الأستاذ نجيب شوقي
رئيس الغرفة العقارية بمحكمة الاستئناف بالناظور
استعمل قانون التحفيظ العقاري مصطلح التعرض للتدليل على وجود منازعة من طرف الغير على إجراءات التحفيظ.
فالتعرض هو الوسيلة الإجرائية المضادة لعملية التحفيظ ولاستمرارها، بل إنها الوسيلة الوحيدة التي تسمح لكل من يدعي حقا عينيا على مطلب التحفيظ التدخل بشكل سلبي ضد هذا المطلب للمطالبة إما بكل العقار أو بحق عيني خاضع للتسجيل وإما للمنازعة فقط في وضعية الحدود أو المساحة لا غير.
والتعرض على هذا الأساس في خصومة تنشأ بين طرفين:
- الأول هو طالب التحفيظ وهو البادئ بإجراءات التحفيظ وصاحب المصلحة في ذلك،
- الثاني هو المعترض على مسطرة التحفيظ وصاحب المصلحة في وقفها كلا أو جزءا،
وجدير بالتذكير هنا إلى أن التعرض على مطلب التحفيظ باعتباره نزاعا أو خصومة عهد إلى القضاء أمر الفصل فيه لم يتطرق إليه قانون المسطرة المدنية أي القانون الإجرائي العام بالتنظيم من حيث شروطه، المسطرة وطبيعته الإجرائية، على غرار تطرقه إلى الدعوى كإجراء عادي وعام لعرض النزاع على القضاء، لذلك فإن الكثير من الفقه تحاشى استعمال مصطلح دعوى التعرض أو دعوى التحفيظ ولهم في ذلك مبررات مسطرية عدة نجملها ونلخصها على النحو التالي:
- إن ظهير التحفيظ العقاري بدوره لم يضف على التعرض مصطلح الدعوى القضائية عندما تعرض لشروط ممارسته ولكيفية تقديمه وعرضه على القضاء،
- الدعوى هي وسيلة إجرائية رسمها القانون القضائي الخاص ومن خلالها يتأتى للخصوم عرض النزاع على المحكمة وهي تنشا ابتداء بموجب مقال افتتاحي يسجل بكتابة الضبط، بخلاف التعرض على مطلب التحفيظ فيكون موطن نشأته هو المحافظة العقارية وبمجرد تصريح شفوي أو مكتوب يقدم لدى هذه الأخيرة أو لدى جهات محددة قانونا (الفصل 25 من ظهير التحفيظ العقاري) على أن تتولى هذه الجهات إحالته على المحافظة لتتولى هذه الأخيرة بعد ذلك إحالة هذا التعرض وكل ملف التحفيظ على المحكمة،
- الأطراف في الدعوى يتحددون أمام المحكمة بخلاف أطراف النزاع في التعرض فيتحددون أمام المحافظة وفيها يعرفون،
- في الدعوى العادية تتولى المحكمة بنفسها تكليف الأطراف لتقديم الحجج بخلاف الأمر في نزاع التحفيظ، فإن السيد المحافظ هو من يتولى القيام بهذه المهمة فضلا على أن المصاريف القضائية تستخلص في الدعوى العادية بصندوق المحكمة بينما تستخلص مصاريف التعرض بصندوق المحافظة العقارية، إلى غير ذلك من أوجه الاختلافات الأخرى، ونذكر على سبيل المثال ما تعلق بتبليغ الأحكام وطرق الطعن وآثاره والتدخل الإداري في الدعوى أو إدخال الغير فيها… إلخ.
لكن ورغم هذه المبررات فإنه ليس ثمة من حرج أو مانع يمنع من تسمية التعرض على مطلب التحفيظ متى أحيل على القضاء بدعوى التعرض أو بدعوى التحفيظ.
ومؤدى ما ذكر أن دعوى التعرض تحلق بجناحين الأول إداري يتم تركيبه لدى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والثاني قضائي يتم صنعه وتركيبه أمام القضاء بكل درجاته.
وإذ نقول بكل درجاته فإننا نستحضر بكل تأكيد أحكام الفصل 361 من قانون المسطرة المدنية التي نصت على أن الطعن بالنقض في قضايا التحفيظ العقاري يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، ومعناه أنه لا مناص من قرار المجلس الأعلى وقضائه للحسم في النزاع.
من هنا تبتدئ أهمية الإجراء (أي التعرض) كحلقة مؤثرة ضمن حلقات مسلسل التحفيظ فقد جعله المشرع محطة لتنقية العقار من جميع ما قد يكون للغير من حقوق عليه، وهذه المحطة هي الموصلة إلى تطهير العقار وهي مفتاح المصداقية التي يقوم عليها الرسم العقاري حتى يصل إلى قيمته الانتهائية وينهض حجة تامة ومطلقة على الملك في مواجهة الكافة.
فالأصل أن التعرض على مطلب التحفيظ ينبغي أن يقدم داخل أجل شهرين يبتدئ من يوم نشر الإعلام عن انتهاء التحديد المؤقت في الجريدة الرسمية إن لم يكن قد قدم قبل ذلك.
والاستثناء من هذا الأصل هو أن يقدم خارج الأجل المذكور في حالتين خاصتين وأمام مؤسستين هما: المحافظ على الملكية العقارية ووكيل الملك وهذا هو المستشف من مقتضيات الفصول 24-27-29 من ظهير التحفيظ العقاري لـــ 12-08-1913.
فقبول التعرض على إجراءات التحفيظ في صورته الاستثنائية جعله ظهير التحفيظ لعقاري بيد المحافظ ما دام ملف التحفيظ موجودا بالمحافظة العقارية وبيد وكيل الملك متى أحيل الملف على المحكمة الابتدائية.
ومعنى ذلك أن مناط انعقاد الاختصاص إلى إحدى هاتين المؤسستين المتباعدتين أصلا والمختلفتين من حيث الموقع والمهام أيضا هو مكان تواجد ملف التحفيظ، فمتى كان الملف بيد المحافظ فإن هذا الأخير هو الموكول إليه صلاحية قبول التعرض أو رفضه ، ومتى أحيل هذا الملف على كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية فإن وكيل الملك هو صاحب الأمر في قبول هذا التعرض أو رفضه أيضا.
غير أن السؤال الذي لازال حاضرا متى أثير التعرض في كلتا الصورتين هو كالتالي: هل ثمة معايير تضبط مجال ممارسة هذا النوع من التعرض؟ بمعنى هل خيار اللجوء إلى هذا الإجراء هو خيار حر، وصلاحيات كل من وكيل الملك والمحافظ محررة من كل ضابط إجرائي أو قيد زمني؟
وهو السؤال الذي حاولنا الإجابة عنه في دراستنا هاته عبر التطرق إلى المحاور التالية:
أولا: الغاية من إقرار إمكانية التعرض على مطلب التحفيظ بعد انصرام الأجل القانوني:
إذا كانت الغاية من التعرض على مطلب التحفيظ على النحو المذكور مفهومة ومشروعة متى أثير هذا التعرض وفق شروطه العادية وداخل أجله العادي والمعتاد، فإن السماح بتقديم هذا التعرض ضمن شروط غير عادية وخارج أجله العادي هو الأمر الذي ظل مثار التباس وتساؤل حول الهدف أو الغاية منه؟
في نظرنا لا تخرج الغاية من إقرار هذا الأمر عن الهدف العام من التنصيص على مسطرة التعرض على إجراءات التحفيظ، وهي الغاية التي ترتبط بقيمة النتائج المترتبة عن تحفيظ العقار والتي تختزل في الحجية المطلقة التي يتمتع بها الرسم العقاري، هذه الحجية التي تحول دون إمكانية أي كان ولو كان فعلا صاحب حق شرعي على العقار المسجل أن ينازع صاحب الرسم على حق يدعيه على هذا العقار ما لم يكن مسجلا، فصك التحفيظ هو الكاشف الوحيد للحقوق العينية ولكل التكاليف العقارية على العقار وله صفة نهائية ولا يقبل أي طعن وهذا ما نص عليه الفصل 62 من ظهير التحفيظ العقاري.
ولفرض هذه النتيجة واستساغة قبولها من حيث المنطق أولا كان لزاما على مشرع الفصل المذكور إحاطة مرحلة ما قبل إنشاء الرسم العقاري بكل الضمانات التي تؤدي إلى حماية أفضل ذلك شخص قد يظهر أنه صاحب حق راجح على العقار الذي تجري بشأنه مسطرة التحفيظ دون أن يتمكن من التدخل في هذه المسطرة داخل الأجل العادي.
ومن هذا المنطلق تظهر أهمية الغاية من السماح بإثارة التعرض حتى بعد انصرام الأجل العادي، وهذه الأهمية تزداد متى آمنا بعدم كفاية الأجل العادي في تحقيق الغاية العامة من التعرض وذلك بالنظر إلى عدة أسباب نجملها في الآتي:
- إن تقييد الأجل العادي زمنيا في مدة شهرين ابتداء من إعلان انتهاء التحديد في الجريدة الرسمية لم تكن مسألة موفقة، فالأجل على هذا النحو هو أجل ضيق ويرتبط ابتداء وانتهاء بمدى إطلاع العامة وإدمانها على قراءة الجرائد الرسمية، فإذا كانت نسبة قراءة هذا النوع من الجرائد هي أصلا متدنية لدى الصفوة من المهتمين بالحقل القانوني والشؤون الرسمية فما بالك بمن هم دون ذلك في مجتمع لازالت تنخره الأمية بمعاييرها التقليدية،
- إن وسائل إشهار إجراءات التحفيظ والإعلان عنها لازالت عتيقة ودون النجاعة المرجوة في مثل هذا الحدث، فلا يعقل أن تبقى هذه الوسائل في طابعها التقليدي والكلاسيكي، سيما بعد أن ظهر ضعفها في تعميم هذا الإشهار متى كان العقار الذي يتم تحديده يقع في منطقة نائية، تغيب فيها الإدارات أو المرافق العمومية والحال أن العلم بهذه الإجراءات ينبغي أن يكون محمولا لا مطلوبا إن صح التعبير.
وعليه نستطيع القول بان إيراد الفصل 29 في قانون التحفيظ العقاري هو اعتراف ضمني من المشرع بعدم كفاية الأجل العادي لإنصاف من يمكن إنصافه خلال عملية التحفيظ واعتراف ضمني أيضا بعدم نجاعة وسائل الإعلان والإشهار المقررة لتعميم العلم بهذه العملية لدى كل من تعنيه بشكل مباشر أو غير مباشر من الأغيار.
إلا أن التعرض في صورته الاستثنائية وباعتباره غير مقيد بميعاد زمني محدد كما يبدو من خلال مقتضيات الفصل 29 من ظهير التحفيظ العقاري وغير محاط بشروط واضحة عند ممارسته نظرا للصيغة الفضفاضة للنص، يشكل في بعض الحالات مطية لعرقلة أشواط. عملية التحفيظ ويحول دون تمكن القضاء من حسن تصريف قضايا التحفيظ بسرعة.
فعدم إخضاع هذه الحالة الاستثنائية لمعايير ظرفية ولضوابط وقتية أدى إلى بقاء مجال ممارسة هذا النوع من التعرض مجالا غير محدد.
ثانياً: مجال ممارسة التعرض الاستثنائي:
قلنا، سابقا بأن تقديم التعرض على مطلب التحفيظ خارج الأجل القانوني تعلق برخصة أوجدها الفصل 29 وهذه الرخصة لا تصدر إلا من مؤسستين الأولى إدارية وتتمثل في السيد المحافظ والثانية قضائية وتتمثل في السيد وكيل الملك.
غير أن مجال الاستفادة من هذه الرخصة لا تحكمه ضوابط محددة بالنظر إلى فراغ الفصل 29 من ذلك من جهة، وإلى عدم وجود قراءة واحدة للنص من جهة أخرى، أضف إلى ذلك أن العمل القضائي بدوره لم يعمل على تكريس قراءة واحدة للنص أو فرض اتجاه واحد في التطبيق.
وهذا ما سنعمل على توضيحه بالحديث عن صلاحيات كل من وكيل الملك والمحافظ في تقديم هذه الرخصة.
أ- التعرض الاستثنائي المأذون به من طرف السيد المحافظ:
إن تقديم التعرض أمام السيد المحافظ يدخل ضمن صلاحياته العادية ويستوي في ذلك أن يكون التعرض قد قدم داخل الأجل أو بعد انقضائه.
وإذا كانت صلاحية المحافظ في قبول التعرض داخل الأجل العادي مقيدة بضابط زمني، فإن صلاحيته في قبول التعرض خارج الأجل مقيدة بضابط تواجد ملف التحفيظ بيده من عدمه.
بمعنى أن اختصاص السيد المحافظ في هذا الإطار مقيد بضابط ظرفي يتحدد من يوم انتهاء أجل الشهرين إلى غاية يوم إحالة الملف على المحكمة الابتدائية، حيث ينتقل الاختصاص من تاريخه إلى صلاحية السيد وكيل الملك ويمنع على المحافظ من هذا اليوم قبول أي طب أو رفضه، والملاحظ في هذا الصدد أن هذه الصورة لا تطرح أية مشكلة متى كان مطلب التحفيظ مثقلا بتعرضات سابقة تم تسجيلها في وقت سابق أي داخل الأجل القانوني، لأن ملف التحفيظ في هذه الحالة يكون محكوما عليه منذ البدء بولوج المرحلة القضائية وبالتالي يسهل ضبط مجال اختصاص المحافظ في إطار هذه الصورة، بخلاف الحالة التي يكون فيها مطلب التحفيظ قد خلا من أي تعرض سابق ويكون فيها أجل التعرض القانوني قد انتهى، بحيث يطرح سؤال عريض مفاده هل ثمة من معيار يحتكم إليه السيد المحافظ بقبول التعرض إذا أثير خارج الأجل؟ أو بعبارة أخرى هل يحق للمحافظ قبول هذا النوع من التعرض حتى ولو كانت عملية التحفيظ في مراحلها النهائية؟ لا شك أن الجواب عن هذا التساؤل يجعلنا نستحضر موقفين:
- موقف يؤمن بأن سلطة المحافظ في هذا الإطار هي سلطة مطلقة طالما أنه لا يوجد أي مانع في القانون يمنعه من قبول التعرض ما دام الرسم العقاري لم ينشأ بعد،
- موقف يرى عكس ذلك، أي يرى أنه من العبث إطلاق سلطة المحافظ في هذا الإطار؟ إذ ليس معقولا أن تظل وضعية طالب التحفيظ تحت رحمة هذه السلطة المطلقة وتظل مهددة بقبول أي تعرض رغم انصرام أجل التعرضات بوقت طويل أو رغم كون أطوار التحفيظ قد دنت من مرحلة تأسيس رسم التحفيظ.
من هنا ولما كان القانون لم يفرض أي ضابط يضبط صلاحية السيد المحافظ في هذا الإطار، فإن المعيار المتحكم في مسألة قبول التعرض من عدمه هو شخص المحافظ نفسه.
ونحن نرى بأن صلاحية المحافظ في قبول التعرض الاستثنائي ينبغي أن تبقى محكومة بهذه الصفة أي صفة الاستثناء وضمن أحوال خاصة ومبررة.
وينبغي من باب أولى على المحافظ عدم قبول أي تعرض قد يثار بعد عودة ملف التحفيظ إلى المحافظة وبعد صدور حكم بات في النزاع
ب- التعرض الاستثنائي المأذون به من طرف السيد وكيل الملك:
لقد عاب الكثير من الفقه على الفصل 29 من ظهير التحفيظ العقاري إسناده الاختصاص لوكيل الملك في قبول التعرض الاستثنائي متى أحيل ملف التحفيظ على المحكمة الابتدائية ومبرراتهم في ذلك تنطلق من عدة اعتبارات يمكن ذكر ما يلي:
- أن المادة الزجرية هي التي تطبع صلاحيات هذا الجهاز وان إلمامه بالمادة العقارية يظل محدودا ولا يؤهله لاتخاذ القرار السليم،
- وجود إكراهات تنظيمية ومعوقات مسطرية تحول دون دراسة مستفيضة للحجج المقدمة لتأييد التعرض وبالتالي لاتخاذ القرار السليم،
- لقد أثبت الواقع العملي أن ممارسة التعرض أمام جهاز وكيل الملك يفتقر إلى معايير إجرائية واضحة، وبسبب ذلك اتسمت هذه الممارسة بطابع العشوائية، حيث لوحظ في حالات عديدة قبول تعرضات خارج الأجل دون أن يتوفر طالب التعرض على مستندات صحيحة وراجحة للحق المزعوم، أو تقبل في المقابل تعرضات من أشخاص لا علاقة لهم أصلا بالعقار موضوع مسطرة التحفيظ، كما قد تقبل تعرضات والحال أنها ليست بتعرضات أصلا، كأن يكون التعرض قد وجه ضد متعرض آخر أو قد انبني على أساس حق غير خاضع للتسجيل.
والمشكلة يكمن سببها في تحرر مجال صلاحية وكيل الملك بخصوص هذه المسألة من كل ضابط يقيد هذا المجال.
فظاهر الفصل 29 أبقى مجال اختصاص وكيل الملك في قبول التعرض المقدم خارج الأجل مجالا عاما ومفتوحا، والحال كان من المطلوب ضبط هذا المجال على الأقل إجرائيا واخضاعه من حيث المنطق للمراحل التي يقطعها النزاع أمام القضاء حتى يمنع على وكيل الملك قبول أي تعرض متى صار الملف جاهزا للبث فيه.
فلا يعقل بتاتا أن يحدد أجل التعرض العادي في شهرين، في الوقت الذي يبقى فيه التعرض الاستثنائي محررا من كل ميعاد زمني طويل أو قصير، مما قد يجعل من تدخل السيد وكيل الملك في وقت غير مناسب سببا معطلا للبث في القضية، علما بأن التعرض خارج الأجل هو استثناء فقط ولا يمكن للاستثناء أن يجب الأصل أو يهيمن عليه.
من هنا نرى بأنه وعلى الرغم من قصور المادة 29 من ظهير التحفيظ العقاري في ضبط مجال ” صلاحية وكيل الملك في هذا الإطار، فإن ذلك لا ينبغي أن يؤخذ على سلطة وكيل الملك في قبول التعرض كونها مطلقة وفي أي مرحلة تكون عليها دعوى التحفيظ بل العكس، والا فتح الباب على مصراعيه أمام مجموعة من التأويلات الخاطئة للنص والتي قالت بإمكانية قبول التعرض حتى بعد صدور الحكم الابتدائي أو وجود النزاع منشورا أمام محكمة الاستئناف بدعوى أن النص لم يمنع صراحة ذلك.
فمثل هذا الطرح لا يعد مقبولا، لأن الفصل 29 يسمح بفتح الأجل الاستثنائي بعد عرض نزاع التحفيظ على المحكمة الابتدائية دون غيرها من المحاكم، وصلاحية ذلك منوطة بوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية دون غيره كالوكيل العام “مثلا”، كما أن القول بخلاف ذلك يصطدم بقواعد إجرائية نص عليها ظهير التحفيظ العقاري في الفصلين 41 و43 وبقواعد إجرائية عامة نص عليها قانون المسطرة المدنية.
فالفصل 43 نص على أنه “وفي مرحلة الاستئناف لا يمكن للأطراف أن يتقدموا بأي طلب جديد ويقتصر التحقيق الإضافي المنجز من قبل المستشار المقرر على النزاعات التي آثارها مطلب التحفيظ في المرحلة الابتدائية”.
فمقتضى هذا الفصل ينسجم بشكل كامل مع القواعد الإجرائية المنظمة للطعن بالاستئناف وفق قانون المسطرة المدنية، فالفصل قد منع على الأطراف في نزاع التحفيظ أن يتقدموا بأي طلب جديد وهو بذلك يكون ضمنيا قد منع من باب أولى قبول طرف جديد أو متعرض جديد كيفما كانت صفته.
وهذا يتطابق بشكل تام مع مبدأين عامين في قانون المسطرة المدنية هما:
- مبدأ التقاضي على درجتين،
- مبدأ ثبات النزاع
فمبدأ التقاضي على درجتين يمنع قضاء الدرجة الثانية من النظر في النزاع الذي ينشأ بعد صدور الحكم الابتدائي كيفما كان نوعه إلا في أحوال خاصة، ومبدأ ثبات النزاع يمنع من قبول طلبات جديدة تقدم لأول مرة أمام محكمة الاستئناف من طرفي النزاع وما بالك من طرف جديد، ومعناه أن تدخل متعرض جديد لأول مرة أمام محكمة الاستئناف للمناعة في مطلب التحفيظ هو قمة المس بثبات النزاع وبمبدأ التقاضي على درجتين، ومنع ذلك هو أهدى وأكثر توافقا مع المقتضيات المذكورة من جهة ومع المطلوب من الناحية العملية من جهة أخرى.
حاصل ما تقدم ذكره، نستطيع القول في الأخير، بأن الفصل 29 ورغم عموم الصياغة فيه فإن قصد المشرع لا ينبغي أن يؤخذ على أنه قد ترك المجال واسعا أو مفتوحا لإثارة التعرض بعد انقضاء الأجل أنى كانت عليه إجراءات التحفيظ أو أنى كان عليه النزاع أمام القضاء بل العكس، هو المقصود حتما، طالما أن المشرع قد نص على هذه الإمكانية من باب الاستثناء، محاط دوما بشروط تأخذ حكم هذا الاستثناء، والدور بعد ذلك على المحافظ ووكيل الملك، ويتحدد هذا الدور وفق كيفية إجادتهما قراءة هذا الاستثناء وتكييفه مع مختلف الوقائع والظروف.
فإذا كان المحافظ ووكيل الملك غير ملزمين بقبول التعرض في صورته الاستثنائية تحت أي مبرر لم يقتنعا به، فإنهما في المقابل غير ملزمين برفضه في أحوال معينة.
فمعيار الاقتناع لديهما في كل الأحوال يخضع لضميرهما ولحنكتهما في التعامل مع الحالات الواردة، وهما في هذا الصدد مدعوان إلى استحضار مسألة مهمة وغاية في الخطورة وهي أن قراراتهما سواء صدرت بالقبول أو بالرفض فهي لا تقبل أي طعن.
من هنا، إذا كانت الحاجة إلى الإبقاء على الفصل 29 مازالت قائمة ومطلوبة فإن مراجعة الصياغة الحالية للنص أضحت مفروضة، والمطلوب أن تأتي الصياغة الجديدة على نحو تؤدي إلى تقييد التعرض الاستثنائي بقيد زمني وظرفي تراعى فيه المراحل التي قطعتها مسطرة التحفيظ وتؤدي من ثم إلى حصر مجال ممارسة التعرض وتقنينه.
والمطوب أيضا أن تكون صلاحية فتح الأجل الاستثنائي محصورة بيد المحافظ وحده حتى ولو كان النزاع معروضا أمام المحكمة (المحكمة الابتدائية وحدها) لأن المحافظ على يده يولد مطلب التحفيظ وهو أدرى بكل خبايا وقائعه، كما توجد تحت إمرته وسائل تقنية وهندسية تؤهله لضبط التعرض على الميدان موقعا وحدودا، وعلى قاعدة هندسية صلبة تضمن في الأخير سهولة تنفيذ أي حكم قضائي قد يصدر في النزاع بعد ذلك.
كما نرى من المفيد إخضاع القرار المتخذ من قبل المحافظ إيجابا أو سلبا للطعن أمام رئيس المحكمة الابتدائية حتى ولو كان الملف مازال في مرحلته الإدارية لدى المحافظة وذلك بغية تقوية مجال ممارسة التعرض الاستثنائي بضمانات أكثر تبرر الغاية من إقراره في نظام التحفيظ العقاري.


