة: أسماء محجوب.
- محمد أحمد بيومي، -علم الاجتماع الديني ومشكلات العالم الإسلامي – دار المعرفة الجامعية للطبع والنشر والتوزيع -2000 م.
- محمد علي البار-الأمام على الرضا ورسالته في الطب النبوي –دار المناهل -بيروت -الطبعة الثالثة -1992م.
- محمد سعيد القدال-تاريخ السودان الحديث –مركز عبد الكريم ميرغني – الطبعة الثانية -2002 م.
- محمد سعيد القدال-الانتماء والاغتراب –دار الجيل -بيروت-الطبعة الأولى -1992م.
- محمد يعقوب الكليني -أصول الكافي -الجزء الأول –دار التعاون للمطبوعات -بيروت – 1990م
- يوسف بدري -المك والفكي -(مقال ) – مجلة المجتمع – العدد (5) – جامعة الخرطوم – كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية 1972م
- يوسف فضل -تحقيق طبقات ود ضيف الله -معهد الدراسات الأفريقية والأسيوية.
[1] هذا البحث جزء من أطروحة ماجستير أنجزت في جامعة الخرطوم في عام 2005 م.
[2] التقدير للباحث في زيارة لمركز الطريقة قرية الشكينيبة في ذكرى الإسراء والمعراج من سنة 1422ه
[3] عبد الله محمد عثمان -المكاشفية: إحدى الطرق الصوفية في السودان -رسالة ماجستير -جامعة الخرطوم -1978م. ترجمة: أسماء محجوب.
[4] محمد أحمد بيومي -علم الاجتماع الديني ومشكلات العالم الإسلامي-دار المعرفة الجامعية للطبع والنشر والتوزيع – 2000م – ص 268.
[5] المرجع نفسه -ص 280
[6] محمد سعيد القدال -تاريخ السودان الحديث -مركز عبد الكريم ميرغني -الطبعة الثانية -2002 م – ص 21.
[7] سالم -الدين في المجتمع السودان: نميري والطرق الصوفية -مرجع سابق –ص 41.
[8] المرجع نفسه – ص 41.
[9] بيومي -مرجع سابق -ص
[10] يوسف فضل -تحقيق طبقات ود ضيف الله -معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية -ص3.
[11] م تاج الأنباء على الضوى-الطريقة الإسماعيلية في الأبيض-(مقال )- مجلة المجتمع – العدد (1) –جامعة الخرطوم – كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية – 1969 م – ص132
[12] م يوسف بدري -المك والفكي-(مقال) مجلة المجتمع -العدد (5) -جامعة الخرطوم -كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية -1972 م –ص1.
[13] عوض السيد الكرسني -الطريقة المجذوبية: فكرها وتنظيمها ونظامها السياسي -رسالة ماجستير-جامعة الخرطوم -1975 م. -ترجمة: أسماء محجوب.
[14] عبد الله محمد عثمان -، المكاشفية: إحدى الطرق الصوفية في السودان -رسالة ماجستير -جامعة الخرطوم -1978 م. ترجمة: أسماء محجوب
[15] إدريس سالم الحسن -مقالات في المعرفة والثقافة والمجتمع -مركز الدراسات الاستراتيجية -الخرطوم -2001 م -ص 291
[16] محمد سعيد القدال -الانتماء والاغتراب -دار الجيل -بيروت -الطبعة الأولى -1992م -ص 4.
[17] إدريس سالم الحسن -مقالات في المعرفة والثقافة والمجتمع -مرجع سابق -ص 110.
[18] مقابلة مع: الشيخ محمد الهارب -في يوم .20/8/2002 م -بمنزله بقرية الشكينيبة.
[19] أنظر: أطلس السودان.
[20] عوض إبراهيم عبد الرحمن الحفيان -أسس التنمية الريفية ودور الزراعة في السودان -الطبعة الأولى -1995م -ص 22.
[21] علم الحقيقة اصطلاحا عند المتصوف يعني ” العلم اللدني” وهو سر الله الذي يختص به من اختاره من عباده”. أو هو ” علم الباطن سر من أسرار الله تعالى وحكمة من حكم الله تعالى يقذفه في قلوب من يشاء من عباده” والباطن عند المتصوفة هو علم ما وراء ظاهر النص الديني “القرآني” ففي رأيهم أن النص له بعدين الأول معنى -ظاهر وهو ما يأخذ به أهل الشريعة ويسمى علم الشريعة، والثاني معنى باطن وهي الأسرار التي اطلع عليها أهل الحقائق من أولياء الله الصالحين جاء استخدامها في البحث بنفس المعنى على حسب اعتقاد المتصوفة.
[22] محمد يعقوب الكليني-أصول الكافي -الجزء الأول -دار التعاون للمطبوعات -بيروت -1990م -ص 230.
[23] محمد علي البار -الإمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي – ص33 -دار المناهل -بيروت-الطبعة
الثالثة 1922م
[24] سورة الأحزاب -آية رقم (23).
[25] محمد علي البار -مرجع سابق -ص18.
[26] محمد سعيد القدال -تاريخ السودان الحديث -مرجع سابق -ص409.
[27] المرجع نفسه – ص188
[28] صفات الشيخ المكاشفى متداولة في مجتمع الدراسة والجميع تقريبا متفق على الصفات النادرة التي ذكرت أعلاه.
[29] تعد ذكرى بشير “ود كريف”. من أشهر الروايات المتناقلة شفاهه بين أفراد مجتمع البحث فيما يختص بصفة الكرم والكرماء.
[30] الشكينيبة: الشرافة والتاريخ -مخطوطة -أعدها النيل الشيخ الطريفي -2002 م -ص 114
[31] القدال -تاريخ السودان الحديث -مرجع سابق ص370.
[32] يحتفظ أبناء المؤسس بتاريخ وفاة والدهم بالساعة واليوم والشهر والسنة.
[33] الحفيان -أسس التنمية الريفية ودور الزراعة في السودان -مرجع سابق -ص248.


