دراسة في أصول المسألة وأسس تغيير الواقع.

د. عبد المجيد بوكير*

 

 

تقديم وتقسيم

إن أهم ما يميز التوثيق العصري عن التوثيق العدلي كقطبين أساسيين وركنين متينين من أركان التوثيق الرسمي المغربي هو مسألة التلقي الانفرادي في الأول والتلقي الثنائي في الآخر؛ فالمعلوم من منهجية التوثيق العدلي أن الوثيقة العدلية يجب أن تتصدر بذكر اسمي العدلين ودائرة انتصابهما وتذيل بشكلهما وتوقيعهما إذ؛ تعتبر هذه البيانات من أهم الضوابط التوثيقية الأساسية[(1)] التي يؤدي إغفالها إلى المس بالقوة الإثباتية للوثيقة فإذا هي باطلة، وقد نصت المادة 25 من المرسوم التطبيقي للقانون المنظم لخطة العدالة على أنه: ((… تشتمل الوثيقة في طليعتها على اسمى عدلي التلقي ودائرة انتصابهما والمكتب المعينين به…))[(2)].

أما في التوثيق العصري فالتلقي لا يتم إلا بموثق واحد[(3)] ولا يتوقف على آخر كما نصت على ذلك الفقرة الأولى من الفل 21 بالقول: (( لا يشترط لصحة الرسوم، وفي كافة الاحوال مساعدة موثق ثان)).

ولا تستساغ في القانون المغربي هذه الازدواجية في الموقف إزاء الفاعلين في نفس الحقل المهني؛ إذ كيف بالمشروع يسمح بصدور محررات الموثقين العصريين المتلقاه انفراديا دون رقابة من قاضي التوثيق، لذلك فوثائق ورسوم الموثقين العصريين لا تحمل سوى توقيع الموثق رغم أنها وثائق رسمية لا يطعن فيها إلا بسلوك مسطرة الزور[(4)].

وليس معنى هذا التنقيض من قدر الموثق العصري أو ازدراءه أو النيل من شرفه، لا ليس ذلك إطلاقاً، فحسن الظن بالناس وتعظيم أقدارهم والرفع من منزلتهم خلق في الإسلام أصيل وبالمؤمنين الصادقين حرى أثيل، غير أن المسألة أرفع من ذلك بكثير وتتعلق بجوهر الإثبات المرتبط بأسس المجتمع المسلم الذي الحاكمية فيه لله وحده، وفي الاكتفاء بموثق واحد في تلقي الشهادة محاذير شرعية؛ إذ ونحن مالكيون متمسكون بمالكيتنا المعتدلة في المغرب، لا يضرنا أن نخرج عن مذهبنا إلى باقي مذاهب الإسلام الأخرى التي تتقيد في اجتهاداتها بالشرع، فالكل مسلمون، لكن أن نمدد لقانون ولائيته علينا وهو موضوع في الأصل لتنظيم وظيفة للفرنسيين اقتضاها الظرف التاريخي فذلك ما يمس ويخدش مكونات شخصيتنا.

وليست مسألة التلقي هذه هي الفارق الوحيد بين هذين النظامين التوثيقيين الرسميين المتمايزين؛ بل هناك مساحات واسعة من الفروق الأخرى، فرغم أن الدستور المغربي نص من وقت بعيد على أن اللغة العربية عي اللغة الرسمية للبلاد، فإن ظهير التوثيق العصري ما فتيء ينص في فصله 22 على أن اللغة الفرنسية هي لغة التوثيق المعتمدة، وعليه فالفهم الحرفي لنصوص ظهير 4 ماي 1925م من شأنه أن يدلل على وجوب اعتماد اللغة الفرنسية أداة للعمل التوثيقي العصري، وواضح من سيرة هذا التوثيق أن هناك معيقات حقيقية تحول دون تعريبه على الرغم من توافر أسس هذا التعريب سواء الثقافية منها أو القانونية.

في ضوء ما مر معنا، وإذا ما تركنا مسألة التلقي جانباً لفرصة دراسة أخرى لعدم تعلق موضوعنا وما نحن فيه به تقرر في إطار ما يقتضيه منا ترتيب الكلام هنا التطرق للنقط التالية:

  • الأصول القانونية لاعتماد الفرنسية لغة الوثائق العصرية.
  • معيقات تعريب التوثيق العصري.
  • أسس تعريب قطاع التوثيق العصري.

وسوف نخصص لكل نقطة من هذه النقط فقرة خاصة.

الفقرة الأولى: الأصول القانونية لاعتماد الفرنسية لغة الوثائق العصري ة.

إن لغة عقود الموثقين العصريين هي الفرنسية، طبقاً لما نص عليه الفصل 22 من ظهير 1925 الذي يقول:(( إذا كان أحد المتعاقدين أو أحد الشهود لا يحسن الكلام باللغة الفرنسية فإنه يجب على الموثق أن يستعين بترجمان قضائي أو ترجمان محلف، وإذا لم يكن هناك ترجمان قضائي أو ترجمان محلف في المدينة التي يباشر فيها الموثق أعماله، فيمكن له أن ينتدب ترجمانا يؤدي اليمين أمامه لهذا الغرض))، فإن وجد الموثق أن أحد الأطراف لا يحسنها استعان بترجمان قضائي أو بترجمان محلف، وإن لم يوجد فبترجمان يؤدي اليمين أمامه لهذا الغرض.

وبعد أن يشرح الترجمان مضامين الوثيقة الدالة على العقد لمن لا يتقن الفرنسية، يوقعها كشاهد إضافي، وتترجم للفرنسية حروف التوقيع المكتوبة بالأحرف غير اللاتينية ويوقع الترجمان على صحة ترجمتها أسفل الرسم.

ولا يجوز لأقرباء الموثق أو أصهاره أو أقرباء الأطراف في خط القرابة المباشر على جميع مستوياته وفي خط القرابة المنحرف إلى درجة العم والخال أو ابن الأخ أو ابن الأخت أن يتولوا مهام الترجمة، كما لا يجوز أن يتولاها في الوصية الموصي لهم وأقراباؤهم أو أصهارهم إلى درجة تشمل ابن العمومة أو الخؤولة بمقتضى الفصل 22 من ظهير التوثيق العصري.

ومن الطريف حقا أن تعاكس هذه المضامين نص المادة 11 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق المصري[(1)] التي توجب أن يتم (( توثيق المحررات باللغة العربية فإذا كان أحد المتعاقدين يجهل هذه اللغة أو لا يجيدها استعان بمترجم يقدمه المتعاقدون، ويكون محل ثقتهم))[(2)]. يقول الأستاذ أحمد نشأت شارحا مضامين هذه المادة: (( إن المحررات توثق باللغة العربية فإذا كان أحد المتعاقدين يجهل هذه اللغة أو لا يجيدها استعان بمترجم بالغ يقدمه المتعاقدان، ويجب أن يوقع المترجم العقد مع المتعاقدين والشهود والموثق))، ثم أضاف: ((وتحرير العقد بغير اللغة العربية لغة البلاد الرسمية يبطله وتوقيع المترجم لازم كتوقيع الشاهد وإلا كان العقد باطلاً إذا أنكره من يجهل اللغة العربية))[(3)].

فنظرا لخضوع المغرب أوائل القرن العشرين للسيطرة الاستعمارية التي كان التدخل التشريعي أحد أبرز وجوهها، وما استتبع ذلك من إقصاء اللغة العربية من التواصل الإداري وإحلال اللغة الفرنسية محلها، فقد وجدت قطاعات اقتصادية واجتماعية وظيفية ومهنية تعتمد على لغة المستعمر أداة لعملها، وفي هذا السياق نفهم سيادة اللغة الفرنسية في العمل التوثيقي العصري طيلة فترة الحماية ولحد الآن رغم حصول المغرب على استقلاله منذ ما يزيد عن نصف قرن.

ورغم انخراط المغرب في سياسة التعريب والمغربة والتوحيد منذ أوائل الاستقلال، إلا أن قطاع التوثيق العصري ونظرا لظروف وأسباب ذاتية وموضوعية، بقى مغرداً خارج سرب هذه السياسة، لم يتطور لمسايرة التحول الاقتصادي والاجتماعي والقانوني الذي ما فتيء يراكمه المغرب الجديد لما بعد الاستقلال، مما أفرزه مهنة مرتبطة بواقع عاشته بلادنا في مرحلة سابقة من تاريخها.

ورغبة من المشرع المغربي في تجاوز هذه الأوضاع الشاذة المكرسة في نصوص ظهير 4ماي 1925م، فقد حرصت وزارة العدل أثناء إعدادها للمشروع 09.32 على التدخل من خلال المادة 42[(4)] التي أوجبت على الموثقين تحرير وثائقهم باللغة العربية كقاعدة عامة، على أنه يرخص لهم استثناء كتابتها بلغة أخرى غير العربية إذا رغب الأطراف في ذلك، وقد أثارت هذه المادة لغطا شديداً في أوساط أعضاء مجلس النواب بين معارضين ارتأوا أن اللغة العربية من النظام العام وبالتالي لا يجوز الاتفاق على الكتابة والتوثيق بغيرها وبين الأغلبية التس تمسكت بوجوب الانفتاح على المحيط الدولي تشجيعاً للاستثمار وبالتالي السماح بتوثيق التصرفات بغير العربية مسندة رأيها بعدم وجود نص دستوري يجعل اللغة العربية من النظام العام، رغم أن مثل هذا التحجج غير مؤسس على أي مستند قانوني معقول خاصة وأن الدستور كما مر معنا أعلاه نص ضمن قواعده على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد ومعلوم أن القواعد الدستورية في كليتها عي قواعد آمرة ومن النظام العام فلا يجوز مخالفتها تبعاً لذلك.

وبهذا يتبين حقاً وصدقاً أن ظهير 4ماي 1925 من بقايا عهد الاستعمار البائد السيئ الذكر الذي يحتاج إلى التجديد وإعادة التنظيم أولاً بأول، في ضوء النظام العام القانوني المغربي ومن جملته قواعد الدستور ذات الصلة والأحكام العامة للإثبات في الشريعة الإسلامية، مع الأخذ بعين الاعتبار مستجدات التوثيق المعاصر وما راكمه التوثيق العدلي على هذا الصعيد وهذا حديث آخر بطبيعة الحال.

الفقرة الثان ية: معيقات تعريب التوثيق العصري.

رغم المناداة المستمرة والمجهود المسخر في سبيل تعريب العمل التوثيقي العصري، فإن هناك صعوبات جمة تحول دون بلوغ هذا الهدف المشروع، وما وصفناه بالصعوبات الجمة يرتد في آخر المطاف إما إلى معيقات عامة(أولاً)، أو إلى معيقات خاصة(ثانياً).

أولاً: المعيقات العامة لتعريب التوثيق العصري.

يرتبط تعريب العمل التوثيقي العصري شأنه شأن باقي المرافق العامة بالسياسات التي تنتهجها الدولة في سبيل تحقيق استقلالها القانوني والسيادي تجاه الخارج من جهة، وفي سبيل تكريس الوحدة الداخلية من جهة أخرى.

فاللغة بما هي وسيلة وأداة ضرورية للنص التشريعي كي يحقق هدفه في تنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم من جهة، ثم بينهم وبين أشخاص القانون العام من جهة أخرى، يثور سؤال جوهري بخصوصها ويتعلق أساساً حول الأقدار منها على ملامسة مشاعر المخاطبين بها والتعبير عن حاجاتهم التنظيمية، أهي اللغة الوطنية؟ أم اللغة الأجنبية؟

بداية ومن غير تردد نبادر إلى الجزم بأن استخدام اللغة الوطنية في النصوص القانونية وفي التواصل الإداري هي الأقدر على تحقيق الغاية في ضبط سلوك الأفراد في الدولة والمجتمع، كونها المؤهلة لفضا ومعنى لبلوغ إدراك المخاطبين بالنص القانوني وقواعده التنظيمية، الآمرة منها والمكملة[(1)].

وقد قامت اللغة العربية في المغرب فعلاً بهذا الدور قرونا خلت ولم تظهر الحاجة قط لغيرها للنهوض بعبء ضبط السلوك الشخصي والجماعي للأفراد، غير أن خضوع المغرب للحماية سيوجد واقعا أخر جديداً أصبحت معه لغة المعمر( الأسبانية والفرنسية) هي السائدة كلغة إدارة رغم أنها لم تكن مفهومة من غالبية الشعب الذي يدار بواسطتها.

وبعد رحيل الاستعمار وعودة الأمور إلى نصابها، كان لابد من إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، فانطلق الرعيل الأول من المغاربة الذين واكبوا استقلال البلد وتحملوا مسؤولية إدارته تشريعاً وتنفيذاً وقضاء، نحو تطبيق سياسة تعريبية تروم العودة بالعربية إلى الواجهة كلغة وطنية تحكم الخطاب القانوني والإداري المغربي.

ونظراً لتعثر هذا الحدي في كثير من مناحيه لأسباب ذاتية وموضوعية لا يسمح المقام بالاسترسال في بسطها، سيتكرس في الواقع القانوني المغربي الجديد لما بعد الاستقلاق ما اصطلح عليه لاحقاً بالإزدواجية[(1)]على صعيد لغة القانون الجاري به العمل وما نتج عنه من مشاكل وآثار لحقت بالأساس العمل القضائي[(2)] لبلادنا ناهيك عن سير دولابها الإداري[(3)]. وقد كان التوثيق العصري في حماة هذا الواقع المغربي بامتياز، فحافظ تقريباً على الأسس التي قام عليها إبان المرحلة الاستعمارية ومن ضمنها الكتابة باللغة الفرنسية، مع بعض الفارق طبعا والذي اقتضاه استقلال المغرب وسيادة القوى السياسية الوطنية المناصرة لفلسفة التعريب والتوحيد والمغربة والتي ستكرس بقانون 1965م الشهير، وهكذا بقيت الفرنسية لغة الوثائق العصرية من حيث المبدأ، على أنه يصح توثيقها بالعربية[(4)] إذا عبر الأطراف عن رغبتهم في ذلك بواسطة طلب كتابي للموثق بهذا الخصوص[(5)]، هذا على الرغم من أن لبعض المعيقات الخاصة دور معتبر في عرقلة تحقيق هدف تعريب قطاع التوثيق العصري.

ثانياً: المعيقات الخاصة لتعريب التوثيق العصري

يعتبر التوثيق العصري مهنة في خدمة الاقتصاد وإن كان من المهن القانونية المساعدة للقضاء ايضاُ، غير أن ارتباط الاقتصاد المغربي في بنيته ومقوماته بالاقتصاد العالمي الليبرالي بصفة عامة، وباقتصاد فرنسا على وجه التخصيص، فرض على مؤسساتنا الاقتصادية التي هي في أكثريتها فرنسية الأصل الحرص على استخدام اللغة الفرنسية في تعاملاتها؛ نظراً لكون أطرها مفرنسة التكوين[(1)].

ويبقى الموثقون العصريون أشد الناس حرصاً على الكتابة بالفرنسية رغبة منهم في كسب رهان المنافسة مع العدول، خاصة وأن القطاعات الاقتصادية والمالية الحيوية في البلاد لم تمسسها خطوات التعريب بعد، وأظهر مثال على ذلك البنوك التي تحرص على أن تكون عقودها مع الزبائن بالفرنسية وعبر الموثقين العصريين، بل وترفض عقود العدول من أصلها رغم تكرر شكاواهم واحتجاجاتهم، وفي كل الأحوال بقي غياب إرادة سياسية واضحة تهدف إلى تعريب التوثيق كمرفق يساعد القضاء حجر الزاوية على هذا الصعيد.

ثم إن انتهاج المغرب لسياسة الانفتاح الاقتصادي والتي تهدف إلى جلب الاستثمارات الأجنبية المعدودة من روافع التنمية، استدعى من القيمين على بلورة السياسات الإنمائية عدم إغلاق الباب أمام اللغات الموصوفة بالحية- وإن كانت الحياة والموت من خصائص الكائنات البيولوجية الحية لا من خصائص اللغات التي هي من أدوات التواصل ليس إلا- وعلى رأس القائمة بطبيعة الحال اللغة الفرنسية.

وقد انعكس هذا الواقع على التوثيق العصري المرتبط عضوياً بالمؤسسات الاقتصادية ورأس المال، فراح الفاعلون في قطاعه يستميتون في الدفاع عن بقاء اللغة الفرنسية أداة لتحرير عقودهم تحت عناوين الحاجة والضرورة والاستثمار والتنمية وغيرها، وقد انعكس هذا الأمر جلياً في المشروع 09.32 والتي أباحت على الخصوص مادته 42 المارة بنا إمكانية تحرير الموثق وثائقه بغير العربية إذا اختار الأطراف ذلك، وهذا من شأنه أن يؤثر في خطوات تعريب المهنة التي لا تعدم أسسا تخدم هذا الهدف المعدود من الأساسيات بالنسبة لكثير من المغاربة.

الفقرة الثالثة: أسس تعريب قطاع التوثيق العصري.

يعتبر التعريب مسألة حيوية بالنسبة للمغرب الذي قطع شوطاً كبيراً على صعيد تحقيق استقلاله الثقافي والقانوني، بعدما رصد استقلاله السيادي منذ زمن ليس بالهين، ويستمد تعريب التوثيق مشروعيته من مجموعة من المقومات ترتد في آخر المطاف إما إلى أسس ثقافية(أولا)، او إلى أسس قانونية صرفة(ثانياً).

أولاً: الأسس الثقافية لتعريب ا لتوثيق.

يعد المغرب ثقافياً الامتداد الطبيعي للأمة العربية في شمال إفريقيا أخذاً بعين الاعتبار تنوعه العرقي، والأمة المغربية كوحدة متكاملة ذات هوية متعددة الأبعاد الحضارية، ينصهر فيها ما هو عربي إسلامي مع ما هو أمازيغي وأفريقي، وكون المغرب جزء من محيطه العربي لا يعني بالضرورة انفصاله عن جذوره الأفريقية والأمازيغية؛ لذلك كانت اللغة العربية عامل وحدة وركيزة تواصل بين مكونات هذه الأمة العريقة والغنية بثقافتها.

ومع دخول المغرب فترة السبات الاستعماري، عمل المحتل على محاربة عوامل توحيد المغاربة، وكان في طليعتها بطبيعة الحال اللغة العربية؛ لأجل ذلك لا نستغرب إذا رأينا المغاربة وهم ينهضون من سقطات هذه المرحلة يستجمعون عناصر منعتهم ويجعلون حجر الأساس فيها لغة حضاراتهم وديتهم، في سبيل التخلص من هيمنة الإمبراطورية الثقافية الفرنسية بعدما تخلصوا من هيمنة إمبراطوريتها السياسة العسكرية.

فاللغة العربية بالنسبة للمغاربة قديمهم وحديثهم- ومثل ما هو الأمر بالنسبة للأمازيغية- جزء من وجدانهم وفكرهم وحياتهم وأصالتهم وشخصيتهم وثقافتهم وحضارتهم، والعودة بها كأداة لتواصلهم وتنظيم شؤونهم الاجتماعية، وضبط تصرفاتهم القانونية مسألة غاية في الأهمية بالنسبة لهم حتى يشعروا بحياة الاستقلال وعيش الكرام؛ لذلك كان انخراط المغاربة باكرا في مشروع العودة بالعربية للمرافق العامة عنوان الاعتزاز بالشخصية ومكوناتها، وهو أمر لا يعدم سنداً حتى من الناحية القانونية الصرفة، وهذا حديث آخر بطبيعة الحال.

ثانياً: الأسس القانونية لتعريب التوثيق العصري.

يجد التعريب- بصفته أحد مقومات الشخصية المغربية الأصلية- أساسه المنطقي في ضرورة إيلاء العربية المنزلة التي تستحقها، كأداة في تنظيم وضبط السلوك العام للأفراد في المجتمع، غير أن هذا الأساس المنطقي بدوره يجد له سنداً في مجموعة من القواعد القانونية العامة منها والخاصة، والتي تولت التأسيس لمسألة تعريب التوثيق العصري.

1- أسس القانون العام المؤطرة لتعريب التوثيق العصري.

إن اللغة الرسمية للبلاد بمقتضى أحكام الدستور هي اللغة العربية، والدستور بصفته أسمى قانون في البلاد، نص في مقدمته التصديرية[(1)] على أن المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، وأن لغتها الرسمية هي اللغة العربية.

وبهذه المقتضيات يكون المشرع الدستوري المغربي قد جعل من اللغة العربية أحد أكبر الجوامع التي توحد المغاربة، وتصهرهم في بوتقة حضارية جامعة إلى جانب ركن الدين الإسلامي والتاريخ والمصير المشتركين.

غير أن هذا المبدأ الدستوري العام لم يكن ليمر دون أن يتعرض للإنتقاد من طرف كثير من الدارسين[(2)]، وفي هذا الصدد ذهب بعض معارضي التعريب إلى أن هذا التصدير الدستوري يبقى مجرداً مبدأ عام لا ينجر عنه أي التزام قانوني يفرض تعريب القوانين والإدارة إلا أن يصدر المشرع قوانين تنظيمية تبين كيفية تطبيقه.

غير أنه يصعب التسليم بمثل هكذا موقف غير مؤسس على حجج قوية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار مبدأ تدرج التشريع بما ينطوي عليه من ضرورة تحقق قاعدة التراتبية القانونية التي تفرض أن يكون القانون الأدني مسايراً للقانون الاعلى وغير متناقض معه، وبإعمال هذا المبدأ، نستطيع ان نقرر بلا أدنى تردد أن مقتضيات الفصل 22 من ظهير التوثيق التي تفرض الكتابة الفرنسية تبقى غير عاملة لمنافاتها للدستور، فتصير بذلك لغة محررات الموثقين العصريين قانوناً هي العربية، خاصة، وأن هناك مجموعة من الأسس القانونية الخاصة التي توصل لنفس النتيجة.

2- أسس القانون الخاص المكرسة لتعريب التوثيق العصري.

تصبح اللغة العربية هي لغة كتابة محررات الموثقين العصرين إذا ما أعملنا أحكام قانون التوحيد والغربة والتعريب لسنة 1965م والذي هو في حقيقته الأساس الذي يمدد الولاية[(1)] لظهير 4 ماي 1925م، تحقيق العدالة؛ بل أكثر من هذا وذاك، نجد ظهير التوثيق العصري نفسه أسند لكتاب الضبط بالمحاكم الابتدائية، مهاما توثيقية بالشروط المسطرة في الفصلين40 و 41 كما مرت معنا، في إشارة بالغة الدلالة على مدى ترابط مؤسستي القضاء والتوثيق العصري، مثلما هو الحال أيضاً في التوثيق العدلي الذي يتولى فيه القاضي المكلف بالتوثيق بالخطاب على وثائق العدول وإكسابها الصفة الرسمية.

وإلى جانب قانون التوحيد والتعريب والمغربة، يستمد تعريب قطاع التوثيق العصري كينونته وقانونيته من مجموعة من المناشير والدوريات التي تسهر وزارة العدل بصفتها وصية على القطاع على تعميمها حاضة من خلالها على استخدام اللغة العربية في التحرير إمعانا في تكريس استقلال المغرب التشريعي.

وفي هذا الإطار نشير للدورية[(2)] عدد 2236/ 2رقم ملفها35983 والتي وجهها السيد وزير العدل إلى السادة الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف بتاريخ 9 من جمادي الأولي 1406هـ ( 20/ 06/ 1986م)[(3)]، يخبرهم فيها بما أقدمت عليه مصالح مديرية المحافظة العقارية والاشغال الطبوغرافية من تعريب لمرافقها ومصالحها التابعة، ويلتمس منهم إشعار الموثقين العصريين بذلك، وحظهم على مسايرة هذه الخطوات بتعريب عقودهم العقارية كخطوة أولى نحو تعريب باقي العقود التي يصدرونها تماشياً مع المقومات التاريخية والحضارية للمغرب.

كما نشير للدورية[(1)] عدد 25305/2 التي وجهها السيد وزير العدل إلى السادة الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف بتاريخ 23 من ربيع الآخر1415هـ ( 30/ 04/ 1994م(، يخبرهم فيها بإشعار الموثقين العصريين بضرورة تحرير وثائقهم وشهاداتهم باللغة العربية تماشياً مع مقتضيات الدستور ومقومات الحضارة المغربية وثقافته وتاريخه.

الخاتمة.

لقد تبين لنا من خلال التحليل والمناقشة أن المشرع المغربي اختار أن يبقى على الوثيقة العصرية لتكون وسيلة توثيق وإثبات في جميع مجالات التصرفات إيماناً منه بقدرة هذه المحررات على الإستجابة لتطلعات المتعاملين وبالتالي الإسهام في التنمية الاقتصادية لبلادنا التي أحد روافعها نظام إثبات منظم ومتطور.

والملاحظ أن الوثيقة العصرية أصبحت رافعة للتنمية المستدامة وضمانة أساسية للمبادرة الخلاقة التي تهدف إلى تطوير الاقتصاد، خاصة بعد صدور كثير من القوانين كان آخرها القوانين العقارية الثلاثية51-00[(2)] و 18-00[(3)] و 44-00[(4)] وإعطائها الموثق العصري ادوارا طلائعية في توثيق التصرفات المحكومة بهذه القوانين.

والذي ظهر لي من خلال فقرات هذه الدراسة أن الوثيقة العصرية وإن حاولت الظهور بمظهر المساير للتطورات التي يراكمها مغرب الاستقلال فهي ما تزال تحافظ على مراسيمها الشكلية المنبئة بجذورها الفرنسية المعبرة عن ماضيها الروماني، يشهد لذلك تقادم النصوص المنظمة لتأسيسها الأمر الذي يعرقل تطويرها ويحد من الفاعلية التي يجب أن تتصف بها كل المحررات الدالة على عقود أصحابها؛ لذلك نقرن دعوتنا هنا المشرع المغربي إلى ضرورة إعادة النظر في النظم والإجراءات التي تحكم هذه الوثيقة في اتجاه تكريس تعريبها؛ وإذ نثمن للدولة في شخص وزارة العدل إعدادها لمشروع قانون جديد تحت رقم 09.32 يبدو أنه آخذ طريقه هذه المرة للخروج من ردهات المؤسسة التشريعية، نغتنمها فرصة لدعوة المشرع المغربي لتدارك الخلل الذي يشوب هذا المشروع في اتجاه تقرير العربية لغة العقود في المغرب وهذا أمل نظل متمسكين به إلى أن يتحقق في أقرب فرصة سانحة.

قائمة المصادر والمراجع

حسب ترتيب ورودها في المداخلة .

  • اللائق لمعلم الوثاق، أحمد ابن عرضون الشفشاوني، طبعة تطوان، ( بدون).
  • المرسوم رقم: 2.08.378، الصادر في 28 من شوال 1429هـ ( 28 أكتوبر 2008م) بتطبيق أحكام القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5687، الصادر بتاريخ 2 ذو الحجة 1429هـ ( فاتح ديسمبر 2008)، ص 4403.
  • ذه. لمياء الفركاتي، توثي المعاملات العقارية في المحررات الرسمية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول/ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية: 2006/ 2007م.
  • ذ. محمد متزعم، عقد بيع العقار وصناعة التوثيق في المغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص/ وحدة القانون المدني، جامعة القاضي عياض/ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش/ السنة الجامعية 1999م.
  • د. عبد الرحمن بلعكيد، وثيقة البيع بين النظر والعمل، ط: 111 / 2001م.
  • قانون التوثيق رقم 68/ 1947 ولائحته التنفيذية منشور في مجلة الوقائع المصرية العدد 58 بتاريخ 3 يوليو 1947.
  • السيد عبد الوهاب عرفة، الوسيط في التوثيق، ط2/ 2005 دار المطبوعات الجامعية، مصر.
  • ذ. أحمد نشأت، رسالة الإثبات، ط7 (بدون).
  • مشروع القانون 09.32 يتعلق بتنظيم مهنة التوثيق وبإحداث هيئة وطنية للموثقين، مؤرخ بتاريخ شهر مارس 2009م.
  • د. محمد هومير، مهن التوثيق بين التعددية والوحدة في القانون المغربي، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية الحقوق مراكش، السنة الجامعية 2006- 2007م ( رسالة مرقونة).
  • د. محمد الكشبور، ازواجية لغة النص التشريعي وأثرها على القضاء، مداخلة في ندوة: ” القضاء بالمغرب واقع وآفاق”، نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يومي 24- 25/ نوفمبر/ 1989م، منشور أعمالها بمجلة القانون والاقتصاد الصادرة عن كلية الحقوق بفاس، العدد 6، السنة 1990م.
  • ذ. أحمد باكو، من الأولويات المنسية في إصلاح القضاء تعريب التشريع والتوثيق: ازدواج النص اقانوني خرق للسيادة الوطنية وتعويق لسير القضاء، مداخلة في الأيام الدراسية حول قانون الأعمال التي نظمتها هيئة المحامين بالدار البيضاء أيام 17- 18- 19 أبريل 1998م ( مقابل خاص).
  • ذ. طيب محمد عمر، قراءة في التعديل الجديد للفصل 76 من قانون المسطرة الجنائية، جريدة الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ 23 فبراير 1992م.
  • ذ. المهدي سوبو، الترجيح بين لغتي النص التشريعي والعمل القضائي المغربي، جريدة المعلم، صفحة المجتمع والقانون، العدد 16619، بتاريخ: 1-3- 1995.
  • قرار المجلس الأعلى صادر بتاريخ 24/ 09/ 1986م، منشور بمجلة المحاكم المغربية، تصدرها هيئة المحامين بالدار البيضاء، العدد 50.
  • قرار المجلس الأعلى الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 25/11/1983، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد الزدوج 35/ 36.
  • ذ. هشان سيبوس، التوثيق العصري بالمغرب ومعيقات تعريبه، بحث استكمل به الباحث الوحدات الواجب استيفاؤها لنيل دبلوم الماستر في الدراسة الميتودولوجية المطبقة على القانون المدني ” الالتزام التعاقدي والعقار”، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، السنة الجامعية 2007- 2008م ( رسالة مرقونة).
  • الدستور المغربي لسنة 1996م.
  • ذ. محمد أبو عبدة، التعريب ومشاكله، ط.1984م، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، الرباط.
  • ذ. عبد السلام العسري، شهادة الشهود في القضاء الإسلامي: دراسة تاريخية فقهية مقارنة مع بيان ما جرى به العمل لدى الشهود العدول الموثقين وقضاة التوثيق بالمغرب، ط1/ 2007م، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط.
  • مهنة موثق، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، سلسلة ” نصوص ووثائق”، ط1/ 2009م.
  • الظهير الشريف رقم 1.03.202 الصادر بتاريخ 16 من رمضان 1424هـ ( 11 نوفمبر 2003م) بتنفيذ القانون 00.51 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5172 بتاريخ فاتح ذي القعدة 1424هـ موافق 25 ديسمبر 2003 ص 4375.
  • الظهير الشريف رقم 1.02.298 بتاريخ 25 من رجب 1423هـ ( 03 أكتوبر 2002م)، صادر بتنفيذ القانون 00.18 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5054، بتاريخ 2 من رمضان 1423هـ موافق 7 نونبر 2002م، ص: 3175 وما يليها.
  • الظهير الشريف رقم 1.02.302 الصادر بتاريخ 25 رجب 1423هـ ( 13 أكتوبر 2002م)، بتنفيذ القانون 44.00 المنظم لبيع العقارات في طور الإنجاز، تتميما للظهير الشريف الصادر في رمضان 1331هـ 12 غشت 1913 بمثابة قانون الالتزامات والعقود، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 2 رمضان 1423هـ موافق 7 نونبر 2002 ص 3183.

[(1)]* دكتور في الفقه الإسلامي المقارن بالقانون الوضعي وأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله/الكلية متعددة التخصصات بتازة.

(1) اللائق لمعلم الوثائق، أحمد ابن عرضون الشفشاوني ج.1/ ص: 67، طبعة تطوان، (بدون).

[(2)](2) من المادة 25 من المرسوم رقم: 2.08.378، الصادر في 28 من شوال 1929هـ ( 28 أكتوبر 2008م) بتطبيق أحكام القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5687، الصادرة بتاريخ 2 ذي الحجة 1429هـ (فاتح ديسمبر 2008)، ص: 4403.

[(3)](3) ذه. لمياء الفركاتي، توثيق المعاملات العقارية في المحررات الرسمية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول/ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية: 2006/ 2007م، ص: 46 وما يليها.- ذ. محمد متزعم، عقد بيع العقار وصناعة التوثيق في المغرب، رسالة لنيل. دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص/ وحدة القانون المدني، جامعة القاضي عياض/ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش، السنة الجامعية 1999م، ص: 177 وما يليها.

[(4)](4) د. عبد الرحمن بلعكيد، وثيقة البيع بين النظر والعمل، ط: 111/ 2001م، ص: 314.

[(1)](1) قانون التوثيق رقم 68/ 1947 ولائحته التنفيذية منشور في الوقائع المصرية العدد 58 بتاريخ 3 يوليو 1947.

[(2)](2) السيد عبد الوهاب عرفة، الوسيط في التوثيق، ط2/ 2005 دار المطبوعات الجامعية، مصر. ص: 483 وما بعدها.

[(3)](3) ذ. أحمد نشأت، رسالة الإثبات، ط7 (بدون)، ج1/ ص: 214 مع الهامش.

[(4)](4) تقول المادة 42 من المشروع 09.32: ” تحرر العقود والمحررات باللغة العربية، إلا إذا اختار الأطراف تحريرها بلغة أخرى. تحرر أصول العقود والنسخ بكيفية مقروءة وغير قابلة للمحو على ورق يتميز بخاصية الضمان الكامل للحفظ”.

[(1)](1) د. محمد هومير، مهن التوثيق بين التعددية والوحدة في القانون المغربي، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية الحقوق مراكش، السنة الجامعية 2006- 2007م ( رسالة مرقونة)، ص: 102.

[(1)](1) د. محمد الكشبور، ازدواجبة لغة النص التشريعي وأثرها على القضاء، مداخلة في ندوة: ” القضاء بالمغرب واقع وآفاق”, نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يومي 24-25/نوفمبر/1989م، منشورة أعمالها بمجلة القانون والاقتصاد الصادرة عن كلية الحقوق بفاس، العدد 6، السنة 1990م، ص: 307 وما بعدها. وللمزيد من الإطلاع يراجع: د. أحمد باكو، من الأولويات المنسية في إصلاح القضاء تعريب التشريع والتوثيق: إزدواج النص القانوني خرق للسيادة الوطنية وتعويق لسير القضاء، مداخلة في الأيام الدراسية حول قانون الأعمال التي نظمتها هيئة المحامين بالدار البيضاء أيام 17- 18- 19 أبريل 1998م ( مقابل خاص). د. طيب محمد عمر، قراءة في التعديل الجديد للفصل 76 من قانون المسطرة الجنائية، جريدة الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ 23 فبراير 1992م. ذ. المهدي سوبو، الترجيح بين لغتي النص التشريعي والعمل القضائي المغربي، جريدة العلم، صفحة المجتمع والقانون، العدد 16619، بتاريخ: 1-3- 1995.

[(2)](2) فقد طرحت أمام المجلس الأعلى مسألة ارتكاب خطأ في ترجمة الوثيقة من اللغة الفرنسية إلي اللغة العربية من أجل الإدلاء بها أمام القضاء بكيفية أحدثت خللا في مفهوم تلك الوثيقة الأصلية، فردت الغرفة المدنية للمجلس الأعلى الطعن على أساس كونه أثير لأول مرة أمامها ولم يسبق إثارته أمام قضاء الموضوع، ولكونه ايضاً دفع يختلط فيه الواقع بالقانون، يقول القرار في حيثياته: “… لكن، حيث إن مناقشة النص الفرنسي الذي هو أصل الوثيقة ومخالفته للنص العربي فيما يخص كلمة الدار هل تعني أنها مخصصة للسكنى أو لشيء آخر هي نقطة تتعلق بالواقع ولم يسبق للطاعن أن طرحها سواء أمام الدرجة الأولى أو أمام محكمة الاستئناف، لهذا فإن إثارتها لأول مرة أمام المجلس الأعلى يعتبر غير مقبول..” قرار المجلس الأعلى صادر بتاريخ 24/ 09/ 1986م، منشور بمجلة المحاكم المغربية، تصدرها هيئة المحامين بالدار البيضاء، العدد 50، ص:70 وما بعدها.

[(3)](3) طرحت إشكالية التعريب أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بمناسبة طعن في قرار إداري صادر بالفرنسية، فردت هذه الغرفة هذا الطعن على أساس أن الدستور المغربي لا يمانع في استعمال اللغة الفرنسية عند الضرورة، يقول القرار في حيثياته: “… لكن، حيث لئن كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، فإن الدستور لا يمنع استعمال. لغة أجنبية إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك…”. قرار المجلس الأعلى الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 25/ 11/ 1983م، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد المزدوج 35/ 36، ص: 173 وما بعدها.

[(4)](4) درج الموثقون العصريون أنفسهم على توثيق التصرفات التي يكون أطرافها أو أحدهم خليجياً باللغة العربية، ومن جهتها تصدر بعض المؤسسات الفاعلة في قطاع الإسكان محرراتها باللغة العربية، ومن ضمن هذه المؤسسات نشير على سبيل الذكر للعمران التي تعتمد العربية في الوثائق التي توثقها لدى الموثقين، وهناك البنك العربي للإنماء الذي يعد رائداً في تعريب عمل مرافقه.

[(5)](5) ذ. هشام سيبوس، التوثيق العصري بالمغرب ومغيقات تعريبه، بحث استكمل به الباحث الوحدات الواجب استيفاؤها لنيل دبلوم الماستر في الدراسة الميتودولوجية المطبقة على القانون المدني” الالتزام التعاقدي والعقار”، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، السنة الجامعية 2007- 2008م ( رسالة مرقونة)، ص: 26.

[(1)](1) ذ. هشام سيبوس، التوثيق العصري بالمغرب ومعيقات تعريبه، مرجع سابق، ص: 27- 28.

[(1)](1) جاء في تصدير الدستور المغربي لسنة 1996م: ” المملكة المغربية دولة اسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب العربي الكبير. وبصفتها دولة إفريقية، فإنها تجعل من بين أهدافها تحقيق الوحدة الإفريقية. وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً. كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم”.

[(2)](2) محمد أبو عبدة، التعريب ومشاكله، ط1984م، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، الرباط، ص:29.

[(1)] ذهب الأستاذ عبد السلام العسري في كتابه: شهادة الشهود في القضاء الإسلامي: دراسة تاريخية فقهية مقارنة مع بيان ما جرى به العمل لدى الشهود العدول الموثقين وقضاة التوثيق بالمغرب، ط1/ 2007م، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،الرباط، ص: 704- 705 إلى أن مقتضيات الفصل 474 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي تقتضي بأنه: ” لا تلغي القوانين إلا بقوانين لاحقة، وذلك إذا نصت هذه صراحة على الإلغاء أو كان القانون الجديد متعارضاً مع قانون سابق أو منظماً لكل الموضوع الذي ينظمه”، وحيث إن قانون خطة العدالة السابق الصادر بتاريخ 6/ 5/ 1982م قانون شامل لكل مواضيع التوثيق، وحيث ان الفصل 28 منه يفيد أن العدول مؤهلين للإشهاد في كل شي إلا ما يخرج عن دائرة التعامل، فإن عمل الموثق “العصري” إذا كان داخلاً في دائرة التعامل فإن قانون 1982م قد شمله، وإذا كان خارجاً عن دائرة التعامل فهو منسوخ بهذه العلة، ولا يصح الاحتجاج باختلاف التسميات بين النظامين ” توثيق/ عدالة”؛ لأن الاختلاف واقع في اللفظ لا في المعنى، ما دام اصطلاح خطة العدالة يقابل اصطلاح مهنة التوثيق؛ إذ الخطة هي المهنة والعدالة هي التوثيق مع الشهادة، وحيث أن الفصل 34 من قانون خطة العدالة لسنة 1982م نص على أنه: ” تنسخ جميع المقتضيات المخالفة”، وحيث ان الفصل 31 من المرسوم التطبيقي لقانون خطة العدالة الصادر بتاريخ 13 أبريل 1983م ينص على أنه: ” تنسخ جميع الأحكام المخالفة لما ورد في هذا المرسوم؛ فإن قانون التوثيق الفرنسي بالمغرب يعد ملغياً بهذا النص. غير أن الذي ذهب إليه أستاذنا الكريم يصعب التسليم به لعدة أمور: فللحديث عم الغاء نص قانوني قديم بنص قانوني آخر جديد لابد من تحقيق عدة شروط ومنها: أن السلطة التي تملك إلغاء قانون معين هي تلك خلقه أو خلق قانون أعلى منه رتبة، وأن يكون القانون الناسخ لاحقاً للمنسوخ، وإن يكون في درجته أو أقوى منه، وأن يتعلقا معا بتنظيم نفس الموضوع. وبالعودة إلى الحالة التي بين أيدينا  نستطيع أن نسجل التالي: أولاً بالنسبة للسلطة مصدره القانونين، فيما يخص ظهير 4 ماي 1925م نجده صادراً عن جلالة السلطان وهو قمة الهرم التشريعي في البلاد في إطار صلاحياته غير المحدودة أنئذ، بينما نجد قانون خلطة العدالة لسنة 1982م صادراً عن البرلمان بعد مصادقة الملك عليه وإصدار الأمر بتنفيذه ما يعني أن السلطة المصدرة له وهي البرلمان في الأساس لا تملك إصدار ما هو في درجة ظهير 4 ماي 1925م فأحرى ما هو أعلى منه فكيف بها تلغيه إذن، ثانياً إن درجة ظهير 4 ماي 1952م تبقى بالنظر لمن أصدره أعلى رتبة من قانون خطة العدالة وبالتالي لا يتصور من هذا أن ينسخ ذاك، ثالثاً وبالنسبة للموضوع فالقانونان لا ينظمان نفس الموضوع كون خطة العدالة جنس من نوع ( النوع هنا هو التوثيق وأجناسه هي خطة العدالة والتوثيق العصري والتوثيق العبري والتوثيق العرفي وهلم جرا..)، بينما التوثيق العصري جنس آخر من نفس النوع، ولا يصح بالتالي ابتسار المسألة في مجرد انطباق للموضوع مع الاختلاف في التسميات؛ لأجل كل ما مر معنا نستطيع أن نقرر بلا أدنى تردد ولا حرج أن ظهير التوثيق العصري وإن تقادمت نصوصه لم ينسخ لا بقانون خطة العدالة لسنة 1982م، ولا بمرسومه التطبيقي لسنة 1983م، ولا بعدم الاستعمال، ولا بغير ذلك من الوسائل القانونية الأخرى.

[(2)](2) منشور ضمن كتاب: مهنة موثق، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، سلسلة “نصوص ووثائق”، ط1/2009م، ص: 240.

[(3)](3) وردت هذه الدورية في كتاب ” مهنة موثق” المنوه به مؤرخة ب20/01/1986م بدلاً من 20/06/1986م وهو سبق قلم والصحيح ما اثبتناه في المتن ويشهد له نص الدورية الصادرة بتاريخ 30/04/1994م والذي أشار لتاريخها الصحيح ضمن حيثياته

[(1)] منشور ضمن كتاب: مهنة موثق، مرجع سابق، ص: 244.

[(2)] الظهير الشريف رقم 1.03.202 الصادر بتاريخ 16 من رمضان 1424هـ ( 11 نوفمبر 2003م) بتنفيذ 00.51 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5172 بتاريخ فاتح ذي القعدة 1424هـ موافق 25 ديسمبر 2003 ص 4375.

[(3)](3) الظهير الشريف رقم 1.02.298 بتاريخ 25 من رجب 1423هـ (03 أكتوبر 2002م)، صادر بتنفيذ القانون 00.18 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5054، بتاريخ 2 من رمضان 1423هـ موافق 7 نوفمبر 2002م، ص: 3175 وما يليها.

[(4)](4) الظهير الشريف رقم1.02.302 الصادر بتاريخ25 من رجب 1423هـ ( 13 أكتوبر 2002م)، بتنفيذ القانون 44.00 المنظم لبيع العقارات في طور الإنجاز، تتميما للظهير الشريف الصادر في رمضان 1331هـ12 غشت 1913م بمثابة قانون الالتزامات والعقود، المنشو بالجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 2 رمضان 1423هـ موافق 7 نونبر 2002 ص 3183.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading