ذ ة. أسماء أو مولود

قاضية بالمحكمة المدنية بالدار البيضاء

يعتبر اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات حاجة لا بد منها في الوقت الراهن خاصة مع تزايد عدد القضايا وكثرتها بالإضافة إلى ما تتسم به المساطر القضائية من طول المدة وتعقيده، مما لا يساهم في تحقيق النجاعة المتوخاة من العمل القضائي في بعض من القضايا التي تتميز بنوع من الخصوصية التي تطبعها وتنفرد بها وما نقصده بها هي القضايا الأسرية التي تعد الشغل الشاغل للمشرع وكذا للمهتمين من هيئات مدنية ودفاعية وقضائية قصد وضع أنظمة قانونية تتماشى وتتلاءم مع الهدف الأول وهو الحفاظ على الأسرة ككيان هام داخل المجتمع لما لها من أهمية في خلق التوازن للأفراد.

ووقوفا على هذه الأهمية ومكانة الوسائل البديلة لحل النزاعات ومن أبرزها الوساطة كحل بديل للتقاضي الرسمي أو الاحترافي.

ونظرا للدور الكبير الذي تلعبه الوساطة في التخفيف على القضاء وامتصاص بعض النزاعات، بدل أن تأخذ مسارها في مساطر التقاضي العادية، وما تفرضه من إجراءات معقدة، فاللجوء إلى الوساطة تتميز بالسرعة والفعالية والمرونة والسرية وهي من صنع الأطراف بصورة مباشرة للحلول التي يرونها كفيلة لإنهاء نزاعاتهم وتنفيذهم لاتفاقات التسوية التي ترنو الوساطة الوصول إليها، خاصة في النزاعات الأسرية التي غالبا ما يكون أطرافها هما الزوجان، وما تتسم به من الخصوصية في معرفتهم للمشكل وكونهم هم المعنيون بالحل الذي تهدف له الوساطة كعدالة تصالحية.

من هنا نجد أن تحقيق الوساطة لنتائج محفزة في الأنظمة القانونية والقضائية هو ما دفع المشرع المغربي إلى إعداد المناخ المناسب لإدماج الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة للتقاضي في قانون المسطرة المدنية بمقتضى التعديل القانوني الأخير رقم 08-05 بشأن التحكيم والوساطة، فالتساؤل الذي ينبغي أن يطرح بهذا الخصوص ما مدى إمكانية تطبيق الوساطة في القضايا الأسرية، ثم الأحكام العامة التي تحكمها، إلى جانب التقنيات التي من الممكن للقاضي في القضايا الأسرية أن يسلكها في تطبيقه للوساطة وانعكاسها على مسطرة الصلح في النزاعات المعروضة عليه؟

وعلى هذا الأساس ارتأينا تقسيم موضوع الوساطة في القضايا الأسرية إلى نقطتين:

المطلب الأول: الأحكام العامة للوساطة.

الفقرة الأولى: ماهية الوساطة والأشخاص المخول لهم القيام بها.

الفقرة الثانية: مراحل الوساطة ومختلف إجراءاتها.

المطلب الثاني: استخدام القاضي الأسري لتقنيات الوساطة.

الفقرة الأولى: مختلف الإجراءات المتعلقة بالوساطة.

الفقرة الثانية: إعداد الحل من طرف الوسيط والأطراف.

المطلب الأول: الأحكام العامة للوساطة:

تعد الوساطة إحدى المؤسسات القانونية الممكن اللجوء إليها عن طريق تعيين طرف محايد يكون هو الوسيط فما المقصود إذن بالوساطة؟


الفقرة الأولى: تحديد ماهية الوساطة والأشخاص المخول لهم القيام بها:

تعتبر الوساطة وسيلة بديلة لحل النزاعات وذلك بتدخل شخص ثالث في العملية لا يقرر الحل بدلا عن الأطراف بل يساعدهم للوصول إلى حل نابع منهم وذلك كبديل لوصولهم إلى التقاضي فهي مرحلة قبلية قبل عرض النزاع على القضاء.

فقد عرفها الفقه على أنها “تدخل في نزاع أو في عملية تفاوض يقبل الأطراف أن يقوم بها طرف ثالث -من صفاته أن يكون غير منحاز حيادي ولا يملك لسلطة أو القوة لصنع القرار -وذلك بهدف مساعدتهم، بطريقة تطوعية على الوصول إلى اتفاقية خاصة ومقبولة منهم”([1])

وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في الباب الثامن قانون المسطرة المدنية في الفصل. الفصل 327-68 ” يجوز للوسيط أن يستمع إلى الأطراف وأن يقارن بين وجهات نظرهم لأجل تمكينهم من إيجاد حل للنزاع القائم بينهم.

يجوز له بعد موافقة الأطراف ولما تستلزمه الوساطة الاستماع إلى الأغيار الذين يقبلوه ذلك.

يجوز له بعد موافقة الأطراف القيام أو العمل على القيام بكل خبرة من شأنها أن توضح النزاع.

يقترح الوسيط، عند انتهاء مهمته، على الأطراف مشروع صلح أو بيانا عن الأعمال التي قام بها.

ويحرر ذلك في وثيقة صلح تتضمن وقائع النزاع وكيفية حله وما توصل إليه وما اتفق عليه الأطراف على الشكل الذي يضع حدا للنزاع القائم بينه.

يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح الذي توصل إليه.

وفي حالة عدم وقوع الصلح لأي سبب من الأسباب فإن الوسيط يسلم وثيقة عدم وقوع الصلح التي تحمل توقيعه للأطراف.

يخضع الصلح الذي توصل إليه الأطراف لأجل صحته وآثاره لمقتضيات القسم التاسع بالكتاب الثاني من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 133112) أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود مع مراعاة مقتضيات الفصل 327-69 بعده”([2])

وعلى هذا الأساس تعد الوساطة أهم الوسائل الفعالة لفض وتسوية النزاعات بين الأفراد باعتبارها اختيارية بعيدة عن التقاضي الرسمي ويقوم بها الوسيط وهو شخص ثالث بعيد عن النزاع ومحايد يسعى إلى محاولة تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، حتى يتمكن من الوصول إلى تسوية الخلاف وأن يكون الحل النابع من الأطراف مرض لهم، دون أن يترتب عنه خاسر ورابح بحيث يساهم كل منهم بالوصول إلى حلول مبتكرة لا توفرها الأحكام القضائية الصادرة بنتيجة التقاضي مثل تقديم اعتذار من طرف إلى آخر، وابتكار الحلول التبادلية، والحلول التي تركز على العلاقة المستقبلية بين أطراف النزاع ([3]).

ومن خلال ما ذكر فالوسيط يقوم بالتوفيق بين المواقف المتعارضة للأطراف ويجمع المعلومات، فدوره يشبه الطبيب النفسي الذي يكشف الستار عن مكامن الاضطراب ليصل إلى الحل المناسب وذلك بتلخيصه وجهات النظر قصد تقريب الأطراف من الحل.

وتبعا لما تم التطرق إليه فلا بد من الإشارة إلى مجموعة من النقاط الأساسية قصد التعريف بالوساطة ومن يقوم بها وما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها ثم المراحل التي تقطعها.

وبعد أن عرجنا بالتعريف بالوساطة فمن هو الوسيط؟

إن الوسيط هو كل شخص يقوم بمساعدة الأطراف بطريقة تطوعية في الوصول لاتفاقية خاصة بهم ومقبولة عليهم، ولا يملك السلطة لصنع قرار، ولا بد من أن يكون غير منحاز وحيادي وأن يلتزم بالسرية والكتمان.

  • ويجب أن تتوفر في الوسيط الصفات اللازمة من:
  • أن يتمتع بالصبرة؛
  • أن يحسن الاستماع؛
  • يتيح للأطراف الفرصة للوصول إلى حلول مبتكرة ومفيدة بالنسبة لكل منهم؛
  • أن يكون قادر على تشجيع الاتصال والتفاوض البناء والمثمر؛
  • أن يظهر الاحترام لكافة الأطراف المختلفة؛
  • أن لا يكون متحيزا لأحد الأشخاص ويبقى طول مدة الوساطة محايدا؛
  • أن يتوفر على مؤهلات عالية من التنظيم؛
  • يبدي الثقة بالنفس دون أن يسيطر على الحوار؛
  • يهتم بجمع المعلومات ومساعدة الأطراف في حل منازعاتهم؛
  • يعمل على تشجيع الآخرين؛
  • له القدرة على التلخيص؛
  • قادر على إبداء النزاهة الكاملة وعدم التحيز؛
  • لا يقوم بالتحري بل يجمع المعلومات؛
  • ويحترم السرية.

بالإضافة إلى ما سبق فقد حدد المشرع المغربي من خلال الفقرات 63 إلى 65 من الفصل 327 من قانون المسطرة المدنية الدور الذي يجب أن يقوم به الوسيط من إخبار للأطراف بمجرد أن يعلن عن قبوله لمهمة الوساطة عن طريق رسالة مضمونة الوصول مع الإشعار بالتوصل أو بواسطة عقد غير قضائي، ثم التزامه بكتمان السر المهني تحت طائلة تعرضه لعقوبات جنائية، عدم إمكانية تخليه عن مهمته إلا بعد اتفاق الأطراف أو في الحالات المحددة قانونا.

إضافة إلى ما ذكر أعلاه نجد القرة 67 من الفصل 327 اقتصر على أنه يعهد بالوساطة شخص طبيعي أو معنوي، وهذا ما سارت عليه جل التشريعات المقارنة بخصوص الأشخاص المؤهلين لممارسة الوساطة، إلا أنه يطرح تساؤل حول هذه النقطة والمتعلق بمن له الحق في تحديد الأشخاص المسموح لهم بممارسة أعمال الوساطة والقيام بها، فغالبية الفقه ينادي بأنه من ضمن اختصاص وزير العدل الذي يمكن له أن يصدر نصا تنظيميا يحصر فيها لائحة سنوية تحدد الأشخاص المخول لهم مزاولة مهام الوسيط، وهؤلاء من الممكن أن يكونوا قضاة ممارسين أو متقاعدين، محامون خبراء أو مراكز تعنى بالتحكيم والوساطة أو كل شخص اتفق عليه الأطراف شريطة أن يكون مسجلا باللائحة الصادرة عن وزير العدل، وهذا ما نجده في القانون المغربي فقد صدرت دورية عن وزير العدل تحت عدد 12 س 2 بتاريخ 2008/4/29 بشأن تطبيق مقتضيات الفصل 321 من قانون رقم 08-05 الذي ينص على أنه “على الأشخاص الطبيعيين الذين يقومون اعتياديا أوفي إطار المهنة، بمهام المحكم إما بصورة منفردة أو في حظيرة شخص معنوي يعتبر التحكيم أحد أغراضه الاجتماعية، أن يصرحوا بذلك إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف الواقع في دائرة نفوذها محل إقامة الأشخاص الطبيعيين المذكورين، أو المقر الاجتماعي للشخص المعنوي ..” إلا أن هذا النص يعني المحكمين وليس الوسطاء، ومادام القانون رقم 08-05 يعنى بالتحكيم والوساطة الاتفاقية فيمكن إسقاط نصوص التي تهم التحكيم والتي أغفلت في المقتضيات المتعلقة بالوساطة أن تشملها أيضا، ويتم العمل بها ما دام ذلك يخدم تحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها الوساطة.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي وضع مجموعة من الضوابط التي يجب احترامها عند تعيين الوسيط حيث من غير الممكن أن يعهد بها إلى:

  • من سبق أن كان شاهدا أمام القضاء في ذات النزاع؛
  • من تولى النيابة أو الوكالة عن احد أطراف النزاع في خلاف سابق؛
  • من كان من أصول أو فروع أحد الطرفين أو ممن تربطه بهم علاقة نسب أو مصاهرة أو تبعية؛
  • من كانت له مصلحة شخصية ومباشرة في النزاع؛

ومن خلال التطرق إلى من يمكن له أن يمارس مهام الوسيط سننتقل إلى الحديث عن المراحل التي تمر منها مهمة الوسيط.

الفقرة الثانية: المراحل التي تمر منها الوساطة:

تعتبر الوساطة عملية تقنية ([4]) يسعى من خلالها الوسيط للوصول لنتيجة مرضية تخدم جميع الأطراف،

ويمكن تلخيص مراحل الوساطة عن طريق الخطاطة التالية:

  • يقوم الوسيط بالتعريف بنفسه لزرع الثقة في الأطراف الذين اختاروا الوساطة بعد استقبالهم.
  • التعريف بالوساطة ودورها في حل النزاعات وأن يؤكد على السرية.
  • التعبير عن الأحاسيس بعد شرح أسباب النزاع لامتصاص غضب الأطراف للوصول إلى نقطة الهدوء.
  • وضع عناوين المسار أي تحديد القضايا محل النزاع والمصالح.
  • يلخص للطرف الثاني وجهة نظر الطرف المتحدث ثم يلخص وجه نظر الطرف الثاني.
  • تحويل عناوين المسار إلى الحلول المقترحة من طرف أطراف النزاع أي ما يسمى بمرحلة الإبداع.
  • مرحلة التفاوض وإيجاد الخيارات وتقييمها للوصول إلى الحلول المرضية والمنهية للنزاع.
  • كتابة الاتفاق بتلخيص ما اتفق عليه الأطراف مع وصف الحلول وتحديد زمان ومكان التنفيذ، وعلى من يقع، ويمكن قبل التوقيع للأطراف الاستشارة.
  • ملخص الاتفاقية وتوقيعها.
  • التوصل إلى اتفاق عن طريق التوقيع عدم التوصل إلى اتفاق برفض التوقيع.

ومن خلال هذا التعريف الوجيز بالوساطة ومن يقوم بها ثم مراحلها سنطرح التساؤل التالي ما هي التقنيات المخولة للوسيط القيام بها في القضايا الأسرية خاصة أن المشرع المغربي في مدونة الأسرة نص على مسطرة الصلح كإجراء جوهري يجب على المحكمة سلوكه في مسطرة التطليق؟

المطلب الثاني: كيفية استخدام القاضي لتقنيات الوساطة وبلورتها في مسطرة الصلح في القضايا الأسرية المعروضة عليه:

تجدر الإشارة إلى أن المنظومة القانونية المغربية خاصة بعد القانون رقم 08.05 الذي صدر بتاريخ 30 يونيو2007 ([5]) بإلغاء أحكام قانون الإجراءات المدنية المتعلقة بالتحكيم ويفرض إجراءات جديدة تنظم التحكيم والوساطة الاتفاقية.

ويعتبر هذا القانون مجالا هاما للأطراف الذين أصبح بوسعهم تكييف إجراءات القانون مع قضيتهم وفي الوقت نفسه يؤمن لهم إطارا أساسيا لحل نزاعاتهم كما أن هذا القانون يتفادى الحالات التي يمكن فيها عرض النزاع على المحكمة القضائية وعلى محكمة تحكيمية (أو وسيط) في نفس الوقت، ويضع قائمة محكمين تحت تصرف كل محكمة استئناف.

وتشير إلى إمكانية تطبيق نظام الوساطة في مجموعة من المجالات وخصوصا في القضايا الاجتماعية والأكرية والنزاعات الأسرية التي هي محور هذه الدراسة ومدى قابلية تطبيق نظام الوساطة فيها ([6])

الفقرة الأولى: إمكانية تطبيق تقنيات الوساطة في القضايا الأسرية:

تعتبر الوساطة في القضايا الأسرية مجالا خصبا نشطت فيه الوساطة في التجارب الدولية، زد عن ذلك اعتبارها آلية من شأنها تدبير الخلافات بين الأشخاص، والحد من التفكك الأسري ولابد للوساطة في هذا المجال أن تتلاءم مع خصوصيات المجتمع المغربي وتستجيب لحاجياته.

فقاضي الأسرة يلعب دورا مهما في التضييق دائرة الخلاف الأسري من خلال تطبيقه للنصوص المتعلقة بالصلح.

حيث يمكن للقاضي الأسري تطبيق تقنيات الوساطة في مسطرة الصلح بين الطرفين، خاصة أن المشرع المغربي بعد تنصيصه على إلزامية القيام بالصلح من طرف المحكمة، لم يحدد له شكلية خاصة تاركا المجال للقاضي لبلورة مهاراته الفنية واستخدامه لكل الوسائل التي تمكنه للوصول إلى الصلح ومنها المواد 44 من مدونة الأسرة والمادتين 81-82 من نفس القانون والمادة 95 منه، فكيف يمكن اقتباس مهارات الوساطة وإسقاطها خلال هذه المرحلة أثناء مسطرة الصلح وتوظيف مهارات الوساطة من طرف قضاة الصلح؟

قبل ذلك لا بأس إبراز أوجه المقاربة بين الصلح والوساطة من حيث الشبه والاختلاف:

  1. أوجه الشبه:
  • كلاهما له أثر منهي للخصومة إذا ما تم نجاحهما
  • كلاهما لهما نفس حجية الحكم القضائي
  • كلاهما سند تنفيذي.
  • أوجه الاختلاف:
  • الوساطة:
  • إجراء اختياري
  • تسند إلى شخص طبيعي أو جمعية يسمى الوسيط؛
  • تتناول الموضوع كليا أو جزء منه؛
  • تثبت في محضر يوقعه الوسيط والأطراف.
  •   الصلح:
  • إجراء وجوبي،
  • يمكن أن يعرضه الخصوم أو يتم بسعي من القاضي؛
  • على القاضي القيام به؛
  • يتناول الموضوع ككل؛
  • يثبت في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وكاتب الضبط؛
  • محضر الصلح سند تنفيذي.

وعلى العموم فالوساطة تشبه الصلح في أن كلتاهما يدعو لإشاعة ثقافة التصالح وإنهاء الخلاف.

الفقرة الثانية: تقنية استعمال القاضي الأسري للوساطة في الصلح:

يمكن للقاضي أن يعمل على ترجمة تقنيات الوساطة في القضايا الأسرية من خلال مسطرة الصلح في المحاولة الصلحية كما تقتضي بذلك النصوص الشرعية وقواعد مدونة الأسرة وقواعد المسطرة، لكن عليه أن يقتنع أولا بجدوى هذه الآلية وأهميتها متشبعا بثقافة الحلول البديلة للنزاعات وعدم اعتقاده أن اللجوء إليها فيه نوع من الإقصاء أو تهميش للقضاء بل على العكس كونه قاضي اجتماعي قبل أن يكون قاضي يقرر ويحكم في مراكز الأفراد، وأن يضع نصب عينيه مصلحة الأسرة كأولوية أساسية ([7]).

إذن فللقاضي أن يجسد الدور الهام للوساطة وذلك بحثه للأطراف وتشجيعهم على سلوكها كلما ارتأت المحكمة أن النزاع يمكن أن يتم حله عن طريقها بشكل يكفل ضمانة الحفاظ على العلاقات الأسرية بشكل طبيعي وعادي خلاف ما يمكن إن يتركه الحكم القضائي من شقاق وخصام وانفصام في العلاقة بين الزوجين، وما ينعكس بشكل سلبي على الحالة النفسية للأطراف خاصة بوجود أطفال، زد عن ذلك طول الإجراءات المسطرية وتعقدها، وهذا ما يترجمه موقف العمل القضائي وكذا استراتيجية الوزارة الوصية عند إحداثها لأقسام قضاء الأسرة، بالحرص على تكريس سياسة التواصل والانفتاح وتشجيع مختلف الهيئات المتدخلة والتي يمكنها أن تساهم في التطبيق السليم لنصوص مدونة الأسرة، وذلك عن طريق إحداث خلايا للوساطة الأسرية في المحاكم النموذجية، لتخفيف العبء على القضاء واختصار مدة النزاع والتكاليف، ثم تطوير مسطرة الصلح حتى تحقق الهدف الذي من أجله تم النص عليه ([8])

فالوساطة الأسرية الممكن إتباعها تجد أساسها في مقاصد الشرع، وكذا تحقيق لمقتضيات مدونة الأسرة وضمان استقرارها وتوازنها، مما يكفل انفتاح القضاء على محيطه ([9])، إلا أنه بهذا الخصوص فالنص القانوني الجديد ترك الوساطة لمحض إرادة الأطراف وتم الاقتصار فقط على الوساطة الاتفاقية دون الوساطة القضائية، لكن يمكن للقاضي أن يستعمل مهارات وتقنيات الوساطة الاتفاقية مادامت تمكنه نصوص سلوك مسطرة الصلح زيادة على أنه لا ضير في إتباعه لها ما دام أن الهدف هو نفسه السعي نحو الإصلاح وتهدئة النفوس والحفاظ على الكيان الأسري، وذلك بعمله على تقريب وجهات النظر المختلفة والمتباعدة للطرفين والتركيز على أنه ليس هناك من خاسر ولا رابح عند ممارسة الوساطة، بل إن الأطراف هما اللذان يعملان على إيجاد الحل المناسب لهما ويتفقان بمحض إرادتهما عليه.

وعليه، فعلى القاضي أن يكثر من الأسئلة الخلاقة التي يمكن أن تحسس كل من الطرفين على جسامة المسؤولية. وأن الأمر لا يستحق تهويله خاصة عند وجود الأطفال، وان يدفعهما للتفاوض المجدي المبني على الصراحة والثقة المتبادلة. وأن يحاول استعمال المعلومات التي تعد مهمة ومنتجة، دون تناسيه أنه طرف محايد وعدم ممارسته السلطة القضائية المخولة له ([10])، ليثبت أنه من يسعى إلى إيصال الطرفين إلى الحل الذي يرونه مناسبا لهما، وذلك عن طريق حسن إصغاءه للطرفين معا. وأن يعمل قدر الإمكان على امتصاص الغضب والبحث عن أرضية مشتركة لانطلاق الحوار وإيجاد الخيارات المناسبة، ثم تقييمها ووضع جدول زمني لها، ثم أن يبين للأطراف ضرورة كتابة الاتفاق حتى يضمن احترام ما اتفق عليه من طرفهما، ثم وضع ضمانات لتنفيذ الاتفاق، فدائما ما يقوم الوسيط بتقديم افتراضات التفاوض ويعمل على كسر الجليد لانصهار المشاكل دون أن يبين انه هو من وجد الحل، بل يترك الأفراد يدركون أنهم هم من صنعوه ووجدوه لأنفسهم لأنه يخدمه بدرجة أولى.

وفي الختام ومع اتساع اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاع فلا ضير من اتساع رقعة اللجوء إليها والتنصيص عليه صراحة في النصوص القانونية المتعلقة بالقضايا الأسرية، خاصة في مسطرة الصلح وترك الخيار للأطراف قبل رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة انه يمكن لهم اللجوء إلى الوساطة الاتفاقية أو القضائية حسب رغبتهم مع منح جهاز القضاء حق الإشراف والرقابة على عمل الوسيط الذي يمكن أن يكون من الجهاز القضائي أو خارجه مثل المحامون أو الخبراء أو كل من هو آهل لذلك مع وضع آليات ووسائل تنظم هذه الرقابة لتضفي على الوساطة نوع من المصداقية والقيمة.

 

لائحة المراجع:

احمد أبو الوفا: “التحكيم الاختياري والإجباري”،

بنسالم اوديجا: ” الوساطة كوسيلة من وسائل لفض النزاعات ” الطبعة الأولى 2009، دار القلم الرباط

طلعت حسين القيتي: الشبكة اللبنانية لحل النزاعات الجزء الأول ” مهارات تطبيقية لحل النزاعات ” الطبعة الأولى.

“كتيب إجراءات الوساطة لدى المحاكم الأردنية “: الدليل الإرشادي بالتعاون ما بين وزارة العدل والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAI وجمعية المحامين والقضاة الأمريكيين /مبادرة سيادة القانون ص 16-17.

  • المساهمات:

إبراهيم الأيسر: “حصيلة خمس سنوات من تطبيق مدونة الأسرة “، المعهد العالي للقضاء 20 مارس 2009

أمولود محمد: عرض القي بالمعهد العالي للقضاء بالرباط يوم 18 إبريل 2008 بخصوص يوم دراسي حول ” الصلح في النزاعات الأسرية “.

امحمد غزيول برادة: “دور المحامي في إنجاح الوساطة القضائية ” عرض منشور بالموقع الإلكتروني http://membres. multimania. fr/ berradarz19:49:55 .


[1] طلعت حسن القيتي: الشبكة اللبنانية لحل النزاعات “، الجزء الأول “مهارات تطبيقية في حل النزاع) “الطبعة الأولى، ص. 117.

[2] ظهير شريف رقم 1.07.169 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر2007) بتنفيذ القانون رقم 08.05 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية.

[3] “كتيب إجراءات الوساطة لدى المحاكم الأردنية “: الدليل الإرشادي بالتعاون ما بين وزارة العدل والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية صءة وجمعية المحامين والقضاة الأمريكيين /مبادرة سيادة القانون ص 16-17

[4] طلعت حسن القيتي: الشبكة اللبنانية لحل النزاعات ” الجزء الأول “مهارات تطبيقية في حل النزاع “. الطبعة الأولى، ص 115.

[5] ظهير شريف رقم 1.07.80 صادر في 3 ربيع الأول 1428 بمثابة مدونة الأسرة المنشور في الجريدة الرسمية رقم 5584 ص 3894، بتاريخ 25ذو القعدة 1428 موافق 6 دسمبر 2007، ص 3894 – 2.3905 ظهير شريف رقم 1.04.22 في 3 فبراير 2004.

[6] امحمد غزيول برادة: “دور المحامي في إنجاح الوساطة القضائية “، عرض منشور بالموقع الإلكتروني:

.http://membres.multimania.fr/berradarz19:49:55

[7] أمولود محمد: عرض القي بالمعهد العالي للقضاء بالرباط يوم 18 ابريل 2008 بخصوص يوم دراسي حول موضوع “الصلح في النزاعات الأسرية “.

[8] إبراهيم الأيسر: “حصيلة خمس سنوات من تطبيق مدونة الأسرة “، المعهد العالي للقضاء 20 مارس 2009 .

[9] بنسالم اوديجا: “الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض النزاعات “، الطبعة الأولى 2009، دار القلم الرباط، ص 271

[10] بنسالم اوديجا : مرجع سابق ، ص327

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading